ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري؛ ولقد توفّي وإن رأسه لفي حجري؛ ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّته الملائكة في بيتي؛ وإن الوحي لينزل عليه في أهله، فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه؛ وإني لابنة خليفته وصدّيقه؛ ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة عند طيب؛ ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما» تعني قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجنة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي من الأحكام:
١ - إن الذين يرمون بالزنى أو الفاحشة النساء المحصنات العفائف، أو الرجال المحصنين قياسا واستدلالا أو يقذفون غيرهم، ومن هؤلاء عائشة وسائر زوجات النبي ﷺ ، لعنوا في الدنيا والآخرة، واللعنة في الدنيا: الإبعاد وضرب الحد وهجر المؤمنين لهم، وإساءة سمعتهم، وإسقاط عدالتهم، وفي الآخرة الطرد من رحمة الله بالعذاب في جهنم.
والأصح كما رجح المفسرون أن بقية أمهات المؤمنين في هذا الحكم وغيره كعائشة رضوان الله عليهن، فقاذفهن ملعون في الدنيا والآخرة، ومن سبّهن فهو كافر، كما ذكر ابن كثير.
وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية: إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى. ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس المحصنات، فدخل في هذا المذكر والمؤنث، وكذا في الذين يرمون؛ إلا أنه غلّب المذكر على المؤنث، أي أن الرمي أو القذف بالزنى كبيرة وحرام من أي مكلف، وعلى أي مكلف: ذكر أو أنثى.
стр. 5462
٢ - ولهم حكم آخر غير اللعنة وهو شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وتكلمهم يوم القيامة عند الحساب بما تكلموا به وبما عملوا في الدنيا.
٣ - وحكم ثالث أيضا هو أن حسابهم وجزاءهم ثابت مستحق لهم بالقدر المستحق المناسب لعملهم أو قولهم؛ لأن مجازاة الله للكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاته للمحسن بالإحسان والفضل.
٤ - النساء الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. وهذا ما اختاره النحاس، وهو الظاهر. وقال مجاهد وابن جبير وعطاء وأكثر المفسرين: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
٥ - دل قوله تعالى صراحة: ﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ على براءة عائشة وصفوان ﵄ مما يقول الخبيثون والخبيثات.
الحكم السادس
الاستئذان لدخول البيوت وآدابه
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾
стр. 5463
الإعراب:
﴿فِيها مَتاعٌ﴾ مرفوع بالظرف على مذهب سيبويه، كما يرتفع على مذهب الأخفش والكوفيين؛ لأن الظرف جرى وصفا للنكرة.
المفردات اللغوية:
﴿بُيُوتاً﴾ جمع بيت وهو المسكن. ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا؛ إذ بالاستئذان يحصل الأنس للزائر وأهل البيت. ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ فيقول الواحد: السلام عليكم أأدخل، كما ورد في الحديث. ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الدخول بغير استئذان. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، أو تتذكرون خيريته، فتعملوا به. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً﴾ يأذن لكم. ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ بعد الاستئذان. ﴿هُوَ﴾ الرجوع. ﴿أَزْكى﴾ خير وأطهر. ﴿لَكُمْ﴾ من القعود على الباب. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من الدخول بإذن وغير إذن. ﴿عَلِيمٌ﴾ مطلع على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيجازي كل إنسان بعمله.
﴿جُناحٌ﴾ حرج وإثم ﴿بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ كالخانات والحوانيت والفنادق. ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أي حق تمتع وانتفاع، كالاستظلال من الحر والإيواء من البرد وتحزين الأمتعة والجلوس للمعاملة من شراء أو بيع. ﴿تُبْدُونَ﴾ تظهرون. ﴿تَكْتُمُونَ﴾ تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره. وهذا وعيد لمن دخل مدخلا لفساد أو تطلع على عورات.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
أخرج الفريابي وابن جرير عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية.
стр. 5464
نزول الآية (٢٩):
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت آية الاستئذان في البيوت، قال أبو بكر: يا رسول الله، فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون، وليس فيها سكان؟ فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد بيان حكم قذف المحصنات وقصة أهل الإفك، ذكر الله تعالى ما يليق بذلك، وهو آداب الدخول إلى البيوت من الاستئذان والسلام، منعا من الوقوع في التهمة، باقتحام البيوت دون إذن والتسلل إليها، أو حدوث الخلوة التي هي مظنة التهمة أو طريق التهمة التي تذرع بها أهل الإفك للوصول إلى بهتانهم وافترائهم، ومراعاة لأحوال الناس رجالا ونساء الذين لا يريدون لأحد الاطلاع عليها؛ ولأن النظر والاطلاع على العورات طريق الزنى.
التفسير والبيان:
هذه آداب اجتماعية شرعية ذات مدلول حضاري، وتمدن رفيع؛ لما فيها من تنظيم لحياة المجتمع وأحوال الأسر في البيوتات، حفظا لروابط الود والمحبة، وإبقاء على حسن العشرة وتبادل الزيارات بين المؤمنين، فقال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ أي يا أيها المصدقون بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت غيركم حتى يؤذن لكم، وحتى تسلموا على أهل البيت، حتى لا تنظروا إلى عورات غيركم، ولا
стр. 5465
تطلعوا إلى ما لا يحل لكم الاطلاع عليه، ولا تفاجئوا الساكنين الوادعين، فتحرجوهم أو تزعجوهم، فيحدث الاشمئزاز، والتضايق، والكراهية.
فلا بد إذن من الاستئذان قبل الدخول والسلام خارج الباب لمعرفة الداخل، وكان السلام هو المألوف في الماضي حيث لم تكن أبواب الدور محكمة الإغلاق والستر بنحو كاف كاليوم؛ إذ لم يكن للدور حينئذ ستور.
والاستئناس: الاستعلام (طلب العلم) والاستكشاف، من آنس الشيء:
إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، فمن أراد دخول بيت غيره عليه أن يستأنس، أي يتعرف من أهله ما يريدون من الإذن له بالدخول وعدمه، فهو بمعنى الاستئذان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٩/ ٢٤]. وكان ابن عباس على الأصح فيما روي عنه يفسر الاستئناس بالاستئذان، ولا يحصل الاستئناس إلا بعد حصول الإذن بعد الاستئذان.
ويكون الاستئذان ندبا ثلاث مرات، فإن أذن للزائر وإلا انصرف، كما
ثبت في الصحيح لدى مالك وأحمد والشيخين وأبي داود عن أبي موسى وأبي سعيد معا أن أبا موسى الأشعري حين استأذن على عمر ثلاثا، فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له فلينصرف» الحديث.
وظاهر الآية أنه لا بد قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا، إلا أن الأول مطلوب على سبيل الوجوب، والثاني على سبيل الندب كما هو حكم السلام في كل موضع. لكن الواجب في الاستئذان هو مرة واحدة، وأما الثلاث فهو مندوب، كما تقدم.
стр. 5466
والظاهر أن الاستئذان متقدم على السلام؛ لأن الأصل في الترتيب الذّكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي، وبه قال بعض العلماء، والجمهور على تقديم السلام على الاستئذان، بدليل ما أخرجه الترمذي عن جابر ﵁:
«السلام قبل الكلام» وما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: لا يؤذن له حتى يسلم،
وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال: استأذن عمر ﵁ على النبي ﷺ فقال: «السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟».
والسلام يكون أيضا ثلاثا كما
أخرج الإمام أحمد عن أنس أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: «السلام عليك ورحمة الله» فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا.
والحكمة من الاستئذان والسلام تحاشي الاطلاع على العورات، بدليل
ما رواه أبو داود عن هزيل قال: جاء رجل (قال عثمان: سعد) فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب، -قال عثمان: مستقبل الباب-فقال له النبي ﷺ «هكذا عنك-أو هكذا-فإنما الاستئذان من النظر»
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح».
