← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

لين ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ النحت: النّجر والبري والتسوية ﴿فارِهِينَ﴾ بطرين، من الفره: وهو شدة الفرح، أو حاذقين بنحتها من الفراهة: وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب، وقرئ: فرهين، أي بطرين وهو أبلغ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أمرتكم به ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ العاصين ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله، وأتى به لبيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح. ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ المغلوب على عقولهم بكثرة السحر ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك الرسالة ﴿شِرْبٌ﴾ نصيب من الماء ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عظم اليوم لعظم ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب ﴿فَعَقَرُوها﴾ رموها بسهم ثم قتلوها، وأسند العقر إلى كلهم؛ لأن عاقرها إنما عقر برضاهم، ولذلك عذبوا جميعا ﴿نادِمِينَ﴾ على عقرها خوفا من حلول العذاب، لا توبة من ذنوبهم، أو عند حلول العذاب، ولذلك لم ينفعهم ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ الموعود به، فهلكوا. ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال البيضاوي: في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم، لما أخذوا بالعذاب، وإن قريشا إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم. المناسبة: لما قص الله على رسوله قصة هود ﵇ وعاد، أتبعه بقصة صالح ﵇ وثمود، وقد كانوا عربا مثل عاد، يسكنون مدينة الحجر التي بين وادي القرى والشام أي على طريق المدينة، ومساكنهم معروفة مشهورة، كانت قريش في رحلة الصيف يمرون عليها، وهم ذاهبون إلى الشام، ومرّ رسول الله ﷺ بهم حين أراد غزو الشام، فوصل إلى تبوك ليتأهب لذلك. وكانوا بعد عاد وقبل الخليل ﵇. دعاهم نبيهم صالح إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلّغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذّبوه وخالفوه، فأخذهم عذاب الزلزلة، فزلزلت بهم الأرض، ولم تبق منهم أحدا، كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة ٥/ ٦٩].

стр. 5777

التفسير والبيان: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قد عرفنا أن هذه المقالة مشابهة لما سبقها من مقالة نوح وهود ﵉. والمعنى: أن قبيلة ثمود كذبت برسالة نبيهم صالح ﵇ حين قال لهم: ألا تتقون عقاب الله، فتؤمنوا به وتوحدوه وتعبدوه، وتطيعوني فيما بلغتكم من الرسالة، فإني رسول من عند الله تعالى، أمين على رسالته التي أرسلها معي إليكم، ولا أطلب على نصحي وتبليغي عوضا ولا جزاء، فما جزائي إلا على الله الذي أرسلني، وهو يتولاني في الدنيا والآخرة. ثم وعظهم، وحذرهم نقم الله أن تحل بهم، وذكّرهم بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الطيبات، وفجّر لهم العيون والأنهار، وأنبت لهم الزروع والثمرات، وجعلهم في أمن من المحذورات، فقال مخاطبا لهم بأمور ثلاثة: ١ - ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ، فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾؟ أي أتظنون أنكم في الدنيا مخلّدون في النعيم، وأنكم تتركون في دياركم آمنين، متمتعين في الجنات والعيون، والنخيل ذات الرطب الهضيم اللين اللطيف، والزروع والثمار، وتطمعون في ذلك، وتظنون ألا دار للجزاء على الأعمال؟ لا يعقل أن تبقوا على الشرك والكفر، وأنتم ترفلون في هذه النعم، وتتمتعون بهذه الخيرات. وقوله: ﴿فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فصّله وفسره بقوله: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ..﴾. إلخ، فهو تفصيل بعد إجمال.

стр. 5778

٢ - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي وتتخذون بيوتا في الجبال حاذقين في نحتها وبنائها، بطرين فرحين أشرين بها، متنافسين في عمارتها، من غير حاجة إلى السكنى فيها. فاتقوا الله حق التقوى، وأقبلوا على ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم. ويلاحظ أن الغالب على قوم هود الذين تقدم وصفهم هو اللذات المعنوية وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية المادية، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة. ٣ - ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ أي ولا تطيعوا أمر الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي وارتكاب الخطايا والترف والمجون، وهم كبراؤهم ورؤساؤهم الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق، وهم الرهط التسعة في أرض ثمود المشار إليهم في آية أخرى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ، يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٩/ ٢٧]. وإنما قال ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ بعد قوله ﴿يُفْسِدُونَ﴾ لبيان أن فسادهم خالص، ليس معه شيء من الصلاح، على عكس حال بعض المفسدين المخلوطة أعمالهم ببعض الصلاح. فأجابوا نبيهم صالحا ﵇ حين دعاهم إلى عبادة ربهم بقولهم: ﴿قالُوا: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ أي قال قومه: ثمود، الذي يغلب على الظن أنك أصبحت من المغلوب على عقولهم بكثرة السحر، وصرت من المسحورين، أي إنك في قولك هذا مسحور لا عقل لك، فلا يسمع لرأيك ولا لنصحك. ﴿ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا، فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، وتكون نبيا لنا؟ كما قالوا في آية أخرى:

стр. 5779

﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا؟ بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٥/ ٥٤ - ٢٦]. وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون في الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين، لكانوا من جنس الملائكة. ثم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وهو أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء (حامل لعشرة أشهر) صفتها كذا وكذا، فما كان منه إلا أن أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح ﵇، فصلى، ثم دعا الله أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم، وكفر أكثرهم. (١) ﴿قالَ: هذِهِ ناقَةٌ، لَها شِرْبٌ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ أي إن النبي صالح ﵇ قال مجيبا طلبهم إرسال آية تكون دليلا على صدقه: الدليل هو ناقة الله هذه، فهي الآية والمعجزة الدالة على صدقي، ترد ماءكم يوما، ويوما تردونه أنتم. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي وإياكم أن تصيبوها بأذى من ضرب أو قتل أو غير ذلك، فيصيبكم عذاب شديد. وقد عظم اليوم لحلول العذاب فيه، ووصف اليوم بالعظم أبلغ من وصف العذاب؛ لأن الوقت إذا عظم بسبب العذاب، كان موقعه من العظم أشد. ﴿فَعَقَرُوها، فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي ذبحوا الناقة، ثم ندموا على فعلهم عند معاينة العذاب، أي حين علموا أن العذاب نازل بهم، فنالهم

стр. 5780

عذاب الله وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا في ديارهم جاثمين. والذي حدث أن الناقة مكثت لديهم حينا من الزمان، ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحلبون منها ما يكفيهم شربا وريا، فلما طال عليهم الأمد، وحضر أشقاهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها. روي أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم، فأصاب رجلها، فسقطت، ثم ضربها قدار. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي إن في ذلك المذكور من قصة صالح ﵇، وتكذيب قومه ثمود لرسالته، واعتدائهم على معجزة الناقة لآية وعبرة وعظة، وأي آية أعظم من هذا؟ إنهم كذبوا رسولهم فلم يؤمنوا به، واغتروا بما لهم ومتعتهم الدنيوية، واعتدوا على الناقة، فنزل بهم العذاب، ولم يكن أكثرهم مؤمنين بالله ورسله، وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين إن تابوا وأنابوا إليه. وهذه الخاتمة بذاتها هي خاتمة قصة نوح وهود؛ لأن القصد منها واحد، وهو العظة والاعتبار بحال المكذبين. يقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم إلا ألفان وثمان مائة رجل وامرأة. فقه الحياة أو الأحكام: كانت قبيلة ثمود تسكن في الحجر (١) وهي ذوات نخل وزروع ومياه، ومبان جبلية شاهقة فخمة، وكانوا معمّرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم، إلا أنهم اغتروا بمالهم وجاههم، فكذبوا رسولهم صالحا ﵇، فقرعهم ووبخهم، وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت؟.

