← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

الكلام والسلام من المحظورات. ١١ - يحرم على الإنسان أن يمشي في الأرض متبخترا متكبرا، بل يحرم التكبر في كل الحالات. ١٢ - يندب للإنسان القصد أي التوسط في المشي، وهو ما بين الإسراع والبط ء، فلا تدبّ دبيب المتماوتين، ولا تثب وثب الشيطان. ١٣ - كما يندب إليه عدم التكلف في رفع الصوت، والتكلم حسب الحاجة والمعتاد، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلّف يؤذي، والمراد بذلك كله التواضع. وقد شبّه رفع الصوت الزائد عن الحاجة بصوت الحمير، والحمار ونهاقه مثل في الذمّ البليغ والشتيمة. وفي الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية. والآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة، وقد نهى الله عنه، لأنه من أخلاق الجاهلية وعاداتها، فقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك. وتلك إشارة إلى التوسط في جميع الأفعال والأقوال. والخلاصة: جمعت وصية لقمان بين فضائل الدين والآخرة ومكارم الأخلاق في الدنيا، واشتملت تسعة أوامر، وثلاثة نواه، وسبع علل أو أسباب: أما الأوامر: فهي الأمر ببرّ الوالدين، والشكر لله وللوالدين، ومصاحبة الوالدين في الدنيا بالمعروف، واتباع سبيل الأنبياء والصالحين، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والاعتدال في المشي، وإخفاض الصوت.

стр. 6302

وأما النواهي: فهي النهي عن الشرك، والنهي عن تصعير الخد (الإعراض عمن تكلم تكبرا) والنهي عن المشي مرحا (اختيالا وتبخترا). والتعليلات أو الأسباب هي: ١ - ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ٢ - ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ٣ - ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ٤ - ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. ٥ - ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. ٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾. ٧ - ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. توبيخ المشركين على الشرك مع مشاهدة دلائل التوحيد ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ الإعراب: ﴿نِعَمَهُ ظاهِرَةً﴾ أراد: نعم الله، جمع نعمة، و ﴿ظاهِرَةً﴾ حال. وقرئ: نعمة، ونعمته.

стр. 6303

البلاغة: ﴿ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ بينهما طباق. ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ إنكار وتوبيخ، مع الحذف، أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان. إلخ المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ﴾ أي ألم تعلموا أيها المخاطبون أن الله ذلل لكم جميع ما في السموات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك، بأن جعله أسبابا محصلة لمنافعكم. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ بأن مكنكم من الانتفاع به، كالثمار والأنهار والدواب والمعادن وما لا يحصى. ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أكمل وأوسع وأتمّ. ﴿نِعَمَهُ﴾ جمع نعمة: وهي كل نفع قصد به الإحسان. ﴿ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ محسوسة ومعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه، فالظاهرة: كل ما يعلم بالمشاهدة كحسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلا، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها، ولا يهتدي إلى العلم بها!! ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ بعض الناس كأهل مكة في صدر الإسلام. ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في توحيده وصفاته. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفاد من دليل أو بغير حجة. ﴿وَلا هُدىً﴾ أي ولا هداية من رسول. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنزله، بل بالتقليد. ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي ما سار عليه الأسلاف، وهو منع صريح من التقليد في الأصول كالاعتقاد. ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي أيتبعونهم، ولو دعاهم الشيطان إلى موجبات عذاب جهنم، وهو الإشراك أو التقليد، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لا تبعوه، والاستفهام للإنكار والتعجيب. المناسبة: بعد أن استدل الله تعالى بقوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ على الوحدانية وذكر أن لقمان عرف ذلك بالحكمة، لا بالنبوة، عاد إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك، مع مشاهدتهم دلائل التوحيد عيانا في عالم السموات والأرض، وتسخير ما فيها لمنافعهم، وإنعامه عليهم بالنعم المحسوسة والمعقولة، المعروفة لهم وغير المعروفة.

стр. 6304

التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ أي ألم تعلموا أيها الناس دلائل التوحيد الناطقة بوحدانية الله سبحانه في كل شيء، وإنعامه عليكم، فهو الذي ذلل لكم جميع ما في السموات من شمس وقمر ونجوم، تستضيئون بها في الليل والنهار، وما خلق فيها من سحاب ينزل منه المطر، لسقي الإنسان والحيوان والنبات، ويسر لكم جميع ما في الأرض من قرار ومعادن، وأنهار وبحار، وأشجار وزروع، وثمار، ونحو ذلك من المنافع الغذائية، وأكمل وأتم عليكم نعمه الظاهرة والباطنة أي المحسوسة والمعقولة، المعروفة وغير المعروفة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل، وإزالة الشّبه والعلل والأعذار. وقيل: الظاهرة: الإسلام، والباطنة: الستر؛ قال النبي ﷺ لابن عباس -وقد سأله عن هذه الآية-: «الظاهرة: الإسلام وما حسن من خلقك، والباطنة: ما ستر عليك من سيء عملك». وقيل: الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس، وتوفيق الطاعات، والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله، وحسن اليقين، وما يدفع عن العبد من الآفات. ومع هذا كله، ما آمن الناس كلهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلا هُدىً، وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي وبالرغم من ثبوت الألوهية بالخلق والإنعام، فهناك فريق من الناس يجادل في توحيد الله وصفاته وإرساله الرسل، كزعماء الوثنية في مكة وغيرها، بغير دليل معقول، ولا مستند أو حجة صحيحة على يد رسول، ولا كتاب مأثور صحيح ينير الطريق الحق.

стр. 6305

فقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ معناه: لا من علم واضح، من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب مبين واضح. وإنما حجتهم الوحيدة هو التقليد الأعمى، واتباع الهدى والشيطان، لذا تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين فيما اعتقدوه من دين. وهذا في غاية القبح، فإن النبي ﷺ يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم. وهذا منع صريح من التقليد في أصول العقيدة، لذا وبخهم الله على سوء مقالتهم فقال: ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ؟﴾ أي أيتبعونهم بلا دليل، ولو كان اعتقادهم قائما على الهوى وتزيين الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب جهنم، والله يدعو إلى النجاة والثواب والسعادة؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة ١٧٠/ ٢] أي ولو كان آباؤهم المحتجون بصنيعهم على ضلالة، فلا عقل عندهم ولا هداية معهم؟! وهم خلف فيما كانوا فيه. وهذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار، يتضمن التهكم عليهم، وتسفيه عقولهم، والسخرية من آرائهم. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي:

стр. 6306

١ - الدليل على وحدانية الله الخلق والإنعام، فإنه خلق السموات بما فيها من شمس وقمر ونجوم وملائكة، وذللها للناس، جالبة لهم المنافع، وخلق الأرض وما فيها من جبال وأشجار وثمار ومعادن وماء وهواء وبخار وذرة وما لا يحصى، وكلها لنفع الإنسان. وأكمل النعم وأتمها على بني آدم، سواء كانت ظاهرة مشاهدة محسوسة، كالصحة وكمال الخلقة والمال والجاه والجمال، وشرائع الإسلام، أو معقولة مجردة كالمعرفة والعقل وحسن اليقين بالله تعالى، وسواء كانت معروفة أو ستعرف علميا مع تطور الاكتشافات العلمية المتجددة في كل عصر. ٢ - بالرغم من كثرة الأدلة الدالة على توحيد الله من الخلق والإنعام، فإن فريقا من الناس كالنّضر بن الحارث وأبيّ بن خلف يجادلون أو يخاصمون في التوحيد بغير حجة عقلية أو نقلية من سنة رسول أو بيان كتاب مضيء نيّر، وإنما الحجة هي الشيطان فيما يلقى إليهم، وإلا تقليد الأسلاف، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام ١٢١/ ٦]. ٣ - إذا أمر المشركون باتباع ما أنزل الله على رسوله من الآيات البينات والشرائع المطهرة، لم يجدوا جوابا إلا التمسك بتقليد الآباء والأجداد، وبما يزين لهم الشيطان من الوساوس والأهواء، فإنهم يتبعونه على ضلال. سلامة منهج المؤمن وسوء طريقة الكافر ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾

