← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

الثالث-أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل، مثل الجنون والنزف الدماغي. الرابع-جرى العرف على أن من أريد وصفه بقلة العقل، قيل: إنه خفيف الدماغ، خفيف الرأس. الخامس-أن العقل أشرف أجزاء الإنسان، فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف، وذلك في الدماغ، لا القلب. ورأيي هو ترجيح الرأي الثاني؛ لأن العلم الحديث أجري مئات التجارب على الدماغ وما فيه من مخ ومخيخ، فوجد أنه محل العقل والإحساس والتنبيه والذاكرة وغير ذلك من وظائف الدماغ، فدل على أنه هو محل العقل. أما الآيات القرآنية المتقدمة التي يفهم منها كون العقل في القلب، فذلك من قبيل الإطلاق العرفي السائد في الكلام، والذي يراد به العقل، فيقال: لا قلب عنده، أي لا عقل. أما القيم الأدبية أو الأخلاقية: فمحلها القلب باعتباره المعبر عن النفس الإنسانية التي لا حياة فيها إلا بالقلب. ثم إن المعاني المتقدمة التي تختص بالقلوب، ويراد بها المعاني العقلية كالنية والمعلومات والمعارف، قد تنسب إلى الصدر تارة، وإلى الفؤاد أخرى. أما الصدر: فلقوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ١٠/ ١٠٠]، وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤/ ٣]، وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك ١٣/ ٦٧]، ﴿إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ [آل عمران ٢٩/ ٣]. وأما الفؤاد فقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦].

стр. 5812

آداب الداعية وواجباته ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ البلاغة: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ بأسلوب التهييج والإلهاب، لما عرف عنه من زيادة إخلاص وتقوى. ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استعارة مكنية، حذف منها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، شبّه التواضع ولين الجانب بخفض الطائر جناحه عند إرادة الهبوط، فأطلق على المشبه اسم الخفض. المفردات اللغوية: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إن فعلت شيئا مما دعوك إليه، وهذا تهييج للنبي ﷺ وإلهاب لزيادة الإخلاص، وتحذير لسائر المكلفين. ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارا، كما روى البخاري ومسلم، وبدأ بالأقرب منهم فالأقرب؛ لأن الاهتمام بشأنهم أهم، روى أحمد ومسلم وغيرهما أنه ﷺ : «لمّا نزلت هذه الآية، صعد الصفا، وناداهم فخذا فخذا، حتى اجتمعوا إليه، فقال: لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا، أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ﴾ ألن جانبك. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الموحدين، و ﴿لِمَنِ﴾: بيانية أو للتبيين. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ ولم يتبعوك أي عشيرتك. ﴿بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ من عبادة غير الله، أي مما تعملونه أو من أعمالكم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي فوض إلى الله جميع أمورك، فهو الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه.

стр. 5813

﴿حِينَ تَقُومُ﴾ إلى التهجد (صلاة الليل). ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ تغير أحوالك في أركان الصلاة، قائما وقاعدا وراكعا وساجدا. ﴿فِي السّاجِدِينَ﴾ المصلين. وإنما وصف الله تعالى ذاته بعلمه بحال نبيه التي بها يستأهل ولايته، بعد أن وصف تعالى نفسه بأن من شأنه قهر أعدائه ونصر أوليائه، تحقيقا للتوكل، وتطمينا لقلبه عليه. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تقوله. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تنويه. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ بدأ بأهل بيته وفصيلته، فشقّ ذلك على المسلمين فأنزل الله: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. المناسبة: بعد أن بالغ الله تعالى في تسلية رسوله أولا بقصص الأنبياء وما تبعها، ثم أقام الحجة على نبوته ثانيا، ثم أجاب عن سؤال المنكرين، أمره بعد ذلك بما يتعلق بالتبليغ والرسالة، فرتب له طريق الإنذار بدءا بالأقرب فالأقرب. والرفق بالمؤمنين، ثم ختم وصاياه له بالتوكل عليه تعالى وحده. سيرته ﷺ في التبليغ: وردت أحاديث كثيرة توضح كيفية قيامه ﷺ بإبلاغ رسالته والدعوة إلى ربّه، منها: ما رواه أحمد ومسلم عن عائشة قالت: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم». ومنها: ما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى

стр. 5814

النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه، ثم نادى: «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ، وَتَبَّ﴾ [المسد ١/ ١١١]. ومنها: ما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا، فعمّ وخصّ، فقال: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله، لا أملك لكم من الله شيئا، ألا إن لكم رحما، وسأبلّها ببلالها» يريد: أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئا. التفسير والبيان: تضمنت هذه الآيات أوامر أربعة للنبي ﷺ تتعلق بتبليغ رسالته وهي: ١ - ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ أي اعبد الله وحده لا شريك له، واحذر أن تدعو أو تعبد معه إلها غيره، فإن العبادة لا تكون إلا لله وحده بإخلاص، والشرك رأس المعاصي. وهذا حثّ للرسول ﷺ على زيادة الإخلاص في العبادة، فالله يعلم أنه لا يكون ذلك منه، ثم إنه بدأ بالأمر به؛ لأنه قائد الأمة، فكان ذلك في الحقيقة

стр. 5815

توجيها وخطابا لغيره من الناس؛ لأن من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر، وإن كان المقصود بذلك هم الأتباع. والخلاصة: أنه بدأ بالرسول ﷺ فتوعده إن دعا مع الله إلها آخر، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب، فقال: ٢ - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي خوف أقاربك في العشيرة بأس الله وعذابه لمن أشرك به سواه. وهذا جزء من مهمته بإنذار البشر كافة من عذاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ، مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام ٩٢/ ٦]، ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى ٧/ ٤٢]، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥]. ويأتي التبشير عادة مع الإنذار، كما ذكر في آيات كثيرة، منها: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ [مريم ٩٧/ ١٩]، ومنها: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب ٤٥/ ٣٣ - ٤٦]. وروى مسلم عن النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». ثم أمره ربه بالرفق بالمؤمنين، فقال: ٣ - ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ألن جانبك وارفق بأتباعك الذين آمنوا بك وصدقوك، فذلك أطيب لقلوبهم. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ، فَقُلْ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي فإن عصاك أحد ممن

стр. 5816

أنذرتهم من عشيرتك وغيرهم، فقل: إني بريء من أعمالكم التي ستجازون عليها يوم القيامة. ٤ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ أي وفوض جميع أمورك إلى الله القوي القاهر الغالب القادر على الانتقام من أعدائه، الرحيم بأوليائه، الذي يراك حين تقوم للصلاة بالناس، ويرى أحوالك متقلبا من قائم إلى قاعد، وراكع إلى ساجد، فيما بين المصلين. وعبّر عنهم بالساجدين؛ لأن العبد أقرب ما يكون من ربّه، وهو ساجد. والمقصود أن الله مؤيدك وحافظك وناصرك ومظفرك ومعلي كلمتك، ومعتن بك في جميع أحوالك التي منها الصلاة وما فيها من قيام وركوع وسجود، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ [الطور ٤٨/ ٥٢]. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي إن ربك هو السميع لأقوال عباده، العليم بأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم ونواياهم، كما قال تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ، وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس ٦١/ ١٠]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - المساواة أمام التكاليف الشرعية دون استثناء أحد: فإذا أمر رسول الله ﷺ وهو القائد والقدوة بإخلاص العبادة لله تعالى، وبالبدء بإنذار أقاربه، كان غيرهم مطالبا بجميع التكاليف الشرعية بالأولى، وكان الإنذار لمن عداهم أشد تأثيرا وأجدى نفعا، وهو دليل على إلغاء جميع الامتيازات لأحد في الإسلام، فلا يعفى شخص وإن كان حاكما ولا حاشيته من الالتزام بتطبيق شرع الله ودينه.

