يتزوج بالأمة، ولو كان مستطيعا مهر الحرة. ورد الشافعية بأن قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ -مهرا- ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ﴾ [النساء ٢٥/ ٤] أخص من هذه الآية، والخاص مقدم على العام. كما أن العلماء أجمعوا على أن عموم الأيامى في الآية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى﴾ مقيد بشروط: ألا تكون المرأة محرما للزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة كالجمع بين الأختين ونحوهما كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت.
واستدل العلماء بقوله تعالى: ﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ﴾ على أمرين:
الأول-أنه يجوز للمولى أن يزوج عبده وأمته بدون رضاهما.
والثاني-أنه لا يجوز للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن السيد، منعا من تفويت استعمال حقه، ويؤيده
قوله ﷺ فيما أخرجه أحمد: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه، فهو زان».
ثم أزال الله تعالى التعلل بعدم وجدان المال فقال:
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ هذا وعد بالغنى للمتزوج، فلا تنظروا إلى مشكلة الفقر، سواء فقر الخاطب أو المخطوبة، ففي فضل الله ما يغنيهم، والله غني ذو سعة، لا تنفد خزائنه، ولا حد لقدرته، عليم بأحوال خلقه، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر على وفق الحكمة والمصلحة.
روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله». وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. إلا أن إغناء المتزوج مشروط بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩] وقوله هنا: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يعلم المصلحة فيعطي بالحكمة.
стр. 5497
وضمير ﴿إِنْ يَكُونُوا﴾ راجع إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء، فيكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة. وقيل: إنه يرجع إلى الأيامى الأحرار والحرائر فقط؛ لأن المراد بالإغناء في قوله تعالى:
﴿يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هو تمليك ما يحصل به الغنى، والأرقاء لا يملكون.
واستدل بعض العلماء بالآية على عدم جواز فسخ الزواج بالعجز عن النفقة؛ لأن الله تعالى لم يجعل الفقر مانعا من التزويج في ابتداء الأمر، فلا يمنع استدامة الزواج بالأولى. وعلى كل حال فإن المقصود بالآية أنه يندب ألا يرد الخاطب الفقير ثقة بما عند الله، كذلك يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر.
ويفهم من الآية أنه يندب للفقير أن يتزوج ولو لم يجد مؤن الزواج؛ لأنه إذا ندب الولي إلى تزويج الفقير، ندب الفقير نفسه إلى الزواج.
وبعد الأمر بتزويج الحرائر والإماء أغنياء أو فقراء، وضع القرآن العلاج لحال العاجز عن وسائل الزواج، ولم يجد أحدا يزوجه، فقال تعالى:
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي وليجتهد في العفة وصون النفس من لا يتمكن من نفقات الزواج، ويكون المراد بالنكاح حقيقته الشرعية، وبالوجدان التمكن منه، ويجوز أن يراد بالنكاح هنا ما ينكح به، كركاب الذي هو اسم آلة لما يركب به. والمراد بالآية توجيه العاجزين عما يتزوجون به أن يجتهدوا في التزام جانب العفة عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم الله من سعته، ويرزقهم ما به يتزوجون، فالتعفف عن الحرام واجب المؤمن، وفي الآية وعد كريم من الله بالتفضل عليهم بالغنى، فلا ييأسوا ولا يقلقوا.
جاء في الحديث الصحيح المتقدم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه
стр. 5498
بالصوم، فإنه له وجاء» والباءة: مؤن الزواج من مهر ونفقة وغيرها.
واستدل بعض العلماء بالآية على أنه يندب ترك الزواج لمن لا يملك أهبته مع التوقان، وحينئذ يكون هناك تعارض مع الآية السابقة التي تندب إلى الزواج، فقال الشافعية: هذه الآية مخصصة للآية السابقة، أي أن تلك الآية في الفقراء الذين يملكون أهبة الزواج، وهذه الآية في الفقراء العاجزين عن أهبة الزواج.
ويرى الحنفية تأويل هذه الآية، وأن النكاح أي المنكوحة ككتاب بمعنى مكتوب، ويكون الأمر بالاستعفاف هنا محمولا على من لم يجد زوجة له، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين، لكن قوله تعالى: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يجعل هذا التأويل بعيدا.
الحكم التاسع-مكاتبة الأرقاء:
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي والمماليك الذين يطلبون من سادتهم المكاتبة على أداء مال معين في مدة معينة، فاعقدوا معهم عقد الكتابة إذا كانوا من أهل الصلاح والتقوى، والأمانة، والقدرة على الكسب وأداء المال المشروط لسيده. وقد فسر الخير بتفسيرات قيل:
إنه الأمانة والقدرة على الكسب، وهو تفسير ابن عباس والشافعي. وقيل: إنه الحرفة، وفي ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود في المراسيل والبيهقي في السنن: «إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاّ على الناس»، وقيل: إنه المال، وهو مروي عن علي وجماعة، وقيل: إنه الصلاح والإيمان وهو تفسير الحسن البصري، وهذا يقتضي ألا يكاتب غير المسلم، وفيه تشدد.
والجمهور على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ للإرشاد والندب والاستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه،
لقوله ﷺ فيما أخرجه أحمد وأبو داود: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» وكما لا يجب عليه بيعه
стр. 5499
ممن يعتقه في الكفارة ولا يجبر، لا تجب عليه الكتابة ولا يجبر عليها، فالعقود كلها تقوم على التراضي.
وقال داود الظاهري وجماعة من التابعين: الأمر للوجوب، لما رواه البخاري تعليقا وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال:
سألني سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب ﵁، فأقبل علي بالدّرّة، وتلا قوله تعالى: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ فكاتبه.
ويجوز عملا بظاهر إطلاق الآية ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ أن يكون البدل حالا أو مؤجلا بقسط واحد أو أكثر، وهو مذهب الحنفية وأصحاب مالك. ومنع الشافعية الكتابة على بدل حال؛ لأن الكتابة تشعر بالتنجيم (التقسيط) ولأن المكاتب عاجز عن الأداء في الحال، فيرد إلى الرق، ولا يحصل مقصود الكتابة.
كذلك منعوا الكتابة على أقل من نجمين (قسطين) لأنه عقد إرفاق وتعاون، ومن تمام الإرفاق التنجيم. وهذا خلاف ظاهر الآية.
والكتابة مشروطة في الآية بظن الخير في المكاتب، فإن لم يعلم فيه الخير، لم تجب ولم تندب، بل ربما تكون الكتابة محرمة، كما إذا علمنا أن المكاتب يكتسب بطريق الفسق، أو الموت جوعا. كما تحرم الصدقة والقرض لمن يصرفهما في محرّم.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أي أعطوهم أيها السادة شيئا من مال الكتابة كالربع أو الثلث أو السبع أو العشر، وكل ذلك مروي عن التابعين، أو أقل متمول كما قال الشافعي. وحط شيء من مال الكتابة أولى من الإيتاء؛ لأنه المأثور عن الصحابة. والإيتاء عند الجمهور مندوب للمساعدة والخلاص، وذهب الشافعي إلى أن الإيتاء واجب، وفي معناه الحط، عملا بظاهر الآية.
وقال جماعة من العلماء: إن الأمر متوجه إلى الناس كافة من سهم الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ أي في تحرير الرقاب، وهو مذهب الحنفية،
стр. 5500
والأمر حينئذ للوجوب. ويؤيده
الحديث المتقدم عن أبي هريرة: «ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله». قال ابن كثير: والقول الأول أشهر، أي جعل الخطاب للسادة، لا لجماعة المسلمين؛ لأن الخطاب في الزكاة فرض متعين، والآية هنا تضيف على الزكاة مطلبا آخر على السادة.
الحكم العاشر-الإكراه على البغاء:
نهى الله تعالى المؤمنين عن جمع المال من طرق حرام فقال: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي لا تجبروا إماءكم على الزنى، سواء أردن التعفف عنه أو لا، طلبا لعروض الدنيا المادية من مال وولد وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ شرط لحدوث الإكراه وقيد لبيان الواقع الذي بسببه نزلت الآية، بدليل ما أخرجه ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه أنهم كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى ليأخذوا أجورهن، فنهوا عن ذلك في الإسلام ونزلت الآية، وكذلك بينا في سبب النزول أن عبد الله بن أبي كان له جوار يكرههن على الزنى كسبا للمال.
