← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

قصة لوط ﵇ مع قومه ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ الإعراب: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ﴾ إما منصوب بالعطف على هاء ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أو عطفا على نوح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً﴾ أي وأرسلنا لوطا، أو منصوب بفعل مقدر، أي واذكر لوطا، وعامل ﴿إِذْ﴾ هو العامل في لوط والأولى عطفه على ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كاف ﴿مُنَجُّوكَ﴾ في موضع جرّ بالإضافة. و ﴿أَهْلَكَ﴾ منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك.

стр. 6127

البلاغة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ تأكيد بعد مؤكدات، وإطناب بتكرار فعل تأتون لتقبيح عملهم وتوبيخهم. ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ استهزاء وسخرية، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما سبق، أي إن كنت صادقا فائتنا به. ﴿رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ التنكير لإفادة التهويل، أي عذابا عظيما شديدا. ﴿الْعالَمِينَ﴾ ﴿الصّادِقِينَ﴾ ﴿ظالِمِينَ﴾ ﴿الْغابِرِينَ﴾ وكذا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ توافق الفواصل. المفردات اللغوية: ﴿وَلُوطاً﴾ أي واذكر ﴿الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة القبيحة التي تنفر منها النفوس الكريمة، وهي إتيان أدبار الرجال. ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع السليمة. ﴿الْعالَمِينَ﴾ الإنس والجن. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الطريق على المارة، بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة، حتى انقطعت الطرق. ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ مجالسكم الخاصة أو متحدثكم. ﴿الْمُنْكَرَ﴾ الأمر المخالف للشرع، المنفر للطبع السليم كاللواط وأنواع الفحش. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في استقباح الفاحشة وأن العذاب نازل بفاعليه. ﴿اُنْصُرْنِي﴾ في إنزال العذاب. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ العاصين بإتيان الرجال أو بابتداع الفاحشة، فاستجاب الله دعاءه. ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالبشارة بإسحاق ويعقوب بعده. ﴿هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم، قرية لوط. ﴿ظالِمِينَ﴾ كافرين. ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة الرسل. ﴿الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم؛ لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه. وضاق ذرعه أي قصرت طاقته أو قدرته، وضده: طال ذرعه وذراعه، ورحب الذراع: إذا كان قادرا على الشيء؛ لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. ﴿رِجْزاً﴾ عذابا شديدا، سمي بذلك، لأنه يقلق المعذّب، من قوله: ارتجز أو ارتجس أي اضطرب. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ ظاهرة، وهي آثار خرابها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون أو يستعملون عقولهم في الاستبصار.

стр. 6128

المناسبة: بعد أن ذكر الله قصة إبراهيم ذكر قصة لوط ﵉؛ لأنه كان معاصرا له في زمن إبراهيم، ولم يذكر في قصته هنا دعوته إلى التوحيد كسائر الأنبياء، وإنما اقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، وذكر ذلك عنه في موضع آخر حيث قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ [هود ٧٨/ ١١، الشعراء ١٦٣/ ٢٦] ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [الحجر ٦٩/ ١٥] وكان قد أتى به إبراهيم وسبقه إليه. واختص لوط بالمنع من عمل قومه الفاحش، فلما يئس من ردعهم وتطهرهم من فاحشتهم، استنصر بربه، فاستجاب له وأهلك قومه، ونجاه مع من آمن به بسبب فحشهم وكفرهم بالله وبرسوله وقطعهم الطرق. التفسير والبيان: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك للعبرة والعظة قصة نبي الله لوط ﵇ حين أرسله الله إلى أهل قرية «سدوم» فأنكر عليهم صنيعهم وقبيح أعمالهم التي ابتدعوها، وقال منكرا عليهم أو محذرا أو موبخا ومقرعا لهم: أتأتون الفعلة الفاحشة المتناهية في القبح شرعا وطبعا سليما؟! ثم كرر الإنكار عليهم ووضح تلك الفاحشة فقال: ١ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾؟ أي تأتون الذكران بشهوة كإتيان النساء، ما سبقكم أحد قبلكم من بني آدم إلى هذه الفعلة. ٢ - ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي تقفون في طريق الناس، وتتعرضون للمارة بقتلهم وأخذ أموالهم وفعل الفاحشة بهم. ٣ - ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي وتفعلون ما لا يليق من الأقوال

стр. 6129

والأفعال في مجالسكم الخاصة، دون أن ينكر بعضكم على بعض شيئا من ذلك، فهم ذوو أخلاق سوء. والنادي: المجلس. روى الإمام أحمد والترمذي والطبراني والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فقال: «يحذفون (١) أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه». وروي عن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضا، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون، ويلعبون بالنّرد والشّطرنج، ويلبسون المصبغات. ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويطرّفون أصابعهم بالحنّاء، وتتشبه الرجال بلباس النساء، والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس (٢) على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسّحاق. وفسر مجاهد المنكر: بأنه الصفير، ولعب الحمام، والجلاهق (٣) والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء. فكان جوابهم: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا: اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي فما كان جوابهم بعد نهيهم عن الفاحشة وغيرها إلا قولهم بسبب كفرهم واستهزائهم وعنادهم: عجل علينا العذاب الذي توعدنا به إن كنت صادقا فيما تهددنا به. وهذا كان في بداية وعظه لهم، فلما ألح عليهم في الإنكار قالوا كما

стр. 6130

جاء في آية أخرى: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف ٨٢/ ٧]. ولما يئس لوط من استجابة قومه طلب من الله النصرة عليهم فقال: ﴿قالَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي قال لوط داعيا: رب انصرني على هؤلاء القوم المفسدين في الأرض بابتداع الفاحشة. ومن المعلوم أنه ما طلب نبي من الأنبياء هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ [نوح ٢٧/ ٧١] أي لا مصلحة ولا خير يرتجى فيهم لا حالا، ولا مآلا في المستقبل. فاستجاب الله دعاءه، وبعث ملائكة العذاب لنصرته: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى، قالُوا: إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ، إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي بعث الله ملائكة، فمروا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للأضياف، فلما رأى أنه لا رغبة لهم في الطعام خاف منهم، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بولد صالح من امرأته «سارّة» وهو إسحاق، ومن بعده يعقوب، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط؛ لأنهم قوم ظالمون أنفسهم بكفرهم وتكذيبهم رسولهم وتماديهم في الفساد والفحش. فأخذ إبراهيم يدافع، لعلهم يمهلونهم، ولعل الله يهديهم، وأشفق على ابن أخيه لوط، فقال: ﴿قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ، كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي قال إبراهيم مشفقا على لوط: إن في القرية لوطا، وهو غير ظالم، وهو رسول، فقالت الملائكة الرسل: نحن أعلم منك بمن