стр. 5781

وأمرهم بتقوى الله وهي امتثال أمره واجتناب نهيه، وحذرهم من إطاعة أمر كبرائهم ورؤسائهم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. فاتهموه بأنه مسحور لا عقل له، ونفوا عنه الرسالة؛ لأنه بشر مثلهم فكيف يوحى إليه دونهم، ويكون نبيا غيرهم؟ ثم طالبوه بالإتيان بمعجزة حسية تدل على صدقه، فأيده الله بالناقة العظيمة التي لا مثيل لها، فكانت تشرب ماء نهير صغير كله في يوم، ثم تدرّ لهم الحليب، فيحلبون منها ما شاؤوا في اليوم التالي. ولكن أبطرتهم النعمة، وأساؤوا إلى أنفسهم، وتواطؤوا على عقرها، حبّا في الإساءة ذاتها، فعقرها رجل منهم اسمه «قدار» ثم ندموا على عقرها لما أيقنوا بالعذاب، ولكن لم ينفعهم الندم عند معاينة العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ..﴾. [النساء ١٨/ ٤] فأهلكهم الله بالزلزلة والصيحة بسوء فعلهم وقبح كفرهم. القصة السادسة قصة لوط ﵇ مع قومه ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾

стр. 5782

الإعراب: ﴿نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ على حذف مضاف، أي عقوبة ما يعملون من الفاحشة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. البلاغة: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ. ﴿قالَ﴾ ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ جناس ناقص، الأول من القول، والثاني من القلى مصدر قلى: أبغض بغضا شديدا. المفردات اللغوية: ﴿أَخُوهُمْ﴾ الذي يعايشهم في السكن والبلد، لا في الدين والنسب؛ لأنه ابن أخي إبراهيم من أرض بابل ﴿الذُّكْرانَ﴾ الذكور ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من الناس ﴿لَكُمْ﴾ لأجل استمتاعكم ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ أي أقبالهن ﴿عادُونَ﴾ متجاوزون الحدود الشرعية والعقلية والفطرية السليمة من الحلال إلى الحرام ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ المطرودين المنفيين من بلدنا ﴿الْقالِينَ﴾ المبغضين لفعلكم غاية البغض أو أشد البغض ﴿مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أي من عذاب أو عقوبة أو شؤم عملهم. ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي أهل بيته والمتبعين له على دينه، أخرجه الله من بينهم وقت حلول العذاب بهم ﴿إِلاّ عَجُوزاً﴾ هي امرأة لوط ﴿فِي الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، أصابها حجر في الطريق فأهلكها؛ لأنها كانت مائلة إلى القوم، راضية بفعلهم، وقيل: كانت فيمن بقي في القرية، فإنها لم تخرج مع لوط ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ أهلكناهم أشد إهلاك ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً﴾ قيل: أمطر الله عليهم حجارة، فأهلكهم ﴿فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم، واللام فيه للجنس، حتى يصح وقوع المضاف إليه فاعل (ساء) والمخصوص بالذم محذوف، وهو مطرهم.

стр. 5783

المناسبة: هذه قصة أخرى كسابقاتها للعبرة والعظة، هي قصة لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇، بعثه الله تعالى إلى أمة عظيمة في عهد إبراهيم، تسكن من قطاع الأردن سدوم وأعمالها التي أهلكها الله وهي عمورة وثلاثة مدن أخرى، وجعل مكانها بلاد الغور المتاخمة لجبال بيت المقدس، والمحاذية لبلاد وجبال الكرك والشوبك، والمجاورة للبحر الميت «بحيرة لوط» فدعاهم إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما ابتدعوه من الفواحش، مما لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، من إتيان الذكور دون الإناث. التفسير والبيان: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ: أَلا تَتَّقُونَ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي إن قوم لوط كذبوا نبيهم المرسل إليهم؛ ومن كذّب رسولا فقد كذب جميع المرسلين، حين قال لهم لوط ﵇: ألا تتقون عذاب الله بترك معاصيه، فإني رسول لكم مؤتمن على تبليغ رسالته، فاتقوا الله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وأطيعوني فيما آمركم به من عبادة الله وحده، وإتيان النساء بالزواج وما أنهاكم عنه من ارتكاب الفواحش، ولا أطلب منكم أجرا أو جزاء على تبليغ رسالتي، فما جزائي إلا على الله رب الإنس والجن وجميع العوالم في الأرض والسماء. ثم وبخهم وقرعهم وأنكر عليهم ظاهرة الفحش الشنيعة قائلا: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ، وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ أي كيف تقدمون على شيء شاذ جدا، أترتكبون هذه المعصية الشنيعة؟ وهو إتيان

стр. 5784

الذكور من الناس، وهو كناية عن وط ء الرجال، وكانوا يفعلون ذلك بالغرباء، وسماه الله تعالى فاحشة، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف ٨٠/ ٧] وتتركون إتيان نسائكم اللاتي جعلهن الله للاستمتاع الطبيعي بهن، كما قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ [البقرة ٢٢٢/ ٢]. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ أي لكن أنتم قوم متجاوزون الحد في الظلم وفي جميع المعاصي، ومنها هذه الفعلة الشنيعة. وقوله: ﴿بَلْ﴾ إضراب، بمعنى الانتقال من شيء إلى شيء، لا أنه إبطال لما سبق من الإنكار عليهم وتقبيح أفعالهم. والمراد: بل أنتم أحق بأن توصفوا بالعدوان، حيث ارتكبتم مثل هذه الفاحشة. ولما نهاهم عن هذا الفعل القبيح توعدوه وهددوه: ﴿قالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أي قال قوم لوط له: لئن لم تنته عن دعواك النبوة، وعن الإنكار علينا فيما نأتيه من الذكور، وهو ما جئتنا به، لنطردنك وننفينك من هذه البلدة التي نشأت فيها، ونبعدنك من بيننا، كما أبعدنا من نهانا قبلك، كما قال تعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل ٥٦/ ٢٧]. فأجابهم بأن إبعاده لا يمنعه من الإنكار عليهم والتبرؤ منهم لما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه، وأنهم مستمرون على ضلالتهم، فقال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ أي إني من المبغضين بغضا شديدا لعملكم، فلا أرضاه ولا أحبه، وإني بريء منكم، وإن هددتموني وأوعدتموني بالطرد. وكونه بعض القالين يدل على أنه يبغض هذا الفعل ناس غيره، هو بعضهم، وقوله: ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال.

