وذلك شبيه بإنكار قريش نبوة الرسول محمد ﷺ مع ما جاءهم به من الحق، فوصفوه بالسحر المفترى، وتنكروا للإيمان برسالته بأعذار واهية، فأنذرهم القرآن بعذاب مماثل لقوم فرعون، وأبان لهم أن الله لا يعذب قوما إلا بعد إرسال رسول إليهم، وأن الرسول باختيار الله تعالى لا بحسب أهواء المشركين، وأن آلهتهم المزعومة ستتبرأ من عبادتهم يوم القيامة، وأن الله هو الإله الواحد الذي لا شريك له، وأنه القادر على بعث الأموات، كما قدر على بدء الخلق، وإيجاد تعاقب الليل والنهار. وسيشهد الأنبياء على أممهم بتبليغ رسالات ربهم، وقد آمن جماعة من أهل الكتاب، وسيعطون أجرهم مرتين، وأن الهداية بيد الله تعالى، لا بيد رسوله، فلن يتمكن من هداية من أحب.
وأعقب ذلك بقصة مشابهة هي قصة قارون من قوم موسى واعتماده على طغيان الثروة والمال كاعتماد فرعون على طغيان السلطة والحكم، فكان مصيره أشأم من مصير فرعون وهو الخسف به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من المنتصرين.
وكل من خبر القصتين برهان قاطع على صحة نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه لم يكن حاضرا معهم، ولم يتعلم ذلك من معلم.
وختمت القصتان بإعلان مبادئ:
أولها-أن ثواب الآخرة يكون للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا.
وثانيها-أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو طريق السعادة الموجب لمضاعفة الحسنات ومقابلة السيئات بجزاء واحد، وتحقيق النصر لرسول الله ﷺ على أعدائه، وعودته إلى مكة فاتحا بعد تهجيره منها.
стр. 5952
وثالثها-بيان نهاية العالم كله وهي الهلاك الشامل، وانفراد الله تعالى بالبقاء والدوام، والحكم والحساب، ورجوع البشر كافة إليه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ونحوها: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ [الرحمن ٢٥/ ٥٥ - ٢٦].
قصة موسى ﵇
- ١ -
نصرة المستضعفين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾
الإعراب:
﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ ﴿أَهْلَها﴾ و ﴿شِيَعاً﴾ مفعولا ﴿جَعَلَ﴾؛ لأنه بمعنى (صيّر).
﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ الجملة حال من فاعل ﴿جَعَلَ﴾ أو صفة ﴿شِيَعاً﴾ أو استئناف كلام جديد. و ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ..﴾. بدل منه.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ الهاء والميم مفعولا (جعل) لأنه بمعنى (صيّر).
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ فرعون وما عطف عليه: مفعول أول ل ﴿نُرِيَ﴾ وهو من رؤية البصر، وهو في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد، فلما تعدى بالهمزة صار متعديا إلى مفعولين، والمفعول الثاني هو: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
стр. 5953
البلاغة:
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب لبعد مرتبة القرآن في الكمال.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ ﴿نُرِيدُ﴾ حكاية حال ماضية لاستحضار تلك الصورة في الذهن؛ لأن ذلك معطوف على جملة ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ من حيث إنهما واقعان تفسيرا للنبأ. وإرادة المنة بخلاصهم من فرعون هي في المستقبل، فلا يمنع ذلك إرادة استضعافهم في الماضي، ولما كانت الإرادة الأولى قريبة الوقوع من الثانية جعلت كالمقارنة لها.
المفردات اللغوية:
﴿طسم﴾ تقرأ: طا، سين، ميم، بمد السين والميم وإدغام النون في الميم. وهذه الحروف المقطعة وأمثالها كما بينا مرارا للتنبيه على إعجاز القرآن الكريم، والإشارة إلى أن هذا الكتاب المعجز في فصاحته وبيانه مركب من أمثال هذه الحروف الهجائية، فكون العرب أساطين البيان، وفرسان الفصاحة والبلاغة، عجزوا عن معارضته، دليل على أنه فوق مستوى البشر، وأنه من لدن حكيم حميد، إله الكون أجمعين. ﴿تِلْكَ﴾ هذه الآيات. ﴿آياتُ الْكِتابِ﴾ الإضافة بينهما بمعنى (من). ﴿الْمُبِينِ﴾ المظهر الحق من الباطل.
﴿نَتْلُوا﴾ نقرؤه بقراءة جبريل، ويجوز أن يكون بمعنى (ننزله) مجازا. ﴿نَبَإِ﴾ خبر مهم، وقوله: ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ معناه بعض نبئهما. ﴿بِالْحَقِّ﴾ الصدق. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأجلهم، وخص المؤمنون؛ لأنهم المنتفعون به. ﴿عَلا﴾ تجبر واستكبر، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر: استئناف مبين لذلك البعض، أي بعض خبر موسى وفرعون. ﴿شِيَعاً﴾ فرقا وأصنافا يستخدمهم في أعماله من بناء وحفر وحرث ونحو ذلك من مشاق الأعمال، ويؤلب بعضهم على بعض، زارعا بينهم العداوة والبغضاء حتى لا يتفقوا. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ يجعلهم ضعفاء مقهورين، وهم بنو إسرائيل. ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ﴾ المولودين. ﴿وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ يبقي نساءهم أحياء، وسبب هذا الفعل أن كاهنا قال لفرعون: يولد مولود في بني إسرائيل، يذهب ملكك على يده، وذلك كان من غاية حمقه، فإنه لو صدّق لم يندفع الأمر بالقتل، وإن كذب فما الداعي لما فعل؟! ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ بالقتل وغيره، فاجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد. ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾ نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه. ﴿أَئِمَّةً﴾ قادة يقتدى بهم في الخير في أمر الدين والدنيا. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ ملك فرعون وقومه. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر والشام، والتمكين: يراد به هنا التسلط على أرض مصر والتصرف فيها. ﴿وَهامانَ﴾ وزير فرعون. ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه.
стр. 5954
التفسير والبيان:
﴿طسم﴾ بيّنت المراد بهذه الحروف في المفردات.
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات من الكتاب الواضح الجلي الكاشف لحقائق أمور الدين، وما كان وما يكون.
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي نذكر لك الأمر على ما كان عليه حقا وصدقا كأنك تشاهد، وكأنك حاضر، من أجل قوم يصدقون برسالتك وبما أنزل إليك من ربك، فتطمئن به قلوبهم، كقوله تعالى:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣/ ١٢].
وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شيئا أو بعضا من قصة موسى وفرعون، للعبرة والعظة، وإقامة الدليل على صدق نبوة محمد ﷺ ، وأن هذا القرآن العظيم وحي يوحى، وليس من وضع البشر.
وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن القرآن للناس أجمعين للإشارة إلى أن الانتفاع به لا يكون إلا لمن صدق بأنه كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ .
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي إن فرعون ملك مصر تجبر في أرضها واستكبر، وبغى وطغى وقهر أهلها.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ أي جعل أبناء مصر فرقا وأحزابا مختلفة، وسخر كل طائفة في مصالحه العمرانية والزراعية وغير ذلك من أمور دولته، وبذر بينهم بذور الفتنة والعداوة والبغضاء، حتى لا يتفقوا، أخذا بسياسة المستعمر: «فرّق تسد».
وهذا مضاد لسياسة الإسلام-بالمعنى العام-والهدي الإلهي كله القائم على التأليف والجميع على قلب واحد، وإشاعة روح المحبة والتسامح والود والوئام
стр. 5955
والصفاء بين الرعية، وهذا في الواقع هو المبدأ الأمثل الذي يريح الحاكم، ويقوّي الأمة، ويبني أمجادها، ويحقق لها الانتصارات المتلاحقة.
﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾ أي يجعل جماعة منهم أذلة مقهورين، وهم بنو إسرائيل. ومظاهر الاستضعاف هي:
﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ أي يقتل مواليدهم الذكور، ويبقي إناثهم أحياء، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من وجود غلام منهم كان فرعون وأهل مملكته قد تخوفوا من ظهور غلام منهم يكون سبب هلاكهم وذهاب دولتهم على يديه، وذلك لأن الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجّمون له ذلك، أو رأى رؤيا، فعبّرت كذلك.
قال الزجّاج: العجب من حمقه، لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل.
﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر، فيقتل بلا ذنب، وينشر الرعب والإرهاب بلا مسوغ، وهذا شأن الظلمة العتاة الذين يستبد القلق والاضطراب في نفوسهم، فيرتكبون مثل هذه الفظائع. ولو شعروا يوما أو أكثر بالطمأنينة والراحة، ونشر عليهم الإيمان أجنحته وظلاله الوادعة، لعاشوا في استقرار وأمان، ولم يعيثوا في الأرض فسادا، ولما احتاجوا إلى مثل هذا العسف والظلم المؤذن بدمارهم.
وبعد أن ذكر تعالى هذه الصفات الخمس الذميمة للعتاة وهي الاستعلاء في الأرض، والاستضعاف، وقتل الأبناء، وإبقاء الإناث، والإفساد، ذكر في مقابلها خصائص خمسا للمستضعفين من بني إسرائيل وهي: إنقاذهم من الظلم، وجعلهم القادة بعد فرعون وقومه، وجعلهم ورثة مصر والشام، وجعل السلطة لهم فيها، وإظهار ما كان يحذره فرعون وهامان وجنودهما من دمارهم وذهاب
стр. 5956
ملكهم على يد بني إسرائيل، فقال تعالى:
١ - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي وأردنا التفضل والإنعام على المستضعفين من بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون وأذلهم بتخليصهم من بأسه، وإنقاذهم من ظلمه.
وتساءل الزمخشري بقوله: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم، وإذا أراد الله شيئا كان، ولم يتوقف إلى وقت آخر؟ ثم أجاب عنه بأنه لما كانت منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم.
٢ - ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي ونجعلهم قادة وولاة وحكاما متقدمين في الدين والدنيا.
٣ - ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ الذين يرثون ملك فرعون وأرضه وما في يده، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧] وقوله سبحانه: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩/ ٢٦].
٤ - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي نجعل لهم السلطة وإنفاذ الأمر وإطلاق الأيدي في أرض مصر والشام.
٥ - ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي نجعلهم يبصرون ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود من بني إسرائيل. وقد أنفذ الله أمره، وحقق حكمه، بأن جعل دمار فرعون وقومه على يد من رباه وأنشأه على فراشه وفي داره، وعلى سفرته وطعامه بعد أن جعله الله رسولا وأنزل عليه التوراة؛ ليعلم أن رب السموات والأرض هو القاهر الغالب على أمره، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
стр. 5957
والواضح أن هذه الخصائص تكون ما دام بنو إسرائيل عاملين بأصل شريعتهم وبكتابهم المنزل غير المبدل ولا المحرف، والذي فقد ولم يعد له وجود، ومضمون التوراة في الوضع الأصلي يلتقي مع مضمون القرآن، فإذا ما انحرفوا عن العقيدة الصحيحة والشريعة المنزلة، زالت عنهم هذه الخصائص.
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين من الآيات ما يأتي:
١ - القرآن العظيم أبان الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد ﷺ ، ولا ينتفع من هديه إلا القوم المصدقون به، الذين يعلمون أنه من عند الله.
٢ - يجب اجتناب الاستعلاء في الأرض، والتعزز بكثرة الأتباع، وهما من سيرة فرعون وقارون. وكانت قصتهما حجة على مشركي قريش وأمثالهم، فكما أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، فكذلك قرابة قريش لمحمد ﷺ .
٣ - كان علو فرعون وتجبره من كفره، وكانت ممارسات ظلمه وعتوه كثيرة متنوعة، فكان يستذل طائفة من بني إسرائيل، يذبح أطفالهم الذكور، ويترك الإناث أحياء، إهانة لهم واحتقارا، وكان من البغاة المفسدين في أرض دولته.
والظلم والكبرياء سبيل الدمار والهلاك، فأهلكه الله، ونجّى بني إسرائيل من العسف والطغيان.
٤ - كافأ الله المستضعفين من بني إسرائيل، وشأنه دائما الرفق بالضعفاء، فأنقذهم من بأس فرعون، وجعلهم ولاة وملوكا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ [المائدة ٢٠/ ٥]، وورّثهم ملك فرعون فسكنوا مساكن القبط المصريين، كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧]، وأقدرهم على أرض مصر والشام وأهلها، فاستولوا عليها، وأراد
стр. 5958
أن يري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يخافون من تدمير ملكهم على يد مولود من بني إسرائيل، فلم يفده قتل الألوف من الأولاد الأبرياء، وتحقق مراد الله تعالى، فهو النافذ الحكم والسلطان على الإطلاق.
- ٢ -
إلقاء موسى في اليم بعد ولادته وإرضاعه والبشارة بنبوته
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾
стр. 5959
الإعراب:
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ.﴾. اللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ يسميها البصريون لام العاقبة، أي كان عاقبة التقاطهم العداوة والحزن، وإن لم يكن التقاطهم له لهما. ويسميها الكوفيون لام الصيرورة، أي صار لهم عدوا وحزنا، وإن التقطوه لغيرهما.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ.﴾. إما خبر مبتدأ محذوف، أي هو قرة عين، وإما مبتدأ، وخبره:
﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾.
﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ الجملة حال من الملتقطين.
﴿إِنْ كادَتْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنها.
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ إما جمع شدّة كنعمة وأنعم، وإما جمع شدّ، نحو قدّ وأقدّ، وإما واحد مفرد، وليس في الأسماء المفردة ما هو على وزن أفعل إلا «أصبغ» و «آجر» و «أيمن» وآنك: وهو الرصاص المذاب الخالص.
البلاغة:
﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ عبر بالجملة الاسمية عن الفعلية: سنرده ونجعله، للاعتناء بالبشارة؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ استعارة، شبه ما ألقى في قلبها من الصبر بربط الشيء خشية ضياعه، مستعيرا لفظ الربط للصبر.
﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطبت امرأة فرعون زوجها بصيغة الجمع بدل صيغة المفرد «لا تقتله» للتعظيم.
﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ توافق الفواصل من المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
﴿وَأَوْحَيْنا﴾ وحي إلهام، مثل ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨/ ١٦] أو وحي منام. ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ما أمكنك إخفاؤه. ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بأن يحسّ به أحد. ﴿الْيَمِّ﴾ البحر أي النيل. ﴿وَلا تَخافِي﴾ غرقه. ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ لفراقه، والخوف: غم لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن: غم يحدث بسبب مكروه حصل. ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ عن قريب بحيث تأمنين
стр. 5960
عليه. ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارة بالرسالة والنبوة. فأرضعته ثلاثة أشهر، ولما ألح فرعون في طلب المواليد وأرسل الجواسيس للبحث، وضعته في تابوت مطلي بالقار من الداخل، وألقته في بحر النيل ليلا. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الالتقاط: أخذ الشيء فجأة من غير طلب له ولا إرادة. أي التقط أعوان فرعون التابوت صبيحة الليل، ووضعوه بين يديه، ففتحه وأخرج موسى منه.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ في عاقبة الأمر. ﴿عَدُوًّا﴾ ينقض لهم جذور تدينهم. ﴿وَحَزَناً﴾ يزيل ملكهم، وحزن: اسم فاعل من حزن كأحزن، وقرئ «حزنا».
﴿وَهامانَ﴾ وزير فرعون. ﴿خاطِئِينَ﴾ آثمين عاصين، من الخطيئة وهي هنا الشرك، مأخوذ من خطئ: تعمد الخطأ. أما أخطأ: فمعناه لم يصب، بغير تعمد. ﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ وقد همّ مع أعوانه بقتله. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أي هو قرة عين، أي مصدر فرح وسرور، يقال: قرّت به العين، أي فرحت وسرّت. ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ خطاب بلفظ الجمع للتعظيم. ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ أو نتبناه، فإنه أهل له. ﴿هُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي والحال أنهم لا يشعرون بعاقبة أمرهم معه، وأنهم مخطئون في التقاطه وفي طمع النفع منه.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾ أي خاليا من العقل، لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون عدو بني إسرائيل، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ [إبراهيم ٤٣/ ١٤] أي لا عقول فيها. ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي لتظهر بأنه ابنها. ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بالصبر، أي سكّناه وثبتناه. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين بوعد الله.
وجواب ﴿لَوْلا﴾ دل عليه ما قبله.