стр. 6131

فيها من المؤمنين والكافرين، وإنا لننجي لوطا وأهله وأتباعه المؤمنين به من الهلاك إلا امرأته، فهي من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئ القوم على كفرهم وبغيهم وخبائثهم. ثم قدموا على لوط فدخلوا عليه في صورة شبان حسان، فلما رآهم ضاق بهم، كما حكى تعالى: ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً، وَقالُوا: لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ، إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي ولما جاءت الملائكة الرسل إلى لوط على صورة بشر حسان الوجوه، اغتم بأمرهم، وخاف عليهم من قومه، فقالوا له معرضين بحالهم: لا تخف علينا، ولا تحزن بما نفعله بقومك الأخباث، وإنا جئنا لتعذيبهم، وإنا منجّوك وأتباعك المؤمنين من العذاب، إلا امرأتك، فإنها من الهالكين؛ لتواطئها معهم على الفساد، فكانت تدلهم على ضيوفه، وكانت تدافع عنهم، وترضى بأفعالهم. ثم وصفوا العذاب بقولهم: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي إننا سننزل على أهل قرية «سدوم» عذابا شديدا عظيما من السماء، تضطرب له نفوسهم، بسبب فسقهم. وكان العذاب هو الزلزلة التي خسفت بهم الأرض، وصار مكان قريتهم بحيرة لوط (البحر الميت) فاقتلع جبريل ﵇ قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله الحمم وحجارة من سجيل منضود، مسوّمة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي ولقد تركنا من القرية

стр. 6132

بعض آثار منازلهم الخربة أو أخبارهم علامة ظاهرة واضحة، وعبرة أو عظة لقوم يتدبرون ويستبصرون بعقولهم الأمور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧/ ٣٧ - ١٣٨]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآية ما يأتي: ١ - أنكر نبي الله لوط على قومه الذين أرسل إليهم في «سدوم» إنكارا شديدا مع التوبيخ والتحذير فعل ثلاثة أمور: ارتكاب الفاحشة (اللواط) وقطع الطريق لأخذ الأموال والفاحشة والاستغناء عن النساء، وفعل المخازي في مجالسهم الخاصة. ٢ - لقد قابل القوم هذا الإنكار بالاستهزاء والعناد والتكذيب واللجاج، فطلبوا إنزال العذاب الذي يهددهم به إن كان صادقا فيما يقول ظنا منهم أن ذلك لا يكون ولا يقدر عليه، ثم هددوه في آية أخرى بالطرد والإخراج من قريتهم. ٣ - تدل الآية على وجوب الحد في اللواطة؛ لأنها فاحشة كالزنى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢/ ١٧] واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه، فما شرع زاجرا في الزنى، يشرع زاجرا في اللواطة. وهذا وإن كان قياسا إلا أن علة القياس مستفادة من الآية، فتكون منصوصا عليها، والقياس المنصوص العلة متفق على العمل به. ٤ - ما طلب نبي هلاك قوم إلا إذا يئس من هدايتهم، وعلم أن عدمهم خير من وجودهم، لذا دعا لوط ﵇ ربه أن ينصره على القوم المفسدين، فأجاب الله دعاءه. ٥ - إذا نزل العذاب بقوم نجى الله الصالحين المؤمنين منهم كما نجى لوطا وأهله

стр. 6133

الذين اتبعوه، وأهلك الظالمين المفسدين مرتكبي الفاحشة كما فعل بقوم لوط وامرأته التي كانت راضية بأفعالهم، وتدلهم على ضيوف لوط، فكان حكمها حكمهم؛ لأن الدال على الشر كفاعله، كما أن الدال على الخير كفاعله. ٦ - ترك الله تعالى بعض آثار منازلهم الخربة للعبرة والعظة لمن يتأمل من العقلاء بمصير الظالمين ومآل الكافرين في الدنيا، ولعذاب الله أشد وأنكى في الآخرة. ٧ - اشتملت مهمة الملائكة الرسل في ضيافة إبراهيم أمرين: الأول-البشارة التي هي أثر الرحمة، والإنذار بالإهلاك الذي هو أثر الغضب، ورحمته تعالى سبقت غضبه، فقدم البشارة على الإنذار. الثاني-لم يعلل الملائكة البشرى بشيء، فلم يقولوا مثلا: لأنك رسول مخلص أو لأنك مؤمن، أو لأنك عادل، وعللوا الإهلاك بقولهم: ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ لأن صاحب الفضل المطلق لا يكون فضله بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم. قصص شعيب وهود وصالح وموسى ﵈ مع أقوامهم ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾

стр. 6134

الإعراب: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ ﴿مَدْيَنَ﴾: ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. و ﴿شُعَيْباً﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لعاملها. ﴿وَعاداً وَثَمُودَ﴾ أي وأهلكنا. ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ أي تبين لكم بعض ﴿الَّذِينَ﴾ في آية ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أو منصوب بفعل مقدر، تقديره: وأهلكنا عادا وثمودا، بدلالة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ لأنه في معنى الإهلاك، وكلمة «ثمودا» هنا مصروف لأنه اسم للحي، وورد في مكان آخر ممنوعا من الصرف؛ لأنه بمعنى القبيلة. ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ كلها أسماء منصوبة بالعطف على ﴿عاداً﴾ في جميع الأوجه التي ذكرت، ولا ينصرف للعجمة والتعريف (العلمية). البلاغة: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً.﴾. تقديم المفعول للاهتمام به، وفي الآية إجمال ثم تفصيل. المفردات اللغوية: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين، وأصلها: أبو القبيلة. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ افعلوا ما ترجون به ثواب اليوم الآخر، فأقيم المسبب مقام السبب. وقيل: إنه من الرجاء بمعنى

стр. 6135

الخوف، أي واخشوا يوم القيامة. ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ لا تفسدوا من عثي: أفسد، ومفسدين حال مؤكدة لعاملها. ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة، وقيل: صيحة جبريل؛ لأن القلوب ترجف بها. ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب ميتين، أي ماتوا. ﴿وَعاداً وَثَمُودَ﴾ أي وأهلكنا. ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ أي تبين لكم بعض مساكنهم، أو إهلاكهم من جهة مساكنهم بالحجر واليمن إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، فكانت قبيلة عاد تسكن الأحقاف قرب اليمن، وثمود تسكن الحجر قرب وادي القرى. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ السوي، سبيل الحق الذي بيّن الرسل لهم. ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ذوي بصائر، متمكنين من النظر والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا. ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ أي وأهلكنا، وتقديم قارون لشرف نسبه ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ الحجج الواضحات. ﴿سابِقِينَ﴾ فائتين عذابنا غير مدركين، بل أدركهم أمر الله، مأخوذ من سبق طالبه: إذا فاته. ﴿فَكُلاًّ﴾ من المذكورين. ﴿أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ أي عاقبنا بذنبه. ﴿حاصِباً﴾ ريحا عاصفا فيها حصباء، كقوم لوط، يقال: حصبه يحصبه: إذا رماه بالحصباء: وهي الحجارة الصغيرة. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الصرخة الشديدة، كمدين وثمود. ﴿مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ كقوم نوح وفرعون وقومه. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذبهم بغير ذنب. ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارتكاب الذنب والتعرض للعذاب. المناسبة: بعد أن قص الله تعالى قصص نوح وإبراهيم ولوط، أردفه بقصص شعيب وهود وصالح وموسى بإيجاز، لفائدة العظة والاعتبار بأحوال هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم. ويلاحظ أن هذه القصص هنا ذكر فيها القوم جريا على الأصل أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم، ولأن قوم شعيب وهود وصالح كان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله، مثلما ذكر قارون وفرعون وهامان؛ لاشتهارهم بالطغيان. أما قوم نوح وإبراهيم ولوط فلم يكن لهم اسم

