← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمراد إخراج العبد عن الشرك الخفي، أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا تطلبوا به إلا رضاء الله. ٥ - لقد غيّر الناس دين الفطرة، وجعلوا أديانا وآراء متناقضة، وذلك يشمل المشركين: عبدة الأوثان، واليهود والنصارى، والمسلمين أهل القبلة أصحاب الأهواء والبدع، كل حزب بما عندهم مسرورون معجبون؛ لأنهم لم يتبينوا الحق، وعليهم أن يتبينوه. سوء حال بعض الناس بالرجوع إلى الله أحيانا ثم الشرك والنكول ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾ الإعراب: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً﴾ ﴿سُلْطاناً﴾: قيل: هو جمع (سليط) كرغيف ورغفان، وقفيز وقفزان، ويجوز فيه التذكير والتأنيث، فمن ذكّر فعلى معنى الجمع، ومن أنثه فعلى معنى الجماعة. والأصح أن السلطان: الحجة، وتكلّمه مجاز كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن، ومعناه الدلالة. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ .. ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ﴿إِنْ﴾: شرطية، وجوابها قوله: ﴿إِذا﴾

стр. 6232

بمنزلة الفاء، وصارت ﴿إِذا﴾ بمنزلة الفاء؛ لأنها لا يبتدأ بها، كما لا يبتدأ بالفاء، بسبب أنها للمفاجاة. وإنما يبتدأ ب (إذا) إذا كان فيها معنى الشرط. و ﴿تُصِبْهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿يَقْنَطُونَ﴾: خبره. و ﴿إِذا﴾ خبر آخر، تقديره: وبالحضرة هم قانطون. البلاغة: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ﴾ أي المشركين كفار مكة وأمثالهم. ﴿ضُرٌّ﴾ شدة وبلاء. ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه دون غيره. ﴿ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ أي خلاصا من تلك الشدة. ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي فاجأ فريق منهم الإشراك بربهم. ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللام فيه لام العاقبة أو الصيرورة، مثل آية ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ [القصص ٨/ ٢٨] وقيل: للأمر بمعنى التهديد. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تمتعكم. ﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار. ﴿سُلْطاناً﴾ حجة وكتابا. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تكلم دلالة، فهو مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. ﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي يأمرهم بالإشراك. ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ﴾ فئة من الكفار. ﴿رَحْمَةً﴾ نعمة من صحة وسعة. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ فرح بطر، أي بطروا بسببها. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ شدة. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بشؤم معاصيهم. ﴿يَقْنَطُونَ﴾ ييأسون من الرحمة. ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أولم يعلموا. ﴿يَبْسُطُ﴾ يوسع. ﴿لِمَنْ يَشاءُ﴾ امتحانا. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق لمن يشاء ابتلاء. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بربهم، فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة. المناسبة: بعد بيان التوحيد والاستدلال عليه عقلا وبالمثال، أبان الله تعالى حال فئتين من الناس: الأولى-بعض المشركين الذين يتضرعون إلى الله وقت الشدة، ويشركون به الأوثان والأصنام وقت الرخاء. والثانية-بعض الكفار أو

стр. 6233

المشركين غير المذكورين سابقا الذين تكون عبادتهم الله للدنيا، إن أوتوا منها رضوا، وإن منعوا منها سخطوا وقنطوا. التفسير والبيان: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً، إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي إذا أصاب الناس عادة شدة أو بلاء من مرض أو قحط أو تعرض للخطر في جو أو بحر أو بر ونحو ذلك من حالات الاضطرار، لجؤوا إلى الله يدعونه وحده لا شريك له، وتضرعوا إليه واستغاثوا به مقبلين عليه، راجعين إليه، حتى إذا كشف عنهم البلاء وأسبغ عليهم النعمة، فاجأ فريق منهم في حالة الاختيار، يشركون بالله، ويعبدون معه غيره من الأوثان والأصنام. فهم انتهازيون نفعيون يؤمنون بالله، ويدعونه دون سواه وقت المصلحة أو الحاجة الشديدة، ثم يتنكرون لربهم، ويعرضون عنه حال السراء والرخاء، بل ويشركون به سواه، وهذا مبعث العجب والاستغراب. ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، أي ليؤول أمرهم إلى الكفر بنعمة الله، وجحود فضله وإحسانه. ورأى بعضهم أن الفعل فعل أمر للتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩/ ١٨] وكالأمر بعده: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الأمر للتهديد، كما في قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١] أي استمتعوا أيها المشركون بمتاع الدنيا ورخائها، فمتاعها قصير زائل، فسوف تعلمون عقابي وشدة عذابي في الآخرة على كفركم في الدنيا. قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب، لخفت منه، فكيف والمتوعّد هاهنا هو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾؟!

стр. 6234

ثم أنكر الله تعالى على المشركين فيما اختلفوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة، فقال: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي أأنزلنا عليهم في عبادة الأوثان حجة وكتابا فيه تقرير ما يفعلون، وينطق أو يدل ويشهد بشركهم؟! وهذا استفهام إنكاري معناه أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم ينزل الله عليهم كتابا بما يقولون، ولا أرسل رسولا، وإنما هو شيء اخترعوه، وفي ضلالتهم يترددون. وبعد ان بيّن الله تعالى حال المشرك الظاهر شركه، بيّن حال المشرك الذي دونه، وهو من تكون عبادته الله للدنيا، فإذا آتاه منها رضي، وإذا منعه سخط وقنط، فقال: ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي إذا أنعم الله على بعض الناس نعمة بطر بها، كما قال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود ١٠/ ١١] أي يفرح في نفسه، ويفخر على غيره؛ وإذا أصابته شدة أو شر قنط وأيس من رحمة الله وسخط؛ لأن إصابته بالسيئة كان بسبب شؤم معصيته. ويلاحظ أنه تعالى لم يذكر عند النعمة سببا لها لتفضله بها، وذكر عند العذاب سببا تحقيقا للعدل. وهذا إنكار على الإنسان وطبيعته، لكن في آية أخرى عقب آية هود المتقدمة استثنى تعالى المؤمنين الصابرين فقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود ١١/ ١١] أي الذين صبروا في الضراء وعملوا الصالحات، كما ثبت في الصحيح عند أحمد ومسلم عن صهيب: «عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له».

стр. 6235

ثم نبههم تعالى إلى ما يطرد اليأس والقنوط، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي ألم يعلموا ويشاهدوا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده امتحانا، بغض النظر عن وجود صفة الكفر، ويضيق الرزق على من يشاء ابتلاء، ولو مع وجود الإيمان وصالح الأعمال، فالله هو المتصرف الفاعل للأمرين بحكمته وعدله، يوسع على قوم، ويضيق على آخرين، دون نظر إلى صفتي الإيمان والكفر؛ لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، والمؤمن: هو الراضي بقضاء الله وقدره، ولا ييأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في ذلك المذكور من سعة الرزق وإقتاره لدلالة واضحة على الإيمان الصادق، وحجة للمؤمن المصدق بوحدانية الله وقدرته تجعله يفوض الأمر إلى الله وحده. فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيات على ما يأتي: ١ - إن حال فريق من المشركين أو الكفار مدعاة للعجب، فهم يتركون الإنابة إلى الله تعالى مع تتابع الحجج عليهم، وتراهم لا يثبتون على وتيرة واحدة، فإذا مسّهم ضرّ من مرض أو شدة، دعوا ربهم، أي استغاثوا به في كشف ما نزل بهم، وأقبلوا عليه وحده دون الأصنام، لعلمهم بأنه لا فرج عندها، وإذا أنعم الله عليهم بنعمة أو عافية أشركوا به في العبادة. ٢ - إن مصير هؤلاء هو ملازمة الكفر، وقد هددهم الله وأوعدهم على تمتعهم بمتاع الدنيا، ثم يجدون جزاءهم العادل في عالم الآخرة. ٣ - لا حجة ولا برهان للكافرين على كفرهم، فالله لم ينزل عليهم في شأن

