← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

بعضا، كفعل ملوك الدنيا ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي يصفونه به من الولد والشريك لما سبق من دليل فساده. ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي عالم بما غاب وبما شوهد، وهو دليل آخر على نفي الشريك؛ لإجماع العقلاء على أنه تعالى هو المتفرد بذلك ﴿فَتَعالى﴾ تعاظم ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يشركونه معه. المناسبة: بعد إثبات البعث والجزاء بالأدلة القاطعة، والرد على منكري البعث وعبدة الأوثان أبان الله تعالى أن المشركين كاذبون مفترون في نسبة الولد لله، واتخاذ شريك له. التفسير والبيان: ينفي الله تعالى وينزه نفسه عن أمرين: هما اتخاذ الولد واتخاذ الشريك فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ أي ما جعل لنفسه ولدا، كما يزعم بعض المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله. ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ﴾ أي وما وجد معه إله آخر يشاركه في الألوهية، لا قبل خلق العالم ولا بعد خلقه، كما يتصور الوثنيون باتخاذ الأصنام آلهة. ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي لو قدّر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما خلق، واستقل بما أوجد، وتميز ملك كل واحد منهم عن ملك الآخر؛ لأن استمرار الشركة مستحيل، ولكان همّ كل واحد منهم أن يغلب الآخر، ويطلب قهره والتسلط عليه، لتظهر قوة القوي على الضعيف، كما هو حال ملوك الدنيا، ولو حدث هذا التغالب والانقسام لاختل نظام الوجود، ولفسدت السموات والأرض ومن فيهن. إلا أن المشاهد أن الوجود منتظم متسق، وفي غاية النظام والكمال وارتباط

стр. 5357

كل من العالم السفلي بالعالم العلوي دون تصادم ولا اضطراب، كما قال تعالى: ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ [الملك ٣/ ٦٧] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾. [آل عمران ١٩٠/ ٣]. ولما ثبت كون التعدد في الآلهة مستحيلا، وبطل قول الكفار في الأمرين معا، قال تعالى: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله الحق الواحد الأحد عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك. ﴿عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة، أي بعلم ما غاب عن إدراك الخلق من الأشياء، ويعلم ما يشاهدونه وما يرونه ويبصرونه، فهو يعلم الأمرين معا على حد سواء، وهذا دليل آخر على نفي الشريك؛ لأن غير الله وإن علم الشهادة أي الموجودات المرئيات أمامه، فلن يعلم معها الغيبيات غير المرئيات، وهذا دليل النقص، والله تعالى متصف بالكمال، فلا يكتمل النفع بعلم الشهادة وحدها، دون العلم بالغيب. ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تقدس وتنزه عما يقول الجاحدون الظالمون الذين يشركون معه إلها آخر. فقه الحياة أو الأحكام: هذا دليل عقلي لا يقبل الإنكار والطعن من أحد، فالله لم يتخذ ولدا كما زعم بعض الكفار، ولا كان معه إله فيما خلق، فلو كانت معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه، كما هو مقتضى العادة، ولغالب بعضهم بعضا، وطلب القوي الضعيف كالعادة بين الملوك، وحينئذ لا يستحق الضعيف المغلوب الألوهية. وهذا كما يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضا؛ لأن الولد ينازع عادة الأب في الملك منازعة الشريك.

стр. 5358

فتنزه الله عن أوصاف المشركين من الولد والشريك، وتقدس عما يقوله هؤلاء الظالمون والجاحدون. وقد ذكر علماء الكلام هذا الدليل وسموه دليل التمانع: وهو أنه لو فرض صانعان خالقان فصاعدا، فأراد واحد تحريك جسم، والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما، كانا عاجزين، والإله الواجب الوجود لا يكون عاجزا، ويمتنع اجتماع مراديهما وتحقيق رغبتهما في آن واحد للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالا. فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب الوجود المستحق الألوهية، والآخر المغلوب يكون ممكنا؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب الوجود أن يكون مقهورا. إرشادات إلى النبي ﷺ ﴿قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤) وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ الإعراب: ﴿قُلْ: رَبِّ﴾ أي يا ربّ، وهو اعتراض بين الشرط وجوابه بالنداء. البلاغة: ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ تأكيد بإن واللام؛ لإنكار المخاطبين وقوع العذاب الأخروي والدنيوي.

стр. 5359

﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ طباق معنوي؛ لأن المعنى: ادفع بالحسنة السيئة. المفردات اللغوية: ﴿رَبِّ إِمّا﴾ أدغمت فيه نون إن الشرطية في ما الزائدة، أي إذا كان لا بد من أن تريني؛ لأن ما والنون للتأكيد ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الدنيا والآخرة ﴿فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي معهم، فأهلك بهلاكهم؛ لأن شؤم الظلمة قد يحيق بما وراءهم، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]. وإن تكرار كلمة ﴿رَبِّ﴾ في بدء الجملتين لزيادة التضرع ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ أي بقدرتنا تعجيل العذاب، لكنا نؤخره؛ لأن بعضهم أو بعض ذرياتهم سيؤمنون، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم. ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهو الصفح والإحسان والإعراض عنهم ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أذاهم إياك ﴿بِما يَصِفُونَ﴾ يصفونك به أو يقولون ويكذبون، فإنا سنجازيهم عليه ﴿أَعُوذُ﴾ أعتصم ﴿هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ نزغاتهم ووساوسهم بالشر ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في أموري؛ لأنهم إنما يحضرون بسوء، أو يحومون حولي في بعض الأحوال. المناسبة: بعد أن ردّ الله تعالى على المشركين مزاعمهم من اتخاذ الولد والشريك وأبطل سوء اعتقادهم كإنكار البعث والجزاء، وجّه رسوله ﷺ إلى الدعاء والتضرع بالنجاة من عذابهم، ثم أرشده إلى مقابلة السيئة بالحسنة؛ لأن الإحسان يفيد أحيانا، ثم أمره أن يستعيذ من وساوس الشياطين في مختلف الأعمال. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى نبيه ببعض الأدعية عند حلول النقم، فيقول: ﴿قُلْ: رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ، رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، فلا

стр. 5360

تجعلني فيهم، ونجني منهم ولا تعذبني بعذابهم؛ لأن العذاب قد يصيب غير أهله، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨] روى الإمام أحمد والترمذي وصححه أن النبي ﷺ كان يقول: «وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفني إليك غير مفتون». وعن الحسن: أنه تعالى أخبر نبيه أن له في أمته نقمة، ولم يطلعه على وقتها، فأمره بهذا الدعاء. والإرشاد إلى هذا الدعاء ليعظم أجره، وليكون دائما ذاكرا ربّه، ولتعليمنا ذلك. ﴿وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ﴾ أي لو شئنا لأريناك ما نوقعه بهم من النقم والبلاء والمحن، ولكنا نؤخره لوقت معلوم؛ لأن بعضهم أو بعض ذرياتهم سيؤمن. ثم علمه أسلوب الدعوة حتى يتحقق لها النجاح فقال: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أي قابل السيئة بالحسنة، وتحمل ما تتعرض له من أنواع أذى الكفار وتكذيبهم، وادفع بالخصلة التي هي أحسن، بالصفح والعفو، والصبر على الأذى، والكلام الجميل كالسلام، نحن على علم بحالهم وبما يصفوننا به من الشرك والتكذيب. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٤/ ٤١ - ٣٥] أي وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة إلا الذين صبروا على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل في مقابلة القبيح، وما يلهمها إلا صاحب الحظ العظيم في الدنيا والآخرة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة؛ لأن المداراة مرغوب فيها، ما لم تتعارض مع الدين والمروءة.

