لكن تخصيص التسع بالذكر لا يمنع ثبوت الزائد عليها؛ لأن القاعدة في أصول الفقه: أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد.
وقد ذكر القرآن المجيد ست عشرة معجزة لموسى ﵇ ذكرها الرازي (١) وهي: إزالة العقدة من لسانه؛ أي إذهاب العجمة وصيرورته فصيحا، وانقلاب العصا حية، وتلقف الحية حبالهم وعصيهم على كثرتها، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وشق البحر: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة ٥٠/ ٢] والحجر: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف ١٦٠/ ٧] وإضلال الجبل: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف ١٧١/ ٧] وإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، والجدب، ونقص الثمرات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف ١٣٠/ ٧] والطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والنقود.
وقال الرازي (٢) بعد أن ذكر أن الروايات ظنية غير يقينية في بيان الآيات التسع: أجود الروايات في تفسير قوله تعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ما
روى صفوان بن عسّال المرادي أنه قال: إن يهوديا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات، فذهبا إلى النبي ﵌ وسألاه عنها، فقال: «هن ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن تعدلوا في السبت، فقام اليهوديان، فقبّلا يديه ورجليه، وقالوا:
نشهد إنك نبي، ولولا نخاف القتل، وإلا اتبعناك» (٣). فالمراد بالآيات:
الأحكام.
стр. 4552
﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي فاسأل أيها النبي بني إسرائيل المعاصرين لك كعبد الله بن سلام وصحبه سؤال تأكد واستيثاق واطمئنان، لتعلم ثبوت ذلك في كتابهم.
﴿إِذْ جاءَهُمْ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أي فاسألهم حين جاءهم موسى بتلك الآيات، وبلغها فرعون، فقال فرعون: إني لأظنك يا موسى أن الناس سحروك وخبلوك، فصرت مختلط العقل.
﴿قالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ أي قال موسى لفرعون: لقد علمت علم اليقين أن هذه الآيات التسع ما أنزلها خالق الأرض والسموات إلا حججا وأدلة على صدق ما جئتك به، فهي تهدي الإنسان إلى الطريق الحق، وأنها من عند الله لا من عند غيره.
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ أي مغلوبا هالكا مصروفا عن الخير، ميالا إلى الشر.
﴿فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي فأراد فرعون أن يخرج موسى وقومه بني إسرائيل من أرض مصر بالقتل، أو بالطرد.
﴿فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً﴾ أي فأهلكناه وجنوده جميعا بالإغراق في البحر.
﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ: اُسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أي ونجينا موسى وقومه بني إسرائيل، وقلنا لهم بعد هلاك فرعون: اسكنوا الأرض التي أراد فرعون إخراجكم منها وهي أرض مصر، أو أرض الشام التي وعدتم بها.
﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم أنتم وعدوكم جميعا، مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم. واللفيف: الجمع
стр. 4553
العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدني، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف.
وبعد أن ردّ الله تعالى على الكفار بأنه لا حاجة للمعجزات؛ لأن قوم موسى آتاهم الله تسع آيات بينات، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، ولأنه لو جاءهم بتلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها، لأنزل بهم عذاب الاستئصال، فاقتضت الحكمة عدم تلبية مطالبهم لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن، ومنهم من لا يؤمن
بعد هذا عاد الله تعالى إلى تذكيرهم بالمعجزة الخالدة وهي القرآن، وإلى تعظيم شأنه، والاكتفاء به، فقال:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ..﴾. أي إننا أنزلنا القرآن متضمنا للحق من تبيان براهين الوحدانية والوجود، وحاجة الناس إلى الرسل، والأمر بالعدل ومكارم الأخلاق، والنهي عن الظلم وقبائح الأفعال والأقوال، والأحكام التشريعية والأوامر والنواهي المنظمة لحياة الفرد والجماعة والدولة وغير ذلك من أصول التشريع الرفيع.
ونزل إليك يا محمد هذا القرآن محفوظا محروسا، لم يختلط بغيره، ولم يطرأ عليه زيادة فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك مع الحق وهو جبريل ﵇، الشديد القوي، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى.
وبعد بيان خواص القرآن أبان تعالى مهام النبي ﵊، فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرا لمن أطاعك من المؤمنين بالجنة، ونذيرا لمن عصاك من الكافرين بالنار.
ثم عاد إلى بيان كيفية نزول القرآن منجما، أي مقسطا بحسب الوقائع والمناسبات، فقال تعالى:
стр. 4554
﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ أي وأنزلنا قرآنا مفرقا منجما في مدى ثلاث وعشرين سنة، فلم ينزل في يومين أو ثلاثة، وإنما أنزلناه بحسب الوقائع والحوادث وعلى ما تقتضيه الحكمة والمصلحة العامة النافعة في الدنيا والآخرة على وفق المناسبات، وقد ابتدأ نزوله في ليلة مباركة هي ليلة القدر في رمضان، وقرئ ﴿فَرَقْناهُ﴾ بالتشديد، أي أنزلناه آية آية مبينا مفسرا.
وذلك لتبلغه للناس وتتلوه عليهم على مهل، ونزلناه تنزيلا أي شيئا بعد شيء، على الحد المذكور والصفة المذكورة. وفائدة قوله: ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ بعد قوله ﴿فَرَقْناهُ﴾ بيان كون التنزيل على حسب الحوادث.
ثم هددهم الله محتقرا لهم غير مبال بشأنهم بقوله: ﴿قُلْ: آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين لم يقتنعوا بكون القرآن معجزة كافية، وقالوا لك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء ٩٠/ ١٧] آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به، فهو حق في نفسه أنزله الله، وكتاب خالد إلى أبد الدهر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ..﴾. أي إن علماء أهل الكتاب الصالحين الذين تمسكوا بكتابهم ولم يبدلوه ولم يحرفوه، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يسجدون على وجوههم تعظيما لله ، وشكرا على ما أنعم به عليهم، وعبر عن السجود بقوله ﴿لِلْأَذْقانِ﴾ لأن الإنسان كلما ابتدأ بالخرور والإقبال على السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض: الذقن، أو هو كناية عن المبالغة في الخضوع والخشوع والخوف من الله تعالى.
ويقولون في سجودهم: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا..﴾. أي تنزيها لله تعالى وتعظيما وتوقيرا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد، لذا قال: ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا
стр. 4555
لَمَفْعُولاً﴾ أي منجزا واقعا آتيا لا محالة.
وهؤلاء كما قال مجاهد: ناس من أهل الكتاب، حين سمعوا ما أنزل على محمد ﵌ خرّوا سجدا، منهم زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبد الله بن سلام.
وهذا السجود من هؤلاء تعريض بأهل الجاهلية والشرك، فإنهم إن لم يؤمنوا بالقرآن، فإن خيرا منهم وأفضل علماء أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب، وعلموا ما الوحي، وما الشرائع، فآمنوا وصدقوا به، وثبت لديهم أنه النبي الموعود به في كتبهم، فإذا تلي عليهم خروا سجدا لله، تعظيما لأمره، ولإنجاز ما وعد في الكتب المنزلة، وبشر به من بعثة محمد ﵌، وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في الآية: ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ أي بإنزال القرآن وبعثة محمد.
وصفة سجودهم ما قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ أي ويخرون ساجدين باكين خاشعين خاضعين لله من خشية الله، وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله.
ويزيدهم السجود خشوعا، أي إيمانا وتسليما، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً، وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد ١٧/ ٤٧].
وقد امتدح النبي ﵌ البكاء في أحاديث كثيرة منها:
ما رواه الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى التالي:
١ - أيد الله نبيه موسى ﵇ بمعجزات أو آيات تسع، كما ذكرت الآية
стр. 4556
هنا، وهي بدلالة آيات أخرى ست عشرة معجزة، كما بينا في التفسير، واخترنا ما اختاره الرازي وغيره أنها آيات الكتاب والأحكام.
ولم تكن الإحالة بالسؤال إلى بني إسرائيل عن هذه الآيات إلا من قبيل الاستفهام والإلزام، ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد ﵌.
وبالرغم من دعم موسى بهذه الآيات، فلم يؤمن فرعون برسالته، وإنما قال له: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أي ساحرا بغرائب أفعالك، أو مسحورا من غيرك مختلط العقل مخبولا. والظن هنا على حقيقته المفيد رجحان الوقوع.