стр. 6236

إقرار كفرهم كتابا ولا أرسل رسولا، ولم يسوغ ذلك في أي وثيقة يعتمدون عليها. ٤ - أنكر الله تعالى على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه ووفقه، حيث إنه يفرح ويبطر حال الخصب والسعة والعافية وغيرها من النعم، وييأس ويقنط من الرحمة والفرج حال البلاء والعقوبة، بما عمل من المعاصي. أما المؤمن فيشكر عند الرخاء، ويصبر عند البلاء. ٥ - الله تعالى وحده هو المتصرف في أرزاق العباد، فيوسع الخير في الدنيا لمن يشاء أو يضيق، على وفق الحكمة والعدل، فلا يصح أن يكون الفقر سببا للقنوط، ولا ينبغي أن يكون الغنى سببا للبطر، فكل من الغنى والفقر من الله تعالى، وعلى المؤمن الموحد تفويض أمر الرزق إلى الله سبحانه. الترغيب بالنفقة وأنواع العطاء وضمان الرزق وإثبات الحشر والتوحيد ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ البلاغة: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.﴾. سجع مرصّع.

стр. 6237

المفردات اللغوية: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ أعط القريب حقه من صلة الرحم والبرّ به، واحتج به الحنفية على وجوب النفقة للمحارم. ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ هو المحتاج وهو المعدم الذي لا مال له. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر المحتاج إلى المال، وإيتاؤهما: إعطاؤهما ما وظّف لهما من الزكاة. والخطاب للنبي ﷺ ، وأمته تبع له في ذلك. ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ ثوابه بما يعملون أو ذاته أو جهته قاصدين إياه بمعروفهم خالصا. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً﴾ أي ما فعلتم من ربا، وهو الزيادة، والمراد بها الهبة أو الهدية التي يقصد بها الوصول إلى أكثر منها. ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ المعطين أي يزيد. ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ لا يزكو عنده، ولا يبارك فيه، ولا ثواب فيه للمعطين. ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ أي صدقة. ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ ثوابهم بما أرادوه، أي يضاعف الله لهم الثواب، مأخوذ من (أضعف) إذا صار ذا ضعف. المناسبة: لما ذكر الله تعالى أنه هو الباسط الرازق لمن يشاء والقابض له، وجعل في ذلك آية للمؤمن، أردفه بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان لذوي الحاجة، فإن الله إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق، وإذا قدر وقتّر لا يزداد بالإمساك، ولأن من الإيمان الشفقة على خلق الله من قريب أو مسكين وابن سبيل. التفسير والبيان: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ يأمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء، فيقول: فأعط أيها الرسول ومن تبعك من أمتك المؤمنين ذوي القرابة حقهم من صلة الرحم والبرّ بهم والإحسان إليهم؛ لأنهم جزء من رابطة الدم والنسب، فكانوا أحق الناس بالتواصل والتزاور والشفقة، وأعط الحق أيضا للمسكين الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، ومثله المسافر البعيد عن ماله المحتاج إلى نفقة وحوائج السفر. وسرعة المواصلات لا تستأصل حاجة هذا المسافر، وإنما تقلل من المبلغ المالي الذي يحتاج إليه.

стр. 6238

وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. والظاهر أن الحق ليس الزكاة، وإنما يصير حقا بالإحسان والمواساة. وقدم ذا القربى على المسكين وابن السبيل للاهتمام به؛ لأن بره صدقة وصلة. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي إن الإيتاء أو الإعطاء لمن ذكر خير في ذاته لمن يقصدون بعملهم وجه الله خالصا، أي يطلبون ذاته أو جهته أو ثوابه ورضوانه يوم القيامة، دون أن يفعلوا ذلك رياء ولا سمعة وشهرة، وأولئك هم المفلحون الفائزون في الدنيا والآخرة. وكون هذا الإعطاء خيرا؛ لأنه سبب لتكافل الأسرة وتعاون المسلمين فيما بينهم، وفي التكافل والتعاون قوة وتوادد وتراحم وتآزر، وتخلص من أمراض الفقر والتمزق والحقد والحسد. ثم ذكر نوعين من أنواع العطاء: أحدهما حسن مقبول عند الله والآخر قبيح مبغوض عند الله، أما القبيح فهو الربا، وأما الحسن فهو الزكاة، والقبيح هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ، فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ أي من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فلا ثواب له عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر ٦/ ٧٤] أي لا تعط عطاء تريد أكثر منه، وهذا حرام على النبي ﷺ على الخصوص، حلال على غيره، لكن لا ثواب فيه. قال ابن عباس: الربا نوعان: ربا لا يصح، وهو ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وإضعافها، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾.

стр. 6239

وروي مثل ذلك عن عكرمة والضحاك ومجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي. وأما العطاء الحسن الذي يثاب عليه صاحبه فهو الزكاة كما قال تعالى: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي ومن أعطى صدقة يقصد بها وجه الله وحده خالصا، فله الثواب المضاعف والجزاء الأفضل عند الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٥/ ٢] وقال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد ١١/ ٥٧] وجاء في الحديث الصحيح: «وما تصدّق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها، كما يربّي أحدكم فلوّه أو فصيله، حتى تصير التمرة أعظم من أحد» (١) الجبل المعروف في المدينة. ثم أكد الله تعالى ما سبق بأن الزيادة والنماء داخل في رزق الله المحدد لكل إنسان، فقال: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي الله هو الخالق الرازق الذي يرزق الإنسان من الميلاد إلى الوفاة، ثم هو المميت بعد هذه الحياة، ثم هو المحيي يوم القيامة للحشر والبعث. ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟﴾ أي هل من آلهتكم الذين تعبدونهم من دون الله من يفعل من ذلكم شيئا، أي من الخلق أو الرزق أو الإماتة أو الإحياء؟! لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، لهذا قال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله وتقدس وتعاظم عن أن

стр. 6240

يكون له شريك أو نظير أو مساو أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد. وأضاف الشركاء إلى عبدة الأصنام لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم. ويلاحظ أنه تعالى جمع في هذه الآية بين إثبات الأصلين: الحشر والتوحيد، أما الحشر فبقوله: ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ بدليل قدرته على الخلق في ابتداء الخليقة، وأما التوحيد فبقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - يأمر الله تعالى بصلة الأقارب ذوي الأرحام، وبمساعدة المسكين وابن السبيل، وقد فضّل رسول الله ﷺ الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة، وقد أعتقت وليدة (أمة رقيقة): «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك». والأصح أن الآية ليست منسوخة بآية المواريث، فللقريب حق لازم في البرّ على كل حال، ومعاونة المحتاجين من الفقراء والمنقطعين في الأسفار عن الوصول لبلادهم من مظاهر البرّ والخير في الإسلام. وفسر ابن عباس ﴿الْمِسْكِينَ﴾ فقال: أي أطعم السائل الطوّاف، و ﴿اِبْنَ السَّبِيلِ﴾ بأنه الضيف، فجعل الضيافة فرضا. واستدل أبو حنيفة كما بينا بالآية على وجوب النفقة للمحارم المحتاجين. ٢ - إن إعطاء الحق المقرر شرعا لمن ذكر أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب إليه، وفاعلوه هم المفلحون الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. ٣ - إذا كان العطاء بقصد التوصل إلى الزيادة والأفضل فهو حرام على