﴿قُصِّيهِ﴾ اقتفي أثره وتتبعي خبره حتى تعلمي مصيره. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي أبصرته عن بعد اختلاسا. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ لا يدرون أنها أخته وأنها ترقبه. ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ قبل رده إلى أمه، أي منعناه أن يرتضع من المرضعات، فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له. ﴿فَقالَتْ﴾ أخته. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي يتكفلون أو يضمنون إرضاعه والقيام بشؤونه لأجلكم. ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بلقائه. ﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ حينئذ بفراقه. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ لتعلم علم مشاهدة أن وعد الله برده إليها صدق. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكن أكثر الناس لا يعلمون بهذا الوعد، ولا بأن هذه أخته وهذه أمه، فمكث عندها إلى أن فطمته، ثم تربى عند فرعون.
﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ غاية نموه، وهو مفرد جاء على وزن الجمع، وبلوغ الأشد: من ثلاثين إلى أربعين سنة، فإن العقل يكمل حينئذ. ﴿وَاسْتَوى﴾ اكتملت أو نضجت قواه الجسدية والعقلية
стр. 5961
ببلوغ أربعين سنة. ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ حكمة أي معرفة أسرار الشريعة. ﴿وَعِلْماً﴾ فقها في الدين.
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزيناه نجزي المحسنين لأنفسهم.
التفسير والبيان:
بعد بيان منة الله على بني إسرائيل بإنقاذهم من بأس فرعون في قوله تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ ابتدأ تعالى بذكر أوائل نعمه عليهم فقال: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ أي وألهمنا أم موسى إرضاعه ما أمكنها إخفاؤه عن العدو، فأرضعته ثلاثة أو أربعة أشهر كما يقال.
﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ، فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ أي فإذا خفت عليه من القتل بسبب سماع أحد من الجيران صوته، فألقيه في بحر النيل، ولكن لا تخافي عليه حينئذ من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض جواسيس فرعون الذين يبحثون عن الولدان، وغير ذلك من المخاوف، ولا تحزني لفراقه.
وهكذا طمأنها الحق تعالى عن مخاوفها وهواجسها الجديدة بعد إلقائه في البحر، بإلقاء الأمان والسكينة في قلبها؛ لأن عناية الله ورعايته تحوط بأنبيائه ورسله منذ بدء الحمل وفي عهد الطفولة.
وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتا، ومهدت فيه مهدا، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وألقته في النيل، فذهب مع الماء واحتمله على سطحه، حتى مرّ به على دار فرعون، فالتقطه الجواري وذهبن به إلى امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، فلما كشفت عنه، أوقع الله محبته في قلبها، فآثرت الإبقاء عليه، ولم تزل تكلم فرعون حتى تركه لها.
﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي إنا سنرده عليك لتكوني أنت المرضعة له، وسنجعله نبيا مرسلا إلى أهل مصر والشام.
стр. 5962
وقد جمعت هذه الآية الواحدة بين أمرين ونهيين، وخبرين وبشارتين والأمران: هما أرضعيه وألقيه، والنهيان: هما ﴿وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي﴾، والخبران: هما ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ﴾، والبشارتان: في ضمن الخبرين، وهما الرد والجعل من المرسلين.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ أي فأخذه أهل فرعون، لتكون عاقبة أمره أن يكون عدوا لهم بمجاهدته بمخالفة دينهم، وموقعا لهم في الحزن بإغراقهم وزوال ملكهم.
ولام ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا قطعا بالتقاطه ذلك، ولكن الله جعل دمارهم بما صنعت أيديهم، فالتقطوه وربوه، ليكون في نهاية أمره سببا لمأساتهم وتحقق ما توقعوه من زوال ملكهم. قال الرازي: واعلم أن التحقيق ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذه اللام هي لام التعليل، على سبيل المجاز دون الحقيقة؛ لأن مقصود الشيء وغرضه يؤول إليه أمره، فاستعملوا هذه اللام فيما يؤول إليه الشيء على سبيل التشبيه، فإن اتخاذه عدوا لم يكن سبب التقاطهم له، ولكن شبهت المحبة والتبني بالسبب الذي يؤدي إلى الفعل، ويفعل الفعل لأجله، كاستعارة الأسد للرجل الشجاع.
وسبب ذلك على يد موسى ﵇ هو ما قاله تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ أي إن هؤلاء كانوا مذنبين مجرمين، فعاقبهم الله بأن ربّى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم، فهو من الخطيئة أي الإثم، ويصح أن يكون من الخطأ فإنهم كانوا مخطئين في كل شيء، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع منهم. قال الحسن البصري: معنى ﴿كانُوا خاطِئِينَ﴾ ليس من الخطيئة، بل المعنى: وهم لا يشعرون أنه الذي يذهب بملكهم.
стр. 5963
أما جمهور المفسرين فقالوا: معناه كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن ربي عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم، كما ذكرنا.
وأما سبب عدم قتله فهو تشفع امرأة فرعون له، فقال تعالى:
﴿وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تَقْتُلُوهُ﴾ أي قالت زوجة فرعون له: هو قرة عين لنا أي يكون لنا سلوى، وتقرّ به عيوننا، وتفرح به نفوسنا، فلا تقتلوه، لأن الله تعالى ألقى عليه المحبة، فكان يحبه كل من شاهده ﵇، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ، فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه ٣٨/ ٢٠ - ٣٩].
وكما هو مصدر سرور وسكن وسلوى قد يكون نافعا:
﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لعله يكون سببا للنفع والخير، لما رأيت فيه من مخايل اليمن وأمارات النجابة، أو نتخذه ولدا ونتبناه، لما يتمتع به من الوسامة والجمال، ولم يكن لها ولد من فرعون، فحقق الله أملها بأن هداها به وأسكنها الجنة بسببه، ولكن لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم بسببه وعلى يده، وأنه سيظهر على يديه من الحكمة والحجة ومعجزة النبوة ما سيكون سببا في تكذيبهم له، مما يؤدي إلى هلاكهم، فالله تعالى وحده عالم الغيب والشهادة، ينصر رسله، ويؤيد دينه، ويخذل أعداءه، ليكون ذلك عبرة وعظة للمؤمن والكافر.
وإذا كان الفرح غمر قلب آسية امرأة فرعون، فإن الوساوس والهواجس ألمت بقلب أمه، فقال تعالى:
стр. 5964
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ، لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي أصبح فؤاد أم موسى حين ذهب ولدها في البحر فارغا من كل شيء من شواغل الدنيا إلا من موسى، كما أنه طار عقلها، وسيطر عليها الخوف والفزع، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، وكادت من شدة حزنها وأسفها أن تظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها أنها أمه، لولا أن الله ثبّتها وصبّرها، لتكون من المصدقين الواثقين بوعد الله برده إليها: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
والخلاصة: لولا تثبيت الله قلبها وتصبيره إياها لكشفت أمرها، وباحت بسرها، وأظهرت أنه ابنها، بحكم العاطفة والشفقة، فألهمها الله أن تتعرف خبره بأخته:
﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي وقالت أم موسى لابنتها الكبيرة التي تعي ما يقال لها: تتبعي أثره، وتعرفي خبره، واطلبي شأنه من نواحي البلد، فخرجت لذلك، فهداها الله لمقرّ وجوده في بيت فرعون، وأبصرته عن بعد أو من بعيد، وهم لا يحسون بأنها تتعقبه، وتتعرف حاله، وأنها أخته.
وتتابعه عناية الله ويسوقه القدر إلى إرجاعه لمهد أمه، فقال تعالى:
﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ، فَقالَتْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾؟ أي ومنعنا موسى أن يرضع ثديا غير ثدي أمه قبل رده إلى أمه وقبل مجيء أخته، لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه، والتحريم: استعارة للمنع، لأن من حرم عليه الشيء فقد منعه. فقالت أخته لما رأت ارتباكهم واهتمامهم برضاعه: أتريدون أن أدلكم على أهل بيت يتكفلون بشأنه وإرضاعه وتربيته، وهم حافظون له، ناصحون، يعنون بخدمته والمحافظة عليه؟
стр. 5965
قال ابن عباس: فلما قالت ذلك، أخذوها وشكّوا في أمرها، وقالوا لها:
وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك، ورجاء منفعته، أي عطائه، فلما قالت لهم ذلك، وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ثديها، فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاء جزيلا، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها.