стр. 5361

ثم علمه الثبات على هذا الخط فقال: ﴿وَقُلْ: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ أي وقل: إني أعتصم بك وألتجئ إليك من وساوس الشياطين المغرية بالسوء والمعصية ومخالفة أوامرنا، وألتجئ إليك من حضورهم في شيء من أموري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، فإنهم إذا حضروا الإنسان حدث الهمز، وإذا لم يكن حضور، فلا همز. روى أبو داود أن رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت». وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كان رسول الله ﷺ يعلّمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون». فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها، كتبها له، فعلّقها في عنقه. فقه الحياة أو الأحكام: هذه باقة من الأدعية أمر الله بها نبيه ليدعو بها، ولتعليمنا إياها، وهي: أولا-دعاء النجاة من العذاب الذي يقع بالكفار، ومعناه: يا ربّ، إن أريتني ما يوعدون من العذاب، فلا تجعلني معهم في نزول العذاب بهم، بل أخرجني منهم.

стр. 5362

وكان ﷺ يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ومع هذا أمره بهذا الدعاء، ليعظم أجره، وليكون في كل الأوقات ذاكرا ربّه تعالى. والله قادر على إنزال العذاب بهم، وأراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع والسيف في يوم بدر وفتح مكة، ونجاه الله ومن آمن به من ذلك. وثانيا-دعاء الاعتصام من الشيطان، والمعنى: يا ربّ إني ألتجئ إليك من نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى، وفي حالات الغضب. وبين الدعاءين تعليم لأسلوب الدعوة إلى الله تعالى، وهو مقابلة السيئة بالحسنة، أي بالصفح ومكارم الأخلاق، لتنقلب العداوة صداقة، والبغض محبة، قال الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم... فطالما استعبد الإنسان إحسانه تمني الإنسان عند الموت الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحا ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ الإعراب: ﴿قالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: إنما جاءت المخاطبة بلفظ الجمع، ولم يقل: ارجعني تعظيما لله تعالى، أو على معنى التكرار، كأنه قال: ارجعني ارجعني، فجمع، كما ثنّى في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ﴾ أي ألق ألق.

стр. 5363

البلاغة: ﴿إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ مجاز مرسل، من إطلاق الجزء على الكل، إذ أنه أطلق الكلمة على الجملة. المفردات اللغوية: ﴿حَتّى﴾ ابتدائية. ﴿جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي الكافر، وهو متعلق بقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ في الآيات المتقدمة، وما بينهما اعتراض، وقد يسأل المؤمن الرجعة أيضا، فإذا رأى الكافر مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن، طلب العودة إلى الدنيا، وكذلك المؤمن يسأل الرجعة، كما جاء في آخر سورة المنافقين: ﴿فَيَقُولَ: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [١٠]. ﴿اِرْجِعُونِ﴾ الواو لتعظيم المخاطب، أي ردوني إلى الدنيا. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً﴾ بأن أشهد أن لا إله إلا الله. ﴿فِيما تَرَكْتُ﴾ ضيعت من عمري. ﴿كَلاّ﴾ كلمة ردع وزجر عن حصول ما يطلب، أي لا رجوع. ﴿إِنَّها﴾ أي قوله: رب ارجعون ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ أي لا فائدة له فيها. ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي من أمامهم. ﴿بَرْزَخٌ﴾ حائل أو حاجز بينهم وبين الرجعة. ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي إلى يوم القيامة، ولا رجوع بعده، فهو تيئيس وإقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا، وإنما الرجوع إلى حياة الآخرة. المناسبة: بعد أن كشف الله حال المشركين وما يصفون من الشرك والتكذيب، ذكر الله حال الكافرين عند مجيء الموت، فإنهم يتمنون أن يعودوا إلى دار الدنيا ليعملوا صالحا، لكن لا يسمع لقولهم ودعائهم. والمراد أن الكفار ما يزالون على سوء الحال والاعتقاد إلى الموت، فهذه الآية متعلقة بقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ وما بينهما اعتراض وتأكيد للإغضاء عنهم وإهمالهم، بالاستعانة بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم، ويزحزحه عن الأناة.

стр. 5364

التفسير والبيان: هذا حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو العصاة المفرطين في أمر الله تعالى وماذا يقولون حينئذ، فقال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ أي إذا دنا الإنسان الكافر أو العاصي المفرط في حقوق الله من الموت، ورأى ما ينتظره من العذاب، طلب الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، وقال: ربّ ارجعني لكي أتدارك ما قصرت فيه، وأعمل العمل الصالح الذي ترضى عنه من الطاعات والخيرات وأداء حقوق الناس. وقوله: ﴿لَعَلِّي﴾ ليس المراد بها الشك، وإنما يعني كونه جازما بأنه سيتدارك. وذلك كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ، فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا: رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، نُجِبْ دَعْوَتَكَ، وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ، أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم ٤٤/ ١٤] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ، فَيَشْفَعُوا لَنا، أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣/ ٧]. وقال : ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً، إِنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢/ ٣٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦]، ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٤/ ٤٢]، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ، ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ، وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ، فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر ٣٧/ ٣٥].

стр. 5365

وهذا كله يدل على أن تمني العودة إلى الدنيا يحدث حال المعاينة للعذاب عند الاحتضار، وحين النشور، وحين الحساب، وحين العرض على النار، وبعد دخولهم النار. وليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر، وإنما يشمل ذلك المؤمن المقصر في الطاعات وأداء حقوق الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، فَيَقُولَ: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون ١٠/ ٦٣]. ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها، وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي يجيبهم الله تعالى بقوله: كلا وهي كلمة ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى طلبه، وتلك كلمة لا بدّ من أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ولا فائدة من الرجعة، فلو ردّ لما عمل صالحا، وكذب في مقالته هذه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦]. ثم إنه بين الظلمة حال الاحتضار وبين الرجوع إلى الدنيا وأمامهم حاجز ومانع من الرجوع. فالبرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة، فمن مات دخل في البرزخ، أو حياة المقابر. وهذا تهديد بعذاب البرزخ، وتيئيس إلى يوم القيامة لهؤلاء المحتضرين من الظلمة من الرجوع أبدا؛ لأنهم إذا لم يرجعوا حال وجود بقية من الحياة فلا يرجعون بعدئذ مطلقا، وإنما الرجوع إلى حياة الآخرة، وتلقي عذابها كما قال تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية ١٠/ ٤٥] وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم ١٧/ ١٤]. والخلاصة: أن المراد من قوله: ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أن العذاب يستمر بهؤلاء إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: «فلا يزال معذبا فيها» أي في الأرض وهم في القبور.

