← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

وشروط الإحصان: البلوغ والعقل والحرية والدخول في زواج صحيح، وأضاف أبو حنيفة ومالك شرط الإسلام، فلا يرجم الذمي، ورد عليهما بأن النبي ﷺ أمر برجم يهوديين. وأما حد غير المحسن وهو البكر: فليس الجلد مائة جلدة فقط، وإنما يضم إليه تغريب (نفي) سنة، بدليل ما ثبت في السنة، ومنها قصة العسيف المتقدمة: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» ومنها ما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا البخاري والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرّجم» إلا أن جلد الثيب لم يستقر عليه التشريع المعمول به في السنة النبوية، وأصبح المطبق هو الرجم فقط، كما تقدم. والقول بالتغريب هو رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: ليس التغريب من الحد، وإنما هو تعزير مفوض إلى رأي الإمام وحكمه. وما يزال الظاهرية يقولون بوجوب جلد الثيب ورجمه، أخذا بحديث عبادة السابق. وعموم قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ يشمل المسلم والكافر، غير أن الحربي لا يحد حد الزنى؛ لأنه لم يلتزم أحكامنا، وأما الذمي فيجلد في رأي الجمهور، وروي عن مالك ﵀ أن الذمي لا يجلد إذا زنى. ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ أي لا يحملنكم العطف والشفقة على ترك حد الزناة، فهو حكم الله تعالى، ولا يجوز تعطيل حدود الله، والواجب التزام النص، والغيرة على حرمات الله، كما قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن عائشة ﵂: «والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي فأقيموا الحدود على من زنى،

стр. 5392

وشددوا عليه الضرب غير المبرح ليرتدع هو وأمثاله، إن كنتم تصدقون بالله وبالآخرة التي يجري فيها الحساب والجزاء. وهذا ترغيب شديد وحض أكيد وإلهاب على تطبيق وتنفيذ حدود الله. وفي ذكر اليوم الآخر تذكير للمؤمنين بما فيه من العقاب تأثرا بعاطفة اللين في استيفاء الحد، جاء في الحديث: «يؤتى بوال نقص من الحد سوطا، فيقال له: لم فعلت ذلك؟ فيقول: يا ربّ رحمة بعبادك فيقول له: أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به في النار». ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولتكن إقامة الحد علانية، أمام فئة من المسلمين، زيادة في التنكيل للزانيين، فإنهما إذا جلدا بحضرة الناس كان ذلك أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، وأكثر تقريعا وتوبيخا وتأنيبا لهما. والطائفة: أقلها واحد، وقيل: اثنان فأكثر، وقيل: ثلاثة نفر فصاعدا، وقيل: أربعة نفر فصاعدا؛ لأنه لا يكفي في شهادة الزنى إلا أربعة فأكثر، وقيل: خمسة، وقيل: عشرة فصاعدا. وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي نفر من المسلمين، ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا. وهذا أولى الآراء في تقديري. ويثبت الزنى بأحد أمور ثلاثة: ١ - الإقرار أو الاعتراف: وهذا هو الواقع فعلا في عهود الإسلام. ٢ - البينة أو الشهادة: أي شهادة أربعة رجال أحرار عدول مسلمين على التلبس بالزنى فعلا، ورؤية ذلك بالعين المجردة، وهذا نادر جدا لم يحصل إلا قليلا. ٣ - الحبل عند المرأة بلا زوج معروف لها.

стр. 5393

وحكمة حد الزنى: الحفاظ على الأعراض والحقوق، ومنع اختلاط الأنساب، وتحقيق العفاف والصون، وطهر المجتمع، والحيلولة دون ظهور اللقطاء في الشوارع، وانتشار الأمراض الجنسية الخطيرة، كالزّهري والسيلان، وتكريم المرأة نفسها، وعدم إهدار مستقبلها. روي عن حذيفة أن النبي ﷺ قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى، فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة: فسخط الله ، وسوء الحساب، وعذاب النار». ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.﴾. الآية: هذا خبر خرج مخرج الغالب فلا يقصد به التحريم الاصطلاحي، وإنما التنزه والابتعاد والترفع، والمعنى: أن الشأن في الزاني الفاسق الفاجر ألا يرغب إلا في نكاح أمثاله من النساء الزانيات الفاسقات، فهو عادة لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يميل إلى الزواج بالفاسقة الخبيثة أو المشركة مثلها التي لا تهتم عادة لحرمة العرض، ولا تأبه بشأن التعفف. وكذلك الشأن في الزانية الخبيثة لا يرغب فيها غالبا إلا زان خبيث مثلها أو مشرك لا يتعفف عادة. وبدئ بالزاني هنا، وبالزانية في الآية السابقة؛ لأن هذه الآية تتحدث عن النكاح وإبداء الرغبة فيه بالخطبة، والعادة أن ذلك يكون من الرجل، لا من المرأة، أما أكثر دواعي الزنى فتكون من المرأة فبدئ بها كما بينا، فهي المادة في الزنى، وأما في النكاح فالرجل هو الأصل؛ لأنه الراغب والطالب عادة.

стр. 5394

وليس معنى الجملتين في الآية هنا واحدا، فإن الجملة الأولى تصف الزاني بأنه لا يرغب في العفيفات المؤمنات، وإنما يميل إلى الزانية والمشركة، والجملة الثانية تصف الزانية بأنه لا يرغب فيها المؤمنون الأعفاء، وإنما يميل إليها الفجار والمشركون، فكان المعنى مختلفا إذ لا يلزم عقلا من كون الزاني لا يرغب إلا في مثله أن الزانية لا يرغب فيها غير أمثالها، وكانت الآية موضحة وجود التلاؤم والانسجام والتفاهم والاقتران من كلا الطرفين: الرجل والمرأة. وقد سمعنا كثيرا اليوم أن الممثلين والممثّلات ونحوهم من أهل الفن لا يتزوج الواحد منهم أو الواحدة إلا بمحترف فنا مماثلا؛ لأن عنصر الغيرة في زعمهم يجب أن يرتفع، ليستمر الفريقان في عملهما، وإلا تعرض الزواج للهدم والفسخ والزوال، فكما لا يألف العفيف ولا يقبل غير العفائف، كذلك لا تقبل العفيفة الشريفة بحال إسفاف زوجها وتبذّله، واختراقه حدود الصون والعفة، ولربما كانت المرأة أشد غيظا وغضبا وتحرقا من الرجل في هذا، وقد يكون العكس، والمعول عليه وجود الدين والخلق والإحساس المرهف وتوافر الغيرة الدينية على الحرمات والأعراض، والبعد عن جعل العلاقة بين الرجل والمرأة مجرد علاقة مادية شهوانية، كما هو الشائع اليوم لدى الماديين الملحدين الذين رفعوا مسألة العرض من قاموس الأخلاق والقيم، سواء في الشرق أو الغرب. ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حرّم التزوج بالبغايا أو تزويج العفائف بالرجال الفجار على المؤمنين الأتقياء، والمراد بالتحريم التنزه والتعفف مبالغة في التنفير؛ لأنه تشبّه بالفسّاق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة، والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد. وهذا رأي الجمهور كأبي بكر وعمر وجماعة من التابعين وفقهاء الأمصار جميعا، فيجوز نكاح الزانية، والزنى لا يوجب تحريمها على الزوج، ولا يوجب الفرقة بينهما، ويؤيدهم ما أخرجه الطبراني والدارقطني من حديث عائشة

стр. 5395

قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها، فقال: أوله سفاح، وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال». وما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن امرأتي لا تمنع يد لامس! قال ﷺ : غرّبها، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: فاستمتع بها. وهو دليل على جواز نكاح الزانية، وعلى أن الزوجة إذا زنت لا ينفسخ نكاحها. وقوله: «لا تمنع يد لامس» معناه الزانية، وأنها مطاوعة من راودها، لا ترد يده. وقوله: «غرّبها» أي أبعدها بالطلاق، وهذا دليل آخر على جواز نكاح الفاجرة. وقوله: «فاستمتع بها» أن لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها، والاستمتاع بالشيء: الانتفاع به إلى مدة، ومنه سمي نكاح المتعة، ومنه آية: ﴿إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ [غافر ٣٩/ ٤٠]. وأما حكم الحرمة في الآية فمخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢/ ٢٤] فإنه يتناول المسافحات. وقال جماعة من السلف (علي وعائشة والبراء، وابن مسعود في رواية عنه): إن من زنى بامرأة أو زنى بها غيره لا يحل له أن يتزوجها، وقال علي: إذا زنى الرجل فرّق بينه وبين امرأته؛ وكذلك هي إذا زنت. ودليلهم أن الحرمة في الآية على ظاهرها، والخبر في قوله ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ.﴾. بمعنى النهي، وأحاديث منها ما رواه أبو داود عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة ديّوث» ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والدّيّوث، وثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنّان بما أعطى».