والمراد من هذين الحديثين أن من أدب الاستئذان ألا يستقبل المستأذن الباب بوجهه، وإنما يجعله عن يمينه أو شماله، وألا ينظر إلى داخل البيت،
روي أن أبا سعيد الخدري استأذن على رسول الله ﷺ وهو مستقبل الباب، فقال ﵊: «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب» وذلك سواء أكان الباب مغلقا أم مفتوحا؛ فإن الطارق قد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه.
стр. 5467
والاستئذان واجب ولو كان الطارق أعمى؛ لأن من عورات البيوت ما يدرك بالسمع، وقد يتأذى أهل البيت بدخول الأعمى، وأما
الحديث المتقدم:
«إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» فهو بحسب الغالب المعتاد.
ولا فرق في وجوب الاستئذان بين الرجال والنساء، والمحارم وغير المحارم؛ لأن الحكم عام، ولو كان الزائر والدا أو ولدا،
قال رجل للنبي ﷺ -فيما رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار-: أأستأذن يا رسول الله على أمي؟ فقال النبي ﷺ : «نعم» قال: ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت عليها؟ قال: «أتحب أن تراها عريانة؟» قال: لا، قال: «فاستأذن عليها».
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود قال: «عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم».
وروى الطبري عن طاوس قال: «ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم» وعلى هذا يكون الاستئذان على المحارم واجبا وتركه غير جائز، واستدل ابن عباس عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ولم يفرق بين من كان أجنبيا أو ذا رحم محرم.
وقوله تعالى: ﴿بُيُوتاً﴾ نكرة في سياق النهي فتفيد العموم الشامل للبيوت المسكونة وغير المسكونة، لكن الآية التالية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ يقتضي حمل الآية الأولى على المسكونة فقط، ويصير المعنى: أيها المخاطبون لا تدخلوا بيوتا مسكونة لغيركم حتى تستأنسوا.
ثم ذكر تعالى حكمة الأمر بالاستئذان والسلام فقال:
﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يعني الاستئذان والسلام خير وأفضل للطرفين: المستأذن وأهل البيت، من الدخول بغتة، ومن تحية الجاهلية، فقد كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته قال: حييتم صباحا، وحييتم مساء،
стр. 5468
ودخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ متعلق بمحذوف، أي أنزل عليكم أو أرشدكم ربكم لتتذكروا وتتعظوا، وتعملوا بما هو أصلح لكم.
وكلمة ﴿خَيْرٌ﴾ هنا أفعل تفضيل، وكلمة «لعل» للتعليل، والحكم المعلل بها مفهوم مما سبق، أي أرشدكم الله إلى ذلك الأدب وبيّنه لكم، ليكون متذكرا منكم دائما، فتعملوا بموجبه.
ثم ذكر تعالى حكم حالة أخرى هي حالة فراغ البيوت من أهلها فقال:
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً، فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي إن لم تجدوا في بيوت غيركم أحدا يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى يأذن لكم صاحب الدار، فلا يحل الدخول في هذه الحالة؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولأن للبيوت حرمة، وفيها خبيئات لا يريد أحد الاطلاع عليها، فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة. وإذن الصبي والخادم لا يبيح الدخول في البيوت الخالية من أصحابها، فإن كان صاحب الدار موجودا فيها، اعتبر إذن الصبي والخادم إذا كان رسولا من صاحب الدار، وإلا لم يجز الدخول.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً﴾ المدار فيه على ظن الطارق، فإن كان يظن أنه ليس بها أحد، فلا يحل له أن يدخلها.
لكن يستثني بداهة وشرعا حالة الضرورة، كمداهمة البيت لحرق أو غرق أو مقاومة منكر أو منع جريمة ونحو ذلك.
﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ: اِرْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ﴾ أي إن طلب منكم صاحب البيت الرجوع، فارجعوا؛ فإن الرجوع هو خير لكم وأطهر في الدين والدنيا، ولا يليق بكم أيها المؤمنون أن تلحوا في الاستئذان، والوقوف على
стр. 5469
الأبواب، أو القعود أمامها بعد أن تردوا، ففي ذلك ذل ومهانة وعيب، وإحراج لصاحب البيت.
﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي أن الله عليم بنياتكم وأقوالكم وأفعالكم، فيجازيكم عليها. وهذا وعيد لمن يخالف ما أرشد الله إليه، فإن القصد من هذا الإخبار هنا تقرير الجزاء على هذه الأعمال.
ثم بيّن الله تعالى حكم البيوت غير المسكونة، فقال:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ، فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ أي لا إثم ولا حرج عليكم من الدخول إلى بيوت لا تستعمل للسكنى الخاصة، كالفنادق وحوانيت التجار والحمامات العامة ونحوها من الأماكن العامة، إذا كان لكم فيها مصلحة أو انتفاع كالمبيت فيها، وإيواء الأمتعة، والمعاملة بيعا وشراء وغيرهما، والاغتسال، ونحو ذلك.
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ أي إن الله تعالى عليم بما تظهرونه من استئذان عند الدخول، وما تضمرونه من قصد سيء من حب الاطلاع على عورات الناس. وهذا وعيد لأهل الريبة الذين يدخلون البيوت للاطلاع على عوراتها، وهو شبيه بالوعيد الذي ختمت به الآية السابقة.
وهذه الآية الكريمة أخص من سابقتها، ومخصصة لعموم الآية المتقدمة المانعة مطلقا من دخول بيوت الآخرين، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد، إذا كان للداخل متاع فيها، بغير إذن، كالبيت المستقل المعد للضيف بعد الإذن له فيه أول مرة، ولم يكن مجرد غرفة ضمن غرف أخرى.
стр. 5470
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - تحريم دخول بيت الآخرين من غير استئذان وجوبا، وسلام وتحية ندبا، ويكون السلام قبل الاستئذان، كما دلت السنة.
والسنة في الاستئذان كما تقدم أن يكون ثلاث مرات لا يزاد عليها. وصورة الاستئذان أن يقول الشخص رجلا كان أو امرأة، بصيرا أو أعمى: السلام عليكم أأدخل؟ فإن أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن لم يجبه أحد استأذن ثلاثا ثم ينصرف من بعد الثلاث.
قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع.
وقال المالكية: إنما خص الاستئذان بثلاث؛ لأن الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثا، سمع وفهم، ولذلك كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى يفهم عنه، وإذا سلم على قوم، سلم عليهم ثلاثا، وإذا كان الغالب هذا؛ فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث، ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه، فينبغي للمستأذن أن ينصرف؛ لأن الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشغولا به؛ كما
قال النبي ﷺ لأبي أيوب حين استأذن عليه، فخرج مستعجلا فقال:
«لعلنا أعجلناك..» الحديث.
أما اليوم حيث اتخذ الناس الأبواب والأجراس، فصار الاستئذان بقرع الباب أو بدق الجرس، فإن طلب من الطارق التعريف بنفسه وجب عليه ذلك، منعا من الإزعاج والتخويف أو الإحراج والمضايقة.
стр. 5471
ولا يستقبل المستأذن الباب بوجهه، وإنما يقف يمينا وشمالا، بحيث إذا فتح الباب لا يقع النظر فجأة على ما يكره صاحب البيت.
وصفة الدق أن يكون خفيفا بحيث يسمع، ولا يعنف في ذلك، فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: كانت أبواب النبي ﷺ تقرع بالأظافير (١).
ودليل التعريف بشخص الداخل
ما روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: استأذنت على النبي ﷺ فقال: «من هذا»؟ فقلت: أنا، فقال النبي ﷺ : «أنا أنا» كأنه كره ذلك؛ لأن قوله: «أنا» لا يحصل بها تعريف، وإنما أن يذكر اسمه، كما فعل عمر وأبو موسى ﵄.
ولكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وكان الناس في الماضي يسلمون، ثم تركوا السلام لاتخاذ الأبواب التامة الستر، المحكمة الإغلاق. وهذا في بيت الآخرين.