стр. 5785

وفيه تنبيه على أن هذا الفعل موجب للبغض، حتى يبغضه الناس. ثم دعا الله بإنجائه من سوء فعلهم قائلا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أي يا ربّ، خلّصني من عقوبة ما يعملون من المعاصي، ونجني من شؤم أعمالهم. والخلاصة: أنهم لما توعدوه بالإخراج، أخبرهم ببغض عملهم، ثم دعا ربّه بالنجاة من سوء فعلهم. فأجاب الله دعاءه: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ أي فنجيناه وأهل بيته ومن آمن به جميعا ليلا من عقوبة عملهم ومعاصيهم، إلا امرأة عجوزا هي امرأته، وكانت عجوز سوء لم تؤمن بدين لوط، بقيت مع القوم ولم تخرج، فهلكت، كما قال سبحانه: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ [هود ٨١/ ١١] لأنها كانت راضية بسوء أفعالهم، وتنقل إليهم الأخبار. ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ، وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً، فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي ثم أهلكنا القوم الآخرين الباقين الذين انغمسوا في المنكرات، وكفروا بالله الذي خلقهم، ولم يؤمنوا برسله، وأنزلنا عليهم العذاب الذي عمّ جميعهم، وأمطرنا عليهم حجارة من سجّيل منضود، فبئس هذا المطر مطر المهلكين المنذرين بالهلاك. قال قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم. وقال مقاتل: خسف الله بقوم لوط، وأرسل الحجارة على من كان خارجا من القرية، ولم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط. وقال وهب بن منبّه: أنزل الله عليهم الكبريت والنار، أي فجر الله فيها البراكين النارية. و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ لم يرد بهم قوما بأعيانهم، إنما هو للجنس، والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم. والخلاصة: أن عقابهم كان زلزالا شديدا جعل بلادهم عاليها سافلها، وكان

стр. 5786

مصحوبا بكبريت ونار وحجارة من السماء، فأحرقت قراهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود ٨٢/ ١١] فالعقوبة: هي الزلزال والبركان. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وهذه هي العبرة والخاتمة التي ختمت بها القصة، كما ختمت بها قصص الأنبياء المتقدمين، والمعنى: إن في تلك القصة لعبرة وعظة لكل متأمل، حيث أهلك الله العصاة الموغلين في المعصية، وهم اللوطيون، ونجى المؤمنين الصالحين الذين أنكروا تلك الفاحشة، وكانت امرأة لوط من الهالكين لتواطؤها مع قومها، ومحبتها فعلهم، ولم تنفعها صلتها بالنبي لوط ﵇؛ لأن لكل امرئ ما اكتسب من الإثم، وما كان أكثر هؤلاء القوم بمؤمنين، بل كانوا وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين التائبين. فقه الحياة أو الأحكام: إن الكفر بالله تعالى ورسله، والشذوذ الجنسي (اللواط) وترك الاستمتاع الطبيعي الحلال من طريق الزواج بالنساء، مدعاة للانتقام الإلهي، والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة. ومهمة النبي لوط ﵇ كانت صعبة جدا في علاج هذا الأمر المتأصل المستعصي في قومه، فأنكر عليهم أشد الإيمان، ووبّخهم أشد التوبيخ، ووصفهم بأنهم قوم موغلون في العدوان وتجاوز حدود الله، وأعلن بغضه الشديد لعملهم، بالرغم من تهديدهم له بالطرد والإبعاد من بلدهم. ولما يئس لوط ﵇ من إيمان هؤلاء القوم بالله، والتطهر من فعل الفاحشة الشنيعة، دعا ربه بأن ينجيه وأهله من عذاب عملهم، وألا يصيبه من عذابهم، وهذا يتضمن الدعاء عليهم، ولا يدعو النبي على قومه إلا بإذن من ربه.

стр. 5787

فأجاب الله دعاءه، ونجاه وأهل بيته ومن آمن معه أجمعين من العقاب الأليم الذي أنزله بهم، إلا امرأته العجوز بقيت في عذاب الله تعالى. وكان العقاب الدنيوي هو الإهلاك بالخسف والحصب، أي بالزلزال والبركان، فأمطر الله عليهم الحجارة، بأن خسف جبريل ﵇ بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة. إن في ذلك لآية وأي آية، والعاقل من اتعظ بغيره، ولم يكن من قوم لوط مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه، والله قادر على الانتقام من أعدائه، وهو في الوقت نفسه رحيم بأوليائه المؤمنين. القصة السابعة قصة شعيب ﵇ مع قومه ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾

стр. 5788

الإعراب: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ معرّف بالألف واللام، ومجرور بالإضافة، يقرأ بالهمزة وبتخفيفها، وهو الوجه ويقرأ بلام أصلية مفردة «ليكة» بالنصب: اسم بلد، على أنه ممنوع من الصرف للتعريف (العلمية) والتأنيث، ووزنه «فعلة». والواقع أن أصل: «ليكة»: الأيكة، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام تخفيفا ثم حذفت، فاستغني عن همزة الوصل، وصارت الكلمة «ليكة». وكتبت هنا وفي سورة «ص» بغير ألف اتباعا للفظ. البلاغة: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ إطناب؛ لأن وفاء الكيل نهي عن الخسران. المفردات اللغوية: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ غيضة شجر كثير ناعم ملتف، قرب مدين، بعث الله إلى أهلها شعيبا ﵇، كما بعث إلى مدين، ولم يكن منهم نسبا، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قال: ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقل «أخوهم». جاء في الحديث: «إن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم، وإلى أصحاب الأيكة». ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين حقوق الناس بالتطفيف. ﴿بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الميزان السوي أو العدل ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئا ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي لا تفسدوا أشد الإفساد بالقتل والغارة وقطع الطريق، يقال: عثا في الأرض: أفسد فيها، و ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لمعنى عاملها ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ أي ذوي الجبلة، أي الخلقة والطبيعة، يقال: جبل فلان على كذا، أي خلق، والمراد: أنهم كانوا على خلقة عظيمة ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ من تقدمهم من الخلائق ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ المغلوبين على عقولهم بكثرة السحر. ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين متنافيين للرسالة، مبالغة في تكذيبه، أي المسحور البشر ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ﴾ ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها

стр. 5789

محذوف، أي إنه ﴿لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في دعواك ﴿كِسَفاً﴾ جمع كسفة أي قطعة (وزنا ومعنى) والمراد قطع عذاب. ﴿الظُّلَّةِ﴾ السحابة التي أظلتهم بعد حر شديد أصابهم، فاجتمعوا تحتها، ثم أمطرتهم نارا فاحترقوا جميعا. ﴿إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ إلى قوله ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هي مقالة الأنبياء السابقين نفسها. المناسبة: هذا آخر القصص السبع المذكورة في هذه السورة باختصار، تسلية لرسول الله ﷺ عما يلقاه من إعراض قومه، فيغتم ويحزن، وتهديدا للمكذبين به، وإعلاما باطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له استهزاء وعدم مبالاة به. وهي قصة شعيب ﵇ مع قومه أهل مدين: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ ومع أهل الأيكة، وهم قوم كانوا أصحاب غيضة وشجر وزرع وثمر، بعثه الله إليهم، لإصلاح الوضع الاجتماعي المتردي فيهم، وهو بخس الكيل والميزان وتطفيفه، والإفساد الشديد في الأرض، فنصحهم بإيفاء الكيل والميزان، وألا يعثوا في الأرض مفسدين، فكذبوه، فأهلكهم الله بعذاب يوم الظلة. التفسير والبيان: ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي كذب أصحاب الغيضة وهي الشجر الكثير الملتفّ، وكانت قرب مدين، وقال ابن كثير: «أصحاب الأيكة: هم أصحاب مدين على الصحيح» (١). كذبوا رسولهم الذي بعث إليهم، وهو شعيب ﵇.