стр. 6136

خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي فقيل: قوم نوح وقوم لوط. التفسير والبيان: قصة شعيب: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ: يا قَوْمِ، اُعْبُدُوا اللهَ، وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين نبي الله شعيبا الذي كان من أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده، وإخلاص العبادة له، وفعل ما يرجون به ثواب اليوم الآخر، والخوف من بأس الله ونقمته يوم القيامة، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، والبغي على أهلها، بإنقاص المكيال والميزان، وقطع الطريق على الناس، وغير ذلك من المعاصي التي تجب التوبة منها، وأخطرها الكفر بالله ورسوله، كما قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أي فقابلوه بالتكذيب والعناد، والإصرار على الكفر والعصيان، فأهلكهم الله بزلزلة (رجفة) عظيمة، قوضت أركان ديارهم، وصيحة هزت جنبات نفوسهم، وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم، أدى إلى إماتتهم، فأصبحوا في ديارهم ميتين لا حراك بهم، ألقي بعضهم على بعض. وقد تقدم بيان قصتهم في سور: الأعراف، وهود، والشعراء. قصة هود وصالح: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي وأهلكنا عادا قوم هود عليه السلام

стр. 6137

الذين كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قرية من حضرموت في بلاد اليمن، وأهلكنا ثمود قوم صالح ﵇ الذين كانوا يسكنون الحجر قريبا من وادي القرى، بين الحجاز والشام، ومدائن صالح ظاهرة إلى اليوم، وكانت العرب تعرف مساكنهم جيدا، وتمر عليهم كثيرا. فأنتم يا أهل مكة ويا مشركي العرب قد تبين لكم إهلاكهم من آثار مساكنهم، واطلعتم على معالم عذابهم، فإن الشيطان قد زين لهم أعمالهم من عبادة غير الله، وكفرهم بربهم، واقترافهم المعاصي، وصدهم الناس عن الدين الحق والسبيل الأقوم، وكانوا عقلاء متمكنين من النظر والاستبصار، فلا عذر لهم في ترك الإيمان بربهم، إلا أنهم لم ينتفعوا بطاقات فكرهم ونظرهم في عواقب الأمور. أفلا يكون جديرا بكم أن تتعظوا بهؤلاء، فالعاقل من اتعظ بغيره؟! قصة موسى: ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ، فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ، وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ أي وأهلكنا أيضا قارون صاحب الأموال الوفيرة والكنوز العظيمة، وفرعون ملك مصر في زمن موسى، ووزيره هامان. وكان موسى قد جاءهم من عند ربه بالحجج الواضحات الدالة على صدق رسالته، فاستكبروا في الأرض وأبوا تصديقه والإيمان به، وكذبوه وكفروا بالله تعالى وبرسوله، وكانوا خاطئين آثمين عالين مفسدين، ولكنهم لم يكونوا فائتين الله، ولا هاربين من عذابه، بل أدركهم أمر الله وبطشه؛ فإنه القادر القاهر العزيز الغالب.

стр. 6138

أنواع عقوبات الأقوام المكذبين: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا، وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي فلقي كل قوم ما يناسبه من العقاب، وأهلكهم الله سبب تكذيبهم الرسل، وكانت عقوباتهم أربعة أنواع: ١ - الريح العاصفة: أرسل الله على بعضهم كقوم عاد حاصبا، أي ريحا صرصرا باردة عاتية شديدة الهبوب جدا، تحمل الحصباء (الحجارة الصغيرة) فتلقى عليهم، وتقتلعهم من الأرض، وترفعهم إلى عنان السماء، ثم تصرعهم على الأرض، فيصبحون جثثا هامدة، وذلك لكفرهم وقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥/ ٤١]؟! ٢ - الصيحة: وأرسل الله على قوم ثمود الصيحة (أو الرجفة) حين أصروا على كفرهم فلم يؤمنوا، واستمروا على طغيانهم، وهددوا نبي الله صالحا ﵇ ومن آمن معه وتوعدهم بالإخراج والرجم، فجاءتهم صيحة أخمدت أصواتهم وحركاتهم، ومثلهم أهل مدين. ٣ - الخسف: عاقب الله قارون الذي طغى وبغى، وعتا وعصا الرب الأعلى، وتكبر وتجبر واختال في مشيته، فخسف به وبداره الأرض، ليكون عبرة لكل عات جبار. ٤ - الإغراق: أغرق الله قوم نوح بالطوفان لكفرهم وعبادتهم الأصنام، كما أغرق فرعون وهامان وجنودهما في صبيحة يوم واحد، فلم ينج منهم أحد. وكل عقوبة مما ذكر كانت جزاء وفاقا على ظلمهم وآثامهم، وليس ظلما لهم، كما قال تعالى:

стр. 6139

﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي وما كان ينبغي لله أن يظلمهم أبدا فيما فعل بهم، ولكنه أهلكهم بذنوبهم وبظلمهم أنفسهم وكفرهم بالله ربهم. فقه الحياة أو الأحكام: هناك سبب مشترك في عقاب الأمم المتقدمة وإهلاكهم وهو الكفر بالله كفر تحد وعناد، مع الإفساد، في الأرض بالمعاصي الكبائر. فقوم مدين: رفضوا دعوة نبيهم شعيب ﵇ الذي قال لهم: الله تعالى واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد بالكفر والظلم والمعصية محرم فلا تقربوه، فكذبوه فيما دعاهم إليه وأخبرهم به. فعاقبهم الله كما ذكر هنا وفي الأعراف بالرجفة، وفي هود بالصيحة، والأمر واحد، فإن الصيحة كانت سببا للرجفة، أي زلزلة الأرض، إما بسبب صيحة جبريل، وإما بسبب رجفة الأفئدة التي ارتجفت منها، ولما كانت الصيحة عظيمة أحدثت الزلزلة في الأرض، فأصبحوا جاثمين ميتين في ديارهم. وقبيلتا عاد وثمود: أهلكهما الله تعالى بظلمهم، أما عاد قوم هود ﵇ فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥/ ٤١]؟ فأنكروا وجود الإله الخالق القادر، وعتوا وبغوا وتعالوا على الناس، فدمر الله ديارهم بمن فيها ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٧]. وأما ثمود قوم صالح فكذبوا رسولهم وأعلنوا كفرهم وهددوا نبيهم بالطرد والإخراج من بلدهم، وعقروا الناقة التي أرسلها الله إليهم معجزة لنبيهم صالح، وكان عقابهم كعقاب أهل مدين بالصيحة أو الزلزلة أو الطاغية، وبقيت آثار ثمود وعاد بالحجر والأحقاف شاهدة على ظلمهم، وآية بينة مؤثرة للمعتبرين المتعظين.