أما في بيت الإنسان الخاص، فلا حاجة فيه للإذن إن كان فيه الأهل (الزوجة). والسنة السلام إذا دخل. قال قتادة: إذا دخلت على بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان فيه مع الأهل أمك أو أختك، فقال العلماء: تنحنح واضرب برجلك حتى تنتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها، وأما الأم والأخت فقد تكونان على حالة لا تحب أن تراهما فيه.
وإذا دخل بيت نفسه وليس فيه أحد، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، كما قال قتادة. والملائكة ترد عليه.
وإذا رأى أهل الدار أحدا يطلع عليهم من ثقب الباب، فطعن أحدهم عينه
стр. 5472
فقلعها، فقال الشافعي وأحمد: لا شيء عليه،
لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم، ففقئوا عينه، فقد هدرت عينه»
وعبارة مسلم: «من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم، حلّ لهم أن يفقؤوا عينه».
وروى سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال لمن اطلع في إحدى حجراته، وكانت في يده مدرى يحك بها رأسه: «لو كنت أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك».
وقال أبو حنيفة ومالك: إن فقأ عينه فعليه الضمان من قصاص أو أرش (تعويض أو دية) لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة ٤٥/ ٥]. ثم إن الاعتداء جناية، يستوجب الأرش أو القصاص. أما الأحاديث السابقة فهي منسوخة، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦/ ١٦]. ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الوعيد لا على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به. وقد كان النبي ﷺ يتكلم بالكلام في الظاهر، وهو يريد شيئا آخر؛ كما
جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال: «قم فاقطع لسانه» وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا، ولم يرد به القطع في الحقيقة. وكذلك هذا يحتمل أن يراد بفقء العين أن يعمل به عملا حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره.
٢ - تحريم الدخول إلى بيت الآخرين إذا لم يوجد فيه صاحبه حتى يؤذن له، وهذا مستفاد من الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً﴾ والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها، التقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا، فإن أذن لكم فادخلوا، وإلا فارجعوا، فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا.
стр. 5473
ولا فرق في وجوب الاستئذان وتحريم الدخول بغير إذن بين أن يكون الباب مغلقا أو مفتوحا.
ويجوز الإذن من الصغير والكبير، وقد كان أنس بن مالك يستأذن على رسول الله ﷺ ، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم ﵃.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ وعيد لأهل التجسس على البيوت، وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز.
٤ - إباحة الدخول في البيوت غير المسكونة والأماكن العامة كالفنادق والحوانيت والحمامات العامة ونحوها، إذا كان الدخول لمصلحة أو حق انتفاع كالمبيت والمعاملة والاغتسال وإيداع الأمتعة ونحو ذلك.
وعلى هذا تكون آية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ.﴾. لرفع حكم الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد؛ لأن العلة في الاستئذان إنما هي لأجل الاطلاع على الحرمات، فإذا زالت العلة زال الحكم.
الحكم السابع
حكم النظر والحجاب
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
стр. 5474
الإعراب:
﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ ﴿يَغُضُّوا﴾ مجزوم بجواب قل، و ﴿مِنْ﴾ هنا لبيان الجنس.
وقال الزمخشري: للتبعيض. وزعم الأخفش أنها زائدة، أي قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، والأكثرون على خلافه؛ لأن من لا تزاد في حال الإيجاب، وإنما تزاد حال النفي.
﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ ﴿غَيْرِ﴾ بالجر: صفة ل ﴿التّابِعِينَ﴾ أو بدل منهم؛ لأنه ليس بمعرفة صحيحة؛ لأنه ليس بمعهود. وقرئ بالنصب غير على الحال أو الاستثناء. قال مكي رحمه الله تعالى: ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع.
البلاغة:
﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي عما حرّم الله، لا عن كل شيء.
﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ مجاز مرسل، والمراد مواقع الزينة، من إطلاق الحال وإرادة المحل، مبالغة في الأمر بالتستر والتصون.
المفردات اللغوية:
﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ أي يكفّوا البصر عما لا يحل لهم النظر إليه. ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ عما لا يحل لهم فعله بها. وسبب التفرقة بين غض البصر بذكر ﴿مِنْ﴾ وبين حفظ الفروج دون ذكر من: أن غض البصر فيه توسع؛ إذ يجوز النظر إلى المحارم فيما عدا ما بين السرة والركبة، وإلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها، وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمر الفروج فمضيق، كما ذكر
стр. 5475
في الكشاف، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه، أي فالأصل في الفروج الحظر، وفي النظر الإباحة. وتقديم الغض على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنى.
﴿أَزْكى﴾ خير وأطهر. ﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ بالأبصار والفروج، فيجازيهم عليه.
﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾ فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال. ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ بالتستر أو التحفظ عن الزنى، أي بحفظ فروجهن عما لا يحل لهن فعله بها. ﴿يُبْدِينَ﴾ يظهرن. ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ كالحلي والثياب والأصباغ، أو لا يظهرن مواضع الزينة لمن لا يحل أن تبدي له. ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم، فإن في سترها حرجا. وقيل: المراد هو الوجه والكفان، فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين؛ لأنها ليست بعورة، والوجه الثاني يحرم؛ لأنه مظنة الفتنة. قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة، لا يحل لغير الزوج والمحرم القريب النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة والتعليم والمعاملة وتحمل الشهادة.
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالخمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والجيوب: جمع جيب: وهو فتحة في أعلى الجلباب (أو الثوب) يبدو منها بعض الصدر. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي الخفية، أو مواضع الزينة، وهي ما عدا الوجه والكفين، وكرر ذلك لبيان من يحل له الإبداء ومن لا يحل له. ﴿إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أزواجهن، جمع بعل: أي زوج، فإنهم هم المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدن الزوجة، حتى الفرج مع الكراهة. ﴿أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ.﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ رفعا للحرج بسبب كثرة المعاشرة والمخالطة والمداخلة، وقلة توقع الفتنة من قبلهم، لما في الطباع من النفرة عن مماسة الأقارب، فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة، فيحرم نظره لغير الأزواج. وخرج بقوله: ﴿نِسائِهِنَّ﴾ الكافرات، فلا يجوز في رأي الجمهور للمسلمات الكشف أمامهن؛ لأنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال. وأجاز الحنابلة ذلك؛ لأن المراد جنس النساء أو كلهن.
وما ملكت أيمانهن: هم العبيد والجواري (الإماء).
﴿أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ ﴿الْإِرْبَةِ﴾ الحاجة إلى النساء، أي غير أولي الحاجة إلى النساء، وهم الشيوخ الهرمى الذين لا يحدث لهم انتشار ذكر، وقيل: البله الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم، ولا يعرفون شيئا من أمور النساء، وفي المجبوب والخصي خلاف. ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ الأطفال، لعدم تمييزهم. ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لم يطلعوا على عورات النساء للجماع، ولم يعرفوا ذلك؛ لعدم بلوغهم حد الشهوة أو لصغرهم، فيجوز الإبداء لهم ما عدا ما بين السرة والركبة.
و ﴿الطِّفْلِ﴾ جنس وضع موضع الجمع، اكتفاء بدلالة الوصف، أو أنه يطلق على الواحد والجمع.
стр. 5476
﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ أي الخلخال الذي يتقعقع فإن ذلك يلفت النظر ويورث الميل عند الرجال، وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة، وأدل على المنع من رفع الصوت. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ مما وقع لكم من النظر الممنوع. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي بسعادة الدارين، وتنجون من الإثم لقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على الإناث.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا عن جابر بن عبد الله، حدّث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات، فيبدو ما في أرجلهن، تعني الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا! فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ﴾. و
أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه أن رجلا مرّ على عهد رسول الله ﷺ في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه، فقال:
والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله ﷺ فأخبره أمري، فأتاه فقص عليه قصته، فقال النبي ﷺ : «هذا عقوبة ذنبك» وأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت برتين (١) من فضة، واتخذت جزعا (سلسلة خرز) فمرت على قوم، فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الجزع، فصوّت، فأنزل الله ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآية.