стр. 6307

البلاغة: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ مجاز مرسل في ﴿وَجْهَهُ﴾ من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ تشبيه تمثيلي، شبّه من تمسك بالإسلام بمن أراد الصعود إلى قمة جبل، فتمسك بأوثق حبل، وحذف أداة التشبيه للمبالغة. ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر. ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ استعارة الغلظ للشدة؛ لأنه إنما يكون للمادة الكثيفة، فاستعير للمعنى. المفردات اللغوية: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ أي يفوض أمره إليه، ويقبل على طاعته، ويخلص عبادته إليه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ متقن عمله. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ تعلق بأوثق وأمتن ما يتعلق به، وهو الطرف الأوثق الذي يؤمن انقطاعه، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن يترقى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرا الحبل المتدلي منه. ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ مرجعها؛ إذ الكل صائر إليه. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ أي فلا يضرك في الدنيا والآخرة، ولا تهتم بكفره. ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي مصيرهم إلى الله في الدارين. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ نجازيهم بأعمالهم بالإهلاك والتعذيب. ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بحديث النفس الكائن في الصدور كما أنه عليم بما في غيرها، فمجاز عليه. ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ نمتعهم في الدنيا أيام حياتهم تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا، فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل. ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ نلزمهم في الآخرة. ﴿إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ثقيل عليهم، وهو عذاب النار، لا يجدون عنه محيصا. المناسبة: بعد بيان حال الكافر المجادل في الله جهلا وعنادا، أبان الله تعالى حال المسلم، وأخبر بأن منتهى الأمور صائرة إليه، ثم أردفه بتسلية الرسول ﷺ على ما يلقاه من إعراض المشركين عن دعوته عنادا، وهددهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، مع التنبيه بأن عذاب الآخرة أشد وأثقل.

стр. 6308

التفسير والبيان: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي ومن يخلص العبادة والعمل إلى الله، وينقاد لأمره، ويتبع شرعه، مع إتقان عمله باتباع ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه وزجر، فقد تمسك بالحبال الواثقة، أي تعلق بأوثق الوسائل الموصلة إلى رضوان الله، وسيلقى الجزاء الحسن على عمله، لأن مصير المخلوقات كلهم إلى الله، فيجازي المتوكل عليه، المخلص عبادته إليه أحسن الجزاء، كما يعاقب المسيء بأشد العذاب. ثم نصح الله رسوله بألا يهتم بكفر الكافرين، فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي لا تغتم ولا تجزع على كفر الكافرين الذين كفروا بالله ورسوله، ولا تهتم بهم، ولا تحزن عليهم، فإن مصيرهم إلينا يوم القيامة وفي الدنيا، فنجازيهم بالإهلاك والعذاب، ولا تخفى عليه خافية منهم، ولا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم، فنخبرهم بما أضمرته صدورهم. وكلمة ﴿مَنْ﴾ تصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: ﴿كُفْرُهُ﴾ ثم قال: ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ وما بعده على المعنى. ثم بيّن مدى مقامهم في الدنيا، فقال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أي نجعلهم يتمتعون في الدنيا بزخارفها تمتعا قليلا أو زمانا قليلا، ثم نلجئهم ونلزمهم بعذاب شاق ثقيل شديد عليهم. والغلظ يكون في الماديات، وأستعير للمعنى، والمراد الشدة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن الناس في الآخرة فريقان: فريق في الجنة، وفريق في

стр. 6309

السعير، فمن أخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى، وأتقن عمله، بأن عبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن ربّه يراه، فهو من الناجين الذين أخذوا موثقا متينا من الله أنه لا يعذبهم، ومنتهى الأمور كلها ومصيرها إلى الله تعالى. ومن أنكر وجود الله أو أنكر وحدانيته فأشرك به غيره، فإن الله يجازيه، والله عليم بكل ما أسرّ العبد وأعلن. وإن بقاء العالم في الدنيا قليل، فهم يتمتعون فيها مدة قليلة، ثم يساقون ويلجأون ويلزمون إلى عذاب شديد، هو عذاب جهنم. إثبات وجود الله وسعة علمه وشمول قدرته على البعث وكل شيء ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾

стр. 6310

الإعراب: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وحذف واو الضمير لالتقاء الساكنين. ﴿وَالْبَحْرُ﴾ الواو واو الحال، و ﴿الْبَحْرُ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ والجملة حالية، وعامل الحال ما في ﴿أَقْلامٌ﴾ من معنى الفعل؛ لأن (أقلاما) قام مقام (كاتبات) فكأنه قال: كاتبات والبحر يمده. ومن قرأ بالنصب، فهو معطوف على ﴿ما﴾ أو منصوب بتقدير فعل يفسره ﴿يَمُدُّهُ﴾ وتقديره: يمد البحر يمده، مثل: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس ٣٩/ ٣٦] أي قدرنا القمر قدرناه. ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ﴿خَلْقُكُمْ﴾ مبتدأ، وكاف ﴿كَنَفْسٍ﴾ في موضع رفع خبر المبتدأ، وتقديره: ما خلقكم ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ولا يجوز أن تعمل ﴿ما﴾ بسبب ﴿إِلاّ﴾ لأنها تشبه (ليس) في نفي الحال، و ﴿إِلاّ﴾ تبطل منها معنى النفي، وهو وجه الشبه الموجب للعمل، وإذا زال وجه الشبه الموجب للعمل بطل العمل. البلاغة: ﴿صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ صيغ مبالغة، وفيها ما يسمى توافق الفواصل أو السجع. ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ فيه إيجاز بالحذف، والمعنى: فمنهم مقتصد ومنهم كافر، دل على المحذوف قوله تعالى: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَلَئِنْ﴾ اللام لام القسم. ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غير

