وما ينتظرهم من نعيم مقيم إن آمنوا وعملوا الصالحات، أو عذاب مهين إن كفروا وعصوا أوامر ربهم، فلا يعملون أبدا لما ينفعهم في الآخرة، وعلمهم منحصر في الدنيا، بل لا يعلمون الدنيا على حقيقتها، وإنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها، فهم عن الآخرة غافلون.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إثبات صدق النبي ﷺ في دعواه النبوة والرسالة، وإعلام قاطع بأن القرآن كلام الله الذي يعلم وحده الغيب في السموات والأرض. وتلك معجزة واضحة بالإخبار عن مغيبات المستقبل، وقد وقع الأمر كما أخبر القرآن الكريم.
٢ - الله تعالى متفرد بالقدرة الشاملة النافذة، فكل ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه، وبإرادته وقدرته، فلله الأمر، أي إنفاذ الأحكام سواء قبل هذه الغلبة وبعدها، والله دائما هو القوي العزيز في نقمته، الرحيم لأهل طاعته.
٣ - يبشر الله تعالى المؤمنين بنصر أهل الكتاب المتعاطفين مع المسلمين، لاجتماعهم على الإيمان بالإله والإيمان باليوم الآخر، على الفرس المجوس الوثنيين الذين لا يؤمنون بشيء من الكتب السماوية، ولا بالله تعالى ولا بالآخرة.
٤ - وعد الله لا يخلف؛ لأن كلامه حق وصدق، ولكن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون وعده، ولا أنه لا خلف في وعده.
٥ - إن أكثر الناس لا سيما الكفار عاملون بظواهر الأمور الدنيوية من اكتساب الأموال والمعايش ومعرفة شؤون الزراعة والتجارة والصناعة والعلوم المادية، ولكنهم غافلون عن العلم بالآخرة وعن العمل بها.
قال الزمخشري: أفاد قوله تعالى ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أن
стр. 6197
للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها؛ وباطنها وحقيقتها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة (١).
الحث على التفكر في المخلوقات الدالة
على وجود الله ووحدانيته ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ.﴾. ﴿ما﴾: حرف نفي، و ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾ قد عدّي إلى ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ كما عدّي في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥/ ٧].
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا.﴾. ﴿عاقِبَةَ﴾: خبر ﴿كانَ﴾، و ﴿السُّواى﴾ اسمها، ومن قرأ عاقبة بالرفع، فهي اسم ﴿كانَ﴾، و ﴿السُّواى﴾: خبر كان. و ﴿السُّواى﴾ على وزن «فعلى» تأنيث للاستواء، كالحسنى تأنيث الأحسن.
стр. 6198
و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعول لأجله، أي لأن كذبوا، ويجوز كونه في موضع رفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أن كذبوا، أو بدل من ﴿السُّواى﴾ رفعا ونصبا. و ﴿السُّواى﴾ منصوب بأساؤوا انتصاب المصادر، لأنه مصدر.
البلاغة:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إنكار وتوبيخ.
﴿أَساؤُا السُّواى﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي أولم يحدثوا التفكر فيها، أو: أولم يتفكروا في أمر أنفسهم، فإنها أقرب إليهم من غيرها، فبالتفكر يرجعون عن غفلتهم ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ﴿ما خَلَقَ﴾ متعلق بقول محذوف معناه: أولم يتفكروا فيقولوا هذا القول، وقيل: معناه: فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلا عليه. ومعنى قوله: ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معناه: ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح وحكمة بالغة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها من الانتهاء إليه، وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ مثل كفار مكة ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أي لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، أي جاحدون يحسبون أن الدنيا بداية وأن الآخرة لا تكون.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حض على السير في أقطار الأرض، والنظر في آثار المدمرين من قبلهم من الأمم، وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ كعاد وثمود ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها وقلبوها للزرع والغرس ﴿وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أي عمروا الأرض أكثر من عمارة أهل مكة إياها، فإنهم أهل واد غير ذي زرع. وفيه تهكم بهم من حيث إنهم مغترون بالدنيا، مفتخرون بها، وهم أضعف حالا فيها ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات، والآيات الواضحات، والحجج الظاهرات ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ليفعل بهم ما يفعل بالظلمة، فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ حيث عملوا ما أدّى إلى تدميرهم.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ أي ثم كان عاقبتهم العقوبة السوأى، والمراد بها جهنم، والسوأى: تأنيث الأسوأ أي الأقبح، أو مصدر كبشرى ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي كانت إساءتهم بأن كذبوا بالقرآن.
стр. 6199
المناسبة:
هذه الآيات مرتبطة بما قبلها، تتضمن تهديد المشركين وحثهم على التفكر والنظر في المخلوقات الدالة على وجود الله وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، بعد بيان ما صدر منهم من إنكار الإله بإنكار وعده، وإنكار البعث، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾.
التفسير والبيان:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي أولم يحدثوا التفكر في عقولهم، أو يفكروا في أمر أنفسهم بأن يجيلوا فيه الفكر، فيقولوا: إن الله لم يخلق الكون من السماء والأرض وما فيهما من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات الكثيرة المتنوعة والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا عبثا ولا باطلا، بل كان خلقها مقرونا بالحق، مصحوبا بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب، فإذا حل الأجل بدلت الأرض غير الأرض والسموات، وبرزوا لحساب الله الواحد القهار.
وهذا حثّ لهم على إعمال الفكر السليم الموصل إلى معرفة الله ووحدانيته بالنظر في أنفسهم وما حولهم من مشاهد الكون، والمراد أن أسباب العلم الصحيح ومفاتيح الهداية تعتمد على العقل وأنه متوافر لديهم، لكنهم عطلوه ولم يعملوه فيما يجب إعماله.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ أي وإن أكثر الناس ولا سيما الكفار لجاحدون منكرون وجود البعث والحساب؛ لأنهم لم يتفكروا في أنفسهم، ولو تفكروا لأيقنوا بمعادهم إلى ربّهم بعد الموت.
ثم نبّه الله تعالى على صدق رسله فيما جاؤوا به عن ربهم بما أيّدهم به من
стр. 6200
المعجزات الباهرات، والدلائل الواضحات المحسوسات من إهلاك من كفر برسالتهم، ونجاة من صدّقهم فقال:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَأَثارُوا الْأَرْضَ، وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي أولم يتنقل هؤلاء المنكرون للنبوات، المكذبون بالآخرة في بلاد الأرض، فينظروا بعقولهم وأفهامهم، ويبحثوا في آثار الله، ويسمعوا أخبار الماضين ويتأملوا بمصير المكذبين رسلهم من الأمم الماضية، علما بأنهم كانوا أشدّ قوة من أهل مكة وأمثالهم، وأكثر أموالا وأولادا، وحرثوا الأرض وقلبوها للزراعة والغرس أكثر مما فعل المكيون وسائر العرب لقحط بلادهم، واستغلوا الأرض أكثر من استغلال هؤلاء.
ثم أهلكهم الله بذنوبهم وكفرهم وتكذيبهم رسلهم الذين جاءوهم بالمعجزات والأدلة المحسوسة والشواهد الناطقة بقدرة الله وتوحيده، فما كان عقابهم ظلما، وما كان من شأن الله أن يظلمهم وغيرهم فيما حلّ بهم من العذاب والنكال، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها وذنوبهم السالفة.
فالعاقل من اتّعظ بغيره، وعرف أن زخارف الدنيا ومتاعها من أموال وأولاد لا تغني عنه شيئا يوم القيامة، وقد أكد الله تعالى ذلك بقوله:
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ، وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي ثم كان مصير المسيئين العذاب ﴿السُّواى﴾ في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم، بسبب تكذيبهم بآيات الله ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته، واستهزائهم بها وسخريتهم منها. فقوله ﴿أَساؤُا السُّواى﴾ معناه: كانت السوأى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون.