стр. 5396

وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك، حتى تستتاب، فإن تابت، صح العقد عليها، وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ [المائدة ٥/ ٥]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على الأحكام التالية: ١ - تحريم الزنى: الزنى من الكبائر؛ لأن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ [الفرقان ٦٨/ ٢٥]. ولأن الله سبحانه أوجب الحد فيه وهو مائة جلدة، وشرع فيه الرجم. ونهى المؤمنين عن الرأفة، وأمر بإشهاد الطائفة المؤمنة للتشهير، ولحديث حذيفة المتقدم: «يا معشر الناس، اتقوا الزنى، فإن فيه ست خصال..» والزنى: وط ء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها، أو هو إيلاج (إدخال) فرج في فرج مشتهى طبعا محرّم شرعا. فإذا كان ذلك وجب الحد. أما اللواط: فحكمه عند الشافعي في الأصح ومالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد حكم الزنى، فيكون اللائط زانيا، فيدخل في عموم الآية، ويحد حد الزنى عند الشافعي بدليل ما روى البيهقي عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 5397

«إذا أتى الرجل الرجل، فهما زانيان» وحده عند المالكية والحنابلة: الرجم، ويرى بعض الحنابلة أن الحد في اللواط القتل، إما برميه من شاهق، وإما بهدم حائط عليه، وإما برميه بالحجارة. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يعزر اللوطي فقط، ولا يحد؛ إذ ليس في اللواط اختلاط أنساب، ولا يترتب عليه غالبا حدوث منازعات تؤدي إلى قتل اللائط، وليس هو زنى، ولا يتعلق به المهر، فلا يتعلق به الحد، ولأنه ﷺ أباح قتل المسلم بإحدى ثلاث: زنى المحصن، وقتل النفس بغير حق، والردة. ولم يذكر فاعل اللواط؛ لأنه لا يسمى زانيا، ولم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء. واتفق الفقهاء على أن السحاق والاستمناء باليد يشرع فيه التعزير والتأديب والتوبيخ. وأما إتيان البهائم: فاتفق أئمة المذاهب الأربعة على تعزير فاعله بما يراه الحاكم رادعا له؛ لأن الطبع السليم يأبى ذلك، وفي سنن النسائي عن ابن عباس: «ليس على الذي يأتي البهيمة حد» وهذا موقوف له حكم المرفوع. وأما إتيان الميتة: ففيه عند الجمهور غير المالكية التعزير؛ لأن هذا ينفر الطبع منه، فلا يحتاج إلى حد زاجر، وإنما يكفي فيه التأديب. وأوجب المالكية فيه الحد؛ لأنه وط ء في فرج آدمية، فأشبه وط ء المرأة الحية. والخلاصة: أن كل فعل من هذه الأفعال حرام منكر، يجب اجتنابه. ٢ - وجوب الحد في الزنى: وهذا هو الذي استقر عليه التشريع، وكانت عقوبته في مبدأ الإسلام حبس المرأة، وتعيير الرجل وإيذاءه بالقول: لقوله تعالى: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ، فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ، أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ

стр. 5398

سَبِيلاً. وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما، فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا، فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ [النساء ١٥/ ٤ - ١٦]. ثم نسخ ذلك، بدليل ما أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت ﵁ من الحديث المتقدم أن النبي ﷺ قال: «خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيّب بالثيب جلد مائة والرجم». وحد الزنى نوعان: حد الثيب (المتزوج) وحد البكر (غير المتزوج). أ-أما حد الثيب: فهو باتفاق جماهير العلماء الرجم فقط، للأحاديث المتقدمة القولية والفعلية الدالة على مشروعيته، والتي بلغت مبلغ التواتر، فيخصص بها عموم القرآن، كما أنه في رأي الجمهور يخصص القرآن بخبر الواحد. وفي رأي الظاهرية وإسحاق وأحمد في رواية عنه: الجلد والرجم، عملا بظاهر حديث عبادة المتقدم. ويرى الخوارج أن حد الثيب هو جلد مائة فقط، وأما الرجم فهو غير مشروع، للأدلة السابقة الثلاثة، والتي أجيب عنها. واتفق الفقهاء على أن حد الثيب من الأرقاء هو الجلد فقط كحد البكر، وأنه لا رجم في الأرقاء. ب-وأما حد البكر: فهو في رأي الحنفية الجلد مائة فقط، دون تغريب، عملا بصريح الآية، ولا يزاد عليها شيء بخبر الواحد، وأما التغريب فهو مفوض إلى رأي الإمام حسبما يرى من المصلحة في ذلك. وهو في رأي الجمهور: الجلد مائة ونفي عام، فيغرب في رأي الشافعية والحنابلة إلى بلد آخر بعيد عن بلده بمقدار مسافة القصر (٨٩ كم) لحديث عبادة

стр. 5399

المتقدم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام». ويسجن الرجل عند المالكية في البلد التي غرب إليها. ولا تغرب المرأة باتفاق هؤلاء خشية الزنى بها مرة أخرى. وأما الذمي المحصن: فحده في رأي الحنفية والمالكية الجلد لا الرجم، لما رواه إسحاق بن راهويه عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن» وهذا قول يرجح على الفعل الثابت عنه ﷺ أنه رجم يهوديين، وبالقياس على إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع، فيكون إحصان الرجم مثله، لكمال النعمة في الحالين. وحده في رأي الشافعي وأحمد وأبي يوسف: الرجم إذا ترافع إلينا؛ لما ثبت في الصحيحين وسنن أبي داود أن النبي ﷺ أتي بيهوديين زنيا، فأمر برجمهما، ولأن الكافر كالمسلم يحتاج إذا زنى إلى الردع، ولأن الكفار الذميين ملتزمون بأحكام شريعتنا. أما حديث «من أشرك بالله فليس بمحصن» فلا ينطبق على الذمي؛ لأنه في مصطلحنا لا يسمى مشركا. وأما القياس على حد القذف وأنه لا حد على من قذف كافرا فهو قياس مع الفارق؛ لأن الشرع أوجب هذا الحد تكريما للمسلم ورفعا للعار عنه، وغير المسلم لا حاجة له لذلك، لتساهله عادة. ٣ - صاحب الولاية في إقامة الحد: إن المطالب بتطبيق الحد هو الإمام الحاكم أو نائبه باتفاق العلماء؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ لأولياء الأمر من الحكام؛ لأن هذا حكم يتعلق بإصلاح الناس جميعا، وذلك منوط بالإمام، وإقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، والإمام ينوب عنهم فيها؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود، ومنعا للفوضى، والعودة إلى عادة الجاهلية في الأخذ بالثأر. وأضاف الإمامان مالك والشافعي: السادة في شأن العبيد، لكن عند مالك

стр. 5400

في الجلد دون القطع، وعند الشافعي في قول: في كل جلد وقطع. ودليلهما ما أخرجه الستة غير السنائي من قوله ﷺ في الأمة: «إن زنت فاجلدوها». وما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن ومن لم يحصن». وما روي عن ابن عمر ﵄ أنه أقام حدا على بعض إمائه. وقال الحنفية: لا يملك السيد أن يقيم حدا ما، للآية: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا..﴾. والخطاب بلا شك للأئمة دون سائر الناس، ولم يفرق في المحدودين بين الأحرار والعبيد. وأما الأحاديث فيراد بها رفع الموالي أمر عبيدهم إلى الحكام ليقيموا الحد عليهم، وفعل ابن عمر رأي له لا يعارض الآية. والجلاد يكون من خيار الناس وفضلائهم، حسبما يختار الإمام. ٤ - أداة الجلد: أجمع العلماء على أن الجلد يجب بالسوط الذي لا ثمرة له، وهو الوسط بين السوطين، لا شديد ولا ليّن، كما فعل النبي ﷺ . وقال مالك والشافعي: الضرب في الحدود كلها سواء، ضرب غير مبرّح (غير شديد). ضرب بين ضربين؛ لأنه لم يرد شيء في تخفيف الضرب ولا تثقيله. وقال الحنفية: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنى أشد من الضرب في الخمر، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف، احتجاجا بفعل عمر الذي خفف في ضرب الشارب. ٥ - صفة الجلد وطريقة الضرب ومكانه عند الجمهور: أن يكون مؤلما لا يجرح ولا يقطع (يبضع) ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، عملا بقول عمر الذي أتى بسوط بين سوطين وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، ولأن قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ معناه النهي عن التخفيف في الجلد.