стр. 6311

الله، بحيث اضطروا إلى الإقرار بوجوده. ﴿قُلِ: الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على ظهور الحجة عليهم بثبوت التوحيد، وإلجائهم إلى الاعتراف بما يبطل اعتقادهم. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ يجهلون إلزامهم بتلك الحجة. ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا، فلا يستحق العبادة فيهما غيره. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه. ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد، المحمود في صنعه. ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ أي ولو صارت جميع الأشجار أقلاما. وإنما قال ﴿شَجَرَةٍ﴾ بالإفراد دون اسم الجنس الذي هو شجر، ليشمل كل شجرة على حدة، حتى لا يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة، إلا قد بريت أقلاما. ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أي والبحر المحيط يمده بسعته مدادا، فاكتفى بذكر ﴿يَمُدُّهُ﴾ عن ذكر المداد؛ لأنه من مدّ الدواة وأمدها. ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ أي معلوماته، بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك؛ لأن معلوماته تعالى غير متناهية. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج شيء عن علمه وحكمته. ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ خلقا وبعثا، أي كبعث نفس واحدة وخلقها، إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولأنه يتم بكلمة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ يسمع كل مسموع. ﴿بَصِيرٌ﴾ يبصر كل مبصر، لا يشغله إدراك شيء عن شيء. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم أيها المخاطب. ﴿يُولِجُ﴾ يدخل الليل في زمن النهار وبالعكس، أي يضيف أحدهما إلى الآخر، فالله يزيد في كل من الليل والنهار بما نقص من الآخر. ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ كل من الشمس والقمر النيرين يجري في فلكه. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معلوم مقدر، إلى نهاية دورة الشمس السنوية، ودورة القمر الشهرية، أو إلى يوم القيامة. ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه. ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع. ﴿بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ بسبب أنه الثابت في ذاته، الواجب من جميع جهاته، أو الثابت الألوهية. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ﴾ أي وأن ما يعبدون من غيره هو المعدوم في حد ذاته الذي لا يوجد، والزائل، أو الباطل الألوهية. ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ المترفع على خلقه وعلى كل شيء بالقهر، والمتسلط عليه، وهو العظيم. ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿تَجْرِي﴾ تسرع. ﴿بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بإحسانه في تهيئة أسبابه وأنها تحمل الطعام والمتاع ونحوهما، وهو استدلال آخر على باهر قدرته وكمال حكمته وشمول إنعامه. ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ أيها المخاطبون بذلك. ﴿مِنْ آياتِهِ﴾ دلائله. ﴿لَآياتٍ﴾ علامات وعبرا. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ كثير الصبر على المشاق وعن معاصي الله، فيتعب نفسه في التفكر في الآفاق والأنفس. ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمته، يعرف النعم، ويتعرف ما نحها، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.

стр. 6312

﴿غَشِيَهُمْ﴾ علاهم وغطاهم. ﴿كَالظُّلَلِ﴾ كالظلال التي تظل من تحتها، من جبال وسحاب وغيرها. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الدعاء بأن ينجيهم، أي لا يدعون معه غيره بسبب ما دهاهم من الخوف الشديد. ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ متوسط بين الكفر والإيمان، أو مقيم على الطريق القصد الذي هو التوحيد لا يعدل عنه إلى غيره، ومنهم باق على كفره. ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ ينكرها، ومنها الإنجاء من الموج. ﴿خَتّارٍ﴾ غدار، فإنه نقض للعهد الفطري. ﴿كَفُورٍ﴾ شديد الجحود للنعم. سبب النزول: نزول الآية (٢٧): ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ﴾: أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ:﴾ ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء ٨٥/ ١٧] فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة ٢٦٩/ ٢]، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ الآية. واخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ فلما هاجر إلى المدينة أتاه أحبار يهود، فقالوا: ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ إيانا تريد أم قومك؟ فقال: كلاّ عنيت، قالوا: فإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله ﷺ : هي في علم الله قليل، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾. وأخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري في كتاب العظمة وابن جرير عن قتادة قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.

стр. 6313

نزول الآية (٢٨): ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ﴾: نزلت الآية في أبيّ بن خلف وأبي بن الأسدين، ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي ﷺ : إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة! فأنزل الله تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾. المناسبة: بعد إقامة الأدلة على وحدانية الله بخلق السموات بغير عمد، وبإمداد خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة، أبان الله تعالى أن المشركين معترفون بوجود الله، وأنهم يتضرعون إليه وحده وقت الشدة، ثم يعودون إلى كفرهم بعد النجاة. ثم أثبت تعالى وحدانيته بملكه ما في السموات وما في الأرض، ثم أقام الدليل على سعة علمه، وشمول قدرته على كل شيء، ومنه خلق الناس وبعثهم، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر في دورة محددة، وتسيير السفن في البحار بتيسيره وتهيئة أسبابه، علما بأن المشركين يعترفون بتلك الآيات. التفسير والبيان: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أي وتالله لئن سألت هؤلاء المشركين بالله من قومك: من الذي خلق السموات والأرض؟ لأجابوا: هو الله الخالق، فهم معترفون بأن الله خالق السموات والأرض، غير منكرين له، لوضوح الأمر، وعدم وجود البديل، بحيث اضطروا إلى إعلان هذا الاعتراف بالله، ومع هذا فهم يعبدون معه شركاء، يعترفون أنها مخلوقة لله، ومملوكة له.

стр. 6314

﴿قُلِ: الْحَمْدُ لِلّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي قل أيها الرسول: الحمد لله على اعترافكم، إذ قامت الحجة عليكم بإلجائكم إليه، وأن دلائل التوحيد واضحة، لا يكاد ينكرها أحد، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنه ينبغي ألا يعبد مع الله غيره، وأن هذه الحجة تلزمهم، وتبين تناقضهم، وأنهم لم ينتبهوا مع وجود هذا التنبيه. وبعد انتزاع هذا الاعتراف الصريح بوجود الله وتوحيده، استدل الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي لله جميع ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصرفا، وليس ذلك لأحد سواه، فلا يستحق العبادة غيره، لأنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وهم مملوكون له، محتاجون إليه، وهو المحمود في الأمور كلها، وعلى نعمه التي أنعم بها، وعلى ما خلق وشرع. ومنعا لإيهام قوله تعالى: ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تناهي ملكه بحصره في الموجود في السموات والأرض، أبان تعالى أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادا (حبرا) وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله، لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددا، إن الله قوي لا يعجزه شيء، حكيم في صنعه، لا يخرج عن علمه وحكمته شيء، كامل القدرة، فيكون له مقدورات لا نهاية لها. وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر، كما لم يرد أن هناك

стр. 6315

سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم، والعرب تذكر السبعة والسبعين والسبع مائة، وتريد بذلك الكثرة. والخلاصة: أن الآية تخبر عن عظمة الله وكبريائه وجلاله وكلماته التامة ومعلوماته وأسراره التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال النبي ﷺ : «سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فمعلوماته تعالى لا نهاية لها. ويكون المراد بكلمات الله: معلوماته، وقيل: هي ما في المعدوم، دون ما خرج من العدم إلى الوجود (١). ونظير الآية: ﴿قُلْ: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف ١٠٩/ ١٨] وليس المراد بقوله: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر مثل فقط، بل بأمثاله، لأنه مفرد مضاف فيعم، كما أن ﴿كَلِماتُ﴾ وإن كانت جمع قلة، تفيد هنا الكثرة، لأن جموع القلة إذا تعرفت بالألف واللام غير العهدية، أو أضيفت، عمّت، وصارت لا تخص القليل، والعام مستغرق جميع أفراده. ولما بيّن الله تعالى كمال قدرته وعلمه وأن كلماته ومعلوماته لا يحيط بها أحد، أوضح أن هذا الخلق غير المنحصر قد أحاط به علما، وأنه قادر على البعث والمحشر كما قدر على الخلق أول مرة، فقال: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كسبة خلق نفس واحدة، الجميع هيّن عليه، كما قال: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦] وقال تعالى أيضا: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠/ ٥٤] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء، لا يحتاج