والإساءة: التكذيب والاستهزاء، وعبر عن العقاب بالجريمة الصادرة من الكفار، على سبيل المشاكلة.
стр. 6201
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - الحثّ على التفكر في الكون وإيجابه، فإن التأمل في خلق السموات والأرض والأنفس البشرية المخلوقة لحكمة ومصلحة وعدل، والمؤقتة بأجل مسمى تنتهي إليه، دليل على وجود الخالق وتوحيده وقدرته وعلى حدوث الحشر، فقوله: ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ يدل على الوحدانية لأن إحكام الخلق والتنزه عن الفساد يمنع من تعدد الآلهة، ففي وجود آلهة فساد وخلل وتعثر، وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ دليل على الحشر؛ لأنه يدل على فناء العالم وتخريب الكون، وبما أن الله تعالى قادر على كل شيء فهو قادر على الإعادة؛ ولأن الخلق بالحق يوجب أن يكون بعد هذه الحياة حياة أخرى باقية؛ لأن هذه الحياة ليست إلا لعبا ولهوا، كما أخبر القرآن.
٢ - دلّ قوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يوم القيامة على حدوث الفناء في نهاية عمر الدنيا، وعلى أن لكل مخلوق أجلا، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء.
٣ - كثير من الناس كافرون بالبعث بعد الموت، وهذا نقص في التفكير، وقلة في العقل، فالعاقل من فكر بالمستقبل، وعمل لما بعد الموت، ولم تغره الحياة الدنيا.
٤ - التبصر بعبر الماضي درس وعظة، فمن سمع بأخبار الأمم الماضية المكذبة رسلها، وأدرك مصيرهم، وعرف سبب هلاكهم وتدميرهم، بادر إلى الإيمان بالله ، وصدّق رسله الذين جاءوهم بالمعجزات الدالة على صدقهم.
٥ - الاعتماد على قوة الجسد وسعة المال، ووفرة الثروة والأولاد خطأ محض، فإن كل الأموال والمدنيات وتقدم الحضارات لا تغني أصحابها شيئا يوم القيامة.
стр. 6202
٦ - لقد كان إهلاك الأمم الماضية الجاحدة بربها ورسله وأنبيائه حقا وعدلا، ولم يكن الهلاك بغير ذنب ولا بغير سابق إنذار بالرسل والحجج، وإنما كان بظلمهم أنفسهم بالشرك والعصيان، والتكذيب بآيات الله الدالة على وجوده وتفرده بالألوهية، وتكذيب القرآن والرسول ومعجزاته، واستهزائهم بها.
إثبات الإعادة والحشر وبيان ما يكون وقت الرجوع إلى الله ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾
البلاغة:
﴿يَبْدَؤُا﴾ و ﴿يُعِيدُهُ﴾ بينهما طباق.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المقصود.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ، فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ بين الجملتين مقابلة بين حال السعداء والأشقياء.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مراعاة الفواصل في الحرف الأخير، وذلك له وقع وتأثير على السمع.
стр. 6203
المفردات اللغوية:
﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ ينشئ خلق الناس ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يبعث الناس ويخلقهم مرة أخرى بعد موتهم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يسكت المشركون متحيرين آيسين لانقطاع حجتهم، يقال: أبلس الرجل: إذا سكت وانقطعت حجته، والمبلس: الساكت المنقطع الحجة، اليائس من الاهتداء إليها ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ أي لا يكون ممن أشركوهم بالله وهم الأصنام شفعاء يجيرونهم من عذاب الله. وجاء التعبير بمعنى الماضي لتحققه ﴿وَكانُوا﴾ أي يكونون ﴿بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أي متبرئين منهم، يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تأكيد لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾. ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي يتفرق المؤمنون والكافرون. ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ بستان أو أرض ذات أزهار وأنهار ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يسرّون سرورا تهللت له وجوههم ﴿بِآياتِنا﴾ القرآن ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مدخلون فيه لا يغيبون عنه.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أن عاقبة المجرمين إلى الجحيم، وذلك إشارة إلى الإعادة والحشر، أقام الأدلة عليه بأن من بدأ خلق الناس بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة. ثم بيّن ما يكون وقت الرجوع إليه، وأخبر أن الناس حينئذ فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير.
التفسير والبيان:
﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي أن الله كما هو قادر على بداءته وإنشائه، فهو قادر على إعادته، فالله هو الذي بدأ إنشاء الخلق بقدرته وإرادته، فلا يعجز عن رجعته، ثم إليه يعودون يوم القيامة ويحشرون للقضاء بينهم، فيجازي كل عامل بعلمه، ثم وصف حال الأشقياء بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي ويوم تقوم القيامة للفصل بين الناس والحساب، يسكت المجرمون الذين أشركوا بالله وتنقطع عنهم الحجة من شدة الأهوال، وييأسون ولا يجدون طريقا للخلاص، ولا أملا في النجاة من طريق غيرهم، كما قال:
стр. 6204
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ، وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ أي ولن يجدوا لهم شفعاء من الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، ينقذونهم من عذاب الله، وكانوا بشركائهم وآلهتهم المزعومة جاحدين، متبرئين منهم، إذ خانوهم في أحوج ما كانوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً، فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا﴾ [البقرة ١٦٦/ ٢ - ١٦٧].
وهذا دليل على تبين إفلاسهم وإعلان خسرانهم.
ثم يتميز أهل المحشر إلى فريقين، فقال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ أي ويوم تقوم القيامة يتفرق الناس فرقة لا اجتماع بعدها، كما قال تعالى: ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس ٥٩/ ٣٦] فيؤخذ أهل الإيمان والسعادة إلى الجنان، ويؤخذ أهل الكفر والشقاوة إلى النيران. قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع بعدها، لهذا قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي فأما المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله واليوم الآخر، والعاملون بما أمر الله به، والمنتهون عما نهى الله عنه، فهم يتنعمون ويسرّون سرورا يملأ القلب والنفس ويظهر البشاشة بما لاحظوا به من روضات الجنان ذات البهجة والخضرة والأنهار الجارية، أي فهم في جنة يسرون بكل مسرة، كما قال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢]، و
قال ﷺ فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ، فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي وأما الكافرون الجاحدون بوجود الله ووحدانيته، المكذبون رسله
стр. 6205
وآياته، المنكرون وقوع البعث بعد الموت، فهم مخلدون في عذاب جهنم، لا غيبة لهم عنه أبدا، ولا فتور له عنهم إطلاقا، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ، أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج ٢٢/ ٢٢] وقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف ٧٤/ ٤٣ - ٧٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - الله هو منشئ الخلق، ومعيده بقدرته، وإليه المرجع والمآب.
٢ - لا يجد المشركون والكفار يوم القيامة حجة لهم يدافعون بها عن شركهم وكفرهم، فتنقطع حجتهم، وييأسون من الاهتداء إليها، كذلك لا يجدون لهم من غيرهم ناصرا ينصرهم ولا شفيعا ينقذهم من عذاب الله، وحينئذ يقولون عن آلهتهم: إنهم ليسوا بآلهة، فيتبرءون منها، وتتبرأ منهم.
٣ - يحدث انفصال يوم القيامة بين المؤمنين وبين الكافرين، فيتميز الطيبون من الخبيثين، ويقيم المؤمنون في جنان الخلد ذات الرياض الغناء والأنهار الجارية، فيغمرهم الحبور والسرور، وينعّمون ويكرمون، ويقيم الكافرون في عذاب جهنم إقامة دائمة أبدية، فلا يفارقونها، ولا يخفف عنهم فيها شيء من العذاب.
