لا يعلم الغيب إلا الله
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)﴾
الإعراب:
﴿الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ ﴿اللهُ﴾: بدل مرفوع من «من» لأنه استثناء من منفي.
﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ أي تتابع، وأصله «تدارك» فأبدل من التاء دالا، وأدغم الدال في الدال.
وقرئ «ادّرك» أي تناهي علمهم وكمل في أمر الآخرة.
﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ ﴿فِي﴾ بمعنى الباء، والمضاف محذوف، أي بل ادّرك علمهم بحدوث الآخرة، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي من حدوثها.
﴿عَمُونَ﴾ أصله «عميون» فاستثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها، فسكنت الياء، والواو بعدها ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وكان حذفها أولى من حذف واو الجمع، لأن واو الجمع دخلت لمعنى، وهي لم تدخل لمعنى، فكان حذفها أولى.
البلاغة:
﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ استعارة، استعار العمى للتعامي عن الحق، وعدم التفكر في أدلة إثباتها.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة والناس ﴿الْغَيْبَ﴾ ما غاب عنهم ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ لكن الله يعلمه، فالاستثناء منقطع ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي كفار مكة وغيرهم ﴿أَيّانَ﴾ أي متى ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ينشرون، أي يخرجون من القبور للحساب والجزاء ﴿بَلِ﴾ أي هل ﴿اِدّارَكَ﴾ تتابع وتلاحق واستحكم، وقرئ: «ادّرك» بوزن أكرم، أي انتهى علمهم وتكامل. والمراد أن ما انتهى وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والبينات على أن القيامة كائنة لا محالة، لا يعلمونه كما
стр. 5917
ينبغي، وإذا سألوا عن وقت مجيء القيامة فليس الأمر كذلك، فهم في شك منها ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي فهم في الحقيقة في شك وحيرة عظيمة من حصول القيامة، كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلا ﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم، وهو جمع عم: وهو أعمى القلب والبصيرة، وهو أبلغ مما قبله.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنه المختص بالقدرة التامة الفائقة العامة، أتبعه بما هو أيضا من لوازم الألوهية وهو أنه المختص بعلم الغيب، فثبت أنه هو الإله المعبود؛ لأن الإله هو المتمكن من المجازاة لأهل الثواب والعقاب.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ أي قل أيها الرسول لجميع الخلق: لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله.
فقوله: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ استثناء منقطع، أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله ، فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦] وقال: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ٣٤/ ٣١].
روى مسلم وابن أبي حاتم عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أن النبي ﷺ يعلم ما يكون في غد، فقد أعظم الفرية على الله؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ:﴾
﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾.
ولما نفى عنهم علم الغيب على العموم، نفى عنهم علم الغيب المخصوص بوقت الساعة فصار منتفيا مرتين، فقال:
﴿وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي وما يدري أهل السموات والأرض بوقت
стр. 5918
الساعة، كما قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧] أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض، فلا يشعر الكفار وغيرهم في أي وقت يكون البعث للحساب والجزاء، وإنما تأتيهم الساعة فجأة.
ثم أكد الله تعالى جهلهم بيوم القيامة فقال:
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي بل انتهى علمهم بالآخرة، وعجز عن معرفة وقت حدوثها، والمراد: أن ما توصلوا إليه من أدلة إثبات الآخرة تلاشى شيئا فشيئا، حتى لم يعد لها قيمة ذات بال.
ثم وصفهم بالحيرة في الآخرة فقال:
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها﴾ أي بل الكافرون (أي جنسهم) في حيرة شديدة من تحقق الآخرة ووجودها، أي شاكون في وجودها ووقوعها، كما قال تعالى:
﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا، لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف ٤٨/ ١٨] أي أن لن نجعل للكافرين منكم:
ثم وصفهم الله بالتعامي عن التفكر والتدبر في أمر الآخرة، فقال:
﴿بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ أي بل هم في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها، لا يفكرون فيها في أعماق نفوسهم، فهم عمي البصيرة لا البصر، وهذا أسوأ حالا من الشك.
قال أبو حيان: هذه الإضرابات الثلاثة ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة، وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذلك عدّاه بمن دون «عن» (١).
стр. 5919
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، فذلك مما اختص الله به، فيكون هو الإله المستحق للعبادة.
ودلت على أن الكفار وغيرهم لا يشعرون بوقت القيامة حتى تأتيهم فجأة، وعلى أن علمهم بأدلة إثباتها معدوم، فهم جهلة بها ولا علم لهم فيها، وهم أيضا في شك منها في الدنيا وفي حيرة شديدة من شأن وجودها، وقلوبهم عمياء عن إدراكها وعما يوصل إلى الحق في شأنها.
إنكار المشركين البعث
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾
الإعراب:
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي ردفكم، واللام زائدة، كاللام في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ﴾ أي بوأنا إبراهيم.
стр. 5920
البلاغة:
﴿أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ استفهام إنكاري، وتكرار همزة ﴿أَإِنّا﴾ للمبالغة في التعجب والإنكار.
﴿قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وعيد وتهديد.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾ تأكيد بإن، واللام لترسيخ المعنى.
﴿ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ بين ﴿تُكِنُّ﴾ أي تخفي و ﴿يُعْلِنُونَ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي قالوا أيضا في إنكار البعث بعد بيان عماهم عن الآخرة.
﴿لَمُخْرَجُونَ﴾ من القبور أو من حال الفناء إلى الحياة. ﴿إِنْ هذا﴾ ما هذا. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيب الأقدمين، جمع أسطورة: وهي ما سطره الأقدمون من خرافات وأحاديث. ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي هلاكهم بالعذاب لإنكارهم البعث.
﴿ضَيْقٍ﴾ في ضيق صدر. ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ من مكرهم، أي فإن الله يعصمك من الناس، وهذا تسلية للنبي ﷺ ، أي لا تهتم بمكرهم وتآمرهم عليك، فإنا ناصروك عليهم. ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي العذاب الموعود، أو الوعد بالعذاب. ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي ردفكم بمعنى تبعكم ولحقكم.
﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي أصابهم بعض العذاب وهو القتل ببدر، وباقي العذاب يأتيهم بعد الموت.
﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ أي ومنه تأخير العذاب عن الكفار. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ نعم الله عليهم ومنه تأخير العذاب لإنكارهم وقوعه. ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تخفيه. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم. ﴿غائِبَةٍ﴾ التاء المربوطة أو الهاء للمبالغة، والمعنى: أيّ شيء في غاية الخفاء على الناس، كالتاء في علاّمة ونسابة، والأصل: غائب. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ بيّن، وهو اللوح المحفوظ، فكل شيء يعلمه الله قديما، ومنه تعذيب الكفار.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى جهل الكفار بالآخرة، أردفه بما قالوا عنها، مما يدل على إنكارهم لها. وأما مناسبة هذه الآيات لجملة السورة فهي أنه تعالى لما تكلم في حال مبدأ الخلق، تكلم بعده في حال المعاد؛ لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من
стр. 5921
الشك في كمال القدرة أو في كمال العلم، فإذا ثبت كونه تعالى قادرا على كل الممكنات، وعالما بكل المعلومات، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل إنسان عن أجزاء بدن غيره، وثبت أنه قادر على إعادة التركيب والحياة إلى تلك الأجزاء، وإذا ثبت إمكان ذلك، ثبت صحة القول بالحشر أو المعاد.
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا، أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أي وقال المشركون منكرو البعث، الذين كفروا بالله وكذبوا رسله: أنخرج من قبورنا أحياء، بعد مماتنا، وبعد أن بليت أجسادنا وصارت ترابا؟ فهذا حكاية لاستبعادهم إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاما ورفاتا وترابا.
﴿لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي ما زلنا نسمع كثيرا بهذا نحن وآباؤنا، ولا نلمس له حقيقة ولا وقوعا ولم نر قيام أحد بعد موته، والمراد أن هذا تاريخ غابر محكي، أكل عليه الدهر وشرب.
﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما هذا الوعد بإعادة الأبدان إلا أسطورة، أي خرافة وأكذوبة، يتناقلها الناس عن بعضهم، وليس لها حقيقة، ولم يقم عليها دليل مقبول.
ثم أرشدهم الله تعالى إلى الصواب في ذلك وعما ظنوا من الكفر وعدم المعاد بصيغة الوعيد والتهديد، فقال: ﴿قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: سيروا في أرض الحجاز والشام واليمن وغيرها، فانظروا مصير من سبقكم من المكذبين، إنهم اغتروا بدنياهم، وفتنوا بزخارفها، وكذبوا رسلهم، وأنكروا وجود البعث، فأهلكهم الله بذنوبهم، وبقيت ديارهم آثارا شاهدة عليهم للعبرة والعظة، ونجى الله رسله ومن اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته من الإيمان بالله
стр. 5922
وبالبعث، وتلك سنة الله في كل من كذب رسله، وسيعاقبكم بمثل عقابهم إن لم تبادروا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر.
ثم سلّى الله نبيه ﷺ عن إعراضهم عن قوله ورسالته فقال: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أي ولا تحزن يا محمد على إعراض هؤلاء المكذبين عن رسالتك، ولا تكن ضيق الصدر حزينا مكروبا مهموما من كيدهم وتآمرهم عليك، فإن الله مؤيدك وناصرك وعاصمك من الناس، ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب.
ثم حكى الله تعالى إنكارا آخر من الكفار غير الساعة، وهو إنكار عذاب الله، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي يقول هؤلاء المشركون في مكة وغيرهم في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: متى وقت هذا العذاب الذي تعدنا به، إن كنتم أيها الرسول والمؤمنون به صادقين في ادعائكم وقولكم؟ يقولون ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء.
فأجابهم الله تعالى بقوله:
﴿قُلْ: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: عسى أن يكون ردفكم أي لحقكم وتبعكم واقترب منكم بعض ما تستعجلون وقوعه من العذاب، وهو القتل والعذاب والنكال يوم بدر. فقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي ردفكم واللام زائدة، وقال ابن كثير: وإنما دخلت اللام في قوله:
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ لأنه ضمن معنى: عجل لكم، كما قال مجاهد في تفسير ذلك.
قال الزمخشري: عسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجدّه، وما لا مجال للشك بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجّلون بالانتقام؛ لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أن عدوهم لا يفوتهم،
стр. 5923
وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده (١).
ثم ذكر تعالى سبب تأخير العقاب، فقال:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ أي وإن الله لهو المنعم المتفضل على الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم حيث يسبغ إنعامه عليهم في الدنيا، مع ظلمهم لأنفسهم، ويترك معاجلتهم بالعقوبة على كفرهم ومعاصيهم، ولكنهم مع ذلك كله لا يشكره أكثرهم على فضله، ولا يشكره إلا القليل منهم.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي وإن ربك ليعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر، كما قال: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد ١٠/ ١٣] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه ٧/ ٢٠] والمراد أنه تعالى عالم بمكائد المشركين للرسول، وسيجازيهم على ذلك.
ثم أبان الله تعالى حقيقة شاخصة عامة وهي أن كل ما في الكون محفوظ في اللوح المحفوظ، فقال:
﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي وما من شيء غائب مخفي في السموات والأرضين إلا وهو موجود معلوم محفوظ في اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه الله تعالى كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، وعالم غيب السموات والأرض من أمر الخلائق قاطبة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠/ ٢٢] وقال حكاية عن لقمان: ﴿يا بُنَيَّ، إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ﴾
стр. 5924
﴿فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦/ ٣١].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١ - تكرر في القرآن الكريم حكاية إنكار المشركين البعث، فهم يعدّونه من خرافات الأقدمين المتوارثة، وكانت الأنبياء يقرّبون أمر البعث مبالغة في التحذير، وكل ما هو آت قريب.
٢ - وبما أن واقعة البعث أمر غيبي يحدث في المستقبل، فإن الله تعالى أجاب المنكرين له بالنظر في مصير المكذبين لرسلهم، المنكرين وقوع البعث، نظرة تأمل في القلوب والبصائر في بلاد الشام والحجاز واليمن وغيرها، هل دام لهم العز والسلطان، أم دمّر الله ديارهم بسبب كفرهم؟.
٣ - كانت درجة إحساس النبي ﷺ عالية جدا، ومرهفة إرهافا مفرطا، فتألم وحزن لإعراض قومه عنه، فسرّى عنه القرآن همومه، ونهاه عن حمل الهموم والأحزان على كفار مكة إن لم يؤمنوا، كما نهاه عن الضيق أي الحرج من مكرهم وتدبيرهم وقولهم: متى أو أي وقت يجيئنا العذاب بتكذيبنا؟ ٤ - أجابهم الحق تعالى عن استبطاء نزول العذاب بالترهيب مرة وبالترغيب مرة أخرى، فأنذرهم بأن بعض عذابهم قد اقترب منهم ودنا من ساحتهم، وذلك في أول لقاء عسكري فاصل بينهم وبين المؤمنين في موقعة بدر، فيقتل رؤساؤهم ويؤسر أشرافهم، ورغّبهم بالتوبة والإيمان، وذكّرهم بفضله سبحانه على الناس في تأخير العقوبة وإدرار الرزق، ولكن أكثرهم لا يشكرون فضله ونعمه.
٥ - وأبان لهم أن مصير خططهم ومؤامراتهم إلى الخيبة والفشل، فإن الله يعلم
стр. 5925
ما تخفي صدورهم وما يظهرون من الأمور، فيحبط مشاريعهم، كما أنه تعالى يعلم جميع ما أخفى عن خلقه وغيّبه عنهم، وهذا عام بعد خاص، وقد أثبت تعالى في اللوح المحفوظ ما أراد، ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته، فكيف يخفى عليه ما يسرّ هؤلاء وما يعلنونه؟! وإذا كان الله عليما بكل نشاطاتهم المشبوهة وتحركاتهم المريبة، فيستحيل وقوع ما يريدون من إيذاء النبي ﷺ أو النيل من رسالته، أو تحقيق الظفر على المسلمين.
إثبات نبوة محمد ﷺ بالقرآن الكريم
﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾
البلاغة:
﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: في هذا الفعل المضارع استعارة تبعية، استعار ما يتكلم به الإنسان الناطق إلى القرآن، لتضمنه نبأ الأولين، فكان كالإنسان الذي يقصّ على الناس الأخبار.
﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل.
﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى، وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ﴿بِهادِي الْعُمْيِ﴾ استعارة تمثيلية، فقد عبر بالموتى والصم والعمي تمثيلا لأحوال الكفار في عدم انتفاعهم بالإيمان بأنهم كالموتى والصم والعمي.
стр. 5926
المفردات اللغوية:
﴿يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ الموجودين في زمان نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي يخبرهم بأكثر نواحي الاختلاف كالتشبيه والتنزيه وأحوال الجنة والنار وعزير والمسيح ﴿لَهُدىً﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من العذاب وخص بالمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ يفصل بين بني إسرائيل كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بما هو حكمه الذي هو الحق والعدل ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب، فلا يرد قضاؤه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحقيقة ما يقضي فيه، فلا معقب لحكمه.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ ثق به، ولا تبال بمعاداتهم ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدين البيّن، وصاحب الحق جدير بالثقة بنصر الله وحفظه، فإنه سينصرك على الكفار ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ تعليل آخر للأمر بالتوكل، من حيث إنه يقطع الأمل بمتابعتهم ومعاضدتهم، فضرب أمثالا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم، ولا برؤية ما يرشدهم إلى الإيمان ﴿مُدْبِرِينَ﴾ راجعين فارّين هاربين؛ لأن إسماعهم في هذه الحال أبعد.
﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ لأن الهداية لا تحصل إلا بالصبر ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي ما يجدي إسماعك سماع فهم وقبول ﴿إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ يصدق بالقرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون بتوحيد الله.
المناسبة:
بعد أن أتمّ الله تعالى الكلام في إثبات المبدأ والمعاد بالأدلة الكونية، الحسية والعقلية، أعقب ذلك بإثبات النبوة بأدلة أعظمها القرآن الكريم المشتمل على المعجزات، وإذا كان معجزا دل على صدق محمد ﷺ فيما يدعيه.
التفسير والبيان:
إن الكتاب الذي أورد الأدلة على إثبات صفات الكمال لله تعالى، وإثبات البعث لإقامة العدل بين الخلائق بالثواب والعقاب، وهما أصلان للدين، هو هذا القرآن المتضمن وجوه الإعجاز التالية:
١ - الإخبار عن قصص الأنبياء المتقدمين: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي إن هذا القرآن العزيز يخبر بني
стр. 5927
إسرائيل، وهم حملة التوراة والإنجيل، بالحق في كثير من الأمور التي اختلفوا فيها، كاختلافهم في عيسى ﵇، فاليهود افتروا عليه، والنصارى غلوا في شأنه، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل: أنه عبد من عباد الله، ونبي من أنبيائه ورسله الكرام. وهذه الحقيقة وغيرها من القصص لا تعرف إلا بالوحي الإلهي من عند الله تعالى؛ لأن محمد ﷺ المنزل عليه القرآن كان أميا لا يقرأ لا يكتب، ولم يتتلمذ على أحد من العلماء للتعلم ومعرفة شؤون الثقافة، ولأن هذه القصص المذكورة في القرآن موافقة لما في التوراة والإنجيل.
٢ - إثبات التوحيد والبعث والنبوة وأحكام التشريع بدلائل عقلية:
﴿وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن هذا القرآن لهاد للمؤمنين إلى طريق الرشاد، ورحمة لهم في الأحكام التشريعية المتعلقة بالعقيدة، كالتوحيد والحشر والنبوة وصفات الله الحسنى، والمتعلقة بالأحكام العملية الملائمة لحاجات البشر وتحقيق مصالحهم في الدنيا والآخرة.
وهو أيضا هدى ورحمة للمؤمنين لبلوغه غاية الفصاحة والبلاغة حتى عجزت البشر عن معارضته، فدل على إعجازه، وخروجه عن طاقتهم، وأنه وحي منزل من إله حكيم حميد قدير. وخص المؤمنين في الآية؛ لأنهم المنتفعون به.
وبعد بيان خصائص إعجاز القرآن الدالة على صدق الرسالة النبوية أتبعه بذكر أمرين:
الأول-إقامة الدليل على عدل الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي إن ربك الذي يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون يقضي بين المصيب والمخطئ منهم بحكمه العادل، وهو القوي القادر على الانتقام من المبطل منهم، ومكافأة المحسن منهم، فلا يرد قضاؤه، العليم بأفعال عباده وأقوالهم، فيقضي بالصواب المطابق للواقع؛ لأنه العليم بمن يقضي له وبمن يقضي عليه.
стр. 5928
ومعنى ﴿يَقْضِي﴾ .. ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي يقضي يوم القيامة بما يحكم به وهو عدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما، أو أراد أنه يقضي بحكمته.
الثاني-أمر النبي بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي ثق بالله واعتمد عليه وفوض جميع أمورك إليه، وبلّغ رسالة ربك، ولا تلتفت إلى أعداء الله، فإنك أنت على الحق الواضح، وإن خالفك فيه من خالفك من أهل الشقاء. وهذه هي العلة الأولى للتوكل على الله، ثم علل ذلك بعلة أخرى فقال:
﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ، إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أي إنك لا تستطيع أن تسمعهم شيئا ينفعهم، فهم حين توليهم مدبرين معرضين عنك كالموتى لا يتأثرون بما يتلى عليهم ولا يفهمونه، وكالصم الذين لا أمل في سماعهم فلا يسمعون بحال، وكالعمي الذين لا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء أصلا؛ لأن على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقر الكفر، وفي نفوسهم استعلاء واستكبارا عن الرضوخ للحق. وفي هذه العلة الثانية قطع طمع النبي عن الكفار، فيقوى قلبه على إظهار مخالفة أعداء الله، بأن بيّن له أنهم كالموتى وكالصم وكالعمي، فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، ولأن الإنسان ما دام يطمع في أن يأخذ من أحد شيئا، فإنه لا يجرأ على مخالفته.
وهذا سبب قوة قلبه ﵊ على إظهار الدين كما ينبغي.
ومعنى قوله: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ تأكيد لحال الأصم؛ لأنه إذا تباعد وأدبر عن الداعي كان أبعد عن إدراك صوته.
والخلاصة: إنه تعالى أمر رسوله بالتوكل عليه والإعراض عما سواه؛ لأنه على الحق المبين، وغيره على الباطل، ولأنه لا أمل ولا مطمع في مساندة المشركين، ولا في استجابتهم لدعوة الحق.
стр. 5929
والمراد من نفي الإسماع للموتى الإسماع الذي يمكن أن يعقبه إجابة وتفاعل وتفاهم، فلا يعارضه ثبوت السماع من جانبهم دون أن يتمكنوا من الرد أو إجابة من يكلمهم، كما ثبت أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وأنه ﷺ سلّم على قبور أهل بدر، وكما
ثبت في صحيح البخاري ومسلم «أنه ﷺ خاطب القتلى في قليب (بئر) بدر، فقيل له: يا رسول الله، إنما تكلّم أجسادا لا أرواح لها، فقال النبي ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».
ثم أكد الله تعالى ما سبق فقال:
﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ، إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي وما أنت أيها الرسول بمستطيع أن تهدي العمي عن ضلالتهم، أي تردهم عن الضلال بالهدى؛ لأن على أبصارهم غشاوة تمنعهم عن النظر فيما أتيت به نظرا مؤديا إلى الحق، وما يجدي إسماعك إلا الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي يصدقون بها، فهم مسلمون مخلصون التوحيد لله، خاضعون لله، ولا يستجيب لك إلا من هو مبصر القلب، يستخدم سمعه وبصره في إدراك الأمور على وجهها الصحيح، مستعد لقبول الحق، فهذا هو المسلم الذي أسلم وجهه لله، يعني جعله سالما لله تعالى خالصا له.
فقه الحياة أو الأحكام:
يثبت الله تعالى بهذه الآيات صدق النبوة وصحة رسالة الرسول ﷺ ، وذلك بالقرآن الذي أنزله على قلب نبيه، مشتملا على وجوه عديدة من الإعجاز.
منها: أنه يبين لبني إسرائيل الموجودين حال نزوله ما اختلفوا فيه، لو أخذوا به، وذلك ما حرّفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام.
стр. 5930
ومنها: أن القرآن هاد من الضلالة إلى الحق والاستقامة والرشاد، ورحمة لمن صدّق به بما اشتمل عليه من الأدلة العقلية على التوحيد والبعث والنبوة وشرح صفات الله تعالى ونعوت جلاله، وبما انطوى عليه نظمه من سمو الفصاحة والبلاغة، حتى عجز البشر عن معارضته، مما يدل على أنه كلام الله المعجز الدال على صدق الرسالة النبوية.
ثم ذكر الله تعالى دليل عدله، فهو سبحانه يقضي بين بني إسرائيل وغيرهم فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازي المحق والمبطل، وهو العزيز أي المنيع الغالب الذي لا يردّ أمره، العليم الذي لا يخفى عليه شيء.
ثم أمر الله تعالى نبيه بالتوكل على الله، أي تفويض أمره إليه واعتماده عليه، فإنه ناصره، لأنه على الحق المبين، أي الظاهر، ولأن هؤلاء الكفار أشبه بالموتى لتركهم التدبر، فلا حسّ لهم ولا عقل، وبمنزلة الصم عن قبول المواعظ، فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون، وكالعميان الذين لا يميزون طريقهم، فهم تائهون حائرون، كما قال سبحانه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١/ ٢].