ثم سألتها آسية أن تقيم عندها، فترضعه، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكسا والإحسان الجزيل، فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمنا، في عز وجاه ورزق دارّ (١).
جاء في الحديث: «مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى، ترضع ولدها، وتأخذ أجرها».
﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي فأرجعناه إلى أمه بعد التقاط آل فرعون له، من أجل أن تقر عينها بابنها وتسرّ بوجوده لديها وسلامته عندها، ولا تحزن عليه بفراقه، ولتتيقن أن وعد الله فيما وعدها من رده إليها حق لا شك فيه حين قال لها: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ، وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن رسولا، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعا وشرعا من كمال الأخلاق.
﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكم الله في
стр. 5966
أفعاله وعواقبها المحمودة في الدنيا والآخرة، فربما كان الأمر كريها إلى النفوس في الظاهر، محمود العاقبة في الحقيقة ونفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً، وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢] وقال تعالى: ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً، وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء ١٩/ ٤].
﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى، آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي ولما اكتملت قواه الجسدية والعقلية آتيناه الحكمة والعلم وفقه الدين وعلم الشريعة، ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمه نجزي المحسنين على إحسانهم. وقد رجح الرازي أن المراد بالحكم هنا الحكمة والعلم، لا النبوة (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - قد يطلق الوحي على الإلهام؛ لأن الوحي لا يكون إلا لنبي، وقد أجمع العلماء على أن أم موسى وأم عيسى لم تكن واحدة منهما نبية، وإنما ذلك من قبيل الإلهام، كإلهام النحل اتخاذ البيوت.
وقد ألهم الله أم موسى بعد ولادته أن ترضعه، فإذا خافت عليه من القتل ألقته في البحر، دون خوف عليه من الغرق ولا حزن على فراقه، فإن الله تكفل برده إليها وبجعله من الأنبياء المرسلين إلى أهل مصر.
٢ - قد يقصد الإنسان شيئا ويحدث شيء آخر، فإن أهل فرعون التقطوا موسى الصغير ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا، ولله في خلقه شؤون.
стр. 5967
٣ - كان إنقاذ موسى من البحر سببا في إسعاد الناس برسالته وإنزال التوراة عليه، وهداية آسية امرأة فرعون إلى الإيمان بالله تعالى، بعد أن أقنعت زوجها فرعون بإبقائه وعدم قتله رجاء أن يكون مصدر نفع لهم أو أن يتبنوه، علما بأنها كانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وكان فرعون لما رأى الرؤيا وقصها على كهنته وعلمائه، قالوا له: إن غلاما من بني إسرائيل يفسد ملكك؛ فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء (إبقاء الأولاد) وولد موسى في عام الذبح. يروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت فيه صبيا صغيرا، فرحمته وأحبته، فقالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾.
٤ - لا يشعر الناس بتدبير الله وتخطيطه، وقد تكرر ذلك المعنى في الآيات فقال تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [٩] أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم بسببه، ثم كرر تعالى ذلك في الآية [١١] ثم قال: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.
٥ - هجمت الوساوس والمخاوف والهواجس على قلب أم موسى، وطار عقلها لوقوع ابنها في يد فرعون عدو الإسرائيليين، وقاربت أن تظهر أمره لولا أن ثبّتها الله وصبّرها وملأ قلبها بالإيمان والاطمئنان والسكينة، لتكون من المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.
٦ - كان لأخت موسى الذكية الحصيفة مريم بنت عمران كاسم مريم أم عيسى ﵇ دور طيب ناجح في إقناع حاشية فرعون وامرأته بمن يقبل ثديها من النساء، لحاجتها إلى عطاء الملك، وطيبها وطيب رائحتها، دون أن يشعروا أنها أخته، لأنها كانت تمشي على ساحل البحر، حتى رأتهم قد أخذوه، فأرشدتهم بلباقة إلى أهل بيت يكفلونه، وهم للملك ناصحون، يحرصون على مسرّته، ويطمعون في عطائه.
стр. 5968
٧ - إن تدبير الله الخفي الذي لا يصلح غيره في أي شيء أشد نفاذا وأنجح خطة من تدبير البشر، فقد منع موسى الطفل من الارتضاع من قبل مجيء أمه وأخته، ثم رده إليها، وفاء بوعده لها، وكان قد عطف الله قلب العدو عليه، ولتعلم أن وعد الله حق، أي لتعلم وقوعه، فإنها كانت عالمة بأن رده إليها سيكون.
٨ - لم يؤت الله النبوة لأحد غير يحيى وعيسى ﵉ قبل بلوغ سن الأربعين الذي تكتمل فيه القوى العقلية والجسمية، وتحقيق هذا في شأن موسى، فإنه لما بلغ أشده، أي غاية نموه، ونضج وبلغ أربعين سنة آتاه الله النبوة والحكمة قبل النبوة والعلم والفقه في الدين، يروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة.
وكما جزى الله موسى على طاعته وصبره على أمر ربه، وجزى أم موسى لما استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدّقت بوعد الله، فرد ولدها إليها وهي آمنة، ووهب له العقل والحكمة والنبوة، كذلك يجزي كل محسن.
الخلاصة: أن هذا الفصل من قصة موسى ﵇ بيان لما أنعم الله عليه في صغره من إنجائه من القتل والغرق في النيل، وما أنعم عليه في كبره من إيتائه العلم والحكمة والنبوة والرسالة إلى بني إسرائيل والمصريين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى، إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ، يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي، إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ.﴾. [طه ٣٧/ ٢٠ - ٤٠].
стр. 5969
- ٣ -
قتل المصري خطأ وخروجه من مصر
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢١)﴾
الإعراب:
﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أراد بالجملة حكاية حال كانت فيما مضى، كقوله تعالى:
﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف ١٨/ ١٨] فأعمل اسم الفاعل، وإن كان للماضي، على حكاية الحال. وقوله: ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي من أعدائه، وعدو: يصلح للواحد والجمع.
﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ خبر أصبح المنصوب. ويجوز أن يكون ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ خبرها، و ﴿خائِفاً﴾ حال منصوب. و ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ مرفوع، وخبره إما ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ وإما
стр. 5970
﴿فَإِذَا﴾ ويستصرخه في موضع نصب على الحال.
﴿يَسْعى﴾ صفة رجل، أو حال منه إذا جعل: من أقصى المدينة صفة له.
البلاغة:
﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ استعطاف.
﴿جَبّاراً﴾ ﴿لَغَوِيٌّ﴾ ﴿مُبِينٌ﴾ صيغ مبالغة على وزن فعّال وفعيل. وكذلك ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بينهما طباق أي بين «جبار» وهو المفسد في الأرض وبين كلمة ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾.
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ التأكيد بإن واللام ليناسب مقتضى الحال، ليجد موسى مخرجا.
المفردات اللغوية:
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ أي دخل موسى مصر آتيا من قصر فرعون، وقيل: منف مدينة فرعون، أو عين شمس من نواحي مصر. ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ أي في وقت لا يعتاد دخولها ولا يتوقعونه فيه، قيل: كان وقت القيلولة، أو بين العشاءين. ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾ إسرائيلي، أي من حزبه وجماعته الذين شايعوه وتابعوه في الدين، وهم بنو إسرائيل. ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ قبطي، أي من مخالفيه في الدين، وهم القبط. ﴿فَاسْتَغاثَهُ﴾ طلب منه الغوث والنصرة والإعانة، ولذلك عدّي بعلى، وقرئ: فاستعانه. ﴿فَوَكَزَهُ﴾ فضرب القبطي بجمع كفه أي بيده، وكان شديد القوة والبطش، وقرئ: فلكزه، أي فضرب به صدره. ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قتله خطأ، فأنهى حياته، ولم يكن قصد قتله، ودفنه في الرمل.
﴿هذا﴾ أي قتله. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي من تزيينه الذي هيج غضبي. ولا يقدح ذلك في عصمته؛ لكونه خطأ، وسماه ظلما، واستغفر منه، لاستعظام الصغائر، بل وكان ذلك قبل النبوة في عهد الشباب، في سن دون الثلاثين؛ لأنه أوحي عليه في سن الأربعين بعد زواجه بابنة شعيب في مدين، ورعيه الماشية عشر سنوات. ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ لابن آدم. ﴿مُضِلٌّ﴾ موقع في الضلال والخطأ. ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهر العداوة والإضلال.
