← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

منها بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ٤٠/ ٤]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - الدنيا دار ابتلاء واختبار وتكليف بالشاق من الأعمال، فلا يكفي مجرد إعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله، بل لا بدّ من الابتلاء بأنواع المصائب، وألوان الطاعات؛ لأن المقصد الأسمى من العبادة محبة الله، كما ورد في الخبر الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه» فإذا قال الإنسان: آمنت بالله بلسانه، فقد ادعى محبة الله في الجنان، فاحتاج إلى شهود تصدقه، وأداء الطاعات والقربات، واجتناب المحظورات شهود عيان للتصديق. ويكون الابتلاء سبيلا للرقي من أول الدرجات إلى أعلى الدرجات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة ١١/ ٥٨] وقال سبحانه: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء ٩٥/ ٤]. ٢ - الابتلاء سنة الله في خلقه، وعادته في عباده، فقد ابتلى الله الماضين كإبراهيم الخليل ألقي في النار، وكيحيى الحصور الذي قتل، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله، فلم يرجعوا عنه، كما تقدم بيانه، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون وقومه، كما ابتلوا بقارون، وأصابهم الجهد الشديد، وابتلي المؤمنون بعيسى بمن كذبه وأعرض عنه، وهمّ بقتله، وهم اليهود وحكام عصره. ٣ - الهدف من الابتلاء إظهار صدق الصادقين في إيمانهم وتبيّنه في واقع الأمر، وكشف كذب الكاذبين الذين يدّعون الإيمان بالله، وهم كافرون به.

стр. 6092

٤ - لن يفلت الكافرون والمجرمون والعصاة من العقاب، فإن ظنوا الإفلات، فبئس الحكم حكمهم. ٥ - لا بدّ من أن يجازي المحسن بإحسانه يوم القيامة. ٦ - هذه الحقائق الثلاث المتقدمة وهي اختبار المؤمن بالفتن، وعقاب العاصي على العمل، وجزاء المحسن الذي يطمع في لقاء ربه، حاصلة لا شك فيها، ولكن من جاهد في الدين، وصبر على قتال الكفار، وأعمال الطاعات، فإنما يسعى لنفسه، ويكون ثواب ذلك كله له، ولا يرجع إلى الله شيء من النفع، ومن أهمل جهاد نفسه، ولم يؤد طاعة ربه، ولم يتجنب الحرام، فإنما يسيء لنفسه: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١] ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء ٧/ ١٧]. والله غني عن أعمال عباده، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. ٧ - إن نوع جزاء العمل الصالح لا مثيل له في الدنيا عند أحد من الخلائق، فإن الله تعالى يغطي السيئات بالمغفرة، ويضاعف الحسنات وثواب الطاعات، ولا يهمل شيئا منها مهما قلّ، وإنما يقدره على أحسن وجه وأكمله، ويجازي الذين صدقوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات بأحسن أعمالهم. ٨ - الآيات في الجملة تعرّف بحقائق الدنيا، فهي قائمة على الابتلاء والاختبار، وتشحذ العزائم لزرع العمل الصالح في الدنيا، وتؤكد أن يوم الجزاء قريب الحصول، لإقامة العدل بين المحسن والمسيء، وتبين أن العمل الصالح خير للإنسان نفسه لا لغيره، والله غني عن العالمين. ٩ - دلت آية ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ على وجوب إكثار العبد من العمل الصالح وإتقانه له؛ لأن من علم أن الله يراه

стр. 6093

ويبصره يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن نفعه له، ومقدّر بقدر عمله، يكثر منه. ١٠ - الجزاء على العمل بحكم الوعد لا بالاستحقاق. وتدل الآية المتقدمة على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله؛ لأنه ليس هناك سلطان أعلى من الله يوجب شيئا عليه، والعبد أدنى منه، وتدل أيضا على أن الله تعالى ليس في مكان معين، وليس على العرش على الخصوص، لأن العرش من مخلوقات الله، والله غني عنهم. ١١ - في هذه الآية أيضا بشارة وإنذار، أما الإنذار فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين، فلو أهلك عباده فلا شيء عليه لغناه عنهم، وهذا يوجب الخوف العظيم، وأما البشارة فلأنه إذا كان غنيا، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عباده، لا شيء عليه؛ لاستغنائه عنه، وهذا يوجب الرجاء التام. ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يدل على أن الأعمال مغايرة للإيمان؛ لأن العطف يفيد التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه. والإيمان: التصديق بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره. والعمل الصالح: كل ما أمر الله به، فيصير صالحا بأمره، ولو نهى عنه لما كان صالحا، ولا بقاء للعمل الصالح إلا إذا كان لوجه الله الباقي حتى يبقى، وما لا يكون لوجهه لا يبقى، لا بنفسه لأنه عرض زائل، ولا بالعامل؛ لأنه ميت هالك، ولا بالمعمول له؛ لأن غير الله فان، فالعمل الصالح: هو الذي أتى به المكلف مخلصا لله. والنية: شرط في الصالحات من الأعمال، وهي قصد الإيقاع لله. والعمل الصالح: لا يرتفع إلا بالكلم الطيب وهو الإيمان، فالعمل من غير المؤمن لا يقبل.

стр. 6094

وقد ذكر الله في الآية نوعين من أعمال العبد: الإيمان والعمل الصالح، وذكر في مقابلتهما من أفعال الله أمرين: تكفير السيئات وهو في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن وهو في مقابلة العمل الصالح. وهذا كما قال الرازي يقتضي أمورا ثلاثة: الأول-المؤمن لا يخلد في النار؛ لأنه بإيمانه تكفر سيئاته، فلا يخلد في النار. الثاني-الجزاء الأحسن المذكور هنا غير الجنة؛ لأن المؤمن بإيمانه يدخل الجنة، ولا يبعد أن يكون الجزاء الأحسن هو رؤية الله . الثالث-الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا، فيستر الله عيوبه في الأخرى، والعمل الصالح يحسّن حالة صاحبه في الدنيا، فيجزى الجزاء الأحسن في العقبى، والإيمان لا يبطله العصيان، بل هو يغلب المعاصي ويسترها، ويحمل صاحبها على الندم (١). ١٣ - أجمل الله حال المسيء بقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ.﴾. إشارة إلى التعذيب، وحال المحسن بقوله: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ثم فصل حال المحسن بآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ.﴾. ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه، وفضله أعم من عدله.

стр. 6095

صلابة المكلفين ومظاهر فتنة المؤمنين وتهديد الكافرين والمنافقين ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ الإعراب: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ فيه حذف الجار والمجرور، أي ولنحمل خطاياكم عنكم. البلاغة: ﴿فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، فهو مجمل. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ﴾ استعارة، شبه الذنوب بالأثقال؛ لأنها تثقل الإنسان معنويا.