стр. 6316

إلى تكرار الأمر وتوكيده، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣/ ٧٩ - ١٤] فمن لا نفاد لكلماته يقول للموتى: كونوا، فيكونوا. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي كما أن الله سميع لأقوال عباده، بصير بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة. وبعد بيان تسخيره تعالى ما في السموات وما في الأرض، ذكر هنا بعض ما فيهما على وجه الخصوص، بقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ ثم ذكر بعض ما في السموات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ثم أردفه ببعض ما في الأرض بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي ألم تشاهد أن الله في شأن تعاقب الليل والنهار، يزيد في زمن الليل على حساب النهار في الشتاء، ويزيد في ساعات النهار على حساب الليل في الصيف، فيأخذ من هذا ويضيفه إلى ذاك، فيطول أحدهما ويقصر الآخر. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي ذلّل النيرين لمصالح خلقه ومنافعهم، كل منهما يسير بسرعة إلى غاية محدودة، أو إلى يوم القيامة، وأن الله مطلع بدقة على جميع أعمالكم من خير وشر، ويجازيكم عليها، فهو الخالق العالم بجميع الأشياء. ثم ذكر الله تعالى الهدف من بيان آياته فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ، وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ أي إنما يظهر الله لكم آياته، ويبين عجائب قدرته وحكمته، لتستدلوا بها على أنه الحق، أي الموجود الثابت المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه

стр. 6317

باطل زائل، فهو الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، لأن جميع ما في السموات والأرض خلقه وعبيده، ولا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه وقدرته ومشيئته، وأن الله تعالى هو العلي الذي لا أعلى منه، المرتفع على كل شيء، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، العظيم السلطان، فكل شيء خاضع له. وبعد ذكر الآيات السماوية الدالة على وجود الله تعالى وقدرته ووحدانيته، ذكر آية أرضية، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي ألم تعلم أيها المخاطب أيضا أن الله سخر البحر لتجري فيه السفن بأمره، أي بلطفه وإحسانه وتهيئة الأسباب، ليرشدكم إلى معرفته، ويظهر لكم شيئا أو بعضا من قدرته، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن، لما جرت. إن فيما ذكر من الأدلة السماوية والأرضية لأدلة واضحة وعلامات نيّرة لكل صبّار (كثير الصبر) في الضراء، شكور في الرخاء، لأن المؤمن متذكر ربه، فيصبر إذا أصابته نقمة، ويشكر إذا أتته نعمة، قال ﷺ فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: «الإيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر». ثم ذكر الله تعالى تناقض المشركين واضطرابهم من اللجوء إليه حين الضراء، ونسيانه حال السراء، فقال: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ، دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ، فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ أي وإذا أحدقت بهم مخاطر الأمواج العالية التي تشبه الجبال والغمام، رجعوا إلى الفطرة، ودعوا الله دعاء حارّا، مخلصين له الطاعة، لا يشركون به غيره، مستغيثين به وحده، فلما رحمهم ونجوا بفضله من الأهوال المحدقة، ووصلوا إلى شاطئ البر والسلامة، فمنهم

стр. 6318

مقتصد في الكفر، منزجر بعض الانزجار، متجه إلى توحيد الله، ومنهم غدّار ناقض للعهد، كافر بأنعم الله، وما يكفر بآياتنا الكونية والقرآنية إلا كل كثير الغدر، كفور بما أنعم الله عليه. ونظير الآية: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ، ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: ١ - لا يجد المشركون بدا عند سؤالهم عن خالق السموات والأرض من الإجابة بأنه هو الله تعالى، فهم يعترفون بأن الله خالقهن، فلم يعبدون غيره؟! فالحمد لله على ما هدانا له من دينه، وليس الحمد لغيره، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا ينظرون ولا يتدبرون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، ودلت الآية الثانية التي تلتها على أن جميع ما في السموات، والأرض لله ملكا وخلقا، وأن الله هو الغني عن خلقه وعن عبادتهم، وإنما أمرهم بالعبادة لينفعهم، والله هو المحمود في صنعه. ٢ - دلت الآية الأخيرة: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ﴾ على اعتراف آخر من المشركين بوجود الله ووحدانيته، فإنهم إذا تعرضوا لمخاطر الغرق بسبب اضطراب البحر، وارتفاع الأمواج، لم يجدوا بديلا غير الله للجوء إليه، فيدعونه موحدين له، لا يدعون لخلاصهم سواه، فإذا ما نجوا من البحر، ووصلوا إلى البر والأمان، فمنهم مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة، موفّ بما عاهد عليه الله في البحر، ومنهم كافر، وقد دل على المحذوف قوله تعالى: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ أي لا ينكر دلائل الآيات على توحيد الله إلا كل غدّار مغرق في الكفر، جحود للنعم، لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها.

стр. 6319

٣ - إن معاني كلام الله سبحانه لا تنفد، وإنها لا نهاية لها، ولا يمكن حصرها ولا عدها، وقد دلنا على ذلك هذا البيان القرآني: وهو لو كانت الأشجار أقلاما، والبحار مدادا، فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفد تلك العجائب، لأنه تعالى القديم الذي لا نهاية له ابتداء وانتهاء، أما المخلوق فلا بد له من بداية ومن نهاية، والمقصود من الكلمات: الكلام القديم، والمراد بالآية الاعلام بكثرة معاني كلمات الله، هي غير متناهية في نفسها، وإنما قرّب الأمر بهذا المثال لأفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، لا أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور. وإذا كانت معاني كلام الله لا نهاية لها، فعلم الله بحقائق الأشياء لا يمكن حصره، وإنما هو واسع شامل. والخلاصة: أن كلمات الله هي مقدوراته وعجائبه، أو معلوماته. ٤ - ما ابتداء خلق جميع البشر إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثهم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة، لأن الله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد، وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة، وإن الله سميع لما يقولون، بصير بما يفعلون. ٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ آية سماوية دالة على قدرة الله تعالى، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ.﴾. أي ذلّلهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال، وإتماما للمنافع، وجعل الطلوع والغروب في وقت محدد لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، وينتهي وجودهما بانتهاء السموات والأرض يوم القيامة. ومن قدر على هذه الأشياء، فلا بدّ من أن يكون عالما بها، والعالم بها عالم بأعمالكم. وقد فعل الله تعالى ذلك (الزيادة والنقص في الليل والنهار وتسخير

стр. 6320

النيرين) لتعلموا وتقرّوا بأن الله هو الإله الحق، وأن ما عداه باطل زائل لا وجود له ولا حقيقة له، وأن الله هو العلي في مكانته، الكبير في سلطانه. ٦ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي﴾ آية أرضية دالة على قدرة الله تعالى، فهو الذي جعل الماء قادرا على حمل السفن، وسيّرها إما بالهواء، وإما بتعليم الإنسان وإلهامه الاستفادة من الطاقة البخارية أو النفطية أو الذرية أو الكهربائية لجريها السريع. كل ذلك ليرينا الله تعالى بعض آياته، ويجعلنا نشاهد بعض مظاهر قدرته في البحار، وفي ذلك علامات وعبر وعظات لكل صبّار على قضاء الله، شكور على نعمائه، قال ﷺ في الحديث المتقدم تخريجه: «الإيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر». وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾. الأمر بتقوى الله وبيان مفاتح الغيب ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ الإعراب: ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً﴾ ﴿يَوْماً﴾ منصوب على أنه مفعول ﴿وَاخْشَوْا﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفا، لأنه يصير الأمر بالخشية في يوم القيامة، ويوم القيامة ليس بيوم تكليف، وإنما هو يوم الجزاء.