стр. 6140

ورؤوس الطغيان والبغي في مصر: قارون وفرعون وهامان، استكبروا في الأرض، وظنوا أن الله غير قادر عليهم، فخسف الله بقارون وبداره الأرض، وأغرق فرعون وهامان وجنودهما في البحر. ولم يكن العقاب بالهلاك ظلما، فكل فئة أخذت بجريرة ذنبها العظيم، وما كان الله ليظلمهم؛ لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر، وإنما ظلموا أنفسهم. تشبيه حال عبدة الأصنام بحال العنكبوت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)﴾ الإعراب: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ الكاف: في موضع رفع؛ لأنها خبر المبتدأ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ.﴾. ﴿ما﴾: إما بمعنى «الذي» في موضع نصب ب ﴿يَعْلَمُ﴾ وتقديره: إن الله يعلم الذين يدعون من دونه من شيء، فحذف العائد تخفيفا. وإما أن تكون استفهامية في موضع نصب ب ﴿يَدْعُونَ﴾ وتقديره: أي شيء تدعون من دونه، وهو قول الخليل وسيبويه. البلاغة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ تشبيه تمثيلي، شبه

стр. 6141

الكفار في عبادتهم الأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيف النسج قابلا للاختراق والزوال بنفخة هواء. والتشبيه التمثلي: هو ما كان وجه الشبه فيه منتزعا من متعدد. المفردات اللغوية: ﴿مَثَلُ﴾ المثل: الصفة التي تشبه المثل في الغرابة. ﴿أَوْلِياءَ﴾ أصناما يرجون نفعها. ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾ حشرة معروفة. ﴿اِتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ لنفسها تأوي إليه مما نسجته من شبكة واهنة ضعيفة. ﴿أَوْهَنَ﴾ أضعف البيوت، لا يدفع عنها حرا ولا بردا، كذلك الأصنام لا تنفع عابديها. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما عبدوها. ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ﴾ على إضمار القول، أي قل للكفرة: إن الله يعلم الذي يعبدون، والكلام تجهيل لهم وتأكيد للمثل. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غيره. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الغالب القوي في ملكه، الحكيم في صنعه، وهو تعليل لما سبق، فإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعدّ شيئا بمن هذا شأنه، فالجماد بالنسبة إلى القادر القاهر على كل شيء، البالغ النهاية في العلم وإتقان الفعل كالمعدوم. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ﴾ يعني هذا المثل ونظائره. ﴿نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ نجعلها مثلا تقريبا لأفهامهم. ﴿وَما يَعْقِلُها﴾ يفهمها. ﴿إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ المتدبرون الذين يتدبرون الأشياء على ما ينبغي، روي عنه ﵊ أنه تلا هذه الآية فقال: «العالم: من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه». المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أنه أهلك من أشرك بعاجل العقاب، وسيعذبه بشديد العذاب، دون أن ينفعه معبوده في الدارين، شبّه حال هذا المشرك الذي اتخذ معبودا دون الله بحال العنكبوت التي اتخذت بيتا لا يحميها من الأذى، ولا يمنع عنها الحر أو البرد. ثم أكد ذلك فأوضح أن ما يدعونه ليس بشيء، فكيف يعبد وتترك عبادة الله القادر القاهر الحكيم المتقن؟ ثم لفت النظر إلى فائدة ضرب الأمثال وهي التقريب للأفهام وإدراك العقلاء لمغزاها.

стр. 6142

التفسير والبيان: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ أي صفة المشركين في اتخاذهم الأصنام آلهة من دون الله، طمعا في نصرهم ورزقهم ونفعهم، والتمسك بهم في الشدائد، كصفة العنكبوت في ضعفها اتخذت لنفسها بيتا يقيها الأذى والحر والبرد، فلم يفدها شيئا، وإذا هبت ريح يصير هباء منثورا. فكذلك هؤلاء المشركون لا تفيدهم أصنامهم، ولا تدفع عنهم سوءا، ولا تجديهم شيئا، وتصبح أعمالهم للأوثان مبددة ذاهبة الأثر، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥]. ثم بيّن الله تعالى مدى ضعف هذا البيت، فقال: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي وإن أضعف البيوت بيت العنكبوت؛ لأنه يخرب بأدنى شيء، ولا يبقى منه أثر، فكذلك عملهم لا أثر له، فلو كانوا يعلمون علما صحيحا أن أصنامهم وعبادتهم لها لا تنفعهم شيئا، ما فعلوا ذلك، إلا أنهم في الواقع في غاية الجهل، لا يعلمون شيئا من عواقب الأمور، فتراهم يظنون بذلك النفع. ثم أكد الله تعالى كون تلك المعبودات ليست بشيء، فقال متوعدا عابديها: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي إن الله يعلم أن الذي يعبدونه من غيره من الأصنام والجن والإنس ليس بشيء، وهو القوي الغالب القادر على الانتقام ممن كفر به، وأشرك في عبادته معه غيره، الحكيم في صنعه وتدبيره خلقه، يعلم ما هم عليه من الأعمال، ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم.

стр. 6143

ثم أبان تعالى فائدة ضرب الأمثال، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ، وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ أي هذا المثل وأشباهه في القرآن الكريم، يضربها للناس تقريبا لأفهامهم، وتوضيحا لما التبس عليهم، وما يفهمها ويدركها ويتدبر حقيقتها إلا العلماء الأثبات، المتضلعون في العلم، المتأملون في القضايا والمسائل. روى جابر أن النبي ﷺ تلا هذه الآية، فقال: «العالم من عقل عن الله تعالى، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه». فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيات على ما يأتي: ١ - إن عبادة الأصنام والأوثان فارغة المحتوى، لا مضمون فيها، ولا هدف لها، وما مثلها في عدم النفع إلا كمثل بيت العنكبوت. قال الفراء: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا. ٢ - شبّه الله تعالى حال عبدة الأوثان بحال العنكبوت التي تتخذ أضعف البيوت، ولو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئا، وأن هذا مثلهم أو صفتهم، لما عبدوها؛ لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف. أما قتل العنكبوت فروي عن سيدنا علي جوازه قائلا: إن تركه في البيوت يورث الفقر. وهذا صحيح لأن العناكب من الحشرات السامة. ٣ - إن الله يعلم ضعف كل ما يعبدون من دونه من ملائكة وكواكب وأصنام وجن وإنس، فرثى لحالهم، وعجب من صنعهم، فنبههم على سطحية تفكيرهم، وسوء اعتقادهم، وأن جميع تلك المعبودات مثل بيت العنكبوت؛ لأن كل ما عدا

стр. 6144

الله لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، فلا معبود بحق إلا الله، ولا إله سواه. ٤ - إن ضرب الأمثال أي بيانها وعقد المقارنة بين المتشابهات أمر مفيد للناس، لمعرفة حقائق الأمور، ولكن لا يفهم تلك الأمثال إلا العالمون بالله تعالى. قال أبو حيان: وكان جهلة قريش يقولون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، وما علموا أن الأمثال والتشبيهات طرق إلى المعاني المحتجبة، فتبرزها وتصورها للفهم، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد (١). ٥ - حقا إن المشرك في غاية الجهل في الاعتقاد، لذا كانت هذه الآيات تجهيلا للمشركين، حيث عبدوا ما ليس بشيء، لأنه جماد، لا علم لديه، ولا قدرة أصلا عنده، وتركوا عبادة القادر القاهر، الحكيم الذي لا يفعل شيئا إلا لحكمة. أما المسلم المؤمن قلبه بالله فهو واع لما يفعل، مقدر ما يعبد، يبغي الخير في عبادته، ويحسن العمل في اتباع الشرع؛ لأن فيه نجاته وإنقاذه، ويصل إلى مبتغاه فعلا بجلب النفع والخير، ودفع الضرر والشر. فائدة خلق السموات والأرض وتلاوة القرآن وإقامة الصلاة ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾

стр. 6145

المفردات اللغوية: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ محقا غير قاصد به باطلا، وقصده بالذات من خلقهما إفاضة الخير، والدلالة على ذاته وصفاته، كما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ دلالة على قدرته تعالى. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم المنتفعون بها في الإيمان، بخلاف الكافرين. ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ﴾ القرآن، تقربا إلى الله بقراءته، واستكشافا لمعانيه، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها؛ لأنها تذكر بالله، وتورث النفس خشية، أي من شأنها ذلك. والمنكر: القبيح شرعا وعقلا. روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله ﷺ الصلوات، ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف له، فقال: «إن صلاته تنهاه» فلم يلبث إلا أن تاب. ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي إن الصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها بالذكر؛ لاشتمالها على الذكر الذي هو العمدة في تفضيلها على سائر الحسنات ونهيها عن السيئات. ويصح أن يكون المعنى: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ منه ومن سائر الطاعات، فيجازيكم به أحسن المجازاة. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى الناس بالإيمان، وأبان ضعف دليل الكفار على عبادة معبوداتهم، لفت النظر إلى من تجب له العبادة وهو الذي لا يعجزه شيء، وخالق السموات والأرض، والمرشد بكتابه إلى معالم الحق، والمبين طريق العبادة المرضية له وهو الصلاة. كما أن في الآيات تسلية للنبي ﷺ وللمؤمنين عن إعراض الكفار واليأس منهم، بالتأمل في خلق السموات والأرض وتلاوة القرآن الدال على أن الرسل السابقين كنوح وإبراهيم ولوط بلغوا الرسالة، وأقاموا الأدلة على الإيمان بالله تعالى، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة. التفسير والبيان: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن الله تعالى أوجد وأبدع السموات والأرض للدلالة على قدرته العظيمة، وإفاضة الخير، ولحكم وفوائد دينية ودنيوية، فقد خلقهما محقا غير قاصد الباطل، ولم

стр. 6146

يخلقهما عبثا ولهوا ولعبا، وفي ذلك دلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والألوهية، كما جاء في رواية عن الله : «كنت كنزا مخفيا، فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني» إلا أنه لم يصح حديثا، ومعناه صحيح مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١]. ولا ينتفع بتلك الدلالات ولا يفهم هذه الأسرار إلا المؤمنون المصدقون بالله ورسوله؛ لأنهم يستدلون بآثار الخلق على وجود المؤثر فيها. ثم أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن وهو قراءته وإبلاغه للناس للاستزادة من المعرفة الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وحكمته فقال: ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي اقرأ يا محمد ومثلك كل مسلم، وأدم تلاوة هذا القرآن وتبليغه للناس، فإنه إمام ونور، وهدى ورحمة، ودليل خير ونجاة، وعلاج ما استعصى من الأزمات والمحن، وتخطي مراحل اليأس والقنوط. كذلك أمر تعالى بالصلاة قرة عين المؤمن فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي وأدّ أيها النبي وكل مؤمن فريضة الصلاة ونافلتها تامة الأركان والشروط، مع الخشوع والخضوع لله، واستحضار خشية الله في جميع مراحلها، فهي تشتمل بمواظبتها على شيئين: ترك الفواحش والمنكرات، وهي عماد الدين، وصلة بين العبد وربه، ودليل الإيمان واليقين، وفرجة المكروب والمحزون، وسبب لتطهير العبد من آثار الذنوب والمعاصي. جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني وغيره من رواية عمران وابن عباس مرفوعا: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدا» وروى أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حبّب إلي من دنياكم النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة».

стр. 6147

وكل ذلك مشروط بأدائها بخشوع وخضوع وإخلاص كما ذكر، حتى تكون ذات مدلول وروح، وذات إشعاع تملأ النفس استحضارا لعظمة الله والخوف منه، وإلا كانت مجرد حركات وأفعال مادية فاقدة الأثر المقصود منها. ثم أكد تعالى رفعة شأن الصلاة فقال: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ أي إن الصلاة أكبر من سائر الطاعات، وذكر الله وتفقده الناس العابدين برحمته أكبر من ذكرهم إياه بطاعته، والله عليم بما تصنعون من خير أو شر، وعليم بذات الصدور، يعلم جميع أقوالكم وأفعالكم ونياتكم: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه ٧/ ٢٠] وفي ذلك وعد ووعيد، وحث على مراقبة الله في كل الأحوال، فمن يعلم أن الله يسمعه ويراه، لزم الحياء، وخشي العذاب، وأحسن العبادة. ومن أتى بالذكر النافع وهو الحاصل عن علم وتأمل ووعي قلب وتفرغ نفس مما سوى الله، نال المراد، وحقق المبتغى، وأما ما كان مجرد لقلقة باللسان، دون استحضار لعظمة الله وخشوع معه، فلا خير فيه ولا نفع. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - خلق الله السموات والأرض على وجه الإحكام والإتقان والعدل والقسط، ولأهداف وغايات دينية ودنيوية، منها أن الإنسان يستدل بهما على وجود الخالق القادر الكامل الشامل العلم، الذي لا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات فيهما، ولا يعجزه شيء فيهما. ٢ - إن المستفيد من خلق السموات والأرض هو الإنسان، ولا ينتفع في دلالتهما على الاعتقاد بوجود الخالق الواحد إلا المصدقون بالله ورسوله. ٣ - على المسلم مواظبة التلاوة لآي القرآن، وتبليغ أحكامها المستفادة منها، فإن القرآن كتاب هداية، ودستور حياة فاضلة.

стр. 6148

٤ - على المؤمن أيضا استدامة إقامة الصلاة: وهو أداؤها في وقتها بقراءتها، وركوعها وسجودها، وقعودها، وتشهدها، وجميع شروطها. ٥ - إن الصلوات الخمس لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة تنهى عن الفواحش والمنكرات، وتكفّر ما بينها من الذنوب إذا أديت بحقها وكانت مع استحضار عظمة الله وبأسه، أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». وروى أنس بن مالك قال: كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي ﷺ ، ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فذكر للنبي ﷺ ، فقال: «إن الصلاة ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله ﷺ : «ألم أقل لكم؟». ويؤكده الحديث المتقدم الذي رواه الطبراني وغيره: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا، ولم يزدد بها من الله إلا مقتا». قال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله: القرآن يأمره وينهاه. ٦ - دل قوله تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ على أن الصلاة أكبر من سائر الطاعات وأفضل من كل العبادات، وأن ذكر الله لعباده بالثواب والثناء عليهم ورحمته إياهم أكبر من ذكرهم له في عبادتهم وصلواتهم، وكذلك أن تلاوة القرآن وإقامة الصلاة ينبغي أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم.