стр. 6096

المفردات اللغوية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾ أمرنا، وصى بمعنى أمر معنى وتصرفا. ﴿حُسْناً﴾ أي بأن يفعل معهم حسنا، أي فعلا ذا حسن بأن يبرهما، أو هو الحسن نفسه مبالغة، كأنه في ذاته حسن لفرط حسنه، وقرئ: حسنا وإحسانا. ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي ما ليس لك بإشراكه علم، أو ما ليس لك بألوهيته علم، أي معلوم، كأنه قال: لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها ولا يستقيم، عبر عن نفي الألوهية بنفي العلم بها إشعارا بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه. ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في الإشراك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ مرجع من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق الجزاء. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فأجازيكم به. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ في جملتهم، وهم الأنبياء والأولياء، بأن نحشرهم معهم. ﴿فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ أي بأن عذبهم الكفرة على الإيمان. ﴿فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أذاهم له في الصرف عن الإيمان. ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾ في صرف المؤمنين عن الكفر، فيطيعهم فينافق. ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ اللام لام القسم، ومجيء النصر بالفتح للمؤمنين والغنيمة. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حذفت منه نون الرفع: ليقولونن لتوالي النونات، وحذفت الواو: ضمير الجمع لالتقاء الساكنين. ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ في الدين والإيمان، فأشركونا في الغنيمة. ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ﴾ أي بعالم. ﴿بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ أي بما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق؟ بلى. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدقوا بقلوبهم. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، فيجازي الفريقين، واللام في الفعلين: لام قسم. ﴿اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ طريقنا الذي نسلكه في ديننا. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أي عنكم في اتباعنا، إن كانت لكم خطايا، والأمر بمعنى الخبر. ﴿مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأولى: للتبيين، والثانية: مزيدة، والتقدير: وما هم بحاملين شيئا من خطاياهم. ﴿أَثْقالَهُمْ﴾ أوزارهم أو ذنوبهم التي اقترفتها أنفسهم. ﴿وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ أي ذنوبا أخرى معها لما تسببوا له بالإضلال وحمل الآخرين على المعاصي، من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء. ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سؤال تقريع وتبكيت. ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الأباطيل التي أضلوا بها. سبب النزول: نزول الآية (٨): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾: روى مسلم وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص قال: قالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم

стр. 6097

طعاما، ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، فنزلت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾. وتوضيح ذلك في رواية الترمذي: أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقّاص وأمه حمنة بنت أبي سفيان لما أسلم، وكان من السابقين الأولين، وكان بارّا بأمّه، قالت له: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فتتعيّر بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه، ثم إنها مكثت يوما وليلة، لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه، لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية، آمرا بالبر بالوالدين والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك به. وقال ابن عباس في آية ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وقد فعلت أمه مثل ذلك. وعنه أيضا: نزلت في جميع الأمة؛ إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صدّيق. نزول الآية (١٠): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنّا بِاللهِ﴾: نزلت في المنافقين. قال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في أناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال ابن عباس: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون عن الدين فارتدّوا، والذين نزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾

стр. 6098

الآية (١) [النساء ٩٧/ ٤]. وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة؛ أسلم وهاجر، ثم أوذي وضرب فارتد، وكان عذبه أبو جهل والحارث، وكانا أخوين لأمه، ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. نزول الآية (١٢): ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: إن الآية نزلت في كفار قريش قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا، فإن كان عليكم إثم فعلينا. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى حسن التكاليف وثواب الآتي بها تحريضا للمكلف على الطاعة، ذكر أن الإتيان بها واجب ولو كان ذلك بمخالفة الوالدين اللذين يجب الإحسان إليهما والطاعة، فلا يكون ذلك مانعا من الإيمان ورفض الشرك ومقاومة معصية الله تعالى. ثم ذكر أن العامل بالصالحات يدخله الله في زمرة الأنبياء والأولياء. وبعد أن أبان الله تعالى حال صنفين من المكلفين: المؤمن حسن الاعتقاد والعمل، والكافر المجاهر بكفره وعناده في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ أردف ذلك ببيان حال الصنف الثالث وهم المنافقون بقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنّا بِاللهِ﴾. ثم ذكر الله تعالى محاولات الكفار في فتنة المؤمنين عن دينهم، ودعوتهم بالرفق واللين إلى الشرك، ومساومتهم واستعدادهم تحمل تبعات ذنوب المؤمنين إن كانت.

стр. 6099

التفسير والبيان: تشتمل الآيات على موضوعات ثلاثة: التمسك بالتوحيد ولو بمخالفة أمر الأبوين رغم الأمر بالإحسان إليهما، وأقسام المكلفين الثلاثة، وبعض مظاهر الفتنة عن الدين. الموضوع الأول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً، وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلا تُطِعْهُما، إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لقد أمرنا العباد بالإحسان إلى الوالدين ببرهما قولا وفعلا؛ لأنهما سبب وجوده، كما قال تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما، فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما، وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقُلْ: رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧ - ٢٤]. ونكّر كلمة ﴿حُسْناً﴾ ليدل على الكمال. ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، فإنه وإن حرصا على أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فلا تطعهما في ذلك، في دعوتهما إلى الاعتقاد فيما ليس معلوما لك؛ إذ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وإذا كان لا يصح اتباع ما ليس معلوما ثبوته، فلا يجوز اتباع ما علم بطلانه بالأولى، وهذا دليل على أن متابعتهم في الكفر لا تجوز. والسبب مرجعكم جميعا إلى يوم القيامة، المؤمن والكافر، والبار بوالديه والعاق لهما، فأجازيكم على أعمالكم، المحسن بإحسانه وصبره على دينه، والمسيء بإساءته، لذا قال محرضا على الصلاح والإيمان:

стр. 6100

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ أي وإن الذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا ما أمرهم به ربهم، فأصلحوا نفوسهم، وأدوا فرائضهم، لنحشرنهم في زمرة الصالحين: الأنبياء والأولياء، لا في زمرة الوالدين المشركين، وإن كانا أقرب الناس إليه في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب حبا دينيا. والسبب في إعادة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بيان حال الهادي هنا بعد بيان حال المهتدي قبل ذلك؛ بدليل أنه قال أولا: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ ثم قال ثانيا هنا: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ والصالحون هم الهداة؛ لأنه مرتبة الأنبياء، ولهذا قال كثير من الأنبياء: ﴿أَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ كما أنه تعالى ذكر أولا حال الضال بقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ ثم هدد المضل بقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ فصار البيان المتقدم لقسمين من المكلفين: المهتدي والضال، والبيان المتأخر لقسمين آخرين هما: الهادي والمضل (١). الموضوع الثاني: حال المنافقين ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنّا بِاللهِ، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ أي ويوجد فريق من الناس، هم قوم من المكذبين المنافقين الذين يقولون بألسنتهم: صدقنا بوجود الله ووحدانيته، ولكن لم يثبت الإيمان في قلوبهم، بدليل أنه إذا نزلت بهم محنة وفتنة في الدنيا، فآذاهم المشركون لأجل إيمانهم بالله، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله بهم، فارتدوا عن الإسلام، وكان ذلك صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف المؤمنين عن الكفر. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج ١١/ ٢٢].

стр. 6101

وهذا دليل على أن التخلي عن الإيمان سهل على المنافق؛ لأنه لم يخالط الإيمان شغاف قلبه، وإنما كان مجرد ترداد على اللسان، لمصالح دنيوية، فإذا تعرض لأدنى أنواع الأذى، ترك الله بنفسه. أما المؤمن الصادق الإيمان فلا يتزحزح عن إيمانه القلبي مهما تعرض لأنواع الأذى، فإن أكره على الردة أمكنه مجاراة المكره باللسان، مع اطمئنان قلبه بالإيمان، فلا يترك الله بحال. قال الزجاج: ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله. روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال». ثم تحدث الله تعالى عن انتهازية المنافقين ونفعيتهم فقال: ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ: إِنّا كُنّا مَعَكُمْ، أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ أي ولئن تحقق نصر قريب من ربك يا محمد بالفتح والغنيمة لقال هؤلاء المنافقون: إنا كنا معكم ردءا وإخوانا لكم في الدين، نناصركم على الأعداء، كما أخبر تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ، فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ، وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟﴾ [النساء ١٤١/ ٤]. ثم رد الله عليهم وكشف أمرهم متوعدا مبينا لهم أنه لا تخفى عليه أوضاعهم فقال: ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ أي أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم من الإيمان والنفاق، وإن أظهروا لكم الموافقة على الإيمان؟ بلى، إن الله عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، فيعلم المؤمن الحق والمنافق الكاذب. ثم ذكر الله تعالى أنهم معرّضون للاختبار فقال:

стр. 6102

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ أي وليختبرن الناس بالسراء والضراء، ليتميز المؤمنون من المنافقين، فيعرف من يطيع الله في كل حال، ومن يعصيه وقت الشدة، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧] وقال سبحانه بعد وقعة أحد التي كانت محك اختبار وامتحان: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران ١٧٩/ ٣]. ويلاحظ أنه تعالى حكم هنا على ما في القلب، فيعلم إيمان المؤمن وهو التصديق، ونفاق المنافق وهو صدقه في قوله باللسان: الله واحد، وأما فيما سبق فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليميز بين المؤمن القائل بأن الله واحد، وبين الكافر الكاذب في قوله: الله أكثر من واحد، فكان هناك قسمان: صادق وكاذب. وهنا قسم واحد وهو صادق. الموضوع الثالث: محاولات فتنة المسلمين عن دينهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا:﴾ ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أي وقال كفار قريش لمن آمن منهم واتبع الهدى بعد بيان أحوال الناس الثلاثة: المؤمن والكافر والمنافق: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا واتبعوا سبيلنا، وأما آثامكم إن كانت لكم آثام ووجد حساب فعلينا وفي رقابنا، كما يقول القائل الجاهل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي. وهذه محاولة فتنة وإغراء للمسلمين على ترك دينهم بالرفق واللين. وقوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ صيغة أمر من الشخص لنفسه، ولكن يراد بها الخبر، والمعنى شرط وجزاء، أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم، كما يقول الواحد: ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء، فليس هو في الحقيقة أمر طلب. فرد الله عليهم تكذيبا لهم:

стр. 6103

﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ؛ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي وإنهم لا يتحملون شيئا من ذنوبهم وأوزارهم، وإنهم لكاذبون فيما قالوه: إنهم يحملون عنهم الخطايا، فهم لا يحملون شيئا؛ لأنه لا يحمل أحد وزر أحد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر ١٨/ ٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً، يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج ١٠/ ٧٠ - ١١] وقال جل وعز: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]. ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة هذا القول، فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ، وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي إن دعاة الكفر والضلال هؤلاء ليحملن يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزار غيرهم الذين أضلوهم من الناس، من غير أن ينقص من أوزار أتباعهم شيئا، كما قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥/ ١٦] وكما جاء في الحديث الصحيح: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه من غير أن ينقص من آثامهم شيئا» (١) وفي الصحيح أيضا: «ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل» وثبت أيضا: «من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء». (٢). وسوف يسألون يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يكذبون

стр. 6104

ويختلفون من البهتان في الدنيا، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم، فطرح عليه». فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - بالرغم من وجوب أو افتراض بر الأبوين اللذين كانا سببا في وجود الإنسان وتربيته والإنفاق عليه، فإنه لا يجوز إطاعتهما فيما يدعوان الولد إلى الشرك والعصيان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا تجوز متابعتهم في الكفر. لذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ..﴾. وعيدا في طاعة الوالدين في معنى الكفر، وأنه تعالى سيجازي كل إنسان بما عمل، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. ٢ - كرر الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ لتحريك النفوس إلى نيل مراتب الصالحين: وهم الذين بلغوا نهاية الصلاح وأبعد غاياته، من الأنبياء والأولياء، وإذا وصل المؤمن إلى تلك المرتبة حظي بالثمرة المرجوة وهي الجنة. ٣ - ينكشف أمر النفاق وشأن المنافقين وقت المحنة، فإذا قال المنافق: آمنت بالله، ولم يؤمن قلبه، ثم تعرض لأذى أو مصاب، ارتد على عقبيه، وترك الإسلام إلى الكفر، جاعلا أذى الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة، وما أفسد هذا القياس؟! وتراه يجزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله، ولا يصبر على الأذية في الله تعالى.

стр. 6105

وإذا تحقق نصر للمؤمنين بالفتح والغنائم طالب هؤلاء المرتدون بنصيب منها قائلين: ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيها المؤمنون، وهم كاذبون. فرد الله عليهم: الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم، فلا يخفى عليه نفاقهم، والله يعلم المؤمن من المنافق، ويجازي كلاّ بما يستحق. ٤ - حاول الكفار فتنة المسلمين عن دينهم بالرفق واللين والإغراء، ليبينوا أنهم بكثرتهم على الحق، والمسلمون على باطل، وأظهروا استعدادهم لتحمل أوزار المسلمين يوم القيامة، وهم في الحقيقة والواقع كاذبون فيما يقولون، فإنهم لا يتحملون شيئا من أوزار غيرهم. وإنما على العكس يتحملون الإثم مضاعفا: إثم أنفسهم وإثم إضلالهم غيرهم، فهم دعاة كفر وضلالة، ويسألون يوم القيامة عن افترائهم بأن لا خطيئة في الكفر، وأن لا حشر، وأنهم يتحملون خطايا غيرهم، ويقال لهم حينئذ: لم افتريتم ذلك؟! قصة نوح ﵇ مع قومه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥)﴾ الإعراب: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: منصوب على الظرف، و ﴿خَمْسِينَ عاماً﴾: منصوب على الاستثناء.

стр. 6106

البلاغة: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ تفنن في التعبير، فلم يقل: إلا خمسين سنة، تحاشيا للتكرار المنافي للبلاغة، إلا إذا كان لغرض كالتفخيم أو التهويل، مثل: ﴿الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ﴾ [القارعة ١/ ١٠١ - ٢]. المفردات اللغوية: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ أي مكث في قومه يدعوهم إلى توحيد الله تسع مائة وخمسين سنة، فكذبوه. روي أنه بعث على رأس أربعين، ودعا قومه تسع مائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. قال البيضاوي: ولعل اختيار هذه العبارة للدلالة على كمال العدد، فإن تسع مائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ طوفان الماء، والطوفان في الأصل: اسم لما طاف بكثرة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها. ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ بالكفر. ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أي نوحا. ﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أي الذين أركبهم معه من أولاده وأتباعه المؤمنين، وكانوا ثمانين، أو ثمانية وسبعين، نصفهم ذكور ونصفهم إناث. ﴿آيَةً﴾ عبرة. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسله، يتعظون ويستدلون بها. المناسبة: بعد بيان التكليف وأقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، ووعيد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم، ذكر الله تعالى قصة أطول الأنبياء عمرا نوح ﵇ الذي دعا قومه إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يؤمن معه إلا قليل. ثم أتبع ذلك بذكر قصص أنبياء آخرين: إبراهيم، ولوط وهود وشعيب وصالح، لبيان عاقبة الله في المكذبين من المكلفين، وتسلية لرسول الله ﷺ وتثبيته على ما يكابده من أذى الكفرة، وعبرة لمن يعتبر، وتأكيدا لما في بداية السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة.