فالتقييد بقيدي إرادة التحصن وابتغاء عرض الحياة الدنيا لا مفهوم له، ويحرم الإكراه مطلقا سواء وجد هذان القيدان أم لا، وإنما جاء ذلك بقصد النص على عادة أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فنص على ذلك للتشنيع، ثم إن قيد إرادة التحصن شرط في تصور الإكراه وتحققه وليس شرطا للنهي، لكن في الحقيقة ذكر الإكراه مغن عن هذا القيد، فيتصور بإكراه غير التي تريد الزنى، ثم حدث الإجماع على تحريم الإكراه على الزنى عند عدم إرادتهن التحصن أو إرادة التحصن والتعفف.
والتعبير بإن في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ بدل «إذا» للإشعار
стр. 5501
بوجوب الانتهاء عن الإكراه في حال التردد والشك بإرادة التحصن، فيكون تحريم الإكراه عند تحقق الوقوع أشد وأقبح وأولى.
﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي ومن يحدث منه الإجبار على البغاء للإماء فإن الله غفور لهن، رحيم بهن من بعد إكراههن.
وهذا يشعر أنه ولو حدث الزنى بالإكراه فهو ذنب وإثم، بدليل المغفرة، ولأن مثل هذا الفعل لا يخلو من مطاوعة.
وواضح أن المغفرة عائدة إلى المكرهات، وهو رأي أكثر العلماء، ويؤيده قراءة ابن مسعود: «من بعد إكراههن لهن غفور رحيم». وقال بعضهم: المغفرة عائدة إلى المكرهين بشرط التوبة، وهو فتح باب الأمل أمامهم، وهو تأويل ضعيف بعيد لأن فيه تهوين أمر الإكراه على الزنى، والحال حال تهويل وتشنيع على من أقدم على الإكراه.
وبعد تفصيل هذه الأحكام وبيانها ذكر الله تعالى فضائل هذه السورة، أو وصف القرآن بصفات ثلاث هي:
١ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أي أنزلنا في هذه السورة وغيرها آيات مفصّلات الأحكام والحدود والشرائع التي أنتم بحاجة إليها.
٢ - ﴿وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي وأنزلنا أيضا قصة عجيبة من مثل أخبار الأمم المتقدمة وهي قصة الإفك العجيبة المشابهة لقصة يوسف ومريم ﵉. فقوله: ﴿وَمَثَلاً﴾ أي ومثلا من أمثال من قبلكم أي قصة عجيبة من قصصهم، يعني قصة عائشة ﵂ كقصة يوسف ومريم ﵉.
٣ - ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي وأنزلنا مواعظ وزواجر لمن اتقى الله وخاف
стр. 5502
عذابه، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ [النور ٢/ ٢٤] وقوله : ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور ١٢/ ٢٤].
أي أن هذه الأوصاف إما لما في هذه السورة من أحكام ومواعظ وأمثال، وإما لجميع ما في القرآن من الآيات البينات والأمثال والمواعظ، والأول رأي الزمخشري، والثاني رأي الرازي وابن كثير.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات أحكاما رئيسة كبري ثلاثة هي ما يتعلق بالزواج، ومكاتبة الأرقاء، والإكراه على الزنى.
١ - أما ما يتعلق بالزواج: فقد ذكر الله تعالى حكم زواج القادرين على تكاليفه، والعاجزين عن أهبته.
أ-فإن كان الشخص قادرا على الزواج صحيا وماليا، فالله تعالى يأمر الأولياء بالتزويج، تحقيقا للعفة والستر والصلاح، فإن الزواج طريق التعفف.
والصحيح أن الخطاب للأولياء، لذا قال أكثر العلماء: في الآية دليل على أن المرأة ليس لها أن تزوج نفسها بغير ولي.
وقال أبو حنيفة: إذا زوجت المرأة نفسها ثيبا كانت أو بكرا بغير ولي من كفء لها جاز.
وحكم الزواج يختلف باختلاف حال الإنسان من خوف الوقوع في الزنى ومن عدم صبره، ومن قوته على الصبر وزوال خشية الزنى، فإن خاف الهلاك في الدّين أو الدنيا أو فيهما فالزواج حتم فرض، وإن لم يخش شيئا وكانت الحال معتدلة، فقال الشافعي: الزواج مباح، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: هو مستحب. دليل الرأي الأول: أن الزواج قضاء لذة، فكان مباحا كالأكل
стр. 5503
والشرب، ودليل الرأي الثاني
الحديث الصحيح المتفق عليه بين الشيخين وأحمد عن أنس: «من رغب عن سنتي فليس مني».
ونهى الحق تعالى عن الامتناع عن التزويج بسبب فقر الرجل والمرأة، ووعد بالغنى للمتزوجين الطالبين رضا الله والاعتصام من معاصيه، في قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. فإن وجد متزوج لا يستغني، فلا يخل بمعنى الآية، إذ لا يلزم من هذا دوام الغنى واستمراره، بل لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد، فالمال غاد ورائح، أو أن الغنى مرتبط بمشيئة الله تعالى، ويكون معنى الآية: يغنيهم الله من فضله إن شاء؛ كقوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦/ ١٣].
وهذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ دليل على تزويج الفقير، ولا يقول: كيف أتزوج وليس لي مال؛ فإن رزقه على الله. وقد زوّج النبي ﷺ المرأة التي أتته تهب له نفسها لمن ليس له إلا إزار واحد، وليس لها بعد ذلك فسخ الزواج بالإعسار؛ لأنها دخلت عليه. وليس في الآية دلالة على منع التفريق بسبب الإعسار بعد أن تزوجت المرأة موسرا، وإنما يفرّق بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠/ ٤]. كل ما في الأمر أن الآية وعد بالإغناء لمن تزوج فقيرا.
ب-وأما إن كان الشخص عاجزا عن تكاليف الزواج، فالله يأمره بالاجتهاد في التعفف، فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ..﴾. الخطاب لمن يملك أمر نفسه، لا لمن زمامه بيد غيره، فإنه يقوده إلى ما يراه، كالمحجور عليه.
والاستعفاف: طلب أن يكون عفيفا، والله يأمر بهذه الآية كل من تعذّر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه أن يستعفف.
ولما كان أغلب الموانع عن الزواج عدم المال وعد تعالى بالإغناء من فضله،
стр. 5504
فيرزقه ما يتزوج به، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق، أو تزول عنه شهوة النساء.
وقوله تعالى: ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحاً﴾ أي طول (مؤن) نكاح، فحذف المضاف. أو يراد به ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة، كاللّحاف: اسم لما يلتحف به، واللباس اسم لما يلبس، فعلى هذا لا حذف في الآية.
وعلى هذا من تاقت نفسه إلى الزواج إن وجد التكاليف المالية فالمستحب له أن يتزوج، وإن لم يجدها فعليه بالاستعفاف، فإن أمكن ولو بالصوم، فإن الصوم له وجاء، كما جاء في الخبر الصحيح. ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى.
٢ - وأما مكاتبة الأرقاء من عبيد وإماء فهي أمر مستحب شرعا؛ لأن الشرع يتشوف إلى تحرير الأنفس البشرية، وإذا تحرر الإنسان ملك نفسه، واستقل واكتسب وتزوج إذا أراد، فيكون الزواج أعف له. والكتابة: عقد بين السيد وعبده، وهي في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجّما عليه (مقسطا) فإذا أدّاه فهو حرّ.
وتطلب الكتابة إن علم السيد في المكاتب خيرا، أي دينا وصدقا وصلاحا، ووفاء بالمعاملة، وأمانة وقدرة على الاكتساب، وإلا لم تطلب. واختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له، فكرهه الأوزاعي وأحمد وإسحاق، ورخص فيه مالك وأبو حنيفة والشافعي.
وتكون الكتابة بقليل المال وكثيره، وعلى أنجم (أقساط) ولا خلاف في ذلك بين العلماء. وقال الشافعي: لا بدّ فيها من أجل، وأقلها ثلاثة أنجم، وقال الجمهور: تجوز ولو على نجم (قسط) واحد. ولا تجوز حالّة البتة عند الشافعي وتجوز عند الحنفية وأصحاب مالك.
стр. 5505
والمكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء؛
لقوله ﷺ فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم».
وهو متفق عليه بين المذاهب.