٢ - لم يجد موسى جوابا لفرعون إلا الاعتصام بربه، وإعلانه أن هذه الآيات منزلة من رب السماء والأرض بصائر، أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته وتصديقه موسى في نبوته، وقال له: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ والظن هنا بمعنى التحقيق والتيقن، والثبور: الهلاك والخسران.
٣ - لم يجد الطاغية فرعون غير استخدام السلطة والقوة، وصمم على إخراج موسى وبني إسرائيل إما بالقتل أو بالإبعاد، فأهلكه الله ، وأسكن بني إسرائيل من بعد إغراقه أرض الشام ومصر. ثم يأتي الله بالجميع يوم القيامة من قبورهم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر دون تمييز ولا تحيز، ويحاسب كل امرئ على ما قدم.
٤ - أنزل الله القرآن متضمنا الحق والعدل والشريعة والحكم الأمثل، والجمع بين الإنزالين لمعنيين، فقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾ أي أوجبنا إنزاله بالحق، وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي ونزل وفيه الحق، أو أن الأول معناه: مع الحق، والثاني بالحق أي بمحمد ﵌، أي نزل عليه.
стр. 4557
٥ - كان إنزال القرآن منجما مقسطا على حسب الوقائع والمناسبات في مدى ثلاث وعشرين سنة، ليتمكن الناس من قراءته على مهل وتدبر وإمعان، وليعملوا به تفصيلا، فإنهم لو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.
٦ - هدد الله تعالى مشركي قريش وأبدى إعراضه عنهم، لا على وجه التخيير قائلا لهم: ﴿قُلْ: آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فإن العلماء السابقين من أهل الكتاب وهم مؤمنوا أهل الكتاب آمنوا به عن يقين، ولم يتمالكوا أنفسهم عند سماعه إلا السجود لله خاضعين خاشعين باكين من خشية الله، قائلين: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا، إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ أي منجزا بإنزال القرآن وبعث محمد ﵌.
٧ - قوله ﴿يَبْكُونَ﴾ دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن البكاء لا يقطعها ولا يضرها. وقيد ذلك بعض الفقهاء بألا يكون مقرونا بصوت وكلام.
أما الأنين فلا يقطع الصلاة للمريض، ويكره للصحيح في رأي مالك.
وكذلك التنحنح والنفخ لا يقطع الصلاة عند مالك. وقال الشافعي: إن كان له حروف تسمع وتفهم يقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن كان من خوف الله لم يقطع، وإن كان من وجع قطع.
دعاء الله بالأسماء الحسنى
﴿قُلِ اُدْعُوا اللهَ أَوِ اُدْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَاِبْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)﴾
стр. 4558
الإعراب:
﴿أَيًّا ما تَدْعُوا﴾ ﴿أَيًّا﴾: شرطية، منصوب بتدعوا، والتنوين في ﴿أَيًّا﴾ عوض عن المضاف إليه، و ﴿ما﴾: زائدة للتأكيد، و ﴿تَدْعُوا﴾: مجزوم بأي، وفاء ﴿فَلَهُ﴾ جواب الشرط، وقوله ﴿اُدْعُوا﴾ يتعدى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا.
البلاغة:
﴿تَجْهَرْ﴾ و ﴿تُخافِتْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾ أي سموه بأي واحد من هذين الاسمين، أو نادوه بأن تقولوا: يا الله، يا رحمن ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا﴾ أي هذين تدعوا فهو حسن، والدعاء هنا: التسمية ﴿فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ فلله الأسماء الحسنى، وهذان منها، وكونها أسماء حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام. وقوله: ﴿فَلَهُ﴾ للمسمى؛ لأن التسمية له، لا للاسم، وكان أصل الكلام: أيّا ما تدعو فهو حسن، فوضع موضعه ﴿فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل على الله تعالى.
والأسماء الحسنى تسع وتسعون، كما
جاء في الحديث الذي رواه الترمذي: الله الذي لا إله إلا هو: الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحيّ، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعال، البرّ، التواب، المنتقم، العفوّ، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.
﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ بقراءتك فيها، فيسمعك المشركون، فيسبوك ويسبوا القرآن ومن
стр. 4559
أنزله ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ ولا تسرّ بقراءتك، لينتفع أصحابك ﴿وَابْتَغِ﴾ اقصد ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلاً﴾ طريقا وسطا.
﴿شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ في الألوهية ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ﴾ متولي أمره ينصره ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ من أجل الذل، أي لم يذل، فيحتاج إلى ناصر، أي لم يكن له ولي يواليه من أجل مذلّة به، ليدفعها بموالاته ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ عظّمه تعظيما تاما منزها عن اتخاذ الولد والشريك والذل وكل مالا يليق به.
وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرده في صفاته.
وفيه تنبيه على أن العبد، وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك.
روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله ﵌ أنه كان يقول: «آية العز:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ إلى آخر السورة».
سبب النزول:
نزول الآية: ﴿قُلِ: اُدْعُوا اللهَ ..﴾.:
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: صلى صلوات الله عليه بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى، فقال في دعائه: يا الله، يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين، فنزل: ﴿قُلِ: اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ..﴾. الآية.
وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله ﵌ يكتب في أول ما يوحى إليه:
باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه، فما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الضحاك: قال أهل التفسير: قيل لرسول الله ﵌: إنك لتقلّ ذكر الرحمن، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 4560
نزول الآية: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾:
أخرج أحمد والشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها﴾ قال: نزلت ورسول الله ﵌ مختف بمكة، وكانوا إذا سمعوا القرآن، سبّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله لنبيه ﵌: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي بقراءتك فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ عن أصحابك فلا يسمعون ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾.
وروي أن أبا بكر ﵁ كان يخفت في قراءته، ويقول: أناجي ربي، وقد علم حاجتي، وعمر كان يجهر بها ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت الآية، أمر رسول الله ﵌ أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وعمر أن يخفض قليلا.
نزول الآية (١١١):
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾: أخرج ابن جريج عن محمد بن كعب القرظي قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولدا وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس، لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله: ﴿وَقُلِ: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً..﴾. الآية.
المناسبة:
بعد أن الله أثبت تعالى أنه أنزل القرآن على رسوله ﵌، وأن العرب عجزوا عن معارضته، وأنه ﵌ قد جاءهم بتوحيد الله ورفض آلهتهم، عدلوا إلى رميه ﵊ بأن ما نهاهم عنه رجع هو إليه، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ.﴾. الآية.
стр. 4561
ولما ذكر تعالى أنه واحد، وإن تعددت أسماؤه، أمر الله تعالى نبيه أن يحمده على ما أنعم به عليه من شرف الرسالة والاصطفاء، ووصف نفسه بأنه لم يتخذ ولدا، للرد على اليهود والنصارى والعرب الذين عبدوا الأصنام، وجعلوها شركاء لله، والعرب الذين عبدوا الملائكة واعتقدوا أنهم بنات الله، فنفى الولد أولا، ثم نفى الشريك في ملكه، ثم نفى الولي وهو الناصر، والشريك أعم من الولد، والولي الناصر أعم من نسبة الولد والشريك، فهو أعم من أن يكون ولدا، أو شريكا أو غير شريك.
التفسير والبيان:
هذا رد على المشركين الذين أنكروا إطلاق اسم الرحمن على الله ، فقال: ﴿قُلِ: اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ.﴾. أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين في مكة المنكرين صفة الرحمة لله تعالى، المانعين من تسميته بالرحمن: لا فرق في دعائكم لله باسم الله أو باسم الرحمن فإنه ذو الأسماء الحسنى. قال في الكشاف: الله والرحمن المراد بهما الاسم، لا المسمى، وأو للتخيير، فمعنى ﴿اُدْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾ سموا بهذا الاسم أو بهذا، واذكروا إما هذا، وإما هذا، والدعاء بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء (١).
وقوله ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ التقدير: أيّ هذين الاسمين سميتم وذكرتم، فكل أسمائه حسنى، فيها تعظيمه وتقديسه، كما قال: ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر ٢٤/ ٥٩] فأي اسم تدعونه به فهو حسن.