﴿قالَ﴾ موسى نادما. ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتله. ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ فاستر ذنبي. ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ باستغفاره. ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوب عباده. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم. ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي بحق
стр. 5971
إنعامك علي بالمغفرة اعصمني فهو استعطاف، أو هو قسم محذوف الجواب، أي أقسم بإنعامك علي بالمغفرة وغيرها لأتوبن. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي فلن أكون معينا لمن أجرم بعد هذه إن عصمتني.
﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر ما يناله من أذى أي استقادة أو قود (قصاص). ﴿اِسْتَنْصَرَهُ﴾ طلب نصره وعونه. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيث به على قبطي آخر. ﴿لَغَوِيٌّ﴾ ضال. ﴿مُبِينٌ﴾ بيّن الغواية. ﴿فَلَمّا أَنْ﴾ زائدة. ﴿يَبْطِشَ﴾ يضرب بسطوة وقوة وصولة. ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ لموسى والمستغيث به. ﴿قالَ﴾ القبطي المصري، أو قال الإسرائيلي المستغيث؛ لأنه سماه غويا، فظن أنه يبطش به. ﴿إِنْ تُرِيدُ﴾ ما تريد. ﴿جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ تتطاول على الناس ولا تنظر العواقب. ﴿مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ يبغون الإصلاح بين الناس، فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن. ولما قال هذا سمع القبطي، وانتشر الحديث وبلغ الخبر إلى فرعون وملئه، فعلم أن القاتل موسى، فأخبر فرعون بذلك، فأمر فرعون الذبّاحين بقتل موسى، فهموا بقتله.
﴿وَجاءَ رَجُلٌ﴾ هو مؤمن آل فرعون. ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخرها أو من أبعد جهاتها.
﴿يَسْعى﴾ يسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم. ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ أشراف قوم فرعون.
﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك، وسميت المشاورة ائتمارا، لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر به. ﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة. ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج. واللام للبيان، وليس صلة للناصحين لأن معمول الصلة لا يتقدم الموصول. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يتلفّت يمنة ويسرة.
المناسبة:
بعد بيان ما أنعم الله به على موسى ﵇ من إنجائه صغيرا من الذبح على يد فرعون، وإيتائه الحكمة والعلم كبيرا تهيئة للنبوة، ذكر ما أنعم به عليه من الخروج آمنا من مصر بعد قتله قبطيا مصريا، كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين.
التفسير والبيان:
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ أي ودخل موسى المدينة التي كان يسكنها فرعون، وهي قرية على بعد فرسخين من مصر، هي-كما قال
стр. 5972
الضحاك-عين شمس، وذلك في وقت لا يتوقع دخوله فيها، وهو إما وقت القيلولة في نصف النهار وقت الظهيرة والناس نيام، أو ما بين المغرب والعشاء.
﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، هذا مِنْ شِيعَتِهِ، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ، فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، قالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي فوجد موسى في تلك المدينة رجلين يتضاربان ويتنازعان، أحدهما إسرائيلي من حزبه وجماعته، والآخر قبطي مصري مخالف لموسى في العقيدة والدين، وهو طباخ فرعون، كان قد طلب منه أن يحمل حطبا للمطبخ فأبى، فطلب الإسرائيلي من موسى النجدة والعون على عدوه القبطي، فضربه موسى بيده، فقضي عليه، أي كان الضرب مفضيا إلى الموت، وواراه التراب، دون أن يعلم بذلك أحد إلا الرجل العبراني الذي نصره موسى.
ثم ندم موسى على ما فعل، فقال: هذا الحادث من تزيين الشيطان وإغرائه.
﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أي إن الشيطان عدو للإنسان، مضل له أي موقع له في الضلال والخطأ، بيّن العداوة والإضلال، ثم تاب من فعله فقال:
﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ أي قال موسى: يا رب، إني ظلمت نفسي بهذا الفعل، وهو قتل نفس بريئة، فاستر لي ذنبي، ولا تؤاخذني بما جنت يدي، فإني أتوب إليك، وأندم على فعلي.
وقد عدّ ذلك ذنبا، لأن القتل لا يحل أصلا، وذلك معروف من شرائع الأنبياء المتقدمين. قال النقاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه، وإن هذا كان قبل النبوة.
روى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت
стр. 5973
رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من هاهنا-وأومأ بيده نحو المشرق-من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله : ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً، فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ، وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾».
﴿فَغَفَرَ لَهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي فعفا عنه وقبل توبته، إنه تعالى الستار لذنوب عباده المنيبين إليه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة والإنابة، فشكر موسى ربه:
﴿قالَ: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ، فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي قال موسى: يا رب اعصمني من الخطأ بحق ما أنعمت علي من المعرفة والحكمة والتوحيد، ومن الجاه والعز والنعمة، فلن أكون إن عصمتني معينا لمن ظلم وأجرم وأشرك. أو أقسم بإنعامك علي بهذه النعم الكثيرة لأتوبن، ولن أناصر المشركين.
قال القشيري: ولم يقل لما أنعمت علي من المغفرة؛ لأن هذا قبل الوحي، وما كان عالما بأن الله غفر له ذلك القتل.
وذكر الماوردي وغيره أن الإنعام بالمغفرة أو الهداية. قال القرطبي: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ يدل على المغفرة، والله أعلم.
وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون؛ وإما بمظاهرة من أدّت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود ١١٣/ ١١].
стр. 5974
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ، قالَ لَهُ مُوسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي فصار موسى بعد حادثة قتل القبطي المصري خائفا من أن يظهر أنه هو القاتل، فيطلب به، وصار يتلفت ويتوقع أن يقتل بسبب جنايته، فسار في بعض الطرق متخفيا مستترا، فإذا ذلك الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس على المصري، يطلب منه العون والغوث على مصري آخر، فقال له موسى: إنك ظاهر الغواية، كثير الفساد والشر والضلال.
﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما، قالَ: يا مُوسى: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ﴾ أي فلما أراد موسى زجر عدوهما وهو القبطي، قال له مستنكرا مستهجنا: أتريد الإقدام على قتلي كما قتلت نفسا البارحة، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي، قال الرازي: والظاهر هذا الوجه؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما، قالَ: يا مُوسى﴾ فهذا القول إذن منه، لا من غيره، وأيضا فقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ لا يليق إلا بأن يكون قولا للكافر.
وقال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غوي مبين، ورآه على غضب، ظن-لما همّ بالبطش-أنه يريده؛ لخوره وضعفه وذلته، فقال هذا القول، وصار ذلك سببا لظهور القتل ومزيد الخوف؛ لأنه لم يكن يعلم بحادثة الأمس غير هذا العبري، فلما سمعها ذلك القبطي، نقلها إلى فرعون، فاشتد حنقه وعزم على قتل موسى.
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ، وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أي ما تريد يا موسى إلا أن تكون قتّالا بطاشا، مستعليا، كثير الأذى في الأرض، دون أن تنظر في العواقب، ولا تريد أن تكون من أهل
стр. 5975
الإصلاح الذين يفصلون في خصومات الناس بالحسنى والحكمة، ولو كان أحد الخصوم من ذوي القربى أو العشيرة الواحدة.
﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ: يا مُوسى، إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أي وجاء رجل مؤمن من آل فرعون، يخفي إيمانه عن الناس، من أبعد مكان في المدينة، يسرع ليخبر موسى بما دبره القوم من سوء له، وقال: يا موسى، إن فرعون وأشراف دولته يتشاورون فيك، ويدبرون مؤامرة لقتلك، فاخرج بسرعة من البلد، إني لك ناصح أمين. ووصف بالرجولة لسلوكه طريقا أقرب من طريق المبعوثين وراء موسى.
﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ أي فخرج موسى من مدينة فرعون خائفا على نفسه يتلفّت، ويترقب متابعة أحد له.
﴿قالَ: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي قال موسى في هذه المحنة الشديدة: رب نجني من هؤلاء الظالمين: فرعون وملئه، فاستجاب الله دعاه ونجاه ووصل إلى مدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً، فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ، وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ [طه ٤٠/ ٢٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - وقوع حادثة قتل خطأ غير عمد من موسى ﵇.