стр. 5366

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يلي: ١ - يتمنى الإنسان الكافر والمؤمن المقصر الرجعة إلى دار الدنيا ليتدارك ما فاته فيها إما من الإيمان أو العمل الصالح، ولا يطلب الرجعة إلا بعد أن يستيقن العذاب. ٢ - لا رجعة بعد البعث أو دنو الموت إلا إلى الآخرة. ٣ - يستمر الكافرون والعصاة في عذاب القبور أو البرزخ إلى يوم القيامة، قالت عائشة ﵂: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. موازين النجاة في حساب الآخرة ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)﴾

стр. 5367

الإعراب: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿خالِدُونَ﴾ بدل من صلة ﴿الَّذِينَ﴾ أو خبر ثان لأولئك ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ بكسر السين وقرئ بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد، وهما من سخر يسخر: من الهزء واللعب. ﴿بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ ما: مصدرية، و ﴿أَنَّهُمْ﴾ في موضع نصب ب ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ لأنه مفعول ثان، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: جزيتهم بصبرهم؛ لأنهم الفائزون. و ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ ضمير فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين. البلاغة: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ.﴾. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ.﴾. بين الآيتين مقابلة. ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ فيها قصر. ﴿يَتَساءَلُونَ﴾، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿خالِدُونَ﴾، ﴿كالِحُونَ﴾، ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، ﴿ظالِمُونَ﴾، ﴿تُكَلِّمُونِ﴾، ﴿تَضْحَكُونَ﴾، ﴿الْفائِزُونَ﴾ سجع غير متكلف. المفردات اللغوية: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ﴿الصُّورِ﴾ بوق ينفخ فيه نفختين، النفخة الأولى لتموت المخلوقات، والثانية لتحيا المخلوقات من القبور؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨/ ٣٩] والمراد هنا النفخة الثانية لقيام الساعة. وقيل: الصور جمع صورة كبسر وبسرة، والمراد: نفخ الروح في الأجساد. ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبينه، وقيل: لا أنساب يفتخرون بها

стр. 5368

﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضا لاشتغاله بنفسه، وهو لا يناقص قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الطور ٢٥/ ٥٢] لأن الآية هنا عند النفخة، وذلك بعد المحاسبة ودخول أهل الجنة وأهل النار النار. أو لا يتساءلون عن الأنساب. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي موزوناته بالحسنات من عقائد وأعمال، أي فمن كانت له عقائد وأعمال صالحة يكون لها وزن عند الله وقدر. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والدرجات. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ موزوناته بالسيئات، أي ومن لم يكن له وزن وهم الكفار، لقوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف ١٠٥/ ١٨]. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها حيث ضيعوا زمان استكمالها. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ تحرقها، واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيرا. ﴿كالِحُونَ﴾ عابسون متقلصو الشفاه عن الأسنان، وهذا هو الكلوح. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ أي من القرآن، وهذا على إضمار القول أي يقال لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾. ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ تأنيب وتذكير لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله. ﴿شِقْوَتُنا﴾ وشقاوتنا بمعنى واحد: ضد السعادة، أي صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة، والمراد: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، وسميت شقوة لأنهما يؤديان إليها. ﴿ضالِّينَ﴾ تائهين عن الحق والهداية. ﴿فَإِنْ عُدْنا﴾ إلى التكذيب. ﴿فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ لأنفسنا. ﴿قالَ﴾ مالك خازن النار ﴿اِخْسَؤُا فِيها﴾ اسكتوا سكوت ذلة وهوان، أو اقعدوا في النار أذلاء ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب عنكم. ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي﴾ أي المؤمنون. ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هزءا، مثل بلال وصهيب وعمار وسلمان. ﴿حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي خوف عقابي، من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم. ﴿تَضْحَكُونَ﴾ استهزاء بهم. ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ النعيم المقيم. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على استهزائكم بهم وأذاكم إياهم. ﴿الْفائِزُونَ﴾ الظافرون بمطلوبهم. المناسبة: بعد أن قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي إن هناك حاجزا إلى يوم القيامة، ذكر أحوال ذلك اليوم، من عدم الاعتداد بالأنساب، وجعل الحسنات أساس الفوز في الآخرة، والسيئات سبب دخول جهنم.

стр. 5369

التفسير والبيان: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أي إذا نفخ في الصور النفخة الثانية وهي نفخة النشور، وقام الناس من القبور، فلا تنفعهم الأنساب والقرابات بالرغم من وجود التعاطف والتراحم؛ لاستيلاء الدهشة والحيرة عليهم، وانشغال كل إنسان بنفسه، ولا يسأل القريب قريبه، لاشتغاله بنفسه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤/ ٨٠ - ٣٧] وقوله سبحانه: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج ١٠/ ٧٠ - ١١] أي لا يسأل القريب قريبه، وهو يبصره. هذا عند النفخة، أما بعد القرار في الجنة أو النار، فيسأل أهل الجنة بعضهم عن بعض، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات ٢٧/ ٣٧]. وجاء في السنة ما أخرجه الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فاطمة بضعة مني، يغيظني ما يغيظها، وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري». وأصل هذا الحديث في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها». وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: «ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى، والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط (١) لكم إذا جئتم».

стр. 5370

وروى الطبراني والبزار والبيهقي وغيرهم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله، ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي». ثم شرح أحوال السعداء والأشقياء فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي من رجحت حسناته على سيئاته، ولو بواحدة، فأولئك الذين فازوا بالمطلوب، فنجوا من النار، وأدخلوا الجنة. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي ثقلت سيئاته على حسناته، فأولئك الذين خابوا وهلكوا وباءوا بالصفقة الخاسرة، بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وهذه هي الصفة الأولى لأهل النار، ثم أتبعها بصفات ثلاث أخرى، فصارت أربعا: ١ - ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ أي ماكثون في جهنم على الدوام، مقيمون فيها إلى الأبد، وفيه دلالة بيّنة على خلود الكفار في النار. ٢ - ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أي تحرق النار وجوههم، وتأكل لحومهم وجلودهم كما قال تعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم ٥٠/ ١٤] وقال سبحانه: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ، وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء ٣٩/ ٢١]. وإنما خص الوجوه بالذكر؛ لأنها أشرف الأعضاء. أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾: تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم.

стр. 5371

٣ - ﴿وَهُمْ فِيها كالِحُونَ﴾ عابسون متقلصو الشفاه عن الأسنان. فالكلوح: أن تتقلص الشفتان وتتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية. ثم ذكر الله تعالى ما يقال لأهل النار تقريعا وتوبيخا على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم فقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي ألم تكن آياتي من القرآن تتلى عليكم للتذكير والموعظة وإزالة الشّبه، فتكذبون بها، وتعرضون عنها. وهذا كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قالُوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك ٨/ ٦٧ - ٩] وقال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً، حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا: بَلى، وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١/ ٣٩]. وهذا من المخطط العام لرسالات الأنبياء وإنزال الكتب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧] وقوله : ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥/ ٤]. فأجابوا عن السؤال هنا: ﴿قالُوا: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا، وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ﴾ أي غلبت علينا شهوات نفوسنا وملذاتنا، بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة، وأخطأنا طريق الحق والهدى، كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر ١١/ ٤٠]. ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها، فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ أي يا ربنا أخرجنا من

стр. 5372

النار، وارددنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى مثل ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة. فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قالَ: اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي قال الله للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى الدنيا: امكثوا فيها-أي في النار-أذلاء صاغرين مهانين، واسكتوا ولا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي، ولا رجعة إلى الدنيا. ثم ذكر سبب عذابهم فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ: رَبَّنا آمَنّا، فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا، وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ أي إنه كان جماعة من عبادي المؤمنين يقولون: يا ربنا صدقنا بك وبرسلك، وبما جاؤوا به من عندك، فاستر ذنوبنا، وارحم ضعفنا، فأنت خير من يرحم. ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي، وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي فما كان منكم إلا أن سخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي، حتى حملكم بغضهم على نسيان ذكري، وعدم الاهتمام بشأني، ولم تخافوا عقابي، وكنتم تضحكون استهزاء من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين ٢٩/ ٨٣ - ٣٠] أي يلمزونهم استهزاء. ثم أخبر الله تعالى عما جازى به عباده الصالحين فقال: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي إني جازيتهم في يوم القيامة بصبرهم على أذاكم لهم واستهزائكم بهم بالفوز بالسعادة والسلامة، والنعيم