стр. 5790

كذبوه حين قال لهم شعيب: ألا تتقون عذاب الله؟! بالإيمان به وبرسوله وبالامتناع عن معاصيه. ولم يقل «أخوهم شعيب» لأنه كما يرى الزمخشري والبيضاوي والرازي لم يكن منهم نسبا. ورأى ابن كثير أنه تعالى قطع نسب الأخوة بينه وبينهم، للمعنى الذي نسب إليهم وهو عبادة الأيكة وهي شجرة، وإن كان أخاهم نسبا. وحثهم بإخلاص على اتباع رسالته مطمئنا لهم بصراحة أنه رسول إليهم مرسل من عند الله، أمين على تبليغ الرسالة بكاملها، فاتقوا الله وخافوه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وما أطلب منكم أجرا وجزاء ماديا أو معنويا كجاه أو سلطان أو رياسة على تبليغي الرسالة، فما جزائي إلا على الله الذي أرسلني إليكم. نصحهم بهذه النصائح الأساسية في رسالته، ثم أمرهم بأشياء قائلا: ١ - إيفاء الكيل والميزان: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي إذا بعتم فأتموا الكيل والميزان، ولا تكونوا ممن ينتقص الناس حقوقهم، وإذا اشتريتم فلا تزيدوا في الوزن والكيل طمعا بأموال الناس، كما لو بعتم، أي أن الواجب يقتضي المساواة في الأخذ والعطاء، فخذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي وزنوا بالميزان العادل السوي، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣ - ٤] فهذا نهي عن التطفيف في الكيل والوزن، يشمل المساواة في الأخذ والعطاء والبيع والشراء. ثم نهاهم عن الظلم والبخس نهيا عاما في كل حق فقال:

стр. 5791

٢ - عدم إنقاص الحقوق: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ أي ولا تنقصوهم أموالهم أو حقوقهم في أي شيء مكيل أو موزون، مذروع أو معدود، فشمل كل المقادير، وأوجب العدل في المقاييس عامة، كيلا أو وزنا أو مساحة أو قدرا، كذلك شمل حقوقهم الأدبية والمعنوية كالحفاظ على الكرامة والعرض، قال الرازي: وهذا عام في كل حق يثبت لأحد ألا يهضم، وفي كل ملك ألا يغصب مالكه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا. ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض بجميع أنواعه فقال: ٣ - عدم الإفساد: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تفسدوا أشد الإفساد في الأرض كقطع الطريق والغارة والنهب والسلب والقتل وإهلاك الزرع وغير ذلك من أنواع الفساد التي كانوا يفعلونها. ٤ - تقوى الله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي وخافوا بأس الله الذي تفضل عليكم بخلقكم وخلق من تقدمهم من ذوي الخلقة المتقدمين، من آبائهم الذين انحدروا منهم وكانوا في الظاهر سبب وجودهم وخلقهم، ومنهم أصحاب البأس والقوة والمال كقوم هود وقوم صالح. وهذا كما قال موسى ﵇ سابقا: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ٢٦/ ٢٦]. فأجابوه بالطعن في رسالته من ناحيتين، ثم بالاستخفاف بالوعيد والتهديد. أما الطعن فهو: ١ - ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ أي ما أنت إلا رجل مسحور مغلوب على عقله، فلا يسمع لقولك، ولا يؤبه لنصحك. وهذا مثلما أجابت به ثمود رسولها، تشابهت قلوبهم، واتفقت منازع الكفر فيهم. ثم قالوا له: إنك مثلنا بشر، فما الذي فضّلك علينا، وجعلك نبيا ورسولا دوننا؟!. وأتوا بالواو في قولهم ﴿وَما﴾ للتعبير عن قصدهم معنيين كلاهما مناف

стр. 5792

للرسالة في تقديرهم: السحر والبشرية. وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا معنى واحدا، وهو كونه مسحرا، ثم قرروا كونه بشرا مثلهم. ٢ - ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي ويغلب على ظننا أنك ممن تعمد الكذب فيما يقول، ولست ممن أرسلك الله إلينا. وأما الاستخفاف بالتهديد فهو: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي إن كنت صادقا في تهديدك ووعيدك بأننا سنعذب، فأنزل علينا قطعا من السحاب فيها نوازل العذاب. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب والعناد واستبعادهم وقوع العذاب. وبعبارة أخرى: إن كنت صادقا أنك نبي، فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء. والسماء: السحاب أو المظلة. وهذا شبيه بما قالت قريش للنبي ﷺ فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٠/ ١٧ - ٩٢] وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. وهم بهذا ظنوا أنه إذا لم يقع العذاب ظهر كذبه، فأجابهم شعيب ﵇: ﴿قالَ: رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي قال شعيب: الله ربي أعلم بعملكم، فيجازيكم عليه، إما عاجلا وإما آجلا، وأما أنا فلا قدرة لي على إنزال العذاب، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به، وهو غير ظالم لكم. وهذا دليل على أنه لم يدع عليهم، بل فوض الأمر في التعذيب إلى الله تعالى، فلما استمروا في التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظّلّة، فقال تعالى:

стр. 5793

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي فلما أصروا على التكذيب واستمروا عليه، جوزوا بعذاب الظلة وهو أنهم أصيبوا بحر عظيم، أخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظل ولا ماء، فاضطروا إلى الخروج إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا لها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا، فاحترقوا جميعا. وهذا كما حكى الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا: سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤/ ٥٢]. إن ذلك العذاب عذاب شديد الهول، عظيم الوقع، أدى إلى الإفناء: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي في تلك القصة البليغة لعبرة وعظة يا أهل مكة وغيركم من الكفار، تلك العبرة الدالة بوضوح على صدق الرسل، ومجيء العذاب بتوقيت الله، وما كان أكثر قوم شعيب بمؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي وإن الله ربك يا محمد لهو القادر على الانتقام من الكافرين، الرحيم بعبادة المؤمنين. وهذه هي الخاتمة بذاتها التي ختمت بها القصص السبع المذكورة في هذه السورة للدلالة على وجوب استنباط العظة والعبرة من كل قصة، وكلها دليل قاطع على أن القرآن كلام الله الذي يخبر وحده عن الغيب: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [يوسف ١١١/ ١٢]. فقه الحياة أو الأحكام: تكرر في المناسبة والتفسير بيان الهدف العام من هذه القصة وغيرها من القصص السابقة، وكان مجموعها في هذه السورة سبعا، فإن الله تعالى أنزل في قرآنه هذه القصص تسلية لرسوله محمد ﷺ ، وإزالة للحزن عن قلبه، بسبب صدود الناس عن دعوته، وهي تسرية دائمة لكل داعية مخلص، حتى لا ييأس

стр. 5794

ولا يعجز، ولا يلين ولا يقف عن السير في دعوته، فيستمر ثابت الخطا، ماضي العزم، رافع الرأس معتزا بما يقوم به. والخلاصة: أن السبب في تشابه بداية هذه القصص وآخرها: هو التأكيد وتقرير المعاني في النفوس وتثبيتها في الصدور. وفهم من هذه القصص أن الله هو الذي أنزل العذاب على المكذبين لرسله، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء وفاقا على كفرهم، لا ظلما ولا تشفيا ولا ثارا، وإنما لإرساء معالم الحق، وتوطيد صرح العدل بين الخلائق. ويلاحظ أن جميع الأنبياء متفقون على أصول الرسالات من الدعوة إلى توحيد الله، واحترام الفضائل ومحاربة الرذائل، ثم يقوم كل واحد منهم بمعالجة الظواهر المرضية، والأوضاع الشاذة عند قومه، فهذا هود ﵇ ينكر على قومه العبث بالبناء، والطمع في الدنيا كأنهم مخلدون، والبطش بطش الجبارين وغير ذلك من النزعات المعنوية المغالية؛ وهذا صالح ﵇ ينكر على قومه إقامة البيوت في الجبال بطرين أشرين مستكبرين، حريصين على الملذات الحسية المادية؛ وهذا لوط ﵇ يستنكر الفاحشة الشنيعة وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وترك إتيان النساء الأزواج في أقبالهن؛ وهذا شعيب ينكر على قومه الظلم الاجتماعي بسرقة أموال الناس وإهدار حقوقهم بتطفيف الكيل والميزان، فيأمرهم بإيفاء الكيل والوزن كاملا غير زائد ولا ناقص، وبألا يبخسوا الناس أشياءهم، وألا يعثوا في الأرض فسادا، وأن يتقوا الله الذي خلقهم وخلق آباءهم العظام الأولين. ومن أنعم بهذه النعم كان هو المستحق للعبادة، لكنهم قوم ظالمون كافرون بالقيم والأخلاق الاجتماعية، مستصغرون وعيد الرسل، مستخفون بنصحهم ووعظهم. وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة،