стр. 5477
المناسبة:
الآية واضحة الاتصال بما قبلها، فإن الدخول إلى البيوت مظنة الاطلاع على العورات، لذا أمر المؤمنون والمؤمنات بغض البصر بصورة حكم عام يشمل المستأذن للدخول إلى البيوت وغيره، فيجب على المستأذن التحلي به عند الاستئذان والدخول، منعا من انتهاك الحرمات المنهي عنها، كما يجب على النساء عدم إبداء الزينة لأحد إلا للمحارم، لما في ذلك من الفتنة الداعية إلى الوقوع في الحرام، كالنظر الذي هو أيضا بريد الزنى، فالجامع بين حكم النظر والحجاب سد الذرائع إلى الفساد.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ أي قل يا محمد لعبادنا المؤمنين: كفّوا أبصاركم عما حرم الله عليكم، فلا تنظروا إلا إلى ما أباح لكم النظر إليه. والتعبير بالمؤمنين: إشارة إلى أن من شأن المؤمنين أن يسارعوا إلى امتثال الأوامر. وليس المراد بغض البصر إغماض العين وإطباق أجفانها، بل المراد جعلها خافضة الطرف من الحياء، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض أي يغضوا بعض أبصارهم، فلا يحملقوا بأعينهم في محرم، ويكون المراد حينئذ توبيخ من يكثر التأمل في المحرم، كما حدث في سبب النزول الذي أخرجه ابن مردويه، وللتفرقة في الأمر بين غض البصر وحفظ الفروج، فإن الأصل في الفروج التحريم إلا ما استثني، وأما النظر فالأصل فيه الإباحة إلا ما استثني كما بينا.
فإن وقع البصر على محرّم من غير قصد، وجب إغضاء الطرف وصرف النظر عنه سريعا؛
لما رواه مسلم في صحيحة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ عن نظر
стр. 5478
الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري».
وروى أبو داود عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة».
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ :
«إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله، لا بدّ لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله ﷺ : إن أبيتم فأعطوا الطريق حقّه، قالوا:
وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر».
وسبب الأمر بغض البصر هو سدّ الذرائع إلى الفساد، ومنع الوصول إلى الإثم والذنب، فإن النظر بريد الزنى، وقال بعض السلف: النظر سهم سمّ إلى القلب، ولذلك جمع الله في الآية بين الأمر بحفظ الفروج، والأمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى المحظور الأصلي وهو الزنى، فقال:
﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي من ارتكاب الفاحشة كالزنى واللواط ومن نظر أحد إليها، كما
روى أحمد وأصحاب السنن: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك». وقال تعالى مبينا حكمة الأمر بالحكمين:
﴿ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ﴾ أي إن غض البصر وحفظ الفرج خير وأطهر لقلوبهم، وأنقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته، أو في قلبه.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغض بصره، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها»
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه». وأزكى الذي هو أفعل التفضيل للمبالغة في أن
стр. 5479
غض البصر وحفظ الفرج يطهران النفوس من دنس الرذائل. والمفاضلة على سبيل الفرض والتقدير، أو باعتبار ظنهم أن في النظر نفعا.
﴿إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ أي إن الله عليم علما تاما بكل ما يصدر عنهم من أفعال، لا تخفى عليه خافية، وهذا تهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩/ ٤٠] فهو يعلم استراق النظر وسائر الحواس، والخبرة: العلم القوي الذي يصل إلى بواطن الأشياء.
أخرج البخاري في صحيحة تعليقا ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «كتب على ابن آدم حظّه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، وزنى الأذنين الاستماع، وزنى اليدين البطش، وزنى الرّجلين الخطا، والنفس تمنّي وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه».
وخلافا لما عليه غالب الخطابات التشريعية من دخول النساء في الحكم بخطاب الرجال تغليبا، أمر الله تعالى المؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج كما أمر الرجال، تأكيدا للمأمور به، وبيان بعض الأحكام التي تخصهن وهي النهي عن إبداء الزينة، والحجاب، والامتناع عن كل ما يلفت النظر إلى زينتهن، فقال تعالى:
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أي وقل أيها الرسول أيضا للنساء المؤمنات: اغضضن أبصاركن عما حرم الله عليكن من النظر إلى غير أزواجكن، واحفظن فروجكن عن الزنى ونحوه كالسحاق، فلا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا، في رأي كثير من العلماء، بدليل
ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة: «أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعد ما
стр. 5480
أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ : احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : أو عمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟». وفي الموطأ عن عائشة أنها احتجبت عن أعمى، فقيل لها:
إنه لا ينظر إليك، قالت: لكنني أنظر إليه.
وأجاز جماعة آخرون من العلماء نظر النساء إلى الرجال الأجانب بغير شهوة فيما عدا ما بين السرة والركبة، بدليل ما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة، وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت. وهذا الرأي أيسر في عصرنا.
وأصحاب الرأي الثاني وهو جواز النظر بغير شهوة يحملون الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب، وكذلك احتجاب عائشة ﵂ من الأعمى كان ورعا منها، ويؤيد ذلك استمرار العمل على خروج النساء إلى الأسواق وإلى المساجد وفي الأسفار متنقبات، حتى لا يراهن أحد من الرجال، ولم يؤمر الرجال بالانتقاب حتى لا يراهم النساء، فكان ذلك دليلا على المغايرة في الحكم بين الرجال والنساء.
ثم ذكر الله تعالى الأحكام الخاصة بالنساء وهي ما يلي:
١ - ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب حين التحلي بها وهي كل ما يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب وغيرها، فيكون إبداء مواقع الزينة منهيا عنه بالأولى، أو لا يظهرن مواضع الزينة بإطلاق الزينة وإرادة مواقعها، بدليل قوله: ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ والثاني هو الأولى؛ لأن الزينة نفسها ليست مقصودة بالنهي، وعلى كل حال هناك تلازم بين الزينة وموضعها، والغاية هي النهي عن أجزاء الجسد التي تكون
стр. 5481
محلا للزينة، كالصدر والأذن والعنق والساعد والعضد والساق.
وأما ما ظهر منها فهو الوجه والكفان والخاتم، كما نقل عن ابن عباس وجماعة، وهو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له
بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا» وأشار إلى وجهه وكفيه. وهو حديث مرسل.
وبناء عليه قال الحنفية والمالكية، والشافعي في قول له: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، فيكون المراد بقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها﴾ ما جرت العادة بظهوره.
وروي عن أبي حنيفة ﵁: أن القدمين ليستا من العورة أيضا؛ لأن الحرج في سترهما أشد منه في ستر الكفين، لا سيما أهل الريف. وعن أبي يوسف: أن الذراعين ليستا بعورة، لما في سترهما من الحرج.
وذهب الإمام أحمد، والشافعي في أصح قوليه إلى أن بدن الحرة كله عورة، للأحاديث المتقدمة في نظر الفجأة، وتحريم متابعة النظر،
ولما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه، فطفق الفضل ينظر إلى امرأة وضيئة خثعمية حين سألته، فأخذ النبي ﷺ بذقن الفضل، فحول وجهه عن النظر إليها. ويكون المراد بقوله: ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ ما ظهر بنفسه من غير قصد.
والراجح فقها وشرعا أن الوجه والكفين ليسا بعورة إذا لم تحصل فتنة، فإن خيفت الفتنة وحصلت المضايقة وكثر الفساق وجب ستر الوجه. وأما أدلة الفريق الثاني فمحمولة على الورع والاحتياط ومخافة الفتنة والاسترسال في مزالق الشيطان.