ثم أرشد الله إلى كيفية القراءة والدعاء، فقال:
﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي ولا تجهر
стр. 4562
بقراءة صلاتك، حتى لا يسمع المشركون فيسبوا القرآن، ويسبوا من أنزله، ومن جاء به، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا وسطا، فهذه هي الطريقة المثلى في القراءة، وهي الحد الوسط بين الجهر بالصوت والإسرار والإخفات فيه، ففي الجهر حتى لا يتفرقوا عنه ويأبوا أن يسمعوا منه، أو يسبوا القرآن، وفي الإسرار ليسمع من أراد السماع فينتفع به.
ثم علّمنا تعالى كيفية الحمد، فقال:
﴿وَقُلِ: الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. أي وقل: لله الحمد والشكر على ما أنعم على عباده، وهو الموصوف بالصفات الثلاث التالية لتنزيه نفسه عن النقائص:
الأولى-إنه لم يتخذ ولدا: فهو غير محتاج إليه، واتخاذ الولد من صفات الحوادث، وهو منزه عنها. وفي هذا رد على اليهود القائلين: عزيز ابن الله، والنصارى القائلين: المسيح ابن الله.
الثانية-ليس له شريك في الملك والسلطان: لأنه أيضا غير محتاج إليه، ولو احتاج إلى شريك لكان عاجزا، ولأن تعدد الآلهة يؤدي إلى الفساد والنزاع:
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء ٢٢/ ٢١]. ولم يعرف المستحق للعبادة والحمد والشكر.
الثالثة: لم يكن له ولي من الذل: أي ليس بذليل حتى يوالي أحدا لمذلة، من ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها بمشيئته (١).
ومجموع هذه الصفات في قوله سبحانه:
стр. 4563
﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١/ ١١٢ - ٤].
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ أي عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا، فذلك التعظيم الذي يتناسب مع جلاله وعظمته وقدسيته، فهو الكبير المتعال في ذاته باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل الوجود؛ وفي صفاته فله صفات الكمال المنزه عن كل صفات النقصان؛ وفي أفعاله، فلا يحدث شيء في ملكه إلا بمقتضى حكمته ومشيئته؛ وفي أحكامه، فله مطلق الأمر والنهي والعز والذل، لا معقب لحكمه، ولا اعتراض لأحد على شيء من أحكامه؛ وفي أسمائه فلا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية (١).
روى أحمد عن معاذ الجهني أن رسول الله ﵌ كان يقول: «آية العز:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ الآية».
وروى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أبي أمية قال: «كان رسول الله ﵌ يعلّم الغلام من بني هاشم إذا أفصح:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ إلى آخر الآية، سبع مرات».
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات أن دعاء الله وتسميته يكون بكل اسم من أسمائه الحسنى، التي منها الله والرحمن، وليس ذلك تعددا في الآلهة كما فهم المشركون خطأ، وإنما التسمية بأسماء متعددة لمسمى واحد.
والدعاء أو القراءة في الصلاة يكون بطريقة متوسطة بين الجهر والإسرار، وإذا كان السبب الداعي لذلك وهو تفادي سماء المشركين وسبهم القرآن ومن أنزله ومن جاء به، أو نفرتهم عنه وإبائهم سماعه، فإننا نحتفظ بالتزام هذه الطريقة، تذكرا لحال التشريع وظروفه الأولى التي صاحبته.
وقد عبر الله تعالى بالصلاة في الآية هنا عن القراءة، كما عبر بالقراءة عن
стр. 4564
الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء ٧٨/ ١٧] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها، فعبّر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز، وهو كثير.
وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ رد على اليهود والنصارى والعرب في قولهم: عزير وعيسى والملائكة ذرية الله سبحانه، فهو تعالى لا والد له ولا صاحبة ولا ولد، وهو واحد لا شريك له في ملكه وعبادته، وليس له ناصر مدافع عنه يجيره من الذل، لم يحالف أحدا، ولا ابتغى نصر أحد.
وهو تعالى يستحق التعظيم التام والإجلال، ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر، أي أنه أكبر من كل شيء،
وكان النبي ﵌ إذا دخل في الصلاة قال: الله أكبر. وقال عمر بن الخطاب: «قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها».
وهذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. هي خاتمة التوراة. قال عبد الله بن كعب:
افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام، وختمت بخاتمة هذه السورة.
وفي خبر معاذ بن جبل عن النبي ﵌: «أنها آية العز»، كما بينا.
وقال عبد الحميد بن واصل: سمعت عن النبي ﵌ أنه قال: «من قرأ:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ الآية، كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال؛ لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولدا: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم ٩٠/ ١٩].
وجاء في الخبر أن النبي ﵌ «أمر رجلا شكا إليه الدّين بأن يقرأ: ﴿قُلِ:﴾
﴿ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾ إلى آخر السورة، ثم يقول: توكّلت على الحي الذي لا يموت؛ ثلاث مرات».
стр. 4565
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الكهف
مكية، وهي مائة وعشر آيات.
تسميتها:
سميت سورة الكهف، لبيان قصة أصحاب الكهف العجيبة الغريبة فيها في الآيات [٩ - ٢٦] مما هو دليل حاسم ملموس على قدرة الله الباهرة.
وهي إحدى سور خمس بدئت ب ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾: وهي الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر. وهو استهلال يوحي بعبودية الإنسان لله تعالى، وإقراره بنعمه وأفضاله، وتمجيد الله ، والاعتراف بعظمته وجلاله وكماله.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة وضع هذه السورة بعد سورة الإسراء من نواح: هي افتتاح الإسراء بالتسبيح، وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام بحيث يسبق التسبيح التحميد، نحو: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر ٩٨/ ١٥] وفي الحديث: «سبحان الله وبحمده». كما أن الإسراء اختتمت بالتحميد أيضا، فتشابهت الأطراف أيضا.
ولما أمر اليهود المشركين أن يسألوا النبي ﵌ عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، أجاب تعالى في آخر سورة بني إسرائيل عن السؤال الأول، وقد أفرد فيها لعدم الجواب عن الروح، ثم أجاب تعالى في سورة الكهف عن السؤالين الآخرين، فناسب اتصالهما ببعضهما.
стр. 4566
ولما ذكر تعالى في الإسراء: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [٨٥] ناسب ذكر قصة موسى مع العبد الصالح الخضر، كالدليل على ما تقدم. وقد ورد في الحديث: أنه لما نزل: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ قال اليهود: قد أوتينا التوراة فيها علم كل شيء، فنزل: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ..﴾. [١٠٩].
ولما قال تعالى في الإسراء: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [١٠٤] أعقبه في سورة الكهف بالتفصيل والبيان بقوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي، جَعَلَهُ دَكّاءَ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً﴾ [٩٨ - ١٠٠] (١).
والخلاصة: أنه تعالى لما قال في آخر الإسراء: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ وذكر المؤمنين به أهل العلم، وأنه يزيدهم خشوعا، وأنه تعالى أمر بالحمد له وأنه لم يتخذ ولدا، أمره تعالى بحمده على إنزال هذا الكتاب السالم من العوج، القيم على كل الكتب، المنذر من اتخذ ولدا، المبشر المؤمنين بالأجر الحسن.
ثم استطرد إلى حديث كفار قريش، والتفت من الخطاب في قوله:
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿عَلى عَبْدِهِ﴾ لما في عبده من الإضافة المقتضية تشريفه.
ما اشتملت عليه السورة:
استهلت السورة ببيان وصف القرآن بأنه قيم مستقيم لا اختلاف فيه ولا تناقض في لفظه ومعناه، وأنه جاء للتبشير والإنذار.
ثم لفتت النظر إلى ما في الأرض من زينة وجمال وعجائب تدل دلالة واضحة على قدرة الله تعالى.
стр. 4567
وتحدثت السورة عن ثلاث قصص من روائع قصص القرآن وهي قصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين. أما قصة أصحاب الكهف [٩ - ٢٦] فهي مثل عال، ورمز سام للتضحية بالوطن والأهل والأقارب والأصدقاء والأموال في سبيل العقيدة، فقد فرّ هؤلاء الشباب الفتية المؤمنون بدينهم من بطش الملك الوثني، واحتموا في غار في الجبل، فأنامهم الله ثلاث مائة وتسع سنين قمرية، ثم بعثهم ليقيم دليلا حسيا للناس على قدرته على البعث.
واتبع الله تعالى تلك القصة بأمر النبي ﵌ بالتواضع ومجالسة الفقراء المؤمنين وعدم الفرار منهم إلى مجالسة الأغنياء لدعوتهم إلى الدين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ.﴾. [٢٨].