стр. 5795

والامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة. واتفق هؤلاء الرسل على الترفع عن مقابلة إساءة أقوامهم لهم واتهاماتهم الباطلة، والصبر على الدعوة، وتفويض الأمر الحازم الحاسم بإنزال العذاب وغيره إلى الله ، ليبقوا في مرتبة البشرية التي ظنها الكفرة نقصا، وهي في الحقيقة عنوان العبودية لله . وأما صفة عذاب قوم شعيب وإهلاكهم، فإن الله أبانها في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين؛ لأنهم قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ [٨٨] فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة. وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [٦٧] ولأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [٨٧] قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الآية. وهاهنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ الآية على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال عبد الله بن عمر ﵁: إن الله سلّط عليهم الحر سبعة أيام، حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم، فاستظل بها، فأصاب تحتها بردا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا، فاستظلوا تحتها، فأججت عليهم نارا (١).

стр. 5796

إنزال القرآن من عند الله لإنذار المشركين وبشارة المؤمنين ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ الإعراب: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ﴾ متعلق بنزل، ويجوز أن يتعلق بالمنذرين، أي لتكون من المنذرين بلغة العرب. ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ اسم يكن، و ﴿آيَةً﴾ خبر مقدم، و ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بحال، والتقدير: أولم يكن لهم علم بني إسرائيل آية لهم. و ﴿يَكُنْ﴾ يقرأ بالياء والتاء. وعلى قراءة التاء تكون: آية خبر: تكن، والتاء لتأنيث القصة، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في موضع رفع مبتدأ، و ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، والتقدير: أولم تكن القصة علم بني إسرائيل آية لهم. ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ جمع أعجمي، وهو من لا يتكلم بالعربية، أصله: أعجمين، فاستثقلوا

стр. 5797

اجتماع الأمثال، فحذفوا الياء الثانية من ياءي النسب، ثم حذفوا الياء الأولى لالتقاء الساكنين، مثل حذفهم ياءي النسب في «الأشعرين ومقتدين والياسين». ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ ﴿ما﴾ إما استفهامية في موضع نصب ب ﴿أَغْنى﴾ وإما نافية، و ﴿ما﴾ «الثانية» في موضع رفع ب ﴿أَغْنى﴾. ﴿ذِكْرى﴾ إما منصوب على المصدر، أي ذكّرنا ذكرى، وإما منصوب على الحال، وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: إنذارنا ذكرى. البلاغة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ التأكيد بإن واللام لدفع شبهة المتشككين في صحة نزول القرآن. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتبكيت. ﴿يَعْلَمَهُ عُلَماءُ﴾ جناس اشتقاق. ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجاز مرسل، أي من أهل قرية، من إطلاق المحل وإرادة الحال. المفردات اللغوية: ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل ﵇، فإنه أمين على وحي الله تعالى ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ على روحك؛ لأنه مركز الإدراك والتكليف دون الجسد ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ عما يؤدي إلى عذاب من فعل أو ترك ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ واضح المعنى، لئلا يقولوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟ وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ معناه من الذين أنذروا بلغة العرب، وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، إذا تعلق قوله ﴿بِلِسانٍ﴾ بالمنذرين. وأما إذا تعلق بنزل فمعناه نزله باللسان العربي لينذر به؛ لأنه لو نزله باللسان الأعجمي لقالوا له: ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار به، فتنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك؛ لأنك تفهمه ويفهمه قومك. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن المنزل على محمد ﴿لَفِي زُبُرِ﴾ كتب جمع زبور ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ كالتوراة والإنجيل ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ أي أولم يكن لكفار مكة دليلا وبرهانا على صحة القرآن، أو نبوة محمد ﷺ : «أن يعلمه علماء بني إسرائيل» أن يعرفه هؤلاء العلماء، كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن آمنوا، فإنهم يخبرون بذلك، بما هو مذكور في كتبهم. ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ قرأه محمد ﵇ على كفار مكة ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ما صدقوا به

стр. 5798

أنفة من اتباعه، ولفرط عنادهم واستكبارهم ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ﴾ أدخلناه، أي مثل إدخالنا التكذيب به أدخلنا التكذيب به في قلوب المجرمين أي كفار مكة بقراءة النبي ﷺ ، وضمير أدخلناه عائد للكفر المدلول عليه بقوله: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وهو يدل على أن الكفر بخلق الله تعالى، وقيل: يعود الضمير للقرآن، أي أدخلناه في قلوبهم، فعرفوا معانيه وإعجازه، ثم لم يؤمنوا به عنادا. ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ الملجئ إلى الإيمان. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة في الدنيا والآخرة ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه ﴿مُنْظَرُونَ﴾ مؤخرون لنؤمن به، ويقولون ذلك تحسرا وتأسفا ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾؟ فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف ٧٠/ ٧ وهود ٣٢/ ١١ والأحقاف ٢٢/ ٤٦] ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ أخبرني ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ ﴿ما﴾ استفهامية بمعنى أي شيء، أو نافية، أي لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب أو تخفيفه. ﴿لَها مُنْذِرُونَ﴾ رسل تنذر أهلها إلزاما للحجة ﴿ذِكْرى﴾ تذكرة وعظة لهم ﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ في إهلاكهم بعد إنذارهم. وهو رد لقول المشركين ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿الشَّياطِينُ﴾ كما زعم المشركون أنه من قبيل ما تلقي الشياطين على الكهنة ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أي ما يتيسر ولا يتسنى ولا يصح لهم أن يتنزلوا به ﴿وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي ما يقدرون على ذلك ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لكلام الملائكة ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أي لممنوعون بالشهب؛ لأن نفوسهم خبيثة شريرة بالذات لا تقبل ذلك. سبب النزول: نزول الآية (٢٠٥) ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ..﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال: «رئي النبي ﷺ ، كأنه متحير، فسألوه عن ذلك، فقال: ولم، ورأيت عدوي يكون من أمتي بعد؟ فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فطابت نفسه». المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصص الأنبياء تسلية لرسوله، ووعدا له بالفوز

стр. 5799

والغلبة، وإنذارا للمشركين من تكذيبه، حتى لا يهلكوا كما أهلك المكذبون السابقون، أردفه ببيان ما يدل على نبوته ﷺ من تنزيل القرآن المعجز على قلب نبيه ﷺ . كذلك لتتناسب خاتمة السورة مع فاتحتها التي افتتحت بالحديث عن إعراض المشركين عما يأتيهم من الذّكر: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ، فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [٥ - ٦]. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن خواص الكتاب الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ بأنه وحي من عند الله، بلسان عربي، وللدلالة على نبوته ﷺ ، وذلك من وجهين: الدليل الأول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ أي إن القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ﴾ هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ؛ لأنه لفصاحته كان معجزا، فكان تنزيله من ربّ العالمين، كما أن فيه إخبارا عن القصص الماضية من غير تعليم، وذلك لا يكون إلا بوحي من الله تعالى. نزل به جبريل الأمين على الوحي والرسالة، ذو المكانة عند الله، المطاع في الملأ الأعلى، على قلبك أي على روحك المدركة الواعية، وفهمك إياه، سالما من الدنس والزيادة والنقص، لتنذر به قومك والعالم كله بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له بالجنة والنعيم المقيم في الآخرة، وكان إنزاله باللسان العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بيّنا واضحا قاطعا للعذر، مقيما للحجة، دليلا على الحق، هاديا إلى الرشاد، مصلحا أحوال العباد.