стр. 6149

روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال في قول الله : ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾: «ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه». وفي حديث آخر: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم» (١). ٧ - الذكر النافع: هو الذي يكون مع العلم، وإقبال القلب، وتفرغه، إلا من الله، وأما ما لا يتجاوز اللسان فله رتبة أخرى. وذكر الله تعالى للعبد: هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ربه، قال الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٢/ ٢]. ٨ - إن قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ نوع من الوعد والوعيد، وحث على مراقبة الله تعالى في السرّ والعلن. آمنت بالله تعالى انتهى الجزء العشرون

стр. 6150

طريقة إرشاد أهل الكتاب ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ (٤٩)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَلا تُجادِلُوا﴾ المجادلة والجدل: الحجاج والمناظرة والمناقشة ﴿أَهْلَ الْكِتابِ﴾ اليهود والنصارى أتباع موسى وعيسى ﵉، يؤمنون بوجود الله واليوم الآخر وبالتوراة والإنجيل ﴿إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي إلا بالخصلة التي هي أحسن كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم وضبط النفس، والمشاغبة بالنصح، والتنبيه إلى آيات الله وحججه ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي لكن الظالمون منهم بالإفراط في الاعتداء والعناد والمحاربة، فجادلوهم وعاملوهم بالمثل ﴿وَقُولُوا﴾ لمن سالمكم وأذعن للحق أو قبل المعاهدة السلمية معكم إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم ﴿آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي صدّقنا بما أنزله الله إلينا وهو القرآن، وما أنزله إليكم في أصوله الصحيحة من التوراة والإنجيل، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك، فهذا من المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي ﷺ فيما يأتي تخريجه: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وملائكته وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم، وإن قالوا حقا لم تكذبوهم».

стр. 6151

﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ خاضعون مطيعون له خاصة، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى. ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك الإنزال ﴿أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي القرآن، كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها، وكان القرآن وحيا مصدقا لسائر الكتب الإلهية ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ التوراة كعبد الله بن سلام وأمثاله ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ أهل مكة أو العرب أو الكتابيين الموجودين في عهد الرسول ﷺ ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مع ظهورها وقيام الحجة عليها، والجحد: إنكار الشيء بعد معرفته والعلم به ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ المتوغلون في الكفر، وهم المشركون وغير المسلمين الذين لا يؤمنون بالإسلام والقرآن والنبي محمد ﷺ ، بعد أن ظهر لهم أن القرآن حق، ومحمد ﷺ حق، ثم جحدوا ذلك. ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي إنك أمي لم تكن تعرف القراءة والكتابة قبل نزول القرآن، فإن هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الذي نزل على أمي لم يعرف القراءة والتعلم أمر خارق للعادة ﴿إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي لو كنت قارئا كاتبا لشك أهل الباطل كاليهود فيك. وإنما سماهم مبطلين لكفرهم وكونهم غير محقين فيما ذهبوا إليه من التنكر لرسالة الإسلام. ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن الذي جئت به ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي هو آيات واضحات الدلالة على الحق في قلوب أهل العلم وهم المؤمنون فيحفظونه من كل تحريف ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ أي وما ينكر آيات الله إلا الظالمي أنفسهم الذين جحدوا وجه الحق، بعد وضوح دلائل إعجاز تلك الآيات. المناسبة: بعد بيان الله تعالى طريقة إرشاد المشركين عبدة الأصنام أو غيرها، أبان الله تعالى طريقة إرشاد أهل الكتاب من اليهود والنصارى المنكري نبوة محمد ﷺ ، والقائلين ببقاء شريعتهم وأنها لم تنسخ بشريعة أخرى، مبتدئا بأمر الرسول ﷺ والمؤمنين به أن يعلنوا إيمانهم بالقرآن وبما تقدمه من التوراة والإنجيل، وبإطاعة الإله الواحد، ثم مبينا إيمان بعض أهل الكتاب وبعض المشركين من أهل مكة بالقرآن، ثم موضحا دليل الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ ، وهو كونه أميا لم يقرأ ولم يكتب، وكون القرآن مشتملا على علوم نافعة فريدة.

стр. 6152

التفسير والبيان: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي ولا تحاججوا، ولا تناقشوا اليهود والنصارى إلا بالطريقة الحسنة وبالأسلوب الهادئ اللطيف، إلا الذين ظلموا أنفسهم، وحادوا عن سبيل الحق، وعموا عن واضح الحجة، وعاندوا وكابروا، ولم ينفع معهم أسلوب المنطق والإقناع العقلي، فهؤلاء يعاملون بالمثل، ويرد على عدوانهم ومكابرتهم بطريقتهم نفسها، فيقاتلون ويردعون بالحرب، وهؤلاء-كما قال مجاهد وسعيد بن جبير-هم الذين نصبوا للمؤمنين الحرب، فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وهذا هو العلاج الحاسم كما قال الشاعر: ووضع الندى في موضع السيف للعلا... مضرّ كوضع السيف في موضع الندى أما القسم الأول من الآية، فقال قتادة وآخرون: هذه الآية منسوخة بآية السيف ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. واحتجوا بأن الآية مكية. والحق كما قال مجاهد وآخرون أن هذه الآية باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم-من أهل الكتاب-في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ويدعى إلى الله وحده لا شريك له، وينبه على حججه وآياته، رجاء إجابته إلى الإيمان، بغير إغلاظ ولا مخاشنة، كما قال تعالى: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.﴾. [النحل ١٢٥/ ١٦] وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه ٤٤/ ٢٠]. واختار هذا القول ابن جرير الطبري. وأما القسم الثاني من الآية فلا خوف في محاربته لعدوانه، فيقاتل بما يمنعه ويردعه، قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وَمَنافِعُ لِلنّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥/ ٥٧].

стр. 6153

أسلوب الجدال: ١ - ﴿وَقُولُوا: آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي إذا دعوتم أيها الرسول وأتباعه أهل الكتاب إلى الإيمان برسالة الإسلام، وأخبروكم عما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فلا تصدقوهم؛ لأنه قد يكون كذبا أو باطلا، ولا تكذبوهم لأنه قد يكون حقا أو صحيحا، وإنما قولوا لهم: آمنا بالقرآن الذي أنزل إلينا وإليكم وإلى البشر كافة، وآمنا بالتوراة والإنجيل اللذين أنزلا إليكم أي نؤمن بالمنزّل فعلا على موسى وعيسى ﵉، غير المبدّل ولا المؤول، ومعبودنا ومعبودكم الحق واحد لا شريك له، ونحن له خاضعون مطيعون أمره ونهيه. أخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون». وأخرج الإمام أحمد أن أبا نملة الأنصاري (١) أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ : الله أعلم، قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم». وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم يهدوكم وقد ضلّوا، إما أن تكذّبوا بحق، وإما أن تصدقوا بباطل».