стр. 5817

٢ - دلت الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ والأحاديث المتقدمة على أن القرب في الأنساب لا ينفع، مع إهمال الأسباب والتفاني في الأعمال الصالحة. ودلت أيضا على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته؛ لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: «إن لكم رحما سأبلّها ببلالها» وقوله : ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠]. ٣ - إن الإحسان إلى الأتباع من حسن السياسة، ومما يحقق فوائد جمّة، لذا أمر الرسول ﷺ بالتواضع وإلانة الجانب لأتباعه المؤمنين برسالته، المستقيمين على منهج الحق وتقوى الله. فإن عصوا وخالفوا أمره، فإنه ﷺ بريء من معصيتهم إياه؛ لأن عصيانهم إياه عصيان لله ، باعتبار أنه ﷺ لا يأمر إلا بما يرضي ربه، ومن تبرأ منه رسول الله ﷺ فقد تبرأ الله منه. ٤ - التوكل على الله من أصول الإيمان وخصائصه في الإسلام، وقد أمر الله نبيه بتفويض أمره إلى ربه العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه. ٥ - إن الله تعالى عاصم نبيه من كل سوء، حافظه من كل مكروه، ناصره على أعدائه، معتن بأمره كله، يعلم بكل أنشطته وأعماله، فهو يراه حين يقوم إلى الصلاة، ويراه قائما وراكعا وساجدا؛ لأنه سبحانه السميع لأقوال عباده جميعا، العليم بجميع حركاتهم وسكناتهم. ٦ - قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ أي تنقله وسلالته في أصلاب الآباء: آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيا. وقد استدل الشيعة بهذه الآية على أن آباء النبي ﷺ كانوا مؤمنين، كما استدلوا على ذلك بالخبر التالي في قوله ﷺ : «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات».

стр. 5818

الرد على افتراء المشركين بأن النبي كاهن أو شاعر ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ الإعراب: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ﴿أَيَّ﴾ منصوب على المصدر ب ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ وتقديره: أي انقلاب ينقلبون. ولا يجوز نصبه ب ﴿سَيَعْلَمُ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، وإنما يعمل فيه ما بعده. البلاغة: ﴿أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ كلاهما صيغة مبالغة على وزن فعّال وفعيل، أي كثير الكذب كثير الفجور. ﴿يَقُولُونَ﴾ و ﴿يَفْعَلُونَ﴾ و ﴿اِنْتَصَرُوا﴾ و ﴿ظُلِمُوا﴾ بين كلّ طباق. ﴿فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حال الشعراء بإفراطهم في المديح والهجاء واسترسال الخيال بالتائه في الصحراء الذي هام على وجهه، فهو لا يدري أين يسير. ﴿مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ جناس اشتقاق. ﴿يَهِيمُونَ﴾، ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾، ﴿يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ سجع لمراعاة الفواصل وخواتيم الآيات. المفردات اللغوية: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبركم يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي تتنزل، ثم حذفت إحدى التاءين من الأصل. ﴿أَفّاكٍ﴾ كذاب. ﴿أَثِيمٍ﴾ فاجر، مثل مسيلمة الكذاب وغيره من الكهنة، وهما صيغة مبالغة، أي كثير الإفك والكذب، كثير الذنوب والفجور. ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي

стр. 5819

الأفاكون من الشياطين يصغون أشد الإصغاء إلى الشياطين، فيتلقون منهم ما أكثره كذب وزور من الظنون والأمارات. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ فسره بعضهم بالكل؛ لقوله تعالى: ﴿كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ قال البيضاوي: والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم، على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني. وقيل: تعود الضمائر للشياطين، أي يلقون ما سمعوه من الملائكة إلى الكهنة، ويضمون إلى المسموع كذبا كثيرا، وكان هذا قبل أن حجبت الشياطين عن السماء. ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ أي الضالون المائلون عن منهج الاستقامة، فهم مذمومون، وهذا للمقارنة بينهم وبين المؤمنين، فالشعراء يتبعهم الضالون في شعرهم، فيقولون به، ويروونه عنهم، أما أتباع محمد ﷺ فليسوا كذلك. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم. ﴿فِي كُلِّ وادٍ﴾ من أودية الكلام وفنونه، والوادي: الشّعب. ﴿يَهِيمُونَ﴾ يمضون أو يسيرون حائرين، فيجاوزون الحد مدحا وهجاء؛ لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها، وأغلب كلماتهم في الباطل. ﴿يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ أي يكذبون فيقولون: فعلنا وهم لم يفعلوا. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. أي من الشعراء. ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ لم يشغلهم الشعر عن الذكر. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ بهجوهم الكفار. ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ بهجو الكفار لهم مع جملة المؤمنين، فليسوا بمذمومين، لقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤/ ٢]. ﴿مُنْقَلَبٍ﴾ مرجع. ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ يرجعون بعد الموت، وهو تهديد شديد؛ لأن قوله: ﴿سَيَعْلَمُ﴾ وعيد بليغ، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على الإطلاق والتعميم، وقوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فيه إبهام وتهويل. سبب النزول: نزول الآية (٢٢٤) وما بعدها: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تهاجى رجلان على عهد رسول الله ﷺ ، أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فأنزل الله: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ الآيات. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَراءُ﴾ إلى قوله:

стр. 5820

﴿ما لا يَفْعَلُونَ﴾ قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ السورة. وأخرج ابن جرير والحاكم عن أبي حسن البرّاد قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَراءُ﴾ الآية، جاء عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فقالوا: يا رسول الله، والله لقد أنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء، هلكنا، فأنزل الله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، فدعاهم رسول الله ﷺ ، فتلاها عليهم. المناسبة: هذا عود على بدء، فبعد أن أبان الله تعالى استحالة تنزل الشياطين بالقرآن (الآية ٢١٠ وما بعدها) وأثبت أنه تنزيل من رب العالمين، أردف ذلك بأن الشياطين تتنزل على كل كذاب فاجر، لا على الرسول الصادق الأمين، فهو ليس من فئة الكهنة الذين يستمعون إلى الشياطين، كما أنه ليس من فئة الشعراء الغارقين في الخيال، الهائمين في كل واد من فنون القول والكلام، من غير ترجمة للحقيقة، ولا صدق في القلب، وقناعة في العقل، والرسول ﷺ لا ينطق إلا بالحق ولا يتكلم إلا بالصدق. ولما كان إعجاز القرآن من جهة المعنى واللفظ، وقد قدح المشركون في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين، وفي اللفظ بأنه من جنس كلام الشعراء، فإنه تعالى ردّ على القسمين، وبيّن منافاة القرآن لهما، ومخالفة حال الرسول ﷺ لحال أصحابهما، فهو ليس بكاهن ولا بشاعر. التفسير والبيان: هذه الآيات تتضمن نفي فريتين عن القرآن وعن الرسول ﷺ ، وهما

стр. 5821

الكهانة والشعر، فليس القرآن الكريم من جنس ما تتلقاه الكهنة عن الشياطين، وليس هو من الشعر في شيء، كما أن رسول الله ﷺ ليس كاهنا ولا شاعرا. أما الفرية الأولى فوصفها تعالى ثم ردّ عليها فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾؟ أي هل أخبركم خبرا حقيقيا، نافعا لكم في قاموس المعرفة والعلم، على من تنزل عليه الشياطين من الكهان ونحوهم من الكذبة الفسقة؟ وكان للكهانة تأثير كبير عند العرب في الجاهلية، ولكهانهم مركز مهم، لقطع النزاع، وفض المشكلات من الأمور، مثل هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الخثعمية. وهذه الآيات رد على من زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ﷺ ليس بحق، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئيّ من الجن، أي مسّ، وبيان قاطع بأن ما جاء به هذا الرسول ﷺ إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم، أمين عظيم، وأنه ليس من قبل الشياطين، والجواب من وجهين: ١ - ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي إن الشياطين تنزل على كل كذوب، فاجر فاسق في أفعاله، من الكهنة المتنبئة، مثل شقّ بن رهم، وسطيح بن ربيعة، ومسيلمة وطليحة، ومن الكفار الذين يدعون إلى طاعة الشيطان، ومحمد ﷺ كان يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة عنه. وأما الكهنة فالغالب عليهم الكذب، ومحمد ﷺ فيما أخبر عنه من المغيبات لم يظهر عليه إلا الصدق. ٢ - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ، وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ أي يصغي الكهنة الأفاكون سمعهم إلى الشياطين، فيلقون وحيهم الزائف إليهم، ويتلقفون منهم ما أكثره كذب