стр. 6321

﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ﴾ مرفوع معطوف على ﴿والِدٌ﴾ المرفوع الذي هو فاعل ﴿يَجْزِي﴾ و ﴿هُوَ﴾ تأكيد لما في ﴿مَوْلُودٌ﴾ من الضمير، ولا يجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، لأن الفصل لا يدخل بين النكرتين. ﴿ماذا تَكْسِبُ غَداً﴾ ﴿ماذا﴾ منصوب ب ﴿تَكْسِبُ﴾ لا ب ﴿تَدْرِي﴾ لأن الاستفهام ينتصب بما بعده لا بما قبله، هذا إذا جعل (ما وذا) بمنزلة شيء واحد، فإن جعلا بمنزلة كلمتين، وجعلا بمنزلة (الذي) وجعل موضع ﴿ماذا﴾ مرفوعا، لم يجز نصبه ب ﴿تَدْرِي﴾ لما ذكر، وإنما نحكم على موضع الجملة بالنصب بدخوله عليها. المفردات اللغوية: ﴿اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خافوا عقابه. ﴿لا يَجْزِي﴾ لا يقضي فيه، أو لا يغني. ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ﴾ إن تغيير النظم بين ﴿يَجْزِي﴾ و ﴿جازٍ﴾ للدلالة على أن المولود أولى بألا يجزي، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي وعده بالبعث وبالثواب والعقاب صدق لا يمكن إخلافه. ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ فلا تخدعنكم. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ﴾ في حلمه وإمهاله. ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان وكل ما غرّ الإنسان من مال وجاه، والشيطان يرجّي بالتوبة والمغفرة، فيجسّر على المعاصي. ﴿عِلْمُ السّاعَةِ﴾ علم وقت قيام القيامة. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ بوقت يعلمه. ﴿ما فِي الْأَرْحامِ﴾ من الذكورة والأنوثة، والتمام والنقص، والحياة والموت، وغير ذلك من خواص الجنين وأحواله وأعراضه. ﴿ماذا تَكْسِبُ غَداً﴾ من خير أو شر، وتنفيذ العزم على شيء وخلافه. ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي كما لا تدري في أي وقت تموت، والله يعلمه وحده. ﴿عَلِيمٌ﴾ بكل شيء، يعلم الأشياء كلها. ﴿خَبِيرٌ﴾ يعلم الباطن والظاهر. سبب النزول: نزول الآية (٣٤): أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية هو الحارث بن عمرو (١)، فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآية.

стр. 6322

المناسبة: بعد ذكر دلائل التوحيد من أول السورة إلى آخرها، أمر الله تعالى بتقوى الله والخوف منه، والخشية من يوم القيامة، لأنه تعالى لما كان واحدا أوجب التقوى البالغة، وأنذر الناس يوم المعاد، وأخبر بأنه حق كائن، ثم أردفه ختاما للسورة ببيان ما استأثر الله بعلمه، وهي مفاتح الغيب الخمسة، لأنه بعد هذا الإنذار كأن قائلا قال: فمتى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن العلم بهذه الأمور لا يحصل لغير الله، ولكن يوم المعاد كائن لا بد منه، وإن لم يعلم الناس وقته، والله قادر عليه. التفسير والبيان: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾ أي يا أيها البشر من كفار ومؤمنين خافوا الله الذي خلقكم ورزقكم، وسخر لكم هذا الكون، واحذروا عقابه، واخشوا يوما شديد الهول هو يوم القيامة الذي لا يغني فيه والد عن ولده، فلو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه، ولا مولود هو مغن عن والده أو نافع والده شيئا، فلو أراد فداء والده بنفسه، لم يقبل منه، إذ لا يستطيع أحد أن يشفع بأحد إلا بإذن الله، ولا جدوى عند الله إلا بالعمل الصالح الحاصل في الحياة الدنيا. ثم أخبر الله تعالى عن حدوث هذا اليوم حتما، فقال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي إن وعد الله بالبعث وبالثواب والعقاب أمر ثابت مؤكد حصوله، ولا شك فيه، ولا خلف لوعده. ومقتضى التخويف الإعداد لهذا اليوم وترك التعلق بالدنيا، فقال تعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي لا تخدعنكم زينة

стр. 6323

الدنيا، فتطمئنوا فيها، وتميلوا إليها، تاركين الاستعداد للآخرة، ولا يخدعنكم الشيطان بحلم الله وإمهاله، فيعدكم بالمغفرة، ويحملكم على المعصية بتزيينها لكم، وينسيكم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [النساء ١٢٠/ ٤]. وفي الآية دلالة واضحة على أن الدنيا غرّارة بزخارفها ومتاعها، وأن الشيطان بوساوسه يقوي هذا الغرور بالدنيا، لصرف الناس عن الآخرة والتزود لها بصالح الأعمال. وقيل: الغرور: الدنيا، وقيل: تمني المغفرة في المعصية، والأماني الباطلة برحمة الله واعتماده على شفاعة شافع أو كونه مسلما محبا الله ورسوله بقلبه دون عمل، قال سعيد بن جبير ﵁: الغرة بالله: أن يتمادى الرجل في المعصية، ويتمنى على الله المغفرة. وقد ردّ القرآن على هذه التمنيات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ [النساء ١٢٣/ ٤]. ثم ذكر الله تعالى مفاتح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلام بها، فقال: ١ - ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي إن علم وقت الساعة (أي القيامة) مختص بالله سبحانه، فلا يعلم أحد بوقته سواه، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، كما قال: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧]. ٢ - ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ أي ويختص تعالى أيضا بمعرفة وقت إنزال المطر ومكانه المعين، لا يعلمه إلا الله، فإن أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن يشاء الله من خلقه.

стр. 6324

وأما نشرة الأرصاد الجوية في أيامنا فتعتمد على بعض الحسابات والأمارات، وما ترصده بعض الأجهزة المخصصة لمعرفة نسبة الرطوبة وسرعة الرياح، فليس ذلك غيبا، وإنما هو تخمين وظن، قد يحدث نقيضه، كما أن معرفته تكون قبل مدة قريبة، يلاحظ فيها اتجاهات الرياح والمنخفضات الآتية من الشمال أو من الغرب مثلا. ٣ - ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ أي لا يعلم أحد إلا الله ما في الأرحام من خواص الجنين وأحواله العارضة له من طبائع وصفات وذكورة وأنوثة، وتمام خلقة ونقصها، فإن توصل العلماء بسبب التحليل الكيميائي كون الجنين ذكرا أو أنثى، فلا يعني ذلك غيبا، وإنما بواسطة التجربة، وتظل أحوال أخرى كثيرة مجهولة للعلماء، لا تعلم إلا بعد الولادة. قال القرطبي: وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك (١). ٤ - ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً﴾ أي لا تعلم نفس ماذا تكسب في الغد من خير أو شر في دنياها وأخراها. ٥ - ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي وما تعلم نفس موضع موتها، في بلدها أو غيرها من بلاد الله، لا علم لأحد بذلك. روي أن ملك الموت مرّ على سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجبا منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.