وإذا عجز المكاتب عن قسط، ولم يطالبه السيد، لا تنفسخ الكتابة ما داما على ذلك ثابتين.
وإذا أدى المكاتب ما التزم به عتق، ولا يحتاج إلى إعتاق السيد، ويعتق معه أولاده الذين ولدوا أثناء الكتابة، ولا يعتق الولد قبل الكتابة إلا بشرط.
وقد أمر الله السادة بإعانة المكاتبين في مال الكتابة؛ إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم، أو يحطّوا عنهم شيئا من مال الكتابة.
٣ - وأما الإكراه على الزنى أو الإجارة على الزنى: فهو حرام قطعا، سواء أرادت الفتاة ذلك أو امتنعت عنه، فلا فرق في حرمة هذا الإكراه بين حال إرادة التحصن (التعفف) أو حال عدم إرادته، كما لا فرق بين قصد الكسب الدنيوي والأولاد أو عدم قصده. وبالرغم من حرمة فعل المستكرهة فإن الله غفور للمكرهات رحيم بهن؛ فإن الإكراه أزال العقوبة الدنيوية، وهو عذر للمكرهة، أما المكره فلا عذر له فيما فعل. وما أشبه الأمس باليوم فإن المرأة أصبحت في عصرنا أداة للسياحة واستقطاب الزبائن والدعاية.
٤ - عدد الله تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ.﴾. على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات الواضحات، وفيها من أمثال الماضين للتحفظ عما وقعوا فيه، وهي أيضا موعظة وعبرة لمن اتقى الله وخاف عقابه.
стр. 5506
الله منوّر السموات والأرض بدلائل الإيمان وغيرها
﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾
الإعراب:
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ ﴿مَثَلُ﴾ مبتدأ، و ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ خبره، وهاء ﴿نُورِهِ﴾ إما عائدة على الله تعالى، أو على المؤمن، أو الإيمان في قلب المؤمن.
﴿دُرِّيٌّ﴾ صفة: ﴿كَوْكَبٌ﴾، وهو منسوب إلى الدّر، أو أصله (درّيء) بالهمز من الدرء، فقلبت الهمزة ياء، وأدغمت في الياء قبلها، والدرء: الدفع، ومعناه أنه يدفع الظلمة لتلألئه.
﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان.
البلاغة:
﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ﴾ ﴿نُورُ﴾ من إطلاق المصدر على اسم الفاعل للمبالغة، أي منوّر كل شيء، كأنه عين نوره. ومن فسر ذلك بأنه هادي أهل السموات والأرض ببراهينه وبيانه، فهو استعارة.
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ تشبيه تمثيلي، شبه نور الله الذي جعله في قلب المؤمن بالمصباح في كوة (طاقة) داخل زجاجة، تشبه الكوكب الدري في الصفاء والحسن، سمي تمثيليا لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿اللهُ نُورُ﴾ أي ذو نور يهدي به أهل السموات والأرض، أو منور السموات والأرض، من
стр. 5507
طريق المجاز. وأصل النور: ما به الإضاءة الحسية التي بها تبصر العين، ويطلق شرعا على ما به الاهتداء والإدراك، فأهل السموات والأرض أي العالم كله يهتدون بنوره. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة نوره العجيبة الشأن في قلب المؤمن ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ أي كوّة أو طاقة مسدودة غير نافذة من الخلف.
﴿مِصْباحٌ﴾ سراج. ﴿زُجاجَةٍ﴾ قنديل. ﴿كَأَنَّها﴾ أي الزجاجة والنور فيها ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ نجم مضيء. والدري: منسوب إلى الدر اللؤلؤ، أو من الدرء: أي الدفع لدفعه الظلام بسبب تلألئه. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي من زيت. ﴿لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي لا شرقية فقط تقع عليها الشمس أحيانا، ولا غربية فقط تتعرض للشمس أحيانا أخرى، وإنما هي موقع وسط تقع عليها الشمس طول النهار، وتتعرض للهواء المعتدل دون حرّ أو برد، فتكون ثمرتها أنضج وأطيب، وزينها أجود الزيوت وأصفاها.
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لصفائه وتلألئه وفرط وبيصه. ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ نور متضاعف، فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت، فهو نور فوق نور، اجتمع فيه نور السراج (المصباح) وبهاء الزجاجة، وصفاء الزيت، فاكتمل الإشعاع. ومعنى تشبيه نور الله بنور هذا المصباح لتقريب الأمر إلى الأذهان: هو تمثيل الهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها، وظهور مضمونها بالمشكاة المنعوتة بالأوصاف المذكورة.
أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث من مصباحها. ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يهدي الله لهذا النور الثاقب وهو دلالة الآيات أو دين الإسلام أو إيمان المؤمن من يشاء من عباده. ﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ يبين الله الأمثلة للناس، تقريبا لأفهامهم، وتصويرا للمعقول بالمحسوس توضيحا وبيانا، ليعتبروا فيؤمنوا. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا كان أو خفيا، وفيه وعد ووعيد، لمن تدبرها، ولمن لم يكترث بها.
المناسبة .
بعد بيان الشرائع والأحكام الجزئية العملية (أحكام الفقه) والأخلاق والآداب (علم الأخلاق) انتقل البيان الرباني إلى دائرة العقيدة والإيمان وهي الإلهيات، فذكر الله تعالى مثلين:
أحدهما:
بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، فتنوير العالم كله بالآيات الكونية والآيات المنزلة على رسوله دليل واضح قاطع على وجود الله تعالى ووحدانيته
стр. 5508
وقدرته وعلمه وسائر صفاته العليا، وهو أيضا هاد إلى صلاح الدنيا والآخرة.
الثاني:
بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء، وهو موضوع الآيات التالية بعدئذ.
التفسير والبيان:
﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي الله منور العالم كله وهاديه بما أقام فيه من أدلة في الكون على وجوده وتوحيده، وبما أنزل على رسله من الآيات البينات الواضحات، فمن اهتدى بذلك النور واستنار قلبه بهداية الله فاز بسعادة الدنيا والآخرة. وهذا هو النور المعنوي. أما النور الحسي فواضح أيضا أن الله هو مصدر النور، وخالق النور، وما حي الظلام، ومدبر الكون بنظام دقيق ثابت، وله عليه الهيمنة التامة والشاملة والمستمرة في كل لحظة وزمان.
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أي شبيه هذا النور وهو نور الله القائم في صفحة الكون وبيان القرآن وما أودعه في قلب المؤمن من الإيمان كنور مصباح في قنديل زجاجي صاف مزهر، موضوع في مشكاة (كوّة أو طاقة) لينبعث النور في اتجاه معين تقتضيه الحاجة، وكأن زجاج هذا المصباح (السراج أو القنديل) في إضاءته كوكب عظيم ونجم ضخم من الكواكب السيارة مثل الزّهرة وعطارد والمشتري.
والظاهر أن الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ عائد إلى الله ، في تنويره الكون، وهدايته قلب المؤمن.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي أن زيت المصباح يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة كثيرة المنافع، زرعت في جبل
стр. 5509
عال أو في صحراء، ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها فقط، أو غروبها فقط، بسبب ظل حاجت للشمس فيما عدا ذلك، بل هي في مكان وسط تتعرض للشمس حالتي الطلوع والغروب ومن أول النهار إلى آخره، فهي شرقية غربية تصيبها الشمس بالغداة والعشي، فيجيء زيتها صافيا معتدلا مشرقا.
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي أن زيتها لصفائه وبريقه وإشراقه كأنه يضيء بنفسه، قبل إضاءته ومسّ النار له؛ لأن الزيت إذا كان خالصا صافيا، ثم رئي من بعيد، يرى كأن له شعاعا، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم، ازداد نورا على نور، وهدى على هدى. قال يحيى بن سلام: قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبيّن له، لموافقته له، وهو المراد من
قوله ﷺ فيما رواه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي سعيد الخدري: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» (١).
﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ أي هو نور مترادف متضاعف، قد اجتمعت فيه المشكاة (الطاقة) والزجاجة والمصباح والزيت، لجعل النور قويا مشعا لا مجال لأي تقوية أخرى فيه، فالمشكاة تحصر النور في اتجاه واحد غير مشتت ولا موزع، وبهاء الزجاجة يزيد الإنارة والتلألؤ وانعكاس الضوء، والقنديل مصدر الطاقة الإشعاعية الكافية التي لا تتوافر فيما سواه، وصفاء الزيت ونقاؤه من أهم عوامل الاحتراق الكامل وتوافر الإضاءة الكاملة.
﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يرشد الله إلى هدايته ويوفق من يختاره من عباده، بالنظر وإعمال الفكر وتدبر آي الكون.
﴿وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أي يبين الله تعالى للمكلفين من الناس دلائل الإيمان ووسائل الهداية، ويبصرهم بما خفي عليهم من أمور الحق في صور
стр. 5510
مختلفة، بضرب الأمثال، وعقد التشبيهات، وتصوير المعاني بصور المحسوسات المألوفة، لترسيخها في الأذهان، وتثبيتها في أعماق الفؤاد والنفس، فيصير الإيمان راسخا في القلب كالجبال الراسيات. وهذا من مزايا القرآن البلاغية الرائعة أنه يصور المعقولات والمعاني بصور الماديات والمحسوسات.
﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي والله عالم علما تاما شاملا بجميع الأشياء المعقولة والحسية، الباطنة والظاهرة، يمنح الهداية لمن كان أهلا لها، مستعدا لتلقيها. وهذا وعد لمن أعمل فكره ووعى وسائل الهداية، ووعيد لمن أعرض، فلم يتدبر ولم يتفكر فيها، ولم يكترث بها.
والخلاصة: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن، فكما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسّته ازداد ضوءا على ضوء، يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء ازداد هدى على هدى، ونورا على نور.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية لا يراد بها ظاهرها وإنما هي مؤولة، وتأويلها مختلف فيه، وأصح التأويلات ما ذكره جمهور المتكلمين وابن عباس وأنس (١): وهو أن الله هادي أهل السموات والأرض، وهداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وتلك الهداية هي الآيات البينات القائمة في الكون والمنزلة على الرسل بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بالغ النهاية في الصفاء.
ومثل نور الله أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن، مثل المصباح الذي تكاملت فيه وسائل الإنارة وهي المشكاة (الكوّة في الحائط غير النافذة)
стр. 5511
وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، والزجاجة لأنها جسم شفّاف، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج، فصارت الزجاجة في الإنارة والضوء كالكوكب الدرّي المتلألئ، والزيت الصافي النقي النابع من زيتون شجرة كثيرة المنافع، تتعرض للشمس والهواء طوال النهار، فهي ليست شرقية فحسب وهي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها لوجود الساتر الحاجب إذا غربت، وليست غربية فحسب عكس الشرقية: وهي التي تصيبها الشمس إذا غربت ولا تصيبها وقت الشروق، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، في صحراء واسعة من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء، وهو أجود لزيتها.
والأنوار مترادفة متضاعفة مجتمعة مع بعضها، كذلك قلب المؤمن يزداد إيمانا وهداية بأضواء القرآن وهداية الله تعالى.
والله تعالى يبين الأشياء بالأمثال الحسية وغيرها تقريبا إلى الأفهام، وهو عليم بكل شيء يحقق المراد، وبمن هو أهل للهداية والضلال.
فهذا مثل للقرآن في قلب المؤمن، فكما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص، فالمصباح القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي. ويكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار: معناه تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ.
و ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾: معناه أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه، مع ما أقام لهم من الدلائل والاعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نورا على نور، وهذا النور عزيز لا يناله إلا من أراد الله هداه، والله أعلم بالمهديّ والضالّ.
وأما ما لا تعلق له بالآية: فيجوز أن يقال: لله تعالى نور، من جهة المدح؛ لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء: منه ابتداؤها، وعنه صدورها.
стр. 5512
وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة، جلّ وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا (١) وهو تعالى خالق النور الحسي في السموات والأرض، ومدبّرهما على أحسن نظام وأتمه وأدقه، ونوّر السماء بالملائكة وبالكواكب، والأرض بالأنبياء وبالشرائع وبالفطرة السليمة والعقل النيّر المرشد إلى الخير، فلو تفكر إنسان بعقل حرّ بريء متجرد من التأثر باتجاه معين أو عقيدة سابقة، لآمن بالله تعالى ربا وإلها واحدا إيمانا كاملا. يتزايد وينمو ويتبلور بهداية القرآن وآياته البينات، والله أعلم.
المؤمنون المهتدون بنور الله تعالى
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)﴾
الإعراب:
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ إما صفة ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ وتقديره:
كمشكاة كائنة في بيوت، أو متعلق بقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾. ﴿يُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ﴿رِجالٌ﴾ ومن قرأ بضم الياء وفتح الباء ﴿يُسَبِّحُ﴾ كان ﴿رِجالٌ﴾ مرفوعا بفعل مقدر دلّ عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ كأنه قيل: من يسبحه؟ فقال: رجال، أي يسبحه رجال. و ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول، أي عن ذكرهم الله. ﴿وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾: الأصل أن تقول:
стр. 5513
وإقامة الصلاة، إلا أنه حذفت التاء تخفيفا؛ لأن المضاف إليه صار عوضا عنها، كما صار عوضا عن التنوين، كما صارت (ها) في يا أيها عوضا عن المضاف إليه.
البلاغة:
﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ إطناب بذكر الخاص بعد العام؛ لأن الصلاة من ذكر الله.
﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بما قبله، أي كمشكاة في بعض بيوت أو توقد في بعض بيوت. أو متعلق ب ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتي. والبيوت هنا: المساجد المخصصة لذكر الله؛ لأن الصفة تلائمها.
﴿أَذِنَ﴾ أمر وقضى. ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ بالتعظيم أي تعظم وتطهر عن الأدناس والأنجاس وعن لغو الأقوال، أو ترفع بالبناء. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بتوحيده. ﴿يُسَبِّحُ﴾ يصلي أو ينزه ويقدس.
﴿بِالْغُدُوِّ﴾ مصدر بمعنى الغداة أو الغدوات، أي أول النهار. ﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل، وهو العشي أو العشايا، أي آخر النهار من بعد الزوال.
﴿رِجالٌ﴾ أي ينزهونه ويسبحونه رجال، أي يصلون له فيها بالغدوات والعشايا.
﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ أي لا تشغلهم معاملة رابحة، سواء بالتجارة أو الصناعة أو غيرهما.
﴿وَلا بَيْعٌ﴾ مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة، فإن الربح يتحقق بالبيع، ويتوقع بالشراء، والثاني هو الأولى. ﴿إِقامِ الصَّلاةِ﴾ إقامتها لوقتها. ﴿وَإِيتاءِ الزَّكاةِ﴾ ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ تضطرب وتتغير من الهول والخوف في يوم القيامة، فهو اليوم المراد.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ﴾ متعلق ب ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو ﴿لا تُلْهِيهِمْ﴾ أو ﴿يَخافُونَ﴾. ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي أحسن جزاء أو ثواب عملهم، و ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى حسن.
المناسبة:
بعد أن بين الله تعالى كون نوره سبيلا لهداية عباده، بما أقام لهم من الآيات البينات، ذكر هنا حال المنتفعين بذلك النور.
стр. 5514
التفسير والبيان:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا متعلق بما قبله أي كمشكاة كائنة في مساجد أمر الله أن ترفع بالبناء أو التعظيم بتطهيرها من الأنجاس الحسية، والمعنوية مثل الشرك والوثنية ولغو الحديث، ويخصص الدعاء والعبادة فيها لله، ويذكر فيها اسم الله بتوحيده، أو بتلاوة كتابه.
قال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقال ابن عباس: «المساجد: بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض». وقال عمرو بن ميمون:
«أدركت أصحاب رسول الله ﷺ وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وحقّ على الله أن يكرم من زاره فيها». و
أخرج الشيخان في الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدا لله يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة».
والسبب في جعل المشكاة في مساجد: أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم، فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل، كما قال الرازي.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ﴾ أي ينزه الله ويقدسه ويصلي في تلك المساجد في أوائل النهار بكرة وغدوة، وأواخره في الآصال والعشايا رجال لا تشغلهم الدنيا والمعاملات الرابحة عن ذكر الله وحده، وإقامة الصلاة لوقتها، وأداء الزكاة المفروضة عليهم للمستحقين.
وقوله: ﴿رِجالٌ﴾ فيه إشعار بهمتهم العالية، وعزيمتهم الصادقة، التي بها صاروا عمارا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، وشكره وتوحيده وتنزيهه،
стр. 5515
كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣/ ٣٣]. والمراد بقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ غير الصلاة، منعا من التكرار. وخص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة.