стр. 5822

وزور من الظنون والأمارات، فأكثر الشياطين كاذبون فيما يوحون به إليهم، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، كما أن أكثر الأفاكين كاذبون، يفترون على الشياطين ما لم يوحوا به إليهم، فيكون أكثر ما يحكمون به باطلا وزورا. وقيل: يعود الضمير إلى الشياطين، أي يلقون إلى أوليائهم الكهنة المسموع من الملائكة، مما يختطفونه من بعض الكلمات، مما اطلعوا عليه من المغيبات، قبل أن يحجبوا بالرجم، ويبعدوا عن التقاط الكلام من الملأ الأعلى، ثم يوحون به إلى أوليائهم، ويضمون إلى المسموع كذبا كثيرا. والخلاصة: أن الواقع خير شاهد، يوضح كالشمس الفرق بين النبي ﷺ والكهنة، فكل ما أخبر به النبي عن ربه كان صادقا مطابقا للواقع؛ ولم يعرف عنه في سيرته الطويلة المدى إلا الصدق، وأكثر ما يخبر به الكهنة كذب يتنافى مع الواقع، ولم يعرف عن الكهنة إلا الكذب، لذا مجّهم التاريخ، ورفضهم العقل، ولم يعد يصدق أباطيلهم وترهاتهم إلا السّذّج البسطاء من الأولاد والنساء وبعض الكبار السطحيين. وبعد أن بيّن الله تعالى الفرق بين محمد ﷺ وبين الكهنة، بين الفرق بينه ﷺ وبين الشعراء، ردا على الكفار القائلين: لم لا يجوز أن يقال: إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد، كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء، جريا على ما هو المعتاد بأن لكل كاهن وشاعر شيطانا، فقال: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ أي أن الشعراء يتبعهم الضالون، ضلاّل الإنس والجن، المنحرفون عن جادة الحق والاستقامة، أما أتباع محمد ﷺ فهم المهتدون المستقيمون القائمون على منهج الحق والإيمان بالله وعبادته والاستقامة على أمره. ثم بيّن الله تعالى تلك الغواية بأمرين: ١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ أي ألم تعلم أن الشعراء يخوضون في كل

стр. 5823

فن من الكلام، ويتناقضون مع أنفسهم، فقد يمدحون الشيء بعد أن ذموه، وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يقصدون إظهار الحق، ولا إعلان الصدق، فهم قوم خياليون عاطفيون، أما محمد ﷺ فلا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالصدق، ويدعو إلى طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى، والترغيب في الآخرة، والإعراض عن الدنيا غير المفيدة. ٢ - ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ أي أن أكثر قولهم الكذب، فإنهم يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر عنهم، وهذا أيضا من علامات الغواة، فإنهم يرغّبون في الجود ويرغبون عنه، وينفّرون عن البخل ويصرّون عليه، ويقدحون في الأعراض لأدنى سبب، ولا يرتكبون إلا الفواحش، أما النبي محمد ﷺ فعلى خلاف ذلك، لا يأمر بالشيء إلا وقد فعله، ولا ينهى عن الشيء إلا وقد اجتنبه، يأمره ربه بإخلاص العبادة له أولا: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ولا يستثني قرابته من شيء من التكاليف الشرعية أو المدنية أو السياسية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. فمنهج الشعراء مخالف لحال النبوة، فإنها طريقة واحدة لا يتبعها إلا الراشدون، ودعوة الأنبياء واحدة، وهي الدعاء إلى توحيد الله وعبادته والترغيب في الآخرة والصدق (١). ثم استثنى الله تعالى من الشعراء من اتصف بصفات أربع هي الإيمان، والعمل الصالح، وذكر الله وتوحيده، ونصرة الحق وأهله، فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً، وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ أي إلا الذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، وذكروا الله كثيرا في كلامهم أو شعرهم، ودافعوا عن النبي ودينه وقاوموا الشرك وأهله، مثل حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك،

стр. 5824

وكعب بن زهير الذين ردوا على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين. ومثلهم بعدئذ البوصيري ﵀ وأحمد شوقي في مدائحه النبوية ونحوهم. وقيل: المراد بهذا الاستثناء عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير؛ لأنهم كانوا يهجون قريشا، وعن كعب بن مالك «أن رسول الله ﷺ قال له: اهجهم، فو الذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل» وكان يقول لحسان بن ثابت: «قل وروح القدس معك». ثم ختم الله تعالى السورة بالتهديد الشديد والوعيد الأكيد، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ أي إن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، والتأمل في هذه البينات الفارقة بين نبوة النبي وكهانة الكهان وشعر الشعراء، سيعلمون أي مرجع يرجعون إليه بعد الموت؛ لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب، وهو شر مرجع. ذكر الجمهور أن المراد من الآية الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء. قال الرازي: والأول-أي هذا الرأي-أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها. ثم قال ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم، كما قال ابن أبي حاتم، ومن الوقائع الشهيرة في الاستشهاد بهذه الآية ما قالته عائشة: «كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما وصّى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به، ورجائي فيه، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾». قال القرطبي: والفرق بين المنقلب والمرجع: أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: هو العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، ذكره الماوردي.

стр. 5825

فقه الحياة أو الأحكام: حسمت الآيات الفرق بين النبوة وبين الكهانة والشعر، فالنبوة حق وصدق، والنبي موحى إليه من عند ربه، والقرآن كلام الله الذي نزل به جبريل الأمين على قلب النبي ﷺ . ولا يمكن للشياطين أن تتنزل بالقرآن ولا تستطيعه ولا تنسجم معه، فهو يدعو إلى الإيمان والهداية والحق والاستقامة، أما الشياطين فتدعو إلى الكفر والضلال والباطل والفساد والانحراف. والشياطين تتنزل على كل أفّاك (كذوب) أثيم (فاجر في أفعاله) والكهنة يصغون السمع إلى الشياطين، وأكثر الكهنة والشياطين كاذبون في أخبارهم وأقوالهم. أما الأنبياء فينزل جبريل الأمين عليهم بالوحي الصادق الذي لا مرية فيه بكونه من رب العالمين. والشعراء الماجنون يتّبعهم ضلال الجن والإنس الزائغون عن الحق، وهذا دليل على أن الشعراء أيضا غاوون؛ لأنهم لو لم يكونوا غاوين، ما كان أتباعهم غواة. أما النبي فيتبعه صلحاء الجن والإنس؛ لأنه يدعو إلى الخير والصلاح والبر والتقوى. والدليل على غواية أغلب الشعراء أمران: أنهم في كل لغو يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق؛ لأن من اتّبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما يقوله تثبّت، ولم يكن هائما على وجهه، لا يبالي بما قال؛ وأن أكثرهم يكذبون، فيدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه. لكن هناك أيضا شعراء صالحون هم المتصفون بالأوصاف الأربعة التالية: وهي الإيمان بالله الحق وبنبيه المرسل، والقيام بالعمل الصالح الذي يرضي الله،

стр. 5826

وذكر الله كثيرا في كلامهم، والانتصار من الظالم بعد ظلمه، والانتصار يكون بالحق وحده وبما حدّه الله ، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. ثم حذر القرآن وهدد من انتصر بظلم، فإنه سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله ، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة. موقف الإسلام من الشعر: ورد عن النبي ﷺ أحاديث في الشعر، منها ما أقره، ومنها ما ذمّه، فمن الأحاديث التي ذمّت الشعر: ما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه (١) خير من أن يمتلئ شعرا». ومن الأحاديث التي مدحت الشعر ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن من البيان سحرا، وإن من الشعر حكما». ويمكن التوفيق بين الحديثين بحمل الأول على الشعر المذموم الرديء المردود، كالشعر الذي يتكلم في الغزل الخليع، ويشبّب بالنساء والغلمان، والذي يدعو إلى الفجور والفسق، وإن كان فنا رائعا في الأدب. ومنه شعر الشاعر الذي يتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم. ومثل هذا، كلّ ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، ولا يحل إعطاؤه شيئا؛ لأن ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه للضرورة بنية وقاية العرض، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة.