ثم هدد الله تعالى الكفار بعد إظهار الحق، وذكر ما أعده لهم من العذاب الشديد في الآخرة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.﴾. [٢٩] وقارن ذلك بما أعده سبحانه من جنات عدن للمؤمنين الصالحين [٣٠ - ٣١].
وأما قصة موسى مع الخضر في الآيات [٦٠ - ٧٨] فكانت مثلا للعلماء في التواضع أثناء طلب العلم، وأنه قد يكون عند العبد الصالح من العلوم في غير أصول الدين وفروعه ما ليس عند الأنبياء، بدليل قصة خرق السفينة، وحادثة قتل الغلام، وبناء الجدار.
وأما قصة ذي القرنين في الآيات [٨٣ - ٩٩] فهي عبرة للحكام والسلاطين، إذ أن هذا الملك تمكن من السيطرة على العالم، ومشرق الأرض ومغربها، وبنائه السد العظيم بسبب ما اتصف به من التقوى والعدل والصلاح.
وتخللت هذه القصص أمثلة ثلاثة بارزة رائعة مستمدة من الواقع، لإظهار أن الحق لا يقترن بالسلطة والغنى، وإنما يرتبط بالإيمان، وأول هذه الأمثلة:
قصة أصحاب الجنتين [٣٢ - ٤٤] للمقارنة بين الغني المغتر بماله، والفقير المعتز
стр. 4568
بإيمانه، لبيان حال فقراء المؤمنين وحال أغنياء المشركين.
وثانيها: مثل الحياة الدنيا [٤٥ - ٤٦] لإنذار الناس بفنائها وزوالها. وأردف ذلك بإيراد بعض مشاهد القيامة الرهيبة من تسيير الجبال، وحشر الناس في صعيد واحد، ومفاجأة الناس بضائف أعمالهم [٤٧ - ٤٩].
وثالثها: قصة إبليس وإبائه السجود لآدم [٥٠ - ٥٣] للموازنة بين التكبر والغرور، وما أدى إليه من طرد وحرمان وتحذير الناس من شر الشيطان، وبين العبودية لله والتواضع، وما حقق من رضوان الله تعالى.
وأردف ذلك بيان عناية القرآن بضرب الأمثال للناس للعظة والذكرى، وإيضاح مهام الرسل للتبشير والإنذار، والتحذير من الإعراض عن آيات الله [٥٤ - ٥٧].
وأن سياسة التشريع اقتران الرحمة بالعدل، فليست الرحمة فوق العدل ولا العدل فوق الرحمة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [٥٨ - ٥٩].
وختمت السورة بموضوعات ثلاثة: أولها-إعلان تبديد أعمال الكفار وضياع ثمرتها في الآخرة [١٠٠ - ١٠٦] وثانيها-تبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات بالنعيم الأبدي الأخروي [١٠٧ - ١٠٨] وثالثها-أن علم الله تعالى لا يحده حد ولا نهاية له [١٠٩ - ١١٠].
فضل هذه السورة:
ورد في فضائل سورة الكهف أحاديث صحاح ثابتة، منها:
ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي الدرداء عن النبي ﵌ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال».
ومنها:
ما رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي، عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
стр. 4569
قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال».
وفي لفظ النسائي: «من قرأ عشر آيات من الكهف..» الحديث.
ومنها:
ما أخرجه النسائي في سننه عن ثوبان، عن رسول الله ﵌ أنه قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، فإنه عصمة له من الدجال».
دلت هذه الأحاديث على أن قراءة الآيات العشر الأوائل أو الأواخر أو أي عشر آيات عصمة من فتنة الدجال.
والسنة أن يقرأ الشخص الكهف يوم الجمعة وليلتها،
لما رواه الحاكم وقال:
صحيح الإسناد عن النبي ﵌: «من قرأ الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين»
وروى الدارمي والبيهقي: «من قرأها ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق».
كيفية الحمد والثناء على الله تعالى ومهام القرآن العظيم
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨)﴾
стр. 4570
الإعراب:
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ الواو للعطف على ﴿أَنْزَلَ﴾. والأولى جعل الواو للحال من الكتاب، على تقدير: أنزل الكتاب على عبده غير مجعول له عوج ﴿قَيِّماً﴾. وهو أولى من جعله معطوفا على ﴿أَنْزَلَ﴾ لما فيه من الفصل بين بعض الصلة وبعض، فلو كان للعطف، كان المعطوف فاصلا بين أبعاض المعطوف عليه، ولذلك قيل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا.
﴿قَيِّماً﴾ قال في الكشاف: الأحسن أن ينتصب بمضمر، ولا يجعل حالا من ﴿الْكِتابَ﴾، منعا من الفصل بين الحال وصاحبه. وقيل: حال من ﴿الْكِتابَ﴾.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً﴾ اللام متعلقة بأنزل، و ﴿بَأْساً﴾: مفعول ثان لينذر، والمفعول الأول محذوف، تقديره: لينذركم بأسا شديدا من لدنه.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قرئ بضم الدال على الأصل، وبإسكانها على وزن عضد وحذف الضمة فيقال:
عضد ولدن، وبإشمامها بالضم للتنبيه على أن أصلها هو الضم.
﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ تمييز منصوب، أي: كبرت الكلمة كلمة. و ﴿تَخْرُجُ﴾ جملة فعلية صفة ﴿كَلِمَةً﴾.
﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ أي ما يقولون إلا كذبا. وكذبا منصوب بيقولون، مثل: قلت شعرا أو خطبة.
﴿أَسَفاً﴾ منصوب على المصدر، في موضع الحال، أو مفعول لأجله.
﴿زِينَةً لَها﴾ مفعول ثان لجعلنا بمعنى صيّرنا. وإن جعل بمعنى خلقنا فهم مفعول به له.
البلاغة:
﴿يُبَشِّرَ﴾ ﴿وَيُنْذِرَ﴾ بينهما طباق.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا: اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ فيه إطناب بذكر الخاص بعد العام. وفي كل منهما حذف بديع، فحذف من الجملة الأولى المفعول الأول أي لينذر الكافرين بأسا، وحذف من الجملة الثانية المفعول الثاني، وهو عذابا، فحذف لدلالة الأول عليه، وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني عليه.
стр. 4571
﴿باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حاله ﵌ مع المشركين بحال من فارقته الأحباب، فهمّ بإهلاك نفسه حزنا عليهم.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النهي، أي لا تبخع نفسك لإعراضهم عن الإيمان أسفا.
المفردات اللغوية:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ الحمد: الوصف بالجميل ثابت لله تعالى، وهو تعليم للعباد كيف يثنون على الله ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﵌ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ ولم يجعل له شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وألفاظه.
﴿قَيِّماً﴾ مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه ولا تفريط، فلا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف منعا للمشقة والحرج، ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه. وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هو التأكيد، فرب مستقيم لا يخلو من أدنى عوج عند التأمل. وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد، وما لا بد لهم منه من الشرائع، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ ليخوف بالكتاب الكافرين وهو متعلق بأنزل ﴿بَأْساً﴾ عذابا في الآخرة ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من قبله أو من عنده. حذف المفعول الأول لفعل ﴿لِيُنْذِرَ﴾ -وهذا من بديع الحذف وجليل الفصاحة-لأن المنذر به هو الغرض المسوق إليه، فاقتصر عليه، ودل عليه ذكر المنذرين في قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا: اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ من غير ذكر المنذر به لتقدم ذكره، كما ذكر المبشر به في قوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ والأجر الحسن:
الجنة.
﴿ما لَهُمْ بِهِ﴾ بهذا القول أو باتخاذ الولد ﴿وَلا لِآبائِهِمْ﴾ من قبلهم، والمعنى: أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عظمت، والمخصوص بالذم محذوف أي مقالتهم المذكورة ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ ما يقولون في ذلك إلا مقولا كذبا.
﴿باخِعٌ﴾ مهلك نفسك أو قاتلها ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أي من بعدهم، أي من بعد توليهم عن الإيمان ﴿الْحَدِيثِ﴾ القرآن ﴿أَسَفاً﴾ غيظا وحزنا منك، لحرصك على إيمانهم. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب ﴿ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبر الناس، ناظرين إلى نتيجة الاختبار ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ في تعاطيه، وهو من زهد فيه، ولم يغتر به، وصرفه على ما ينبغي من الإتقان ﴿صَعِيداً﴾ ترابا ﴿جُرُزاً﴾ يابسا لا نبات فيه.