٤ - لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، وهو الائتمار بأمر الله، واجتناب ما نهى عنه؛ لأن العمل الصالح معتبر مع الإيمان، فإن الإيمان المجرد مفيد للنجاة دون رفع الدرجات، ولا يبلغ المؤمن الدرجة العالية إلا بإيمانه وعمله الصالح.
وأما الكافر فهو في الدركات بمجرد كفره. وهذا هو السبب في ذكر العمل الصالح مع الإيمان، وعدم ذكر العمل السيئ مع الكفر.
стр. 6206
تنزيه الله تعالى وحمده في جميع الأحوال ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾
البلاغة:
﴿تُمْسُونَ﴾ و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ استعارة، استعار الحي للمؤمن، والميت للكافر.
المفردات اللغوية:
﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ سبحان: هو التسبيح، أي التنزيه، وهو إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه، أي سبحوا الله بمعنى صلوا في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ تدخلون في المساء، وفيه صلاتان: المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ تدخلون في الصباح وفيه صلاة الصبح، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح؛ لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أوضح وأبين.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراض، ومعناه: يحمده أهلها ﴿وَعَشِيًّا﴾ عطف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وفيه صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر.
عن ابن عباس ﵄ أن الآية جامعة للصلوات الخمس: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر و ﴿عَشِيًّا﴾ صلاة العصر و ﴿تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال أكثر المفسرين: يخرج الدجاجة من البيضة، والإنسان من النطفة، والطائر من البيضة، ويخرج البيضة من الطائر، والنطفة من الإنسان، وقال بعضهم: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي يحييها بالنبات بعد يبسها ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور
стр. 6207
وتبعثون. والمعنى أن الإبداء والإعادة متساويان في قدرة القادر على إخراج الأشياء من أضدادها، بإخراج الميت من الحي، وإخراج الحي من الميت، وإحياء الميت، وإماتة الحي. وقرئ:
تخرجون.
المناسبة:
بعد بيان عظمة الله تعالى وقدرته في خلق السموات والأرض حين ابتداء العالم، وعظمته حين قيام الساعة (القيامة) حال انتهاء العالم، وافتراق الناس فريقين: فريق الجنة وفريق النار، أمر الله تعالى بتنزيهه عن كل سوء وعما لا يليق به، وبحمده على كل حال؛ لأنه المتفرد بإحياء الميت وإماتة الحي، وإحياء الأرض بعد موتها، كإحياء الناس من قبورهم للبعث، وهذا في وقت الصباح يشبه حال انتقال الإنسان من النوم الذي هو الموتة الصغرى إلى اليقظة التي هي الحياة.
التفسير والبيان:
﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي سبحوا الله تعالى ونزهوه وصلّوا له في جميع أوقات النهار والليل، حين ابتداء المساء، وحين طلوع الصباح. وهذا إرشاد من الله تعالى لعباده بتسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء: وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح: وهو إسفار النهار بضيائه، وفي المساء صلاتا المغرب والعشاء، وفي وقت الصباح صلاة الفجر. وقدم الإمساء على الإصباح هنا؛ لأن الليل يتقدم النهار.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي والله تعالى هو المحمود من جميع أهل السموات والأرض من ملائكة وجن وإنس. وهذا اعتراض بحمده مناسب للتسبيح وهو التحميد.
стр. 6208
﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي وسبحوه ونزهوه أيضا وقت العشي أو العشاء: وهو شدة الظلام، وفي وسط النهار وقت الظهيرة.
قال الماوردي: الفرق بين المساء والعشاء: أن المساء: بدوّ الظلام بعد المغيب، والعشاء: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب.
ويلاحظ أن تخصيص هذه الأوقات بالتسبيح إنما هو بسبب وجود معالم الانتقال المحسوس من حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن، يشمل جميع أجزاء اليوم، بدءا من الصبح أو النهار وقوة الضياء، إلى الظهر حين تتحول الشمس من جهة المشرق إلى المغرب، إلى العصر حين يبدأ أفول النهار وقدوم العشي، إلى المغرب بدء الظلام، إلى العشاء في شدة الظلام. والمعنى: نزهوا الله عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال في جميع هذه الأوقات المتعاقبة؛ لأن أفضل الأعمال أدومها.
وفي هذا إشارة إلى أصول الإيمان الموجبة للظفر بروضات الجنان، فبعد أن أبان الله تعالى أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل صالحا في قوله:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أعلمنا أن الإيمان تنزيه بالجنان، وتوحيد باللسان، وأن العمل الصالح القيام بجميع الأركان، وكل ذلك تسبيح (تنزيه) وتحميد، يوصل إلى الحبور (السرور والتنعم) في رياض الجنان.
وقد تكرر في القرآن لفت النظر إلى الإضاءة والإظلام، وأن الله فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، كما قال: ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ [الشمس ٣/ ٩١ - ٤]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ [الليل ١/ ٩٢ - ٢]، وقال: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى ١/ ٩٣ - ٢].
стр. 6209
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر قدرته وعظمته الموجبة للتنزيه والتحميد، فقال:
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي أن الله تعالى هو القادر على خلق الأشياء المتقابلة، فهو يخرج أولا الإنسان الحي من التراب الميت، ثم من النطفة، والطائر من البيضة، كما يفعل ضدّ هذا، فيخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، واليقظان من النائم، والنائم من اليقظان.
وأما كون النطفة كائنا حيّا فلا تعرفه العرب، ولم يكن التقدم العلمي واضح المعالم في هذا لديهم.
وهذا دليل على كمال القدرة الإلهية وبديع الصنع وعظمة الإله.
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي والله تعالى يحيي الأرض بالمطر، فيخرج النبات من الحب، والحب من النبات، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها، وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس ٢٣/ ٣٦ - ٢٤]، وقال سبحانه:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج ٥/ ٢٢].
﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور أحياء بعد أن كنتم أمواتا، وذلك على الله يسير.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - وجوب تنزيه الله تعالى عن جميع صفات النقص، ووصفه بجميع صفات
стр. 6210
الكمال، في جميع الأوقات المتعاقبة، وقرن التسبيح بالتحميد على نعم الله وآلائه، والصلوات المفروضة الخمس بعض مظاهر التسبيح والتحميد لاشتمالها على ذلك. وقد استدل ابن عباس كما تقدم بهذه الآيات على بيان عدد الصلوات الخمس في القرآن.
وذلك دليل على الإيمان، وعلى فضل التسبيح والتحميد،
قال ﷺ : «من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ.﴾. الآية، أدرك ما فاته في ليلته، ومن قال حين يمسي، أدرك ما فاته في يومه».
وقال ﷺ : «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية».
٢ - يتجلى كمال قدرة الله ويثبت وجوده بتفرده بالخلق والإيجاد، والإعدام، والإحياء والإماتة، فهو سبحانه يخلق الأشياء المتقابلة أو المتضادة بعضها من بعض، فهو يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها أو يبسها، وكما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك يحيي الناس بالبعث.
قال القرطبي: وفي هذا دليل على صحة القياس. أي أنه قاس إحياء الموتى من القبور على إحياء الأرض الميتة بالمطر الذي ينبت النبات الأخضر الزاهي.
بعض أدلة الوحدانية والقدرة والحشر ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾
стр. 6211
الإعراب:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ.﴾. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾: في موضع رفع على الابتداء، والجار والمجرور قبلها خبرها، وتقديره: وخلقكم من تراب من آياته.
﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ فيه محذوف مقدر تقديره: ومن آياته آية يريكم البرق فيها، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه. ومن النحويين من يجعل تقديره: ومن آياته أن يريكم البرق، كالآيتين المتقدمتين: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾.