وشبيه الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ [المنافقون ٩/ ٦٣].
ويستدل بكلمة ﴿رِجالٌ﴾ على أن صلاة الجماعة مطلوبة من الرجال، أما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما
رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها».
وروى الإمام أحمد عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن».
وتخصيص المساجد بالذكر؛ لأنها مصدر إشعاع عقدي وفكري وتنظيمي وسلوكي وعلمي وسياسي في حياة المسلمين.
وسبب انصراف الرجال إلى العبادة الخوف من عذاب الله كما قال: ﴿يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ أي إن الرجال الذين يؤدون الصلاة جماعة في المساجد يخافون عقاب يوم القيامة الذي تضطرب فيه القلوب والأبصار من شدة الفزع والهول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم ٤٢/ ١٤] وقوله : ﴿إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الدهر ١٠/ ٧٦].
وعاقبة أمرهم ما قال الله تعالى:
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يذكرون الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ليثيبهم الله ثوابا يكافئ حسن عملهم، فهم الذين
стр. 5516
يتقبل حسناتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويضاعف لهم الجزاء الحسن، كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦] وقوله سبحانه:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس ٢٦/ ١٠] وقوله : ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٦١/ ٢]. وقال الله تعالى في
الحديث القدسي فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي إن الله تعالى واسع الفضل والإحسان يرزق من يريد ويعطي من يشاء، بغير عدّ ولا إحصاء، والله على كل شيء قدير.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن أول موضع تظهر فيه هداية الله ونوره هو في المساجد التي يشيد بناءها المؤمنون، ويعمرونها بالصلاة والأذكار في أوائل النهار وأواخره، والمساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن.
روى أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ الله فليحبني، ومن أحبّني فليحبّ أصحابي، ومن أحب أصحابي، فليحبّ القرآن، ومن أحبّ القرآن فليحبّ المساجد، فإنها أفنية الله أبنيته، أذن الله في رفعها، وبارك فيها، ميمونة ميمون أهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم، والله في حوائجهم، هم في مساجدهم والله من ورائهم».
٢ - يأمر الله بعمارة المساجد عمارة حسية بالبناء، وعمارة معنوية بالصلاة
стр. 5517
وتلاوة القرآن والأذكار وحلقات التعليم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة ١٨/ ٩]
وقال ﵌ فيما رواه ابن ماجه عن عليّ: «من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة»
وروى ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «من أخرج أذى من المسجد، بنى الله له بيتا في الجنة»
وقال النبي ﵌ فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
أما زخرفة المساجد فبعضهم أباحها؛ لأن فيها تعظيم المساجد، والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي تعظّم. وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي ﵌ بالسّاج (١) وحسّنه. قال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب، ونقش عمر بن عبد العزيز مسجد النبي ﵌ وبالغ في عمارته وتزيينه، زمن ولايته على المدينة قبل خلافته، ولم ينكر عليه أحد ذلك.
وكرهه قوم لما
أخرجه أبو داود عن أنس أن رسول الله ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد».
وتصان المساجد وتنزه عن الروائح الكريهة والأقوال السيئة وغيرها، وذلك من تعظيمها،
جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن جابر: «من أكل ثوما أو بصلا فلا يغشانا في مساجدنا» أو «فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته».
والمساجد فيما ذكر كلها سواء،
للحديث المتقدم ولحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵌ قال في غزوة تبوك فيما رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد:
«من أكل من هذه الشجرة الخبيثة-يعني الثّوم-شيئا فلا يقربنا في المسجد».
стр. 5518
وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الأشغال الدنيوية؛ لما
أخرجه مسلم عن بريدة من قوله ﵌ للرجل الذي نادى على الجمل الأحمر:
«لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له». وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن.
وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﵌ أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. ولكن
روي في حديث آخر أن النبي ﵌ رخص في إنشاد الشعر في المسجد.
ويكره رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره في رأي مالك وجماعة،
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردّها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا». وأجاز أبو حنيفة وأصحابه رفع الصوت في الخصومة (التقاضي) والعلم؛ لأنه لا بد لهم من ذلك.
ويجوز عند المالكية النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء، ومن لا بيت له، فقد أنزل النبي ﵌ في صفّة المسجد رهطا من عكل. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب، لا أهل له، في مسجد النبي ﵌. ويكره عند الشافعية النوم في المساجد.
ويسن الدعاء عند دخول المسجد؛
روى مسلم عن أبي أسيد قال: قال رسول الله ﵌: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك». وبعد الدخول يسن صلاة ركعتين تحية المسجد؛ لما
روى مسلم أيضا عن أبي قتادة أن رسول الله ﵌ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس».
٣ - وصف الله تعالى المسبّحين في المساجد بأنهم المراقبون أمر الله، الطالبون
стр. 5519
رضاءه، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا. قال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة، تركوا كل شغل وبادروا. وهم أيضا في مبادرتهم إلى صلاة الجماعة في المساجد يخافون عذاب يوم القيامة.
٤ - يكافئ الله ويجازي على الحسنات ويضاعف الثواب إلى عشر أمثاله.
والله يرزق من يشاء من عباده من غير أن يحاسبه على ما أعطاه؛ إذ لا نهاية لعطائه.
حال الكافرين في الدنيا وخسرانهم في الآخرة
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾
الإعراب:
﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾: ﴿كَسَرابٍ﴾: جار ومجرور في موضع رفع خبر المبتدأ وهو أعمالهم. و ﴿بِقِيعَةٍ﴾ في موضع جر صفة سراب أي كسراب كائن بقيعة، وقيعة: جمع قاع كجيرة جمع جار، و ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ جملة فعلية في موضع جرّ صفة ل ﴿كَسَرابٍ﴾ أيضا.
و ﴿شَيْئاً﴾ منصوب على المصدر، أي لا شيء هناك.
﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ جملة فعلية في موضع جر صفة ل ﴿بَحْرٍ﴾. و ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ وكذا ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ يرتفع موج وسحاب بالظرف عند سيبويه، وعند الأخفش لجريه صفة على المذكور المرفوع بأنه فاعل. و ﴿كَظُلُماتٍ﴾ إما مرفوع بدلا من ﴿سَحابٌ﴾ أو على تقدير مبتدأ محذوف، أي هي ظلمات، وإما مجرور بدلا من ﴿كَظُلُماتٍ﴾ الأولى.
стр. 5520
البلاغة:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ﴾ وكذلك ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ كل منهما تشبيه تمثيلي رائع وبديع.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي حالهم على ضدّ حال المؤمنين، فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها في الآخرة لاغية مخيبة للآمال. ﴿كَسَرابٍ﴾ هو ما يرى في عين الإنسان أثناء سيره في الفلاة من لمعان الشمس وقت الظهيرة في شدة الحر، فيظن أنه ماء جار أو راكد على وجه الأرض. ﴿بِقِيعَةٍ﴾ جمع قاع، أي فلاة، وهو ما انبسط من الأرض. ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يظنه.
﴿الظَّمْآنُ﴾ العطشان، وخص الظمآن بالذكر لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند ما تمسّ الحاجة إلى الظفر بثمرة عمله. ﴿حَتّى إِذا جاءَهُ﴾ جاء ما تو همه ماء أو جاء موضعه. ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ مما ظنه أو حسبه، وكذلك الكافر يحسب أن عمله كالصدقة ينفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه، يجد عمله لم ينفعه. ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ﴾ أي عند عمله. ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ جازاه عليه في الدنيا.
﴿وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي المجازاة، لا يشغله حساب عن حساب.