стр. 6241

النبي ﷺ خاصة، مباح لأمته، وإن كان لا ثواب فيه. وهذا هو الربا الحلال أو هبة الثواب. أما الربا الحرام شرعا الذي يمحقه الله، وإثمه كبير فهو ربا البيع وربا القرض، وهو إعطاء الشيء وأخذ بدل عنه بشرط في العقد، أو عمل بالعرف السائد. ٤ - إذا كان العطاء صدقة أو زكاة بقصد إرضاء الله وابتغاء الثواب من عنده، فله ذلك عند الله بفضله ورحمته. والعطاء لحق القرابة وصلة الرحم يكون لوجه الله. أما إذا كان العطاء رياء وسمعة ليحمده الناس ويثنوا عليه من أجله، فلا ثواب فيه في الدنيا، ولا أجر في الآخرة؛ قال الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة ٢٦٤/ ٢]. ٥ - «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» فلا يبارك الله في المأخوذ من الآخرين مقابل الهدية أو الهبة ولا ينمو ولا ثواب فيه عند الله تعالى، وأما المعطى بقصد رضوان الله، فذلك الذي يقبله الله، ويضاعف ثوابه عشرة أضعافه إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن فضل الله لا يحد ولا ينحصر ويمنح من يشاء. ٦ - الله تعالى هو القادر على البعث والحشر، كما خلقنا أول مرة، وهو الإله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له، الخالق الرازق المميت المحيي، المنزه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والولد. ولن تستطيع الآلهة المزعومة سواه شيئا من أفعاله السابقة كالخلق والرزق والإحياء والإماتة. جزاء المفسدين والكافرين وجزاء المؤمنين ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)﴾

стр. 6242

البلاغة: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بينهما طباق. ﴿بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ مجاز مرسل بإطلاق الجزء وهو الأيدي وإرادة الكل. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ استعارة، شبه القائم بالأعمال الصالحة بمن يمهد فراشه ويعدّه للنوم عليه، توفيرا للراحة والسلامة. المفردات اللغوية: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الفساد: الخلل في الأشياء، كالجدب والقحط وقلة النبات، وكثرة الحرق والغرق وأخذ المال ظلما وكثرة المضار وقلة المنافع. والبر: الجزء اليابس من الأرض. والبحر: الجزء المائي، والمراد: في أهل البر سكان القرى والمدن والفيافي، وأهل البحر سكان السواحل، وركاب البحار. ﴿بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ بسبب معاصيهم وذنوبهم ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي أن الله قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها ليذيقهم وبال بعض أعمالهم وعقوبته في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما هم عليه ويتوبون. واللام: للتعليل أو للعاقبة. ﴿قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قل يا محمد لكفار قريش وأمثالهم، تأملوا فيما حدث في الأرض، لتشاهدوا مصداق ذلك، وتتحققوا صدقه. ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشوّ الشرك فيهم. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ أي وجّه نفسك للعمل بالدين المستقيم، البليغ الاستقامة وهو دين الإسلام. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي قبل يوم القيامة الذي لا يقدر أن يرده واحد فلا راد له ولا مانع منه. ﴿مِنَ اللهِ﴾ متعلق بفعل ﴿يَأْتِيَ﴾ ويجوز تعلقه بقوله ﴿مَرَدَّ﴾ على معنى: لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئة. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يتصدعون، أي يتفرقون بعد الحساب، فريق في الجنة، وفريق في السعير. ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي فعليه وبال كفره وهو النار المؤبدة. ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يوطئون منزلهم ويسوونه في الجنة. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ علة ليمهدون، أو ليصدعون، متعلق به. والاقتصار على

стр. 6243

جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يثيبهم من فضله، وهذا دليل على أن الإثابة تفضل محض. ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ أي يعاقبهم. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى سوء حال المشركين، والشرك سبب الفساد، بدليل قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء ٢٢/ ٢١] ذكر أن الفساد قد ظهر بين الناس، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وفشا الظلم، وكثرت الحروب، ثم نبههم وأمرهم بالمسير في الأرض، فينظروا كيف أهلك الأمم بسبب معاصيهم وإشراكهم، فإن الله تعالى أهلك قوما بسبب الشرك، وقوما بسبب المعاصي، والإهلاك قد يكون بالشرك، وقد يكون بالمعاصي، ثم أمر تعالى رسوله بالثبات في الدين الحق قبل مجيء الحساب الذي يتفرق فيه الناس: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كفر فعليه وبال كفره، ومن آمن وعمل صالحا فقد أعد لنفسه المهاد الذي يستريح عليه. التفسير والبيان: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ، لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي عمّ العالم ظهور الخلل والانحراف، وكثرة المضار وقلة المنافع ونقص الزروع والأنفس والثمرات، وقلة المطر وكثرة الجدب والقحط والتصحر، بسبب شؤم معاصي الناس وذنوبهم، من الكفر والظلم، وانتهاك الحرمات، ومعاداة الدين الحق، وعدم مراقبة الله في السر والعلن. والاعتداء على الحقوق وأكل مال الغير بغير حق، ليذيقهم الله جزاء بعض عملهم وسوء صنيعهم من المعاصي والآثام، وحينئذ ربما يرجعون عن غيهم ومعاصيهم، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف ١٦٨/ ٧].

стр. 6244

ثم هدد الله تعالى على ظهور الفساد بالعقاب كعقاب الأمم السابقة، فقال: ﴿قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قل أيها الرسول للمفسدين والمشركين: سيروا في البلاد، وتأملوا بمصير من قبلكم، وكيف أهلك الله الأمم المتقدمة، وأذاقهم سوء العذاب بسبب كفرهم وسوء أعمالهم، وانظروا ما حلّ بهم من تكذيب الرسل وكفران النعم، وأن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر، وكان أيضا بغير الشرك كالإهلاك بالفسق والمخالفة، كما فعل بأصحاب السبت ﴿الْيَهُودُ﴾. قال في الكشاف: دل بقوله: ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم، وأن ما دونه من المعاصي يكون سببا لذلك (١). فسبب عذابهم في الغالب هو كفرهم بآيات ربهم وتكذيبهم رسله، وهو تعليل لما سبق، فهو دليل على تعليل الأحكام، وعلى التزام ظاهرة العدل في العقاب الإلهي. وبعد بيان ظاهرة الشرك والانحراف والفساد وبيان عاقبتها، وبعد نهي الكافر عما هو عليه، ذكر تعالى ما يقابلها من حال الاستقامة، وأمر المؤمن بما هو عليه، فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي بادر أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين إلى الاستقامة في طاعة الله، وبادر إلى الخيرات، ووجه نفسك كلها وبإخلاص للعمل بالدين المستقيم، البليغ الاستقامة، وهو دين الإسلام من قبل مجيء يوم القيامة الذي لا رادّ له ولا مانع منه، فلا بد من وقوعه؛ لأن الله كتب مجيئه وقدّره، وما قدّره وأراد حدوثه فلا راد له ولا بد أن يكون.