стр. 5373

المقيم في الجنة، والنجاة من النار، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٤/ ٨٣ - ٣٦]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إذا حدثت النفخة الثانية ليوم القيامة شغل كل امرئ بنفسه، ولم يلتفت إلى أحد من أقربائه، ولو كانوا من الوالدين والأولاد والزوجات، ولا تنفع أحدا روابط الدم والنسب التي كانت تربط الأسر فيما بينهم في الدنيا. لكن جاء في الحديث الثابت كما تقدم استثناء صلة النسب والقرابة بالنبي ﷺ . ٢ - إن ميزان النجاة من النار والفوز بالجنة هو رجحان الحسنات على السيئات، ولو بواحدة. وإن سبب اقتحام النار هو العكس أي رجحان السيئات على الحسنات. ٣ - لأهل النار أثناء العذاب صفات أربع: هي خسارة أنفسهم أي غبنها بأن صارت منازلهم للمؤمنين، وخلودهم في نار جهنم، وإضرام النار في أجسادهم حتى تأكل لحومهم وجلودهم، وظهور أمارات العذاب على الأوجه بالكلوح: وهو تقلص الشفاه عن الأسنان، كالرءوس المشوية. ٤ - اعترف أهل النار حين اقتحام العذاب بالأسباب التي أدت بهم إلى العقاب: وهي غلبة أهوائهم وشهواتهم على نفوسهم، حتى ساءت أحوالهم، وصاروا إلى سوء العاقبة، وضلالهم عن الحق والهداية، وظلمهم أنفسهم، وتكذيبهم بآيات ربهم، واستهزاؤهم من المؤمنين، ونسيانهم ذكر الله والخوف من عقابه.

стр. 5374

٥ - لقد طلب الكفار الرجعة إلى الدنيا وهم في النار، كما طلبوها عند الموت لتدارك ما فاتهم من الأعمال الصالحة والإيمان الصحيح، ولكن لا رجعة لأحد إلى دار الدنيا بعد البعث والحساب. ٦ - اقتضى العدل مجازاة المؤمنين الذين صبروا على الأذى والسخرية جزاء عادلا وهو الفوز بالجنة يوم القيامة، والنجاة من النار. ٧ - على المؤمن إكثار الدعاء بقوله تعالى: ﴿رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾. التنبيه على قصر مدة اللبث في الدنيا وعقاب المشركين ورحمة المؤمنين ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اِغْفِرْ وَاِرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾ الإعراب: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿كَمْ﴾: منصوبة ب ﴿لَبِثْتُمْ﴾. و ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾: تمييز، و ﴿سِنِينَ﴾: جمع سنة، وأصل سنة: سنهة أو سنوه، فلما حذفت اللام، جمع جمع التصحيح، أي جمع المذكر السالم، عوضا عما دخلها من الحذف.

стр. 5375

﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ جمع العادّ من العدّ. ومن قرأه بالتخفيف جعله جمع (عادي) من قولهم: بئر عاديّة، أي قديمة، فلما جمع جمع المذكر السالم (أي بالواو والنون) حذف منه ياء النسب، وصارت ياء الجمع عوضا عن ذلك، كالأعجمين والأشعرين، جمع أعجمي وأشعري، وقيل في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ أنه جمع إلياسيّ، منسوب إلى إلياس. ﴿عَبَثاً﴾ حال بمعنى عابثين، أو مفعول لأجله. البلاغة: ﴿وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿قالَ﴾ أي قال الله أو الملك المأمور بسؤالهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أحياء في الدنيا وأمواتا في قبوركم، واللبث: الإقامة. ﴿لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصروا مدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار وما هم فيه من العذاب. ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ الذين يتمكنون من عدّ أيامها، أو الملائكة الذين يعدّون أعمار الناس ويحصون أعمالهم. ﴿قالَ﴾ تعالى بلسان مالك خازن النار. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي ما لبثتم. ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مدة لبثكم بالنسبة إلى لبثكم في النار. ﴿عَبَثاً﴾ ما خلا من الفائدة، أو لا لحكمة، توبيخ على تغافلهم. والمراد: إنا لم نخلقكم تلهيا بكم، وإنما خلقناكم لنعيدكم ونجازيكم على أعمالكم، وهو كالدليل على وجود البعث. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ معطوف على ﴿أَنَّما خَلَقْناكُمْ﴾ أو ﴿عَبَثاً﴾، وقرئ بفتح التاء. والمراد أننا خلقناكم لنتعبدكم بالأمر والنهي وترجعون إلينا، ونجازي على ذلك. ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ تنزه الله عن العبث وغيره مما لا يليق به. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي الثابت الذي لا يزول. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ الكرسي الحسن، وهو مركز تدبير العالم، ووصف بالكريم لشرفه. ﴿يَدْعُ﴾ أي يعبد. ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ لا دليل له عليه، وهو صفة كاشفة لا مفهوم لها. ﴿حِسابُهُ﴾ جزاؤه. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ لا يسعدون، والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للشأن والأمر. ويلاحظ أنه تعالى بدأ السورة بتقرير الفلاح للمؤمنين، وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين. ﴿اِغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ المؤمنين، وطلب الرحمة زيادة عن المغفرة.

стр. 5376

المناسبة: بعد بيان إنكار الكفار للبعث، وأنه لا رجعة إلى الدنيا بعده، ذكر تعالى أنهم يسألون في النار سؤال تقريع وتوبيخ عن مدة لبثهم في الأرض، دون أن يكون القصد مجرد السؤال. ثم ذكر تعالى ما هو كالدليل على وجود البعث، ثم أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه، تعليما وإرشادا للأمة، حتى لا يكونوا مثل أولئك الكفار. التفسير والبيان: ينبه الله تعالى الكفار على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده، ولو صبروا لفازوا كالمؤمنين، فيقول: ﴿قالَ: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي قال الله أو الملك المأمور بسؤالهم: كم كانت مدة إقامتكم في الدنيا؟ والغرض من السؤال التبكيت والتقريع والتوبيخ، تنبيها لهم على أن ما ظنوه دائما طويلا، فهو يسير بالنسبة إلى ما أنكروه من البعث، فتحصل لهم الحسرة على سوء اعتقادهم في الدنيا. ﴿قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ نسوا مدة لبثهم في الدنيا، لعظم ما هم فيه من الأهوال والعذاب، حتى ظنوا أن المدة يوم أو بعض يوم، أو المراد تحقير مدة لبثهم بالنسبة إلى ما وقعوا فيه من أليم العذاب. ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ أي فاسأل الحاسبين، أو الملائكة الحفظة الذين يحصون أعمال العباد وأعمارهم. ﴿قالَ: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال لهم الملك: ما لبثتم إلا

стр. 5377

زمنا يسيرا، على كل تقدير، ولو كنتم تعملون شيئا من العلم لآثرتم الباقي على الفاني، ولعملتم بما يرضي ربكم، ولو صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا. روى ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي الذي خطب الناس فقال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين!! ثم قال: يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين». ثم شدد الله تعالى في توبيخهم على غفلتهم فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا، أي لعبا وباطلا بلا قصد ولا حكمة لنا، بل خلقناكم للعبادة والتهذيب والتعليم وإقامة أوامر الله تعالى. وهل ظننتم أنكم لا تعودون إلينا في الدار الآخرة للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ أي هملا [القيامة ٣٦/ ٧٥]. ﴿فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ أي تنزه وتقدس الله صاحب الملك الواسع، الثابت الذي لا يزول، أن يخلق شيئا عبثا، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، وهو ذو العرش العظيم الحسن البهي الذي يدبر فيه نظام الكون بحكمة ومقصد سام.