ثم ذكر الله تعالى قاعدة عامة في مسيرة الدعوة للنبي ﷺ بقوله:
﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم، وما تسمع إلا المستعد لقبول الحق، المهيأ للإيمان بآيات الله، المخلوق للسعادة، فهم مخلصون في التوحيد. أما الكافر المعاند المعرض عن آيات ربه فلا أمل في إيمانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٨].
стр. 5931
من أمارات القيامة ومقدماتها
- ١ -
إخراج دابة الأرض وحشر الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله أمام ربهم
﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾
الإعراب:
﴿أَنَّ النّاسَ﴾ ﴿أَنَّ﴾ بالفتح: إما في موضع نصب مفعول به ل ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أي تخبرهم، أي تخبرهم أن الناس، وإما في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، أي تكلمهم بأن الناس، و ﴿بِآياتِنا﴾ في موضع نصب متعلق ب ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي كانوا لا يوقنون بآياتنا. ومن قرأ بالكسر: «إن» فعلى الابتداء والاستئناف.
البلاغة:
﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيه أسلوب التوبيخ والتأنيب.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ فيه ما يسمى في علم البديع بالاحتباك، وهو أن يحذف من أوله ما أثبت في آخره وبالعكس، وبيانه هنا: جعلنا الليل مظلما
стр. 5932
ليسكنوا فيه، والنهار مبصرا ليتصرفوا فيه، فحذف «مظلما» لدلالة ﴿مُبْصِراً﴾ عليه، وحذف «ليتصرفوا فيه» لدلالة ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي إذا دنا أو قرب وقوع معنى القول وهو ما وعدوا به من البعث والعذاب الذي ينزل بالكفار ﴿أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ كائنا حيا يدب على الأرض، وهو الجسّاسة ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تنبئهم وتخبرهم ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أي أن أكثر الناس كانوا لا يؤمنون بآيات الله الدالة على مجيء الساعة، والله أعلم بحقيقة تلك الدابة، ولعلها إنسان عادي، والمهم الإخبار عن تكذيب الجم الغفير من الناس بوقوع القيامة.
﴿وَيَوْمَ﴾ أي واذكر يوم القيامة ﴿نَحْشُرُ﴾ نجمع ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من للتبعيض ﴿فَوْجاً﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ من للتبيين، وهم الرؤساء المتبعون ﴿يُوزَعُونَ﴾ يجمعون بمنع أولهم وإيقافه من أجل آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف المناقشة والحساب ﴿حَتّى إِذا جاؤُ﴾ مكان الحساب أو المحشر ﴿قالَ﴾ تعالى لهم ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾ الواو للحال، أي أكذبتم بآياتي بادي الرأي، ولم تتأملوا بحقيقتها، ولم تنظروا نظرا يحيط علمكم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو التكذيب، فمعنى: لم تحيطوا بها علما: لم تدركوا حقيقة كنهها. والواو للعطف، أي أجمعتم بين التكذيب بها وعدم إلقاء الأذهان لتحققها؟ أي النظرة السطحية لها ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أم أي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك، وهو استفهام للتبكيت، إذ لم يفعلوا غير التكذيب من الجهل، وأما: فيه إدغام «ما» الاستفهامية ب «ذا» الموصول، أي ما الذي كنتم تعملون فيما أمرتم به؟ ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حلّ بهم العذاب، وهو كبّهم في النار بعد ذلك ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ بسبب ظلمهم، وهو الشرك والتكذيب بآيات الله ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ باعتذار إذ لا حجة لهم ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ألم يعلموا ﴿أَنّا جَعَلْنَا﴾ خلقنا ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ليستريحوا فيه ويهدأوا ﴿مُبْصِراً﴾ يبصر فيه بضوئه أسباب المعيشة ليتصرفوا فيه، وجعل الإبصار للنهار وهو لأهله ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ دلالات على قدرة الله تعالى، وهي تدل على الأمور الثلاثة: التوحيد والحشر وبعثة الرسل ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان؛ لأن تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص لا يكون إلا بقدرة قاهرة، وإن من قدر على إبدال الظلمة بالنور من مادة واحدة قدر على إبدال الموت بالحياة من مواد الأبدان.
стр. 5933
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى الدلائل على كمال قدرته وكمال علمه، وفرع على ذلك القول بإمكان البعث والحشر والنشر، ثم أوضح كون القرآن معجزا، ونبّه بإعجازه على إثبات نبوة محمد ﷺ ، أردف ما سبق ببيان مقدمات قيام القيامة، وهي إما كالعلامة للقيامة كإخراج دابة الأرض، وإما أن تقع عند قيام القيامة كنفخ الصور.
وإنما أخر تعالى الكلام عن علامات القيامة عن إثبات النبوة، لأن هذه الأشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أي أنه في آخر الزمان عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، واستحقاقهم العذاب الموعود به، وذلك قرب مجيء الساعة، يخرج الله للناس دابة من الأرض تحدثهم أن أكثر الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون.
ولعل تلك الدابة هي إنسان كما قال بعض المفسرين الجدد؛ لوصفها بالكلام؛ ولأن كل ما يدب على الأرض فهو دابة.
وسميت تلك الدابة في الآثار بالجسّاسة، وورد في شأنها أحاديث آحاد، منها
ما رواه مسلم وأهل السنن عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة، ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم ﵇، والدجال، وثلاثة
стр. 5934
خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا».
وأما موضع خروجها فهو:
سئل النبي ﷺ : من أين تخرج الدابة؟ فقال:
«من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى، يعني المسجد الحرام» (١).
وبعد ذكر العلامة الأولى لقيام الساعة ذكر تعالى العلامة الثانية وهي:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً، مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا، فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتّى إِذا جاؤُ قالَ: أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً، أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ويوم نجمع يوم القيامة جماعة من رؤساء كل أمة من الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله، ونحبس أولهم على آخرهم، ليجتمعوا في موقف الحشر والحساب، حتى إذا جمعوا ووقفوا بين يدي الله للحساب والنقاش، فيقول الله لهم توبيخا وتبكيتا: أكذبتم بآياتي الدالة على لقاء هذا اليوم، غير ناظرين بما يحيطكم علما بحقيقة الآيات، وإذا لم تتأملوا فيها، فبماذا كنتم تشغلون أنفسكم أو تعملون فيها من تصديق أو تكذيب؟! فقوله: ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بمعنى: بل ماذا كنتم تعملون؟! ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا، فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ أي وحينئذ يحل العذاب بأولئك المكذبين بآيات الله بسبب ظلمهم، أي تكذيبهم وكفرهم، فيشغلهم عن النطق والاعتذار، كما قال تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات ٣٥/ ٧٧].
ثم ذكر الله تعالى دليل التوحيد والحشر والنبوة، فقال:
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي ألم يعلم هؤلاء المكذبون بآياتنا أنا خلقنا الليل للسكن والنوم
стр. 5935
والراحة والقرار بعد عناء التعب في النهار، وخلقنا النهار منيرا مشرقا للتصرف أو التقلب في المعايش والمكاسب والأسفار والتجارات وغيرها من شؤونهم التي يحتاجونها، إن في ذلك الخلق والإيجاد لدلالات على قدرة الله على البعث بعد الموت، للجزاء والحساب، وعلى توحيده، لقوم يصدقون بالله ورسله.
فمن تأمل في تعاقب الليل والنهار والانتقال من حال شبيهة بالموت إلى حال الحركة والحياة، أدرك أن القيامة كائنة لا محالة، وأن الله سيبعث من في القبور.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن مفاجات يوم القيامة وأهوالها كثيرة وغريبة ومذهلة، فمن مقدماتها:
إخراج دابة من الأرض عند استحقاق العذاب تخبر بأن أكثر الناس كانوا لا يصدقون بآيات الله.
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض».