стр. 6245

ذلك اليوم الذي يتفرق فيه الناس بحسب أعمالهم، ففريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم بين الله تعالى أن جزاء كل فريق بحسب عمله ونتيجة فعله، فقال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي من كفر بالله وكتبه ورسله، وكذب باليوم الآخر، فعليه وبال كفره ووزره وإثمه وعاقبته، ومن آمن بالله وكتبه ورسله وبالبعث، وعمل الأعمال الصالحة، فأطاع الله فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه، فقد أعدّ لنفسه الفراش الوطيء الوثير المريح، والمسكن الفسيح، والقرار الدائم. وإنما قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً﴾ ولم يقل: ومن آمن؛ لأن العمل الصالح المقبول لا يكون إلا بعد الإيمان، ولأن بالعمل الصالح يكمل الإيمان، فذكره تحريضا للمكلف عليه، وأما الكفر إذا حدث فلا زنة للعمل معه. وسبب التفرقة في الجزاء هو ما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ أي أنا المجازي فكيف يكون الجزاء؟ وأنهم يتفرقون فريقين فكيف يجازون؟ إنني أجازي المؤمنين الذين يعملون الصالحات بفضلي وإحساني، فالمجازاة مجازاة الفضل، فأكافئ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى ما شاء الله، وأما الكافرون فإن الله يبغضهم ويعاقبهم، ولكنه عقاب عادل لا يجور فيه، وهذا تهديد ووعيد. ودل قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ على أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، لقلته وحقارته، ولكن بمحض فضل الله تعالى. ويلاحظ أنه عند ما أسند الله تعالى الكفر والإيمان إلى العبد المخلوق، قدّم الكافر، فقال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وعند ما أسند الجزاء إلى نفسه، قدم

стр. 6246

المؤمن، إظهارا للكرم والرحمة، فقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ لأنه تهديد ووعيد. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يلي: ١ - انتشار ظاهرة الفساد والانحراف في العالم، من الشرك أعظم الفساد، والقحط وقلة النبات وذهاب البركة، والمعاصي وقطع السبيل والظلم وغير ذلك من الآثام والذنوب. والعالم هو البر والبحر المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس، لا ما قاله بعض المفسرين: البر: الفيافي، والبحر: القرى، والعرب تسمي الأمصار البحار. ٢ - إن ظهور الفساد سبب للدمار والهلاك في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وعقاب الدنيا على المعاصي التي عملها بعض الناس في البر والبحر، كحبس الغيث وغلاء الأسعار، وكثرة الحروب، والفتن والقلاقل، قد يكون باعثا على التوبة، وحافزا على الرجوع إلى الله والاستقامة على الطاعة، واجتناب الذنوب والمنكرات. ٣ - على الناس قديما وحديثا أن يعتبروا بمن قبلهم من الأمم السابقة، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل، وقد كان أكثرهم مشركين أي كافرين فأهلكوا. ٤ - النبي والمؤمنون مخاطبون بتوجيه القصد والعزيمة إلى اتباع الدين القيم، يعني الإسلام، في دار التكليف دار الدنيا، قبل مجيء يوم القيامة الذي لا يردّه الله عنهم ولا عن غيرهم، وليس لأحد دفعه أو منعه، لعجزه عن ذلك أمام قدرة الله وقدره وقضائه السابق.

стр. 6247

وخاطب الله النبي ﷺ ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به، فإنه أمر به أشرف الأنبياء، وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء، كما قال ﵊ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: «إن الله أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين». ٥ - يتفرق الناس يوم القيامة فريقين بحسب أعمالهم: فريق في الجنة، وفريق في السعير. ٦ - للكافر جزاء كفره وهو النار، وللمؤمن الذي عمل صالحا الجنة، وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات يوطّئون أو يقدمون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح. ٧ - اقتضت رحمة الله أن يجزي الله من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذي يمهّدون لأنفسهم، ليتميز المسلم من الكافر، وكل إنسان يدخل الجنة بفضل الله ورحمته، لا بعمله، حتى الأنبياء. كذلك كان مقتضى العدل أن يجازى الكافرون ويعاقبوا على كفرهم ومعاصيهم؛ إذ لا يعقل التسوية بين المسلمين والكافرين كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم ٣٥/ ٦٨ - ٣٨]. الاستدلال بالرياح والأمطار على قدرة الله وتوحيده ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾

стр. 6248

الإعراب: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ تكرار ﴿قَبْلِ﴾ إما للتأكيد، وإما مع اختلاف التقدير والضمير، أي: وإن كانوا من قبل أن ينزل الغيث عليهم من قبل السحاب لمبلسين، والضمير يعود إلى السحاب في قوله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحاباً﴾ والسحاب يجوز تذكيره وتأنيثه. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾، الهاء يعود إلى الزرع الذي دل عليه. ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ أو إلى السحاب، وإذا أريد به الزرع فسبب تذكير الضمير: أن تأنيث الرحمة غير حقيقي. ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ في موضع نصب على الحال، حملا على المعنى؛ لأن اللفظ لفظ الاستفهام، والحال خبر، والتقدير: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها. البلاغة: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ، وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ .. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بأسلوب الإطناب، فإنه أسهب تذكيرا للعباد بالنعم الكثيرة، وكان يكفي الجملة الأخيرة. ﴿أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً﴾ فيهما جناس الاشتقاق. ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَانْتَقَمْنا﴾ فيه إيجاز بالحذف، حذف منه: فكذبوهم واستهزءوا بهم. المفردات اللغوية: ﴿الرِّياحَ﴾ أي رياح الخير والرحمة وهي الشمال والصبا والجنوب، وأما الدّبور فريح العذاب، قال ﷺ : «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا». ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ تبشر بالخير وهو

стр. 6249

المطر. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي ليذيقكم بها المطر والخصب أي المنافع التابعة لها. ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ السفن بها بإذنه. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الرزق من فضل الله بالتجارة في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا نعمة الله فيها، فتوحدوه. ﴿فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم، فكذبوهم. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أهلكنا الذين كذبوا، ودمرنا الذين فعلوا جرما. ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين. وهو إشعار بأن الانتقام لصالح المؤمنين وإظهار كرامتهم، حيث جعلهم الله مستحقين لديه أن ينصرهم، قال ﵊ فيما رواه الطبراني وغيره عن أبي الدرداء: «ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم» ثم تلا الآية. ﴿فَتُثِيرُ﴾ أي تحرك وتهيج. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ﴾ ينشره متصلا بعضه ببعض. ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ من قلة وكثرة، ﴿كِسَفاً﴾ قطعا متفرقة، وقرئ بسكون السين، تخفيفا. ﴿الْوَدْقَ﴾ المطر. ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ وسطه. ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ أصاب بالودق بلادهم وأراضيهم. ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بالمطر أمارة الخصب. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كرره للتأكيد والدلالة على طول زمن تأخر المطر. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ آيسين من إنزاله. ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ آثار الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار، وقرئ: إلى أثر. ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يبسها، بأن يجعلها تنبت، وقرئ: تحيي بإسناده إلى ضمير الرحمة. ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ لقادر على إحيائهم. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي أن قدرته على جميع الممكنات سواء. ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم. ﴿أَرْسَلْنا رِيحاً﴾ مضرة على نبات. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ فرأوا الأثر أو الزرع، وقد صار جواب القسم. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد اصفراره. ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يجحدون النعمة بالمطر، وقوله: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ جواب سد مسد جزاء الشرط، وحرف الشرط هو (إن) في قوله ﴿وَلَئِنْ﴾. المناسبة: بعد وصف ظاهرة الفساد في العالم بسبب الشرك والمعاصي، أقام الله تعالى الأدلة القاطعة على وحدانيته بإرسال الرياح والأمطار، وعلى البعث والنشور وعلى قدرته ورحمته بإحياء الأرض بعد موتها، وتخلل ذلك التسرية عن الرسول ﷺ بأنه ليس أول من كذبه الناس، فقد تقدمه رسل كثيرون جاؤوا أقوامهم بالبينات فكذبوهم، فانتقم الله منهم بالتدمير والهلاك، فلا يجزع ولا يحزن، والنصر دائما في جانب المؤمنين.