стр. 5378

ثم ردّ الله تعالى على من نسب إليه ولدا أو شريكا فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي ومن يعبد إلها آخر مع الله الذي لا يستحق العبادة سواه، دون أن يكون له دليل على صحة معتقده وعبادته، فجزاؤه محقق شديد عند ربه وخالقه، وذلك توبيخ وتقريع وتهديد بما لا يوصف، فمن ادعى إلها آخر فقد ادعى باطلا من حيث لا برهان له فيه، وما لا برهان فيه لا يجوز إثباته. ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ أي إنه لا يفوز الكفار بشيء من النعيم، وإنما مصيرهم إلى الجحيم، وهذا يقابل افتتاح السورة، فإنه بشر بفلاح المؤمنين، وختم هنا بخيبة الكافرين. ﴿وَقُلْ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ أي قل أيها النبي: يا رب اغفر لي ذنوبي، واستر عيوبي، وارحمني بقبول توبتي، ونجاتي من العذاب، فأنت خير من رحم عباده. أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن حبّان عن أبي بكر أنه قال: «يا رسول الله، علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». والآيتان الأخيرتان من آيات الشفاء، أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود أنه مرّ برجل مصاب، فقرأ في أذنه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً.﴾. حتى ختم السورة، فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له: «بماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره، فقال: «والذي نفسي بيده، لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال». وواضح من ذلك أن المعول عليه هو إيمان القارئ ويقينه وصفاؤه، واستعداد المريض وقابليته للتداوي بالقرآن.

стр. 5379

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - التنبيه على قصر مدة المكث في الدنيا، والاستفادة من تلك المدة بأقصى قدر ممكن للقيام بالطاعات والتقرب بالقربات، واجتناب المحظورات والمنهيات. ٢ - إن شدة العذاب التي يرتع بها الكفار في نار جهنم أنستهم مدة مكثهم في الدنيا أحياء، وفي القبور أمواتا. لذا أحالوا الجواب على الحاسبين العارفين بذلك، أو على الملائكة الذين كانوا معهم في الدنيا. ٣ - قرر الله تعالى أن مدة المكث أو اللبث في الدنيا قليلة لتناهيها بالنسبة إلى المكث في النار، لأنه لا نهاية له، لو علم الناس بذلك، فيكون المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن زمن الدنيا قليل لو علمتم البعث والحشر، لكنكم لما أنكرتم ذلك صرتم تعدونه طويلا. ٤ - إن للمخلوقات رسالة سامية في الحياة، وهي إطاعة الله تعالى فيما أمر، وعبادته بحق، واجتناب ما نهى عنه، فإنه تعالى لم يخلق الناس عبثا أي لعبا باطلا، دون قصد ولا حكمة، وإنما خلقهم لأداء مهمة خطيرة معينة، هي إظهار العبودية لله، قال الحكيم الترمذي أبو عبد الله محمد بن علي: إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رقّ الدنيا، ملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية، فهم اليوم عبيد أبّاق سقّاط لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النار. وروى ابن أبي حاتم عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة

стр. 5380

خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس: إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيكم للحكم بينكم، والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب الله غدا إلا من حذر هذا اليوم، وخافه، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان. ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردوا إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله ، قد قضى نحبه، وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب، وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعلمه، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم. ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله. ٥ - من قصر النظر وجهالة الإنسان وغبائه أن يظن كما يظن الماديون أن الدنيا هي كل شيء، وألا رجعة إلى الله والدار الآخرة، ليجازى الناس على أعمالهم. ٦ - تقدس الله وتنزه عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئا عبثا أو سفها؛ لأنه الحكيم، والملك الحق الثابت المبين الذي لا يزول ولا يبيد ملكه وقدرته، ويحق له الملك؛ لأن كل شيء منه وإليه، وهو الثابت الذي لا يزول، وذو العرش العظيم الكريم، لا إله غيره، ولا رب سواه، فما عداه

стр. 5381

مصيره إلى الفناء، وما يفنى لا يكون إلها. والمراد بالعرش: العرش حقيقة، ووصفه بالكريم لتنزل الرحمة والخير والبركة منه، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين. ٧ - إن من يعبد مع الله إلها آخر لا بينة ولا حجة ولا دليل له عليه، فإن الله هو الذي يعاقبه ويحاسبه، وإنه لا يفلح الكافرون، ولا يفوزون بالنعيم والسعادة الأبدية، فمن ادعى إلها آخر، فقد ادعى باطلا إذ لا برهان له فيه، وما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وهذا دليل على وجوب التأمل والنظر في إثبات العقيدة، وبطلان التقليد. ٨ - إن المؤمن الحق هو الذي يديم النظر والتأمل في بديع خلق الله وقدرته، ليتوصل بذلك إلى إثبات البعث وإمكانه، ويستمر في عبادته ربه حتى الموت، ويكثر من دعاء الله تعالى قائلا: رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين؛ لأن الانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته عاصمان عن كل الآفات والمخاوف. ٩ - من براهين البعث أنه: لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي، والصديق من الزنديق، والرجوع إلى الله تعالى معناه الرجوع إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه، لا أنه رجوع من مكان إلى مكان، لاستحالة ذلك على الله تعالى. ١٠ - شتان بين فاتحة السورة وخاتمتها، فقال في الفاتحة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وفي الخاتمة ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾.

стр. 5382

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النور مدنية، وهي أربع وستون آية. تسميتها: سميت سورة النور لتنويرها طريق الحياة الاجتماعية للناس، ببيان الآداب والفضائل، وتشريع الأحكام والقواعد، ولتضمنها الآية المشرقة وهي قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [٣٥] أي منورهما، فبنوره أضاءت السموات والأرض، وبنوره اهتدى الحيارى والضالون إلى طريقهم. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لسورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من وجهين: الأول-أنه تعالى لما قال في مطلع سورة المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ذكر هنا أحكام من لم يحفظ فرجه من الزناة، وما اتصل بذلك من شأن القذف، وقصة الإفك، والأمر بغض البصر الذي هو داعية الزنى، والاستئذان الذي جعل من أجل النظر، وأمر بالتزويج حفظا للفروج، وأمر من عجز عن مؤن الزواج بالاستعفاف وحفظ فرجه، ونهى عن إكراه الفتيات على الزنى.