стр. 6107

التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ أي تالله لقد أرسلنا نوحا ﵇، وهو أول نبي أرسل، إلى قومه الذين كانوا كفارا، لا يؤمنون بالله، وإنما يعبدون الأصنام، فاستمر مقيما معهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، والإيمان بيوم القيامة، فلم يؤمنوا بدعوته، وكذبوه، وما آمن معه منهم إلا قليل: ﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ [نوح ٥/ ٧١ - ٦] ﴿قالَ نُوحٌ: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ [نوح ٢١/ ٧١]. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ، وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ أي بعد هذه المدة الطويلة، لم يفدهم البلاغ والإنذار، فأغرقهم الله بالطوفان، وهم ظالمون أنفسهم بالكفر، فأنت يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم، فإن الأمر بيد الله تعالى، وإليه ترجع الأمور. فإن نوحا لبث ألف سنة تقريبا في دعوة قومه إلى الإيمان بالله، ولم يؤمن من قومه إلا قليل، وصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر. وكان الكفار يغترون بتأخير العذاب عنهم أكثر، ومع ذلك ما نجوا، فلا يغتروا فإن العذاب يلحقهم. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أي فأنجينا نوحا والذين آمنوا معه بركوب السفينة التي أوحى الله إليه كيفية صنعها، ثم سارت في البحر، حتى استقرت على جبل الجودي، وغرق الكفار جميعا بطوفان الماء، وجعل ربك سفينة نوح تذكرة لنعمة الله على خلقه كيف أنجاهم من الطوفان، وعبرة وعظة يتأمل بها من يأتي بعدهم من الناس، كيف يعاقب الله من عصوا رسله وكذبوا بأنبيائه، كما قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ،

стр. 6108

لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً، وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة ١١/ ٦٩ - ١٢]. والضمير في قوله: ﴿جَعَلْناها﴾ عائد إلى السفينة المذكورة. فقه الحياة أو الأحكام: هذا عرض موجز جدا لقصة نوح مع قومه، فصلت في مواضع أخرى كثيرة من القرآن الكريم. وقد دلت مع هذا الإيجاز على العظة المؤثرة منها، فإنها ذكرت تسلية للنبي ﷺ لما أسف على إعراض قومه عن دعوته، فأخبره الله تعالى بأن الأنبياء قبلك ابتلوا بالكفار من أقوامهم فصبروا، وخص نوحا بالذكر أولا؛ لأنه أول رسول أرسل إلى الأرض، بعد أن امتلأت كفرا، وأنه لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح ﵇، كما تقدم في سورة هود. روى ابن عساكر عن أنس أن النبي ﷺ قال: «أول نبي أرسل نوح». واختلف في عمره، قال الحسن البصري: لما أتى ملك الموت نوحا ليقبض روحه قال: يا نوح كم عشت في الدنيا؟ قال: ثلاث مائة قبل أن أبعث، وألف سنة إلا خمسين عاما في قومي، وثلاث مائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان، قال ملك الموت: فكيف وجدت الدنيا؟ قال نوح: مثل دار لها بابان، دخلت من هذا، وخرجت من هذا. وبالرغم من هذه المدة الطويلة في الدعوة إلى توحيد الله، لم يؤمن برسالة نوح ﵇ إلا فئة قليلة. وظهر في القصة بنحو ملحوظ مصير المؤمنين ومصير الكافرين، أما الأوائل فقد نجاهم الله في السفينة التي كان نوح قد صنعها، فركبوا فيها ونجوا من الغرق، وأما الكافرون المكذبون فقد أغرقهم الله جميعا، وجعل الله السفينة أو العقوبة أو النجاة عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ.

стр. 6109

قصة إبراهيم ﵇ مع قومه - ١ - الأدلة على الأصول الثلاثة: الوحدانية والرسالة والبعث ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ الإعراب: ﴿وَإِبْراهِيمَ﴾ منصوب عطفا على نوح في آية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ﴾ أي وأرسلنا إبراهيم، أو عطفا على هاء ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أو منصوب بتقدير فعل، تقديره: واذكر إبراهيم. والعامل في ﴿إِذْ قالَ﴾ هو العامل في ﴿إِبْراهِيمَ﴾ فهو على الأول ظرف لأرسلنا.

стр. 6110

﴿إِفْكاً﴾ إما مصدر نحو كذب ولعب وإما صفة لفعل أي خلقا ذا إفك وباطل. ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ يحتمل كونه مصدرا بمعنى لا يستطيعون أن يرزقوكم، وأن يراد المرزوق، وتنكيره للتعميم. البلاغة: ﴿يُبْدِئُ﴾ و ﴿يُعِيدُهُ﴾ ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يَرْحَمُ﴾ بين كلّ طباق. ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أسلوب الإطناب للتشنيع عليهم في عبادة الأوثان. ﴿يَسِيرٌ﴾ و ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بينهما جناس ناقص غير تام. ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ التصريح باسم الله هنا بعد إضماره في قوله ﴿بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ للدلالة على أن المقصود بيان الإعادة، وأن من عرف بالقدرة على الإبداء يحكم له بالقدرة على الإعادة، لأنها أهون. المفردات اللغوية: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ خافوا عقابه. ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما أنتم عليه من عبادة الأصنام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير من غيره وتميزون ما هو شر مما هو خير. ﴿أَوْثاناً﴾ جمع وثن: وهو ما اتخذ من جص أو حجر، والصنم: ما كان من معدن كنحاس وغيره، والتمثال: ما هو مثال لكائن حي. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ تقولون كذبا في تسميتها آلهة، وادعاء شفاعتها عند الله، وأنها شركاء لله، وهو دليل على شرّ ما هم عليه من حيث إنه زور وباطل لا حقيقة له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ لا يقدرون أن يرزقوكم، وهو دليل ثان على شر ما هم عليه، من حيث إن تلك الأوثان لا تجدي شيئا. ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ اطلبوه منه، فإنه المالك له. ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، شاكرين له نعمه. ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي مستعدين للقائه بالعبادة والشكر، فإنكم راجعون إليه. ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ أي تكذبوني. ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي من قبلي من الرسل، فلم يضرهم تكذيبهم، وإنما ضرّ أنفسهم، حيث تسبب لما حلّ بهم من العذاب، فكذا تكذيبكم. ﴿إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ إلا البلاغ البيّن الذي زال معه الشك. وهذه الآية: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ وما بعدها إلى قوله: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ من جملة قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون المذكور اعتراضا، بذكر شأن النبي ﷺ وقريش وهدم مذهبهم

стр. 6111

والوعيد على سوء صنيعهم، وهو توسط بين طرفي قصة، من حيث إن مساقها لتسلية الرسول ﷺ والترويح عنه بأن أباه خليل الله مني بنحو ما مني به من شرك القوم وتكذيبهم، وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه. ﴿يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ﴾ أي يخلقهم ابتداء من مادة وغيرها. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعيد الخلق بعد الموت كما بدأهم. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ المذكور من الخلق والإعادة. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء، فكيف ينكرون الثاني؟ ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ لمن كان قبلكم وأماتهم، على اختلاف الأجناس والأحوال. ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ هي إعادة الخلق مرة أخرى، بعد النشأة الأولى التي هي الإبداء، فإنه والإعادة نشأتان، من حيث إن كلاّ منهما اختراع وإخراج من العدم، فالنشأة: الخلق والإيجاد. ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومنه البدء والإعادة؛ لأن قدرته لذاته وكل الممكنات بالنسبة إلى ذاته سواء، فيقدر على النشأة الأخرى، كما قدر على النشأة الأولى. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ تعذيبه. ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ رحمته. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي تردّون بعد موتكم. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ ربكم عن إدراككم، أي جاعلين الله عاجزا. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ أي لا تفوتونه أينما كنتم، سواء بالتواري في الأرض أو التحصن في السماء. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ قريب، أو متولي الأمر يمنعكم منه. ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ معين، ينصركم من عذابه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ بدلائل وحدانيته أو بكتبه. ﴿وَلِقائِهِ﴾ بالبعث. ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي ييأسون منها يوم القيامة، فعبر عنه بالماضي لتحقق الوقوع والمبالغة فيه. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم بكفرهم. المناسبة: بعد الانتهاء من بيان قصة نوح أبي البشر الثاني ﵇، أورد الله تعالى قصة إبراهيم ﵇ أبي الأنبياء وإمام الحنفاء، بقصد عرض نماذج من سيرة الأنبياء للنبي ﷺ ليتأسى بهم، ويسلو عما أهمه من إعراض قومه عن دعوته، كما بيّنت.