стр. 6250

التفسير والبيان: يذكر الله تعالى نعمه وفضله على خلقه بإرساله الرياح مبشرات بمجيء الغيث، فقال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ، وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ومن أدلة وحدانيته تعالى وقدرته ونعمته وآياته الكونية أنه المهيمن على كل شيء في الوجود، فيرسل الرياح مبشرة بالخير والبركة ونزول المطر الذي يحيي الأرض بعد يبسها، وينبت الزرع ويخرج الثمر، وليذيق الناس من آثار رحمته بالمطر الذي ينزله، فيحيي به العباد والبلاد، ولتسيير السفن في البحار بالريح، وللتمكين من ممارسة التجارة والتنقل في البلاد والأقطار للكسب والمعيشة ولشكر الله تعالى على ما أنعم به من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم ٣٤/ ١٤]. ثم سلّى الله تعالى عبده ورسوله محمدا ﷺ ، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ، فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا، وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كذبك كثير من قومك أيها الرسول، فلست أول من كذّب، فلقد كذّبت الرسل المتقدمون بالرغم مما جاؤوا به أممهم من الدلائل الواضحات على أنهم رسل من عند الله، فكذبوهم كما كذبك قومك، فانتقم الله ممن كذبهم وخالفهم، ونجّى المؤمنين الذين صدقوا بالله ورسله، وما جرى على النظير يجري على نظيره قياسا عقليا وشرعيا، فسيكون الانتقام من كفرة قومك كالانتقام ممن تقدمهم. والخلاصة: أن الله تعالى بعد إثبات الأصلين: الوحدانية والبعث، ذكر الأصل الثالث وهو النبوة. ثم أخبر الله تعالى عن مبدأ عام وهو تأييد المؤمنين بالنصر، وأنه حق أوجبه

стр. 6251

الله على نفسه الكريمة تكرما وتفضلا، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤/ ٦]. وفي هذا وعيد للكفار بالهزيمة ووعد وبشارة بالظفر للمؤمنين. روى ابن أبي حاتم والطبراني والترمذي وابن مردويه عن أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم أبان تعالى كيفية خلقه السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحاباً، فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي الله هو الذي يسير الرياح على وفق الحكمة ومقتضى الإرادة إلى الجهة المرادة، فتحرك السحاب وتهيجه بعد سكونه، فينشره في السماء ويجمعه ويكثره، فيجعل من القليل كثيرا، ثم يجعله قطعا متفرقة ذات أحجام متنوعة، فتارة يكون السحاب خفيفا، وتارة يأتي السحاب من جهة البحر مشبعا بالرطوبة، ثقيلا مملوءا بذرات الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً، سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف ٥٧/ ٧]. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي فتنظر المطر أو القطر يخرج من وسط ذلك السحاب، فإذا أصاب به الله بمشيئته بعض العباد والبلاد، فرحوا بنزوله عليهم ووصوله إليهم، لحاجتهم إليه. فقوله ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ الضمير عائد في الظاهر على السحاب؛ إذ هو المحدّث عنه.

стр. 6252

﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ أي ينزل عليهم هذا المطر بعد أن كانوا قبل نزوله قانطين يائسين من نزوله قبل ذلك، فكانت الفرحة شديدة التأثير في نفوسهم، لمفاجأتهم بالغيث الذي كادوا ييأسون من نزوله. وتكرار كلمة ﴿قَبْلِهِ﴾ أي قبل الإنزال للتأكيد. ومجمل معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، وكانوا قبل ذلك بفترات متفاوتة متقطعة يترقبونه فيها، فتأخر، ثم انتظروه مرة أخرى فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فصارت أرضهم الهامدة منتعشة بالنبات من كل زوج بهيج. ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ، كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي فانظر أيها الرسول ومن تبعك نظرة تأمل واستبصار واستدلال إلى المطر الذي هو أثر من آثار رحمة الله، كيف يكون سببا لإحياء النبات والزرع والأشجار والثمار، مما يدل على واسع رحمة الله وعظيم قدرته. ثم نبّه الله تعالى بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، أو من يقدر على إحياء الأرض بعد يبسها بالخضرة والنبات قادر على إحياء الموتى، والله وحده بالغ القدرة على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، سواء في الابتداء أو في الإعادة، كما قال سبحانه: ﴿قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٨/ ٣٦ - ٧٩]. ثم بيّن تعالى سوء حال الكافرين، وتنكرهم للمعروف والجميل، وعدم ثباتهم على منهج واحد، فتراهم يفرحون بالخير، ثم ييأسون وينقطع رجاؤهم من الخير إن تعرضوا لسوء، فقال:

стр. 6253

﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً، فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي وتالله لئن بعثنا ريحا ضارة، أو سامة، حارة أو باردة على نبات أو زرع أو ثمر، فرأوا ذلك الزرع قد اصفر، ومال إلى الفساد بعد خضرته، لظلوا من بعد ذلك الفرح والبشر، يجحدون نعم الله التي أنعم بها عليهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - من دلائل كمال قدرة الله إرسال الرياح مبشرات بالمطر؛ لأنها تتقدمه، والغيث والخصب أثر من آثار رحمة الله، ومن خواص الرياح أيضا عند هبوبها تسيير السفن في البحر، وبالسفن ينتقل الركاب والتجار، وتحمل البضائع من قطر إلى آخر، فتكون وسيلة الرزق بالتجارة، وكل ذلك من نعم الله وأفضاله التي تستوجب الشكر بالتوحيد والطاعة. ٢ - النبوة والرسالة من نعم الله أيضا التي تتطلب التصديق والتأييد، ولكن استبداد الكافرين وعنادهم يدفعهم إلى التكذيب برسالات الرسل قديما وحديثا، فقد أرسل الله رسلا كثيرين إلى مختلف الأمم والأقوام والشعوب، مؤيدين بالمعجزات والحجج النيرات، فكذبوهم وآذوهم وسخروا منهم، وكفروا برسالاتهم، فانتقم الله ممن كفر، ونجّى المؤمنين ونصرهم على أعدائهم، وسنة الله الثابتة أنه ينصر عباده المؤمنين، وهذا خبر صدق، والله لا يخلف الميعاد، ولا خلف في خبره. ٣ - أخبر الله تعالى أيضا عن كيفية تكون السحاب، وهو أن الله يرسل الرياح، فتحرك الغيوم وتنقلها من مكان إلى آخر، ثم ينشرها ويجمعها في الجو على وفق مشيئته وإرادته وحكمته، ويجعلها قطعا متفاوتة الأحجام والأوزان

стр. 6254

والنوعية، تارة تكون خفافا، وتارة تصبح ثقالا مملوءة بالماء، فإذا أنزل المطر على بعض العباد فرحوا بنزول المطر عليهم. وكانوا قبل نزول المطر عليهم يائسين حزينين لاحتباس المطر عنهم، وأكد تعالى وجود ظاهرة اليأس والاكتئاب قبل إنزال المطر، ليدل على شدة حال الناس، ثم تغيرها إلى حال البشر والفرح، فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للتأكيد عند أكثر النحويين، كما في قوله تعالى: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ [الحشر ١٧/ ٥٩]. وقال الرازي: والأولى أن يقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل إرسال الرياح، وذلك لأنه بعد الإرسال يعرف الخبير أن الريح فيها مطر أو ليس فيها مطر، فقبل المطر إذا هبت الريح، لا يكون مبلسا، وإنما قد يكون راجيا غالبا على ظنه المطر برؤية السحب وهبوب الرياح، فقال: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما ذكرنا من إرسال الرياح وبسط السحاب، لبيان حال حدوث الإبلاس أي اليأس (١). ٤ - إن النتيجة الطبيعية لإنزال المطر هي الدلالة بذلك على أن من قدر عليه قادر على إحياء الموتى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ نوع من القياس يقال له: قياس الغائب على الشاهد، أو استدلال بالشاهد على الغائب، أي إثبات البعث بناء على ثبوت ظاهرة مشابهة هي إحياء النبات. ٥ - المشركون مضطربون قلقون في عقيدتهم، فتراهم عند إقبال الخير فرحين به، وعند ظهور السوء يائسين مكتئبين، ومثال ذلك: أنهم إن أحرقت الريح زرعهم، فاصفر ثم يبس، كفروا وجحدوا وجود الخالق، وتنكروا لمن أنعم عليهم