стр. 5800

وقوله ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ دليل على أن القرآن محفوظ، وأن الرسول ﷺ متمكن منه، وثابت في وعيه؛ لأن القلب موضع التمييز، ومركز الحواس الروحية، ومحل الإدراك والوعي، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق ٣٧/ ٥٠]، و قال ﷺ فيما أخرجه الصحيحان: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وندد تعالى بأن قلوب الكفار مغلقة، فقال: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد ٢٤/ ٤٧]، وقال: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢]. وقوله: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ توبيخ للمشركين في مكة وتقريع لهم وتحريض على الإيمان به، فإنهم كذبوه لا لعسر فهمه، فهو بلغتهم، وإنما بسبب العناد والاستكبار والأنفة. وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ يدخل تحت الإنذار الدعاء إلى كل واجب من علم وعمل، والمنع من كل قبيح؛ لأنه في كلا الحالين يوجد الخوف من العقاب. ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب المتقدمين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، عملا بالميثاق الذي أخذ به عليهم، وعبر عنه آخرهم وهو عيسى مبشرا بأحمد: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦/ ٦١] والزبر هنا: هي الكتب، وهي جمع زبور، ومنها زبور داود أي كتابه. وكذلك جميع الكتب السابقة المنزلة على الأنبياء بشرت بالنبي ﷺ وبأنه سينزل عليه قرآن يشهد بصدقها، ويهيمن عليها: ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [البقرة ٢/ ٨٩]. وقال سبحانه أيضا: ﴿وَأَنْزَلْنا

стр. 5801

إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]. والخلاصة: إن هذه الآيات تتضمن أدلة ثلاثة على أن القرآن من عند الله: وهي كونه منزلا على قلب النبي الأمي الذي لم يسبق له علم بشيء منه، والذي وعاه وحفظه وأنذر به، وكونه بلسان عربي مبين تحدى به العرب على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، بل بسورة منه، فعجزوا، مما يدل على أنه من عند الله، لا من عند محمد، وكونه منوها به ومبشرا به في الكتب السماوية السابقة. وإذا ثبت كون القرآن من عند الله، ثبتت نبوة النبي المصطفى ﷺ . الدليل الثاني على نبوته ﷺ وصدقه: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؟ أي أوليس يكفيهم شاهد على صدقه أن علماء بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها من التوراة والإنجيل، وبيان صفة النبي ﷺ ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي، وكان مشركو قريش يذهبون إليهم ويسألونهم عن ذلك ويتعرفون منهم هذا الخبر. ذكر الثعلبي عن ابن عباس: أن أهل مكة بعثوا إلى أحبار يثرب يسألونهم عن النبي ﷺ ، فقالوا: هذا أوانه، وذكروا نعته. (١) وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ.﴾. الآية [الأعراف ١٥٧/ ٧]. وهذا يدل دلالة واضحة على نبوته ﷺ ؛ لأن تطابق الكتب الإلهية على إيراد نعته ووصفه يدل قطعا على نبوته.

стр. 5802

وبعد أن بيّن الله تعالى بالدليلين المذكورين نبوة محمد ﷺ وصدق لهجته، بيّن بعدئذ أن هؤلاء الكفار لا تنفعهم الدلائل ولا البراهين، فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ أي ولو فرضنا أننا أنزلنا هذا القرآن على بعض الأعاجم، وهم الذين لا ينطقون باللغة العربية، فضلا عن أن يقدروا على نظم مثله، فقرأه عليهم فصيحا معجزا متحدى به، لكفروا به أيضا، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١]، وذلك بحجة عدم فهمهم له. أما العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته وإعجازه، فلا عذر لهم في عدم الإيمان به. وعلى هذا، الأمر سيّان، فسواء أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين، فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته وإعجازه، أو أنزلناه على أعجمي لا يحسن العربية لكفروا به. وهذا دليل ملموس على تعنت كفار قريش وعنادهم وشدة كفرهم، مع أنهم عرفوا الحق، وأدركوا سرّ فصاحة القرآن وبلاغته، ولكنهم تجاهلوه عصبية وأنفة واستكبارا. وفيه أيضا تسلية لرسول الله ﷺ وتخفيف لأحزانه لإعراض قومه عن الإيمان برسالته. ثم أكد الله تعالى هذا الموقف المتعنت فقال: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي أدخلناه ومكنّاه، والمعنى: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي على العرب، أدخلنا التكذيب به في قلوب المجرمين كفار قريش. والمقصود أنه مهما فعلنا من إنزال القرآن على عربي أو أعجمي، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الجحود والإنكار، فإن الكفر به والتكذيب له متمكن في قلوبهم، فلا ينفعهم في اقتلاع الكفر من

стр. 5803

نفوسهم أي وسيلة علاج أو إصلاح، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧/ ٦]. وهذا أيضا مما يفيد تسلية الرسول ﷺ ؛ لأنه إذا عرف هذا الرسول إصرارهم على الكفر، وأنه تمّ القضاء به لسبق علم الله بموقفهم المتصلب الذي لا يتغير، حصل له اليأس من إيمانهم والاطمئنان على سلامة موقفه منهم، وأنه لا ضير عليه في ذلك. وزاد في التأكيد والتوضيح والبيان فقال: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي إنهم يظلون كافرين، غير مؤمنين بالحق، جاحدين له في قلوبهم، لا يزالون على التكذيب به، حتى يعاينوا العذاب الشديد الألم. ثم أخبر الله تعالى عما هو أشد من العذاب وهو مجيئه فجأة، فقال: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي إن هذا العذاب يأتي أولئك المكذبين بالقرآن فجأة، دون أن يشعروا بمجيئه، وحينئذ يتحسرون، كما قال تعالى: ﴿فَيَقُولُوا: هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾؟ مؤخرون، أي إنهم يتمنون حينئذ تأخير العذاب قليلا حينما يشاهدونه، ليتداركوا ما فاتهم، ويعملوا في زعمهم بطاعة الله تعالى، ولكن لا ينفعهم الندم ولن يؤجلوا؛ لأنهم يعلمون ألا ملجأ في الآخرة، وإنما يذكرون ذلك استرواحا. ومع هذا البيان والإنذار تغلب عليهم الحماقة والجهل، فيطلبون تعجيل العذاب، فقال: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾؟ أي كيف يطلبون تعجيل

стр. 5804

العذاب، بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء ١٨٧/ ٢٦]، وقولهم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف ٧٠/ ٧]، وهم عند نزول العذاب يطلبون التأجيل والتأخير، فهم قوم متناقضون. وهذا إنكار عليهم وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول ﷺ تكذيبا واستبعادا: ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت ٢٩/ ٢٩]. ثم بيّن الله تعالى أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يحدث منهم ليتمتعوا في الدنيا، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ أي لو فرض أيها المخاطب أننا لو أطلنا في عيشهم ليتمتعوا من نعيم الدنيا طوال سنين، ثم جاءهم العذاب الموعود به فجأة، فلا يجدي أي شيء عنهم ولا ما كانوا فيه من النعيم، ولا يخفف من عذابهم، ولا يدفعه عنهم؛ لأن مدة التمتع في الدنيا مهما طالت متناهية قليلة، ومدة العذاب في الآخرة غير متناهية، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩]، وقال سبحانه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة ٩٦/ ٢]، وقال : ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ [الليل ١١/ ٩٢]. عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن البصري في الطواف بالكعبة، فقال له: عظني، فلم يزد على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت. (١) وفي الحديث الصحيح: «يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيرا قط؟ هل رأيت نعيما قط؟ فيقول: لا والله يا ربّ، ويؤتى