стр. 6325

﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي إن علم الله غير مختص بهذه الأمور الخمسة، بل هو عليم مطلقا بكل شيء، وليس علمه علما بظاهر الأشياء فحسب، بل خبير علمه، يعلم بواطن الأمور وظواهرها. ويلاحظ أنه جعل العلم لله في قوله: ﴿عِلْمُ﴾ ﴿وَيَعْلَمُ﴾ والدراية للعبد في قوله: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ﴾ لما في الدراية من معنى الختل والحيلة؛ والمعنى: أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها. ونظير الآية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦]. وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾». ويلاحظ أن هذه الأمور الخمسة تشتمل على الدليلين المكررين في القرآن لإثبات البعث: أحدهما-إحياء الأرض بعد موتها، حيث قال تعالى هنا: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ [الروم ٥٠/ ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩/ ٣٠]. والثاني-الخلق ابتداء، حيث قال هنا: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧/ ٣٠] وقال:

стр. 6326

﴿قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت ٢٠/ ٢٩]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وجوب الخوف من الله تعالى وتوحيده، وخشية يوم المعاد الذي لا بد من حصوله. ٢ - البعد عن الاغترار بزينة الحياة وزخارفها، والاتكال عليها والركون إليها، وترك العمل للآخرة. ٣ - إن الدنيا غرارة، وإن الشيطان يغرّ الناس ويمنّيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة، فيصبح الإنسان مغرورا يعمل بالمعصية ويتمنى بالمغفرة!! ٤ - لا يعلم أحد إلا الله تعالى بأمور خمسة: هي وقت الساعة، ووقت إنزال الغيث ومكانه، وعلم ما في الأرحام من أحوال الجنين وأوصافه العارضة له، وأعمال المستقبل القريب والبعيد، ومكان وفاة الإنسان. قال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعلمها ملك مقرّب، ولا نبي مرسل؛ فمن ادّعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه. أما الأنبياء فيعلمون كثيرا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم. وبذلك يبطل كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء (١) عالمين بالغيبيات.

стр. 6327

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة السجدة مكية، وهي ثلاثون آية. تسميتها وفضلها: سميت سورة السجدة لما فيها من وصف المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى ويسبحونه عند سماع آيات القرآن العظيم: ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [١٥]. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ [الإنسان ١/ ٧٦]. وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك ١/ ٦٧]. مناسبتها لما قبلها: تظهر صلة هذه السورة بما قبلها وهي سورة لقمان من ناحية اشتمال كل منهما على أدلة التوحيد وهو الأصل الأول للعقيدة، وبعد أن ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة الأصل الثاني وهو الحشر أو المعاد، وختم تلك السورة بهذين الأصلين، بدأ هذه السورة ببيان الأصل الثالث وهو الرسالة أو النبوة، فقال تعالى: ﴿الم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ.﴾ ..

стр. 6328

كذلك تعد بعض آيات هذه السورة شرحا وتفصيلا للسورة السالفة، فقوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [٥] توضيح لقوله تعالى في بيان مفاتح الغيب هناك: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [٣٤]. وقوله سبحانه هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [٢٧] تفصيل لقوله هناك: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [٣٤]. وقوله هنا: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [٧] شرح لقوله هناك: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [٣٤]. وقوله هنا: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [٥] شرح لقوله هناك: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً﴾ [٣٤]. وقوله هنا: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ: يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [١٠ - ١١] إيضاح لقوله: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [٣٤]. موضوعها: موضوع هذه السورة كموضوع سائر السور المكية وهو إثبات أصول الاعتقاد: «الإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والرسل والبعث والجزاء» ومحور الكلام إثبات (البعث) بعد الموت الذي أنكره المشركون والماديون، واتخذوه سببا لتكذيب النبي ﷺ . مشتملاتها: افتتحت السورة بتقرير كون القرآن العظيم بلا أدنى شك هو كتاب الله المنزل على رسوله ﷺ ، وإثبات رسالة النبي ﷺ ، وإبطال مزاعم المشركين بأن

стр. 6329

الرسول افترى هذا القرآن، وبيان أنه لم يأتهم رسول مثله قبله. ثم أوردت السورة أدلة وحدانية الله وقدرته من تدبيره الكون، وخلقه الإنسان ورعايته له في أطواره التي يمر بها، ثم بعثه الخلق مرة أخرى ليوم مقداره ألف سنة مما تعدّون، بأسلوب يرد على إنكار المشركين البعث والنشور، لظنهم بسبب عجزهم أن التفتت إلى ذرّات مبعثرة مشتتة يحيل بعدئذ تجمعها وإعادتها إلى خلق جديد. ثم وصفت السورة حال المجرمين الكافرين وحال المؤمنين الطائعين لله، فالأولون تلبسهم الذلة والمهانة، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا، ويذوقون العذاب الأليم. والمؤمنون لا تفارقهم في الدنيا الطاعة في الليل والنهار، ويدعون ربهم خوفا وطمعا، وينفقون أموالهم في مرضاة الله، ولهم في الآخرة جزاء عملهم الثواب الجزيل، والفضل العظيم الذي تقرّ به أعينهم، وجنات المأوى والاستقرار والخلود. وعقّبت السورة على حال هذين الفريقين باستبعاد التسوية بينهما؛ إذ لا يعقل مكافأة العصاة كمكافأة الطائعين. ثم ختمت السورة بتقرير ما بدأت به، فذكرت الرسالة، وأبانت الهدف من إنزال التوراة على موسى ﵇، وهو هداية بني إسرائيل، تنبيها على وجه الشبه بين رسالة محمد ورسالة موسى عليهما الصلاة والسلام. ثم ذكرت التوحيد والقدرة وأقامت البرهان عليهما بإهلاك الأمم الظالمة في الماضي، وأخيرا أكدت حدوث الحشر الذي استبعد الكفار حصوله. فصار مطلع السورة ومضمونها وخاتمتها إثبات أصول العقيدة وهي كما ذكرت: التوحيد، والرسالة، والبعث.

стр. 6330

إثبات النبوة (الرسالة) ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ الإعراب: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ، لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾: مبتدأ، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾: خبره. ويجوز جعل ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل الكتاب، ويجوز أن يكون ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿الْكِتابِ﴾ و ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خبر المبتدأ، و ﴿مِنْ﴾: متعلقة بالخبر المحذوف. وإذا جعلت ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر المبتدأ كانت ﴿مِنْ﴾ متعلقة ب ﴿تَنْزِيلُ﴾ و ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خبر ثان. المفردات اللغوية: ﴿الم﴾ هذه الحروف الهجائية المقطعة سيقت كما بان سابقا للتحدي والتنبيه على إعجاز القرآن. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ أي إنزال القرآن، أو المنزّل. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه. ﴿أَمْ﴾ بل. ﴿يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ﴾ أي يقول المشركون: اختلقه محمد ﷺ من عند نفسه، منكرين كونه من رب العالمين. ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي إن القرآن هو الحق الثابت المنزل من الله. ﴿ما أَتاهُمْ﴾ ﴿قَوْماً﴾ نافية. ﴿نَذِيرٍ﴾ منذر. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك. قال في الكشاف وأوجز البيضاوي كلامه: إنه تعالى أشار أولا إلى إعجاز القرآن، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكارا له وتعجبا منه، فإن ﴿أَمْ﴾ منقطعة (١)، ثم أضرب عنه إلى إثبات أنه

стр. 6331

الحق المنزل من الله، وبيّن المقصود من تنزيله، فقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إذ كانوا أهل الفترة، لعلهم يهتدون بإنذارك إياهم. التفسير والبيان: ﴿الم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ، لا رَيْبَ فِيهِ، مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ افتتحت هذه السورة بهذه الأحرف كغالب السور المكية لبيان إعجاز القرآن وعظمته، والرد على المشركين المنكرين نزوله من عند الله، والمكذبين برسالة النبي ﷺ . هذا القرآن العظيم لا شك في أنه منزل من عند الله على قلب محمد ﷺ ، فليس بسحر ولا شعر ولا سجع كاهن، وإنما هو كلام رب العوالم جميعهم من إنس وجنّ، وذلك رد على قولهم: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان ٥/ ٢٥]. ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي بل إنهم يقولون زورا وبهتانا: اختلقه وافتعله محمد من عنده، فرد الله عليهم: بل هو الحق الثابت أي هو حق من الله ربه، أنزله إليك لتخوف وتنذر به قوما-أي قريشا ونحوهم-بأس الله وعذابه إن كفروا وعصوا، علما بأنه لم يأتهم نذير قبلك، فتبين لهم طريق الرشاد، ولعلهم يهتدون بإنذارك إياهم. وهذا إثبات لرسالة محمد ﷺ وبرهان واضح على صدقه، وردّ لقول المشركين: ﴿إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤/ ٢٥]. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات أن القرآن الكريم كلام الله الذي لا شك فيه أنه من عند