﴿دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف، إما صفة للنكرة أي دعاكم دعوة كائنة من الأرض، أو في موضع الحال من الكاف والميم في ﴿دَعاكُمْ﴾. ولا يجوز أن يتعلق ب ﴿تَخْرُجُونَ﴾ لأن ما بعد ﴿إِذا﴾ لا يعمل فيما قبلها.
البلاغة:
﴿خَوْفاً﴾ و ﴿طَمَعاً﴾ ﴿يَبْدَؤُا﴾ و ﴿يُعِيدُهُ﴾ بين كلّ منهما طباق.
﴿دَعاكُمْ دَعْوَةً﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ آيات الله تعالى الدالة على قدرته. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي خلق أصلكم
стр. 6212
آدم من تراب. ﴿ثُمَّ إِذا﴾ هي للمفاجاة. ﴿أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴿بَشَرٌ﴾ من دم ولحم تنتشرون في الأرض، تبتغون من فضل الله. ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ بأن خلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال والنساء، أو المعنى: أنهن خلقن من جنس الرجال، لا من جنس آخر. ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ لتميلوا إليها وتألفوها، فإن اتحاد الجنس علة للضم والاجتماع، والاختلاف سبب للتنافر. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي وجعل بين الرجال والنساء أو بين أفراد الجنس مودة ورحمة بواسطة الزواج، بخلاف سائر الحيوانات، تنظيما لأمر المعيشة، قال السّدّي:
المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في ذلك المذكور لآيات دالة على قدرة الله، لقوم يتفكرون في صنع الله تعالى، فيعلمون ما في ذلك من الحكم.
﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ لغاتكم من عربية وغير عربية. ﴿وَأَلْوانِكُمْ﴾ من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، أو اختلاف في تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها وجمالها، بحيث وقع التمايز والتعارف. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ أي لدلالات على قدرته تعالى لذوي العقول وأولي العلم، لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جن، كما قال تعالى:
﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣/ ٢٩].
﴿مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ منامكم في زماني الليل والنهار، لاستراحة الجسد والنفس والفكر.
﴿وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي طلبكم المعاش في الليل والنهار. ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهم وتدبر واستبصار واعتبار. ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ﴾ أي إراءتكم بتقدير. (أن) كقول الشاعر:
ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
أو الفعل فيه منزل منزلة المصدر، مثل: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» أو صفة لمحذوف تقديره: آية يريكم بها البرق.
﴿الْبَرْقَ﴾ شرارة كهربائية تظهر في الجو نتيجة احتكاك السحب، وينشأ عنها الرعد.
﴿خَوْفاً﴾ للمسافر من الصواعق. ﴿وَطَمَعاً﴾ في الغيث للمقيم. ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد يبسها، وإحياؤها يكون بالإنبات. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لدلالات على قدرته تعالى لقوم يتدبرون، يستعملون عقولهم في كيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي بإقامته لهما وإرادته قيامهما في موقعهما المعين من غير مقيم محسوس وجعل السماء من غير عمد ترونها. ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة، فيقول: أيتها الموتى اخرجوا، أو بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور. ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي تخرجون من القبور أحياء. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا
стр. 6213
وعبيدا. ﴿قانِتُونَ﴾ مطيعون منقادون لفعله فيهما، لا يمتنعون عليه. ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ خلق الناس. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد هلاكهم. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي الإعادة أسهل عليه من البدء، بالنظر إلى مفهوم المخاطبين أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة. ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ أي الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلاّ الله، أي الوصف بالوحدانية الأعلى الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه في السموات والأرض، يتصف به دلالة ونطقا. أو له الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادر في ملكه الذي لا يعجز عن إبداء ممكن وإعادته. ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يجري الأفعال في خلقه على مقتضى حكمته.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
المناسبة:
بعد بيان الأمر بتنزيه الله تعالى عن جميع النقائص، واستحقاقه الحمد على خلق جميع الأشياء، وبيان قدرته على الإماتة والإحياء، ذكر هنا أدلة التوحيد والوجود والعظمة وكمال القدرة، والحجج المثبتة للبعث والإعادة، مبتدئا بدليل خلق الإنسان من تراب ثم بقاء النوع الإنساني بالتوالد، ثم خلق السموات والأرض ومشاهد الكون، واختلاف ألوان البشر ولغاتهم، ومنامهم بالليل واكتسابهم بالنهار، وتلك أوصاف تعرض للنفوس، ثم عوارض الكون من البرق والمطر والإنبات، ثم خضوع السماء والأرض لإرادته وإذعان الأموات لدعوته بالخروج أحياء من القبور، وأعقب كل ذلك بما هو كالنتيجة لما سبق، من تقرير كمال القدرة على بدء الخلق وإعادته واتصافه بالصفة العليا وهي الوحدانية وجميع الصفات الباهرة كالقدرة التامة والحكمة الشاملة.
стр. 6214
التفسير والبيان:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ أي ومن آياته تعالى الدالة على عظمته وكمال قدرته على الخلق والإيجاد والإعدام والإفناء بدء خلق الإنسان، فخلق أباكم في الأصل من تراب، وجعل مصدر غذائكم من لحوم الحيوان والنبات من التراب، ثم بعد إنشائكم تعمرون الأرض وتتوزعون فيها لأغراض مختلفة من بناء المدائن والحصون، وزراعة الحقول، والاتّجار بالسفر في البلاد المختلفة لتحصيل الأرزاق، وكسب المعايش، وجمع الأموال، مع اختلاف المواهب والعقول والأفكار، والغنى والفقر، والسعادة والتعاسة.
روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك».
ثم ذكر الله تعالى طريق بقاء النوع الإنساني فقال:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي ومن آياته الدالة على قدرته ورحمته أن خلق النساء لكم من جنس الرجال، وجعل بدء خلق المرأة من جسد الرجل، ليتحقق الوفاق ويكتمل الأنس، وجعل بين الجنسين المودة أي المحبة، والرحمة أي الشفقة ليتعاون الجنسان على أعباء الحياة، وتدوم الأسرة على أقوى أساس وأتم نظام، ويتم السكن والاطمئنان والراحة والهدوء، فإن الرجل يمسك المرأة ويتعلق بها إما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما وغير ذلك.
إن في ذلك الخلق والإيجاد الأصلي من التراب، وجعل الأزواج من أنفس
стр. 6215
الرجال، وتقوية الروابط بينهما بالمودة والمحبة والرحمة والرأفة لدلالة على الخالق الموجد والنعم المتفضل لمن تأمل وفكر في أسباب الحياة، وتحقيق النتائج، وبناء الروابط على وفق الحكمة والمصلحة، والنظام البديع.
فأبونا من تراب، وذريته من ماء، والماء من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من النبات وخواص الأرض وكنوزها، ثم جعل الرابطة الزوجية بين الجنسين من تكوين واحد، وطباع واحدة، وغرائز متحدة، ليتحقق السكن إلى المرأة، ويتوافر الميل إليها، ويحدث الهدوء النفسي معها؛ فإن النفس ميالة إلى ما يلائمها، وينسجم معها في الأغراض، نافرة مما يناقضها ويعاكسها في الجملة.
وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ يفسره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ [الأعراف ١٨٩/ ٧].
ثم ذكر الله تعالى أدلة أخرى على وجوده وربوبيته وتوحيده وقدرته من الكون العظيم وعظمة تكوين الإنسان، فقال:
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ أي ومن آياته تعالى الدالة على قدرته العظيمة ووجوده: خلقه السموات المرتفعة بدون عمد، المزينة بالكواكب والنجوم الثوابت والسيارات، وخلق الأرض بطبقاتها المترعة بالكنوز والمعادن والخيرات، المثبّتة بالجبال، المشتملة على الوديان والقفار، والبحار، والحيوان، والأشجار.