стр. 6255

في أحيان أخرى، حيث أغرقهم بسيل متلاحق من النعم، فهم متقلّبون غير ثابتين، لا يدومون على حالة واحدة، وذوو نظر قاصر على الحال دون المآل أو الماضي. تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من الإعراض عن دعوته ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ البلاغة: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ استعارة تصريحية، شبه الكفار بالموتى وبالصم في عدم سماعهم سماع تدبر ووعي العظات والعبر والأدلة على صدق الرسالة النبوية. المفردات اللغوية: ﴿لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ أي سماع تدبر واتعاظ؛ لأنهم سدّوا عن الحق مشاعرهم. ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ قيّد عدم السماع به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم إذا أقبل على السماع، وإن لم يسمع الكلام، استفاد منه بواسطة الحركات على اللسان بعض الأشياء. ﴿الْعُمْيِ﴾ سمى الكفار عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار. ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي ما تسمع سماع إفهام وقبول إلا المؤمنين؛ لأن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى. ﴿بِآياتِنا﴾ القرآن. ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون منقادون لما تأمرهم به. المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد والبعث، ومهام الرسل، والوعد والوعيد، والإعراض عن دعوة النبي ﷺ ، سلاّه ربه عما يراه من تماد في الإعراض وعناد، فهم أشبه بالموتى والصمّ والعمي، لعدم استعدادهم لسماع أدلة الهداية سماع تدبر واتعاظ، وقد رتب المشبه بهم على حسب مدى الإعراض، فإرشاد الميت محال،

стр. 6256

ثم إرشاد الأصم الذي لا يفهم الكلام إلا بالإشارة أصعب، ثم الأعمى الذي يفهم ويعي الشيء الكثير، لكن إرشاده صعب أيضا. التفسير والبيان: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أي لا تحزن ولا تجزع أيها الرسول على إعراض هؤلاء المشركين عن دعوتك، بعد بيان أدلة التوحيد والقدرة على البعث، وتهديدهم ووعيدهم، فإنك لا تستطيع أن تفهم الموتى أو تسمعهم سماع تدبر واتعاظ، ولا تقدر أن تسمع دعوتك الصم الذي لا يسمعون، وهم أيضا مع ذلك مدبرون عنك غير مقبلين على كلامك وهدايتك، وهم مع سماعهم في الظاهر أشبه بالموتى في أجداثهم، والصم الذين فقدوا حاسة السمع، لسدهم منافذ الهداية، وإدبارهم عن سماع كلمة الحق، وعدم استعدادهم لوعي شيء وفهمه عنك، وهم أيضا كالعمي كما قال: ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أي وليس في مقدورك هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم، بل الهداية إلى الله تعالى، فإنه بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا، فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي لا تسمع أيها الرسول سماعا يؤدي إلى الانتفاع إلا المؤمن المصدق بالقرآن وما اشتمل عليه من دلائل التوحيد والقدرة الإلهية على كل شيء، فهذا المؤمن إذا سمع آيات الله تتلى عليه، تدبره وتفهمه، وأقبل عليه يعمل بما جاء فيه، وينتهي عما نهى عنه، وهؤلاء المؤمنون هم المسلمون، أي الخاضعون المستجيبون المطيعون لله فيما أمر ونهى، وأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه.

стр. 6257

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - لا فائدة ولا جدوى في هداية المشركين المكابرين المعاندين الذي ألفوا تقليد الأسلاف في الكفر، فماتت عقولهم، وعميت بصائرهم. ٢ - إنما الفائدة تظهر في إسماع مواعظ الله المؤمنين الذين يصغون إلى أدلة التوحيد، ويستعدون لقبول الهداية إن ظهرت لهم دلائلها. ٣ - المقصود من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ سماع التدبر والفهم والاتعاظ، وهذا لا يعارض الثابت في السنة النبوية من إمكان سماع الأموات كلام الأحياء. روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ خاطب القتلى الذين ألقوا في قليب (بئر) بدر، بعد ثلاثة أيام، وعاتبهم وقرعهم، حتى قال له عمر: يا رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جيّفوا؟ -أي أنتنوا-فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون». وهذا هو الصحيح المؤيد بالشواهد الكثيرة، منها ما رواه ابن عبد البر، مصحّحا له عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه، حتى يرد ﵇». وثبت عنه ﷺ في تعريفه أمته كيفية السلام على أهل القبور أن يقولوا كما يخاطب الأحياء: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد. وروى ابن أبي الدنيا عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، ورد عليه حتى يقوم». وقال أبو هريرة ﵁: إذا مرّ الرجل بقبر يعرفه، فسلّم عليه، رد ﵇.

стр. 6258

وأجمع السلف على هذا، وشرع السلام على الموتى، مما يدل على شعورهم وعلمهم بالمسلّم، وعلّم النبي ﷺ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا فيما رواه مسلم عن بريدة: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم حقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية». وكل ذلك دال على أن السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلّم الرد (١). أطوار حياة الإنسان ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ البلاغة: ﴿ضَعْفٍ﴾ و ﴿قُوَّةً﴾ بينهما طباق. ﴿الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل، معناه التام العلم والقدرة. المفردات اللغوية: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة، أو ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء ٢٨/ ٤] والضعف: ما قابل القوة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي بعد ضعف الطفولة قوة الشباب بعد بلوغ الحلم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ أي جعل بعد قوة الرجولة ضعف الكبر وشيب الهرم. والشيب: بياض الشعر. والضعف: بفتح الضاد وضمه. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ من الضعف والقوة والشباب والشيبة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ أي إن تلك الأطوار والأحوال التي يمر بها الإنسان بمشيئة الله دليل العلم والقدرة، فهو العليم بتدبير خلقه، القدير على ما يشاء.

стр. 6259

المناسبة: بعد بيان أدلة الآفاق من إرسال الرياح وإنزال المطر على الوحدانية، ذكر تعالى دليلا آخر عليها من الأنفس، وهو خلق الآدمي ومروره بأدوار مختلفة تحتاج إلى العلم والقدرة الشاملة، وذلك لا يتصف بهما غير الله . التفسير والبيان: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ أي إن الله تعالى هو الذي جعل الإنسان يمر في أطوار متفاوتة من الخلق حالا بعد حال، فجعل أصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم كون عظامه، ثم كسا العظام لحما، ونفخ فيه الروح، ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى، فقوله ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي ابتدأه ضعيفا. ثم يشبّ قليلا قليلا فيكون صغيرا، ثم شابا بالغا، وهذا دور القوة بعد الضعف، ثم يأتي دور الضعف من ابتداء الكهولة إلى الهرم والشيخوخة، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة. هذا الانتقال والتدرج والتحول من حال إلى حال دليل على القدرة الإلهية الخالقة، وبرهان على البعث الذي ينكره المشركون، فإن القادر على هذا التغيير والتبديل قادر على الإعادة مرة أخرى إلى الحياة الأولى كما كانت؛ لأن من كانت قدرته تامة شاملة لا يصح مقارنتها بقدرة الإنسان النسبية، ولا يعجزه شيء، سواء في بدء الخلق أم حال إعادته. ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ أي يفعل الله ما يشاء، ويوجد ويبدع ما يشاء من ضعف وقوة، وبدء وإعادة، ويتصرف في عبيده بما يريد،