٢ - ندم موسى ﵇ على ذلك الوكز (الضرب بجمع الكف مجموعا كعقد ثلاثة وسبعين) ونسب الفعل إلى الشيطان، وقال: رب، إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فغفر له، وحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه، قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر؛ ثم لم يزل ﵇ يعدّد ذلك
стр. 5976
على نفسه، مع علمه بأنه قد غفر له، حتى إنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. وكان ذلك القتل قبل النبوة، كما عرفنا.
والقتل الخطأ ذنب، بدليل إيجاب الكفارة عليه في شرعنا، ولأنه لا يخلو عن إهمال أو تقصير أو تجاوز الحدود المألوفة، قال تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء ٩٢/ ٤].
٣ - كان من توابع توبة موسى ﵇ من فعله أنه أقسم بما أنعم الله عليه ألا يظاهر ولا يعاون مجرما.
ويصح أن يكون قوله: ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ استعطافا كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة أو غيرها من النعم كالمعرفة والحكمة والتوحيد، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا (معينا) للمجرمين.
٤ - دلت آية ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة. قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين.
وفي الحديث:
«ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة، حتى من لاق لهم دواة، أو برى لهم قلما؟ فيجمعون في تابوت من حديد، فيرمى به في جهنم».
وفي حديث آخر رواه الديلمي عن معاذ: «من مشى مع ظالم فقد أجرم»
ويروى أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته، ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزلّ فيه الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه، أزلّ الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام».
٥ - دل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً﴾ على أن الخوف غريزة
стр. 5977
في النفس البشرية، وإن كان المرء قويا كموسى ﵇، كما أن الخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه، وهو أيضا سبيل الأمان. وكان خوفه من الملاحقة والطلب، فقد يؤخذ غرّة على حين غفلة.
٦ - يوصف الشرير بأنه غوي (خائب) مبين، ويوصف القاتل بأنه جبار، أي قتّال، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. والجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن.
٧ - إن الإيمان رابطة وثيقة بين المؤمنين، لذا بادر مؤمن آل فرعون وهو حزقيل بن صبور، ابن عم فرعون إلى إخبار موسى ﵇ بمكيدة فرعون وملئه له، وأنهم يتشاورون في قتله بالقبطي الذي قتله بالأمس، ونصحه بالخروج مسرعا من مدينة فرعون أو من مصر.
٨ - شأن المؤمن دائما أن يلجأ إلى الله تعالى، فقد خرج موسى ﵇ من مصر، خائفا يترقب الطلب، قائلا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾.
فنجاه الله ووصل إلى بلاد مدين.
- ٤ -
ذهاب موسى ﵇ إلى أرض مدين
وزواجه بابنة شعيب ﵇
﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾
стр. 5978
الإعراب:
﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ ﴿يُصْدِرَ﴾ بالضم: مضارع فعل رباعي، والمفعول محذوف، أي حتى يصدر الرعاء إبلهم ومواشيهم. وقرئ بالفتح على أنه مضارع فعل ثلاثي.
﴿أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ ﴿إِحْداهُما﴾ مصدرية، أي أجر سقيك لنا، وليست موصولة؛ لأنها لو كانت موصولة، كان المعنيّ بها الماء، والأجر على السقي أو العمل لا على الماء أو العين.
﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿إِحْداهُما﴾ وعامله جاءت و ﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿تَمْشِي﴾ وعامله ﴿تَمْشِي﴾.
﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أي تأجرني نفسك في ثماني سنوات، و ﴿ثَمانِيَ﴾ منصوب على الظرف.
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أي: منصوب ب ﴿قَضَيْتُ﴾ وما: زائدة، و ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ مجرور بالإضافة، وتقديره: أيّ الأجلين قضيت، و ﴿قَضَيْتُ﴾ مجزوم
стр. 5979
ب ﴿أَيَّمَا﴾ وفاء ﴿فَلا.﴾. مع ما بعده مجزوم لأنه جواب الشرط، والجملة: في موضع نصب مفعول ﴿قالَ﴾.
﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ مبتدأ وخبر.
البلاغة:
﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ استعطاف وترحم.
﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿تَوَجَّهَ﴾ قصد بوجهه ﴿تِلْقاءَ﴾ تجاه ﴿مَدْيَنَ﴾ قرية شعيب على مسيرة ثمانية أيام من مصر، وسميت باسم مدين بن إبراهيم ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي قال ذلك توكلا على الله وحسن ظن به، لأنه لم يكن يعرف طريقها، وسواء السبيل: الطريق الأقوم، والطريق الوسط إليها، وكان هناك ثلاثة طرق، فأخذ في أوسطها ﴿وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ وصل إلى بئر فيها كانوا يستقون منها ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جماعة كثيرة من الناس مختلفين، يسقون مواشيهم.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ سواهم ﴿تَذُودانِ﴾ تمنعان وتطردان أغنامهما عن الماء، خوفا من السقاة الأقوياء ﴿قالَ﴾ موسى لهما ﴿ما خَطْبُكُما﴾ أي ما شأنكما لا تسقيان مع هؤلاء؟ ﴿يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء، وحينئذ نسقي خوف الزحام ومزاحمة الرجال، يقال:
صدر عن الماء مقابل ورد: انصرف عنه، وقرئ: يصدر الرعاء أي يرجعون من سقيهم، والرعاء:
جمع راع ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي.
﴿فَسَقى لَهُما﴾ مواشيهما من بئر أخرى بقربهما، رحمة عليهما، بأن رفع حجرا عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس أو سبعة، بالرغم من تعبه وجوعه وجرح قدمه. ﴿ثُمَّ تَوَلّى﴾ انصرف ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ ظل شجرة كانت هناك، هروبا من شدة الشمس، وكان جائعا ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ قليل أو كثير، ويطلق على الطعام، كما في الآية، وعلى المال كما في آية ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة ١٨٠/ ٢] وعلى القوة كما في آية: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان ٣٧/ ٤٤] وعلى العبادة كما في آية:
﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ [الأنبياء ٧٣/ ٢١] ﴿فَقِيرٌ﴾ محتاج.
فرجعتا إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه، فسألهما عن ذلك، فأخبرتاه بمن سقى لهما، فقال لأحدهما: ادعيه لي ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ أي شدة حياء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، أي مستحيية متخفرة، قيل: كانت الصغرى منهما، وقيل:
стр. 5980
الكبرى، واسمها صفوراء أو صفراء، وهي التي تزوجها موسى ﴿لِيَجْزِيَكَ﴾ ليكافئك أو ليثيبك ﴿أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ جزاء سقيك لنا. وقد أجابها موسى ليتبرك برؤية الشيخ، ويستظهر بمعرفته، لا طمعا في الأجر، بل روي أنه لما جاءه قدم إليه طعاما، فامتنع عنه، وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا، أو لا نطلب على عمل خير عوضا، فأجابه شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، أو قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام. علما بأن من فعل معروفا، فأهدي إليه شيء، لم يحرم أخذه.
﴿قَصَّ﴾ روى له القصة وأخبره بحاله ﴿الْقَصَصَ﴾ مصدر بمعنى الحديث المقصوص أي المخبر به، من قتله القبطي، وقصدهم قتله، وخوفه من فرعون ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فرعون وقومه؛ إذ لا سلطان له على مدين.
﴿قالَتْ إِحْداهُما﴾ التي استدعته الكبرى أو الصغرى ﴿اِسْتَأْجِرْهُ﴾ اتخذه أجيرا يرعى غنمنا بدلنا ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فإنها أخبرته عن رفعه حجر البئر، وعن قوله لها أثناء السير: امشي خلفي، وقابل حياءها بحياء، فلما جاءته وعلم بها، صوّب رأسه فلم يرفعه.
والجملة تعليل جامع، يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار. وللمبالغة فيه جعل خيرا اسما، وذكر الفعل بلفظ الماضي، للدلالة على أنه أمين مجرب معروف.
﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ الكبرى أو الصغرى ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ تكون أجيرا لي أو تأجر نفسك مني في رعي غنمي ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ سنين، جمع حجة أي سنة ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ رعي عشر سنين ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التمام ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ باشتراط العشر ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ﴾ للتبرك ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالمعاهدة.