стр. 6112

التفسير والبيان: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: اُعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك حين دعا إبراهيم ﵇ قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في السر والعلن، واتقاء عذابه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فإذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر فيهما، إن كنتم ذوي إدراك وعلم، تميزون به بين الخير والشر، وتفعلون ما ينفعكم. فقوله: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ﴾ معناه: أخلصوا له العبادة والخوف. ثم أقام إبراهيم لقومه دليلين على التوحيد وعلى فساد ما هم عليه، وشر ما يسيرون عليه، فقال: الدليل الأول: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ أي إن الأصنام التي تعبدونها من غير الله، ما هي إلا أشياء مصنوعة من جص أو حجر، صنعتموها بأيديكم، فلا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء، فسميتموها آلهة، وادعيتم أنها تشفع لكم عند ربكم، وإنما هي مخلوقة أمثالكم، فأنتم تكذبون حين تصفونها بأنها آلهة. فقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ معناه: تختلقون الإفك أي الكذب والباطل، بتسمية الأوثان آلهة، وشركاء لله، أو شفعاء إليه. الدليل الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ أي إن تلك الأوثان التي تعبدونها من غير الله، لا تقدر أن تجلب لكم رزقا أبدا قليلا أو كثيرا، فكيف تعبدونها؟!

стр. 6113

﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ، وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي فاطلبوا الرزق من عند الله، لا من عند غيره من الأوثان ونحوها، فإن غيره لا يملك شيئا، تدركوا ما تطلبون، فكلوا من رزق الله، واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم من مزيد الفضل، واستعدوا للقائه، فإليه ترجعون يوم القيامة، وتسألون عما أنتم عليه من عبادة غيره، ويجازي كل عامل بعمله. ثم أقام إبراهيم دليلا على الرسالة، فقال: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي وإن تكذبوني في رسالتي، فلا تضروني أبدا، فإن الأمم السابقة كذبوا رسلهم، ولكن بلغكم ما حلّ بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، فأضروا أنفسهم بذلك، وما المطلوب الواجب على الرسول إلا أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء، وعلى الله الحساب. فقوله: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ معناه: لا واجب عليه إلا التبليغ، وهو ذكر المسائل والأوامر المنزلة من عند الله، والإبانة: وهي إقامة البرهان على ما جاء به. وبعد بيان الأصل الأول والاستدلال عليه وهو التوحيد، والإشارة إلى الأصل الثاني وهو الرسالة، شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر أو البعث والنشور، وهذه الأصول الثلاثة متلازمة لا يكاد ينفصل ذكر بعضها عن بعض في البيان الإلهي، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي أولم يشاهدوا كيفية بدء الخلق؟ فإن الله خلق أنفسهم بعد أن لم يكونوا شيئا

стр. 6114

مذكورا، وزودهم بالقدرة الجسدية وبطاقات المعرفة من السمع والبصر والفؤاد، فإن الذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه، يسير لديه، بل هو أهون عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠]. وبعد إثبات المعاد بالدليل المشاهد في الأنفس، لفت الله تعالى النظر إلى آياته في الآفاق، فقال: ﴿قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قل يا محمد: سيروا أيها المنكرون للبعث في الأرض، فانظروا كيف بدأ الله خلق السموات وما فيها من الكواكب النيّرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من جبال ومهاد ووديان وبراري وقفار، وأشجار وأثمار، وأنهار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار. وذلك كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت ٥٣/ ٤١] وقوله سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ؟ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٥/ ٥٢ - ٣٦]. هذا هو المتفرد بالخلق، وذلك دليل على وجوده، ومن قدر على الخلق قدر على الإعادة وإنشاء النشأة الآخرة يوم القيامة، فإن الله قدير على كل شيء، ومنه البدء والإعادة. وقد عبر أولا بلفظ المستقبل ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ﴾ للدلالة على القدرة المستمرة، ثم عبّر بلفظ الماضي ﴿كَيْفَ بَدَأَ﴾ للعلم بما بدأ. ويلاحظ أنه تعالى قال أولا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ﴾ بصيغة الاستفهام، ثم قال: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بصيغة الأمر؛ لأن الآية الأولى إشارة إلى العلم الحدسي: وهو الحاصل من غير طلب، والآية الثانية إشارة إلى

стр. 6115

العلم الفكري الحاصل بالتفكير والطلب، أي سيّروا فكركم في الأرض، وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم، لتعلموا بدء الخلق. ثم ذكر الله تعالى ما يكون بعد الإعادة فقال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ، وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي إن الله هو الحاكم المتصرف يعذب من يشاء منكم من الكفار والعصاة، ويرحم من يشاء من عباده فضلا منه ورحمة، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، فله الخلق والأمر، وإليه تردون يوم القيامة بعد الموت مهما طال الأمد، فيحاسب الخلائق على ما قدموا، وحسابه حق وعدل؛ لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السّنن: «إن الله لو عذّب أهل سماواته، وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم». وتقديم التعذيب في البيان على الرحمة، مع أن الرحمة سابقة كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: «سبقت رحمتي غضبي» لأنه ذكر الكفار أولا، ولمناسبته التهديد السابق بقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا.﴾ .. وإعادة ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ بعد قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للدلالة على أن التعذيب والرحمة وإن تأخرا، فلا بدّ من حصولهما، فإن إليه الإياب وعليه الحساب، وعنده يدخر الثواب والعقاب. ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي وما أنتم أيها البشر بجاعلين الله عاجزا عن إدراككم في أرضه وسمائه، فلا يعجزه أحد من أهل السموات والأرض، ولا يقدر على الهرب من قضائه، بل هو القاهر فوق عباده، وليس لكم من غير الله ولي يلي أموركم ويحفظكم ويرعاكم، ولا معين ناصر ينصركم ويمنعكم من عذابه إن عذبكم. وبعد الإفاضة في بيان هذه الأدلة على المعاد، والقدرة الإلهية الفائقة التصور، والتوحيد، هدد كل مخالف وتوعد كل كافر، فقال:

стр. 6116

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ، أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي والذين جحدوا بآيات الله أي بدلائل وحدانيته وما أنزله على رسله من البراهين المرشدة إلى ذلك، وكفروا بالمعاد ولقاء الله في الآخرة، أولئك لا نصيب لهم من رحمة الله، بسبب كفرهم، ولهم عذاب مؤلم موجع شديد في الدنيا والآخرة، كما قال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢]. وتكرار ﴿أُولئِكَ﴾ في الآية للدلالة على أن كل واحد من اليأس والعذاب لا يوجد إلا في الكفار، وقد أضاف اليأس إليهم بقوله: ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا﴾ فلو طمعوا بالرحمة لأنزلها عليهم، ثم إنه تعالى أضاف الرحمة لنفسه ﴿رَحْمَتِي﴾ لبيان عمومها لهم ولزومها له، ولم يضف العذاب لنفسه لتخصيصه بالكفار. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - كانت دعوة إبراهيم كدعوة جميع الأنبياء ﵈ إلى عبادة الله (أي إفراده بالعبادة) وتوحيده واتقاء عذابه بفعل أوامره وترك معاصيه. وقوله تعالى: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ﴾ إشارة إلى التوحيد؛ لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره، فقوله: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ إثبات الإله، وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ نفي الغير. ٢ - إن الوثنيين يعبدون أصناما من صنع أيديهم ويختلقون الكذب بجعل تلك الأصنام شركاء لله شفعاء عنده، مع أنها لا تملك ضرّا ولا نفعا، ولا تقدر على جلب الرزق لأحد، إنما الرازق الذي يطلب منه الرزق هو الله وحده، فيجب على العباد أن يسألوه وحده دون غيره؛ لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور: إما لكونه مستحقا للعبادة بذاته، وإما لكونه نافعا في الحال أو في المستقبل، وإما