стр. 5383

الثاني-بعد أن ذكر الله تعالى في سورة المؤمنين المبدأ العام في مسألة الخلق، وهو أنه لم يخلق الخلق عبثا، بل للتكليف بالأمر والنهي، ذكر هنا طائفة من الأوامر والنواهي في أشياء تعد مزلقة للعصيان والانحراف والضلال. فضلها: في هذه السورة أنس وشعور بالطمأنينة؛ لأن المؤمن يرتاح للعفة والطهر، ويشمئز من الفحش وسوء الظن والاتهام، ذكر مجاهد أن رسول الله ﷺ قال: «علّموا رجالكم سورة المائدة، وعلموا نساءكم سورة النور» وقال حارث بن مضرّب ﵁: كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁ أن تعلّموا سورة النساء والأحزاب والنور. وتعليم هذه السورة للنساء مروي أيضا عن عائشة ﵂. مشتملاتها: اشتملت هذه السورة على أحكام مهمة تتعلق بالأسرة، من أجل بنائها على أرسخ الدعائم، وصونها من المخاطر والعواصف، والتركيز على تماسكها وتنظيمها، وحمايتها من الانهيار والدمار. فكان مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والسّتر. لقد بدأت ببيان حد الزنى، وحد قذف المحصنات، وحكم اللعان عند الاتهام بالفاحشة أو لنفي نسب الولد، من أجل تطهير المجتمع من الانحلال والفساد واختلاط الأنساب، وبعدا عن هدم حرمة الأعراض، وصون الأمة من التردي في حمأة الإباحية والفوضى. ثم ذكرت قصة الإفك المبنية على سوء الظن والتسرع بالاتهام لتبرئة أم المؤمنين عائشة ﵂، ومحاربة شيوع الفاحشة، وترديد الإشاعات

стр. 5384

المغرضة التي تهدم صرح الأمة، وتقوّض بنيتها التي ينبغي أن تقوم على الثقة والمحبة، والابتعاد عن وساوس الشيطان. ثم تحدثت السورة عن باقة من الآداب الاجتماعية في الحياة الخاصة والعامة، وهي الاستئذان عند دخول البيوت، وغض الأبصار، وحفظ الفروج، وإبداء النساء زينتهن لغير المحارم مما يدل على تحريم الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم، وتزويج الأيامى (غير المتزوجين) من الرجال والنساء، والاستعفاف لمن لم يجد مؤن الزواج، من أجل تحقيق الاستقامة على شريعة الله، وصون الأسرة المسلمة، ورعاية حال الشباب والفتيات، والبعد عن الفتنة. ثم أبانت مزية تشريع الأحكام وأنه نور وهدى، وفضل آيات القرآن، ومزية بيوت الله وهي المساجد، وعدم جدوى أعمال الكفار وتشبيهها بالسراب الخادع أو ظلمات البحار. وأعقب ذلك تنبيه الناس إلى أدلة وجود الله ووحدانيته في صفحة الكون الأعلى والأسفل من تقليب الليل والنهار وإنزال المطر وخلق السموات والأرض، وخضوع جميع الكائنات الحية لله ، وطيران الطيور، وخلق الدواب ذات الأنواع العجيبة. ثم انتقل إلى وصف مواقف المنافقين والمؤمنين الصادقين من حكم الله والرسول بإعراض الأولين وإطاعة الآخرين، ووعده تعالى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف في الأرض. ثم عادت الآيات لبيان حكم استئذان الموالي والأطفال في البيوت في أوقات ثلاثة، وحكم رفع الحرج عن ذوي الأعذار في الجهاد، وعن الأقارب والأصدقاء في الأكل من بيوت أقاربهم بلا إذن، واستئذان المؤمنين الرسول ﷺ عند

стр. 5385

الانصراف، وتفويضه بالإذن لمن شاء، وتعظيم مجلسه ومناداته بأدب جم وحياء وتبجيل يليق به وبرسالته. ميزة سورة النور ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ الإعراب: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ ﴿سُورَةٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، و ﴿أَنْزَلْناها﴾: صفة ل ﴿سُورَةٌ﴾ وتقديره: هذه سورة منزلة. وقرئ (سورة) بالنصب على تقدير فعل، و ﴿أَنْزَلْناها﴾: مفسر له، وتقديره: أنزلنا سورة أنزلناها، أو اتبعوا سورة، أو اتل سورة. وهذا على رأي الجمهور القائلين: الابتداء بالنكرة لا يجوز، وقال الأخفش: لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة: مبتدأ، وأنزلنا: خبره. البلاغة: ﴿سُورَةٌ.﴾. التنكير للتفخيم، أي هذه سورة عظيمة الشأن أنزلها الله. وفيه تنبيه على الاعتناء بها، ولا ينفي الاعتناء بما عداها. ﴿أَنْزَلْناها﴾ ... ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ إطناب لتأكيد العناية بها، وهو ذكر للخاص بعد العام للاهتمام به. المفردات اللغوية: ﴿سُورَةٌ﴾ السورة: طائفة من آيات القرآن، محددة البدء والنهاية شرعا بالتوقيف أي النقل الثابت عن النبي ﷺ والوحي الإلهي بوساطة جبريل ﵇. ﴿أَنْزَلْناها﴾ أعطيناها الرسول وأوحينا بها إليه، والتعبير بالإنزال الذي هو صعود إلى نزول وإشارة إلى العلو، للدلالة على أن هذا القرآن من عند الله المتعالي على كل شيء، وكل من دونه نازل عنه في المرتبة، فلا يفهم من ذلك أنه تعالى في جهة.

стр. 5386

﴿وَفَرَضْناها﴾ الفرض: التقدير، أو قطع الشيء الصلب، والمراد هنا الإيجاب أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا. وقرئ ﴿وَفَرَضْناها﴾ بالتشديد لكثرة المفروض فيها ﴿آياتٍ﴾ جمع آية، وهي العلامة، والمراد هنا جملة من القرآن الكريم متصلة الكلام تحقق غرضا معينا. ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات الدلالة على ما فيها من الأحكام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتذكرون وتتعظون وتتقون المحارم، ولعل هنا يراد بها الإعداد والتهيئة. التفسير والبيان: هذه السورة أوحيناها وأعطيناها الرسول ﷺ وفرضنا ما فيها من أحكام كأحكام الزنى والقذف واللعان والحلف على ترك الخير والاستئذان، وغض البصر، وإبداء الزينة للمحارم وغيرهم، وإنكاح الأيامى، واستعفاف من لم يجد نكاحا، ومكاتبة الأرقاء، وإكراه الفتيات على البغاء، وطاعة الرسول ﷺ ، والسلام على المؤمنين. وأنزلنا فيها دلائل واضحة، وعلامات بينة على توحيد الله وكمال قدرته، لتتذكروها، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته تعالى. وتكرار ﴿وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ لكمال العناية بشأنها، كما هي الحال في ذكر الخاص بعد العام. فقه الحياة أو الأحكام: إن سورة النور متضمنة آيات بينات ترشد إلى النظام الأقوم والسلوك الأمثل في الأسرة والمجتمع، يقصد بها تحقيق العفاف والصون وحماية العرض، واتقاء المحرّمات، وتوفير السكينة والطمأنينة القلبية البعيدة عن الشواغل والهواجس الشيطانية الداعية إلى المعصية والرذيلة. كما أن في هذه الأحكام تذكيرا وعظة للمؤمنين، وتربية للنفوس، وتحقيقا للتقوى التي يستشعر بها المؤمن التقي جلال الله وعظمته، وعلمه وقدرته،