стр. 6332

الله، فليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين، كما يزعم المشركون الأفاكون الوثنيون، والكفار المتعصبون لدين سابق. وبعد أن أثبت الله تعالى أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، أضرب عن ذلك (أي انتقل) إلى قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ ثم كذبهم في دعوى الافتراء. ثم بيّن الله تعالى مهمة القرآن والنبي ﷺ وهي إنذار الكافرين عذاب الله، ومنهم قريش، قال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿قَوْماً﴾ يعني قريشا، كانوا أمّة أمّية لم يأتهم ندير من قبل محمد ﷺ . دلائل التوحيد والقدرة الإلهية ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)﴾ الإعراب: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خلق: فعل ماض، وموضع الجملة إما النصف صفة لكل، وإما الجر

стр. 6333

صفة لشيء، ومعناه: أحسن كلّ شيء مخلوق له. ومن قرأ بسكون اللام جعله بدل اشتمال أي بدلا من قوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أو مفعولا ثانيا ل ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى أفهم فيتعدى إلى مفعولين. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ من زائدة لتأكيد النفي، أي ليس لكم ناصر مطلقا. البلاغة: ﴿الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: وجعل له فعدل إلى ضمير الجماعة، مراعاة لخطاب الإنسان الذي صار حيّا بنفخ الروح فيه مع ذريته. المفردات اللغوية: ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ من الأحد إلى الجمعة، والأيام: جمع يوم، وهو عند العرب جزء من اليوم، ويراد به لغة: الوقت. ﴿اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش: أعظم المخلوقات، وهو لغة: سرير الملك، والاستواء عليه: هو شيء يليق بالله دون حصر ولا كيف ولا تحديد بجهة معينة. ﴿ما لَكُمْ﴾ أيها الكفار وغيركم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غيره. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي ناصر. ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ يشفع بكم ليدفع العذاب عنكم. والمعنى: ليس لكم غير الله ناصر ولا شفيع، بل هو الذي يتولى مصالحكم، وينصركم في مواطن النصر. ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله فتؤمنوا؟! ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي يدبر أمر الدنيا مدة بقائها، وينظم شؤونها وأحوالها الواقعة فيها تدبيرا وتنظيما شاملا مبتدئا من السماء ومنتهيا إلى الأرض. ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ثم يصعد إليه ويرجع الأمر والتدبير ويثبت في علمه. ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا، أي يصعد إليه في برهة من الزمان متطاولة وهو يوم القيامة، وتقديره بألف سنة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة، يصليها في الدنيا، كما جاء في الحديث الثابت. ﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي ذلك الخالق المدبر يدبر الكون على وفق الحكمة، وعلى وفق علمه الشامل الذي يعلم ما غاب عن الخلق وما حضر، المنيع في ملكه، الغالب على أمره، الرحيم بأهل طاعته وتدبيره أمر العباد. قال البيضاوي: وفيه إيماء إلى أنه تعالى يراعي مصالح الناس تفضلا وإحسانا. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي أتقن ما خلقه، موفرا له كل ما يحتاجه على وفق الحكمة والمصلحة. ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ﴾ يعني آدم ﴿نَسْلَهُ﴾ ذريته، سميت به؛ لأنها تنسل منه أي تنفصل. ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ نطفة. ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ ممتهن ضعيف، وهو النطفة. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ قوّمه بتصوير أعضائه على ما ينبغي وأتّمه. ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أضافه إلى نفسه تشريفا،

стр. 6334

وإشعارا بأنه خلق عجيب، وأن له شأنا، والمعنى: جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ لذريته. ﴿السَّمْعَ﴾ أي الإسماع. ﴿وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ خصص هذه الحواس لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ تشكرون شكرا قليلا، و ﴿ما﴾ زائدة مؤكدة للقلة. المناسبة: بعد ما أثبت الله تعالى صحة الرسالة، ذكر ما يجب على الرسول من الدعوة إلى توحيد الله، وزوده بما يحتاجه من إقامة الأدلة والبراهين على ذلك، لإنجاح مهمته. التفسير والبيان: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي إن الله تعالى هو خالق الأشياء، فخلق السموات والأرض وأبدعهما وفطرهما وما بينهما لا على مثال سابق، في مدة ستة أيام، أي في أجزاء ستة من الوقت، ليست هي الأيام المعروفة؛ لأنه قبل خلقها لم يكن ليل ولا نهار. وقال الحسن البصري: «من أيام الدنيا» ولو شاء لخلقها بلمح البصر، ولكن أراد أن يعلّم عباده التأني في الأمور. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي استولى على ملكه يدبر أمره ويحكم شأنه، أو استوى استواء يليق بجلاله وعظمته على العرش الذي هو أعظم المخلوقات، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا يحده زمان ومكان، ولا تدركه الأبصار إدراك إحاطة وشمول، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير. ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ أي ليس لكم أيها الناس، ولا سيما الكفار من غير الله ناصر يدفع عنكم عذابه ويلي أموركم، ولا شافع يشفع لكم عنده إلا بإذنه، بل هو المالك المطلق لكل شيء، فيتولى ما فيه المصلحة، ويدبر الأمور، دون تدخل من أحد، ولا حاجة لأحد؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والمهيمن على جميع الأشياء.

стр. 6335

﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾؟ أي أفلا تتدبرون وتتعظون، فتؤمنوا بالله وحده لا شريك له. ولا نظير ولا وزير، ولا عديل له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. والمراد: حمل الناس على الإيمان بالله إلها وربا، يعبد وحده، ويطاع لذاته، فهو المستعان على كل أمر، وهو المانع من السوء، والجالب للخير والنفع، والمحقق للمصلحة، دون حاجة لأحد ولا لشيء، لذا قال مبينا الأمر بعد بيان الخلق: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤/ ٧]. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي يدبر أمر الكون كله في العالم العلوي والسفلي، ثم يصعد إليه أثر الأمر وتنفيذه بواسطة الملائكة، وهذا تمثيل لعظمة الله وامتثال المخلوقات جميعا لمراده وتدبيره، كالحاكم المطلق الذي يصدر أوامره، ثم يتلقى من أعوانه ما يدل على تنفيذها. ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أي ترفع الأمور الحاصلة في الدنيا صغيرها وكبيرها إلى الله تعالى يوم القيامة ليفصل فيها ويحكم في شأنها، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا التي نعدّها في هذه الحياة. والمراد بالألف: الزمن المتطاول الذي هو في لغة العرب أقصى نهاية العدد. وفي موضع آخر وصف الله تعالى مقدار هذا اليوم بخمسين ألف سنة: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٧٠] قال القرطبي: المعنى أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر. وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام؛ فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة (١).