стр. 5401

ومواضع الضرب في الحدود والتعزير: ظهر الإنسان في رأي مالك؛ لقوله ﷺ فيما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس: «البينة وإلا حدّ في ظهرك» وسائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج والرأس في رأي الجمهور. وكيفية ضرب الرجال والنساء مختلف فيها، فقال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يجزي عنده إلا في الظهر، وقال الحنفية والشافعية: يجلد الرجل وهو واقف، والمرأة وهي قاعدة، عملا بقول علي ﵁. وتجريد المجلود في الزنى مختلف فيه أيضا، فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: يجرّد ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأن الأمر بالجلد يقتضي مباشرة جسمه، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب. وقال الأوزاعي: الإمام مخير، إن شاء جرّد وإن شاء ترك. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه لا يجرد المحدود في الحدود كلها فيما عدا الفرو والحشو، فإنه ينزع عنه، فإنه لو ترك عليه ذلك، لم يبال بالضرب، عملا بقول ابن مسعود: «ليس في هذه الأمة مدّ ولا تجريد». ٦ - الشفاعة في الحدود: يراد بآية ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ النهي عن تخفيف الحد وإسقاطه، وهو دليل على تحريم الشفاعة في إسقاط حد الزنى؛ لأنها تعطيل لإقامة حد الله تعالى، وكذلك تحرم الشفاعة في سائر الحدود، لما أخرجه الخمسة أن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد حين تشفع في فاطمة بنت الأسود المخزومية التي سرقت قطيفة وحليا: «أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟! ثم قام فاختطب فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

стр. 5402

وأخرج أبو داود عن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى، فقد ضادّ الله ». كذلك يحرم على الإمام الحاكم قبول الشفاعة في الحدود، لما أخرجه مالك عن الزبير بن العوام ﵁: «أنه لقي رجلا قد أخذ سارقا يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به إلى السلطان، فقال الزبير: إنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان، فإذا بلغ السلطان، لعن الشافع والمشفع». ٧ - الترغيب في إقامة الحدود: دل قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ على الحث على إقامة الحد، وامتثال أمر الله تعالى وتنفيذ أحكامه على النحو الذي شرعها. ٨ - حضور إقامة الحد: دل ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على وجوب الحضور على طائفة من المؤمنين، للتنكيل والعبرة والعظة، لكن الفقهاء اختلفوا في ذلك: فقال الحنفية والحنابلة: ينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس؛ لأن المقصود من الحد هو زجر الناس. والطائفة في قول أحمد والنخعي: واحد. وقال المالكية والشافعية: يستحب حضور جماعة، وهما اثنان في القول المشهور لمالك، وأربعة على الأقل في رأي الشافعية وفي قول مالك والليث. ٩ - حكمة الحد: إن الحد عقوبة تجمع بين الإيلام الخفيف والاستصلاح، أما الإيلام فلقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ فسميت العقوبة عذابا، ويراد من هذه العقوبة أيضا الزجر والإصلاح؛ لأنه يمكن أن يراد من العذاب: ما يمنع المعاودة كالنكال، فيكون الغرض منه الاستصلاح.

стр. 5403

١٠ - هل الآية منسوخة ؟ إن آية ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً..﴾. منسوخة في رأي أكثر العلماء بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢/ ٢٤] لذا قال الحنفية: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وقال غير الحنفية أيضا: إن التزوج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته. وروي أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي بكر ﵁، فجلدهما مائة جلدة، ثم زوّج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة، وهذا ما يحدث الآن في المحاكم الشرعية. وروي مثل ذلك عن عمر وابن مسعود وجابر ﵃. وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح. ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط (بستان) ثمرة، ثم أتى صاحب البستان، فاشترى منه ثمره، فما سرق حرام، وما اشترى حلال. وقال بعض العلماء المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة، وبناء عليه قالوا من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها. وقال بعض هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو أمسكها أثم، ولا يجوز التزوج بالزانية، ولا من الزاني، بل إذا ظهرت التوبة يجوز النكاح حينئذ. وأدلتهم تقدم ذكرها. ١١ - عموم التحريم: حرم الله تعالى الزنى في كتابه، سواء في أي مكان في العالم، فحيثما زنى الرجل فعليه الحد، وهذا قول الجمهور (مالك والشافعي وأبي ثور وأحمد) قال ابن المنذر: دار الحرب ودار الإسلام سواء، ومن زنى فعليه الحدّ، على ظاهر قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وقال الحنفية في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك، ثم

стр. 5404

خرج إلى دار الإسلام، لم يحدّ؛ لأن الزنى وقع في مكان لا سلطان للإمام المسلم عليه، لكن يكون زناه حراما وإن لم يجب عليه الحد، وعليه التوبة من الحرام. الحكم الثالث حد القذف ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ الإعراب: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ﴿ثَمانِينَ﴾ منصوب على المصدر، و ﴿جَلْدَةٍ﴾ تمييز منصوب. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ إما منصوب على الاستثناء، كأنه قال: إلا التائبين، وإما مرفوع على الابتداء، وخبره ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وإما مجرور على البدل من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾. البلاغة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ استعارة، أستعير لفظ الرمي (وهو الإلقاء بالحجارة ونحوها) لشيء معنوي وهو القذف باللسان، بجامع الأذى في كل منهما. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعيل. المفردات اللغوية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ يقذفون العفائف الحرائر البالغات العاقلات المسلمات، ولا فرق بين الذكر والأنثى، وتخصيص المحصنات مراعاة للواقعة، أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع، والرمي: الإلقاء بشيء يضر أو يؤذي، أستعير للسب بالزنى لما فيه من الأذى والضرر، أما القذف بغير الزنى مثل يا فاسق، يا شارب الخمر فيوجب التعزير ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ لإثبات زناهن برؤيتهم، وهو جمع شهيد، وهو الشاهد، وسمي بذلك لأنه يخبر عن شهادة وعلم وأمانة.

стр. 5405

ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة عند الشافعية، وتعتبر عند أبي حنيفة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ اجلدوا كل واحد منهم ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً﴾ أي تسقط عدالتهم، فلا تقبل لهم أي شهادة كانت بعدئذ؛ لأنه مفتر. ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد عند الشافعية؛ لترتب الجزاءين على القذف على السواء جوابا للشرط، دون ترتيب بينهما، فيحصلان دفعة واحدة، ويتوقف عدم قبول شهادته عند أبي حنيفة على استيفاء الحد. وقوله: ﴿أَبَداً﴾ أي ما لم يتب، وعند أبي حنيفة: إلى آخر عمره ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ المحكوم بفسقهم؛ لإتيانهم كبيرة. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ عن القذف ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام للحد، أو طلب العفو (الاستحلال) من المقذوف. ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لهم قذفهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بإلهامهم التوبة. وبالتوبة ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم عند الشافعية، ولا تقبل عند الحنفية؛ لأن الاستثناء يكون راجعا إلى الجملة الثالثة وهي: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ في رأيهم، وإلى أصل الحكم وجميع الجمل في رأي الشافعية، لكن تستثنى الجملة الأولى، فلا يسقط الحد بالتوبة بالاتفاق، حفاظا على حق العبد، ويبقى الاستثناء في ظاهره عائدا إلى رد الشهادة والتفسيق. المناسبة: بعد التنفير من نكاح الزانيات وإنكاح الزناة، نهى الله تعالى عن القذف وهو الرمي بالزنى، وذكر حده في الدنيا وهو الجلد ثمانين، وعقوبته في الآخرة وهو العذاب المؤلم ما لم يتب القاذف. ودلت القرائن على أن المراد الرمي بالزنى بإجماع العلماء لتقدم الكلام عن الزنى، ووصف النساء بالمحصنات وهن العفائف عن الزنى، ولاشتراط إثبات التهمة بأربعة شهود، ولا يطلب هذا العدد إلا في الزنى، ولانعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنى، كالرمي بالسرقة وشرب الخمر والكفر، فمجموع هذه القرائن الأربع يجعل المراد هو الرمي بالزنى. التفسير والبيان: هذه الآية تبين حكم قذف المحصنة وهي الحرة البالغة العاقلة العفيفة، يجلد قاذفها ثمانين جلدة، وكذلك يجلد قاذف الرجل العفيف اتفاقا، وقذف الرجل