стр. 5387

وحسابه على كل صغيرة وكبيرة، لهذا افتتحت السورة بما ينبه على العناية بها، والاهتمام بأحكامها وهي ما يأتي: الحكم الأول والثاني حد الزنى وحكم الزناة ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ الإعراب: ﴿الزّانِيَةُ.﴾. مبتدأ، خبره مقدم محذوف، أي فيما يتلى عليكم الزانية والزاني. أو خبره: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ والفاء زائدة، فاء الفصيحة، أفصحت عن جواب سائل سمع حكم الزاني، فقال: فكيف الحكم؟ وصلح هذا الفعل أن يكون خبرا للمبتدأ، وإن كان أمرا، بتقدير: أقول: فاجلدوا، أو يجعله محمولا على المعنى، كأنه يقول: الزانية والزاني كل واحد منهما مستحق للجلد. وأل في ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ موصولة، ونظرا لشبه كل منهما بالشرط دخلت الفاء في الخبر. البلاغة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تحريض وإغراء. المفردات اللغوية: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ أي غير المحصنين، والزنى: مقصور في اللغة الفصحى، وهي لغة الحجازيين، وقد يمدّ في لغة أهل نجد، والزنى من الرجل: وط ء المرأة في قبل من غير ملك ولا شبهة ملك. والزنى من المرأة: تمكينها الرجل أن يزني بها. وإنما قدم الزانية؛ لأن الزنى في الأغلب

стр. 5388

يكون بتعرض المرأة للرجل وعرض نفسها عليه بأساليب متنوعة، ولأن مفسدة الزنى وعاره يصيبها أكثر من الرجل، فهي المادة الأصلية في الزنى. ﴿فَاجْلِدُوا﴾ الجلد: ضرب الجلد، وهو حكم البكر غير المحصن، لما ثبت في السنة أن حدّ المحصن هو الرجم. والإحصان: بالحرية والبلوغ والعقل والدخول في نكاح صحيح، وبالإسلام عند الحنفية. ﴿رَأْفَةٌ﴾ شفقة وعطف. ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾ في حكمه وطاعته. ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾ يحضر ﴿عَذابَهُما﴾ الجلد. ﴿طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: تطلق على الواحد فأكثر، والمراد هنا جمع يحصل به التشهير، وأقلها ثلاثة. وحضور الطائفة: زيادة في العقاب؛ لأن التشهير قد يؤثر أكثر مما يؤثر التعذيب. ﴿لا يَنْكِحُ﴾ يتزوج، أي أن الغالب المناسب لكل من الزانية والزاني نكاح أمثاله، فإن التشابه علة الألفة والتضام، والمخالفة سبب النفرة. وقدم الزاني هنا؛ لأن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة في الزواج بالنساء؛ لأن الرجل أصل فيه لأنه الراغب والطالب. ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حرم نكاح الزواني على المؤمنين الأخيار؛ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة. سبب النزول: نزول الآية (٣): ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً﴾: أخرج النسائي عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول (أو أم مهدون) وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب النبي ﷺ أن يتزوجها، فأنزل الله: ﴿وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد، يحمل من الأنبار إلى مكة حتى يأتيهم، وكانت امرأة بمكة صديقة له يقال لها عناق، فاستأذن النبي ﷺ أن ينكحها، فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ

стр. 5389

مُشْرِكَةً﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ : يا مرثد: «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة» الآية، فلا تنكحها. وقال المفسرون: الآية إما أنها نزلت في مرثد بن أبي مرثد المذكور، وإما في جماعة من فقراء المهاجرين استأذنوا النبي ﷺ في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء اللائي كن بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية. وظاهر الآية تحريم العفيفة على الزاني، والزانية على العفيف. التفسير والبيان: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: هذه الآية شروع في بيان الأحكام التي أشير إليها في الآية السابقة: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾، وهي تبين حد الزناة. والمعنى أن عقوبة الزانية والزاني الحرين البالغين العاقلين البكرين غير المحصنين بالزواج هي الجلد لكل منهما مائة جلدة. والحكمة في البدء في حد الزنى بالمرأة وفي حد السرقة بالرجل؛ لأن دواعي الزنى تحدث غالبا من المرأة، وعاره عليها أشد، وأثره فيها أدوم، وأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجال، وهم عليها أجرأ من النساء وأخطر، فقدموا عليهن. وظاهر الآية أن حد الزناة مطلقا هو الجلد مائة، لكن ثبت في السنة القطعية المتواترة التفريق بين حد المحصن وغير المحصن، أما حد المحصن فهو الرجم بالحجارة حتى الموت، بالسنة القولية والفعلية؛ أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». وأخرج أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه، ومالك في الموطإ وأحمد في مسنده عن أبي هريرة

стр. 5390

وزيد بن خالد الجهني أن أعرابيين أتيا رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا-أجيرا-على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمئة شاة ووليدة-أمة-فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا: الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك مائة جلدة، وتغريب عام، واغد يا أنيس-رجل من أسلم-إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها. وروى جماعة من الصحابة في الصحاح وغيرها بالنقل المتواتر أن ماعز بن مالك الأسلمي اعترف بالزنى أمام الرسول ﷺ وهو في المسجد أربع مرات، فأمر الرسول برجمه. وروى مسلم وأحمد وأبو داود عن بريدة أن امرأة من بني غامد أقرت بالزنى، فرجمها الرسول ﷺ بعد أن وضعت. وأنكر الخوارج مشروعية حد الرجم؛ لأنه لا يتنصف، فلا يصح أن يكون حدا للمحصنات من الحرائر، والله تعالى جعل حد الإماء نصف حد المحصنات الحرائر في قوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ، فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤]، ولأن الرجم لم يذكر في القرآن في حد الزنى، ولأن آية الجلد عامة لكل الزناة، فلا تخصص بخبر الواحد المروي في حد الرجم. ورد الجمهور على تلك الأدلة بأن التنصيف وارد في الجلد، فبقي ما عداه وهو الرجم على عمومه، وبأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح، فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول آية الجلد، وأما تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهو جائز عندنا، بل إن أحاديث الرجم ثابتة بالتواتر المعنوي، والآحاد في تفاصيل الصور والخصوصيات.

стр. 5391

وشروط الإحصان: البلوغ والعقل والحرية والدخول في زواج صحيح، وأضاف أبو حنيفة ومالك شرط الإسلام، فلا يرجم الذمي، ورد عليهما بأن النبي ﷺ أمر برجم يهوديين. وأما حد غير المحسن وهو البكر: فليس الجلد مائة جلدة فقط، وإنما يضم إليه تغريب (نفي) سنة، بدليل ما ثبت في السنة، ومنها قصة العسيف المتقدمة: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» ومنها ما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا البخاري والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرّجم» إلا أن جلد الثيب لم يستقر عليه التشريع المعمول به في السنة النبوية، وأصبح المطبق هو الرجم فقط، كما تقدم. والقول بالتغريب هو رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: ليس التغريب من الحد، وإنما هو تعزير مفوض إلى رأي الإمام وحكمه. وما يزال الظاهرية يقولون بوجوب جلد الثيب ورجمه، أخذا بحديث عبادة السابق. وعموم قوله تعالى: ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ يشمل المسلم والكافر، غير أن الحربي لا يحد حد الزنى؛ لأنه لم يلتزم أحكامنا، وأما الذمي فيجلد في رأي الجمهور، وروي عن مالك ﵀ أن الذمي لا يجلد إذا زنى. ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ أي لا يحملنكم العطف والشفقة على ترك حد الزناة، فهو حكم الله تعالى، ولا يجوز تعطيل حدود الله، والواجب التزام النص، والغيرة على حرمات الله، كما قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن عائشة ﵂: «والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي فأقيموا الحدود على من زنى،