ولم يكن ذلك الكون فارغا من المخلوقات، وإنما أوجد فيه الأنس بالناس ذوي الجنسيات المتعددة، واللغات المختلفة، والألوان المتنوعة، والأصوات المتميزة، والسمات والهيئات والتقاطيع المتفاوتة كاختلاف البصمات وغير ذلك من حسن وجمال، وقبح وتفاوت بالرغم من كونهم من أصل واحد وأب واحد وأم واحدة. قال الله تعالى: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة ٤/ ٧٥].
стр. 6216
إن في ذلك المذكور لآيات دالة على تمام القدرة الإلهية لقوم ذوي عقول نافذة، وأفكار مبصرة، وعلوم نافعة تهديهم إلى الحق، وترشدهم إلى التفكير في المخلوقات، وتبين لهم أنها خلقت لحكمة بالغة، ومصلحة راقية، لا عبثا ولا فسادا.
﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي ومن علامات قدرته ورحمته تعالى التمكين من الراحة من التعب، والهدوء والاستقرار بالليل، والحركة والسعي للرزق والنشاط المتتابع في النهار، إن في ذلك المذكور لدلالات وعبرا لقوم يسمعون سماع اتعاظ وتدبر، ووعي وتفهم للحجج، يؤدي بهم إلى القناعة والاعتقاد الجازم بأن الله قادر على بعث العالم وإعادته.
ثم ذكر الله تعالى أدلة من عوارض الأكوان وتقلبات الحياة، فقال:
﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي ومن آياته الدالة أيضا على عظمة قدرته إراءتكم البرق، خوفا للمسافر وغيره من الصواعق المتلفة، وطمعا فيما تحبون من المطر المحتاج إليه لحياة الإنسان والحيوان والنبات، كما قال: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم ٢٤/ ٣٠]، أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج ٥/ ٢٢].
إن في ذلك المذكور من الإحياء بعد الموت لبرهانا ساطعا دالا على البعث والمعاد وقيام الساعة، فإن الذي أحيا الأرض قادر على إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ
стр. 6217
إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي ومن أدلة قدرته ووجوده تعالى قيام السماء بلا عمد، والأرض الكروية الدائرية القائمة في الفضاء بلا وتد، بل بإقامته وتدبيره وإحكامه وتصرفه، كما قال: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد ٢/ ١٣]، وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج ٦٥/ ٢٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر ٤١/ ٣٥].
ثم إنه تعالى يحفظ نظام هذا العالم حتى ينتهي أجل الدنيا، فإذا دعاكم الداعي حينئذ للخروج من قبوركم أحياء خرجتم، كما قال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج ٤٣/ ٧٠]، وقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ، فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٥٢/ ١٧]، وقال: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣/ ٧٩ - ١٤]، وقال: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً، فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣/ ٣٦].
والنتيجة الحتمية هي:
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أي ولله جميع من في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، وهم جميعا خاضعون خاشعون لما يريد الله من موت أو حياة، وحركة أو سكون، طوعا أو كرها.
روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو الطاعة».
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي والله تعالى هو الذي بدأ خلق الإنسان من غير أصل سابق له، ثم يميته ويفنيه، ثم يعيده كما بدأه، وذلك أيسر وأسهل عليه، بحسب تصور البشر المخاطبين وإدراكهم أن
стр. 6218
الإعادة أسهل من البدء، وكل ما ذكر كان تقريبا لعقول الكفرة الجهلة منكري البعث، وإلا فالبدء والإعادة سواء في قدرة الله تعالى، فأهون بمعنى: هيّن؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء.
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«يقول الله تعالى: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ [البقرة ١١٦/ ٢ ومواضع أخرى]، وأنا الأحد الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٣/ ١١٢ - ٤]».
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي وله الصفة العليا الكاملة وهي تفرده بالوحدانية، أي أنه لا إله إلا الله، ولا ربّ غيره، واتصافه بكل صفات الكمال، وتنزهه عن جميع صفات النقصان، وليس كمثله شيء، فلا ندّ ولا شبيه ولا نظير له، وهو القوي في ملكه الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، يجري كل شيء في الوجود على وفق علمه وإرادته، ومقتضى حكمته، ونطق كل موجود بأنه الخالق الواحد القادر القاهر فوق عباده، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
في الآيات ستة أدلة على ربوبية الله تعالى ووحدانيته ونتيجة مقررة لها وهي:
١ - الدليل الأول:
خلق أصل الإنسان من تراب، والفرع كالأصل. وقد خلق الله تعالى
стр. 6219
الإنسان أولا، لا أنه خلقه حيوانا ثم جعله إنسانا، ثم زوده بعد الخلق بطاقات الإدراك والمعرفة والعلم والعقل، فأصبح هناك عقلاء ناطقون يتصرفون في قوام معايشهم، لم يخلقهم عبثا، وإنما لحكمة ورسالة معينة، ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح.
والتعبير بقوله: ﴿بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إشارة بقوله ﴿بَشَرٌ﴾ إلى القوة المدركة المغايرة للحيوان، وبقوله ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ إشارة إلى القوة المحركة، وكلاهما من التراب عجيب. وقد خصّ الله تعالى بالذكر عنصري التراب والماء، مع أن الإنسان مركب من العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء والنار؛ لأن الحاجة إلى الهواء والنار تكون بعد امتزاج الماء بالتراب، ولأن المحسوس من العناصر في الغالب هو التراب والماء (١).
٢ - الدليل الثاني:
بقاء النوع الإنساني بالتوالد: دلّ قوله تعالى ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ على أن الله خلق حواء من جسم آدم كما قال بعضهم، والصحيح كما قال الرازي: أن المراد منه من جنسكم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩]، ويدل عليه قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ أي أن السكن والألفة والاطمئنان لا تتحقق إلا بين متحدي الجنس (٢). وأحاط الله تعالى رباط الزوجية بما يكفل دوامه واستمراره، فجعل النساء موضع سكون قلبي واطمئنان للرجال، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة أي محبة وشفقة، كما قال السدّي، وروي معناه عن ابن عباس قال: المودّة: حبّ الرجل امرأته، والرحمة: رحمته إياها أن يصيبها بسوء.
стр. 6220
والخلاصة: أن الله تعالى حافظ على النوع الإنساني بأمرين: كون الزوج من جنس الرجل، وما تفضي إليه الجنسية وهو السكون إليه، فالجنسية توجب السكون، وأحاط السكون بأمرين: المودة والرحمة، والمودة تكون أولا ثم إنها تفضي إلى الرحمة؛ لأن الإنسان يجد بين القرينين الزوجين من التراحم ما لا يجده بين ذوي الأرحام، وليس ذلك بمجرد الشهوة، فإنها قد تنتفي وتزول أو يعصف بها الغضب الكثير الوقوع، وتبقى الرحمة التي هي من الله تعالى، وبها يدفع الإنسان المكاره عن حرمه.
٣ - الدليل الثالث:
دلائل الآفاق والأنفس: وأهمها خلق السموات والأرض، ثم اختلاف الكلام واللغات العديدة في العالم من عربية وغيرها، واختلاف الألوان من البياض والسواد والحمرة، واختلاف الأصوات والصور، ومقاطع الجلد وتقاسيم الوجه وغير ذلك، فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرّق بينه وبين الآخر، وليست هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين، فلا بدّ من فاعل، ولا فاعل إلا الله تعالى. وهذا من أدلّ الأدلة على وجود المدبر البارئ.