﴿قالَ﴾ موسى ﴿ذلِكَ﴾ الذي قلته ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ أطولهما وأقصرهما للرعي ﴿قَضَيْتُ﴾ وفيتك إياه ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ بطلب الزيادة عليه، أو فلا مجاوزة للحد، أي فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثماني ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي على ما نقول أنا وأنت حفيظ أو شاهد، فتم العقد بذلك.
المناسبة:
بعد أن تمالأ فرعون وقومه على قتل موسى، وأخبره مؤمن من آل فرعون بما عزموا عليه، ونصحه بالخروج من مصر، فخرج متجها إلى أرض مدين، ماشيا، برعاية الله وهدايته الطريق، للنسب الذي بين الإسرائيليين وبين أهل مدين،
стр. 5981
لأن مدين من ولد إبراهيم، والإسرائيليون من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وهناك تزوج بابنة شعيب ﵇، ثم عاد إلى مصر بعد أن أوتي النبوة في الطريق.
التفسير والبيان:
﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ، قالَ: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي لما اتجه موسى جهة مدين تاركا مدينة فرعون؛ لأنه كما بينا وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم ﵇، وهو كان من بني إسرائيل، لكن لما لم يكن عالما بالطريق، اعتمد على فضل الله تعالى، قائلا:
ربي اهدني الطريق الأقوم، فامتن الله عليه، وهداه إلى الصراط المستقيم، واختار الطريق الوسط من بين ثلاث طرق، وكان يسأل الناس عن كيفية الطريق، بحكم العادة. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر (أي راحلة) وبينهما مسيرة ثمانية أيام، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ومدين:
شمال خليج العقبة في بلاد فلسطين.
وكانت أحداث مدين كما يلي:
١ - حال الرعاء على الماء: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ: ما خَطْبُكُما؟ قالَتا: لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ، وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي ولما وصل إلى مدين، وورد ماءها، وكان لها بئر يرده رعاة الماشية، فوجد جماعة من الناس يسقون أنعامهم ومواشيهم، ووجد في مكان أسفل من مكانهم امرأتين تمنعان غنمهما من ورود الماء مع الرعاة الآخرين، لئلا يؤذيا وتختلط أغنامهما مع غيرها، فلما رآهما موسى ﵇ رقّ لهما ورحمهما، فسألهما: ما شأنكما وما خبركما لا تردان الماء مع هؤلاء؟ قالتا: لا نسقي غنمنا، أي لا نتمكن من سقي الغنم إلا بعد فراغ هؤلاء
стр. 5982
القوم من السقي، وأبونا شيخ كبير هرم لا يستطيع الرعي والسقي بنفسه، مما ألجأنا إلى الحال التي ترى. وهذا شأن الضعيف مع القوي دائما، يشرب القوي أولا من الماء الصافي، ويشرب الضعيف بقية الماء. وفي هذا اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف لموسى في إعانتهما.
٢ - السقي للمرأتين والمناجاة: ﴿فَسَقى لَهُما، ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ، فَقالَ:﴾
﴿رَبِّ، إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أي فسقى غنمهما لأجلهما من بئر مغطى بصخرة، لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، كما روى ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم أعاد الصخرة على البئر، ثم انزوى إلى ظل شجرة للراحة، فناجى ربه قائلا: إني لمحتاج إلى الخير القليل أو الكثير وهو الطعام، لدفع غائلة الجوع. وإنما عدى فقيرا باللام؛ لأنه ضمن معنى سائل وطالب.
وفيه دلالة على أنه سقى لهما في حر من الشمس، وعلى كمال قوة موسى ﵇، وعلى أنه رغم نعومة عيشه في بلاط فرعون كان مخشوشنا جلدا صابرا.
قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل، وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج إلى شقّ تمرة.
٣ - الفرج بعد الشدة: ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أي لما رجعت المرأتان سريعا بالغنم إلى أبيهما استغرب وسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى ﵇، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، فجاءت إحداهما تمشي مشي الحرائر، مستحيية، متخمرة بخمارها، ساترة وجهها بثوبها، ليست جريئة على الرجال،
стр. 5983
فقالت في أدب وحياء وخفر: إن أبي يطلبك ليكافئك على إحسانك لنا، ويعطيك أجر سقيك لغنمنا.
واختلف العلماء في تعيين الأب من هو، والجمهور-أو المشهور عند كثير من العلماء-على أن الداعي أباهما هو شعيب ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين، وهما ابنتاه (١). وليس في ذلك شيء يأباه الدين كما قال الرازي.
وقد أجابها موسى ﵇ للتبرك بالشيخ، لا طلبا للأجرة، روي أنها لما قالت ﴿لِيَجْزِيَكَ﴾ كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع، وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا، ولا نأخذ على المعروف ثمنا، حتى قال شعيب ﵇: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. هذا فضلا عن أن الضرورات تبيح المحظورات.
وتبع موسى المرأة إلى منزل أبيها، وطلب منها أن تسير خلفه كيلا ينظر إليها، وأن ترشده إلى الطريق، وهي خلفه، وهذا من أدب الرجال الذين أعدهم الله للنبوة.
٤ - حديث الأمان مع الشيخ الكبير: ﴿فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ: لا تَخَفْ، نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي فلما جاء موسى إلى الشيخ، وأخبره عن قصته مع فرعون وقومه في كفرهم وطغيانهم، وظلمهم بني إسرائيل، وتآمرهم على قتله وسبب خروجه من بلده مصر، قال له: لا تخف واطمئن وطب نفسا، فإنك نجوت من سطوة الظالمين، وخرجت من مملكتهم، ولا سلطان لهم في بلادنا، فاطمأن موسى وهدأت نفسه من القلق.
٥ - طلب البنت استئجار القوي الأمين: ﴿قالَتْ إِحْداهُما: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي قالت إحدى ابنتي الشيخ
стр. 5984
الكبير التي ذهبت تدعوه لأبيها: يا أبت استأجره لرعي هذه الغنم، فإن خير مستأجر هو؛ لأنه القوي على حفظ الماشية والقيام بشؤونها، المؤتمن الذي لا تخاف خيانته.
وصفته بأفضل صفات الأجير: القوة في القيام بالأمر، والأمانة في حفظ الشيء. ومصدر هاتين الصفتين ما شاهدت من حاله، قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلف عليّ الطريق، فاقذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
٦ - مصاهرة موسى لشعيب: ﴿قالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ، وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي إن شعيب اقتنع بأن موسى رجل قوي أمين، فقال له: أريد مصاهرتك وتزويجك إحدى هاتين البنتين، فاختر ما تشاء، وهما صفوريا وليا، والمهر: أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين، فهو إليك، وإلا ففي الثماني كفاية.
ولا أشاقك بعد ذلك بشيء من المناقشة في الوقت أو غيره، وستجدني صالحا على العموم، ومن ذلك حسن المعاملة، ولين الجانب. وإنما قال: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ للتبرك والاتكال على توفيق الله ومعونته.
فأجابه موسى بقوله:
﴿قالَ: ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أي قال
стр. 5985
موسى لصهره: الأمر على ما قلت، لي الخيار في إحدى البنتين، وفي إحدى المدتين: ثماني أو عشر سنين، كل واحد على ما شرط على نفسه، فإن أتممت عشرا فمن عندي، وإن قضيت ثمانيا فقد برئت من العهد، وخرجت من الشرط، فلا حرج علي من اختيار إحدى المدتين، وليس لك أن تطالبني بزيادة عليهما، وإن كان المهيأ للنبوة سيختار الأكمل، وإن كان مباحا غير لازم، وقد فعل موسى ﵇ أكمل الأجلين.
روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس بأن رسول الله ﷺ قال: «سألت جبريل، أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما» (١) هو المعاهدة التي حدثت بين موسى وشعيب ﵉.
وقوله: ﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ وقوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أي أطول الأجلين الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان. وقوله: ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ أي لا يعتدي أحد على آخر في طلب الزيادة.
﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي والله حفيظ أو شاهد على ما ألزم كل واحد نفسه به للآخر. والوكيل في الأصل: الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدّي بعلى. وهذا من قول موسى، وقيل: هو من قول شعيب والد المرأة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - انتقل موسى ﵇ ماشيا من مصر إلى مدين شمال خليج العقبة بفلسطين مدة ثماني ليال.