стр. 5392

وشددوا عليه الضرب غير المبرح ليرتدع هو وأمثاله، إن كنتم تصدقون بالله وبالآخرة التي يجري فيها الحساب والجزاء. وهذا ترغيب شديد وحض أكيد وإلهاب على تطبيق وتنفيذ حدود الله. وفي ذكر اليوم الآخر تذكير للمؤمنين بما فيه من العقاب تأثرا بعاطفة اللين في استيفاء الحد، جاء في الحديث: «يؤتى بوال نقص من الحد سوطا، فيقال له: لم فعلت ذلك؟ فيقول: يا ربّ رحمة بعبادك فيقول له: أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به في النار». ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولتكن إقامة الحد علانية، أمام فئة من المسلمين، زيادة في التنكيل للزانيين، فإنهما إذا جلدا بحضرة الناس كان ذلك أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، وأكثر تقريعا وتوبيخا وتأنيبا لهما. والطائفة: أقلها واحد، وقيل: اثنان فأكثر، وقيل: ثلاثة نفر فصاعدا، وقيل: أربعة نفر فصاعدا؛ لأنه لا يكفي في شهادة الزنى إلا أربعة فأكثر، وقيل: خمسة، وقيل: عشرة فصاعدا. وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي نفر من المسلمين، ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا. وهذا أولى الآراء في تقديري. ويثبت الزنى بأحد أمور ثلاثة: ١ - الإقرار أو الاعتراف: وهذا هو الواقع فعلا في عهود الإسلام. ٢ - البينة أو الشهادة: أي شهادة أربعة رجال أحرار عدول مسلمين على التلبس بالزنى فعلا، ورؤية ذلك بالعين المجردة، وهذا نادر جدا لم يحصل إلا قليلا. ٣ - الحبل عند المرأة بلا زوج معروف لها.

стр. 5393

وحكمة حد الزنى: الحفاظ على الأعراض والحقوق، ومنع اختلاط الأنساب، وتحقيق العفاف والصون، وطهر المجتمع، والحيلولة دون ظهور اللقطاء في الشوارع، وانتشار الأمراض الجنسية الخطيرة، كالزّهري والسيلان، وتكريم المرأة نفسها، وعدم إهدار مستقبلها. روي عن حذيفة أن النبي ﷺ قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى، فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة: فسخط الله ، وسوء الحساب، وعذاب النار». ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.﴾. الآية: هذا خبر خرج مخرج الغالب فلا يقصد به التحريم الاصطلاحي، وإنما التنزه والابتعاد والترفع، والمعنى: أن الشأن في الزاني الفاسق الفاجر ألا يرغب إلا في نكاح أمثاله من النساء الزانيات الفاسقات، فهو عادة لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يميل إلى الزواج بالفاسقة الخبيثة أو المشركة مثلها التي لا تهتم عادة لحرمة العرض، ولا تأبه بشأن التعفف. وكذلك الشأن في الزانية الخبيثة لا يرغب فيها غالبا إلا زان خبيث مثلها أو مشرك لا يتعفف عادة. وبدئ بالزاني هنا، وبالزانية في الآية السابقة؛ لأن هذه الآية تتحدث عن النكاح وإبداء الرغبة فيه بالخطبة، والعادة أن ذلك يكون من الرجل، لا من المرأة، أما أكثر دواعي الزنى فتكون من المرأة فبدئ بها كما بينا، فهي المادة في الزنى، وأما في النكاح فالرجل هو الأصل؛ لأنه الراغب والطالب عادة.

стр. 5394

وليس معنى الجملتين في الآية هنا واحدا، فإن الجملة الأولى تصف الزاني بأنه لا يرغب في العفيفات المؤمنات، وإنما يميل إلى الزانية والمشركة، والجملة الثانية تصف الزانية بأنه لا يرغب فيها المؤمنون الأعفاء، وإنما يميل إليها الفجار والمشركون، فكان المعنى مختلفا إذ لا يلزم عقلا من كون الزاني لا يرغب إلا في مثله أن الزانية لا يرغب فيها غير أمثالها، وكانت الآية موضحة وجود التلاؤم والانسجام والتفاهم والاقتران من كلا الطرفين: الرجل والمرأة. وقد سمعنا كثيرا اليوم أن الممثلين والممثّلات ونحوهم من أهل الفن لا يتزوج الواحد منهم أو الواحدة إلا بمحترف فنا مماثلا؛ لأن عنصر الغيرة في زعمهم يجب أن يرتفع، ليستمر الفريقان في عملهما، وإلا تعرض الزواج للهدم والفسخ والزوال، فكما لا يألف العفيف ولا يقبل غير العفائف، كذلك لا تقبل العفيفة الشريفة بحال إسفاف زوجها وتبذّله، واختراقه حدود الصون والعفة، ولربما كانت المرأة أشد غيظا وغضبا وتحرقا من الرجل في هذا، وقد يكون العكس، والمعول عليه وجود الدين والخلق والإحساس المرهف وتوافر الغيرة الدينية على الحرمات والأعراض، والبعد عن جعل العلاقة بين الرجل والمرأة مجرد علاقة مادية شهوانية، كما هو الشائع اليوم لدى الماديين الملحدين الذين رفعوا مسألة العرض من قاموس الأخلاق والقيم، سواء في الشرق أو الغرب. ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حرّم التزوج بالبغايا أو تزويج العفائف بالرجال الفجار على المؤمنين الأتقياء، والمراد بالتحريم التنزه والتعفف مبالغة في التنفير؛ لأنه تشبّه بالفسّاق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة، والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد. وهذا رأي الجمهور كأبي بكر وعمر وجماعة من التابعين وفقهاء الأمصار جميعا، فيجوز نكاح الزانية، والزنى لا يوجب تحريمها على الزوج، ولا يوجب الفرقة بينهما، ويؤيدهم ما أخرجه الطبراني والدارقطني من حديث عائشة

стр. 5395

قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها، فقال: أوله سفاح، وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال». وما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن امرأتي لا تمنع يد لامس! قال ﷺ : غرّبها، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: فاستمتع بها. وهو دليل على جواز نكاح الزانية، وعلى أن الزوجة إذا زنت لا ينفسخ نكاحها. وقوله: «لا تمنع يد لامس» معناه الزانية، وأنها مطاوعة من راودها، لا ترد يده. وقوله: «غرّبها» أي أبعدها بالطلاق، وهذا دليل آخر على جواز نكاح الفاجرة. وقوله: «فاستمتع بها» أن لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة النفس منها، والاستمتاع بالشيء: الانتفاع به إلى مدة، ومنه سمي نكاح المتعة، ومنه آية: ﴿إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ [غافر ٣٩/ ٤٠]. وأما حكم الحرمة في الآية فمخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور ٣٢/ ٢٤] فإنه يتناول المسافحات. وقال جماعة من السلف (علي وعائشة والبراء، وابن مسعود في رواية عنه): إن من زنى بامرأة أو زنى بها غيره لا يحل له أن يتزوجها، وقال علي: إذا زنى الرجل فرّق بينه وبين امرأته؛ وكذلك هي إذا زنت. ودليلهم أن الحرمة في الآية على ظاهرها، والخبر في قوله ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ.﴾. بمعنى النهي، وأحاديث منها ما رواه أبو داود عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة ديّوث» ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والدّيّوث، وثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنّان بما أعطى».
следующие страницы →