стр. 5482
ويجوز شرعا استثناء وللضرورة النظر إلى الأجنبية كحال الخطوبة والشهادة والقضاء والمعاملة والمعالجة والتعليم، ففي كل هذه الأحوال يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط، ويجوز للطبيب إذا لم توجد طبيبة النظر إلى موضع العلة أو الداء للعلاج.
٢ - ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ أي ليسدلن ويرخين أغطية الرؤوس على أعلى أجزاء الصدر لستر الشعور والأعناق والصدور. والضرب هنا:
السدل والإلقاء والإرخاء، والخمر: جمع خمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والجيوب: جمع جيب: وهو فتحة في أعلى الثوب يبدو منها بعض النحر.
وهذا أمر إرشاد لستر بعض مواضع الزينة الباطنة عند النساء، روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن (أزرهن) فاختمرن بها.
٣ - ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ﴾ أي لا يظهرن زينتهن الخفية إلا لأزواجهن فهم المقصودون بالمتعة والنظر، أو آباء النساء والأجداد، أو آباء الأزواج أو أبناء النساء أو أبناء الأزواج أو الإخوة والأخوات وبني الإخوة أو بني الأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، فكل هؤلاء محارم يجوز للمرأة أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج، وهؤلاء هم الأقارب من النسب وهم خمسة أنواع، وفيهم نوعان من الأقارب لأجل المصاهرة وهما آباء الأزواج وأبناء الأزواج، ولكن لم تذكر الآية من المحارم النسبية الأعمام والأخوال؛ لأن العمومة والخؤولة بمنزلة الأبوة. كذلك لم تذكر المحارم من الرضاع ولكن نصت السنة عليهم
فيما أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
стр. 5483
﴿أَوْ نِسائِهِنَّ، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ هؤلاء بقية الأنواع الذين يجوز للمرأة إظهار الزينة فيما عدا ما بين السرة والركبة، وهم النساء، والمماليك، والتابعون غير أولي الحاجة إلى النساء وهم الأجراء والأتباع الذين لا شهوة عندهم إلى النساء، كالخصيان والمجبوبين والمعتوهين، والأطفال الذين لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن لصغرهم وعدم اطلاعهم على القضايا الجنسية.
لكن وقع خلاف بين العلماء في النساء والمماليك والتابعين والأطفال، أما النساء: فقال الجمهور: المراد النساء المسلمات أي نسائهن في الدين، دون نساء أهل الذمة، فلا يجوز للمسلمة إظهار شيء من جسمها ما عدا الوجه والكفين أمام المرأة الكافرة، لئلا تصفها لزوجها أو غيره، فهي كالرجل الأجنبي بالنسبة لها.
أما المسلمة فتعلم أن ذلك حرام، فتنزجر عنه،
أخرج الشيخان في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها».
روى سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁: «أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانه من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها».
وقال جماعة منهم الحنابلة: إن المراد بهن عموم النساء المسلمات والكافرات، فتكون الإضافة في قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ للمشاكلة والمشابهة أي من جنسهن، وتكون عورة المرأة بالنسبة للمرأة مطلقا ما بين السرة والركبة فقط.
وأما ما ملكت أيمانهن: فقال الأكثرون: يشمل الرجال والنساء، فيجوز أن
стр. 5484
تظهر المرأة على رقيقها من الرجال والنساء ما عدا ما بين السرة والركبة؛
لما رواه أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: «إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك».
وذهبت طائفة إلى أن ذلك مخصوص بالإماء فقط؛ لأن العبد رجل كالحر الأجنبي في التحريم.
وأما التابعون غير أولي الإربة أي الحاجة إلى النساء: فهم الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم من غير أن تكون لهم حاجة في النساء ولا ميل إليهن، واختلف العلماء في المراد بهم فقيل: إنه الشيخ الفاني الذي فنيت شهوته، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئا، أو المجبوب، أو الخصي أو الممسوح أو خادم القوم للعيش أو المخنث. والمعتمد أن المراد به: كل من ليس له حاجة إلى النساء، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب،
أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنّث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ ، وهو ينعت امرأة يقول: إذا أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ : «ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن عليكن» فأخرجه من المنزل.
وأما الأطفال الذين لم يطلعوا على عورات النساء: فهم الذين لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن، ولم يظهر عندهم الميل الجنسي القوي لصغر سنهم، فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، أما المراهق أو القريب من المراهقة قبل البلوغ الذي يحكي ما يرى، ويفرّق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكّن من الدخول على النساء، بدليل وجوب استئذان الطفل عند
стр. 5485
دخول البيوت، في أوقات ثلاثة، بيّنها الله تعالى بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ.﴾. الآية [النور ٥٩/ ٢٤].
وقال جماعة آخرون: لا يحرم على المرأة إبداء زينتها للطفل إلا إذا كان فيه تشوق إلى النساء، سواء أكان مراهقا أم غير مراهق، والإباحة هنا أوسع مما قرره أصحاب الرأي الأول.
ثم نهى الله تعالى عما يكون وسيلة أو ذريعة إلى الفتنة فقال:
﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ أي لا يجوز للمرأة أن تدق برجليها في مشيتها، ليعلم الناس صوت خلاخلها؛ لأنه مظنة الفتنة والفساد، ولفت الأنظار، وإثارة مشاعر الشهوة، وإساءة الظن بأنها من أهل الفسوق، فإسماع صوت الزينة كإبدائها وأشد، والغرض التستر.
وهذا يشمل كل ما يؤدي إلى الفتنة والفساد كتحريك الأيدي بالأساور، وتحريك الجلاجل (المقصات) في الشعر، والتعطر والتطيب والزخرفة عند الخروج من البيت، فيشم الرجال طيبها، ويفتتنون بزخارفها؛
روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
«كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت، فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا» يعني زانية.
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل من الجنابة». واللام في قوله: ﴿لِيُعْلَمَ﴾ لام العاقبة أو الصيرورة، فهي منهية عن الضرب بالأرجل أمام الرجال الأجانب مطلقا، سواء قصدت إعلامهم أم لم تقصد، فإن عاقبة الضرب بالأرجل ذات الخلاخل، ومثلها (الأحذية الحالية ذات الكعاب العالية) أن يعلم الناس ما يخفين من الزينة، فتقع الفتنة بها.
стр. 5486
واستدل الحنفية بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة، فإنها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى.
والظاهر أن صوت المرأة ليس بعورة إن أمنت الفتنة، بدليل أن نساء النبي ﷺ كن يروين الأخبار للرجال الأجانب.
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي ارجعوا إلى طاعة الله والإنابة إليه أيها المؤمنون جميعا، وافعلوا ما أمركم به من هذه الصفات والأخلاق الحميدة، واتركوا ما نهاكم عنه من غض البصر وحفظ الفرج والدخول إلى بيوت الآخرين بلا استئذان وما كان عليه الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، تفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة. وخوطبوا بصفة الإيمان للتنبيه على أن الإيمان الصحيح هو الذي يحمل صاحبه على الامتثال وعلى التوبة والاستغفار من الهفوات والزلات، فإن التوبة سبب الفلاح والفوز بالسعادة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - وجوب غض البصر من الرجال والنساء عما لا يحل من جميع المحرّمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله؛ لأن البصر مفتاح الوقوع في المنكرات، وشغل القلب بالهواجس، وتحريك النفس بالوساوس، وبريد السقوط في الفتنة أو الزنى، ومنشأ الفساد والفجور.
٢ - وجوب حفظ الفروج أي سترها عن أن يراها من لا يحل، وحفظها من التلوث بالفاحشة كالزنى واللواط، واللمس والمفاخذة والسحاق.
٣ - تحريم الدخول إلى الحمام بغير مئزر، قال ابن عمر: أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمّام في خلوة، أي في وقت لا يوجد فيه الناس أو قلة الناس.
стр. 5487
وذكر الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
«اتقوا بيتا يقال له الحمّام، قيل: يا رسول الله، إنه يذهب به الوسخ ويذكّر النار، فقال: إن كنتم لا بد فاعلين فأدخلوه مستترين».