стр. 5827

ومنه شعر الهجاء الذي لم يقصد به هجو الكفار ونصرة الإسلام والمسلمين، فإن كان انتصارا لمن هجا المسلمين، وشبب بأعراضهم جاز، وكان مستحسنا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨/ ٤]. ويحمل الحديث الآخر على الشعر الممدوح الحسن المقبول الذي قصد به إظهار الحق، وإيراد الحكمة، وتعليم الجاهل، ونصرة المظلوم والحق، والدفاع عن الوطن، والذود عنه بجيد الكلام، ونحو ذلك من كل ما فيه نفع، وتربية للنفوس، وتهذيب للعقول، وتوحيد الصفوف. وهذا التوفيق بين الحديثين ما هو إلا نوع من وسطية الإسلام المعروفة، والاعتدال في الأشياء كلها؛ روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام». (١) وردد هذا المعنى كبار الأئمة وعلماء اللغة والأدب، فقال الإمام الشافعي ﵁: الشعر نوع من الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، يعني أن الشعر ليس يكره لذاته، وإنما يكره لمضمونه، وقد كان عند العرب عظيم الأثر والموقع. وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النّهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثّل به أو سمعه، فرضيه ما كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء، لا يحل سماعه ولا قوله. والخلاصة: إن من الشعر ما يجوز إنشاده، ومنه ما يكره أو يحرم.

стр. 5828

ومن الأمثال الرائدة والنماذج الطيبة للشعر الذي أقره النبي ﷺ ما يأتي: ١ - روي مسلم من حديث عمرو بن الشّريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما، فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصّلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت. قال القرطبي: وهذا دليل على جواز حفظ الأشعار المتضمنة للحكمة والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا وعقلا، أي والداعية إلى فضائل الأخلاق. وإنما استكثر النبي ﷺ من شعر أمية؛ لأنه كان حكيما؛ ألا ترى قوله ﷺ : «وكاد أمية بن أبي الصّلت أن يسلم». ٢ - فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه، فذلك مندوب إليه، وكذلك مدح رسول الله ﷺ ، فقد مدحه العباس، فقال له: «لا يفضض الله فاك» ومنه الدفاع عن النبي ﷺ ، فقد أقر حسّان بن ثابت على ذلك، ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لحسان: «اهجهم-أو هاجهم-وجبريل معك» أو «قل وروح القدس معك». وروى الإمام أحمد عن كعب بن مالك أنه قال للنبي ﷺ : قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل، فقال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النّبل» أو «اهجهم، فو الذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من رشق النّبل». ٣ - روى مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: «أصدق كلمة-أو أشعر كلمة-قالتها العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». أما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم: فهو المتكلم بالباطل، حتى يفضّلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحّهم على حاتم، وأن يبهتوا البريء،

стр. 5829

ويفسقوا التقيّ، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء، رغبة في تسلية النفس وتحسين القول، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحة بعنوان (باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر). لكن قد يكون الشعر حراما كما بينا في أغراضه وفي أمثلة الشعر المذموم، وقد يكون كفرا كهجو النبي ﷺ ، سواء كان قليلا أو كثيرا. وأما هجو غير النبي ﷺ من المسلمين فهو محرم قليله وكثيره. قال ابن العربي: أما الاستعارات والتشبيهات فمأذون فيها، وإن استغرقت الحدّ، وتجاوزت المعتاد. ثم قال: وبالجملة، فلا ينبغي أن يكون الغالب على العبد الشعر حتى يستغرق قوله وزمانه، فذلك مذموم شرعا (١). وقد أنهى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ﵁ مشكلة تكسب الشعراء بشعرهم، فلم يعطهم العطايا المعتادة، وكشف حقائقهم، وساسهم بمنطق الشرع وعدله، فأعطى الفرزدق أربعة آلاف درهم، لئلا يعرض لأحد من أهل المدينة بمدح ولا هجاء، ومنح الأحوص أحد شعراء المدينة مائة دينار، على أن يكف عن هجاء أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان، وعاقب الشاعر جرير بالرغم من مدحه، مع عمرو بن لجأ التيمي، لما تهاجيا وتقاذفا، وغضب على شاعر الخلاعة والعزل والتشبيب بالنساء عمر بن أبي ربيعة، ونفاه إلى دهلك، لكثرة تعرضه لنساء الأشراف وبناتهم (٢).

стр. 5830

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النمل مكية، وهي ثلاث وتسعون آية. تسميتها: سميت سورة النمل لإيراد قصة وادي النمل فيها، ونصيحة نملة منها بقية النمل بدخول جحورهن، حتى لا يتعرضن للدهس من قبل جند سليمان ﵇ دون قصد، ففهم سليمان الذي علمه الله منطق الطير والدواب كلامها، وتبسم ضاحكا من قولها، ودعا ربه أن يلهمه شكره على ما أنعم به عليه. مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه: ١ - أنها كالتتمة لها في بيان بقية قصص الأنبياء، وهي قصة داود وسليمان ﵉. ٢ - أن فيها تفصيلا لما أجمل في سورة الشعراء من القصص النبوي، وهي قصة موسى في الآيات [٧ - ١٤] وقصة صالح في الآيات [٤٥ - ٥٣] ولوط في الآيات [٥٤ - ٥٨]. ٣ - نزلت هذه السور الثلاث (الشعراء، والنمل، والقصص) متتالية على هذا الترتيب، وذلك كاف في ترتيبها في المصحف على هذا النحو. روي عن

стр. 5831

ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب نزول السور: أن الشعراء، ثم طس، ثم القصص. كما يوجد تشابه بينها في البداية والافتتاح (طسم، الشعراء، طس، النمل، طسم، القصص) ولعل التشابه بين الأولى والثالثة، والاختلاف الجزئي في الثانية دليل على تأكيد المقصود بهذه الحروف المقطعة وهو تحدي العرب بالقرآن الذي تكوّن من حروف لغتهم المتركبة في جمل، بزيادة أحيانا ونقص أحيانا من تلك الحروف. ٤ - كذلك وجد التشابه الموضوعي بينهما في وصف القرآن وتنزيله من عند الله؛ لأنه قال في بداية الشعراء: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ وقال هنا: ﴿تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ وقال في أواخر الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ وقال هنا: ﴿تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ﴾ أي الذي هو تنزيل رب العالمين. ٥ - تلتقي السورتان في بيان وحدة القصد من القصص القرآني، وهو تسلية الرسول ﷺ عما يلقاه من أذى قومه، وإعراضهم عنه. مشتملاتها: هذه السورة المكية تتفق مع أغراض السور المكية في بيان أصول العقيدة: وهي التوحيد، والنبوة، والبعث، وإثبات كون القرآن الكريم منزلا من عند الله العزيز الحكيم. وإسهاما في توضيح تلك الأغراض أبانت السورة معجزة النبي محمد ﷺ الخالدة، وهي تنزيل القرآن المجيد هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين، ثم سردت وقائع مثيرة من قصص الأنبياء: موسى، وداود، وسليمان، وصالح، ولوط، ﵈، تبين مدى ما تعرّض له موسى وصالح ولوط من أذى أقوامهم، وتكذيبهم برسالاتهم، وإنزال العقاب الأليم بهم، وتنبّه إلى ما أنعم الله به على