стр. 5406

داخل في حكم الآية بالمعنى، كدخول تحريم شحم الخنزير في تحريم لحمه. وذكر النساء، لأن رميهن بالفاحشة أشنع، والزنى منهن أقبح، أما السرقة فالرجل عليها أجرأ وأقدر، فبدأ به في آية حد السرقة. وفي التعبير بالإحصان إشارة إلى أن قذف العفيف رجلا أو امرأة موجب لحد القذف، أما المعروف بفجوره فلا حد على قاذفه، إذ لا كرامة للفاسق. والمعنى: إن الذين يسبّون النساء العفيفات الحرائر المسلمات برميهن بالزنى، ولم يتمكنوا من إثبات التهمة بأربعة شهود رأوهن متلبّسات بالزنى، أي لم يقيموا البينة على صحة القذف الذي قالوه، لهم ثلاثة أحكام: الأول-أن يجلد القاذف ثمانين جلدة. والجلد: الضرب. الثاني-أن ترد شهادته أبدا، فلا تقبل في أي أمر مدة العمر. الثالث-أن يصير فاسقا ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس، سواء كان كاذبا في قذفه أو صادقا. والفسق: الخروج عن طاعة الله تعالى، وهذا دليل على أن القذف كبيرة من الكبائر، لما يترتب عليه من التشنيع وهتك حرمة المؤمنات. لكن شرط القاذف الذي نصت عليه الآية: عجزه عن الإتيان بأربعة شهود، وتقضي قواعد الشرع أن يكون من أهل التكليف: وهو البالغ العاقل المختار، العالم بالتحريم حقيقة، أو حكما كمن أسلم حديثا ومضت عليه مدة يتمكن فيها من معرفة أحكام الشرع. وشرط المقذوف المرمي بنص الآية: أن يكون محصنا: وهو المكلف (البالغ العاقل) الحر، المسلم، العفيف عن الزنى. فشرائط إحصان القذف خمسة: هي البلوغ والعقل باعتبارهما من لوازم العفة عن الزنى، والحرية؛ لأنها من معاني الإحصان، والإسلام، لقوله ﵊ في الحديث المتقدم: «من

стр. 5407

أشرك بالله فليس بمحصن» والعفة عن الزنى، فلا يعتبر كل من المجنون والصبي والعبد والكافر والزاني محصنا، فلا يحد قاذفهم، لكن يعزر للإيذاء. ويلاحظ أن ظاهر الآية يتناول جميع العفائف، سواء كانت مسلمة أو كافرة، وسواء كانت حرة أو رقيقة، إلا أن الفقهاء قالوا شرائط الإحصان في القذف خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة عن الزنى. وإنما اعتبرنا الإسلام للحديث المتقدم، واعتبرنا العقل والبلوغ لقوله ﷺ فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عائشة: «رفع القلم عن ثلاثة» ومنهم الصبي والمجنون، واعتبرنا الحرية؛ لأن العبد ناقص الدرجة، فلا يعظم عليه التعيير بالزنى، واعتبرنا العفة عن الزنى؛ لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف، فإذا كان المقذوف زانيا، فالقاذف صادق في القذف، فلا يحد، وكذلك إذا كان المقذوف وطئ امرأة بشبهة أو نكاح فاسد؛ لأن فيه شبهة الزنى. وإذا كان العبد أو الكافر عفيفا عن الزنى، فيصبح محصنا من وجه، وغير محصن من وجه آخر، فيكون ذلك شبهة في إحصانه، فيجب درء الحد عن قاذفه. وكان ينبغي جعل التزوج من صفات الإحصان، إلا أن العلماء أجمعوا على عدم اعتباره هنا، وهو كون المرمي زوجة أو زوجا، بدليل الآيات التالية في اللعان، فتكون آية اللعان مخصصة لعموم الموصول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾. وظاهر الآية: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يدل على أنه يشترط لتحقق القذف الموجب للعقوبة عجز القاذف عن الإتيان بأربعة يشهدون أنهم قد رأوا المقذوف يزني، وتاء ﴿بِأَرْبَعَةِ﴾ تفيد في ظاهرها اعتبار كونهم من الرجال، ويؤكد ذلك أنه لا تعتبر شهادة النساء في الحدود اتفاقا. ولم تشترط الآية أكثر من كون الرجال الأربعة أهلا للشهادة، لكن العلماء

стр. 5408

اختلفوا في اشتراط كون الشاهد عدلا، فقال الشافعية: تشترط عدالة الشاهد، وقال الحنفية: لا تشترط عدالة الشاهد. فإذا شهد أربعة فساق فهم قذفة عند الشافعية يحدون كالقاذف، ولا يحدون عند الحنفية، ويدرأ الحد عن القاذف؛ لأنه تثبت بشهادتهم شبهة الزنى، فيسقط الحد عنهم وعن القاذف، وكذا عن المقذوف. وظاهر عموم الآية أنه يكفي أن يكون زوج المقذوفة أحد الشهود الأربعة، وقد أخذ الحنفية بهذا الظاهر، وقال مالك والشافعي: لا يعتبر الزوج أحد الشهود، ويلاعن الزوج ويحد الشهود الثلاثة الآخرون؛ لأن الشهادة بالزنى قذف، ولم يكتمل نصاب الشهادة المطلوب. وظاهر إطلاق الآية أنه يصح مجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين، وبه أخذ المالكية والشافعية، وذلك كالشهادة في سائر الأحكام. وقال أبو حنفية: لا تقبل شهادتهم إلا إذا كانوا مجتمعين غير متفرقين، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم؛ لأن الشاهد الواحد لما شهد صار قاذفا، ولم يأت بأربعة شهداء، فوجب عليه الحد، ولم يعد صالحا للشهادة. ونقل ذلك أيضا عن مالك. وظاهر الآية أيضا أن القاذف يجلد إذا أتى بشاهدين أو ثلاثة فقط، وكذلك يجلد هؤلاء الشهود إذا لم يكملوا النصاب، بدليل فعل عمر الذي أمر بجلد ثلاثة شهود وهم شبل بن معبد وأبو بكرة (نفيع بن الحارث) وأخوه نافع شهدوا بالزنى على المغيرة بن شعبة، وأما رابعهم زياد فلم يجزم بحدوث حقيقة الزنى. والخطاب في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ هم أولياء الأمر الحكام، وظاهر هذا العموم يشمل الحر والرقيق، فحدهما ثمانون جلدة، وبه أخذ ابن مسعود والأوزاعي والشيعة، وأجمع بقية الفقهاء على أن حد الرقيق في القذف النصف وهو أربعون جلدة. ودل هذا الظاهر أيضا أن الحاكم يقيم الحد ولو من غير طلب المقذوف، وبه أخذ ابن أبي ليلى، وقال الجمهور: لا يحد إلا بمطالبة

стр. 5409

المقذوف، وقال مالك: إذا سمعه الإمام يقذف، حدّه ولو لم يطلب المقذوف، إذا كان مع الإمام شهود عدول. والخلاصة: أن الإمام لا يقيم حد القذف إلا بمطالبة المقذوف في المذاهب الأربعة. وفي إقامة حد القذف: مراعاة لحق الله تعالى في حماية الأعراض، ولحق العبد الذي انتهكت حرمته، لكن اختلف الفقهاء في المغلّب في هذا الحد: فقال الشافعية: يغلّب حق العبد باعتبار حاجته، وغنى الله . وذهب الحنفية إلى تغليب حق الله تعالى؛ لأن استيفاءه يحقق مصلحة العبد أيضا. وتظهر ثمرة الخلاف في أمثلة منها: أ-إذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد، فيسقط عند الحنفية تغليبا لحق الله تعالى، وقال الشافعية: لا يسقط الحد بموت المقذوف، بل يتولى ورثته المطالبة به تغليبا لحق العبد. ب-وإذا قذف شخص جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة، فالحنفية يقولون بتداخل الحد، ويكفي للجميع حد واحد، تغليبا لحق الله تعالى كمن زنى مرارا أو سرق أو شرب الخمر، ولا يتداخل الحد عند الشافعية، وعليه لكل واحد حد تغليبا لحق العباد. ج -وإذا عفا المقذوف عن الحد، يسقط عند الشافعية تغليبا لحق العبد، ولا يسقط عند الحنفية بعد طلب إقامته. وبما أن مجموع العقوبات الثلاث مرتب على القذف بالعطف بالواو، فترد شهادة القاذف ولو قبل جلده في رأي الشافعي، ولا ترد شهادته إلا بعد جلده في رأي أبي حنيفة ومالك؛ لأن الواو وإن لم تقتض الترتيب، لكن المراد الترتيب؛ لقوله ﷺ فيما رواه الديلمي وابن أبي شيبة عن ابن عمرو مرفوعا: «المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا محدودا في فرية» أي قذف، ورواه الدارقطني عن عمر في كتابه إلى أبي موسى.