٤ - الدليل الرابع والخامس:
العرضيات الطارئة للإنسان: وهي النوم بالليل والحركة طلبا للرزق بالنهار، وإظهار البرق والرعد تخويفا من الصواعق، وطمعا في إنزال الغيث النافع، وإنزال المطر فعلا من السحاب لإحياء الزرع والشجر وإنبات النبات وتغذية منابع الماء ومصادر الثروة المائية.
٥ - الدليل السادس:
إقامة السماء والأرض وإمساكهما بقدرته وتدبيره وحكمته، فيمسك تعالى السماء بغير عمد لمنافع الخلق، كيلا تسقط على الناس، ويحفظ الأرض الدائرة
стр. 6221
المتحركة بأهلها من غير وتد، وفي حال من التوازن، دون تعارض ولا تصادم بينها وبين بقية الكواكب الثابتة والسيارة، حتى ينتهي أجل الدنيا، وحينئذ يحدث البعث، فإن الذي خلق هذه الأشياء قادر على أن يبعث المخلوقات من قبورهم، والمراد من قوله: ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا انتظار، كما يجيب الداعي المطاع مدعوّه.
٦ - النتيجة المقررة لما سبق من إثبات الوحدانية التي هي الأصل الأول، وإثبات القدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر: أن لله جميع من في السموات والأرض خلقا وملكا وعبيدا وتصرفا، كلّ له طائعون طاعة انقياد، وأن الله تعالى هو مبدئ الخلق وهو معيده مرة أخرى، كما قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج ١٣/ ٨٥]، والإعادة أمر هيّن على الله، والبدء والإعادة سواء في قدرة الله تعالى.
وإذ ثبتت القدرة العظمى لله في كل شيء، وثبتت الوحدانية، فلله الصفة العليا في السموات والأرض: وهي أنه لا إله إلا هو ولا ربّ غيره، وتلك صفة الوحدانية، وأنه متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقصان، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، القوي الغالب الذي لا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه، وما أراده جلّ وعزّ كان.
دعاء الأرق:
إن النوم بفضل الله وتيسيره كما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ﴾
وقد روى الطبراني عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حيّ قيوم، يا حيّ يا قيوم أنم عيني، وأهدئ ليلي». فالحمد لله الذي جعل راحة الإنسان بفضله وقدرته، لا بالطبيعة والعادة، فلولا إلقاء النوم على الإنسان ليلا أو نهارا، لما تمكن من متابعة جهده وعمله في النهار.
стр. 6222
إثبات الوحدانية من واقع البشر ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)﴾
المفردات اللغوية:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ جعل لكم أيها المشركون مثلا كائنا منتزعا من أحوال أنفسكم التي هي أقرب الأمور إليكم. والمثل: الصفة الغريبة التي تشبه المثل في الغرابة. ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي من مماليككم وعبيدكم. ﴿مِنْ شُرَكاءَ﴾ لكم. ﴿فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾ من الأموال وغيرها. ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أي فتكونون أنتم وهم فيه سواء في إمكان التصرف فيه، يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم.
ومن الأولى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ للابتداء، والثانية: ﴿مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ للتبعيض، والثالثة: ﴿مِنْ شُرَكاءَ﴾ مزيدة لتأكيد الاستفهام المقصود به النفي.
﴿تَخافُونَهُمْ﴾ أي تخافون أن يستقلوا بالتصرف فيه. ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض. والمعنى: ليس مماليككم شركاء لكم في أموالكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟! ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي مثل ذلك التفصيل نبين الآيات بالتمثيل الموضح للمعاني.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون، يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال. ﴿ظَلَمُوا﴾ بالإشراك. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ جاهلين لا يردعهم شيء. ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ أي فمن يقدر على هدايته؟ والمعنى:
لا أحد يهديهم. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم من آفاتها، أي: وليس لهم منقذ من قدرة الله.
سبب النزول:
أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبّيك اللهم
стр. 6223
لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فأنزل الله:
﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ﴾.
التفسير والبيان:
من أسلوب القرآن المتميز تصوير المعنويات بصور المحسوسات، وضرب الأمثال الواقعية تقريبا للأذهان، وإمعانا في الإقناع، وهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا يقولون:
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
والقصد من هذا المثل إثبات الوحدانية، وهدم الشرك والوثنية، فقال تعالى:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ، فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ؟﴾ أي جعل الله لكم مثلا تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم، ومنتزع من أحوالكم ومشاعركم التي تسيطر عليكم، وقريبة منكم قربا ملازما، لإثبات وحدانية الله تعالى، والإقلاع عما أنتم فيه من عبادة الأوثان والأصنام.
ذلك المثل: هو هل ترضون أن يكون لكم أيها المشركون شركاء في أموالكم؟ وهؤلاء الشركاء هم عبيدكم يساوونكم في التصرف فيها، وأنتم وهم في المال سواء، تخافون أن يقاسموكم الأموال؟! وإذا كنتم تأنفون من ذلك، ولا ترضونه لأنفسكم، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه، وتجعلون عبيده شركاء له؟! والمعنى المقصود: أن أحدكم يأنف من ذلك أي بأن يساويه عبده في التصرف
стр. 6224
في أمواله، فكيف تجعلون لله الأنداد الأشباه من خلقه؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل ٦٢/ ١٦] أي من البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات لله، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى، ظل وجهه مسودا وهو كظيم، فهم يأنفون من البنات وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر.
﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك التفصيل والتبيان في إلزام الخصم الحجة القوية، نفصل الآيات ونوضحها لقوم يستعملون عقولهم ويتأملون فيما يقال لهم ويذكر من الأدلة المنطقية والحجج الإقناعية.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي ولكن هؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم اتبعوا أهواءهم جهلا منهم، ولم يحكّموا عقولهم، في عبادتهم الأنداد بغير مستند من عقل أو نقل، وساروا على غير هدى ولا علم ولا بصيرة.
﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ؟ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي إذا كان أمر هؤلاء الناس المشركين كذلك، فلا أحد يهديهم ويوفقهم إلى الحق، بعد أن اختاروا الكفر، وفقدوا الاستعداد للإيمان، وصار الشرك طبعا لهم، وخلقوا ميالين بالفطرة إليه، والله عالم بهم وبشأنهم قبل خلقهم، فصاروا معتمدين على أنفسهم، ولا ناصر لهم ينقذهم من بأس الله ولا مجير لهم من عذابه وشديد انتقامه إذا أحدق بهم؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الشركة بين المتفاوتين في الدرجة أو الطبقة مرفوضة في واقع الأمر
стр. 6225
وعادة الناس، وهي باطلة غير قائمة فعلا بين العبيد والسادة فيما يملكه السادة، وإذا كان الخلق كلهم عبيدا متساوين لله تعالى، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله.
وهذه الآية تنفي جميع محاسن العبادة عن غير الله تعالى، إذ لا ملك لهم فلم يصلحوا للشركة، ولا عظمة لهم حتى يعبدوا لعظمتهم، ولا يرتجى منهم منفعة حتى يعبدوا لنفع، وليس لهم قوة وقدرة؛ لأنهم عبيد، والعبد المملوك لا يقدر على شيء.
٢ - إذا ثبت أنه لا يجوز ولا يعقل أن يشارك المملوك مالكه، فلا يجوز أن يكون المخلوقون المملوكون لربهم شركاء له، ولكن الذين أشركوا تجاوزوا هذا المنطق، واتبعوا بعبادتهم الأصنام أهواءهم من غير دليل علمي، وقلدوا فقط الأسلاف في ذلك.
٣ - هؤلاء المشركون الذين اختاروا الشرك والكفر أضلهم الله، فلا هادي لهم، كما لا هادي لكل من أضله الله تعالى، وهم أيضا مخذولون فاقدو النصرة من أحد، ولا منقذ لهم من قدرة الله، ولا مجير، ولا حيلة لهم بالهرب من عذاب الله ولا محيد لهم عنه.