стр. 6117

لكونه خائفا منه، فقوله: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً﴾ إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها، وقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المآل، وقوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ معناه اعبدوه لكونه مرجعا يتوقع الخير منه. وقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ تهديد. ٣ - الله تعالى هو بادئ الخلق، خلق الإنسان والحيوان والنبات والثمار، فتحيى ثم تفنى، ثم يعيدها، ويهلك الإنسان، ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى يوم القيامة؛ لأن القادر على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة، وذلك هيّن يسير على الله، لأنه إذا أراد أمرا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبإيراد آية ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ﴾ تكون الآيات دالة على الأصول الثلاثة: التوحيد، والرسالة بقوله: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ والحشر. ٤ - إن آفاق الكون سمائه وأرضه خلقها الله تعالى، وهو الذي يعيد الخلق مرة أخرى؛ لأنه القادر على كل شيء، وهذا يفيد كون الإعادة أمرا مقدورا، وذلك كاف في إمكان الإعادة، وهو تقرير لكون الأمر يسيرا على الله تعالى. ٥ - الله سبحانه هو الحاكم المتصرف يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقّب لحكمه، يعذّب من يشاء تعذيبه بعدله وحكمته وهو تعذيب أهل التكذيب، ويرحم من يشاء رحمته بفضله، وهو رحمة المؤمنين، والجميع عائدون إليه، محاسبون أمامه، ولا يعجزه أحد في السماء والأرض. وهذا كله لتخويف العاصي وتفريح المؤمن. ٦ - ليس لأحد سوى الله من ولي يتولى أمره حفظا وعناية ورعاية، ولا من ناصر معين يعينه على التخلص من الشدائد. ٧ - إن الذين كفروا بالقرآن، أو بما أقامه الله من أدلة وأعلام على وجوده وتوحيده وقدرته لا نصيب لهم في الآخرة من رحمة الله تعالى، فهم أيسوا من

стр. 6118

الرحمة، وقد ذكّر الكفار بالله هنا بعد بيان أصلي التوحيد والإعادة وتهديد من خالف. ٨ - دلّ قوله: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ لأن الرسول إذا بلّغ شيئا ولم يبيّنه، فإنه لم يأت بالبلاغ المبين، فلا يكون آتيا بما عليه. - ٢ - جواب قوم إبراهيم له وإيمان لوط به وتعداد النعم عليه ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة، و ﴿أَوْثاناً﴾ مفعول ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾ واقتصر على مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ﴾. و ﴿مَوَدَّةَ﴾ مفعول لأجله، أي إنما اتخذتم الأوثان للمودة فيما بينكم. ويجوز أن تكون (ما) في ﴿إِنَّمَا﴾ اسما موصولا بمعنى

стр. 6119

الذي، في موضع نصب لأنها اسم (إن) وصلته ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾ والعائد محذوف تقديره: اتخذتموهم، وهو المفعول الأول ل ﴿اِتَّخَذْتُمْ﴾ والمفعول الثاني ﴿أَوْثاناً﴾ و ﴿مَوَدَّةَ﴾ مرفوع خبر (إن). ومن نون ﴿مَوَدَّةَ﴾ نصب ﴿بَيْنِكُمْ﴾ على الظرف، والعامل فيه ﴿مَوَدَّةَ﴾. و ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ظرف للمودة أيضا. وجاز أن يتعلق بها ظرفان لاختلافهما؛ لأن أحدهما ظرف مكان والآخر ظرف زمان. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف مقدر، أي: وإنه صالح في الآخرة لمن الصالحين، أو متعلق ب ﴿الصّالِحِينَ﴾ على رأي بعضهم، فإنه نزلها منزلة الألف واللام التي للتعريف، لا بمعنى التي للذين. البلاغة: ﴿أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ على طريقة أسلوب الإيجاز، أي حرقوه في النار، وكذا ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ.﴾. أي ففعلوا فأنجاه الله من النار. المفردات اللغوية: ﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ قوم إبراهيم له. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ كان ذلك قول بعضهم، لكن لما قيل فيهم أو رضي به الباقون، أسند إلى كلهم. ﴿حَرِّقُوهُ﴾ أحرقوه. ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ أي فقذفوه في النار، فأنجاه الله منها، بأن جعلها عليه بردا وسلاما. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في إنجائه منها. ﴿لَآياتٍ﴾ هي حفظه من أذى النار، وإخمادها مع عظمها في زمان يسير، وإنشاء روض مكانها. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون بتوحيد الله وقدرته؛ لأنهم المنتفعون بها. ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ أي لتتواددوا بينكم وتتواصلوا في اللقاء على عبادتها. ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يتبرأ القادة من الأتباع. ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي يلعن الأتباع القادة. ﴿وَمَأْواكُمُ﴾ مصيركم جميعا. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ يخلصونكم منها. ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ صدق بإبراهيم ﴿لُوطٌ﴾ هو ابن أخي إبراهيم واسمه هاران، أو ابن أخته وأول من آمن به. ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم. ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ أي مهاجر من قومي إلى حيث أمرني ربي بالهجرة، فهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام فنزل فلسطين، ونزل لوط سدوم. ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه الذي يمنعني من أعدائي. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي. ﴿إِسْحاقَ﴾ هو الابن الثاني لإبراهيم بعد إسماعيل. ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ابن إسحاق وحفيد إبراهيم فكان نافلة بعد أن أيس من الولادة من عجوز عقيم (عاقر). ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ أي فكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته. ﴿وَالْكِتابَ﴾ يريد به الجنس، ليتناول الكتب الأربعة، وهي: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.

стр. 6120

﴿أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ الرزق الواسع، والمنزل المريح، والزوجة الصالحة، والثناء الجميل بين أهل الأديان جميعا. ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي في زمرة الكاملين في الصلاح. والصالح لغة: الباقي على ما ينبغي، يقال: طعام صالح، أي باق على حال حسنة. التفسير والبيان: بعد أن أقام إبراهيم ﵇ لقومه الأدلة والبراهين على توحيد الله والرسالة والبعث أو الحشر، وأمرهم بعبادة الله تعالى، وندد بعبادة الأوثان، لم يجدوا جوابا له على كفرهم وعنادهم ومكابرتهم إلا اللجوء إلى استعمال القوة، كما هو شأن المحجوج المغلوب على أمره المعتمد على جاهه وقوة ملكه، وهذا ما حكاه تعالى عنهم قائلا: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا: اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لم يجد قوم إبراهيم جوابا له على مطالبتهم بعبادة الله واتقاء عذابه إلا أن قال كبراؤهم ورؤساؤهم: اقتلوه، أو أحرقوه بالنار تحريقا شديدا، فأضرموا النار وألقوه فيها، فأنجاه الله وسلمه منها، وجعلها بردا وسلاما عليه، لحفظه له وعصمته إياه. إن في ذلك الإنجاء لإبراهيم من النار لدلالات على وجود الله وقدرته لقوم يصدقون بالله إذا ظهرت لهم الأدلة والحجج. إنه مثل السوء ومدعاة العجب، يدعوهم إبراهيم ﵇ إلى الخير، ويرشدهم إلى الحق والهدى، فيلقى في النار للتخلص منه، ولكن الله أكبر وأقدر من كيد البشر وقوتهم، فإنه جعل النار المحرقة غير مؤثرة فيه، وإنما صيّرها بردا وسلاما عليه. وقد وصف الله في آيات أخرى هذا التقابل بين الفعلين، فقال: ﴿قالُوا:﴾ ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ، فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً، فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾

стр. 6121

[الصافات ٩٧/ ٣٧ - ٩٨]، وقال سبحانه: ﴿قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ. قُلْنا: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ، وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء ٦٨/ ٢١ - ٧٠]. ثم ذكر الله تعالى جواب إبراهيم لقومه بعد النجاة من النار: ﴿وَقالَ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي قال إبراهيم لقومه مقرعا لهم، وموبخا على سوء صنيعهم بعبادة الأوثان: إنما اتخذتم هذه الأوثان لتجتمعوا على عبادتها، ولتتواددوا بينكم، وتقووا الصداقة والألفة بين بعضكم بعضا في حياتكم الدنيا، كاتفاق أهل المذاهب والأهواء على رابطة بينهم تكون سبب تجمعهم وتآلفهم، ولكن تلك الأوثان لا تعقل ولا تنفع ولا تضر، وإنما يكون اتخاذكم هذا لتحصيل المودة لكم في الدنيا فقط. وستكون حالهم من التنافر والتباعد في الآخرة نقيض ذلك، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمَأْواكُمُ النّارُ، وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي ثم تنعكس هذه الحال يوم القيامة، فتنقلب هذه الصداقة والمودة بغضا وحقدا وعداوة، فيتبرأ القادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف ٣٨/ ٧]، وقال سبحانه: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٦٧/ ٤٣] ثم يكون مصيركم إلى النار، ولن تجدوا حينئذ ناصرا ينصركم، ولا منقذا ينقذكم من عذاب الله تعالى. هذا حال الكافرين، أما المؤمنون فبخلاف ذلك، يتصافون ويصفحون، ويعفو بعضهم عن بعض، كما ورد في بعض الأحاديث. ثم ذكر تعالى أنه لم يؤمن بإبراهيم ولم يصدق بما رأى إلا لوط فقال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ، وَقالَ: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي فلما نجا إبراهيم

стр. 6122

سليما من النار آمن به لوط، وصدق بنبوته، ولوط: هو ابن أخي إبراهيم، وهو لوط بن هاران بن آزر، ولم يؤمن به من قومه سواه وسارّة امرأة إبراهيم الخليل. وقال إبراهيم: إني مهاجر من دياركم، متجه إلى حيث أمرني ربي بالهجرة، وقد هاجر من سواد العراق إلى حرّان، ثم إلى فلسطين ونزل لوط بلدة سدوم. وعلة الهجرة هي كما قال: إن ربي هو العزيز في ملكه الغالب على أمره، الذي يمنعني من أعدائي، وينصرني عليهم، الحكيم في تدبير شؤون خلقه، فلا يأمر إلا بما فيه الصلاح. فقوله: ﴿وَقالَ: إِنِّي مُهاجِرٌ﴾ يعود الضمير إلى إبراهيم؛ لأنه المكني عنه بقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي من قومه. ويحتمل عود الضمير إلى ﴿لُوطٌ﴾ لأنه أقرب المذكورين. ثم عدّد تعالى نعمه على إبراهيم في الدنيا والآخرة لإخلاصه لربه، فقال: ١ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي ووهبنا إلى إبراهيم بعد إسماعيل في حال الكبر إسحاق، وكذا من نسله يعقوب نافلة حفيدا له، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤٩/ ١٩]، وقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء ٧٢/ ٢١]. وفي الصحيحين: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈». ٢ - ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ أي وجعلنا في ذرية إبراهيم النبوة، فكانت الأنبياء كلها بعد إبراهيم من ذريته، ولم يوجد نبي بعده إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم،

стр. 6123

حتى كان آخرهم عيسى بن مريم، مبشرا بالنبي العربي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق. وآتيناه الكتاب، فكانت التوراة منزلة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد، وكلهم من نسله. ٣ - ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ بكثرة الذرية والأموال والزوجة الصالحة والثناء الحسن، فجميع أهل الأديان يحبونه ويتولونه، قال عكرمة: أهل الملل كلها تدعيه وتقول: هو منا. ٤ - ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي وإنه يحشر في الآخرة في زمرة الكاملين في الصلاح الذين لهم الدرجات العلا. وبهذا جمع الله تعالى له بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - أثبت إبراهيم الخليل ﵇ لقومه أصول الدين الثلاثة: وهي وحدانية الله، وصحة الرسالة أو النبوة، والبعث والحشر، وأقام البرهان الدامغ على ذلك، فكان جوابهم النابع من تمكن الكفر والعناد والمكابرة هو: ﴿اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ ثم اتفقوا على تحريقه، وهو قتل بالنار أشد نكاية وتعذيبا وتشفيا من القتل العادي. ٢ - حشد قوم إبراهيم الجموع العظيمة، وجمعوا الأحطاب الكبيرة، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لهبها إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم، فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فأنجاه الله وسلّمه،

стр. 6124

وجعلها عليه بردا وسلاما، كما قال تعالى: ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩/ ٢١]. أما كيفية استبراد النار فهو أمر معجز، والمعجز خارق للعادة، والله قادر على كل شيء، بسلب خاصية الحرارة عن النار. لهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما؛ فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، فاجتمع على محبته جميع أهل الأديان. ٣ - إن في إنجاء إبراهيم من النار العظيمة، حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها، لآيات للمؤمنين بالله ورسله. وجمع الآيات هنا؛ لأن الإنجاء من النار، وجعلها بردا وسلاما، ولم يحترق بالنار إلا الحبل الذي أوثقوه به، وغير ذلك، مجموع آيات. وخص الآيات بالمؤمنين؛ لأنه لا يصدق بذلك إلا المؤمنون، وفيه بشارة للمؤمنين بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة. أما في قصة نوح فقال: ﴿وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ للدلالة على اتخاذ السفينة وقت الحاجة وصونها عن المهلكات، فهي آية واحدة، وجعلها للعالمين علامة ظاهرة لبقائها أعواما حتى مرّ عليها الناس، ورأوها، فعلم بها كل أحد، وليس المؤمنين فقط. ٤ - بالرغم من إلقاء إبراهيم في النار، عاد إلى لوم الكفار وبيان فساد ما هم عليه وخطئه، وتمسكهم بالتقليد الأعمى، فقال: إنكم اتخذتم عبادة الأوثان لإيجاد نوع من التوادد والترابط والتواصل فيما بينكم، كالتوافق الذي يحدث بين أهل مذهب معين. غير أن تلك الروابط واهية غير موثقة، فهي رابطة في الدنيا فقط، ثم تنقطع وتتلاشى في عالم الآخرة، فيقع التباغض والتلاعن والتعادي بينكم

стр. 6125

يوم القيامة، فتتبرأ الأوثان من عبّادها، والرؤساء من الأتباع، ويلعن الأتباع رؤساءهم، ويكون مأوى الجميع نار جهنم. ٥ - ليست نار الآخرة كالنار التي أنجى الله منها إبراهيم ونصره، فإن الكفار في النار، وليس لهم شافع ولا ناصر دافع، ينصرهم ويمنع عنهم عذاب الله تعالى. ٦ - لوط ﵇ أوّل من صدق إبراهيم ﵇ حين رأى النار عليه بردا وسلاما، وتلك معجزة. قال ابن إسحاق: آمن لوط بإبراهيم، وكان ابن أخته، وآمنت به سارّة، وكانت بنت عمه. ٧ - بعد أن بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلي بعد وجود الآية الكبرى، وهي نجاته من النار، ولم يؤمنوا، وجبت المهاجرة؛ لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا، فبقاؤه فيهم عبث ولا جدوى فيه، لذا هاجر من أرض بابل ونزل بفلسطين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وامرأته سارّة. وهو أول من هاجر من أرض الكفر. وكان عثمان بن عفان ﵁-كما روى البيهقي-أول من هاجر بأهله إلى الحبشة في الهجرة الأولى، بعد لوط. ٨ - أكرم الله تعالى إبراهيم الخليل بعد هجرته، فمنّ عليه بالأولاد، فوهب له إسحاق ولدا، ويعقوب ولد ولد، من بعد إسماعيل، وجعل في ذريته النبوة، والكتاب، فلم يبعث الله نبيّا بعد إبراهيم إلا من صلبه، وأنزل الكتب الأربعة المعروفة على أناس من ذريته، فالتوراة أنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى من ولده، والزبور على داود من ولد إسحاق بن إبراهيم، والقرآن (أو الفرقان) على محمد ﷺ من نسل إسماعيل بن إبراهيم، وآتاه أجره في الدنيا باجتماع أهل الملل عليه، وجعله في الآخرة في زمرة الصالحين. وكل هذا حثّ على الاقتداء بإبراهيم ﵇ في الصبر على الدين الحق.