стр. 5410

ورد شهادة القاذف عام يشمل ما إذا كانت الشهادة واقعة منه قبل القذف أم بعد القذف، ويشمل شهادة من قذف وهو كافر ثم أسلم، إلا أن الحنفية استثنوا الكافر إذا حد في القذف ثم أسلم، فإن شهادته بعد إسلامه تكون مقبولة، لاستفادته بالإسلام عدالة جديدة. ورد شهادة القاذف هي من تمام الحد في رأي الحنفية، عملا بظاهر الآية التي رتب الله فيها على القذف عقوبتين، فكان الظاهر أن مجموعهما حد القذف. وقال مالك والشافعي: الحد هو جلد ثمانين فقط، وأما رد الشهادة فهو عقوبة زائدة على الحد؛ لأن الحد عقوبة بدنية، ورد الشهادة عقوبة معنوية، ولأن قول النبي ﷺ لهلال بن أمية فيما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس: «البينة أو حد في ظهرك» يدل على أن الجلد هو تمام الحد. ويلزم على قول الحنفية أن الحاكم لا يرد شهادة القاذف إلا بطلب المقذوف، أما الآخرون فلا يرون توقف رد الشهادة على طلب المقذوف. ثم استثنى الله تعالى حال التوبة فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي إلا الذين رجعوا عن قولهم وندموا على فعلهم، وأصلحوا حالهم وأعمالهم، فلم يعودوا إلى قذف المحصنات، قال ابن عباس: أي أظهروا التوبة، فإن الله غفور ستار لذنوبهم، رحيم بهم، فيقبل توبتهم، ويرفع عنهم صفة الفسق التي وسموا بها. قال الشافعي: توبة القاذف: إكذابه نفسه، والمعنى كما فسره الاصطخري من أصحاب الشافعي: أن يقول: كذبت فيما قلت، فلا أعود لمثله، وفسره أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: لا يقول: كذبت؛ لأنه ربما يكون صادقا، فيكون قوله: (كذبت) كذبا، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على

стр. 5411

ما قلت، ورجعت عنه، ولا أعود إليه. ورجح أبو الحسن اللخمي أن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف. وقال بعض العلماء: توبة القاذف كتوبة غيره، تكون بينه وبين ربه، ومضمونها الندم على ما قال، والعزم على ألا يعود. وقد اختلف العلماء في هذا الاستثناء، هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائما، وإن تاب وأصلح، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة أو إلى الكل؟ يلاحظ كما ذكرنا أن الآية ذكرت ثلاثة أحكام بثلاث جمل متعاطفة بالواو، معقبة بالاستثناء، فاتفق العلماء على أن الاستثناء لا يرجع هنا إلى الجملة الأولى، فلا يسقط الحد بتوبة القاذف، للمحافظة على حق العبد وهو المقذوف. وانحصر الخلاف في عود الاستثناء إلى الجملتين الثانية والثالثة، أي رد الشهادة والفسق، فقال الحنفية: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبدا؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها، لدفع توهم أن القذف لا يكون سببا لثبوت صفة الفسق بهتك عرض المؤمن بلا فائدة، وإذا كانت الجملة الأخيرة مستأنفة، توجه الاستثناء إليها وحدها. وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): يعود الاستثناء إلى كلتا الجملتين الثانية والثالثة؛ لأن جملة ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً﴾ مستأنفة منقطعة عما قبلها؛ لأنها ليست من تتمة الحد، وجملة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ تبين علة رد الشهادة، فإذا ارتفع الفسق الذي هو علة بالتوبة، ارتفع المعلول الذي هو رد الشهادة، فهذه الجملة تعليل، لا جملة مستقلة بنفسها، أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم؟.

стр. 5412

ولا يثور هذا الخلاف بين الفريقين إذا قامت قرينة أو دليل على أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجمل كلها، كما في المثالين الآتين: الأول-قوله تعالى في دية القتل الخطأ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ، إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء ٩٢/ ٤] فيه قرينة تدل على أن الاستثناء عائد إلى الدية لا إلى تحرير الرقبة؛ لأن التحرير حق الله تعالى، وتصدق الولي لا يسقط حق الله تعالى. الثاني-قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٣٤/ ٥] فيه دليل على رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها، فإن التقييد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يمنع عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، وهي قوله سبحانه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لأن التوبة تسقط العذاب الأخروي، سواء أكانت قبل القدرة عليهم أم بعدها، فلم يكن لهذا التقييد فائدة إلا سقوط الحد، فهذا الاستثناء راجع إلى الجميع بالاتفاق. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - أرشدت الآية إلى وجوب حد القاذف ثمانين جلدة إذا عجز عن إثبات تهمته بأربعة شهود، وإلى الحكم برد شهادته، وصيرورته فاسقا، إلا إذا تاب فتقبل شهادته وترتفع صفة الفسق عنه في رأي الجمهور، وتزول عنه صفة الفسق فقط بالتوبة في مذهب الحنفية، ويظل مردود الشهادة أبدا وإن تاب. ٢ - وللقذف شروط تسعة عند العلماء: شرطان في القاذف: وهما العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف. وشرطان في المقذوف به: وهو أن يقذف بوط ء يلزمه فيه الحد: وهو عند الجمهور غير الحنفية: الزنى واللواط، أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي.

стр. 5413

وخمسة شروط في المقذوف: وهي العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها. ٣ - واتفق العلماء على أن القذف بصريح الزنى يوجب الحد، أما القذف بالتعريض والكناية، مثل ما أنا بزان ولا أمي بزانية، فقال مالك: هو قذف. وقال الشافعي: هو قذف إن نوى وفسره به فقال: أردت به القذف. وقال أبو حنيفة: ليس ذلك قذفا، لما فيه من شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. ٤ - وذهب الجمهور إلى أنه لا حد على من قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم، ولكنه يعزر، وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم. ٥ - وإذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفا عند مالك وقال الآخرون من الأئمة: ليس بقذف؛ لأنه ليس بزنى؛ إذ لا حد عليها، ويعزّر. ٦ - وأما شرط أداء الشهادة وهو كون ذلك في مجلس واحد ففيه رأيان للعلماء كما تقدم: رأي يشترط اجتماع الشهود في مجلس واحد، ورأي لا يشترط ذلك، ويصح أداؤهم الشهادة متفرقين. ٧ - إن رجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود عليه في الزنى، فقال الجمهور: يغرم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين. وقال الشافعي: إن قال: تعمدت ليقتل، فالأولياء بالخيار: إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وأخذوا ربع الدية، وعليه الحدّ. ٨ - صفة حد القذف فيها رأيان أيضا: قال أبو حنيفة: هو من حقوق الله تعالى والمغلب فيه حق الله، وقال الجمهور: هو من حقوق الآدميين. وفائدة الخلاف: أنه على الرأي الأول تنفع القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى،

стр. 5414

ولا يورث الحد ولا يسقط بالعفو، وعلى الرأي الثاني: لا تنفع القاذف التوبة حتى يسامحه المقذوف، ويورث الحد، ويسقط بالعفو. وقد ذكر سابقا آثار أخرى للخلاف. قال ابن العربي: والصحيح أنه حق الآدميين، والدليل أنه يتوقف على مطالبة المقذوف، وأنه يصح له الرجوع عنه. ٩ - الشهادة تكون على معاينة الزنى، يرون ذلك كالمرود في المكحلة، وفي موضع واحد في رأي مالك، فإن لم يتحقق ذلك جلد الشهود، كما بينا. ١٠ - إذا تاب القاذف قبلت شهادته في رأي الجمهور؛ لأن ردها كان لعلة الفسق، فإذا زال بالتوبة، قبلت شهادته مطلقا قبل الحد وبعده. ولا تقبل شهادته مدة العمر وإن تاب في رأي الحنفية. ويترجح الرأي الأول بأن التوبة تمحو الكفر، فما دونه أولى، وبقوله ﷺ فيما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وإذا قبل الله التوبة من العبد، كان قبول العباد أولى. ١١ - تسقط شهادة القاذف في رأي الشافعي وابن الماجشون بنفس قذفه، ولا تسقط في رأي مالك وأبي حنيفة حتى يجلد، فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم تردّ شهادته. ١٢ - تجوز شهادة المحدود بحد القذف بعد التوبة في كل شيء مطلقا في رأي الأكثرين. وقال ابن الماجشون: من حد في قذف أو زنى، فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى، ولا في قذف ولا لعان، وإن كان عدلا. ١٣ - إذا لم يجلد القاذف بأن مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان، أو عفا المقذوف، فالشهادة مقبولة؛ لأن النهي عن قبول الشهادة معطوف على الجلد.