стр. 4572
التفسير والبيان:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. يحمد الله تعالى نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخرج الناس من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، فمعنى قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ أي لم يجعل فيه اعوجاجا ولا زيغا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيما.
والحمد معناه: الشكر والثناء بالجميل على الفعل الجميل الصادر بالاختيار من الله تعالى. والله تعالى محمود على كل حال، ويحمد نفسه أحيانا عند فواتح السور وخواتمها، لتعليم العباد كيف يحمدونه على نعمه الجليلة التي أنعم بها عليهم، ومن أهمها نعمة الإسلام وما أنزل على عبده محمد ﵌ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم.
﴿قَيِّماً، لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ.﴾. أي مستقيما، وأتى بهذه الصفة بعد نفي الاعوجاج للتأكيد، فربّ مستقيم مشهود له بالاستقامة لا يخلو من أدنى عوج عند الفحص والاختبار. وقيل: معناه: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها. وقيل: قيما بمصالح العباد، وما لا بد لهم منه من الشرائع.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي ليخوف الذين كفروا بالكتاب عذابا شديدا، وعقوبة عاجلة في الدنيا وهو النكال، وآجلة في الآخرة وهو نار جهنم. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي صادرا من عند الله تعالى.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بهذا القرآن، الذين دعموا إيمانهم بالعمل الصالح، أن لهم مثوبة جميلة عند الله، وهي الجنة دار المتقين الأبرار، ودار الخلود أبدا للمحسنين الأخيار، فالأجر الحسن: الجنة.
стр. 4573
﴿ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ أي مستقرين في ثوابهم عند الله وهو الجنة إلى الأبد، وخالدين فيه دائما، لا زوال له ولا انقضاء.
﴿يُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا..﴾. أي ويحذر الكفار الذين زعموا أن لله ولدا، وهم مشركو العرب الذين قالوا: نحن نعبد الملائكة بنات الله، واليهود الذين اتخذوا عزيرا ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله.
وإنما خصّ ذكر هؤلاء مع دخولهم في الإنذار العام المتقدم للكافرين، للدلالة على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى.
﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ﴾ أي ما لهم ولا لآبائهم أي أسلافهم علم ثابت بهذا القول الذي افتروه وهو اتخاذ الولد لله أو الوالد، وإنما هو صادر عن جهل مفرط وتقليد للآباء، ومن تسويل الشيطان. وانتفاء العلم بالشيء: إما للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يصلح محلا للعلم به.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ أي عظمت تلك الكلمة التي ينطقون بها، ويخرجونها من أفواههم متجرئين على النطق بها، وهي كلمة الكفر، فليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال:
﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ أي ما يقولون إلا قولا مجرد كذب وزور، ولا حقيقة له أصلا.
ثم سرّى الله تعالى عن رسوله ﵊ وواساه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه بقوله:
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ.﴾. أي فلعلك قاتل نفسك ومهلكها لأن لم يؤمنوا بهذا القرآن، أسفا وحسرة عليهم، ولعل هنا للاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النهي، أي لا تهلك نفسك أسفا لعدم إيمانهم، ولا تقتلها غضبا
стр. 4574
وجزعا وحزنا عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنما يضل عليها. والآثار جمع أثر أي على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر ٨/ ٣٥] ومنها: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣/ ٢٦] ومنها: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧/ ١٦].
ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارا فانية زائلة، وأنها دار اختبار لا دار قرار، فقال:
﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها..﴾. أي إنا جعلنا ما على الأرض من زخارف الدنيا من إنسان وحيوان ونبات ومعادن ومنازل ومباهج ومفاتن زينة زائلة لها ولأهلها، لنعاملهم معاملة المختبرين، ليعرف المحسن عمله من الفاسد، فنجازي المحسن بالثواب، والمسيء بالعقاب. وحسن العمل: الزهد في الدنيا، وترك الاغترار بها، وجعلها وسيلة وجسرا للآخرة.
أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﵌ أنه قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون».
ثم ذكر الله تعالى سبب التوجيه بالإعراض عن الكفار، فقال:
﴿وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً﴾ أي وإنا لنصير الأرض وما عليها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فقوله: ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ يعني كالأرض البيضاء التي لا نبات فيها ولا ينتفع بها، بعد أن كانت خضراء معشبة. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٧/ ٢٠]. والصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. والجرز في اللغة: اليابسة التي لا تنبت، أو الأرض التي لا نبات فيها.
стр. 4575
والمقصود من الآية تسلية الرسول ﵌ والقول له: لا تحزن فإنا سنهلكهم ونبيدهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات أن أعظم نعمة من الله على عباده إنزال القرآن الكريم، الدواء الناجع لمشكلات البشرية، والمنقذ من الظلمات إلى النور، والحق العدل المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء.
ومهمته أيضا إنذار الكافرين وتخويفهم بالعذاب الشديد في نار جهنم والنكال في الدنيا، وخصوصا المشركين الذين اتخذوا لله ولدا وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله. ولا دليل لهم ولا لأسلافهم على ما يقولون، وتلك كلمة كبيرة الإثم، شديدة الشناعة، عظيمة الجرم.
وللقرآن مهمة أخرى هي تبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات من التصديق بما جاء به النبي ﵌، والتزام الأوامر واجتناب النواهي بالأجر الحسن وهو الجنة التي يخلد فيها أهلها، فهي دار الخلد التي لا يموتون فيها.
ولا يغترن أحد بالدنيا وما فيها من زينة وزخارف ومباهج، فتلك للاختبار والامتحان، ليعرف الصالحون الأبرار من المفسدين الفجار، ثم مآلها إلى الفناء والزوال والدمار والخراب، والرجوع إلى الملك الإله الدّيّان، ليجزي كل إنسان بعمله.
وإذا كان هذا هو المصير المحتوم، فلا تأس ولا تحزن أيها الرسول على ما ترى وتسمع في الدنيا، ولا حاجة لإتعاب نفسك وإهلاكها وقتلها بسبب توليهم وإعراضهم عنك، وعدم إيمانهم بالقرآن، وأسفا أي حزنا وغضبا على كفرهم.
الإعراب:
﴿مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ (٩) ﴿مِنْ آياتِنا﴾ حال، و ﴿عَجَباً﴾: خبر كان، وهو وصف بالمصدر، أو على ذات عجب.
стр. 4578
﴿سِنِينَ عَدَداً﴾ (١١) ﴿سِنِينَ﴾: ظرف منصوب، و ﴿عَدَداً﴾: وصف لسنين منصوب، على معنى: ذات عدد، أو منصوب على المصدر.
﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ (١٢): أي: مبتدأ مرفوع، ﴿أَحْصى﴾: فعل ماض خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر سدت مسدّ مفعولي ﴿لِنَعْلَمَ﴾ و ﴿أَمَداً﴾: ظرف زمان منصوب، وعامله: ﴿أَحْصى﴾، وهو الأوجه، وقيل: ﴿لَبِثُوا﴾. ولما لبثوا: حال من ﴿أَمَداً﴾ أو مفعول لأجله. ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾: صفة مصدر محذوف، فهو منصوب على المصدر، أي قولا شططا، أو منصوب بقلنا، مثل: قلنا شعرا.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ (١٥): أي هلا يأتون على دعواهم بأنها آلهة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وهؤلاء: مبتدأ، و ﴿قَوْمُنَا﴾: عطف بيان، وجملة ﴿اِتَّخَذُوا﴾: خبر.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ (١٦): ﴿إِذِ﴾: تتعلق بفعل مقدر، أي واذكروا إذ اعتزلتموهم. و ﴿ما﴾: إما مصدرية (أي وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، فحذف المضاف) وإما اسما موصولا (أي وإذ اعتزلتموهم والذي يعبدونه) وإما نافية (أي وإذ اعتزلتموهم غير عابدين إلا الله، فتكون الواو واو الحال) و ﴿ما﴾: في الوجهين الأوليين: في موضع نصب بالعطف على الهاء والميم في ﴿اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ وفي الوجه الثالث: في موضع نصب على الحال. وقوله ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلا؛ لأنهم كانوا كأهل مكة يقرون بالخالق ويشركون معه، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ..﴾. (١٧): ﴿الشَّمْسَ﴾: مفعول ﴿تَرَى﴾، و ﴿إِذا طَلَعَتْ﴾ و ﴿إِذا غَرَبَتْ﴾: ظرفان يتعلقان بترى، و ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ﴾: يتعلق بترى. و ﴿تَزاوَرُ﴾: جملة فعلية حال من ﴿الشَّمْسَ﴾. و ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾:
يتعلق بتقرضهم. ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾: جملة اسمية حال.
﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ .. ﴿فِراراً﴾ (١٨): ﴿ذِراعَيْهِ﴾: منصوب بباسط، وإنما أعمل اسم الفاعل، وإن كان للماضي؛ لأنه أراد به حكاية الحال، مثل الإشارة للحاضر في قوله تعالى: ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص ١٥/ ٢٨] ولم يكن المشار إليهما حاضرين حين قص القصة على النبي ﵌، وإنما حكى تلك الحال. و ﴿فِراراً﴾ و ﴿رُعْباً﴾: منصوبان على المصدر.
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ (١٩): ﴿كَمْ﴾: هنا ظرفية في موضع نصب بلبثتم، أي كم يوما لبثتم، ويوما المحذوف: تمييز، ودليل التقدير: كم يوما: أنه قال في الجواب: ﴿قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
стр. 4579
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ (١٩) ﴿أَيُّها﴾: مبتدأ، و ﴿أَزْكى﴾: خبر المبتدأ، و ﴿طَعاماً﴾: تمييز، والجملة مفعول ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾.
﴿إِذْ يَتَنازَعُونَ﴾ (٢١): ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان في موضع نصب: وعامله ﴿لِيَعْلَمُوا﴾.
﴿سَيَقُولُونَ: ثَلاثَةٌ، رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢٢): ﴿ثَلاثَةٌ﴾: خبر مبتدأ أي هم ثلاثة.
و ﴿رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: جملة اسمية صفة ﴿ثَلاثَةٌ﴾. وكذلك التقدير في قوله: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقوله ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. وإنما جاء بالواو في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولم يجئ به على الصفة كالعدد قبله؛ لأن السبعة: أصل المبالغة في العدد، كما كانت السبعين كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠/ ٩] ولو جاء بالواو في ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لكان جائزا و ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾: مفعول لأجله.
﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ (٢٤): في موضع نصب (بفاعل) بتقدير حذف حرف الجر، أي:
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا بأن يشاء الله، وأن وصلتها في تأويل المصدر، وتقديره:
لمشيئة الله، إلا أنه حذف حرف الجر من ﴿أَنْ﴾ فاتصل الفعل به.
﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (٢٥): بالتنوين تكون ﴿سِنِينَ﴾ منصوبا على البدل من ﴿ثَلاثَ﴾ أو عطف بيان على ﴿ثَلاثَ﴾ أو تكون بدلا مجرورا من ﴿مِائَةٍ﴾ لأن المائة في معنى ﴿سِنِينَ﴾.
ومن لم ينون: أضاف ﴿مِائَةٍ﴾ إلى ﴿سِنِينَ﴾ تنبيها على الأصل الذي كان يجب استعماله.
و ﴿تِسْعاً﴾: مفعول به، مثل ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف ٦٥/ ١٢] وليس بظرف، أي وازدادوا لبث تسع سنين، فحذف المضاف.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ (٢٦): أي ما أسمعه وأبصره، وتقديره: أسمع به، إلا أنه حذف اكتفاء بالأول عنه. وموضع ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ الرفع لإرادة التعجب.
البلاغة:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا﴾ استئناف مبني على سؤال من قبل المخاطب، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة.
﴿يَهْدِ﴾ و ﴿يُضْلِلْ﴾ ﴿أَيْقاظاً﴾ و ﴿رُقُودٌ﴾ ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ و ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ بين كل طباق.
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ .. ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ بينهما طباق معنوي؛ لأن معنى الأول: أنمناهم والثاني أيقظناهم.
﴿إِذْ قامُوا فَقالُوا﴾ بينهما جناس ناقص.
стр. 4580
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ صيغة تعجب.
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ استعارة تبعية، شبهت الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان، كما تضرب الخيمة على السكان.
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ استعارة تبعية أيضا؛ لأن الربط هو الشد، والمراد شددنا على قلوبهم كما تشد الأوعية بالأوكية.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ ظننت، و ﴿أَمْ﴾: للانتقال من كلام إلى آخر، بمعنى: بل وهمزة الاستفهام، أي بل أحسبت، والخطاب في الظاهر للنبي ﵌، والمراد به كل مخاطب ﴿الْكَهْفِ﴾ الغار أو النقب المتسع في الجبل ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ لوح حجري كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقيل: اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم ﴿كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ كانوا في قصتهم من جملة آياتنا محل تعجب، أي كانوا عجبا دون باقي الآيات، أو أعجبها.
﴿أَوَى﴾ اتخذه مأوى ﴿الْفِتْيَةُ﴾ جمع فتى، وهو الشاب الكامل، وهم فتية من الأشراف أرادهم دقيانوس على الشرك، فأبوا وهربوا إلى الكهف، خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ من قبلك ﴿رَحْمَةً﴾ توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو ﴿وَهَيِّئْ﴾ يسّر، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء ﴿رَشَداً﴾ هداية إلى الطريق الموصل للمطلوب، والمعنى: هيّئ لنا من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار طريقا نصير به راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا كله رشدا. ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ أنمناهم نوما ثقيلا بحيث لا يسمعون، وأصله: ضربنا على آذانهم حجابا يمنع السماع ﴿سِنِينَ عَدَداً﴾ معدودة.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيقظناهم ﴿لِنَعْلَمَ﴾ علم مشاهدة ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الفريقين المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم وهما الحزب القائل: ﴿لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، والحزب القائل:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾. ﴿أَحْصى﴾ فعل ماض، أو أفعل بمعنى أضبط ﴿لِما لَبِثُوا﴾ للبثهم ﴿أَمَداً﴾ غاية ومدة لها حد ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ نخبرك ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿الْفِتْيَةُ﴾ شبان جمع فتى ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قويناهم على قول الحق، والصبر على هجر الوطن والأهل والمال ﴿إِذْ قامُوا﴾ بين يدي ملكهم: دقيانوس الجبار، وقد أمرهم بالسجود للأصنام ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غيره ﴿شَطَطاً﴾ أي قولا ذا شطط، أي إفراط في الكفر إن دعونا إلها غير الله على سبيل الفرض لقول الشطط: هو الخارج عن المعقول المفرط في الظلم ﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾ إخبار في معنى الإنكار ﴿لَوْلا﴾ هلا ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ على عبادتهم ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة ظاهرة أو ببرهان ظاهر،
стр. 4581
فإن الدين لا يؤخذ إلا به، وفيه دليل على أن مالا دليل عليه من الديانات مردود، وإن التقليد فيه غير جائز ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بنسبة الشريك إليه تعالى.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خاطب بعض الفتية بعضهم الآخر بذلك ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ عطف على الضمير المنصوب في الفعل المتقدم، أي ولأجل أنكم اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلا الله، فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام كسائر المشركين ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ يبسط الرزق لكم، ويوسع عليكم من رحمته في الدارين ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ ما ترتفقون به أي تنتفعون، من غداء وعشاء. وقد جزموا بذلك لقوة ثقتهم بفضل الله تعالى.
﴿تَزاوَرُ﴾ بتخفيف الزاي والتشديد أي تميل عنه، ولا يقع شعاعها عليهم، فيؤذيهم؛ لأن الكهف كان جنوبيا، أو لأن الله تعالى زورها عنه ﴿ذاتَ الْيَمِينِ﴾ جهة اليمين ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم وتتجاوز عنهم، فلا تصيبهم البتة ﴿فَجْوَةٍ﴾ متسع من الكهف أي في وسطه، ينالهم برد الريح ونسيمها ﴿ذلِكَ﴾ المذكور وهو شأنهم أو تحول الشمس عنهم ﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾ دلائل قدرته ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ أي من يهد الله بالتوفيق، فهو المهتدي الذي أصاب الفلاح، والمراد به إما الثناء عليهم، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها والاستبصار بها ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ ومن يخذله، فلن تجد له من يليه ويرشده.