стр. 6126

قصة لوط ﵇ مع قومه ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ الإعراب: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ﴾ إما منصوب بالعطف على هاء ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ أو عطفا على نوح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً﴾ أي وأرسلنا لوطا، أو منصوب بفعل مقدر، أي واذكر لوطا، وعامل ﴿إِذْ﴾ هو العامل في لوط والأولى عطفه على ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كاف ﴿مُنَجُّوكَ﴾ في موضع جرّ بالإضافة. و ﴿أَهْلَكَ﴾ منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك.

стр. 6127

البلاغة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ تأكيد بعد مؤكدات، وإطناب بتكرار فعل تأتون لتقبيح عملهم وتوبيخهم. ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ استهزاء وسخرية، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما سبق، أي إن كنت صادقا فائتنا به. ﴿رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ التنكير لإفادة التهويل، أي عذابا عظيما شديدا. ﴿الْعالَمِينَ﴾ ﴿الصّادِقِينَ﴾ ﴿ظالِمِينَ﴾ ﴿الْغابِرِينَ﴾ وكذا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ توافق الفواصل. المفردات اللغوية: ﴿وَلُوطاً﴾ أي واذكر ﴿الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة القبيحة التي تنفر منها النفوس الكريمة، وهي إتيان أدبار الرجال. ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع السليمة. ﴿الْعالَمِينَ﴾ الإنس والجن. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الطريق على المارة، بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة، حتى انقطعت الطرق. ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ مجالسكم الخاصة أو متحدثكم. ﴿الْمُنْكَرَ﴾ الأمر المخالف للشرع، المنفر للطبع السليم كاللواط وأنواع الفحش. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في استقباح الفاحشة وأن العذاب نازل بفاعليه. ﴿اُنْصُرْنِي﴾ في إنزال العذاب. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ العاصين بإتيان الرجال أو بابتداع الفاحشة، فاستجاب الله دعاءه. ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالبشارة بإسحاق ويعقوب بعده. ﴿هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم، قرية لوط. ﴿ظالِمِينَ﴾ كافرين. ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة الرسل. ﴿الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء. ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم؛ لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه، فأعلموه أنهم رسل ربه. وضاق ذرعه أي قصرت طاقته أو قدرته، وضده: طال ذرعه وذراعه، ورحب الذراع: إذا كان قادرا على الشيء؛ لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. ﴿رِجْزاً﴾ عذابا شديدا، سمي بذلك، لأنه يقلق المعذّب، من قوله: ارتجز أو ارتجس أي اضطرب. ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ ظاهرة، وهي آثار خرابها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون أو يستعملون عقولهم في الاستبصار.

стр. 6128

المناسبة: بعد أن ذكر الله قصة إبراهيم ذكر قصة لوط ﵉؛ لأنه كان معاصرا له في زمن إبراهيم، ولم يذكر في قصته هنا دعوته إلى التوحيد كسائر الأنبياء، وإنما اقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، وذكر ذلك عنه في موضع آخر حيث قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ [هود ٧٨/ ١١، الشعراء ١٦٣/ ٢٦] ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [الحجر ٦٩/ ١٥] وكان قد أتى به إبراهيم وسبقه إليه. واختص لوط بالمنع من عمل قومه الفاحش، فلما يئس من ردعهم وتطهرهم من فاحشتهم، استنصر بربه، فاستجاب له وأهلك قومه، ونجاه مع من آمن به بسبب فحشهم وكفرهم بالله وبرسوله وقطعهم الطرق. التفسير والبيان: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك للعبرة والعظة قصة نبي الله لوط ﵇ حين أرسله الله إلى أهل قرية «سدوم» فأنكر عليهم صنيعهم وقبيح أعمالهم التي ابتدعوها، وقال منكرا عليهم أو محذرا أو موبخا ومقرعا لهم: أتأتون الفعلة الفاحشة المتناهية في القبح شرعا وطبعا سليما؟! ثم كرر الإنكار عليهم ووضح تلك الفاحشة فقال: ١ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾؟ أي تأتون الذكران بشهوة كإتيان النساء، ما سبقكم أحد قبلكم من بني آدم إلى هذه الفعلة. ٢ - ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي تقفون في طريق الناس، وتتعرضون للمارة بقتلهم وأخذ أموالهم وفعل الفاحشة بهم. ٣ - ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي وتفعلون ما لا يليق من الأقوال

стр. 6129

والأفعال في مجالسكم الخاصة، دون أن ينكر بعضكم على بعض شيئا من ذلك، فهم ذوو أخلاق سوء. والنادي: المجلس. روى الإمام أحمد والترمذي والطبراني والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فقال: «يحذفون (١) أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه». وروي عن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضا، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون، ويلعبون بالنّرد والشّطرنج، ويلبسون المصبغات. ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويطرّفون أصابعهم بالحنّاء، وتتشبه الرجال بلباس النساء، والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس (٢) على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسّحاق. وفسر مجاهد المنكر: بأنه الصفير، ولعب الحمام، والجلاهق (٣) والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء. فكان جوابهم: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا: اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي فما كان جوابهم بعد نهيهم عن الفاحشة وغيرها إلا قولهم بسبب كفرهم واستهزائهم وعنادهم: عجل علينا العذاب الذي توعدنا به إن كنت صادقا فيما تهددنا به. وهذا كان في بداية وعظه لهم، فلما ألح عليهم في الإنكار قالوا كما

стр. 6130

جاء في آية أخرى: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف ٨٢/ ٧]. ولما يئس لوط من استجابة قومه طلب من الله النصرة عليهم فقال: ﴿قالَ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي قال لوط داعيا: رب انصرني على هؤلاء القوم المفسدين في الأرض بابتداع الفاحشة. ومن المعلوم أنه ما طلب نبي من الأنبياء هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ [نوح ٢٧/ ٧١] أي لا مصلحة ولا خير يرتجى فيهم لا حالا، ولا مآلا في المستقبل. فاستجاب الله دعاءه، وبعث ملائكة العذاب لنصرته: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى، قالُوا: إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ، إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ أي بعث الله ملائكة، فمروا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للأضياف، فلما رأى أنه لا رغبة لهم في الطعام خاف منهم، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بولد صالح من امرأته «سارّة» وهو إسحاق، ومن بعده يعقوب، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط؛ لأنهم قوم ظالمون أنفسهم بكفرهم وتكذيبهم رسولهم وتماديهم في الفساد والفحش. فأخذ إبراهيم يدافع، لعلهم يمهلونهم، ولعل الله يهديهم، وأشفق على ابن أخيه لوط، فقال: ﴿قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ، كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ أي قال إبراهيم مشفقا على لوط: إن في القرية لوطا، وهو غير ظالم، وهو رسول، فقالت الملائكة الرسل: نحن أعلم منك بمن
следующие страницы →