стр. 6260

وهو العليم التام العلم بتدبير خلقه، القدير الشامل القدرة على ما يشاء، ومن آثار قدرته إحياء الناس وإماتتهم ثم بعثهم أحياء عند ما يريد. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية تتضمن استدلالا آخر على قدرة الله في نفس الإنسان، ليعتبر ويبادر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فإن الآلة الجامدة تظل على وتيرة واحدة؛ لأن صانعها وهو الإنسان محدود القدرة، أما الإنسان الذي يمر بمراحل ثلاث، متفاوتة هبوطا وصعودا، ضعفا وقوة، لا يبقى على حال واحدة، وإنما يتغير. والتغير والتدرج ليس مجرد طبيعة دون مدبر ولا مغير، وإنما يحتاج كل طور من مراحل التغير إلى خالق مبدع، وقادر عظيم، ولا يستطيع ذلك أحد غير الله صاحب التكوين والإرادة، والأمر والنفوذ الشامل، فهو وحده الخالق ما يشاء من قوة وضعف، وهو العليم بتدبيره، القدير على إرادته، وهو الفعال لما يريد، المتصرف في مخلوقاته كيف يشاء. أحوال البعث ومقارنتها بأحوال الدنيا ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾

стр. 6261

الإعراب: ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ قرئ ينفع بالياء وبالتاء، أما قراءة التاء فعلى الأصل من التطابق بين الفعل والفاعل، وأما قراءة الياء فبسبب وجود الفاصل بينهما. ﴿فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الفاء لجواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتم منكرين البعث، فهذا يومه، أي فقد تبين بطلان إنكاركم. البلاغة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ جناس تام بين قوله ﴿السّاعَةُ﴾ التي هي القيامة، وقوله ﴿السّاعَةُ﴾ التي هي المدة الزمنية المعروفة. المفردات اللغوية: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ القيامة، سميت بها، لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تحدث بغتة، وصارت علما للقيامة بالتغليب كالكوكب للزهرة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا﴾ يحلف الكافرون ما أقاموا في الدنيا أو في القبور ﴿غَيْرَ ساعَةٍ﴾ مدة زمنية قليلة ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي مثل ذلك الصرف عن الواقع في مدة اللبث كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق الذي هو البعث وغيره من قول الحق والنطق بالصدق. يقال: أفك الرجل: إذا صرف عن الصدق والحق والخير. ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ﴾ الملائكة أو الإنس المؤمنون ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيما كتبه في سابق علمه أو قضائه ﴿فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الذي أنكرتموه ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق واقع؛ لتفريطهم في النظر ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي عذرهم في إنكارهم له ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يطلب منهم العتبى، أي الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى، يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي استرضاني فأرضيته. المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد في خلق الإنسان في النشأة الأولى، ودلائل البعث والإعادة مرة أخرى إلى الحياة، ذكر الله تعالى أحوال البعث ومقارنتها بأحوال الدنيا، وما يحدث يوم القيامة من مناقشات بين أهل الإيمان وبين المجرمين،

стр. 6262

واكتشاف جهل الكفار في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فعكوفهم على عبادة الأوثان، وأما في الآخرة فإقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا. التفسير والبيان: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ أي حين تقوم القيامة ويبعث الله الناس من قبورهم، وما يتعرضون له من أهوال جسام طويلة الأمد، يحلف الكفار الآثمون أنهم ما أقاموا في الدنيا أو في القبور غير ساعة واحدة، أي مدة قليلة من الزمان، قاصدين بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا مدة معقولة، حتى يعذرون فيما هم عليه من تقصير. وهذا دليل واضح على قصر مدة الدنيا مهما طالت، إذا قورنت بالآخرة، وأن الذي يوعد بالشر يستقل المدة التي عاشها، أما الموعود بالخير فيستكثر المدة مهما قلت: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩]. ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي مثل ذلك الصرف عن تقدير الحقيقة والواقع في مدة اللبث، كانوا يصرفون من الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب، والمراد أنهم كاذبون في قولهم: ما لبثنا غير ساعة، وفي حلفهم على الكذب، وأنهم مغترون بزينة الدنيا ومتاعها وزخرفها، فإذا عرفوا ذلك ربما حملهم على ترك العناد، وسلوك طريق الرشاد. وفي هذا دلالة على أن إصرارهم على الكفر، صرفهم عن التفكير فيما هو حق وعن الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر. ثم ذكر جواب المؤمنين لهم في موقف القيامة، فقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ

стр. 6263

الْبَعْثِ﴾ أي فردّ المؤمنون العالمون بالآخرون على منكري البعث القائلين الحالفين بأنهم لم يلبثوا غير ساعة: لقد لبثتم في علم الله وقضائه مدة طويلة في الدنيا من يوم خلقتم إلى أن بعثتم. وفي هذا إشارة إلى أن المؤمن العالم يستكثر مدة المكث في الدنيا؛ لأنه متطلع مشتاق إلى نعيم الجنة وخلودها، وهو يعلم أن مصيره إلى الجنة، فيستكثر المدة، ولا يريد التأخير. ﴿فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ، وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم منكرين للبعث فهذا يومه الواقع الذي لا سبيل لإنكاره، وبه يتبين بطلان إنكاركم إياه، غير أنكم تجهلون أنه حق واقع، لتفريطكم في النظر وغفلتكم عن أدلة ثبوته. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ففي يوم القيامة لا ينفع هؤلاء الظالمين الكافرين عذرهم أو اعتذارهم عما فعلوا، ولا تقبل منهم توبتهم؛ لأن وقت التوبة في دار الدنيا، وهي دار العمل، أما الآخرة فهي دار الجزاء، لا وقت العمل. وقوله: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ معناه أنه لا يطلب منهم الإعتاب، وهو إزالة العتب بالتوبة والطاعة التي تزيل آثار الجريمة؛ لأنها لا تقبل منهم، ولا يعاتبون على ذنوبهم، وإنما يعاقبون عليها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢٤/ ٤١] فليست حالهم حال من يستعتب ويرجع عما هو عليه. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: ١ - إن عمر الدنيا قصير جدا إذا قورن بالآخرة.

стр. 6264

٢ - قوله تعالى: ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ لا يعني إنكار عذاب القبر أو التهوين من شأنه، فقد صح عن النبي ﷺ أنه تعوذ منه، وأمر أن يتعوذ منه، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: سمع النبي ﷺ أم حبيبة وهي تقول: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها النبي ﷺ : «لقد سألت الله لآجال مضروبة وأرزاق مقسومة، ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر». ٣ - دل قوله : ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ على أن الكفار كانوا يكذبون في الدنيا، وينصرفون من الحق إلى الباطل، وأنهم كما صرفوا عن الحق في قسمهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا، كما وصفهم القرآن: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ [المجادلة ١٨/ ٥٨] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا: وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦ - ٢٤]. ٤ - العلماء بالآخرة المؤمنون بها وبالله تعالى من الملائكة والناس يستكثرون مدة الدنيا شوقا إلى الآخرة والجنة، أما الكافرون فيستقلّون مدة اللبث في الدنيا، ويختارون تأخير الحشر، والإبقاء في القبر، تحاشيا من عذاب الآخرة، لذا يقول المؤمنون للكفار ردا عليهم: لقد لبثتم في الدنيا أو في قبوركم إلى يوم البعث. ٥ - الواقع خير شاهد ودليل، لذا يقول المؤمنون للكفار: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه. ٦ - إذا جاء الموت أو يوم القيامة لا ينفع العلم بالقيامة ولا الاعتذار يومئذ، ولا يطلب من الكفار العتبى، أي إزالة العتب بالتوبة التي تسقط الذنب،

стр. 6265

ولا تقبل التوبة حينئذ؛ لأن وقتها ووقت التكليف وهو دار الدنيا قد فات، ولم يبق أمامهم إلا دار الجزاء والعقاب، فيعاقبون على أعمالهم التي عملوها. مهمة القرآن في بيان أدلة العقيدة وأمر النبي بالصبر على الأذى والدعوة ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ المفردات اللغوية: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي بينا لهم في القرآن أدلة التوحيد والبعث وصدق الرسول ﷺ مقرونة بالأمثلة، تنبيها لهم، والمثل: الصفة التي هي في الغرابة كالأمثال ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم ﴿جِئْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿بِآيَةٍ﴾ من آيات القرآن ﴿لَيَقُولَنَّ ١ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم، من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ ما أنتم أي الرسول والمؤمنون إلا مزورون أصحاب أباطيل متبعون الباطل. ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي مثل ذلك الطبع يطبع على قلوب هؤلاء الجهلة الذين لا يطلبون العلم، ويصرّون على خرافات اعتقدوها؛ فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق. ﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها النبي على أذى قومك وعلى دعوتك ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾ بنصرك عليهم وإظهار دينك على الدين كله ﴿حَقٌّ﴾ لا بد من إنجازه ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ أي ولا يحملنك على الخفة والطيش والقلق بترك الصبر أي لا تتركه ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بتكذيبهم وإيذائهم، فإنهم ضالون.