وبعبارة أخرى: من اهتدى بآيات الله واختار الإيمان بالدليل، فقد هداه الله ووفقه لاختياره، ومن لم يأخذ بأسباب الهدى فقد ضل وانحرف، ولن تجد له من يرشده ويهديه.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ لو رأيتهم ﴿أَيْقاظاً﴾ أي منتبهين؛ لأن أعينهم منفتحة ﴿رُقُودٌ﴾ نيام، جمع راقد ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ لئلا تأكل الأرض لحومهم ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ يديه واسم كلبهم: قطمير ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ بفناء الكهف، وقيل: بباب الكهف، وكان يتقلب في النوم واليقظة مثلهم ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فنظرت إليهم ﴿مِنْهُمْ رُعْباً﴾ منعهم الله بالرعب من دخول أحد عليهم. والرعب: الخوف الذي يملأ الصدر. عن معاوية ﵁: أنه غزا الروم، فمرّ بالكهف، فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء، فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس ﵁:
ليس لك ذلك، وقد منع الله تعالى من هو خير منك، فقال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً﴾ فلم يسمع، وبعث ناسا، فلما دخلوا، جاءت ريح، فأحرقتهم.
﴿وَكَذلِكَ﴾ كما فعلنا بهم ما ذكرنا ﴿بَعَثْناهُمْ﴾ أيقظناهم ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ عن حالهم ومدة لبثهم ﴿قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأنهم دخلوا عند طلوع الشمس، وبعثوا عند غروبها، فظنوا أنه غروب يوم الدخول، فقولهم مبني على غالب ظنهم؛ لأن النائم لا يحصي مدة لبثه، لذا أحالوا العلم إلى الله تعالى، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ ويجوز أن يكون ذلك قول
стр. 4582
بعضهم، وهذا إنكار الآخرين عليهم. ولما علموا أن الأمر ملتبس مجهول عليهم اتجهوا إلى ما يهمهم وقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ بفضتكم، الورق: الفضة، مضروبة كانت أو غيرها ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ هي طرسوس أو أفسوس ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ فلينظر أيّ أطعمة المدينة أحل وأطيب، وأكثر وأرخص ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن أو في التخفي حتى لا يعرف ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور.
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إن يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم، والضمير لأهل المدينة ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يقتلوكم بالرجم ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يصيروكم إليها كرها، من العود بمعنى الصيرورة ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ إن عدتم في ملتهم.
﴿وَكَذلِكَ﴾ كما بعثناهم ﴿أَعْثَرْنا﴾ أطلعنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ قومهم والمؤمنين ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي قومهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ﴾ ثابت؛ لأن نومهم وانتباههم كحال من يموت، ثم يبعث، والقادر على إنامتهم المدة الطويلة، وإبقائهم على حالهم بلا غذاء، قادر على إحياء الموتى ﴿وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ لا شك فيها ﴿إِذْ﴾ معمول لأعثرنا أي أعثرنا عليهم حين يتنازعون ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ أي المؤمنين والكفار، والتنازع: التخاصم ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أمر الفتية، في البناء حولهم ﴿فَقالُوا﴾ أي الكفار ﴿اِبْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي حولهم ﴿بُنْياناً﴾ يسترهم. ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ جملة معترضة إما من الله رد على المتنازعين في زمانهم، أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول ﵌، أو من المتنازعين للرد إلى الله، بعد ما تذكروا أمرهم.
﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ﴾ هم رؤساء البلد أهل الرأي وهم المؤمنون حين أماتهم الله ثانيا بالموت ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ حولهم ﴿مَسْجِداً﴾ معبدا يصلى فيه، وكانوا نصارى على المشهور؛ وفعل ذلك على باب الكهف.
﴿سَيَقُولُونَ﴾ أي المتنازعون في عدد الفتية في زمن النبي ﵌، أي يقول بعضهم ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي هم ثلاثة ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يقول بعضهم ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ والقولان لنصارى نجران ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ أي ظنا ورميا بالخبر الخفي الذي لا اطلاع لهم عليه، والرحم:
القول بالظن، والغيب: ما غاب عن الإنسان، والمراد هنا: القول بالظن والتخمين ﴿ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ قال ابن عباس: أنا من القليل، وذكرهم سبعة.
﴿فَلا تُمارِ﴾ تجادل ﴿إِلاّ مِراءً﴾ المراء: المحاجة فيما فيه مرية وشك وتردد ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ لا تطلب الفتيا من أحد من أهل الكتاب: اليهود، أو لا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال مسترشد، فإن فيما أوحي إليك لمندوحة عن غيره، مع أنه لا علم لهم بها، بل ولا سؤال متعنت، تريد افتضاح المسؤول وتزييف ما عنده، فإنه مخلّ بمكارم الأخلاق.
стр. 4583
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً﴾ لا تقل لأجل شيء: سأفعله غدا أو فيما يستقبل من الزمان ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أي إلا متلبسا بمشيئة الله تعالى بأن تقول: إن شاء الله. وهذا نهي تأديب من الله تعالى لنبيه، حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فسألوه، فقال: ائتوني غدا أخبركم، ولم يقل: إن شاء الله، فأبطأ عليه الوحي بضعة عشر يوما، حتى شق عليه، وكذبته قريش، فنزلت الآية.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أي مشيئته، معلقا الأمر بها ﴿إِذا نَسِيتَ﴾ التعليق بها، ويكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول، ما دام في المجلس، كما قال الحسن وغيره، وعن ابن عباس: ولو بعد سنة ما لم يحنث ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هذا﴾ من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوتي ﴿رَشَداً﴾ هداية، وقد تم المراد، وهداه الله لأعظم من ذلك، كقصص الأنبياء الغابرين، والإخبار عن المغيبات في المستقبل إلى قيام الساعة.
﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ هي عند أهل الكتاب شمسية، وتزيد القمرية عليها عند العرب تسع سنين، فقال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ أي تسع سنين، فالثلاث مائة الشمسية: ثلاث مائة وتسع قمرية ﴿أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ ممن اختلفوا فيه ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي علمه ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ بالله، وهي صيغة تعجب ﴿وَأَسْمِعْ﴾ كذلك، بمعنى: ما أبصره وما أسمعه، وهما على جهة المجاز، والمراد:
أنه تعالى لا يغيب عن بصره وسمعه شيء ﴿ما لَهُمْ﴾ لأهل السموات والأرض ﴿وَلِيٍّ﴾ ناصر ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ولا يشرك في قضائه أحدا منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا؛ لأنه غني عن الشريك.
سبب النزول:
سبق ذكر سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء ٨٥/ ١٧]. وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مفصلا موضحا، فقال: كان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله ﵌، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلّم أحاديث رستم وإسفنديار، وكان رسول الله ﵌ إذا جلس مجلسا ذكر فيه الله، وحدّث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام، فقال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا، فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس.
стр. 4584
ثم إن قريشا بعثوه، وبعثوا معه عتبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما إلى المدينة، فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد، فقال أحبار اليهود:
سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإن حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح وما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي، وإلا فهو متقوّل، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد، وأخبروا بما قاله اليهود، فجاءوا رسول الله ﵌ وسألوه،
فقال رسول الله ﵌: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن-لم يقل: إن شاء الله- فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﵌-فيما يذكرون-خمس عشرة ليلة، حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة، فشق عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف، وفيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، وخبر الرجل الطوّاف (١).
نزول الآية (٢٤): ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ .﴾.
أخرج ابن جرير عن الضحاك، وابن مردويه عن ابن عباس قال: حلف النبي ﵌ على يمين، فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ.﴾. الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أنه جعل الزينة على ظهر الأرض، وفي ذلك من العجائب والإبداع ما يفوق القصص وغرائبها، أبان أن قصة أهل الكهف ليست
стр. 4585
بالعجب وحدها من بين آياتنا، وأنها أقل عجبا من تزيين الأرض بالنبات، والحيوان والبشر، والشجر والأنهار وغير ذلك.
التفسير والبيان:
إجمال القصة:
هذا هو الخبر اليقين عن قصة أصحاب الكهف الذين بقوا أحياء ثلاث مائة وتسع سنوات في حال سبات (نوم) وهي من العجائب التي أشارت إليها الكتب السالفة.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ..﴾. تعجب القوم من قصة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول ﵌ على سبيل الامتحان، فقال تعالى:
أم حسبت أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط، فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها عجب، فليست قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدة طويلة أعجب من حال الدنيا، فإن زينة الأرض وعجائبها أعظم وأبدع وأعجب من هذه القصة، فإن من قدر على تزيين الأرض ثم جعلها ترابا، وعلى خلق السموات والأرض، قادر على كل شيء، ومن قدرته أن يحفظ طائفة من الناس دون طعام وشراب زمانا معلوما.