стр. 5832

داود وسليمان من النعم العظمى، بهبة النبوة والملك والسلطان، وتسخير الجن والإنس والطير، وإذعان الملكة بلقيس لدعوة سليمان. وفي هذا حكمة بالغة لأصحاب السلطة هي اتخاذ السلطان والنفوذ سبيلا للدعوة إلى الله ﷻ . وتلا ذلك بيان الأدلة والبراهين على وجود الله وتوحيده من خلق الكون: سمائه وأرضه، بره وبحره، وإلهام الإنسان الإفادة من كنوز الأرض، والهداية في ظلمات البر والبحر، وإمداده بالأرزاق الوفيرة، ومفاجأته بأهوال يوم القيامة ومغيبات الأحداث، وسعة علم الله، وتعاقب الليل والنهار. وأنكرت السورة بعدئذ على المشركين تكذيبهم بالبعث والحشر والنشور، وألزمت بني إسرائيل بالاحتكام إلى القرآن في خلافاتهم وخصوماتهم، وتحدثت عن أشراط الساعة، كخروج دابة الأرض، وحشر فوج من كل أمة، وتسيير الجبال، ثم ذكّرت بالنفخ في الصور لجمع الناس ومجيئهم داخرين صاغرين لله تعالى. وختمت السورة بتصنيف الناس إلى سعداء أبرار، وأشقياء فجار، وجزاء كلّ بما يستحق خيرا أو شرا، وإعلام المشركين بوجوب عبادة الله وحده، والتخلي عن عبادة الأصنام والأوثان، والالتزام بمنهج القرآن ودستوره في الحياة؛ لأنه نور وهداية، ومن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها، وتعريفهم بآيات الله العظمى في وقت لا ينفعهم فيه شيء غير الإيمان بالله وحده، وتعرضهم للجزاء الحتمي عن جميع أعمالهم. والخلاصة: أن ما ذكر في هذه السورة يدعو إلى المبادرة إلى الإيمان بالله تعالى ربا وإلها لا شريك له، والتصديق بالبعث طريقا لإنصاف الخلائق، واتخاذ القرآن نبراسا ودستورا للحياة الإنسانية.

стр. 5833

رسالة القرآن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ الإعراب: ﴿هُدىً.﴾. إما منصوب على الحال من الكتاب، أي تلك آيات القرآن هاديا، ﴿وَبُشْرى﴾ عطف عليه، أي مبشرا؛ وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو هدى، أو خبر بعد خبر، فإن قوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿آياتُ الْقُرْآنِ﴾ خبره، و ﴿هُدىً﴾ خبر بعد خبر. ﴿فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ تبيين، وليس بمتعلق بالأخسرين، فإن من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة. البلاغة: ﴿تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ﴾ إشارة بالبعيد بدلا عن القريب، لبيان رفعة القرآن وعلو شأنه. ﴿وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ التنكير للتفخيم والتعظيم، أي كتاب عظيم الشأن رفيع القدر. ﴿هُدىً وَبُشْرى﴾ التعبير بالمصدر بدلا عن اسم الفاعل للمبالغة، أي هاديا ومبشرا. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ بينهما مقابلة، وتكرار الضمير فيهما لإفادة الحصر والاختصاص.

стр. 5834

﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ التأكيد بإن واللام للرد على المتشككين في القرآن. المفردات اللغوية: ﴿طس﴾ تقرأ: طا، سين، وهذه الحروف المقطعة التي ابتدئ بها في كثير من السور القرآنية للتنبيه، أريد بها تحدي العرب للإتيان بمثل القرآن، ما دام مكونا من حروف لغتهم التي بها ينطقون ويخطبون وينظمون الشعر. ﴿تِلْكَ آياتُ﴾ أي هذه الآيات، أو أي السورة ﴿آياتُ الْقُرْآنِ﴾ أي آيات من القرآن، والإضافة للتفخيم لها والتعظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم. ﴿وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ مظهر للحق من الباطل، والمراد بالكتاب: إما اللوح، وإبانته: أنه قد خط فيه كل ما هو كائن، فهو يبينه للناظرين، وإما القرآن ذاته، وإبانته: أنه يبين ما أودع فيه من العلوم والحكم والشرائع، وإعجازه ظاهر مكشوف، وإذا أريد بالكتاب هنا القرآن، فيكون ذلك عطفا لإحدى الصفتين على الأخرى، بزيادة صفة، ولتغايرهما في المدلول عليه بالصفة، من حيث إن مدلول ﴿الْقُرْآنِ﴾ الاجتماع، ومدلول ﴿كِتابٍ﴾ الكتابة. وتنكير ﴿كِتابٍ﴾ للتفخيم والتعظيم. ﴿هُدىً﴾ أي هو هاد من الضلالة. ﴿وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي مبشرا للمصدقين بالجنة، أو هما حالان من الآيات، والعامل فيهما معنى الإشارة. ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ يأتون بها تامة على وجهها المطلوب. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ يعطون الزكاة المفروضة. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي يصدقون ويعلمون بوجود الآخرة بالاستدلال، والواو: للحال، أو للعطف، وتغيير النظم للدلالة على قوة يقينهم وثباته، وأنهم الأوحدون فيه. ويصح أن تكون جملة اعتراضية، كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة، لأن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والتوثق من المحاسبة. ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ القبيحة، بأن جعلها مشتهاة للطبع، محبوبة للنفس. ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ويتحيرون فيها لقبحها وعدم إدراكهم ما يتبعها من ضر أو نفع. ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ أشده في الدنيا، كالقتل والأسر يوم بدر. ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أشد الناس خسرانا؛ لفوات المثوبة، واستحقاق العقوبة في النار المؤبدة عليهم. ﴿وَإِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ لتؤتاه، ويلقى عليك بشدة. ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ من عند أحكم الحكماء وأعلم العلماء. والجمع بين الصفتين، مع أن العلم داخل في الحكمة، لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، وللدلالة على أن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقصص والإخبار عن المغيبات.

стр. 5835

التفسير والبيان: ﴿طس﴾ حروف مقطعة في أوائل السور، للتنبيه على إعجاز القرآن، كما بينا. ﴿تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك أيها النبي في هذه السورة هي آيات القرآن المجموع في النهاية، وآيات الكتاب المسطور في السطور، الواضح البيّن، الذي سيبقى إلى يوم القيامة، ويسهل العمل به لوضوحه وبيانه المشرق، ويستفيد منه من تأمل فيه، واستعذب حلاوة كلام الله، وفكّر في عظمته وفضل الله تعالى في إنزاله وبيانه، فهو ليس من كلام البشر، بل ولا يستطيع أحد الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه. وعطف الكتاب على القرآن من عطف إحدى الصفتين على الأخرى، كما بينا في المفردات، كما تقول: هذا فعل السخي والجواد والكريم. ويلاحظ أن هاتين الصفتين مرة يذكران بالتعريف، ومرة بالتنكير، والمعنى واحد، وأن القرآن له صفتان: قرآن وكتاب؛ لأنه يظهر بالقراءة والكتابة. ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن القرآن هاد للناس من الضلالة، ومبشر المؤمنين الطائعين بالجنة وبرحمة الله تعالى. ومعنى كون القرآن هدى للمؤمنين: أنه يزيدهم هدى على هداهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤/ ٩] وأنه يهديهم إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء ١٧٥/ ٤]. والتخصيص بالمؤمنين للدلالة على أن الهداية والبشارة إنما يحصلان لمن آمن به، واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه. ثم ذكر تعالى مظاهر الإيمان فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي إن المؤمنين المنتفعين بالقرآن هداية وبشارة هم الذين يؤدون الصلاة كاملة

стр. 5836

الأركان، تامة الشروط، مستحضرا فيها المصلي عظمة ربه، خاشعا في تلاوته ومناجاته وأذكاره وتسبيحاته، ويعطون الزكاة المفروضة المطهرة لأموالهم وأنفسهم من الدنس والشبهات، ويوقنون بالدار الآخرة، والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، والجنة والنار، فيستعدون للأنسب الأفضل لهم، ويطيعون ربهم فيما أمر به، وينأون عما نهي عنه وزجر. ثم قارن الله تعالى حال هؤلاء بحال من لا يؤمن بالآخرة، فذكر منكري البعث بعد ذكر المؤمنين الموقنين بالبعث فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ، فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي إن الذين يكذبون بالآخرة ويستبعدون وقوعها بعد الموت، حسّنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم، فهم يتيهون ويترددون في ضلالهم، جزاء على ما كذبوا من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦]. ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي أولئك جزاؤهم العذاب السيء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فمثل قتلهم وأسرهم يوم بدر، وأما في الآخرة فلهم عذاب النار، بل هم في الآخرة أشد الناس خسرانا، لا يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر؛ لأن عذابهم فيها دائم لا ينقطع. وبعد وصف حال المؤمنين بالقرآن والمكذبين به، ذكر الله تعالى حال المنزل عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي وإنك أيها الرسول لتأخذ القرآن وتعطاه وتتعلمه من عند حكيم في أمره ونهيه وتدبير خلقه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها وبأحوال خلقه وما فيه خيرهم، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام ١١٥/ ٦].