стр. 5415

وقد بينا أن الشافعي ومثله الليث والأوزاعي قالوا: ترد شهادة القاذف بالقذف نفسه، وإن لم يحد؛ لأنه بالقذف يفسق؛ لأنه من الكبائر، فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنى أو بقيام البينة عليه. ويرى أبو حنيفة ومالك أنه لا ترد شهادة القاذف إلا بعد جلده وصيرورته محدودا في القذف، للحديث المتقدم الذي رواه الديلمي وابن أبي شيبة عن ابن عمرو: «المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا محدودا في قذف». ١٤ - لا تكفي التوبة الشخصية أو القلبية لإعادة اعتبار القاذف وقبول شهادته؛ لأن الأمر متعلق بحق الغير وهو المقذوف، بل لا بد من إعلانها، لذا قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي بإظهار التوبة. وقيل: وأصلحوا العمل، لكن هذا لا يناسب هنا. الحكم الرابع حكم اللعان أو قذف الرجل زوجته ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾

стр. 5416

الإعراب: ﴿إِلاّ أَنْفُسُهُمْ﴾ بدل مرفوع من ﴿شُهَداءُ﴾ وهم: اسم كان، و ﴿لَهُمْ﴾ خبرها. ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ شهادة: إما مبتدأ وخبره إما أربع أو محذوف تقديره: فعليهم شهادة أحدهم، وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالحكم شهادة أحدهم أربع شهادات. و ﴿أَرْبَعُ﴾ خبر المبتدأ: ﴿فَشَهادَةُ﴾ ويكون ﴿بِاللهِ﴾ متعلقا ب ﴿شَهاداتٍ﴾. وعلى قراءة النصب يكون منصوبا على المصدر، والعامل فيه شهادة؛ لأنها في تقدير (أن) والفعل، أي أن يشهد أربع شهادات بالله. ﴿وَالْخامِسَةُ﴾ إما مبتدأ وما بعده خبر، وإما معطوف بالرفع على ﴿أَرْبَعُ﴾. وعلى قراءة النصب إما صفة مصدر مقدر أي أن تشهد الشهادة الخامسة، أو معطوف على ﴿أَرْبَعُ شَهاداتٍ﴾. و ﴿أَنَّ لَعْنَتَ﴾: منصوب بتقدير حذف حرف جر، أي وتشهد الخامسة بأن لعنة الله عليه. ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ﴾ أن وصلتها في موضع رفع، أي ويدرأ عنها العذاب شهادتها. و ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في موضع نصب ب ﴿تَشْهَدَ﴾. ﴿وَالْخامِسَةُ﴾ معطوف على ﴿أَرْبَعُ﴾ وبالرفع: مبتدأ وما بعده خبر. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾: لم يذكر جواب ﴿لَوْلا﴾ إيجازا واختصارا لدلالة الكلام عليه، أي لعاجلكم بالعقوبة، أو لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة. البلاغة: ﴿تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن: فعّال، وفعيل. ﴿الصّادِقِينَ﴾ و ﴿الْكاذِبِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ.﴾. حذف الجواب للتهويل والزجر، ليكون أبلغ في البيان. المفردات اللغوية: ﴿يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ يقذفونهن بتهمة الزنى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ﴾ وقع ذلك لجماعة من الصحابة، وهو هلال بن أمية رأى رجلا على فراشه ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فيما رمى به زوجته من الزنى ﴿لَعْنَتَ اللهِ﴾ اللعنة: الطرد من رحمة الله، وهذا لعان الرجل، وحكمه: سقوط حد القذف عنه، وحصول الفرقة بينه وبين زوجته بنفس اللعان فرقة فسخ عند الشافعية؛ لقوله ﷺ فيما رواه الدارقطني عن ابن عمر: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» وبتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة،

стр. 5417

ومن أحكامه أيضا: نفي الولد إن تعرّض له فيه، وثبوت حد الزنى على المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ أي ويدفع عنها الحد: حد الزنى الذي ثبت بشهادته. ﴿لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنى ﴿غَضَبَ اللهِ﴾ سخطه وتعذيبه ﴿فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بالستر في ذلك ﴿تَوّابٌ﴾ يقبل التوبة في ذلك وغيره ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به في ذلك وغيره. وجواب ﴿لَوْلا﴾ تقديره: لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها. سبب النزول: أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء (١)، فقال له النبي ﷺ : «البيّنة أو حد في ظهرك» فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق، يلتمس البينة! فجعل النبي ﷺ يقول: «البينة أو حدّ في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزل الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، فأنزل الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. وأخرجه أحمد بلفظ: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً﴾ قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله، لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط، فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني تعجبت أني لو وجدت لكاعا (٢) مع رجل لم يكن لي أن أنحيّه ولا أحركه، حتى

стр. 5418

آتي بأربعة شهداء، فو الله لا آتي بهم، حتى يقضي حاجته. قال: فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه، فوجد عند اهله رجلا، فرأى بعينه، وسمع بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا إلى رسول الله ﷺ ، وقال له: إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلا، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه. واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة إلا أن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية، ويبطل شهادته في الناس. فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فو الله إن رسول الله ﷺ يريد أن يضربه، فأنزل الله عليه الوحي، فأمسكوا عنه، حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ الآية. وأخرج أبو يعلى مثل هذه الرواية من حديث أنس. وفي رواية: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات، وتناول ظاهرها الأزواج وغيرهم قال سعد: يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة! والله لأضربنّه بالسيف غير مصفح عنه، فقال رسول الله ﷺ : «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه، والله أغير مني»؟! وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال: اسأل لي رسول الله ﷺ : أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا، فقتله، أيقتل به، أم كيف يصنع به؟ فسأله عاصم رسول الله ﷺ ، فعاب رسول الله ﷺ السائل، فلقيه عويمر (١)، فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت؟ إنك لم تأتني بخبر، سألت

стр. 5419

رسول الله ﷺ ، فعاب السائل، فقال عويمر: فو الله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فسأله، فقال: إنه أنزل فيك وفي صاحبك.. الحديث. أي فيمن وقع له مثل ما وقع لك. قال الحافظ ابن حجر: اختلف الأئمة في هذه المواضيع، فمنهم من رجّح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما. وإلى هذا جنح النووي، وتبعه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد. قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب. وقال القرطبي: والمشهور أن نازلة هلال كانت قبل، وأنها سبب الآية. وقيل: نازلة عويمر بن أشقر كانت قبل؛ وهو حديث صحيح مشهور خرجه الأئمة. قال السهيلي: وهو الصحيح. وقال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكا عويمر العجلاني؛ لكثرة ما روي ان النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته. والمهم أن جميع الروايات متفقة على ثلاثة أمور: أولها: أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ عنها وأنها منفصلة عنها. وثانيها: أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ أنها تشمل الأجنبية والزوجة على السواء. وثالثها: أن هذه الآية نزلت تخفيفا على الزوج.