وبعبارة أخرى موجزة: لا تحسب أن قصة أصحاب الكهف والرقيم وهو اسم كلبهم أو واديهم أو كتاب بنيانهم كانوا آية عجبا من آياتنا، لا تظن ذلك فآياتنا كلها عجيبة وغريبة. والرقيم في الظاهر من الآية كما رجح ابن جرير وابن كثير:
الكتاب.
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ.﴾. اذكر أيها الرسول حين لجأ أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم، لئلا يفتنوهم عنه، إلى غار في جبل ليختفوا عن
стр. 4586
قومهم عبدة الأصنام، فقالوا حين دخلوا سائلين الله تعالى الرحمة واللطف بهم:
﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾ أي اجعل عاقبتنا رشدا، بأن توفر المصلحة لنا، وتجعلنا راشدين غير ضالين، مهتدين غير حائرين، أو اجعل أمرنا رشدا كله.
﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ أي ألقينا النوم الثقيل عليهم حين دخلوا إلى الكهف، فلم يعودوا يسمعون أي صوت، وناموا سنين كثيرة معدودة.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ أي ثم بعثناهم من رقدتهم تلك، وأيقظناهم من نومتهم ليظهر للناس معلومه سبحانه، أي الطائفتين المتنازعتين فيهم أحصى مدة لبثهم وغاية بقائهم نياما، فيظهر لهم عجزهم، ويعرفوا ما صنع الله بهم، فيتيقنوا من كمال قدرة الله على البعث وغيره.
تفصيل القصة:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي نحن نخبرك خبرهم على وجه الصدق، وهذا يعني أن الأخبار المتداولة عنهم بين العرب لم تكن صحيحة.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ.﴾. أي إنهم شباب صدقوا بتوحيد ربهم، وشهدوا أن لا إله إلا هو، وزدناهم توفيقا للهداية بالإصرار على العقيدة والإقبال على الله وإيثار العمل الصالح.
وفي هذا إيماء إلى أن الشباب أقبل للحق وأهدى للسبل من الشيوخ الذين عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا-كما ذكر ابن كثير-كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﵌ شبابا، وأما المشايخ من قريش فبقوا على دينهم، ولم
стр. 4587
يؤمن منهم إلا القليل. أخرج الطبراني وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا وهو شاب، وقرأ: ﴿قالُوا: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠/ ٢١] ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ [الكهف ٦٠/ ١٨] ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾.
واستدل بهذه الآية: ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ على زيادة الإيمان وتفاضله بين الناس، وأنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد ١٧/ ٤٧] وقال سبحانه:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩] وقال : ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ﴾ [الفتح ٤/ ٤٨].
زمنهم أو عصرهم:
ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، ورجح ابن كثير أنهم كانوا قبل النصرانية، بدليل أن أحبار اليهود كانوا يحفظون أخبارهم، ويعنون بها، كما تقدم في سبب النزول، وبدليل ما أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة، فجمعهم الله تعالى على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي عن بعض؛ لأنه لا يدري هذا علام خرج هذا، ولا يدري هذا علام خرج هذا، فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضا، فإن اجتمعوا على شيء، وإلا كتم بعضهم بعضا، فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿مِرْفَقاً﴾ ثم انطلقوا حتى دخلوا الكهف، فضرب الله تعالى على آذانهم، فناموا وفقدوا في أهلهم، فجعلوا يطلبونهم، فلم يظفروا بهم، فرفع أمرهم إلى الملك، فقال:
ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ناس خرجوا لا ندري أين ذهبوا في غير جناية
стр. 4588
ولا شيء يعرف، فدعا بلوح من رصاص، فكتب فيه أسماءهم، ثم طرح في خزانته، ثم كان من شأن قصتهم ما قصه الله (١).
إصرارهم على توحيد الله:
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا: رَبُّنا.﴾. أي صبرناهم على مخالفة قومهم، وثبتناهم على عقيدتهم، وألهمناهم قوة العزيمة، حتى تركوا ما كان عليه قومهم من العيش الرغيد والسعادة، وقالوا حين مثلوا أمام ملكهم الجبار الذي يدعى (دقيانوس) والذي كان يحث الناس على عبادة الأصنام والطواغيت، ويدعوهم إليها ويأمرهم بها: ربنا هو رب السموات والأرض، لن ندعو إلها من دونه مطلقا؛ إذ لا رب سواه، ولا معبود غيره، وأن الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض.
وقد أعلنوا في الجملة الأولى: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ توحيد الألوهية، وذلك يقرّ به عبدة الأصنام، وفي الجملة الثانية: ﴿لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً﴾ توحيد الربوبية، وذلك ما ينفيه عبدة الأصنام، بدليل ما حكى القرآن:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١] وقوله:
﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ -أي الأصنام- ﴿إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر ٣/ ٣٩].
وقوله: ﴿لَنْ﴾ لنفي التأبيد، أي لا يقع منا هذا أبدا؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلا، لهذا عللوا اعتقادهم بقولهم:
﴿لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ أي إذا دعونا غير الله، لقد قلنا باطلا وكذبا وبهتانا. والشطط في اللغة: مجاوزة الحد، والبعد عن الحق. والمعنى: لقد قلنا إذن قولا شططا. وهذا يدل على أنهم دعوا لعبادة الأصنام، ولامهم الملك على ترك عبادتها.
стр. 4589
تنديدهم بعبادة قومهم الأصنام:
﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً.﴾. أي قال أصحاب الكهف عن قومهم الذين كانوا في زمان (دقيانوس) يعبدون الأصنام: هلا يأتون بحجة بيّنة على صحة ما يفعلون من عبادة تلك الآلهة الباطلة المزعومة؟! وهلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا؟! وهذا يدل على أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة صحيحة عقلا ومنطقا.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي لا أحد أشد ظلما من افتراء الكذب على الله، ونسبة الشريك إليه، فهم قوم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك.
وكان من لطف الله بهم أن ملكهم بعد أن هددهم وتوعدهم، أمهلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، فوجدوها فرصة مواتية، وهربوا فرارا بدينهم من الفتنة.
قال ابن كثير: وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه، كما
جاء في حديث البخاري وأبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵌ قال: «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.
العزلة بينهم وبين قومهم:
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ..﴾. واذكروا يا أهل الكهف ذلك الخطاب الذي صدر من بعضكم لبعض حينما صممتم على الفرار بدينكم فاعتزلتم
стр. 4590
قومكم وفارقتموهم عزلة مادية بالمفارقة بالأبدان والمقر والمقام، وعزلة معنوية بمخالفتهم في دينكم واعتزالكم معبوديهم غير عبادة الله وحده.
وقوله: ﴿إِلاَّ اللهَ﴾ إما استثناء متصل أو منقطع كما ذكرنا، ويجوز أن يكون كلاما معترضا، إخبارا من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله.
وفارقوا قومكم جسديا، والجؤوا إلى الكهف (الغار الواسع في الجبل) بعد فراقهم روحيا، وأخلصوا العبادة لله في مكان خال بعيد عن أهل الشرك، فإن فعلتم ذلك يبسط الله عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ويسهل لكم من أمركم مرفقا، أي أمرا ترتفقون به وتنتفعون.
حالهم في الكهف وانحسار الشمس عنهم:
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ..﴾. أي وترى يا محمد أو كل واحد يصلح للخطاب الشمس حين طلوعها تميل عن كهفهم جهة اليمين، بأن تقلص شعاعها بارتفاعها، حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، وتراها عند الغروب تبتعد عنهم وتتركهم لا تقربهم وتعدل عنهم جهة الشمال، والحال أنهم في متسع من الكهف ووسطه، فيأتيهم الهواء باردا لطيفا.
وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا، بل الإخبار بكون الكهف في مكان لا تؤثر فيه الشمس أثناء طلوعها وغروبها، أي أنهم طوال نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس، لولا أن الله يحجبها عنهم.
مكان الكهف:
ذكر المؤرخون أقوالا في تعيين مكان الكهف، فقيل: هو واد قريب من أيلة في العقبة جنوب فلسطين، وقيل: عند نينوى في الموصل شمال العراق