стр. 5805

بأشد الناس بؤسا كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسا قط، فيقول: لا والله يا ربّ» أي كأن شيئا لم يكن. ثم أخبر الله تعالى عن قانون عدله التام الدائم في خلقه، وهو أنه لا يعذب قوما إلا بعد إنذار، ولا يهلك أمة إلا بعد إعذار وبيان الحجة، وبعثة الرسل، فقال: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ، ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم من عذابنا على كفرهم، ويبشرونهم بالنعيم إن آمنوا وأطاعوا، وذلك تذكرة لهم وتنبيه إلى ما يجب عليهم، ولم نكن في أي حال ظالمين لهم في عقابهم، وإنما أصروا على الكفر والجحود وعبادة غيرنا. وهذا المبدأ شهير مكرر في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩/ ٢٨]. ثم ردّ الله تعالى على المشركين الذين كانوا يقولون: إن محمدا كاهن، وإن ما أنزل عليه من القرآن مثلما تلقي الشياطين على الكهنة، فقال: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ أي إن القرآن العظيم لم تلق به الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة، ولا يتيسر لهم ولا يسهل ولا يتمكنون من ذلك، فهم عن سمع الملائكة التي تنزل بالوحي مرجومون بالشهب، معزولون عن استماع كلام أهل السماء. فهذا الإنزال يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه (١):

стр. 5806

أحدها: أنه ليس هو من بغيتهم ولا من مطلبهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وفي القرآن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو هدى ونور وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، وتغاير شديد. الثاني: أنّه لو انبغى لهم لما استطاعوا تحمله، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ [الحشر ٢١/ ٥٩]. الثالث: أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله، وتأديته لما وصلوا إليه؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، في مدة إنزال القرآن على رسول الله ﷺ ، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: ١ - القرآن الكريم: كلام الله القديم المنزل بواسطة جبريل الأمين على قلب النبي ﷺ باللسان العربي المبين، والذي أعلنت عن نزوله كتب الأنبياء المتقدمين. نزل به جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ ، فتلاه عليه، ووعاه قلبه منه، ورسخ في عقله رسوخا كالنقش في الحجر، قال تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ.﴾. [البقرة ٩٧/ ٢]، وقال سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة ١٦/ ٧٥ - ١٩].

стр. 5807

ونزوله بلغة العرب لئلا يقولوا: لسنا نفهم ما تقول. وبشّرت بنزوله كتب الأنبياء المتقدمين، كما بشّرت ببعثة محمد ﷺ . ٢ - أثبتت الآيات نبوة النبي محمد ﷺ ، لأنه مع كونه أميّا بهر العالم ببلاغة القرآن وفصاحته، وإخباره عن المغيبات، وإثرائه الحياة بأنظمة سديدة رصينة لا تقبل الطعن ولا النقد، وهذا العطاء الإلهي دليل قاطع على النبوة. كما أن من الأدلة على النبوة علم أهل الكتاب بأوصاف النبي ﷺ ونعوته، سواء من أسلموا أو لم يسلموا. وإنما صحت شهادة أهل الكتاب وصارت حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون إليهم في شؤون الدين، يسألونهم عن مدى تطابق القرآن مع ما أخبرت به كتبهم الدينية. ٣ - إن مهمة النبي ﷺ وغيره من الأنبياء هي الإنذار ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ويدخل في الإنذار الدعوة إلى كل واجب من علم وعمل، والمنع من كل قبيح. ٤ - إن كفر المشركين من أهل مكة بالقرآن مجرد عناد واستكبار، دون دليل ولا برهان، وإنما على العكس علموا بأنه الحق ثم جحدوه، وكان تحدي القرآن لهم بالإتيان بمثل سورة منه حجة عليهم، فهو منزل بلغتهم، فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك بشارة كتب الله السالفة به، فلم يؤمنوا به وجحدوه عنادا وأنفة ومكابرة، وسموه -زورا وبهتانا-شعرا تارة، وسحرا أخرى. ولو نزل هذا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان (أعجمي) فقرأه على كفار قريش بغير لغة العرب، لما آمنوا ولقالوا: لا نفقه ما نسمع. فهذا إلزام

стр. 5808

لهم، وإنكار عليهم، وفضح لأحوالهم؛ لأن القرآن نزل بلغتهم فهم أولى الناس بالإيمان به. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا الموقف المتعنت بقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي إن الذي منعهم من الإيمان، وإعلان الكفر بالقرآن والتكذيب به هو الإصرار على ما هم عليه والحفاظ على رياساتهم ومصالحهم المادية، حتى أصبح ذلك مدخلا سالكا في قلوبهم، خلقا غير قابل للتغيير والتبديل، بمنزلة أمر جبلوا عليه وفطروا، كما يقال: فلان مجبول على الشّح، والمراد تمكن الشّح فيه. ولا يتصور إيمانهم بالقرآن والنبي ﷺ إلا حين مشاهدة العذاب المؤلم ومعاينته، ومجيئه فجأة دون أن يشعروا به، وهو إما عذاب الدنيا، وإما عذاب الساعة (القيامة) وحينئذ يقولون: هل نحن مؤخرون وممهلون، إنهم يطلبون الرجعة إلى الدنيا فلا يجابون إليها. ومعنى التعقيب في قوله تعالى: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً،﴾ ... ﴿فَيَقُولُوا﴾ كما ذكر الزمخشري: ليس ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال التأخير فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب، فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم فجأة، فما هو أشد منه، وهو سؤالهم التأخير. ومثال ذلك: أن تقول لمن تعظه: إن أسأت مقتك الصالحون، فمقتك الله، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب: أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، إنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشد من مقتهم، وهو مقت الله (١). ٥ - كان جزاء هذا الموقف المتعنت لكفار قريش تبكيتهم بالإنكار عليهم

стр. 5809

والتهكم على أمر آخر، وهو: كيف يستعجل العذاب المعرّضون للعذاب؟ ثم يشنع القرآن عليهم ويوبخهم على حبهم إطالة الاستمتاع بالدنيا، فذلك العذاب المنتظر والهلاك كائن لا محالة، ولا يغني عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. عن الزهري: إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح، أمسك بلحيته، ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾. ٦ - اقتضت عدالة الله ورحمته ألا يهلك قوما أو يعذب أهل قرية إلا بعد إرسال الرسل المنذرين لهم بأس الله وعذابه، فإذا جاء العذاب أو العقاب، لم يكن الله ظالما في تعذيبهم، حيث قدم الحجة عليهم وأعذر إليهم. ٧ - القرآن-كما تقدم-نزل به الروح الأمين من عند الله تعالى، ولم تنزل به الشياطين، فإنه لا يتيسر لهم إنزاله، ولا يستطيعون تحمله وتأديته، ولا يتمكنون من اختلاسه واستراقه؛ لأنهم معزولون عن سمع ملائكة السماء برمي الشهب عليهم فتحرقهم. ٨ - محل العقل: ورد في الآية أن القرآن منزل على قلب النبي ﷺ فهل المراد بالقلب العضو المعروف في الجانب الأيسر من الإنسان أم العقل الكائن في الدماغ؟ المعروف لدى علماء الطب والتشريح المعاصر أن محل العقل الدماغ. أما العلماء القدماء فانقسموا فريقين: فريق يرى أن محل العقل القلب، وفريق آخر يرى أن محل العقل الدماغ (١). واستدل الفريق الأول بالأدلة التالية: الأول-قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾؟ [الحج ٤٦/ ٢٢]،