стр. 6266

المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد والبعث وصدق الرسول ﷺ ، ختم الله السورة بوصف إجمالي للقرآن وهو أنه كتاب العبر والأمثال لإزالة الأعذار، والكتاب المخلص غاية الإخلاص للبشرية بتقديم الإنذارات الكافية، ثم أردفه ببيان تحقيق جميع أهدافه على يد الرسول ﷺ الذي بلغ الغاية القصوى في تبليغ دعوته، وأنه لم يبق منه تقصير. فإن طلب الكفار شيئا آخر غير القرآن وهذا النبي، فذلك عناد، لم يفدهم بعده أي بيان؛ إذ من هان عليه تكذيب دليل، سهل عليه تكذيب الأدلة كلها. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي ولقد بينا لهم الحق ووضحناه، وضربنا لهم فيه الأمثال الدالة على وحدانية الخالق وعلى البعث وصدق الرسول ﷺ ، ليستبينوا الحق ويتبعوه، ولم يحصل تقصير من جانب الرسول ﷺ في تبليغ الدعوة إلى الله، فإن طلب الناس شيئا بعد ذلك، فهو عناد، ومن هان عليه تكذيب دليل، لم يصعب عليه تكذيب الدلائل كلها كفرا وعنادا، لذا قال: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ أي وتالله لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، وما أنتم أيها الرسول والمؤمنون إلا جماعة مبطلون تأتون بالباطل وتتبعونه؟!. وذلك كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ

стр. 6267

رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧]. وترتب على إعراضهم عن الإيمان عنادا واستكبارا الطبع على القلوب كما قال تعالى: ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي مثل ذلك الختم وحجب الخير والحق يختم الله على قلوب الجهلة الذين لا يتعلمون ولا يعلمون حقيقة الآيات البينات في القرآن المجيد، لسوء استعدادهم، وإصرارهم على تقليد الأسلاف، واعتقاد الخرافات. ثم أمر الله رسوله بالصبر على مخالفتهم وأذاهم وعنادهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ، إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي فاصبر أيها الرسول على أذى المشركين وتابع في تبليغ رسالتك، فإن وعد الله الذي وعدك به من نصره إياك عليهم وظفرك بهم، وجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، حق ثابت لا شك فيه، ولا بد من إنجازه والوفاء به. ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ولا يحملنك على الخفة والقلق جزعا مما يقول الذين لا يوقنون بالله واليوم الآخر، فإنهم قوم ضالون، واثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا محيد عنه، بل الحق كله منحصر فيه. وهذا إشارة إلى وجوب مداومة النبي ﷺ على الدعوة إلى الإيمان. روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم والبيهقي أن رجلا من الخوارج نادى عليا ﵁، وهو في صلاة الغداة (الفجر) فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥/ ٣٩] فأنصت له عليّ حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.

стр. 6268

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن القرآن المجيد هو النعمة العظمى على الإنسانية وعلى المسلمين؛ لأنه يرشد ببيانه العجيب وأمثلته التوضيحية إلى ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل. ٢ - إن أتى النبي ﷺ بآية قرآنية أو بمعجزة مثل المعجزات المادية المحسوسة للأنبياء السابقين كفلق البحر والعصا وغيرهما، لقال الكفار: ما أنتم يا معشر المؤمنين إلا قوم مبطلون، أي تتبعون الباطل والسحر. ٣ - كما طبع أو ختم الله على قلوب صناديد الكفر وزعماء الشرك، حتى لا يفهموا الآيات عن الله، فكذلك يطبع على قلوب الذين لا يعلمون التوحيد وأصول الاعتقاد، وحقيقة العبر والعظات، وآيات الله البينات، فيصبحون عديمي الفهم لكل ما يتلى عليهم من القرآن، بسبب عنادهم وإعراضهم، وسوء استعدادهم لقبول دعوة الحق والخير والتوحيد. ٤ - على المؤمن أن يثبت على الحق الذي لا مرية فيه، وهو دين الإسلام، ولا يتأثر بسفاهات المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا بالبعث. والخطاب في قوله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ للنبي ﷺ ، والمراد أمته. فإن قصر الخطاب على النبي ﷺ فالمراد به وجوب المداومة على الدعوة إلى الإيمان، فإنه لو سكت لقال الكافر: إنه متقلب الرأي، لا ثبات له على مبدئه.

стр. 6269

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة لقمان مكية، وهي أربع وثلاثون آية. تسميتها: سميت سورة لقمان لاشتمالها على قصة (لقمان الحكيم) الذي أدرك جوهر الحكمة، بمعرفة وحدانية الله وعبادته، والأمر بفضائل الأخلاق والآداب، والنهي عن القبائح والمنكرات. موضوعها: تضمنت الكلام عن موضوعات السور المكية وهي إثبات أصول العقيدة من الإيمان بالله ووحدانيته، وتصديق النبوة، والإقرار بالبعث واليوم الآخر. وسبب نزولها أن قريشا سألت النبي ﷺ عن قصة لقمان مع ابنه وعن بره والديه، فنزلت. صلتها بما قبلها أو مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بسورة الروم قبلها من وجوه: ١ - قال تعالى في آخر السورة السابقة: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارة إلى كون القرآن معجزة، وقال في مطلع هذه السورة: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 6270

٢ - كذلك قال سبحانه في آخر السورة المتقدمة: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ إشارة إلى أن المشركين يكفرون بالآيات، وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ [٧]. ٣ - وصف الله تعالى قدرته على بدء الخلق والبعث في كلتا السورتين، فقال في السورة السالفة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [٢٧] وقال هنا: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [٢٨]. ٤ - أثبت الله تعالى في كلتا السورتين إيمان المؤمنين بالبعث، فقال في السورة السابقة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [٥٦] وهذا عين إيقانهم بالآخرة المذكور في مطلع هذه السورة: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. ٥ - حكى الله تعالى في السورتين ما عليه حال المشركين من القلق والاضطراب، إذ يضرعون إلى الله في وقت الشدة، ويكفرون به وقت الرخاء، فقال في السورة المتقدمة: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ..﴾. [٣٣] وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..﴾. [٣٢]. ٦ - ذكر في سورة الروم: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [١٥] وقد فسر بالسماع، وفي لقمان: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [٦] وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي. ٧ - قابل تعالى بين السورتين، فذكر في سورة الروم مدى اعتزاز المشركين بأموالهم ورفضهم إشراك غيرهم فيها، وذكر هنا قصة لقمان الحكيم العبد الصالح الذي أوصى ابنه بالتواضع وترك التكبر، كما ذكر في الأولى محاربة الروم والفرس
следующие страницы →