стр. 5837

فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من هذه الآيات ما يلي: ١ - آيات هذه السورة آيات القرآن، وآيات كتاب مبين، وهما صفتان: صفة بأنه قرآن مقروء مجموع مصون، وصفة بأنه كتاب مكتوب، فهو يظهر بالقراءة ويظهر بالكتابة. وذكر القرآن بلفظ المعرفة، وذكر كتاب بلفظ النكرة، وهما في معنى المعرفة، كما تقول: فلان رجل عاقل، وفلان الرجل العاقل. وذلك بدليل ورودهما في سورة الحجر بالعكس: ﴿الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ فورد الكتاب بلفظ المعرفة، والقرآن بلفظ النكرة؛ لأن القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة. ووصف القرآن أو الكتاب بصفة «المبين» لأنه تعالى بيّن فيه أمره ونهيه وحلاله وحرامه ووعده ووعيده. ٢ - وكذلك آيات هذا الكتاب أو القرآن هادية ومبشرة للمؤمنين بالجنة، أولئك المؤمنون المتصفون بأنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصدقون بالآخرة صدقا لا شك فيه ولا تردد. ٣ - أما الذين لا يصدقون بالبعث فهم في حيرة وضلالة، يترددون في مهاوي الضلال، لذا عاقبهم الله جزاء كفرهم بتزيين أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة، قال الزجّاج: «جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه» وهم يترددون في أعمالهم الخبيثة وفي ضلالتهم. ولهم عدا هذا العقاب المعنوي عقاب مادي سيء في الدنيا والآخرة وهو جهنم، وبما أنهم خسروا الآخرة بكفرهم، فهم أخسر كل خاسر.

стр. 5838

٤ - إن تنزيل القرآن على النبي ﷺ وتعليمه إياه وتلقينه به من عند الله العلي الحكيم بتدبير خلقه، العليم بأحوالهم وبما يصلحهم. وهذه الآية الأخيرة تمهيد لسياق القصص التالية عن الأنبياء ﵈. القصة الأولى قصة موسى ﵇ بالوادي المقدس ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ ﴿قَبَسٍ﴾ بالتنوين: بدل مجرور من شهاب. ومن قرأ بغير تنوين أضاف كلمة ﴿بِشِهابٍ﴾ إلى ﴿قَبَسٍ﴾ إضافة النوع إلى جنسه، مثل: ثوب خزّ. ﴿تَصْطَلُونَ﴾ أصلها «تصتليون» فأبدل من التاء طاء، لتوافق الطاء في الإطباق، ونقلت

стр. 5839

الضمة من الياء إلى اللام، فبقيت الياء ساكنة، وواو الجمع ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي أنه بورك، وهو في موضع رفع ب ﴿نُودِيَ﴾. و ﴿مَنْ فِي النّارِ﴾، أي من في طلب النار، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ﴿أَنَا اللهُ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للخبر. ﴿تَهْتَزُّ، كَأَنَّها جَانٌّ﴾ ﴿تَهْتَزُّ﴾ جملة فعلية حال من هاء ﴿رَآها﴾. و ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ حال أيضا، أي فلما رآها مهتزة مشبهة جانا، و ﴿مُدْبِراً﴾ حال منصوب أيضا. ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب، لأنه استثناء منقطع. ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ ﴿بَيْضاءَ﴾ حال من ضمير ﴿تَخْرُجْ﴾. و ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾ حال من مرسلا المحذوف المنصوب على الحال، لدلالة الحال عليه، أي مرسلا إلى فرعون. ﴿مُبْصِرَةً﴾ حال من الآيات، أي مبينة. البلاغة: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ إيجاز بالحذف، حذفت جملة: فألقاها، فانقلبت حية، لدلالة السياق عليه. ﴿حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ و ﴿وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ بين كل منهما طباق. ﴿آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ استعارة، استعار لفظ الإبصار للوضوح والبيان؛ لأن الإبصار يكون بالعينين. ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكرت أداة الشبه، وحذف وجه الشبه، فصار مرسلا مجملا. المفردات اللغوية: ﴿إِذْ قالَ﴾ أي اذكر حين قال موسى. ﴿لِأَهْلِهِ﴾ كنى عن زوجته بالأهل عند مسيرته من مدين إلى مصر. ﴿آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد. ﴿بِخَبَرٍ﴾ عن حال الطريق؛ لأنه قد ضله. وجمع الضمير في قوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ و ﴿آتِيكُمْ﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ مراعاة لكلمة ﴿لِأَهْلِهِ﴾. وأتى بالسين في قوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ للدلالة على بعد المسافة، أو الوعد بالإتيان وإن أبطأ. وأتى بأو دون الواو اعتمادا أو رجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معا، لم يعدم واحدة منهما: إما هداية الطريق،

стр. 5840

وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وقد ظفر بكلتا حاجتيه وهما عز الدنيا وعز الآخرة. ﴿بِشِهابٍ﴾ شعلة نار. ﴿قَبَسٍ﴾ قطعة من النار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها. ﴿تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون من البرد، وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ معناه رجاء أن تستدفئوا. ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ أي نودي بأن بارك الله، فأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة، أو مفسرة، لأن النداء فيه معنى القول ﴿مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي بورك من في مكان النار وهو موسى والبقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ﴾ [القصص ٣٠/ ٢٨]. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ المكان الذي حولها، والمعنى: بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، قال البيضاوي: والظاهر أنه عام في كل من في تلك البقعة وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات؛ لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتا، وخصوصا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى. ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ من جملة ما نودي، ومعناه: تنزيه الله من السوء. ﴿يا مُوسى إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن والأمر. ﴿تَهْتَزُّ﴾ تتحرك باضطراب. ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ حية خفيفة سريعة. ﴿وَلّى مُدْبِراً﴾ هرب. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع على عقبه. ﴿لا تَخَفْ﴾ من غيري ثقة بي، أو مطلقا، لقوله: ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ لا يخاف عندي الرسل من حية وغيرها، حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق. ﴿إِلاّ﴾ لكن فهو استثناء منقطع. ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسه. ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ أتى حسنا بعد سوء وبدل ذنبه بالتوبة، أي تاب. ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أستر عليه وأغفر له وأرحمه بقبول التوبة. والمراد من الاستثناء التعريض بموسى حينما وكز القبطي. ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ طوق قميصك. ﴿تَخْرُجْ﴾ خلاف لونها من الأدمة أي الجلد. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص ونحوه من الآفات، لها شعاع يغشي البصر. ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ أي تلك آية من تسع آيات أي معجزات دالة على صدقك، أو في جملتها، والتسع: هي فلق البحر، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، والطمسة، وجدب واديهم، ونقصان مزارعهم. ومن عد العصا واليد من التسع جعل الأخيرين واحدا، ولم يعد الفلق منها؛ لأنه لم يبعث به إلى فرعون وقومه. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ تعليل للإرسال. ﴿مُبْصِرَةً﴾ بينة واضحة مضيئة. ﴿مُبِينٌ﴾ بيّن ظاهر. ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ لم يقروا. ﴿اِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ تيقنوا أنها من عند الله والاستيقان أبلغ من الإيقان. ﴿ظُلْماً﴾ لأنفسهم. ﴿وَعُلُوًّا﴾ ترفعا وتكبرا عن الإيمان بما جاء به موسى. ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد. ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهو الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. قال الزمخشري: وأي ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينات واضحة جاءت من عند الله، ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه.