٤ - إن غض البصر وحفظ الفرج أطهر في الدين، وأبعد من دنس الذنوب، والله مطّلع عالم بأفعال العباد ونيات القلوب وهمسات الألسن، واستراق السمع والبصر، وبكل شيء، لا تخفى عليه خافية، ويجازي على ذلك كله.
٥ - العورات أربعة أقسام:
أ-عورة الرجل مع الرجل: يجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا ما بين السرة والركبة، وهما ليستا بعورة، وعند أبي حنيفة ﵀: الركبة عورة.
وقال مالك: الفخذ ليست بعورة أي في الصلاة لا في النظر، والدليل على أنها عورة ما
روي عن حذيفة «أن النبي ﷺ مرّ به في المسجد، وهو كاشف عن فخذه، فقال ﷺ فيما رواه الحاكم عن محمد بن عبد الله بن جحش: غطّ فخذك، فإن الفخذ عورة»
وقال لعلي ﵁ فيما رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم عن علي: «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت». أما الأمرد فلا يحل النظر إليه.
ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش؛
لما روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: «لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد».
وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة. وتستحب المصافحة لما
روى أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أيلتزمه ويقبّله؟ قال: «لا»، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: «نعم».
стр. 5488
ب-وعورة المرأة مع المرأة: كعورة الرجل مع الرجل، لها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز، ولا تجوز المضاجعة.
والأصح أن المرأة الذمية (غير المسلمة) لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة؛ لأنها أجنبية في الدين، والله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ وليست الذمية من نسائنا.
ج -وعورة المرأة مع الرجل: إن كانت أجنبية عنه فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين؛ لحاجتها لذلك في البيع والشراء. ولا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض، وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، للآية: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾.
وأجاز أبو حنيفة النظر مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة. ولا يجوز أن يكرر النظر إليها،
للحديث المتقدم: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة».
ويجوز النظر للخطبة،
لقوله ﷺ فيما أخرجه ابن حبان والطبراني عن أبي حميد الساعدي: «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم» ويجوز النظر عند البيع ليعرفها عند الحاجة، وكذلك يجوز عند تحمل الشهادة النظر إلى الوجه؛ لأن المعرفة تحصل به. أما النظر للشهوة فهو محظور؛
لقوله ﷺ فيما أخرجه أحمد والطبراني عن ابن مسعود: «العينان تزنيان».
كذلك يجوز للطبيب الأمين أن ينظر للمرأة للمعالجة، ويجوز للختّان أن ينظر إلى فرج المختون؛ لأنه موضع ضرورة، ويجوز تعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنى، وإلى فرج المرأة لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع. ويصح النظر لبدن المرأة للإنقاذ من غرق أو حرق وتخليصها منه.
стр. 5489
وأما إذا كانت المرأة ذات محرم من الرجل بنسب أو رضاع أو مصاهرة فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل. وقال جماعة منهم أبو حنيفة:
بل عورتها معه: ما لا يبدو عند المهنة.
وأما إذا كانت المرأة زوجة: فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها، حتى إلى فرجها، غير أنه يكره النظر إلى الفرج.
د-وعورة الرجل مع المرأة: إن كان أجنبيا منها فعورته معها ما بين السرة والركبة. وقيل: جمع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه، والأول أصح بخلاف المرأة في حق الرجل؛ لأن بدن المرأة في ذاته عورة، بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه. ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرار النظر إلى وجهه،
للحديث السابق: «احتجبا منه» أي عن ابن أم مكتوم، وإن كان أعمى.
وإن كان زوجا فلها أن تنظر إلى جميع بدنه، غير أنه يكره النظر إلى الفرج، كما يكره له أيضا.
ولا يجوز للرجل أن يجلس عاريا في بيت خال، وله ما يستر عورته؛ لأنه
روي أنه ﷺ سئل عنه، فقال فيما رواه البخاري والترمذي وابن ماجه: «الله أحق أن يستحيي منه»
وقال فيما أخرجه الترمذي عن ابن عمر: «إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله» (١).
٦ - أمر الله تعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا الوجه والكفين حذرا من الافتتان، والزينة نوعان: ظاهر وباطن، أما الظاهر فمباح لكل الناس من المحارم والأجانب. وأما الباطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سمّاهم الله تعالى في هذه الآية.
стр. 5490
أما السّوار: فقالت عائشة: هو من الزينة الظاهرة؛ لأنه في اليدين.
وقال مجاهد: هو من الزينة الباطنة؛ لأنه خارج عن الكفين، وإنما يكون في الذراع. وأما الخضاب فهو-في رأي ابن العربي-من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين.
٧ - يجب على المرأة ستر شعرها وعنقها ومقدم صدرها، لقوله تعالى:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها. روى البخاري عن عائشة قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أزرهن فاختمرن بها.
٨ - استثنى الله تعالى من الرجال الذين لا يجوز للمرأة إبداء زينتها لهم المحارم ومن في حكمهم وهم الأزواج، وآباءهن وكذا الأجداد، سواء من جهة الأب أو الأم، وأبناء الأزواج ذكورا وإناثا، والإخوة الأشقاء أو لأب أو لأم، وأبناء الإخوة كذلك. ويلحق بهم الأعمام والأخوال، وهؤلاء هم الأقارب من جهة النسب، ومثلهم الأقارب من جهة الرضاع، وجميع هؤلاء يسمون المحارم.
ومن الاستثناء: النساء والمماليك العبيد والإماء المسلمات والكتابيات، في رأي الأكثرين، وقيل: الإماء فقط، والتابعون غير أولي الإربة وهم المسنون الضّعفة أو البله، أو العنّين أو الممسوح، وهم في المعنى متقاربون، والأطفال الذين لم يفهموا شيئا عن عورات النساء، ولم يظهر فيهم الميل الجنسي لصغر سنهم.
٩ - يحرم على المرأة فعل ما شأنه الإيقاع في الفتنة والفساد والتبرج والتعرض للرجال، كالضرب بالنعال، والتعطر والتزين عند الخروج من البيت. فإن ضربت المرأة بنعلها فرحا بحليها فهو مكروه كما ذكر القرطبي.
١٠ - التوبة على المؤمنين والمؤمنات واجبة وفرض متعين بلا خلاف بين
стр. 5491
الأمة، فإن كل إنسان محتاج إلى التوبة؛ لأنه لا يخلو من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تترك التوبة في كل حال، ويلزم تجديد التوبة كلما تذكر الإنسان ذنبه؛ لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه.
أخرج أحمد والبخاري والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة».
وشروط التوبة أربعة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما مضى، والعزم على ألا يعود إليه، ورد الحقوق إلى أهلها.
الحكم الثامن والتاسع والعاشر
زواج الأحرار ومكاتبة الأرقاء والإكراه على الزنى
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾
стр. 5492
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: فيما يتلى عليكم الذين يبتغون الكتاب. أو ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ هو الخبر، ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط.
المفردات اللغوية:
﴿الْأَيامى﴾ جمع أيّم: وهي من الحرائر كل من ليس لها زوج، بكرا كانت أو ثيبا، وكل من ليس له زوج من الأحرار ﴿وَالصّالِحِينَ﴾ للزواج والقيام بحقوقه ﴿مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ عباد: جمع عبد، وإماء: جمع أمة وهي الرقيقة ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي غني ذو سعة لا تنفذ نعمته إذ لا تنتهي قدرته ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه يبسط الرزق ويقدر على مقتضى حكمته.