стр. 5420

المناسبة: بعد بيان حكم قذف النساء الأجنبيات غير الزوجات بالزنى، بيّن الله تعالى حكم قذف الزوجات الذي هو في حكم الاستثناء من الآية المتقدمة، تخفيفا عن الزوج؛ لأن العار يلحقه، ومن الصعب أن يجد بيّنة، وفي تكليفه إحضار الشهود إحراج له، ويعذر بالغيرة على أهله، وأيضا فإن الغالب أن الرجل لا يرمي زوجته بالزنى إلا صادقا، بل ذلك أبغض إليه، وأكره شيء لديه. التفسير والبيان: فرّج الله تعالى بهذه الآية عن الأزواج وأوجد لهم المخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البينة، وهو أن يحضرها إلى الحاكم، فيدعي عليها بما رماها به، فيلاعنها كما أمر الله ، بأن يحلفه الحاكم أربع شهادات بالله، في مقابلة أربعة شهداء، إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ.﴾. -إلى قوله-: ﴿إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي إن الأزواج الذين يقذفون زوجاتهم بالزنى، ولم يتمكنوا من إحضار أربعة شهود يشهدون بصحة قذفهم، وإنما كانوا هم الشهود فقط، فالواجب عليهم أن يشهد الواحد منهم أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رمى به زوجته من الزنى، والشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما اتهمها به. واللعن: الطرد من رحمة الله. فإذا قال ذلك بانت منه بهذا اللعان نفسه عند جمهور العلماء غير الحنفية، وحرمت عليه أبدا، ويعطيها مهرها، ويسقط عنه حد القذف، وينفي الولد عنه إن وجد، ويتوجه عليها حد الزنى. ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ.﴾. -إلى قوله-: ﴿إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي ويدفع عنها حد الزنى أن تحلف بالله أربعة أيمان: إن زوجها كاذب فيما رماها به

стр. 5421

من الفاحشة، والشهادة الخامسة أن غضب الله عليها إن كان زوجها صادقا فيما يقول. وسبب التفرقة بينهما بتخصيصه باللعنة، وتخصيصها بالغضب هو التغليظ عليها؛ لأنها سبب الفجور ومنبعه، بإطماعها الرجل في نفسها. ثم بيّن الله تعالى ما تفضل به على عباده من الفضل والنعمة والرحمة بهذا التشريع؛ إذ جعل اللعان للزوج طريقا لتحقيق مراده. وللزوجة سبيلا إلى درء العقوبة عن نفسها، فقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾ أي ولولا ما خصكم الله به من مزيد فضله ونعمته وإحسانه ورحمته ولطفه ورأفته من تشريع ما به فرج ومخرج من الشدة والضيق، وتمكين من قبول التوبة، لوقعتم في الحرج والمشقة في كثير من أموركم، ولفضحكم وعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم، وأنقذكم من الورطة باللعان، فمن صفاته الذاتية أنه كتب الرحمة على نفسه، وأنه التواب الذي يقبل التوبة عن عباده، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة، وأنه حكيم فيما يشرعه، ويأمر به، وينهى عنه، فإنه بالرغم من أن أحد الزوجين كاذب في يمينه، يدرأ عنه العقاب الدنيوي وهو الحد، ويستحق ما هو أشد منه وهو العقاب الأخروي. وعبر بقوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ لا رحيم مع أن الرحمة تناسب التوبة؛ لأن الله أراد الستر على عباده بتشريع اللعان بين الزوجين. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على مشروعية حكم اللعان بين الزوجين، وكيفية اللعان، ولا بدّ من توضيح الأحكام التالية التي أصّلها الفقهاء بنحو جلي:

стр. 5422

١ - آيات اللعان وآية القذف: جاء ذكر آيات اللعان بعد آية قذف المحصنات غير الزوجات، فرأى علماء الأصول من الحنفية أن آيات اللعان ناسخة لعموم آية القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ لتراخي نزولها عنها، فيكون قذف الزوجة منسوخا إلى بدل وهو اللعان. وذهب الأئمة الآخرون إلى أن آيات اللعان مخصصة لعموم آية القذف، فتكون هذه الآية مختصة بالمحصنات غير الزوجات، وآيات اللعان خاصة بالزوجات، ويكون موجب قذف المحصنة الحدّ فقط، ثم استثني من ذلك الزوجة، فيكون موجب قذفها الحد أو اللعان. ٢ - وحكمة اللعان: كما بينا التخفيف على الأزواج الذين لا يتيسر لهم إثبات زنى زوجاتهم بأربعة شهود. ٣ - هل ألفاظ اللعان شهادات أم أيمان ؟: يرى الحنفية أن ألفاظ اللعان شهادات؛ لظاهر الآيات التي ذكر فيها لفظ الشهادة خمس مرات وهي: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي ليس لهم بينة، ثم قال: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ أي بينته المشروعة في حقه، ثم قال: ﴿أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ ثم قال: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ وهذه المواضع الثلاثة هي أخبار مؤكدة بالشهادة، ورتبوا على ذلك أنه يشترط في المتلاعنين أهلية الشهادة. وذهب الجمهور إلى أن ألفاظ اللعان أيمان، لا شهادات؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ قسم أو أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة، كما قال تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون ١/ ٦٣] ثم قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ﴾ [٢]. و قال ﷺ : «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» (١). ورتبوا على ذلك أنه لا يشترط في المتلاعنين إلا أهلية اليمين.

стр. 5423

قال ابن العربي: والفيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدّعي في الشريعة أن شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على غيره، هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر (١). والحكمة في تكرار الشهادات التغليظ والتشدد في أمر خطير يترتب عليه الحد والتشنيع وفسخ الزواج ونفي الولد إن وجد والتحريم المؤبد. ٤ - شروط المتلاعنين: ترتب عند العلماء على الخلاف في ألفاظ اللعان: شهادات أو أيمان اختلافهم في أوصاف المتلاعنين أو شروطهم، فاشترط الحنفية والأوزاعي والثوري في الزوج الملاعن أن يكون أهلا للشهادة على المسلم، وفي الزوجة أيضا أن تكون أهلا للشهادة على المسلم، وأن تكون ممن يحد قاذفها، فلا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين؛ لأن اللعان عندهم شهادة، فلا لعان بين رقيقين، ولا بين كافرين، ولا بين المختلفين دينا أو حرية ورقا. وأدلتهم قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ﴾ وأن كلمات اللعان من الزوج شهادات مؤكدات بأيمان، وهي بدل من الشهود، ولأن لعان الزوجة معارضة للعان الزوج. وأما كونها ممن يحد قاذفها؛ فلأن اللعان بدل عن الحد في قذف الأجنبية. وروى ابن عبد البر عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لا لعان بين مملوكين ولا كافرين». وروى الدارقطني عن ابن عمرو أيضا مرفوعا: «أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان». وذهب الجمهور إلى أن اللعان يصح من كل زوجين: مسلمين أو كافرين، عدلين أو فاسقين، محدودين في قذف أو غير محدودين، حرين أو عبدين؛

стр. 5424

لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ ولأن النبي ﷺ سمى اللعان يمينا، فقال لما علم أن امرأة هلال بن أمية جاءت بولد شبيه بشريك بن سحماء: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن». ٥ - وترتب على الخلاف السابق أيضا الاختلاف في ملاعنة الأخرس ، فقال الجمهور: يلاعن؛ لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه، إذا فهم ذلك عنه. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة. ٦ - إذا قذف الرجل زوجته بعد الطلاق ، فإن كان هنالك نسب يريد أن ينفيه أو حمل يتبرأ منه، لاعن، وإلا لم يلاعن. ولا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون الرجل غائبا، فتأتي امرأته بولد في مغيبه، وهو لا يعلم، فيطلّقها فتنقضي عدتها، ثم يقدم فينفيه، فله أن يلاعنها بعد العدة، ولو بعد وفاتها، ويرثها؛ لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما. ولو مات الزوج قبل اللعان ترث عند الحنفية. وإذا كانت المرأة حاملا لاعن عند الجمهور قبل الوضع، لأن النبي ﷺ لا عن قبل الوضع، وقال: «إن جاءت به كذا فهو لأبيه، وإن جاءت به كذا فهو لفلان». وقال أبو حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع، لاحتمال كون الانتفاخ بسبب ريح أو داء. وإذا قذف بالوط ء في الدبر لزوجه لاعن عند الجمهور؛ لأنه دخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأن اللواط عنده لا يوجب الحد. ٧ - إذا قذف زوجته ثم زنت وثبت الزنى قبل التعانه، فلا حدّ على القاذف ولا لعان في رأي أكثر أهل العلم، لظهور أمر قبل استيفاء الحد واللعان

стр. 5425

يمنع وجوب الحد وصحة اللعان. وقال الثوري والمزني: لا يسقط الحدّ عن القاذف؛ لأن المقذوف كان محصنا في حال القذف، ويعتبر الإحصان والعفة حال القذف لا بعده. ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا، فالزوج يلاعن لدفع الحد عنه، والزوجة لدرء العقاب وهو حد الزنى. فإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدرء الحد، ولم تلاعن هي؛ لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء. ٨ - إذا شهد أربعة على امرأة بالزنى، أحدهم زوجها ، فإن الزوج في رأي المالكية يلاعن وتحدّ الشهود الثلاثة إذ لا يصح أن يكون أحد الشهود. وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة، قبلت شهادتهم، وحدّت المرأة. ٩ - إذا أبى الزوج اللعان ، فلا حدّ عليه عند أبي حنيفة، ويسجن أبدا حتى يلاعن؛ لأن الحدود لا تؤخر. وقال الجمهور: إن لم يلاعن الزوج حدّ؛ لأن اللعان له براءة كالشهود للأجنبي، فإن لم يأت الأجنبي بأربعة شهود حدّ، فكذلك الزوج إن لم يلاعن. وإذا امتنعت الزوجة من اللعان ترجم في رأي الجمهور. ولا ترجم عند الحنفية. ١٠ - كيفية اللعان: بعد نزول آيات اللعان أمر رسول الله ﷺ بدعوة عويمر العجلاني وزوجته وشريك بن سحماء، وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابن عمك ولا تقذفها، فقال: يا رسول الله، أقسم بالله، إني رأيت شريكا على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غيري. فقال لها النبي ﷺ : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت، فقالت: يا رسول الله، إن عويمرا رجل غيور، وإنه رأى شريكا يطيل النظر إلي، ويتحدث، فحملته الغيرة على ما قال.