﴿أَوْ كَظُلُماتٍ﴾ أي والذين كفروا أعمالهم السيئة في الدنيا كالظلمات المتراكمة و ﴿أَوْ﴾ إما للتخيير فإن أعمال الكفار لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة في لج البحر والأمواج والسحاب، وإما للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن كانت قبيحة فكالظلمات، وإما للتقسيم باعتبار وقتين وهو الظاهر، فإنها كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق، أو ذي لجّ وهو معظم الماء، والمقصود: بحر عميق الماء كثيره ذو طبقات. ﴿يَغْشاهُ﴾ يغطيه. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ الظلمة الأولى أي الموج. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ والظلمة الثانية أي الموج الثاني، والمراد بظلمات البحر: أمواج متراكمة مترادفة، والمراد بالسحاب: سحاب غطى النجوم وحجب أنوارها. والسحاب: غيم. ﴿كَظُلُماتٍ﴾ أي هذه ظلمات: ظلمة البحر، وظلمة الموج الأول وظلمة الثاني، وظلمة السحاب. ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أخرج الناظر يده في هذه الظلمات وهي أقرب شيء إليه. ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ لم يقرب من رؤيتها فضلا عن أن يراها.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي من لم يهده الله لم يهتد، والمراد من لم يوفقه لأسباب الهداية لم يكن مهتديا.
стр. 5521
سبب النزول:
نزول الآية (٣٩):
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبّد في الجاهلية، ولبس المسوح، والتمس الدّين، فلما جاء الإسلام كفر.
وقيل: في شيبة بن ربيعة. وكلاهما مات كافرا.
المناسبة:
بعد بيان حال المؤمنين، وأنهم في الدنيا يكونون في نور الله، وبسببه يتمسكون بالعمل الصالح، وفي الآخرة يفوزون بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك ببيان حال الكافرين، فإنهم يكونون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل من الحالين مثلا، أما المثل الأول الدال على الخيبة في الآخرة فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ﴾ وأما المثل الثاني لأعمالهم في الدنيا فهو ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أي أن أعمالهم في الدنيا كظلمات في بحر.
التفسير والبيان:
هذان مثلان ضربهما الله تعالى لحالي الكفار في الآخرة والدنيا، أو لنوعي الكفار: الداعي لكفره، والمقلد لأئمة الكفر، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: ناريا ومائيا، وكما ضرب لما يقرّ في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائيا وناريا أيضا.
أما المثل الأول هنا فهو قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ أي إن الأعمال الصالحة التي يعملها الكفار الذين جحدوا توحيد
стр. 5522
الله وكذبوا بالقرآن وبالرسول المنزل عليه، أو الدعاة إلى كفرهم، الذين يظنون أنها تنفعهم عند الله، وتنجيهم من عذابه، ثم تخيب آمالهم في الآخرة ويلقون خلاف ما قدّروا، شبيهة بسراب يراه الإنسان العطشان في فلاة أو منبسط من الأرض، فيحسبه ماء، فيأتيه، فلا يجد ما رجاه. وأعمالهم الصالحة: مثل صلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء وإقامة المشاريع الخيرية.
وهكذا حال الكافرين في الآخرة يحسبون أعمالهم نافعة لهم، منجّية من عذاب الله، فإذا جاء يوم القيامة وقوبلوا بالعذاب، فوجئوا أن أعمالهم لم تنفعهم، وإنما يجدون زبانية الله تأخذهم إلى جهنم، التي يسقون فيها الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.﴾. الآيات [الكهف ١٠٢/ ١٨ - ١٠٦]. وقال تعالى هنا: ﴿وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ، فَوَفّاهُ حِسابَهُ، وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي ووجد عقاب الله وعذابه الذي توعد به الكافرين، فجازاه الله الجزاء الأوفى على عمله في الدنيا، والله سريع المجازاة، لا يشغله حساب عن حساب، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥]. هذا حالهم في الآخرة، أو حال الكفار الدعاة إلى الكفر.
والخلاصة: أن الكفار سيصطدمون بالخيبة والخسارة في الآخرة، فلا يجدون ما ينفعهم ولا ما ينجيهم.
أما المثل الثاني لحالهم في الدنيا أو حال الكفار الجهلة المقلدين لأئمة الكفر فهو كما قال تعالى:
﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ، مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ أي إن مثل أعمال الكفار التي يعملونها في الدنيا على غير هدى،
стр. 5523
أو مثل الذين يقلدون غيرهم، مثل ظلمات متراكمة في بحر عميق كثير الماء، تغمره الأمواج المتلاطمة، ويحجب نور الكواكب السماوية غيم كثيف، فهي ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وكذا الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل، وهذه الظلمات حجبت عنه رؤية الحق وإدراك ما في الكون من عظات وآيات ترشد إلى الطريق الأقوم. قال الحسن: الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل. وقال ابن عباس: شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث.
والمقصود من هذا المثل بيان أن الكافر تراكمت عليه أنواع الضلالات في الدنيا، فصار قلبه وبصره وسمعه في ظلمة شديدة كثيفة، لم يعد بعدها قادرا على تمييز طرق الصواب ومعرفة نور الحق. لذا قال تعالى: ﴿ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي إن تلك الظلمات الثلاث ظلمات متراكمة مترادفة، بعضها يعلو البعض الآخر، حتى إنه إذا مدّ الإنسان يده، وهي أقرب شيء إليه، لم يقرب أن يراها، فضلا عن أن يراها، ومعنى «لم يكد»: لم يقارب الوقوع، والذي لم يقارب الوقوع لم يقع.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي من لم يهده الله ولم يوفقه إلى الهداية، فهو هالك جاهل خاسر، في ظلمة الباطل لا نور له، ولا هادي له، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف ١٨٦/ ٧]. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ [الرعد ٣٣/ ١٣]، ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ، وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧/ ١٤]. وهذا مقابل لما قال في مثل المؤمنين ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾.
стр. 5524
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات مثلين لأعمال الكفار فهي إما كسراب خادع في فلاة أو صحراء، وإما كظلمات، والمثل الأول كما اختار الرازي دال على خيبة الكافر في الآخرة، والثاني دال على كون أعمالهم في متاهات وضلالات وظلمات يصعب اختراقها وتجاوزها، لكون قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم في ظلمة حالكة، يتخبط فيها، فلا يدري ما هو الصواب، وهو أيضا جاهل لا يدري أنه لا يدري.
ويستفاد من الآيات أن شرع الله ونظامه هو النور الصحيح المرشد لخيري الدنيا والآخرة، وأما التشريع المخالف لشرع الله فهو كالسراب الخادع، والظلمات المتراكمة. وهذا كله في مجال العقيدة. أما في مجال التحضر الدنيوي فقد يكون الكافر مبدعا فيها، متفوقا في إدراك غوامض الحياة، مبتكرا وسائل التقدم والمدينة، ولكنه عن الآخرة والنجاة فيها غافل جاهل.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي من لم يجعل الله له دينا فماله من دين، ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة، لم يهتد إلى الجنة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد ٢٨/ ٥٧].
والسبب في إحباط أعمال الكافر وإهدارها: أنها لا تعتمد على أصل صحيح وهو الإيمان بالله تعالى، والله لا يقبل عملا إلا من مؤمن معترف بالله وبصفاته، موحد له توحيدا تاما كاملا لتصح نية عمله.
والخلاصة: أن المثلين المذكورين في الآيتين هما تحذير وتنبيه للكفار، فمن عقل كلام الله وتدبر فيه، صحح اعتقاده، فيصلح له عمله ويستقيم في الدنيا، ومن ظل مصرا على كفره، معرضا عن التأمل في آيات ربه، لقي جزاء عسيرا، وعقابا أليما، ولم ينفعه أي عمل صالح، ينجّيه من عذاب الله يوم القيامة.
стр. 5525
الأدلة الكونية على وجود الله وتوحيده
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾
الإعراب
﴿صَافّاتٍ﴾ حال.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ، مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء؛ لأن السماء ابتداء الإنزال، والثانية: للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التي في السماء، وهي مع المجرور في موضع المفعول، والثالثة: لبيان الجنس؛ لأن جنس تلك الجبال جنس البرد، وتقديره: فيها شيء من برد، وهو مرفوع بالظرف؛ لأن الظرف صفة الجبال.
﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ من قرأ بفتح الياء تكون باء في ﴿بِالْأَبْصارِ﴾ للتعدية، ومن قرأ بضم الياء كانت الباء زائدة.
стр. 5526
البلاغة:
﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ ﴿وَيَصْرِفُهُ﴾ بينهما طباق.
﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ استعارة، شبه تعاقب الليل والنهار بتقليب الأشياء المادية.
﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ بينهما جناس تام؛ لأن المراد بالأولى العيون وبالثانية العقول والقلوب.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين والثقة بالوحي أو بالدليل. ﴿يُسَبِّحُ﴾ ينزّه ويقدّس ذاته عن كل نقص، والصلاة من التسبيح. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مَنْ﴾:
لتغليب العقلاء. ﴿وَالطَّيْرُ﴾ جمع طائر، وهو تخصيص لما فيها من الدليل الباهر على وجود الخالق وقدرته، بجعل الأشياء الثقيلة تقف في الجو. ﴿صَافّاتٍ﴾ باسطات أجنحتها في الهواء بعملية القبض والبسط. ﴿كُلٌّ﴾ كل واحد مما ذكر، أو من الطير. ﴿قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي علم الله دعاءه وتنزيهه اختيارا أو طبعا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ تعميم بعد تخصيص، أي أن الله عالم بكل شيء من أفعالهم ومجازيهم عليها. وقوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فيه تغليب العقلاء.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي الله مالك السموات والأرض وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات، حاكم متصرف فيهما إيجادا وإعداما، لأنه الخالق لهما ولما فيهما من الذوات والصفات والأفعال. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي وإليه المرجع والمآب.
﴿يُزْجِي﴾ يسوق برفق وسهولة، ومنه البضاعة المزجاة يزجيها كل أحد أي يزهد فيها بسهولة. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ يضم بعضه إلى بعض، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً﴾ متراكما بعضه فوق بعض. ﴿الْوَدْقَ﴾ المطر. ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ من فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم، جمع خلل، كجبال وجبل. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ من الغمام، وكل ما علاك فهو سماء. ﴿مِنْ جِبالٍ فِيها﴾ من قطع عظام في السماء، وهو بدل بإعادة الجارّ. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ بيان للجبال، ومفعول ﴿يُنَزِّلُ﴾ محذوف، أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من جنس البرد، مأخوذ من برد بردا، والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت، ولم تحلّلها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك، اجتمع وصار سحابا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا، وإن اشتد البرد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا، وإلا نزل بردا، وكل ذلك لا بد وأن يستند إلى إرادة الله الحكيم، وإليه أشار بقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ﴾ والضمير للبرد.
﴿يَكادُ﴾ يقرب. ﴿سَنا بَرْقِهِ﴾ ضوء البرق الذي في السحاب، والبرق: جمع برقة.
стр. 5527
﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ أي بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك أقوى دليل على كمال القدرة من حيث توليد الضدّ من الضدّ، أي النار من البارد. ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، فيأتي بكل منهما بدل الآخر، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور، أو بما يعم ذلك وهو الأولى. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ التقليب، وفيما تقدم ذكره.
﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ للدلالة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته، وتنزهه عن الحاجة، لمن يتأمل ذلك من أهل العقول والبصائر.
﴿دَابَّةٍ﴾ حيوان يدب على الأرض، وتستعمل عرفا للدواب ذوات الأربع. ﴿مِنْ ماءٍ﴾ هو جزء مادته، أو ماء مخصوص وهو النطفة، تنزيلا للغالب منزلة الكل؛ إذ من الحيوانات ما لا يتولد عن النطفة. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحيات والهوام من الحشرات، وإنما سمي الزحف مشيا بطريق الاستعارة أو المشاكلة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ﴾ كالبهائم والأنعام، ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب، فإنها تعتمد في المشي على أربع. وتذكير الضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ والتعبير بمن لتغليب العقلاء، والتعبير بمن عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة. والترتيب في إيراد هذه المخلوقات لتقديم ما هو أدل على القدرة. ﴿يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ مما ذكر ومما لم يذكر، على اختلاف الصور في الأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى ما استنارت به قلوب المؤمنين بالهداية، وما أظلمت به قلوب الكافرين بالضلالة، أتبع ذلك ببيان أدلة التوحيد والقدرة، فذكر منها أربعة: الأول-تسبيح المخلوقات، والثاني-إنزال الأمطار، والثالث-اختلاف الليل والنهار، والرابع-أنواع الحيوانات.
التفسير والبيان:
النوع الأول-تسبيح المخلوقات:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ أي ألم تعلم بالدليل أيها النبي وكل مخاطب أن الله سبحانه ينزّهه ويقدّسه كل من في
стр. 5528
السموات والأرض من العقلاء وغيرهم من الملائكة والإنس والجن والجمادات، ومنها الطير الباسطات القابضات أجنحتها حال طيرانها في جو السماء لكيلا تسقط، تنزيها يدركه المتأمل بعقله السليم؛ إذ تكوينها بخصائصها المتفاوتة يدل بذاته على وجود الخالق لها.
والتنزيه يدل على اتصاف الخالق بجميع صفات الكمال، ويبطل قول الكفار الذين جعلوا الجمادات شركاء لله، ونسبوا إليه الولد، وهي من مخلوقاته وإيجاده. قال مجاهد وغيره: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سواه من الخلق.
وذكر الطير مع دخولها بما سبق لما فيها من دلالة خاصة على بديع الصنع الإلهي، وكمال القدرة الإلهية، ولطف التدبير لمبدعها؛ لأن وقوف الأشياء الثقيلة في الجو أثناء الطيران حجة واضحة على كمال قدرة الخالق المبدع.
والافتتاح بقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يشير إلى أن تسبيح الكائنات لله أمر واضح يصل إلى حد العلم الذي لا شك فيه.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أي كل واحد مما ذكر قد علم الله صلاته وتسبيحه، أي أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله . والله عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، سواء في حال الطاعة أو المعصية، ومجازيهم عليها.
﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي إن الله تعالى مالك جميع ما في السموات والأرض، وهو الحاكم المتصرف فيهما خلقا وإماتة، وهو الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا معقّب لحكمه، وإليه وحده مصيرهم ومعادهم يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء، ويجازي بما أراد، كقوله تعالى:
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم ٣١/ ٥٣].
стр. 5529
والخلاصة: إن عظمة الكون، وإبداع السموات والأرض، وما بثّ الله فيهما من كائنات حية وجامدة، وروعة ما نشاهده من تركيب الإنسان، وتنوع عالم الحيوان في البر والبحر والجو، وما يقوم به أضخم الحيوان وأصغره، وتفنّن النحل في بناء البيوت وتكوين العسل، وحيل العناكب الضعيفة في اصطياد الحشرات، وعجائب أعمال الطيور، وتصرف الرّب في المخلوقات إيجادا وإعداما، بدءا وإعادة، كل ذلك دليل قاطع محسوس على وجود الإله الخالق المبدع، والرّب الواحد المتصرف، الذي لا ربّ سواه، ولا معبود بحق غيره.
هذا أول دليل كوني على وجود الله وقدرته ووحدانيته، وهو شامل لعدة أدلة، كل دليل منها كاف وحده في تكوين القناعة، ويمكن تصنيف ما ذكر في الآيتين الأوليين في دليلين إجماليين: دليل العبودية في العالمين العلوي والسفلي، ودليل الملك المطلق ووحدة مصير الخلائق إلى الله تعالى.
وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد
وهذان دليلان آخران في الآيتين التاليتين على قدرة الله وتوحيده:
النوع الثاني-إنزال المطر:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً.﴾. إلى قوله: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾ أي ألم تعلم أيها النبي وكل مخاطب كيفية تكوين المطر وإنزاله، إنه تعالى يسوق بقدرته السحاب أول ما ينشئه بعضه إلى بعض، بعد أن يتكون من بخار الماء الصاعد من البحار التي هي أربعة أخماس المعمورة، ثم يجمع ما تفرق من أجزائه في وحدة متضامة، ثم يجعل بعضه متراكما فوق بعض، حتى يتكون منه سحاب عال في طبقات الجو الباردة، ثم يسوق ذلك السحاب بالرياح اللواقح إلى المكان الذي يريد إنزال المطر فيه، ثم ينزل المطر من خلال السحاب، أي من نتوقه وشقوقه التي تتكون بين أجزائه.
стр. 5530
وهكذا ينزل الله المطر من طبقات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال، كما ينزل الثلج والبرد بحسب نسبة تأثير البرودة في الأبخرة المتصاعدة. وكل ما علا الإنسان فهو سماء، فالسماء هي الغيم المرتفع على رؤوس الناس. وتكون الجبال كناية عن السحاب المشاهد الآن لكل راكب في الطائرة التي ترتفع عادة أكثر من ثلاثين ألف قدم في الجو فوق السحب البيضاء المتجمعة كالجبال الشاهقة (١) ويرى مفسرون آخرون أن جبال البرد قائمة فعلا في السماء، وينزل الله منها البرد، وهذا المعنى تؤيده بعض النظريات الحديثة التي تثبت أن في طبقات الجو ما يشبه الجبال مكونة من برد، وقد تنزل زيادة على ما يصعد من بخار البحار.