стр. 6336

﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي المدبر لهذه الأمور هو العالم بجميع الأشياء، يعلم ما يغيب عن الأبصار، مما يجول في خلجات النفس، وما لا تدركه العين المجردة، ويعلم ما هو مشاهد تعاينه الأبصار، وهو العزيز الذي قد عزّ كل شيء، فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، القوي الشديد في انتقامه ممن كفر به وأشرك معه غيره، وكذب رسله، وهو الرحيم بعباده المؤمنين الطائعين القانتين التائبين الذين يعملون الصالحات، يرحمهم في تدبير شؤونهم في الدنيا وفي الآخرة. وبعد إثبات الوحدانية بالآفاق من خلق السموات والأرض، ذكر تعالى الدليل الدال عليها من الأنفس، فقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ أي إن ذلك المدبر للأمور العليم الخبير القوي الرحيم هو الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، وبدأ خلق أبي البشر آدم من طين، والطين مكوّن من ماء وتراب. وكذلك يعتمد الإنسان في تكوينه وبقاء حياته على الطين؛ لأن المني ناشئ من الغذاء، والغذاء إما من الحيوان وإما من النبات، وكلاهما يعتمد على ما تخرجه الأرض الترابية. ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ أي ثم جعل ذرية الإنسان يتناسلون من امتزاج نطفة الرجل بماء المرأة الذي فيه البويضة التي تتلقح بنطفة الرجل، فيتم التوالد والتناسل وبقاء النوع الإنساني من خلاصة من ماء ضعيف ممتهن عادة وهو المني. ﴿ثُمَّ سَوّاهُ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي ثم بعد خلقه من تراب جعله سويا مستقيما، فقوّم أعضاءه، وعدّلها، وأتمها، ونفخ فيه الروح التي هي من أمر الله والتي لا يعرف حقيقتها إنسان، فبدأ

стр. 6337

يتحرك وينمو، وأنعم عليكم بالحواس مفاتيح المعرفة وصمامات الأمان، فمنحكم السمع الذي تسمع به الأصوات، والأبصار التي تبصر بها المرئيات، والعقول التي تفكرون بها، وتميزون بين الخير والشر، والحق والباطل. وهكذا يلاحظ التدرج في الخلقة وأطوار الإنسان، فهو ينشأ أولا من مادة هي الطين اللازب، ثم تصبح هذه المادة ذات إفرازات حية، يتم بها تكوين الجنين، ثم تتحرك المادة بالروح التي هي من الحق تعالى، فيصبح خلقا جديدا سويا في أحسن تقويم، فتبارك الله أحسن الخالقين. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي أنكم أيها الناس لا تقابلون هذه النعم بالعرفان والوفاء، والشكر والامتنان، وإنما تشكرون ربكم قليلا على هذه النعم التي رزقكم الله تعالى، باستعمال تلك الحواس في طاعة الله واتباع مرضاته. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - هناك دلائل كثيرة على توحيد الله وكمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه، منها إبداع السموات والأرض وإيجادها بعد العدم، وبعد أن لم تكن شيئا، في أجزاء من الزمن الله أعلم بمقدارها، وقد قرّبها لعقولنا وعبر عن طولها بقوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الأيام الستة، فقال ابن عباس: إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض مقداره ألف سنة من سنيّ الدنيا. وقال الضحاك: في ستة آلاف سنة؛ أي في مدة ستة أيام من أيام الآخرة. ٢ - والاستواء على العرش استواء يليق بجلال الله وكماله دون تحديد ولا

стр. 6338

حصر، وهو الأصح أو التمكن والسلطة على الكون المخلوق حاصل مع خلق السموات والأرض، فليست ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب، وإنما هي بمعنى الواو. ٣ - إن الله ولي المؤمنين الذي يتولى مصالحهم وناصرهم وشفيعهم، فإذا تجاوز الناس رضاه لم يجدوا لأنفسهم وليا، أي ناصرا ينصرهم ولا شفيعا يشفع لهم، وعليه، ليس للكافرين من ولي يمنع عنهم العذاب، ولا شفيع يتوسط لهم فيرفع عنهم العقاب. فهل من متذكر معتبر في قدرة الله ومخلوقاته؟! ٤ - ويأتي الأمر بعد الخلق، للدلالة على عظمة الله، فإن نفاذ أمر الله في الكون دليل على عظمته، لذا كان الأمر والتدبير في الكون وإنزال القضاء والقدر، ونفاذ هذا التدبير من مظاهر عظمة الله تعالى، ومجموع هذه الأوامر النافذة كلها عائد إلى الله يوم القيامة، فقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ معناه يرجع ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا، ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ هو يوم القيامة، وقد يكون لشدة أهواله وبحسب أحوال بعض الناس في مدة مقدارها خمسون ألف سنة، كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٧٠]. ورأى الزمخشري في الكشاف أن المراد من الأمر: المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبرا من السماء إلى الأرض، ثم يصعد إليه المأمور خالصا في مدة متطاولة لقلة عمال الله والخلّص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة؛ لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص، ثم يثبت ذلك الأمر الصاعد ويصير إلى الله في كل وقت إلى أن تبلغ المدة آخرها في يوم القيامة الذي هو من أيام الله، ويوم الله كألف سنة، ثم يدبر الله أيضا الأمر ليوم آخر، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة (١)

стр. 6339

٥ - الله تعالى في خلقه وتدبيره وحسمه أمر الدنيا بالقيامة يعلم ما غاب عن الخلق وما حضرهم، فلا تفوته مصلحة، ولا تخفى عليه خافية من أعمال المخلوقات. وفي هذا الكلام معنى التهديد والوعيد، يراد به أن أخلصوا أفعالكم وأقوالكم، فإني أجازي عليها. ٦ - لله القدرة البالغة التي لا توصف عظمتها وحدودها، فقد خلق أصل الإنسان من طين، ثم جعل ذريته يتناسلون كذلك من ماء ممتهن ضعيف، ثم أكمله وأتمه وعدّله ونفخ فيه الروح، وخلق فيه حواس السمع والبصر والعقل أدوات المعرفة ووسائل إدراك الحق والهدى، وتلك نعم عظمي تستحق الشكر والوفاء بالمعروف، لكن أكثر الناس كافرون لا يشكرون، وقليل من عباده الشكور. ويلاحظ أن الترتيب في السمع والأبصار والأفئدة على مقتضى الحكمة؛ لأن الإنسان يسمع أولا الأمور فيفهمها، ثم يبصر الأمور، ثم يحصل له بعد السمع والبصر الإدراك التام والذهن الكامل، فيستخرج الأشياء مما سمع ورأى. وسبب ذكر السمع مصدرا، والأبصار والأفئده اسما، فجمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع: هو لحكمة هي أن الإنسان لا يسمع في زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما، ولا اختيار لمحل السمع وهو الاذن، ويدرك في زمان واحد صورتين فأكثر بالعين ويعيهما ويستبينهما في القلب، ولمحل البصر وهو العين شبه اختيار، فإنها تتحرك إلى جانب مرئي دون غيره، وكذلك الفؤاد محل الإدراك له نوع اختيار، فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، وفي الأبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة.

стр. 6340

إثبات البعث وحال الكفار يوم القيامة ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا﴾ ﴿إِذا﴾: ظرف متعلق بفعل مقدر، تقديره: أنبعث إذا ضللنا في الأرض، أي غبنا وبلينا. ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴿إِذِ﴾ تتعلق ب ﴿تَرى﴾ و ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ مبتدأ، وناكسو رؤوسهم: خبره، و ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا﴾ تقديره: يقولون: ربنا أبصرنا، فحذف القول، كما هو المعتاد الكثير في كلام العرب. البلاغة: ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ، أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام إنكاري بقصد الاستهزاء. ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ فيه إضمار تقديره: يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا.
следующие страницы →