стр. 5426

فنودي «الصلاة جامعة» فصلى العصر، ثم قال لعويمر: قم وقل: أشهد بالله، إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، ثم قال: قل: أشهد بالله، إني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال: قل: أشهد بالله، إنها حبلى من غيري، وإني من الصادقين، ثم قال: قل: أشهد بالله، إنها زانية، وإني ما قربتها منذ أربعة شهور، وإني لمن الصادقين، ثم قال: قل: لعنة الله على عويمر (أي نفسه) إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم قال: اقعد. وقال لخولة: قومي، فقامت، وقالت: أشهد بالله، ما أنا بزانية، وإن عويمرا زوجي لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني، وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: إني حبلى منه، وقالت في الرابعة: أشهد بالله، إنه ما رآني على فاحشة قط، وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما. وفي رواية أخرى لابن عباس عند الإمام أحمد: «فلما كانت الخامسة، قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى

стр. 5427

ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها، فعليه الحد، وقضى ألا بيت لها عليه، ولا قوت لها، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. وقال: «إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فهو الذي رميت به» فجاءت به على النعت المكروه، فقال رسول الله ﷺ : «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن». يفهم من الآية وهذه الحادثة كيفية اللعان، وهو أن يقول الحاكم للملاعن: قل أربع مرات: أشهد بالله، إني لمن الصادقين، وفي المرة الخامسة، قل: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وتشهد المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وفي المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ويكتفى بدلالة الحال والقرائن عن ذكر متعلق الصدق والكذب، أي فيما رماها به من الزنى ونفي الولد، وفيما اتهمها به. ولا بد من الحلف خمس مرات من كل منهما، ولا يقبل من الزوج إبدال اللعنة بالغضب، ولا يقبل من الزوجة إبدال الغضب باللعنة. وظاهر الآية وهو مذهب الجمهور البداءة في اللعان بما بدأ الله به، وهو الزوج، وفائدته درء الحد عنه، ونفي النسب منه؛ لقوله ﷺ : «البينة وإلا حدّ في ظهرك» ولو بدئ بالمرأة قبله لم يجز؛ لأنه عكس ما رتبه الله تعالى. وقال أبو حنيفة: يجزئ إن بدأت هي بلعانها. وسبب الخلاف: أن الجمهور يرون أن لعان الزوج موجب للحد على الزوجة، ولعانها يسقط ذلك الحد، فكان من المعقول أن يكون لعانها متأخرا عن لعانه. وأبو حنيفة لا يرى لعان الزوج موجبا لشيء قبلها، فلا حاجة لأن يتأخر لعانها عن لعانه.

стр. 5428

وإذا كانت المرأة حاملا، وأراد الزوج نفي الحمل عنه قال: وأن هذا الحمل ليس مني، وهذا رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا لعان لنفي الحمل، وينتظر حتى تضع، فيلاعن لنفيه. وإذا كان هناك ولد يريد الزوج نفيه عنه، تعرض له في اللعان. ويقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد. ويعظهما القاضي أو نائبه عند ابتداء اللعان وقبل الخامسة من الشهادات، بأن يذكرهما ويخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا. ويحضر اللعان جمع من عدول المسلمين. ١١ - آثار اللعان وما يترتب عليه: يترتب على اللعان: أولا - إسقاط حد القذف عن الزوج، وإيجاب حد الزنى على الزوجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ والشهادة من الأجنبي تسقط حد القذف عن القاذف، وتوجب حد الزنى على المقذوف، والله تعالى أقام شهادة الزوج مقام شهادة الأجنبي. ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ والمراد منه عذاب الدنيا؛ لأن (أل) للعهد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ أي عذاب حد الزنى، ولا يصح أن يراد منه عذاب الآخرة؛ لأن لعان الزوجة إن كانت كاذبة لا يزيدها إلا عذابا في الآخرة، وإن كانت صادقة فلا عذاب عليها في الآخرة حتى يدرأه اللعان، فتعين أن يراد به عذاب الدنيا. ويؤيده قوله ﷺ لخولة بنت قيس: «الرجم أهون عليك من غضب الله» فقد فسر ﷺ العذاب المدروء عنها بالرجم. وأصرح من ذلك قوله لخولة قبل الشهادة الخامسة: «عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» أي الحد، لا الحبس. وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة ﵀: آيات اللعان نسخت الحد عن قاذف زوجته،

стр. 5429

ولكن لعانه لا يوجب حد الزنى على الزوجة؛ لأن حد الزنى لا يثبت إلا بأربعة شهود، أو بالإقرار أربع مرات. ويترتب على هذا الخلاف: حكم الممتنع عن اللعان من الزوجين، فعلى رأي الجمهور كما تقدم: إن امتنع الزوج من اللعان يحد؛ لأن اللعان رخصة له، فلما أبى أن يلاعن، فقد أضاع على نفسه هذه الرخصة، فصار حكمه وحكم غير الزوج سواء. وإن امتنعت الزوجة يقام عليها حد الزنى وهو الرجم إن كانت محصنة. وعلى رأي الحنفية: إذا امتنع الزوج من اللعان، حبس حتى يلاعن، كما بينا؛ لأن اللعان حق توجه عليه، يستوفيه الحاكم منه بالقهر والتعزير، فيكون له حبسه حتى يلاعن أو يكذب نفسه في القذف، فيقام عليه حده. ورأي الجمهور هو الصواب عملا بظاهر الآية. ثانيا - يترتب على اللعان أيضا نفي الولد، كما ثبت في حادثة هلال بن أمية. ثالثا - الفرقة بين المتلاعنين: قال مالك وأحمد: بتمام اللعان تقع الفرقة بين الزوجين المتلاعنين، فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان، ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل الزواج من زوج آخر ولا بعده، كما ثبت في السنة الصحيحة، روى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي ﷺ : «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا». ورأى الشافعي أن الفرقة تحصل بمجرد لعان الزوج؛ لأنها فرقة بالقول، فيستقل بها قول الزوج وحده كالطلاق، ولا تأثير للعان الزوج إلا في دفع العذاب (حد الزنى) عن نفسها. واتفق الشافعي ومالك وأحمد على وقوع التحريم المؤبد بين المتلاعنين. وهذا هو الظاهر من الآيات. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقع الفرقة باللعان حتى يفرق الحاكم بينهما

стр. 5430

لقول ابن عمر وابن عباس: «فرّق رسول الله ﷺ بين المتلاعنين» فأضاف الفرقة إليه، وقال ﷺ : «لا سبيل لك عليها». وإن أكذب الزوج نفسه فهو خاطب من الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء ٣/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤/ ٤]. ١٢ - ما يحتاج إليه اللعان: يحتاج اللعان إلى أربعة أشياء: الأول-عدد الألفاظ وهو أربع شهادات، كما تقدم. الثاني-المكان: وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان: إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها. الثالث-الوقت: وذلك بعد صلاة العصر. الرابع-جمع الناس: بأن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا. فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان. ١٣ - إذا قذف الرجل مع زوجته أجنبيا: فقال أبو حنيفة ومالك: لكل منهما حكمه، فيلاعن للزوجة ويحد للأجنبي. وقال أحمد: عليه حد واحد لهما، ويسقط هذا الحد بلعانه، سواء ذكر المقذوف في لعانه أم لا. وقال الشافعي: إن ذكر المقذوف في لعانه، سقط الحدّ له، كما يسقط للزوجة، وإن لم يذكره في لعانه حدّ له. ودليل أحمد والشافعي أنه ﷺ لم يحد هلال بن أمية لشريك بن سحماء، وقد سماه صريحا، وأن الزوج مضطر إلى قذف الزاني.
следующие страницы →