стр. 5986
٢ - ليس سقي ابنتي شعيب ﵇ الماشية بمحظور في الدين، ولا يأباه الدين والمروءة جريا على عادة العرب وأحوالهم.
٣ - لم يذق موسى ﵇ طعاما في طريقه إلى مدين سبعة أيام، حتى التصق بطنه بظهره، فلجأ إلى الدعاء تعريضا، ولم يصرح بالسؤال، وإنما طلب إنزال أي خير قليل أو كثير، فدل هذا الكلام على الحاجة إلى الطعام أو إلى غيره، إلا أن المفسرين حملوا هذا الكلام على الطعام. قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، وأخضر لونه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله.
وفي هذا إشعار بهوان الدنيا على الله.
٤ - إن سقي موسى ﵇ ماشية المرأتين اللتين عجلتا بالذهاب إلى أبيهما كان سببا في دعوته وتناوله الطعام عند شعيب ﵇، وإجابة لدعائه ومناجاته ربه.
وبالرغم من حاجته إلى الطعام قال موسى: لا آكل، إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا، فقال شعيب: ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة آبائي قرى الضيف، وإطعام الطعام، فحينئذ أكل موسى ﵇.
٥ - دل قوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ على أن سلطان الحكام كان محصورا في إقليم معين، فكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون.
٦ - دل قوله تعالى: ﴿قالَتْ إِحْداهُما: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ على مشروعية الإجارة، وهي فعلا كانت مشروعة في كل ملة، لحاجة الناس إليها، وتحقيق مصالحهم بها.
٧ - قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ فيه دليل على جواز عرض الولي ابنته على الرجل لخطبتها، وهذه سنة شائعة قديمة، فقد عرض صالح
стр. 5987
مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعرضت الواهبة نفسها على النبي ﷺ ، أخرج البخاري والنسائي عن ابن عمر قال: «لما تأيمت حفصة من حذافة بن خنيس السهمي قال عمر لعثمان: إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر» وكذلك قال لأبي بكر، لكنهما امتنعا لأن النبي ﷺ ذكرها بخير، فلم يفشيا سره، وفهما أنه يريد الزواج بها.
٨ - قوله: ﴿أُنْكِحَكَ﴾ دليل على أن النكاح إلى الولي، لا للمرأة؛ لأن صالح مدين تولاه، وهو رأي جمهور العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة، كما تقدم في تفسير آيات النكاح.
٩ - والآية تدل أيضا على أن للأب أن يزوّج ابنته البكر البالغ من غير استئمار، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها أحد إلا برضاها؛ لأنها بلغت حد التكليف، فأما إذا كانت صغيرة، فإنه يزوجها بغير رضاها، لأنه لا إذن لها ولا رضا؛ بغير خلاف.
١٠ - استدل الشافعية بآية: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح فقط. وقال المالكية: ينعقد النكاح بكل لفظ. وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد، بلفظ الهبة وغيره إذا كان قد أشهد عليه؛ لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية، فكذلك النكاح، والذي خص به النبي ﷺ كون الزواج بلا مهر، لا الزواج بلفظ الهبة.
١١ - قوله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ عرض للزواج، لا عقد؛ لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له.
١٢ - قال مكّي: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها أنه لم يعين الزوجة، ولا حدّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة، ودخل ولم ينقد شيئا.
أما التعيين فالواقع أنه تم في اتفاق آخر، وإنما عرض الأمر مجملا، وعيّن بعد ذلك.
стр. 5988
وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه، بل هو مسكوت عنه، فإما أنهما اتفقا عليه، وإلا فهو من أول وقت العقد.
وأما الزواج بمنفعة الإجارة فظاهر من الآية، وهو أمر أقره شرعنا، بدليل ما روى الأئمة من الزواج على شيء من القرآن، وفي بعض طرقه: «فعلّمها عشرين آية وهي امرأتك».
وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: كرهه مالك، ومنعه ابن القاسم، والحنفية، وأجازه ابن حبيب والشافعية والحنابلة، بدليل هذه الآية.
وأما قول مكي: دخل ولم ينقد، ففيه خلاف، منعه ابن القاسم، فليس للزوج الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار، وأجازه متأخر والمالكية؛ لأن تعجيل الصداق أو شيء منه مستحب.
١٣ - دلت الآية على اجتماع عقدين هما الإجارة والزواج، وقد أجازه ابن العربي المالكي على الصحيح؛ لأن الآية تدل عليه، وقد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين إجارة وبيع، أو بين بيع ونكاح (١). ومنعه ابن القاسم في المشهور، وقال: لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده؛ لاختلاف مقاصدهما، كسائر العقود المتباينة.
١٤ - يدل قوله تعالى: ﴿عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ على جواز ذكر الخدمة مطلقا، دون بيان نوع العمل، مع بيان الأجل فقط، وقد أجازه مالك وقال: إنه جائز ويحمل على العرف. فلم يكن لصالح مدين إلا رعي الغنم.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز حتى يسمى نوع العمل؛ لأنه مجهول.
١٥ - أجمع العلماء على جواز استئجار الراعي شهورا معلومة، بأجرة
стр. 5989
معلومة، لرعاية غنم معدودة. فإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت الإجارة عند المالكية عملا بالعرف. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز لجهالتها.
١٦ - دلت آية ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ على مذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدا، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح ويختار المشتري، فبأيهما أخذ يصح، وحمل
الحديث المروي في سنن أبي داود:
«من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا» على هذا المذهب.
١٧ - استدل الحنابلة بهذه الآية المتقدمة على صحة استئجار الأجير بطعامه وكسوته، ويؤيدهم
ما رواه ابن ماجه في السنن عن عتبة بن المنذر السّلمي قال:
كنا عند رسول الله ﷺ ، فقرأ طسم، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه». (١).
١٨ - قال مالك: وليس على الراعي ضمان، وهو مصدّق فيما هلك أو سرق؛ لأنه أمين كالوكيل، ولا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده، إن كان من أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال، ولصاحب المال تضمينه إن كان من أهل الفسوق والفساد.
١٩ -
روى عيينة بن حصن أن رسول الله ﷺ قال: «أجر موسى نفسه بشبع بطنه وعفّة فرجه».
والإجارة بالعوض المجهول كشيء مما تلده الغنم لا تجوز، فإن ولادة الغنم غير معلومة؛
لأن النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة نهى عن الغرر،
وروى البزار بسند ضعيف عن أبي هريرة أنه ﷺ نهى عن المضامين والملاقيح.
стр. 5990
والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح: ما في أصلاب الفحول. على أن راشد بن معمر أجاز الإجازة على الغنم بالثلث والربع. وقال ابن سيرين وعطاء: ينسج الثوب بنصيب منه، وبه قال أحمد.
٢٠ - الكفاءة في النكاح معتبرة، واختلف العلماء هل في الدّين والمال والحسب أو في بعض ذلك؟ والصحيح لدى المالكية جواز نكاح الموالي للعربيات والقرشيات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣/ ٤٩].
وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا خائفا وحيدا جائعا عريانا، فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه، ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك.
٢١ - إذا اشترط ولي المرأة لنفسه شيئا، فقد اختلف العلماء فيما يخرجه الزوج من يده، ولا يدخل في يد المرأة على قولين: أحدهما-أنه جائز، والآخر- لا يجوز، فهو حلوان وزيادة على المهر، وهو حرام.
ويؤيد الرأي الأول ما جرى من شعيب حيث اشترط لنفسه إجارة الرعي ثماني سنين، وترك المهر مفوضا، ونكاح التفويض جائز، ويجب حينئذ مهر المثل.
٢٢ - يكتب في العقود الشروط المتفق عليها، ثم يقال: وتطوع بكذا، فينفذ الشرط على حدة، ويترك الطوع لتنفيذه مختارا على حدة. وهذا ما فعله شعيب حيث ذكر اشتراط الإجارة ثماني سنين، وترك التطوع لموسى، وهو سنتان أخريان إن شاء.
٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ فيه جعل الإشهاد عليهما في الزواج بالله تعالى، ولم يشهد شعيب وموسى عليهما أحدا من الخلق، وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في الزواج على قولين:
أحدهما-وهو قول الجمهور: أنه لا ينعقد الزواج إلا بشاهدين.