стр. 5841

المناسبة: بعد أن أخبر الله تعالى أن القرآن المجيد متلقى من عند الله الحكيم العليم، أمر النبي ﷺ بتلاوة بعض ما تلقاه، تقريرا له، وهو ما أورده من بعض القصص للعظة والذكرى. التفسير والبيان: ابتدأ الله تعالى بالتذكير بقصة موسى كيف اصطفاه الله وكلّمه وناجاه، وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا، واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ: إِنِّي آنَسْتُ ناراً، سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي اذكر أيها الرسول حين سار موسى بأهله (زوجته) من مدين إلى مصر، فضل الطريق في ليل مظلم، فرأى من بعيد نارا تتأجج وتضطرم، فقال لأهله مستبشرا بمعرفة الطريق والاصطلاء بالنار: إني أبصرت نارا، سآتيكم منها بخبر عن الطريق، أو آتيكم منها بشعلة نار، تستدفئون بها في هذه الليلة الباردة. وكان الأمر كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم هو النبوة، واقتبس منها نورا عظيما لا نارا هو نور الرسالة، كما قال: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها، وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي فلما وصلها، ورأى منظرها هائلا حيث تضطرم النار في شجرة خضراء، فلا تزداد النار إلا توقدا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضارة، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعنان السماء، ولم تكن نارا، وإنما كانت نورا، هو نور رب العالمين، كما قال ابن عباس، فوقف موسى متعجبا مما رأى، فنودي أن

стр. 5842

بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، أي تبارك من في النور، والمكان: هو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ﴾ [القصص ٣٠/ ٢٨] وما حولها: أرض الشام ذات البركات والخيرات؛ لكونها مهبط الأنبياء، ومبعث الرسالات. وقيل: من في النور هو الله سبحانه، ومن حولها: الملائكة، والأولى ما ذكرناه. وسبب المباركة: حدوث هذا الأمر العظيم فيها، وهو تكليم الله موسى ﵇، وجعله رسولا، وإظهار المعجزات على يده، ولما كان هذا الحال قد يوهم بالتجسيم والمادية نزه الله تعالى نفسه عما لا يليق بذاته وحكمته، فقال: ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي تنزه الله الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، والأحد الفرد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات. وقد عرف موسى أن ذلك النداء من الله تعالى؛ لأن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق، فصار ذلك كالمعجز الدال على صدور الكلام من الله سبحانه. ومما يدل على صحة هذا التعليل المروي عن ابن عباس: ما أخرجه مسلم في صحيحة وابن ماجه في سننه، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، لو كشفها (١) لأحرقت سبحات (أنوار) وجهه كل شيء

стр. 5843

أدركه بصره» ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها، وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ثم صرح الله تعالى بإظهار كلامه فقال: ﴿يا مُوسى، إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي يا موسى، إن الذي يخاطبك ويناجيك هو الله ربّك الذي عزّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله. ثم أراه قدرته وأيده بالمعجزات، فقال تعالى: المعجزة الأولى: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ، فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ، وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي أمره الله بإلقاء عصاه من يده على الأرض، فلما ألقاها، انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة، في غاية الكبر وسرعة الحركة معا، فلما رآها هكذا، ولّى هاربا خوفا منها، ولم يرجع على عقبيه، ولم يلتفت وراءه من شدة خوفه. فهدّأ الحق تعالى نفسه، وأزال عنه الرعب، فقال: ﴿يا مُوسى، لا تَخَفْ، إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي لا تخف يا موسى مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولا، وأجعلك نبيا وجيها، ولا يخاف عندي الرسل والأنبياء إذا أمرتهم بإظهار المعجزة. ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا استثناء عظيم، وبشارة عظيمة للبشر في هذا الكلام الرباني المباشر مع موسى، أي لكن من ظلم نفسه أو غيره أو كان على عمل سيء، ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب إلى ربه، فإن الله يقبل توبته؛ لأنه بدل بتوبته عملا حسنا بعد سوء، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه ٨٢/ ٢٠] وقال

стр. 5844

سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ، يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء ١١٠/ ٤]. المعجزة الثانية: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي أدخل يدك في جيب قميصك (١) فإذا أدخلتها وأخرجتها، خرجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف، من غير آفة بها كبرص وغيره. ويلاحظ أن المعجزة الأولى كانت بتغيير ما في يده وقلبها من جماد إلى حيوان، والثانية بتغيير يده نفسها وجعلها ذات أوصاف نورانية. ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ أي هاتان المعجزتان أو الآيتان في جملة أو من تسع آيات أخرى أؤيدك بهن، وأجعلها برهانا لك، مرسلا بها إلى فرعون وقومه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء ١٠١/ ١٧]. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ أي لأنهم كانوا قوما عصاة خارجين عن دائرة الحق، بتأليه فرعون. وهذا تعليل لما سبق من تأييده بالمعجزات. ثم كان اللقاء مع فرعون وقومه، فقال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي فلما جاءت فرعون وقومه آياتنا التسع بينة واضحة ظاهرة دالة على صدق موسى وأخيه هارون، أنكروها وقالوا: هذا سحر واضح ظاهر، وأرادوا معارضته بسحرهم فغلبوا وانقلبوا صاغرين. وعبّر بقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ للدلالة على أنها لفرط وضوحها

стр. 5845

كأنها تبصر نفسها. ونظرا لهذا الوضوح فيها صدقوا بها في قلوبهم، وكذبوا بها في الظاهر بألسنتهم فقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ أي وأنكروها وكذبوا بها في ظاهر الأمر مكابرة بالألسنة وعنادا، وتيقنوا وعلموا في أنفسهم أنها حق من عند الله ظلما من أنفسهم واستكبارا عن اتباع الحق، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ [المؤمنون ٤٦/ ٢٣]. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي انظر أيها الرسول وكل سامع كيف كان عاقبة أمر فرعون وقومه في إهلاك الله إياهم وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة. وفي هذا تحذير لمكذبي الرسل الذين أرسلهم الله لهداية البشرية. والمعنى: فاحذروا أيها المكذّبون لمحمد ﷺ ، الجاحدون لما جاء به من عند ربه أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك بطريق الأولى والأخرى، لأن النبوات ختمت برسالته، ولأن القرآن المنزل عليه مصدّق لما بين يديه وما تقدمه من الكتب السابقة ومهيمن عليها، ولبشارات الأنبياء به وأخذ المواثيق له، ولتأييده بأدلة دالة على صدق نبوته أكثر من موسى ﵇ وغيره من الأنبياء والرسل، وعلى رأسها معجزة القرآن المجيد، كما أخبر تعالى في مطلع هذه السورة: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: تكررت قصة موسى ﵇ في القرآن الكريم في سور عديدة، لما تضمنت من العظة والعبرة التي تتجلى في قهر الله أكبر قوة عاتية بشرية وتحطيم جبروت سلطة ظالمة غاشمة، على يد رجل أعزل من السلاح هو وأخوه هارون إلا أنهما قويان بقوة الله، وقوة الإيمان، وعظمة النبوة.