الأمر باتباع الإسلام دين الفطرة والتوحيد ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾
стр. 6226
الإعراب:
﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ منصوب بتقدير فعل، أي اتبع فطرة الله، دل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي اتبع الدين، أو منصوب على المصدر، تقديره: فطر الله الخلق فطرة، أو منصوب على الإغراء.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿فَأَقِمْ﴾. وإنما جمع حملا على المعنى؛ لأن الخطاب للرسول ﷺ ، والمراد به أمته، مثل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق ١/ ٦٥].
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ بدل بإعادة الجار، أي بدل من المشركين.
البلاغة:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ من إطلاق الجزء وإرادة الكل، أي توجه إلى الله بكليتك.
﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي اتبع الدين وأخلص فيه وأقبل على الإسلام واثبت عليه يا محمد ومن تبعك. ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا إلى الاستقامة، تاركا طرق الضلالة. ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ خلقة الله التي خلق الناس عليها من الشعور بالعبودية لله تعالى، وقبول الحق وإدراكه.
﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ لا ينبغي لأحد أن يغير فطرة الله وخلقه، وليس لكم أن تبدلوا دينه بأن تشركوا. ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي ذلك الدين المأمور باتباعه أو الفطرة بمعنى الملة هو الدين المستقيم أو المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو توحيد الله. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي أغلب الناس، مثل كفار مكة حين نزول الوحي لا يعلمون توحيد الله تعالى واستقامة الدين، لعدم تدبرهم وتفكرهم.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، والتزام ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي أقيموا الدين واتبعوه وخافوا الله؛ لأن الخطاب للرسول ﷺ والأمة معه، غير أن الآية صدرت بخطاب رسول الله ﷺ تعظيما له. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، وقرئ: فارقوا، اي تركوا دينهم الذي أمروا به.
﴿شِيَعاً﴾ فرقا، تشايع كل فرقة إمامها الذي قرر لها دينها وأصّله، أي وضع أصوله.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي كل حزب منهم بما عندهم مسرورون.
стр. 6227
المناسبة:
بعد بيان أدلة الوحدانية والقدرة الإلهية على كل شيء ومنه الحشر والبعث، وبعد توطين عزيمة الرسول ﷺ على الاعتزاز بدعوته وعدم الاهتمام بموقف المشركين منها، وترك الالتفات إليهم، أمر الله تعالى بمتابعة دين الإسلام، والثبات عليه، والإخلاص في العمل الذي اشتمل عليه؛ لأنه فطرة الله التي أودع النفوس والعقول عليها، والاعتراف بمضمونها، والشعور الصافي بمدلولها.
التفسير والبيان:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أي إذا تبين الحق في الاعتقاد والدين بدلائله السابقة، وبطل الشرك ومعالمه، فاتبع الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك الله لها، وأكملها لك، وهو دين الفطرة السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه خلقهم على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، وكن بذلك مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق. وهذا أمر للنبي ﷺ وأمر لأمته أيضا. وتلك الفطرة كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى﴾ [الأعراف ١٧٢/ ٧] وكما
قال النبي ﷺ في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه مسلم وأحمد: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»
وفي حديث آخر رواه البخاري ومسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء (١)، هل تحسّون فيها من جدعاء (٢)».
فكل من الآيتين والحديثين دليل على نقاوة أصل الخلق، وأن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وعلى الإسلام الصافي، ثم طرأ على بعضهم الأديان
стр. 6228
الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية.
وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله. وقدر فعل الخطاب للجماعة لقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾.
﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ أي لا ينبغي لأحد أن يبدّل أو يغير فطرة الله أي الخلقة الأصلية والملة السليمة، وهو خبر في معنى النهي أو الطلب، أي لا تبدلوا خلق الله ودينه بالشرك، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها.
وهذا دليل على سلامة الخلقة العقدية، ونقاوة العقل البشري في أصل التكوين والوجود، ثم يحدث التغيير بتأثيرات البيئة من أهواء وعلوم ومعارف زائغة، وموروثات باطلة وتقليد مستمر للأسلاف، دون إعمال الفكر وتكوين الاعتقاد بالنظرة المستقلة الصائبة، ولو ترك الإنسان وشأنه لما اختار غير الإسلام دينا؛ لأنه دين الفطرة والعقل.
﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك المأمور به من اتباع ملة التوحيد والتمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
غير أن أكثر الناس لا يعرفون ذلك حق المعرفة، فهم ناكبون عنه، لعدم إعمال فكرهم والإفادة من العلم الصحيح والبراهين الواضحة الدالة عليه، ولو فكروا وعقلوا وعلموا حق العلم، لما عدلوا عن ملة التوحيد وشريعة الإسلام وهديه.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي اتبعوا دين الله، مقبلين عليه، راجعين إليه، وإذا أقبلتم عليه وتركتم الدنيا، فلا تأمنوا فتتركوا عبادته، بل خافوه وداوموا على العبادة، وراقبوه فلا تفرطوا في طاعة، ولا ترتكبوا معصية، وأقيموا الصلاة، أي داوموا على إقامتها كاملة
стр. 6229
الأركان مستوفية الشروط، قائمة على الخشوع وتعظيم الله ، ولا تكونوا بعد الإيمان من المشركين به غيره، فلا تقصدوا بذلك غير الله، أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه، والعبادة الخالصة هي كما
جاء في الحديث الصحيح عند الشيخين عن عمر: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وروى ابن جرير عن يزيد بن أبي مريم قال: مرّ عمر ﵁ بمعاذ بن جبل، فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وأوصاف المشركين هي:
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي من المشركين الذين فرقوا دينهم أي اختلفوا فيما يعبدونه على حسب اختلاف أهوائهم، وبدلوا دين الفطرة وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وصاروا فرقا مختلفة كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة، كل فرقة منهم تفرح بما عندها وتسر وتعجب، وتزعم أن الصواب في جانبها، مع أنهم على الباطل الذي يناقض الحق الذي أراده الله واختاره دينا لعباده.
وهذا يشمل أيضا اختلاف الأمة الإسلامية، اختلفوا بينهم على مذاهب شتى في الاعتقاد والعمل، كلها ضلالة، إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، كما
روى الحاكم في مستدركه أنه سئل ﷺ عن الفرقة الناجية منهم، فقال: «من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وقرئ: «فارقوا دينهم».
стр. 6230
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الإسلام دين الفطرة والتوحيد، فهو دين يلائم أصل الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها.
وفطرة الله هي التوحيد، فإن الله خلق الناس موحدين مقرين بوجود ربهم وبوحدانيته، حيث أخذهم من ظهر آدم في عالم الذر، وسألهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟﴾ فقالوا: ﴿بَلى﴾ [الأعراف ١٧٢/ ٧].
٢ - أمر الله تعالى باتباع دين الفطرة النقية؛ لأنه دين التوحيد، والدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو دين الإسلام، وحذر من تبديله وتغييره، فلا يصح تبديل دين الله، قال البخاري: قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾: لدين الله، خلق الأولين، دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام.
كما حذر الله تعالى من الميل لأي دين آخر غير ملة الإسلام، بقوله:
﴿حَنِيفاً﴾ معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة.
٣ - إن أكثر الناس لا يتفكرون، فيعلمون أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه، وأن الإسلام هو الدين المستقيم.
٤ - أمر الله تعالى بالإنابة إليه، أي بالرجوع إليه بالتوبة والإخلاص، والإقبال عليه، وإطاعته، والتوبة إليه من الذنوب.