﴿لْيَسْتَعْفِفِ﴾ ليجتهد في العفة ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحاً﴾ لا يتمكنون من مؤن النكاح وأسبابه المالية من مهر ونفقة، ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يوسع عليهم من فضله، فيجدون ما يتزوجون به ﴿الْكِتابَ﴾ المكاتبة: وهي أن يقول السيد لمملوكه:
كاتبتك على كذا من الأقساط، فإن أديتها فأنت حر، فهي عقد بين المالك وعبده على أن يؤدي مالا لسيده، فيعتق، أو هي إعتاق المملوك بعد أداء شيء من المال مقسطا ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ الأمر فيه للندب عند أكثر العلماء ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي أمانة وقدرة على الكسب والاحتراف لأداء مال الكتابة، وقيل: صلاحا في الدين ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمر للسادة بإعطاء المكاتبين شيئا من المال للاستعانة به في أداء ما التزموه لكم، أو حط شيء من مال الكتابة، وهو للوجوب عند الأكثر، ويكفي أقل ما يتمول. وقيل: ندب لهم إلى الإنفاق عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. وقيل:
أمر لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهما من الزكاة، ويحل للمولى السيد وإن كان غنيا؛ لأنه لا يأخذه صدقة كالدائن والمشتري.
﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ لا تكرهوا إماءكم على الزنى ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ تعففا عنه، وهذا شرط للإكراه فإنه لا يوجد دونه، وإن جعل شرطا للنهي بقوله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا﴾ فلا مفهوم للشرط، أي لا يلزم من عدم إرادة التحصن جواز الإكراه، فهو حرام مطلقا. نزلت في عبد الله بن أبي كان له ست جوار يكرههن على الكسب بالزنى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور لهن رحيم بهن، والإكراه لا ينافي المؤاخذة، فلا يقال: إن المكرهة غير آثمة، فلا حاجة إلى المغفرة، ولذا حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص عند جماعة كالشافعية. ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي لتطلبوا بالإكراه الكسب.
стр. 5493
﴿مُبَيِّناتٍ﴾ مفصّلات ما تحتاجون إلى بيانه من الأحكام والحدود والآداب. وعلى قراءة فتح الباء يكون المعنى: مبيّن فيها ما ذكر ﴿وَمَثَلاً﴾ أي قصة عجيبة وهي قصة عائشة ويوسف ومريم ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي ومثلا من أمثال من قبلكم، أي من جنس أمثالهم وأخبارهم العجيبة، كقصة يوسف ومريم ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي عظة يوعظ بها المتقون، وتخصيصهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بالعظة.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٣):
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾: أخرج ابن السكن أنها نزلت في غلام لحو يطب بن عبد العزّى يقال له: صبيح، سأله مولاه (عبده) أن يكاتبه، فأبى عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكاتبه حو يطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب.
نزول آية: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾:
أخرج مسلم وأبو داود عن جابر ﵁ أنه كان لعبد الله بن أبي جاريتان: مسيكة وأميمة، فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ الآية.
وقال مقاتل: كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبي رأس النفاق ست جوار: معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فجاءت إحداهن ذات يوم بدينار، وجاءت أخرى بدونه، فقال لهما: ارجعا فازنيا، فقالتا: والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرّم الزنى، فأتتا رسول الله ﷺ وشكتا إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 5494
المناسبة:
بعد أن نهى الله تعالى عما لا يحل مما يفضي إلى السفاح أو الزنى المؤدي إلى اختلاط الأنساب كغض البصر وحفظ الفروج، أعقبه ببيان طريق الحل وهو الزواج الحافظ للأنساب وبقاء النوع الإنساني وترابط الأسرة ودوام الألفة وحسن تربية الأولاد، فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ والخطاب للأولياء والسادة.
التفسير والبيان:
موضوع الآيات بيان طائفة من الأحكام والأوامر، أولها الأمر بالتزويج.
الحكم الثامن-ما يتعلق بالزواج:
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ أي زوجوا أيها الأولياء والسادة أو أيتها الأمة جميعا بالتعاون وإزالة العوائق من لا زوج له من الرجال والنساء الأحرار والحرائر، ومن فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم وقدرة على القيام بحقوق الزوجية وساعدوهم على الزواج بالإمداد بالمال، وعدم الإعاقة من التزويج، وتسهيل الوسائل المؤدية إليه. والصحيح أن الخطاب للأولياء، وقيل: للأزواج.
وظاهر الأمر في رأي الجمهور للندب والاستحباب والاستحسان؛ لأنه كان في عصر النبي ﷺ وسائر العصور بعده أيامى من الرجال والنساء، ولم ينكر أحد عليهم، ولأنه ليس للولي إجبار الأيم الثيب لو أبت التزوج، ولاتفاق العلماء على أنه لا يجبر السيد على تزويج عبده وأمته.
وذهبت طائفة من العلماء كالرازي إلى أن ظاهر الأمر هنا للوجوب على كل من قدر عليه،
لخبر الصحيحين عن ابن مسعود: «يا معشر الشباب من استطاع
стр. 5495
منكم الباءة-مؤن الزواج-فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». ولما
جاء في السنن أن رسول الله ﷺ قال فيما رواه أبو داود والنسائي عن معقل بن يسار: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم». ورتبوا على القول بالوجوب ألا يجوز النكاح إلا بولي.
والمراد بالصلاح: معناه الشرعي وهو مراعاة أوامر الدين ونواهيه. وقيل:
المراد به المعنى اللغوي وهو أهلية النكاح والقيام بحقوقه. والعباد كالعبيد: جمع عبد وهو الذكر من الأرقاء. والإماء جمع أمة، وهي الأنثى الرقيقة. وقوله ﴿وَالصّالِحِينَ﴾ بتغليب الذكور على الإناث، واعتبر الصلاح في جانب الأرقاء دون الأيامى الأحرار والحرائر؛ لأنه عنصر مشجع على التغاضي من قبل السيد عن منافع العبيد والإماء، فلا يدفعهم إلى التزويج إلا استقامة هؤلاء المماليك وصلاحهم أو ظن قيامهم بحقوق الزوجية.
واستدل الإمام الشافعي ﵀ بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ على جواز تزويج الولي البكر البالغة بدون رضاها؛ لأن الخطاب في الآية للأولياء، فهم المأمورون بالتزويج لمن لهم الولاية عليهم، سواء كانت المولية كبيرة أم صغيرة، وسواء رضيت أم لم ترض. ولولا وجود أدلة أخرى من السنة على أنه لا يزوج الولي الثيب الكبيرة بغير رضاها، لكان حكمها حكم البكر الكبيرة، لعموم الآية. لكن
قوله ﷺ فيما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس: «البكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها» يدل على وجوب استئذانها واعتبار رضاها، فكان ذلك مخصصا للآية.
واستدل الشافعية بالآية على أن المرأة لا تلي عقد الزواج؛ لأن المأمور بتزويجها وليها، لكن الأولى حمل الخطاب في الآية على أنه خطاب للناس جميعا بندبهم إلى المساعدة في التزويج، فيؤخذ حكم مباشرة العقد من غير هذه الآية.
واستدل بعض الحنفية بظاهر الآية: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ على أنه يجوز للحر أن
стр. 5496
يتزوج بالأمة، ولو كان مستطيعا مهر الحرة. ورد الشافعية بأن قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ -مهرا- ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] أخص من هذه الآية، والخاص مقدم على العام. كما أن العلماء أجمعوا على أن عموم الأيامى في الآية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى﴾ مقيد بشروط: ألا تكون المرأة محرما للزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة كالجمع بين الأختين ونحوهما كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت.
واستدل العلماء بقوله تعالى: ﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ﴾ على أمرين:
الأول-أنه يجوز للمولى أن يزوج عبده وأمته بدون رضاهما.
والثاني-أنه لا يجوز للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن السيد، منعا من تفويت استعمال حقه، ويؤيده
قوله ﷺ فيما أخرجه أحمد: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه، فهو زان».
ثم أزال الله تعالى التعلل بعدم وجدان المال فقال:
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ هذا وعد بالغنى للمتزوج، فلا تنظروا إلى مشكلة الفقر، سواء فقر الخاطب أو المخطوبة، ففي فضل الله ما يغنيهم، والله غني ذو سعة، لا تنفد خزائنه، ولا حد لقدرته، عليم بأحوال خلقه، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر على وفق الحكمة والمصلحة.
روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله». وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. إلا أن إغناء المتزوج مشروط بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩] وقوله هنا: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يعلم المصلحة فيعطي بالحكمة.
стр. 5497
وضمير ﴿إِنْ يَكُونُوا﴾ راجع إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء، فيكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة. وقيل: إنه يرجع إلى الأيامى الأحرار والحرائر فقط؛ لأن المراد بالإغناء في قوله تعالى:
﴿يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هو تمليك ما يحصل به الغنى، والأرقاء لا يملكون.
واستدل بعض العلماء بالآية على عدم جواز فسخ الزواج بالعجز عن النفقة؛ لأن الله تعالى لم يجعل الفقر مانعا من التزويج في ابتداء الأمر، فلا يمنع استدامة الزواج بالأولى. وعلى كل حال فإن المقصود بالآية أنه يندب ألا يرد الخاطب الفقير ثقة بما عند الله، كذلك يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر.
ويفهم من الآية أنه يندب للفقير أن يتزوج ولو لم يجد مؤن الزواج؛ لأنه إذا ندب الولي إلى تزويج الفقير، ندب الفقير نفسه إلى الزواج.
وبعد الأمر بتزويج الحرائر والإماء أغنياء أو فقراء، وضع القرآن العلاج لحال العاجز عن وسائل الزواج، ولم يجد أحدا يزوجه، فقال تعالى:
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي وليجتهد في العفة وصون النفس من لا يتمكن من نفقات الزواج، ويكون المراد بالنكاح حقيقته الشرعية، وبالوجدان التمكن منه، ويجوز أن يراد بالنكاح هنا ما ينكح به، كركاب الذي هو اسم آلة لما يركب به. والمراد بالآية توجيه العاجزين عما يتزوجون به أن يجتهدوا في التزام جانب العفة عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم الله من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون، فالتعفف عن الحرام واجب المؤمن، وفي الآية وعد كريم من الله بالتفضل عليهم بالغنى، فلا ييأسوا ولا يقلقوا.
جاء في الحديث الصحيح المتقدم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه
стр. 5498
بالصوم، فإنه له وجاء» والباءة: مؤن الزواج من مهر ونفقة وغيرها.
واستدل بعض العلماء بالآية على أنه يندب ترك الزواج لمن لا يملك أهبته مع التوقان، وحينئذ يكون هناك تعارض مع الآية السابقة التي تندب إلى الزواج، فقال الشافعية: هذه الآية مخصصة للآية السابقة، أي أن تلك الآية في الفقراء الذين يملكون أهبة الزواج، وهذه الآية في الفقراء العاجزين عن أهبة الزواج.
ويرى الحنفية تأويل هذه الآية، وأن النكاح أي المنكوحة ككتاب بمعنى مكتوب، ويكون الأمر بالاستعفاف هنا محمولا على من لم يجد زوجة له، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين، لكن قوله تعالى: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يجعل هذا التأويل بعيدا.
الحكم التاسع-مكاتبة الأرقاء:
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي والمماليك الذين يطلبون من سادتهم المكاتبة على أداء مال معين في مدة معينة، فاعقدوا معهم عقد الكتابة إذا كانوا من أهل الصلاح والتقوى، والأمانة، والقدرة على الكسب وأداء المال المشروط لسيده. وقد فسر الخير بتفسيرات قيل:
إنه الأمانة والقدرة على الكسب، وهو تفسير ابن عباس والشافعي. وقيل: إنه الحرفة، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود في المراسيل والبيهقي في السنن: «إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاّ على الناس»، وقيل: إنه المال، وهو مروي عن علي وجماعة، وقيل: إنه الصلاح والإيمان وهو تفسير الحسن البصري، وهذا يقتضي ألا يكاتب غير المسلم، وفيه تشدد.
والجمهور على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ للإرشاد والندب والاستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه،
لقوله ﷺ فيما أخرجه أحمد وأبو داود: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» وكما لا يجب عليه بيعه
стр. 5499
ممن يعتقه في الكفارة ولا يجبر، لا تجب عليه الكتابة ولا يجبر عليها، فالعقود كلها تقوم على التراضي.
وقال داود الظاهري وجماعة من التابعين: الأمر للوجوب، لما رواه البخاري تعليقا وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال:
سألني سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب ﵁، فأقبل علي بالدّرّة، وتلا قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ فكاتبه.
ويجوز عملا بظاهر إطلاق الآية ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أن يكون البدل حالا أو مؤجلا بقسط واحد أو أكثر، وهو مذهب الحنفية وأصحاب مالك. ومنع الشافعية الكتابة على بدل حال؛ لأن الكتابة تشعر بالتنجيم (التقسيط) ولأن المكاتب عاجز عن الأداء في الحال، فيرد إلى الرق، ولا يحصل مقصود الكتابة.
كذلك منعوا الكتابة على أقل من نجمين (قسطين) لأنه عقد إرفاق وتعاون، ومن تمام الإرفاق التنجيم. وهذا خلاف ظاهر الآية.
والكتابة مشروطة في الآية بظن الخير في المكاتب، فإن لم يعلم فيه الخير، لم تجب ولم تندب، بل ربما تكون الكتابة محرمة، كما إذا علمنا أن المكاتب يكتسب بطريق الفسق، أو الموت جوعا. كما تحرم الصدقة والقرض لمن يصرفهما في محرّم.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أي أعطوهم أيها السادة شيئا من مال الكتابة كالربع أو الثلث أو السبع أو العشر، وكل ذلك مروي عن التابعين، أو أقل متمول كما قال الشافعي. وحط شيء من مال الكتابة أولى من الإيتاء؛ لأنه المأثور عن الصحابة. والإيتاء عند الجمهور مندوب للمساعدة والخلاص، وذهب الشافعي إلى أن الإيتاء واجب، وفي معناه الحط، عملا بظاهر الآية.
وقال جماعة من العلماء: إن الأمر متوجه إلى الناس كافة من سهم الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي في تحرير الرقاب، وهو مذهب الحنفية،
стр. 5500
والأمر حينئذ للوجوب. ويؤيده
الحديث المتقدم عن أبي هريرة: «ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله». قال ابن كثير: والقول الأول أشهر، أي جعل الخطاب للسادة، لا لجماعة المسلمين؛ لأن الخطاب في الزكاة فرض متعين، والآية هنا تضيف على الزكاة مطلبا آخر على السادة.
الحكم العاشر-الإكراه على البغاء:
نهى الله تعالى المؤمنين عن جمع المال من طرق حرام فقال: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي لا تجبروا إماءكم على الزنى، سواء أردن التعفف عنه أو لا، طلبا لعروض الدنيا المادية من مال وولد وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ شرط لحدوث الإكراه وقيد لبيان الواقع الذي بسببه نزلت الآية، بدليل ما أخرجه ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى ليأخذوا أجورهن، فنهوا عن ذلك في الإسلام ونزلت الآية، وكذلك بينا في سبب النزول أن عبد الله بن أبي كان له جوار يكرههن على الزنى كسبا للمال.
فالتقييد بقيدي إرادة التحصن وابتغاء عرض الحياة الدنيا لا مفهوم له، ويحرم الإكراه مطلقا سواء وجد هذان القيدان أم لا، وإنما جاء ذلك بقصد النص على عادة أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فنص على ذلك للتشنيع، ثم إن قيد إرادة التحصن شرط في تصور الإكراه وتحققه وليس شرطا للنهي، لكن في الحقيقة ذكر الإكراه مغن عن هذا القيد، فيتصور بإكراه غير التي تريد الزنى، ثم حدث الإجماع على تحريم الإكراه على الزنى عند عدم إرادتهن التحصن أو إرادة التحصن والتعفف.
والتعبير بإن في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ بدل «إذا» للإشعار