стр. 5810

، وقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف ١٧٩/ ٧]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧/ ٥٠] أي عقل، أطلق عليه اسم القلب؛ لأنه محله. الثاني-أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب، وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة ١٠/ ٢] ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة ٧/ ٢] ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء ١٥٥/ ٤] ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ٦٤/ ٩] ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح ١١/ ٤٨] ﴿كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين ١٤/ ٨٣] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد ٢٤/ ٤٧]، ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢] دلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب، فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضا هو القلب. الثالث-إذا أمعن الإنسان في الفكر وغيره أحس من قلبه ضيقا وضجرا حتى كأنه يتألم بذلك، مما يدل على أن موضع العقل هو القلب، فوجب أن يكون المكلف هو القلب؛ لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم. الرابع-أن القلب أول الأعضاء تكونا، وآخرها موتا. واحتج الفريق الثاني القائل بأن العقل في الدماغ بما يأتي: الأول-أن الحواس التي هي آلات الإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب، أي إن الدماغ محل الإحساس. الثاني-أن الأعصاب آلات الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب، أي إن الدماغ مركز التنبيه العصبي.

стр. 5811

الثالث-أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل، مثل الجنون والنزف الدماغي. الرابع-جرى العرف على أن من أريد وصفه بقلة العقل، قيل: إنه خفيف الدماغ، خفيف الرأس. الخامس-أن العقل أشرف أجزاء الإنسان، فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف، وذلك في الدماغ، لا القلب. ورأيي هو ترجيح الرأي الثاني؛ لأن العلم الحديث أجري مئات التجارب على الدماغ وما فيه من مخ ومخيخ، فوجد أنه محل العقل والإحساس والتنبيه والذاكرة وغير ذلك من وظائف الدماغ، فدل على أنه هو محل العقل. أما الآيات القرآنية المتقدمة التي يفهم منها كون العقل في القلب، فذلك من قبيل الإطلاق العرفي السائد في الكلام، والذي يراد به العقل، فيقال: لا قلب عنده، أي لا عقل. أما القيم الأدبية أو الأخلاقية: فمحلها القلب باعتباره المعبر عن النفس الإنسانية التي لا حياة فيها إلا بالقلب. ثم إن المعاني المتقدمة التي تختص بالقلوب، ويراد بها المعاني العقلية كالنية والمعلومات والمعارف، قد تنسب إلى الصدر تارة، وإلى الفؤاد أخرى. أما الصدر: فلقوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ١٠/ ١٠٠]، وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤/ ٣]، وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك ١٣/ ٦٧]، ﴿إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ [آل عمران ٢٩/ ٣]. وأما الفؤاد فقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام ١١٠/ ٦].

стр. 5812

آداب الداعية وواجباته ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ البلاغة: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ بأسلوب التهييج والإلهاب، لما عرف عنه من زيادة إخلاص وتقوى. ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استعارة مكنية، حذف منها المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، شبّه التواضع ولين الجانب بخفض الطائر جناحه عند إرادة الهبوط، فأطلق على المشبه اسم الخفض. المفردات اللغوية: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إن فعلت شيئا مما دعوك إليه، وهذا تهييج للنبي ﷺ وإلهاب لزيادة الإخلاص، وتحذير لسائر المكلفين. ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارا، كما روى البخاري ومسلم، وبدأ بالأقرب منهم فالأقرب؛ لأن الاهتمام بشأنهم أهم، روى أحمد ومسلم وغيرهما أنه ﷺ : «لمّا نزلت هذه الآية، صعد الصفا، وناداهم فخذا فخذا، حتى اجتمعوا إليه، فقال: لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا، أكنتم مصدّقي؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ﴾ ألن جانبك. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الموحدين، و ﴿لِمَنِ﴾: بيانية أو للتبيين. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ ولم يتبعوك أي عشيرتك. ﴿بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ من عبادة غير الله، أي مما تعملونه أو من أعمالكم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي فوض إلى الله جميع أمورك، فهو الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه.

стр. 5813

﴿حِينَ تَقُومُ﴾ إلى التهجد (صلاة الليل). ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ تغير أحوالك في أركان الصلاة، قائما وقاعدا وراكعا وساجدا. ﴿فِي السّاجِدِينَ﴾ المصلين. وإنما وصف الله تعالى ذاته بعلمه بحال نبيه التي بها يستأهل ولايته، بعد أن وصف تعالى نفسه بأن من شأنه قهر أعدائه ونصر أوليائه، تحقيقا للتوكل، وتطمينا لقلبه عليه. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تقوله. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تنويه. سبب النزول: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن جريج قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ بدأ بأهل بيته وفصيلته، فشقّ ذلك على المسلمين فأنزل الله: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. المناسبة: بعد أن بالغ الله تعالى في تسلية رسوله أولا بقصص الأنبياء وما تبعها، ثم أقام الحجة على نبوته ثانيا، ثم أجاب عن سؤال المنكرين، أمره بعد ذلك بما يتعلق بالتبليغ والرسالة، فرتب له طريق الإنذار بدءا بالأقرب فالأقرب. والرفق بالمؤمنين، ثم ختم وصاياه له بالتوكل عليه تعالى وحده. سيرته ﷺ في التبليغ: وردت أحاديث كثيرة توضح كيفية قيامه ﷺ بإبلاغ رسالته والدعوة إلى ربّه، منها: ما رواه أحمد ومسلم عن عائشة قالت: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم». ومنها: ما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى

стр. 5814

النبي ﷺ الصفا، فصعد عليه، ثم نادى: «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ، وَتَبَّ﴾ [المسد ١/ ١١١]. ومنها: ما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا، فعمّ وخصّ، فقال: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله، لا أملك لكم من الله شيئا، ألا إن لكم رحما، وسأبلّها ببلالها» يريد: أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئا. التفسير والبيان: تضمنت هذه الآيات أوامر أربعة للنبي ﷺ تتعلق بتبليغ رسالته وهي: ١ - ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ أي اعبد الله وحده لا شريك له، واحذر أن تدعو أو تعبد معه إلها غيره، فإن العبادة لا تكون إلا لله وحده بإخلاص، والشرك رأس المعاصي. وهذا حثّ للرسول ﷺ على زيادة الإخلاص في العبادة، فالله يعلم أنه لا يكون ذلك منه، ثم إنه بدأ بالأمر به؛ لأنه قائد الأمة، فكان ذلك في الحقيقة

стр. 5815

توجيها وخطابا لغيره من الناس؛ لأن من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر، وإن كان المقصود بذلك هم الأتباع. والخلاصة: أنه بدأ بالرسول ﷺ فتوعده إن دعا مع الله إلها آخر، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب، فقال: ٢ - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي خوف أقاربك في العشيرة بأس الله وعذابه لمن أشرك به سواه. وهذا جزء من مهمته بإنذار البشر كافة من عذاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ، مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الأنعام ٩٢/ ٦]، ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى ٧/ ٤٢]، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥]. ويأتي التبشير عادة مع الإنذار، كما ذكر في آيات كثيرة، منها: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ [مريم ٩٧/ ١٩]، ومنها: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب ٤٥/ ٣٣ - ٤٦]. وروى مسلم عن النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». ثم أمره ربه بالرفق بالمؤمنين، فقال: ٣ - ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ألن جانبك وارفق بأتباعك الذين آمنوا بك وصدقوك، فذلك أطيب لقلوبهم. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ، فَقُلْ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي فإن عصاك أحد ممن
следующие страницы →