وأمر أيضا بالتقوى، أي بالخوف من الله وامتثال ما أمر به، وبإقامة الصلاة تامة كاملة مشتملة على الخشوع ومحبة الإله المعبود، وحذر من اقتران العبادة بالشرك، فأبان أن العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص، فلذلك قال:
стр. 6231
﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمراد إخراج العبد عن الشرك الخفي، أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا تطلبوا به إلا رضاء الله.
٥ - لقد غيّر الناس دين الفطرة، وجعلوا أديانا وآراء متناقضة، وذلك يشمل المشركين: عبدة الأوثان، واليهود والنصارى، والمسلمين أهل القبلة أصحاب الأهواء والبدع، كل حزب بما عندهم مسرورون معجبون؛ لأنهم لم يتبينوا الحق، وعليهم أن يتبينوه.
سوء حال بعض الناس بالرجوع إلى الله أحيانا
ثم الشرك والنكول ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾
الإعراب:
﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً﴾ ﴿سُلْطاناً﴾: قيل: هو جمع (سليط) كرغيف ورغفان، وقفيز وقفزان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، فمن ذكّر فعلى معنى الجمع، ومن أنثه فعلى معنى الجماعة. والأصح أن السلطان: الحجة، وتكلّمه مجاز كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الدلالة.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ .. ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿إِنْ﴾: شرطية، وجوابها قوله: ﴿إِذا﴾
стр. 6232
بمنزلة الفاء، وصارت ﴿إِذا﴾ بمنزلة الفاء؛ لأنها لا يبتدأ بها، كما لا يبتدأ بالفاء، بسبب أنها للمفاجاة. وإنما يبتدأ ب (إذا) إذا كان فيها معنى الشرط. و ﴿تُصِبْهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿يَقْنَطُونَ﴾:
خبره. و ﴿إِذا﴾ خبر آخر، تقديره: وبالحضرة هم قانطون.
البلاغة:
﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ﴾ أي المشركين كفار مكة وأمثالهم. ﴿ضُرٌّ﴾ شدة وبلاء. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه دون غيره. ﴿ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ أي خلاصا من تلك الشدة. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللام فيه لام العاقبة أو الصيرورة، مثل آية ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨] وقيل: للأمر بمعنى التهديد. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم.
﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار. ﴿سُلْطاناً﴾ حجة وكتابا. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تكلم دلالة، فهو مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي يأمرهم بالإشراك.
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ﴾ فئة من الكفار. ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة من صحة وسعة. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ فرح بطر، أي بطروا بسببها. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ شدة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بشؤم معاصيهم.
﴿يَقْنَطُونَ﴾ ييأسون من الرحمة. ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أولم يعلموا. ﴿يَبْسُطُ﴾ يوسع. ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ امتحانا. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق لمن يشاء ابتلاء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بربهم، فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة.
المناسبة:
بعد بيان التوحيد والاستدلال عليه عقلا وبالمثال، أبان الله تعالى حال فئتين من الناس: الأولى-بعض المشركين الذين يتضرعون إلى الله وقت الشدة، ويشركون به الأوثان والأصنام وقت الرخاء. والثانية-بعض الكفار أو
стр. 6233
المشركين غير المذكورين سابقا الذين تكون عبادتهم الله للدنيا، إن أوتوا منها رضوا، وإن منعوا منها سخطوا وقنطوا.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي إذا أصاب الناس عادة شدة أو بلاء من مرض أو قحط أو تعرض للخطر في جو أو بحر أو بر ونحو ذلك من حالات الاضطرار، لجؤوا إلى الله يدعونه وحده لا شريك له، وتضرعوا إليه واستغاثوا به مقبلين عليه، راجعين إليه، حتى إذا كشف عنهم البلاء وأسبغ عليهم النعمة، فاجأ فريق منهم في حالة الاختيار، يشركون بالله، ويعبدون معه غيره من الأوثان والأصنام.
فهم انتهازيون نفعيون يؤمنون بالله، ويدعونه دون سواه وقت المصلحة أو الحاجة الشديدة، ثم يتنكرون لربهم، ويعرضون عنه حال السراء والرخاء، بل ويشركون به سواه، وهذا مبعث العجب والاستغراب.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، أي ليؤول أمرهم إلى الكفر بنعمة الله، وجحود فضله وإحسانه. ورأى بعضهم أن الفعل فعل أمر للتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨] وكالأمر بعده:
﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الأمر للتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] أي استمتعوا أيها المشركون بمتاع الدنيا ورخائها، فمتاعها قصير زائل، فسوف تعلمون عقابي وشدة عذابي في الآخرة على كفركم في الدنيا.
قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب، لخفت منه، فكيف والمتوعّد هاهنا هو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾؟!
стр. 6234
ثم أنكر الله تعالى على المشركين فيما اختلفوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة، فقال:
﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي أأنزلنا عليهم في عبادة الأوثان حجة وكتابا فيه تقرير ما يفعلون، وينطق أو يدل ويشهد بشركهم؟! وهذا استفهام إنكاري معناه أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم ينزل الله عليهم كتابا بما يقولون، ولا أرسل رسولا، وإنما هو شيء اخترعوه، وفي ضلالتهم يترددون.
وبعد ان بيّن الله تعالى حال المشرك الظاهر شركه، بيّن حال المشرك الذي دونه، وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه منها رضي، وإذا منعه سخط وقنط، فقال:
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي إذا أنعم الله على بعض الناس نعمة بطر بها، كما قال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود ١٠/ ١١] أي يفرح في نفسه، ويفخر على غيره؛ وإذا أصابته شدة أو شر قنط وأيس من رحمة الله وسخط؛ لأن إصابته بالسيئة كان بسبب شؤم معصيته.
ويلاحظ أنه تعالى لم يذكر عند النعمة سببا لها لتفضله بها، وذكر عند العذاب سببا تحقيقا للعدل.
وهذا إنكار على الإنسان وطبيعته، لكن في آية أخرى عقب آية هود المتقدمة استثنى تعالى المؤمنين الصابرين فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود ١١/ ١١] أي الذين صبروا في الضراء وعملوا الصالحات،
كما ثبت في الصحيح عند أحمد ومسلم عن صهيب: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له».
стр. 6235
ثم نبههم تعالى إلى ما يطرد اليأس والقنوط، فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي ألم يعلموا ويشاهدوا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا، بغض النظر عن وجود صفة الكفر، ويضيق الرزق على من يشاء ابتلاء، ولو مع وجود الإيمان وصالح الأعمال، فالله هو المتصرف الفاعل للأمرين بحكمته وعدله، يوسع على قوم، ويضيق على آخرين، دون نظر إلى صفتي الإيمان والكفر؛ لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، والمؤمن: هو الراضي بقضاء الله وقدره، ولا ييأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في ذلك المذكور من سعة الرزق وإقتاره لدلالة واضحة على الإيمان الصادق، وحجة للمؤمن المصدق بوحدانية الله وقدرته تجعله يفوض الأمر إلى الله وحده.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
١ - إن حال فريق من المشركين أو الكفار مدعاة للعجب، فهم يتركون الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، وتراهم لا يثبتون على وتيرة واحدة، فإذا مسّهم ضرّ من مرض أو شدة، دعوا ربهم، أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم، وأقبلوا عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها، وإذا أنعم الله عليهم بنعمة أو عافية أشركوا به في العبادة.
٢ - إن مصير هؤلاء هو ملازمة الكفر، وقد هددهم الله وأوعدهم على تمتعهم بمتاع الدنيا، ثم يجدون جزاءهم العادل في عالم الآخرة.
٣ - لا حجة ولا برهان للكافرين على كفرهم، فالله لم ينزل عليهم في شأن