стр. 6154

وأخرج البخاري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك، لنبلو عليه الكذب». ٢ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ، فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ أي كما أنزلنا الكتب على من قبلك من الرسل أيها الرسول، أنزلنا إليك هذا الكتاب (القرآن) فالذين آتيناهم الكتاب السابق من اليهود والنصارى، إذا أخذوا هذا القرآن، فتلوه حق تلاوته، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما آمنوا وصدقوا بنزوله من عند الله، وكذلك بعض كفار قريش وغيرهم يؤمنون به؛ لأنه-كما عرفوا من لغة البيان-ليس من كلام البشر، وإنما هو من كلام الله الموحى به إلى نبيه. وما يكذّب بآياتنا ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويطمس معالم الهداية والنور، ويعاند في كفره ويستكبر، فلا يؤمن بالله وحده، ولا يشكر نعمة الله عليه. وهذا تنفير عما هم عليه من الشرك والباطل. ٣ - ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي وما كنت أيها الرسول في تاريخك مع قومك تقرأ من قبل نزول القرآن من كتاب آخر، ولا تعرف الكتابة ولا تستطيع أن تخط شيئا من الكتاب؛ إذ لو كنت قارئا وكاتبا لشك المشركون الجهلة فيما نزل إليك، وقالوا: لعل ذلك مأخوذ من كتب سابقة، ولما لم يكن كاتبا ولا قارئا فلا وجه لارتيابهم. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا ﷺ لا يخطّ ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية. وقال النحاس: الدليل على نبوة محمد ﷺ لقريش أنه لا يقرأ

стр. 6155

ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ لتأكيد النفي، وكذلك قوله: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ تأكيد أيضا، وذكر اليمين خرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام ٣٨/ ٦]. والخلاصة: أن صفة النبي محمد ﷺ في الكتب المتقدمة وتاريخه المعروف بين قومه: أنه رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧/ ٧]. فلا وجه أصلا للشك في أن هذا القرآن نزل من عند الله، لا بإيحاء بشر ولا ملك ولا جانّ، وبالرغم من نصاعة هذه الحقيقة، ومع علم قريش بأن محمدا ﷺ أمي لا يحسن الكتابة، اتهموه بأخذه عن الكتب المتقدمة، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان ٥/ ٢٥]. وتأكيدا لما سبق أن القرآن منزل من عند الله، قال تعالى: ﴿بَلْ، هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ أي بل إن هذا القرآن آيات واضحة الدلالة على الحق، وذلك أمر مستقر في قلوب العلماء من أهل الكتاب وغيرهم، ولكن ما ينكر وما يكذب بآيات الله النيّرة ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].

стр. 6156

والخلاصة: أن هذا القرآن العظيم ليس من مخترعات البشر، بل هو آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرا ونهيا وخبرا، يفهمه العلماء ويحفظونه، وقد يسر الله عليهم حفظه وتلاوته وتفسيره، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤]. و روى البخاري في صحيحة أن النبي ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - فضيلة الجدال والنقاش بالأسلوب الحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، فذلك أدعى عند العقلاء إلى توفير القناعة، والوصول إلى الإيمان، وتحقيق الهدف المقصود. ٢ - إن المعاملة بالمثل واللجوء إلى القتال والعنف واستخدام القوة هو السبيل المتعين في الرد على أهل العصبية والعناد والإصرار على الكفر. ٣ - إن هذه الآية الآمرة بالجدال بالتي هي أحسن والدعوة إلى الله بالحجة والمنطق والبرهان آية محكمة، كما قرر أثبات العلماء والمفسرين مثل مجاهد التابعي وغيره، قال القرطبي: وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله لا يقال فيها: إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول (١). وهذا اختيار ابن جرير الطبري وابن العربي. قال ابن العربي: الآية ليست منسوخة، وإنما هي مخصوصة، لأن النبي ﷺ بعث باللسان يقاتل به في الله، ثم أمره الله بالسيف واللسان، فمن قاتل قتل، ومن سالم بقي الجدال في حقه،

стр. 6157

ولكن بما يحسن من الأدلة، ويجمل من الكلام، ولين الخطاب (١). ٤ - بعض أهل الكتاب معتدلون في آرائهم ومعتقداتهم، بعيدون عن الشرك وإثبات الولد والتثليث، وهؤلاء ينفع معهم الجدال والنقاش، فهم يؤمنون بالله وبكتابهم وباليوم الآخر، ولم يبق إلا الإيمان بمحمد ﷺ ، كالإيمان بموسى وعيسى ﵉. وبعض أهل الكتاب متعصبون حاقدون خلطوا بين التوحيد والتثليث، وحرفوا في الكتاب وغيروا، ونسبوا لله ولدا أو شريكا، ثم صيروه هو الإله، وهؤلاء يصعب معهم الجدال وقد لا ينفع معهم النقاش، ومع ذلك ندعوهم إلى الإيمان بالتي هي أحسن، لأنه لا إكراه في الدين، والإسلام يقر بحرية الرأي والتعبير والاعتقاد، بعد التبليغ والإنذار، والترغيب والترهيب. أما المشركون عبدة الأوثان ففي جزيرة العرب لا مجال لإقرارهم على وثنيتهم، وأما في غير جزيرة العرب، فكذلك ندعوهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة. ٥ - النبي محمد ﷺ قبل نزول القرآن كان أميا لا يقرأ ولا يكتب بشهادة الكتب السماوية المتقدمة، وبمعرفة قومه الذين عايشوه في مكة مدة أربعين عاما. وأمّية النبي ﷺ دليل قاطع واضح على أن القرآن كلام الله العزيز الحكيم. ثم ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي ﷺ حتى كتب، وقرأ. وقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي في صلح

стр. 6158

الحديبية كتب بيده: محمد بن عبد الله، ومحا كلمة رسول الله، حينما أصر المشركون على عدم كتابتها. قال القرطبي: الصحيح أنه ﷺ ما كتب ولا حرفا واحدا، وإنما أمر من يكتب، وكذلك ما قرأ ولا تهجى. وقال: «إنا أمة أمّية لا نكتب ولا نحسب» رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر. ٦ - آيات القرآن آيات بيّنات واضحات، وليس هذا القرآن كما يقول المبطلون: إنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وتلك الآيات يحفظها علماء الأمة ويقرءونها، وقد وصف الله المؤمنين بالعلم، لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين، قال كعب الأحبار في صفة هذه الأمة: إنهم حكماء علماء، وهم في الفقه أنبياء. ٧ - لا ينكر كون القرآن منزلا حقا من عند الله إلا القوم المبطلون الجاهلون وهم المشركون، وإلا الكفار الظالمون الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وما جاء به. ٨ - ليس القرآن من مخترعات أحد من الملائكة أو الإنس أو الجن، إذ لا يستطيع الكل على الإتيان بمثله أو بمثل عشر آيات أو بمثل سورة من أقصر سوره. وهذا الإعجاز المتحدي به دليل قاطع على كونه كلام الله الموحى به إلى قلب نبيه المصطفى ﷺ .

стр. 6159

بعض مطالب المشركين التعجيزية الإتيان بمعجزات حسية واستعجال بالعذاب ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ البلاغة: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ تحضيض. ﴿آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ طباق. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ لإفادة القصر عليهم لا غيرهم. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ﴾ إطناب بذكر العذاب مرات بقصد الإرهاب والتشنيع على المشركين. ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي بهم، بوضع الظاهر موضع المضمر.