وتتحكم إرادة الله وقدرته وتصريفه في كيفية إنزال المطر، فيصيب بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد من يشاء من عباده رحمة لهم، ويحجبه عمن يشاء، ويؤخر الغيث عمن يريد، إما نقمة وإما رحمة من إسقاط الثمار والأزهار وإتلاف الزروع والأشجار.
وأعجب من ذلك كله خلق الضد من الضد وهو النار من البارد، حتى ليكاد أو يقرب ضوء برق اصطدام الغيوم من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته.
النوع الثالث-اختلاف الليل والنهار:
﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي إن الله يتصرف في الليل والنهار بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وتغير أحوالهما
стр. 5531
بالحرارة والبرودة، وتعاقبهما بنظام ثابت دقيق، إن في ذلك لدليلا على عظمته تعالى، وعظة لمن تأمل فيه من ذوي العقول، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران ١٩٠/ ٣]، و
قال النبي ﷺ -فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار».
النوع الرابع-أنواع المخلوقات:
﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ.﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد أن استدل الله تعالى على وحدانيته وقدرته بعالم السماء والأرض وبالآثار العلوية، استدل بأحوال الحيوانات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها ومهماتها، فذكر أنه سبحانه خلق كل أنواع الحيوانات التي تدب على الأرض من ماء واحد هو جزء مادتها وأساس تكوينها، أو هو النطفة التي يحملها المني الحيواني الذي تلقح به بويضة الأنثى في منيها. وسبب تخصيص الماء بالذكر أنه أصل الخلقة الأول، ولأنه لا بقاء للحيوان بدونه، ولأن آثار التراب تمتزج فيه.
وأنواع الحيوان كثيرة، فمنها من يمشي زحفا على بطنه بانقباض عضلات البطن وانبساطها كالحيات والأسماك وسائر الزواحف. وسمي زحفها مشيا إشارة إلى كمال القدرة وتحقيقها هدف المشاة وهو الانتقال والحركة للبحث عن الرزق وتحقيق الغايات.
ومنها من يمشي على رجلين كالإنسان والطير.
ومنها من يمشي على أربع كالأنعام وسائر وحوش البر.
والله سبحانه يخلق بقدرته ما يشاء، وهذا تعبير إجمالي يدخل آلاف أنواع
стр. 5532
الحيوانات الأخرى من حشرات وغيرها مما يمشي على أكثر من أربع، وتختلف صوره وطبائعه وقواه.
إن الله قادر على خلق كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ثم ختم الله تعالى إيراد أدلة التوحيد ببيان جامع شامل يجمع تلك الأدلة فقال:
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي أنزل الله في هذا القرآن آيات مفصلات واضحات دالة على وجود الخالق المدبر للكون، ومرشدة إلى طريق الحق والسداد بما فيها من حكم وأحكام وأمثال بينة محكمة، وأنه تعالى يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والوعي والعقل، ويرشد من يشاء إلى الطريق القويم الذي لا عوج فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه دلائل التوحيد وإثبات الذات الإلهية، الدالة دلالة حسية على أن لتلك المصنوعات المتغيرة صانعا قادرا على الكمال.
وأول هذه الأدلة أن جميع المخلوقات تسبح الله، أي تنزهه عن جميع النقائص، وتصفه بصفات الجلال والكمال، والله عليم بتسبيحها وبدعائها وعبادتها، يعلم صلاة المصلي وتسبيح المسبّح، ولا يخفى عليه طاعتهم وتسبيحهم.
والله تعالى مالك الملك في السموات والأرض، وهو الحاكم المدبر المتصرف بجميع المخلوقات، وإليه مصير الخلائق يوم القيامة. وكل مملوك عبد لله، وكل محاسب ضعيف ذليل أمام القاضي.
стр. 5533
وثاني الأدلة-إنزال المطر بكيفية عجيبة تبدأ بتصاعد أبخرة الماء وتحمل بقدرة الله إلى طبقات الجو العالية، وتتجمع حينئذ بها السحب والغيوم، وتقودها الرياح، وتلقحها وتؤثر فيها بالبرودة، ثم تتساقط الأمطار العذبة بعد أن كانت عند تبخرها من البحار مالحة، فتروي الأرض، وتحقق الخير، وتوفر الرزق، وتحيي جميع الكائنات الحية، فإن الرطوبة أهم عناصر الحياة، وهي الفارق المميز بين الشتاء والصيف.
وثالث الأدلة-تقليب الليل والنهار بالزيادة والنقص، والحرارة والبرودة، والتعاقب المستمر، ولكل من الليل والنهار طبيعة تناسب الإنسان، فالليل للراحة والهدوء، والنهار للحركة والكسب.
ورابع الأدلة-تنوع المخلوقات بأشكال شتى، وطبائع مختلفة، ومنافع متعددة، مع أن منشأها واحد وهو الماء، وتركيبها مختلف، ويخلق الله من الماء ما يشاء وما لا نعلم به إلى الآن، بالرغم من تعدد الاكتشافات العلمية؛ إذ أول ما خلق الله من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء، وقدرة الله فوق الحصر والعد، وأغرب من السمع والبصر.
وما أجمل وأبدع ما ختمت به تلك الأدلة من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ..﴾. فهي تشمل كل الأدلة والعبر، ومنها بيان القرآن العظيم الذي اشتمل على أدلة الإيمان والاعتقاد، وأحكام العبادة والتشريع، وأصول الفضائل والآداب والأخلاق. والله يهدي بتلك الأدلة من يريد إلى طريق الحق والصواب، والسداد والاستقامة، دون انحراف أو اعوجاج، فماذا بعد بيان الحق إلا الضلال؟!
стр. 5534
البقاء على الضلال والنفاق بالرغم من البيان الشافي
﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ اِرْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠)﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي المنافقون. ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ صدقنا بتوحيد الله وبالرسول محمد.
﴿وَأَطَعْنا﴾ رضينا فيما حكما به. ﴿يَتَوَلّى﴾ يعرض ويمتنع عن قبول حكمه. ﴿وَما أُولئِكَ﴾ المعرضون. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الصادقي الإيمان التي توافق قلوبهم ألسنتهم.
﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ليحكم بينهم النبي ﷺ ، فإنه الحاكم الدنيوي ظاهرا، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي فاجأ فريق بالإعراض عن المجيء إليك إذا كان الحق عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تحكم لهم.
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ لهم الحكم لا عليهم ﴿إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طائعين منقادين؛ لعلمهم بأنه يحكم لهم، وتقديم ﴿إِلَيْهِ﴾ للاختصاص. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كفر أو ميل إلى الظلم.
﴿اِرْتابُوا﴾ شكوا في نبوتك، فزالت ثقتهم بك. ﴿يَحِيفَ﴾ يجور ويظلم في الحكم. ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي لا، بل هم الذين يريدون ظلم الناس وإنكار حقوقهم بالإعراض عنك.
سبب النزول:
قال المفسرون: هذه الآيات نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجرّه إلى رسول الله ﷺ ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجرّه إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمدا يحيف علينا. وقد سبق بيان قصتهما في سورة النساء.
стр. 5535
وأخرج ابن أبي حاتم من مرسل الحسن البصري قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي ﷺ ، وهو محق، أذعن، وعلم أن النبي ﷺ سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم، فدعي إلى النبي ﷺ أعرض، فقال: انطلق إلى فلان، فأنزل الله: ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية.
وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله ﷺ ، ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف، ثم تحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فحكم لليهودي؛ لأنه صاحب الحق، فلم يرض المنافق بقضائه ﷺ . وقال: نتحاكم إلى عمر ﵁، فلما ذهبا إليه، قال له اليهودي:
قضى لي النبي ﷺ ، فلم يرض بقضائه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال:
بلى، فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل ﵁ بيته، وخرج بسيفه، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ﷺ (١).
المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد، ذمّ الله تعالى قوما وهم المنافقون اعترفوا بالدين بألسنتهم، ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم، فيقولون: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ ثم يفعلون نقيض ذلك.
التفسير والبيان:
هذه صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فقال تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ: آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا، ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