واختلف المفسرون في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا، قال القرطبي: أول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح ﵇، وهو أصحها-والله أعلم-لما
ذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: «لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية-يعني مكة-ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية -يعني مكة-ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة، خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب، فارفضّ الناس منها شتّى ومعا..» الحديث.
стр. 5936
وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله: «وهي ترغو» والرغاء إنما هو للإبل؛ وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب، فانفتح له حجر، فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله (١).
ثم ذكر الله تعالى بعض الأمور الواقعة بعد قيام القيامة وهو حشر زمرة وجماعة من كل أمة، ممن يكذب بالقرآن وبالأدلة الدالة على الحق، فهم يوزعون أي يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب، وقال قتادة: أي يردّ أولهم على آخرهم، حتى إذا حضروا الموقف قال الله: أكذبتم بآياتي التي أنزلتها على رسلي، وبالآيات التي أقمتها دليلا على توحيدي، ولم تعلموا بحقيقتها، وإنما أعرضتم عنها مكذبين جاهلين غير مستدلين؟ ثم يقول لهم تقريعا وتوبيخا: ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا ما فيها.
ولكن وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم، فهم لا ينطقون، أي ليس لهم عذر ولا حجة.
ثم أقام الله تعالى دليلا على البعث والتوحيد والنبوة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر، وهو خلق الليل للنوم والاستقرار، وخلق النهار المنير المشرق الذي يبصر فيه الناس الأشياء للحركة ونشاط الحياة وسعي الرزق، إن في ذلك لدلالات على قدرة الله وتوحيده وإمكانه الحشر لقوم يؤمنون بالله. أما وجه دلالته على التوحيد فهو أن التقليب من النور إلى الظلمة ومن الظلمة إلى النور بدقة متناهية لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية. وأما وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرة الله تعالى على هذا التقليب فهو قادر على القلب من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة، وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع الناس، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الناس منافع عظيمة، فما المانع من بعثتهم إلى الناس لتحصيل تلك المنافع؟
стр. 5937
- ٢ -
النفخ في الصور وتسيير الجبال
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: اذكر يوم ينفخ.
﴿صُنْعَ اللهِ﴾ منصوب على المصدر؛ لأن ما قبله يدل أنه تعالى صنع ذلك، فكأنه قال: صنع صنعا الله، ثم أضاف المصدر إلى الفاعل.
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ.﴾. ﴿مَنْ﴾ شرطية مبتدأ، و ﴿فَلَهُ﴾ الجواب، خبر المبتدأ.
﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ من قرأ «فزع» بالتنوين، كان (يوم) منصوبا بالمصدر، أو ب ﴿آمِنُونَ﴾ تقديره: وهم آمنون يومئذ من فزع؛ ومن قرأ بغير تنوين كان (يوم) مجرورا بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج ١١/ ٧٠]. أي أنه في حالة إضافة «فزع» تكسر ميم «يومئذ» وتفتح، وفي حال تنوين «فزع» تفتح ميم «يومئذ».
البلاغة:
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بينهما طباق.
﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ تشبيه بليغ، أي تمر كمرّ السحاب في السرعة، حذفت فيه الأداة ووجه الشبه.
стр. 5938
المفردات اللغوية:
﴿الصُّورِ﴾ البوق الذي ينفخ فيه، والمقصود هنا: النفخة الأولى من إسرافيل ﴿فَفَزِعَ﴾ خاف، والمراد هنا الخوف الشديد المفضي إلى الموت من الهول، وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ ألا يفزع بأن ثبّت قلبه، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ملك الموت.
وعن ابن عباس: هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم يرزقون ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية، أو راجعون إلى أمره، وتنوين ﴿كُلٌّ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة أتوه ﴿داخِرِينَ﴾ صاغرين، والتعبير ب ﴿أَتَوْهُ﴾ بالماضي لتحقق وقوعه.
﴿وَتَرَى الْجِبالَ﴾ تبصرها وقت النفخة ﴿تَحْسَبُها﴾ تظنها ﴿جامِدَةً﴾ ثابتة في مكانها لعظمها ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أي في السرعة؛ لأن الأشياء الكبار إذا تحركت في سمت واحد، فلا تكاد تتبين حركتها. وهنا شبهها بالسحب التي تسيرها الرياح ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله، تقديره: صنع الله ذلك صنعا ﴿أَتْقَنَ﴾ أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ عالم بظواهر الأفعال وبواطنها، فيجازيهم عليها.
﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ أي الإيمان والعمل الصالح ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ أي له ثواب بسببها وليس هذا للتفضيل، إذ لا فعل خير منها، وفي آية أخرى: ﴿عَشْرُ أَمْثالِها﴾ ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾ الفزع هنا:
الخوف من العذاب، وهم: أي الفاعلون الحسنة وأما الفزع الأول في قوله ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ فهو ما لا يخلو عنه أحد عند الإحساس بشدة تقع، وهول يفجأ من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ الإشراك بالله والمعاصي ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ أي ألقيت منكوسة، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم، وذكرت لأنها موضع الشرف من الحواس، فغيرها من باب أولى ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ما تجزون إلا جزاء عملكم من الشرك والمعاصي.
وهذا القول المستفهم به للتبكيت.
المناسبة:
بعد ذكر العلامة الأولى لقيام القيامة وهي خروج الدابة للكلام والحديث، ذكر الله تعالى علامتين أخريين لقيام القيامة وهما النفخ في الصور، وتسيير الجبال، ثم ذكر أحوال المكلفين يوم القيامة وأنهم قسمان: المطيعون الأبرار الذين يعملون الحسنات، فيثابون خيرا منها ويأمنون الفزع من العذاب، والعصاة
стр. 5939
الأشقياء الذين يعملون السيئات، فيكبّون على وجوههم في النار، جزاء عملهم.
التفسير والبيان:
العلامة الثانية-نفخ الصور:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ أي اذكر أيها الرسول للناس هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، إذ يخاف جميع من في السموات ومن في الأرض خوفا شديدا، يؤدي بهم إلى الموت إلى من شاء ربك، بأن ثبت قلبه فلا يخاف، وهم بعض الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل: هم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
وهناك نفختان: نفخة الفزع في هذه الآية وهي النفخة الأولى، ونفخة الصعق (أي الموت) المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر ٦٨/ ٣٩] والنفخة الثانية: نفخة البعث التي في تتمة الآية السابقة: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس ٥١/ ٣٦].
وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع من في السموات ومن في الأرض.
فالنفخ إذن مرتان: مرة ليموت الكل إلا من شاء الله، ومرة ليحيي الكل للحساب، ومن استثني أولا يموت بعد النفخة الأولى وقبل الثانية.
﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أي وكل واحد من الخلائق يأتون إلى الموقف بين
стр. 5940
يدي الله للسؤال والحساب أذلاء صاغرين، صغار ذل إن كانوا كفارا، وصغار هيبة وخشية إن كانوا مؤمنين، لا يتخلف أحد عن أمر ربه، كما قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ [مريم ٩٣/ ١٩] وقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ، فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٥٢/ ١٧] وقال: ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥/ ٣٠] وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج ٤٣/ ٧٠].
العلامة الثالثة-تسيير الجبال:
﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أي وتنظر إلى الجبال فتراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تزول بسرعة عن أماكنها، وتسير كما يسير الغمام بتأثير الرياح، لأن الجسم الكبير إذا تحرك برتابة لا تكاد حركته تبين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ [الطور ٩/ ٥٢ - ١٠] وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ، وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف ٤٧/ ١٨] وقال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ [النبأ ٢٠/ ٧٨] وقال:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً، فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧].
وتسير الجبال-وإن دكت عند النفخة الأولى-يحدث بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، ليشاهدها أهل المحشر، فيبدل الله الأرض غير الأرض والسموات، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ، وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على دوران الأرض حول الشمس بسرعة فائقة، لكن الظاهر أن ذلك في الآخرة؛ لأن الكلام هنا عن يوم القيامة.
﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي ذلك الصنع هو فعل الله بقدرته
стр. 5941
العظيمة، الذي أحكم كل شيء، وأودع فيه من الحكمة ما أودع.
﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ هذا علة النفخ في الصور والبعث للحساب والجزاء، أي إن الله تعالى عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.
ثم بيّن الله تعالى حال المكلفين السعداء والأشقياء بعد قيام القيامة فقال:
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ أي من جاء مؤمنا بالله وحده لا شريك له، عاملا الصالحات، فله على ذلك الثواب الجزيل عند ربه في جنات النعيم، يأمن من الفزع الأكبر، وهو الخوف من عذاب القيامة، كما قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء ١٠٣/ ٢١] وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] وقال : ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ ٣٧/ ٣٤].
والحسنة: الإيمان والعمل الصالح، وقال ابن عباس والنخعي وقتادة: هي لا إله إلا الله. و ﴿خَيْرٌ﴾ هنا ليس أفعل تفضيل، فليس شيء خيرا من لا إله إلا الله، كما قال عكرمة، وإنما المراد مضاعفة الثواب ودوامه؛ لأن العمل ينقضي، والثواب يدوم، فالخير: الثواب، وقيل: للتفضيل، أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله. و ﴿مَنْ﴾ لابتداء الغاية أي له خير من الخيور، مبدؤه ونشوؤه منها أي من جهة هذه الحسنة. وقد رتب الله على مجيء المكلف بالحسنة شيئين: الثواب والأمن من العذاب.
﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ومن أشرك بالله وارتكب المعاصي، ومن لقي الله مسيئا لا حسنة له، أو قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه، فيلقى في النار، ويقال لهم أي للكفار والعصاة: هل هذا إلا جزاء عملكم في الدنيا من شرك ومعصية؟
стр. 5942
ويلاحظ أن هذه الآيات كلها في قمة البلاغة والفصاحة والإيجاز المفيد معاني عديدة متلاحقة، قال الزمخشري: فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن تنظيمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا، ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس الشّقاشق (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن نفخ إسرافيل في الصور نفخة مرعبة وهي النفخة الأولى ونفخة الصعق يموت من رعبها الخلائق كلهم إلا من شاء ربك من الملائكة أو الناس.
وهي العلامة الثانية لقيام القيامة.
قال القرطبي: والصحيح في الصور: أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل.
قال مجاهد: كهيئة البوق. والصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان، لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما ترجع إلى نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لهما، أي فزعوا فزعا ماتوا منه، ثم تأتي نفخة البعث وهي النفخة الثانية التي يحيى بها العباد ليجتمعوا في أرض الجزاء (٢).
ولا يتخلف أحد من الخلائق من عهد آدم إلى قيام الساعة عن المثول حيا أمام الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أي ذليلين صاغرين.
٢ - وبعد قيام القيامة وبعد النفخة الثانية عند حشر الخلائق يحدث تسيير الجبال من أماكنها، ثم تتلاشى وتتبدد كالعهن، أي الصوف المندوف. يقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها،
стр. 5943
وإبراز ما كانت تواريه؛ فأول الصفات: الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش؛ وذلك إذا صارت السماء كالمهل (أي الزيت المذاب) وقد جمع الله بينهما فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج ٨/ ٧٠ - ٩]. والحال الثالثة: أي تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن. والحال الرابعة: أن تنسف، والحال الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، والحال السادسة:
أن تكون سرابا (١).
٣ - إن تغيير معالم الأرض من جبال وغيرها، وتبديد السموات وغير ذلك من فعل الله الذي أتقن بصنعه كل شيء، وأودع فيه من الحكمة ما أودع.
٤ - الناس صنفان يوم القيامة: سعداء وأشقياء، فالسعداء: هم المؤمنون الذين عملوا الأعمال الصالحة، وهؤلاء لهم الثواب الجزيل، والأمن من عذاب الله. والأشقياء: هم الكفار والمشركون والعصاة الذين ارتكبوا في الدنيا السيئات، وهؤلاء يطرحون في النار على وجوههم، ويقال لهم: هل هذا إلا جزاء أعمالكم؟ والثواب الممنوح من الله للسعداء وهو الخير اسم جنس، فسر بمضاعفته بعشرة أمثاله في آية أخرى، فإن الله تعالى يعطي بالحسنة الواحدة عشرا، أما جزاء السيئة فلا يضاعف فقال: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦].
стр. 5944
الاشتغال بعبادة الله وحمده وتلاوة القرآن
﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
المفردات اللغوية:
﴿هذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ مكة، وتخصيصها بهذه الإضافة: إضافة ﴿رَبَّ﴾ إليها تشريف لها وتعظيم لشأنها. ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ أي الله الذي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم الإنسان، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها (عشبها الرطب) وذلك من نعم الله على قريش حيث رفع عن بلدهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب. وقرئ: التي حرمها.
﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أي له تعالى كل شيء خلقا وملكا، فهو ربه وخالقه ومالكه. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لله بتوحيده، أي المنقادين الثابتين على ملة الإسلام. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أي وأن أواظب على تلاوته لينكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا، وأتلوه أيضا عليكم تلاوة الداعية إلى الإيمان. ﴿لِنَفْسِهِ﴾ لأجلها، فإن ثواب اهتدائه له. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوفين قومهم من عذاب الله، فليس علي إلا التبليغ.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على نعمة النبوة أو على ما علمني ووفقني للعمل به. ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ يريكم آياته القاهرة في الدنيا كوقعة بدر، أو في الآخرة، فتعرفون أنها آيات الله، ولكن حين لا تنفعكم المعرفة. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أي إنما يمهلهم لوقتهم، فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أحوال المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة، وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب، أمر رسوله بهذه الخاتمة اللطيفة بأن يقول
стр. 5945
للمشركين هذه المقالة، مبينا لهم أنه قد أتم أمر الدعوة، وقد كملت، ولم يبق عليه إلا الاشتغال بعبادة الله وحده لا شريك له، وبحمده وشكره على نعمه العظمى، وبتلاوة القرآن، أي أن مهمة إعلان الدعوة من جانبه انتهت، وبقي عليهم التفكير في الاستجابة لهذه الدعوة، وتدبر آي القرآن التي تكفي في إرشادهم، وأنها إن لم تفدهم فقد أفادته، فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها، فإني مصرّ عليها، غير مرتاب فيها.
التفسير والبيان:
قل: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ أي قل لهم أيها الرسول: إنما أمرت أن أعبد رب مكة الذي حرمها على الناس، فجعلها شرعا وقدرا حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد شجرها، ولا ينفّر طيرها، ولا يخوّف فيها خائف، يجبى إليها ثمرات الدنيا من كل ناحية.
وخص مكة بالذكر تشريفا لها، لأن أول بيت وضع للعبادة كان فيها، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش ٣/ ١٠٦ - ٤]. وفي هذا توبيخ لأهل مكة على ترك عبادة الله، والاتجاه نحو عبادة الأصنام.
ونظير الآية: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي، فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [يونس ١٠٤/ ١٠].
وقد أبان النبي ﷺ مظاهر تحريم مكة،
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد
стр. 5946
شوكة، ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها» أي عشبها الرطب.
﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أي له تعالى كل شيء خلقا وملكا وتصرفا، دون أي شريك، وهذا من عطف العام على الخاص، أي هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه، لا إله إلا هو.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي وأمرني ربي أن أكون من الموحّدين، المخلصين، المنقادين لأمره، المطيعين له.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أي وأمرني ربي أن أتلو القرآن على الناس، وأن أتلوه وحدي ليل نهار، لتتكشف لي أسراره، وأتعرف دائما على أدلة الكون المودعة في آياته، فيزداد إيماني، وتشرق نفسي.
﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي فمن اهتدى إلى الحق والإيمان فإنما يهتدي لأجل نفسه، ومن آمن برسالتي واتبعني فقد رشد، وأمن عذاب ربه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ أي ومن ضل وأخطأ طريق الحق والإيمان والرشاد، وكذب بدعوتي وبما جاءني من عند الله وهو القرآن، فعليه وزر ضلاله، وإنما أنا من المنذرين المخوفين قومهم عذاب الله، وليس علي إلا الإنذار والتبليغ، وقد أديت المهمة وأبلغتكم ما يوحى إلي، وخلصت من العهدة، وحسابكم على الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣] وقال: ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود ١٢/ ١١].
﴿وَقُلِ: الْحَمْدُ لِلّهِ، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾ أي وقل أيها الرسول:
لله الحمد الذي لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، ولله الحمد على ما أنعم على من نعمة النبوة، وعلى ما علّمني ووفقني لتحمل أعباء الرسالة
стр. 5947
والعمل بما أنزل علي، وإنه سبحانه سيريكم آياته الدالة على عظمته وحكمته وقدرته وأمارات عذابه وسخطه، ويتبين لكم صدق دعوتي، فتعرفون كل ذلك، ولكن حين لا ينفعكم الإيمان.
ونظير الآية: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت ٥٣/ ٤١].
﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وما الله بغافل عما يعمله المشركون وغيرهم، بل هو شهيد على كل شيء، ولكن يؤخر عذابهم إلى أجل على وفق إرادته وحكمته. وهذا تقرير لما سبق من الوعد والوعيد، وتبشير للنبي بأن الله ناصره ومخزي أعدائه الكافرين.
روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس لا يغترنّ أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلا شيئا لأغفل البعوضة والخردلة والذرّة». وروى أيضا عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلا شيئا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أمر النبي ﷺ ومثله أمته في هذه الآيات بأوامر ثلاثة هي:
١ - تخصيص الله وحده بالعبادة دون اتخاذ شريك له. ووصف الله نفسه بأمرين:
أحدهما-أنه رب هذه البلدة أي مكة، واختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها؛ لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم لها، دالا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه.
وقد حرمها لتحريمه فيها أشياء على من يحج، ولأن اللاجئ إليها آمن،
стр. 5948
ولأنه لا ينتهك حرمتها إلا ظالم، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها.
والثاني- ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ خلقا وملكا وتصرفا، فهو خالق لجميع النعم، ومالك جميع من في الكون، ومتصرف بملكه كما يشاء، ﷻ .
٢ - أن يكون من المسلمين: أي المنقادين لأمره، الموحّدين له.
٣ - أن يتلو القرآن، أي يقرأه لنفسه وعلى الناس لتبليغهم إياه. فمن اهتدى في هذه الأصول الثلاث المقررة في هذه السورة وهي التوحيد والحشر والنبوة فله ثواب هدايته، ومنفعة اهتدائه راجعة إليه، ومن ضل أو انحرف عن هذه الأصول، فما على الرسول ﷺ إلا البلاغ المبين، وما هو إلا رسول منذر من جملة المنذرين، أي المخوفين قومهم من العذاب.
ثم ختم تعالى السورة بهذا التوجيه الحميد لرسوله ﷺ ولكل مؤمن وهو أن يحمد الله على نعمه وعلى هدايته، والله تعالى سيري خلقه آياته في أنفسهم وفي غيرهم، فيعرفون بها دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسهم وفي السموات وفي الأرض، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢٠/ ٥١ - ٢١].
والله شهيد على كل شيء، وليس هو بغافل عما يعمله الخلائق أجمعون، فيجازيهم على أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
стр. 5949
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القصص
مكية، وهي ثمان وثمانون آية
تسميتها:
سميت سورة (القصص) لما فيها من البيان العجيب لقصة موسى ﵇ من حين ولادته إلى حين رسالته، التي يتضح فيها أحداث جسام، برز فيها لطف الله بالمؤمنين وخذلانه الكافرين. ثم ذكر فيها قصة قارون من قوم موسى المشابهة للقصة الأولى في تقويض أركان الطغيان، طغيان السلطة عند فرعون، وطغيان المال عند قارون.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لسورتي النمل والشعراء في أنها تفصيل لما أوجز فيهما من قصة موسى ﵇، مبتدئا ببيان استعلاء فرعون وظلمه، وذبحه أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عند ولادته في اليم، خوفا عليه من الذبح، ثم انتشال فرعون له وتربيته في قصره عنده إلى سن الشباب، حيث حدثت حادثة قتله القبطي، التي استوجبت فراره من مصر إلى مدين، وزواجه بابنة شعيب ﵇، ثم مناجاته ربه وبعثه إياه رسولا، وما تبع ذلك.
كذلك فصلت هذه السورة موقف القرآن من توبيخ المشركين على إنكارهم يوم القيامة، من خلال الإخبار بإهلاك الكثيرين من أهل القرى بسبب ظلمهم، والتساؤل عن شركاء الله يوم القيامة وما يدور بينهم وبين عبدتهم من
стр. 5950
نقاش انتهى بتبرئهم من عبادتهم، وإيراد الأدلة المتضافرة لإثبات قدرة الله على الخلق والإيجاد والبعث والإعدام.
كما أن هناك ربطا من وجه آخر بين سورتي النمل والقصص، فقد أوجز هنا ما فصّل في السورة المتقدمة من إهلاك قوم صالح وقوم لوط، ومن بيان مصير من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة.
ما اشتملت عليه السورة:
تلتقي هذه السورة مع ما سبقها من سورتي الشعراء والنمل في بيان أصول العقيدة: التوحيد والرسالة والبعث في ثنايا قصص الأنبياء، وإيضاح الأدلة المثبتة لهذه الأصول في قضايا الكون وعجائبه البديعة ونظمه الفريدة.
وكان الطابع الغالب على هذه السورة تبيان قصة موسى مع فرعون التي تمثل الصراع بين طغيان القوي وضعف الضعيف، لكن الأول على الباطل والثاني على الحق، وأعوان الباطل هم جند الشيطان وأعوان الحق هم جند الرحمن.
كان فرعون معتمدا على سلطانه وقوته وثروته، فطغى وبغى، واستعبد شعب بني إسرائيل، وزاد في غلوه أنه ذبح الأبناء، واستحيا النساء، وادعى الربوبية ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨/ ٢٨] وأفسد في الأرض.
واستوجب ذبح الأطفال إلقاء موسى في اليم، والتقاط آل فرعون له، ثم رده إلى أمه، ثم تربيته في قصر فرعون، إلى أن بلغ أشده وصار رشيدا قويا، فقتل قبطيا قتلا خطأ، فهرب من مصر إلى أرض مدين، فتزوج بابنة شعيب ﵇، ومكث راعيا ماشيته عشر سنين، ثم عاد إلى مصر، فناجى ربه في الطور، وأيده الله بمعجزات أهمها معجزة العصا واليد، فبلغ رسالة ربه، لكن كذبه فرعون وقومه علوا واستكبارا، فأغرقهم الله في البحر.
стр. 5951
وذلك شبيه بإنكار قريش نبوة الرسول محمد ﷺ مع ما جاءهم به من الحق، فوصفوه بالسحر المفترى، وتنكروا للإيمان برسالته بأعذار واهية، فأنذرهم القرآن بعذاب مماثل لقوم فرعون، وأبان لهم أن الله لا يعذب قوما إلا بعد إرسال رسول إليهم، وأن الرسول باختيار الله تعالى لا بحسب أهواء المشركين، وأن آلهتهم المزعومة ستتبرأ من عبادتهم يوم القيامة، وأن الله هو الإله الواحد الذي لا شريك له، وأنه القادر على بعث الأموات، كما قدر على بدء الخلق، وإيجاد تعاقب الليل والنهار. وسيشهد الأنبياء على أممهم بتبليغ رسالات ربهم، وقد آمن جماعة من أهل الكتاب، وسيعطون أجرهم مرتين، وأن الهداية بيد الله تعالى، لا بيد رسوله، فلن يتمكن من هداية من أحب.