стр. 6160

المفردات اللغوية: ﴿وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي قال كفار مكة: هلا أنزل على محمد ﴿آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى. ﴿قُلْ: إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ قل يا محمد لهم: إنما الآيات ينزلها الله كيف يشاء، ولست أملكها، فآتيكم بما تقترحونه. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي ليس من شأني إلا إنذار أهل المعصية بالنار بما أعطيت من الآيات. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ آية لما طلبوا أو اقترحوا. ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن. ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ تدوم تلاوته عليهم، فهو آية ثابتة مستمرة لا انقضاء لها، يتحداهم، بخلاف سائر الآيات. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة مبينة. ﴿لَرَحْمَةً﴾ لنعمة عظيمة. ﴿وَذِكْرى﴾ عظة وتذكرة. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن همهم الإيمان دون التعنت. ﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ يشهد بصدقي. ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ويعلم حالي وحالكم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ﴾ وهو ما يعبد من دون الله. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معلوم محدد لكل عذاب أو قوم. ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ عاجلا. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة، في الدنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عند نزول الموت بهم. ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت إتيانه. ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ في الدنيا. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ﴾ ظرف لكلمة (محيطة) و ﴿يَغْشاهُمُ﴾ يصيبهم. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي من جميع جوانبهم. ﴿وَيَقُولُ﴾ الله أو الملك الموكل بالعذاب. ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاءه، فلا تفوتونا. سبب النزول: نزول الآية (٥١): ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارمي في مسنده وأبو داود عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتب كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : «كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم»، فنزلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾.

стр. 6161

وأخرج البخاري عند تفسير الآية قوله ﷺ : «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» أي يستغني به عن غيره. وأخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن الحارث الأنصاري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي ﷺ بكتاب فيه مواضع من التوراة، فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله ﷺ تغيرا شديدا لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر: أما ترى وجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيّا، فسرّي عن رسول الله ﷺ وقال: «لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم». المناسبة: بعد بيان كون القرآن منزلا من عند الله، وليس من عند محمد ﷺ ، ذكر الله تعالى شبهة للمشركين وهي أنهم قالوا للنبي ﷺ : إنك تقول: إنه أنزل إليك كتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، أفلا تأتينا بآية أو معجزة مادية محسوسة كما أتى بذلك الأنبياء السابقون كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى؟ فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي ليس من شرط الرسالة الآية المعجزة، والله إن أراد ينزلها، وإن لم يرد لا ينزلها، وكفى بالقرآن آية فهو معجزة ظاهرة باقية، والله شهيد عليم يحكم بين عباده. وبعد بيان الطريقين في إرشاد الفريقين: المشركين وأهل الكتاب، أعلن الله تعالى الإنذار الشامل العام بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ ولما أنذروا بالخسران أوضح تعالى أن العذاب لا يأتيهم بسؤالهم أو استعجالهم، وإنما له أجل مسمى اقتضته حكمته وارتضته رحمته.

стр. 6162

التفسير والبيان: ﴿وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي وقال المشركون تعنتا وتعجيزا وعنادا: هلا أنزل على محمد آية حسية مادية، مثل الآيات التي أنزلت على الأنبياء المتقدمين، كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى، تكون دليلا على صدقه، ومعجزة تثبت أنه رسول من عند الله!! فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ: إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي قل يا محمد لهم: إنما أمر إنزال الآيات وإرسال المعجزات إلى الله تعالى، فلو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكنه سبحانه يعلم أنكم قصدتم بطلبكم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى مطلبكم، كما قال: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً، فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء ٥٩/ ١٧]. وإنما بعثت نذيرا لكم بيّن الإنذار من عذاب شديد إذا بقيتم على كفركم، لا الإتيان بما تقترحون، فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى، وليس علي هداكم، إنما الهدى على الله الذي قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ [الإسراء ٩٧/ ١٧] وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢/ ٢]. ثم أبان الله تعالى كثرة جهلهم وسخافة عقولهم، حيث طلبوا آيات تدل على صدق محمد ﷺ فيما جاءهم، مع إنزال القرآن عليه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أي أما يكفيهم دليلا على صدقك أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا

стр. 6163

من أهل الكتاب، وقد جئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، وأبنت الصواب فيما اختلفوا فيه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ [طه ١٣٣/ ٢٠]. أخرج الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أي قل يا محمد لهم: كفى الله عالما وحكما عدلا بيني وبينكم، فهو أعلم بما صدر منكم من التكذيب، وبما أقول لكم وأبلغكم به من أوامر وإنذارات وبما أرسلني به إليكم، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، كما قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤/ ٦٩ - ٤٧] وإنما أنا صادق فيما أخبرتكم به، ولهذا أيّدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات. ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية، يعلم جميع ما هو كائن ويكون في السموات والأرض، ومن جملة علمه: أنه يعلم حالي وحالكم، من صدقي وتكذيبكم وإنكاركم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي والذين صدقوا بما يعبد من دون الله من الأوثان والأصنام ونحوها، وجحدوا بوجود الله أو توحيده، مع توافر الأدلة على الإيمان به، أولئك هم الخاسرون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر بالإيمان، وسيجزيهم الله يوم القيامة على ما فعلوا، ويعاقبهم على ما صنعوا من تكذيب برسل الله، مع قيام الأدلة على صدقهم، وإنكار للحق، واتباع للباطل من الإيمان بالطواغيت والأوثان بلا دليل.

стр. 6164

وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان الباطل والكفر بالله، فهو خاسر، وكل من آمن بالباطل، فقد كفر بالله. ثم أخبر الله تعالى عن جهل المشركين وحماقتهم في استعجالهم إيقاع عذاب الله بهم، فقال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ، وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ، وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي ويتعجل كفار قريش نزول العذاب بهم، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. ولولا كون العذاب محددا بوقت معلوم، ولولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة، لجاءهم العذاب قريبا سريعا كما استعجلوه، وسوف يأتيهم بالتأكيد فجأة، وهم لا يحسون بمجيئه، بل يكونون في غفلة عنه. ثم أكد تعالى طلبهم نزول العذاب بقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ أي يطلبون منك حدوث العذاب، وهو واقع بهم لا محالة، وإن جهنم ستحيط بهم من كل جانب. ثم وصف تعالى كيفية إحاطة العذاب بقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَيَقُولُ: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يوم يعمهم العذاب من كل الجوانب، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من كفر ومعاصي، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف ٤١/ ٧] وقال سبحانه: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر ١٦/ ٣٩]

стр. 6165

وقال : ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء ٣٩/ ٢١] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر ٤٨/ ٥٤]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - طلب المشركون من النبي ﷺ معجزة مادية محسوسة، مثل عصا موسى وناقة صالح ومائدة عيسى، على سبيل العناد والمكابرة، لا على سبيل التوصل بحسن نية إلى الإيمان بالله وتوحيده. ٢ - كان الرد القرآني المفحم عليهم أنه: ألا يكفيهم هذا الكتاب المعجز الذي قد تحداهم الله بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، فعجزوا. ولو أتاهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وليس من شرط الرسالة وجود المعجزة، فقد علمنا وجود رسل كشيث وإدريس وشعيب، ولم تعلم لهم معجزة. ٣ - والقرآن رحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة، وفي الآخرة بصرفهم عن النار، وهو أيضا ذكرى في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق، ومعجزة باقية يتذكر بها كل إنسان على ممر الزمان. فيكون القرآن أتم من كل معجزة، لأنه باقي الأثر، والمعجزات المادية لم يبق لها أثر، ولأنه بلغ خبره المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، والمعجزات المادية محصورة في مكان واحد. ٤ - يقال للمكذبين: كفى بالله شهيدا يشهد للنبي ﷺ بالصدق في ادعائه أنه رسول، وأن هذا القرآن كتابه. وهذا إنذار وتهديد يفيد تقريرا وتأكيدا. ٥ - قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يخفى عليه شيء:
следующие страницы →