стр. 5846

وهي أول قصة حكاها القرآن في هذه السورة على أثر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي خذ يا محمد من آثار حكمة الله وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله: «إني آنست نارا...». مشى موسى ﵇ هو وزوجته من مدين إلى مصر، وشأنه ككل بشر عادي، يحار في الصحراء، ومفارق الطرق، وفي الليالي الظلماء الباردة العاصفة، فضل الطريق، وأحس هو وزوجته بالحاجة إلى الدفء، كما يحس المسافر العادي بالحاجة إلى النار أثناء البرد. واستدرجه ربّه فيما يناسب ظرفه والمناخ الذي يكتنفه، فرأى نارا من بعيد، فبشّر أهله بما رأى، وأنه سيأتي بشعلة نار منها، ويهتدي بأهل النار إلى الطريق، إذ النار لا توقد وحدها من دون شخص يوقدها. ولكنه فوجئ بنقيض مقصوده، لما جاء المكان الذي ظن أنه نار، وهي نور، وذلك أنه لما رأى موسى النار وقف قريبا منها، فوجدها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الاخضرار، يقال لها العلّيق، لا تزداد النار إلا عظما وتضرّما، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا، وأراد أن يقتطع منها غصنا ملتهبا، فلم يتمكن، حتى تبين أنها مباركة، ثم نودي: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي ناداه الله مباركا مكان النار، ومن حولها: الملائكة والبقعة وموسى. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه؛ قال: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود ٧٣/ ١١]. والخلاصة: إن هذه النار التي رآها موسى فيض من نور الله، تمهيدا لتكليم الله موسى وتحيته وجعله نبيا رسولا، وتنزيها وتقديسا لله رب العالمين، علما بأن هذا الكلام الأخير من قول الله تعالى تعليما لنا، وقيل: إن موسى ﵇ قال حين فرغ من سماع النداء: استعانة بالله تعالى وتنزيها له.

стр. 5847

وكانت فاتحة خطاب الله لموسى إظهار عظمة الله وعزته وحكمته البالغة: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي إنني أنا الله الغالب القاهر الذي ليس كمثله شيء، الحكيم في أمره وفعله. ثم جعل له تسع آيات دليلا وبرهانا على نبوته، وأهمها وأبرزها: العصا واليد، فكان إذا ألقى عصاه من يده، صارت حية تهتز كأنها جانّ، وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم، وقيل: إنها كبيرة ضخمة ذات حركة سريعة. وإذ أدخل يده في جيب ثم أخرجها أصبحت ذات مصدر إشعاع ونور كالقمر. ومن الطبيعي أن يخاف موسى ﵇ لأول مرة من الحية المضطربة المتحركة التي يخشى الإنسان من لدغها بالفطرة، ففرّ هاربا منها، ولم يرجع ولم يلتفت إلى ما وراءه، فطمأنه ربه العلي العظيم قائلا: ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ وهذا خبر بالرسالة والنبوة. ثم استثنى استثناء منقطعا من خلاف جنس المستثنى منه فقال: ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي لكن لا يخاف من ظلم وعصى وأساء، ثم تاب وأناب لربه، فالله غفور لمن تاب، رحيم بمن أناب. وهذا تثبيت لموسى بأنه ليس من شأنه الخوف، وتطمين له بأن ربّه غفر له بعد أن تاب من حادث قتل القبطي وهو شاب حدث قبل النبوة. أما بعد النبوة فالأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر. ثم أخبره ربه بأنه مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه الفاسقين، أي الخارجين عن طاعة الله، فأظهر موسى ﵇ لهم معجزاته الباهرة الدالة على صدقه دلالة واضحة بيّنة، فجروا على عادتهم في التكذيب، وأنكروها وعاندوها في الظاهر، ولكنهم تيقنوا من صدقها في الباطن أو في القلب، وأنها من عند الله، وأنها ليست سحرا، غير أنهم تجاهلوا ذلك، وجحدوا بها جحودا ظلما وعلوا واستكبارا كشأن كل العتاة المتكبرين.

стр. 5848

ثم أوجز الله تعالى العبرة من هذه القصة بتلك العبارة التي ختمت بها فقال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي انظر يا محمد كيف كان مصير أو آخر أمر الكافرين الظالمين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه، ولينظر أيضا كل عاقل، وليعتبر بالنتائج الحادثة بأسباب تؤدي إليها في سنة الله ونظامه. القصة الثانية قصة داود وسليمان ﵉ - ١ - نعم الله الجليلة عليهما ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩)﴾

стр. 5849

الإعراب: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ: يا أَيُّهَا النَّمْلُ، اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ خاطبهم مخاطبة من يعقل لما وصفهم بصفات من يعقل. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ﴾ ﴿لا﴾ الناهية، ولهذا دخلت النون المشددة في ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية. البلاغة: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيه حسن الاعتذار والالتفات. ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ، اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيه نداء، وتنبيه، وأمر بالدخول، وبيان الملجأ والمأمن، والتحذير، وتخصيص سليمان، ثم التعميم، والاعتذار الحسن. المفردات اللغوية: ﴿عِلْماً﴾ هو علم الشرائع والأحكام والقضاء بين الناس ومنطق الطير وغير ذلك. ﴿وَقالا﴾ شكرا لله، وعطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة، كأنه قال: ففعلا شكرا له ما فعلا، وقالا: الحمد لله ﴿الَّذِي فَضَّلَنا.﴾. بالنبوة والعلم وتسخير الجن والإنس والشياطين على من لم يؤت علما. وفيه دليل على فضل العلم وشرف أهله، حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبروا ما دونه من الملك. وفيه أيضا تحريض للعالم على أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله وأن يتواضع. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ النبوة والعلم أو الملك دون باقي أولاده الذين كانوا تسعة عشر ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي علمنا فهم ما يريده كل طائر إذا صوّت، والمنطق والنطق: الصوت المعبر عما في النفس. ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تؤتاه الأنبياء والملوك، وفيه التحدث بنعمة الله، ودعوة الناس إلى التصديق بالمعجزة التي هي علم الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه. ﴿إِنَّ هذا﴾ المؤتى. ﴿لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ البيّن الظاهر. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يكفّون، ويجمعون بأن يوقف أوائلهم لتلحقهم أواخرهم من الوزع: الكف والمنع. ﴿وَحُشِرَ﴾ جمع. ﴿وادِ النَّمْلِ﴾ واد في بلاد الشام كثير النمل، وقيل: في بلاد اليمن. ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ هي ملكة النمل، وقد رأت جند سليمان. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ أصله: لا يحتطمنكم، وهو نهي لهم عن الحطم أي عن التوقف بحيث يحطمونها

стр. 5850

ويكسرونها، وهو مثل قولهم: لا أرينك هاهنا. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم يحطمونكم، إذ لو شعروا لم يفعلوا، كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإيذاء. وقد نزل النمل منزلة العقلاء، في الخطاب بخطابهم. ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سليمان. ﴿ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ تعجبا من تحذيرها واهتدائها إلى مصالحها أو سرورا بما خصه الله به من إدراك همسها وفهم غرضها. ﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني. ﴿وَعَلى والِدَيَّ﴾ أدرج في دعائه ذكر والديه تكثيرا للنعمة أو تعميما لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه، والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ﴾ تماما للشكر واستدامة للنعمة. ﴿فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي أدخلني في عدادهم الجنة، وهم الأنبياء والأولياء. المناسبة: هذه قصة ثانية بعد قصة موسى ﵇ تبين آثار حكمة الله، وتعليمه، وإنزال القرآن، وأنه من حكيم عليم، ففيها يخبر الله تعالى عما أنعم به على داود وسليمان من النعم الجليلة والصفات الجميلة، وما جمع لهما من سعادة الدنيا والآخرة بإيتاء النبوة والملك معا. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً، وَقالا: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولقد أعطينا كلا من داود وابنه سليمان طائفة من العلم هو علم الشرائع والأحكام والقضاء بين الناس، وعلمنا داود صنعة دروع الحرب، وعلمنا سليمان منطق الطير، فشكرا الله تعالى على نعمه، وقالا: الحمد لله الذي فضّلنا على كثير من العباد المؤمنين بهذه العلوم والمعارف الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، ولم يؤتهم مثلنا. وهذا دليل على فضل العلم الذي لم يكن الملك إلا دونه، وعلى رفع مرتبة العلم والعلماء، كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَالَّذِينَ أُوتُوا
следующие страницы →