وأعقب ذلك بقصة مشابهة هي قصة قارون من قوم موسى واعتماده على طغيان الثروة والمال كاعتماد فرعون على طغيان السلطة والحكم، فكان مصيره أشأم من مصير فرعون وهو الخسف به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من المنتصرين.
وكل من خبر القصتين برهان قاطع على صحة نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه لم يكن حاضرا معهم، ولم يتعلم ذلك من معلم.
وختمت القصتان بإعلان مبادئ:
أولها-أن ثواب الآخرة يكون للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا.
وثانيها-أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو طريق السعادة الموجب لمضاعفة الحسنات ومقابلة السيئات بجزاء واحد، وتحقيق النصر لرسول الله ﷺ على أعدائه، وعودته إلى مكة فاتحا بعد تهجيره منها.
стр. 5952
وثالثها-بيان نهاية العالم كله وهي الهلاك الشامل، وانفراد الله تعالى بالبقاء والدوام، والحكم والحساب، ورجوع البشر كافة إليه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ونحوها: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٢٥/ ٥٥ - ٢٦].
قصة موسى ﵇
- ١ -
نصرة المستضعفين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾
الإعراب:
﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ ﴿أَهْلَها﴾ و ﴿شِيَعاً﴾ مفعولا ﴿جَعَلَ﴾؛ لأنه بمعنى (صيّر).
﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ الجملة حال من فاعل ﴿جَعَلَ﴾ أو صفة ﴿شِيَعاً﴾ أو استئناف كلام جديد. و ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ..﴾. بدل منه.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ الهاء والميم مفعولا (جعل) لأنه بمعنى (صيّر).
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ فرعون وما عطف عليه: مفعول أول ل ﴿نُرِيَ﴾ وهو من رؤية البصر، وهو في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد، فلما تعدى بالهمزة صار متعديا إلى مفعولين، والمفعول الثاني هو: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
стр. 5953
البلاغة:
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبة القرآن في الكمال.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ ﴿نُرِيدُ﴾ حكاية حال ماضية لاستحضار تلك الصورة في الذهن؛ لأن ذلك معطوف على جملة ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ من حيث إنهما واقعان تفسيرا للنبأ. وإرادة المنة بخلاصهم من فرعون هي في المستقبل، فلا يمنع ذلك إرادة استضعافهم في الماضي، ولما كانت الإرادة الأولى قريبة الوقوع من الثانية جعلت كالمقارنة لها.
المفردات اللغوية:
﴿طسم﴾ تقرأ: طا، سين، ميم، بمد السين والميم وإدغام النون في الميم. وهذه الحروف المقطعة وأمثالها كما بينا مرارا للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم، والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية، فكون العرب أساطين البيان، وفرسان الفصاحة والبلاغة، عجزوا عن معارضته، دليل على أنه فوق مستوى البشر، وأنه من لدن حكيم حميد، إله الكون أجمعين. ﴿تِلْكَ﴾ هذه الآيات. ﴿آياتُ الْكِتابِ﴾ الإضافة بينهما بمعنى (من). ﴿الْمُبِينِ﴾ المظهر الحق من الباطل.
﴿نَتْلُوا﴾ نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى (ننزله) مجازا. ﴿نَبَإِ﴾ خبر مهم، وقوله: ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ معناه بعض نبئهما. ﴿بِالْحَقِّ﴾ الصدق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأجلهم، وخص المؤمنون؛ لأنهم المنتفعون به. ﴿عَلا﴾ تجبر واستكبر، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر: استئناف مبين لذلك البعض، أي بعض خبر موسى وفرعون. ﴿شِيَعاً﴾ فرقا وأصنافا يستخدمهم في أعماله من بناء وحفر وحرث ونحو ذلك من مشاق الأعمال، ويؤلب بعضهم على بعض، زارعا بينهم العداوة والبغضاء حتى لا يتفقوا. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ يجعلهم ضعفاء مقهورين، وهم بنو إسرائيل. ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ﴾ المولودين. ﴿وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ يبقي نساءهم أحياء، وسبب هذا الفعل أن كاهنا قال لفرعون: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يده، وذلك كان من غاية حمقه، فإنه لو صدّق لم يندفع الأمر بالقتل، وإن كذب فما الداعي لما فعل؟! ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بالقتل وغيره، فاجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد. ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه. ﴿أَئِمَّةً﴾ قادة يقتدى بهم في الخير في أمر الدين والدنيا. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ ملك فرعون وقومه. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر والشام، والتمكين: يراد به هنا التسلط على أرض مصر والتصرف فيها. ﴿وَهامانَ﴾ وزير فرعون. ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه.
стр. 5954
التفسير والبيان:
﴿طسم﴾ بيّنت المراد بهذه الحروف في المفردات.
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات من الكتاب الواضح الجلي الكاشف لحقائق أمور الدين، وما كان وما يكون.
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه حقا وصدقا كأنك تشاهد، وكأنك حاضر، من أجل قوم يصدقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربك، فتطمئن به قلوبهم، كقوله تعالى:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣/ ١٢].
وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شيئا أو بعضا من قصة موسى وفرعون، للعبرة والعظة، وإقامة الدليل على صدق نبوة محمد ﷺ ، وأن هذا القرآن العظيم وحي يوحى، وليس من وضع البشر.
وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن القرآن للناس أجمعين للإشارة إلى أن الانتفاع به لا يكون إلا لمن صدق بأنه كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ .
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن فرعون ملك مصر تجبر في أرضها واستكبر، وبغى وطغى وقهر أهلها.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ أي جعل أبناء مصر فرقا وأحزابا مختلفة، وسخر كل طائفة في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك من أمور دولته، وبذر بينهم بذور الفتنة والعداوة والبغضاء، حتى لا يتفقوا، أخذا بسياسة المستعمر: «فرّق تسد».
وهذا مضاد لسياسة الإسلام-بالمعنى العام-والهدي الإلهي كله القائم على التأليف والجميع على قلب واحد، وإشاعة روح المحبة والتسامح والود والوئام
стр. 5955
والصفاء بين الرعية، وهذا في الواقع هو المبدأ الأمثل الذي يريح الحاكم، ويقوّي الأمة، ويبني أمجادها، ويحقق لها الانتصارات المتلاحقة.
﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أي يجعل جماعة منهم أذلة مقهورين، وهم بنو إسرائيل. ومظاهر الاستضعاف هي:
﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أي يقتل مواليدهم الذكور، ويبقي إناثهم أحياء، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من وجود غلام منهم كان فرعون وأهل مملكته قد تخوفوا من ظهور غلام منهم يكون سبب هلاكهم وذهاب دولتهم على يديه، وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجّمون له ذلك، أو رأى رؤيا، فعبّرت كذلك.
قال الزجّاج: العجب من حمقه، لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل.
﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر، فيقتل بلا ذنب، وينشر الرعب والإرهاب بلا مسوغ، وهذا شأن الظلمة العتاة الذين يستبد القلق والاضطراب في نفوسهم، فيرتكبون مثل هذه الفظائع. ولو شعروا يوما أو أكثر بالطمأنينة والراحة، ونشر عليهم الإيمان أجنحته وظلاله الوادعة، لعاشوا في استقرار وأمان، ولم يعيثوا في الأرض فسادا، ولما احتاجوا إلى مثل هذا العسف والظلم المؤذن بدمارهم.
وبعد أن ذكر تعالى هذه الصفات الخمس الذميمة للعتاة وهي الاستعلاء في الأرض، والاستضعاف، وقتل الأبناء، وإبقاء الإناث، والإفساد، ذكر في مقابلها خصائص خمسا للمستضعفين من بني إسرائيل وهي: إنقاذهم من الظلم، وجعلهم القادة بعد فرعون وقومه، وجعلهم ورثة مصر والشام، وجعل السلطة لهم فيها، وإظهار ما كان يحذره فرعون وهامان وجنودهما من دمارهم وذهاب