المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد والبعث وصدق الرسول ﷺ ، ختم الله السورة بوصف إجمالي للقرآن وهو أنه كتاب العبر والأمثال لإزالة الأعذار، والكتاب المخلص غاية الإخلاص للبشرية بتقديم الإنذارات الكافية، ثم أردفه ببيان تحقيق جميع أهدافه على يد الرسول ﷺ الذي بلغ الغاية القصوى في تبليغ دعوته، وأنه لم يبق منه تقصير.
فإن طلب الكفار شيئا آخر غير القرآن وهذا النبي، فذلك عناد، لم يفدهم بعده أي بيان؛ إذ من هان عليه تكذيب دليل، سهل عليه تكذيب الأدلة كلها.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي ولقد بينا لهم الحق ووضحناه، وضربنا لهم فيه الأمثال الدالة على وحدانية الخالق وعلى البعث وصدق الرسول ﷺ ، ليستبينوا الحق ويتبعوه، ولم يحصل تقصير من جانب الرسول ﷺ في تبليغ الدعوة إلى الله، فإن طلب الناس شيئا بعد ذلك، فهو عناد، ومن هان عليه تكذيب دليل، لم يصعب عليه تكذيب الدلائل كلها كفرا وعنادا، لذا قال:
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ أي وتالله لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، وما أنتم أيها الرسول والمؤمنون إلا جماعة مبطلون تأتون بالباطل وتتبعونه؟!.
وذلك كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ
стр. 6267
رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧].
وترتب على إعراضهم عن الإيمان عنادا واستكبارا الطبع على القلوب كما قال تعالى:
﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي مثل ذلك الختم وحجب الخير والحق يختم الله على قلوب الجهلة الذين لا يتعلمون ولا يعلمون حقيقة الآيات البينات في القرآن المجيد، لسوء استعدادهم، وإصرارهم على تقليد الأسلاف، واعتقاد الخرافات.
ثم أمر الله رسوله بالصبر على مخالفتهم وأذاهم وعنادهم، فقال:
﴿فَاصْبِرْ، إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي فاصبر أيها الرسول على أذى المشركين وتابع في تبليغ رسالتك، فإن وعد الله الذي وعدك به من نصره إياك عليهم وظفرك بهم، وجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، حق ثابت لا شك فيه، ولا بد من إنجازه والوفاء به.
﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ولا يحملنك على الخفة والقلق جزعا مما يقول الذين لا يوقنون بالله واليوم الآخر، فإنهم قوم ضالون، واثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا محيد عنه، بل الحق كله منحصر فيه. وهذا إشارة إلى وجوب مداومة النبي ﷺ على الدعوة إلى الإيمان.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم والبيهقي أن رجلا من الخوارج نادى عليا ﵁، وهو في صلاة الغداة (الفجر) فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الزمر ٦٥/ ٣٩] فأنصت له عليّ حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.
стр. 6268
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن القرآن المجيد هو النعمة العظمى على الإنسانية وعلى المسلمين؛ لأنه يرشد ببيانه العجيب وأمثلته التوضيحية إلى ما يحتاجون إليه، وينبههم على التوحيد وصدق الرسل.
٢ - إن أتى النبي ﷺ بآية قرآنية أو بمعجزة مثل المعجزات المادية المحسوسة للأنبياء السابقين كفلق البحر والعصا وغيرهما، لقال الكفار: ما أنتم يا معشر المؤمنين إلا قوم مبطلون، أي تتبعون الباطل والسحر.
٣ - كما طبع أو ختم الله على قلوب صناديد الكفر وزعماء الشرك، حتى لا يفهموا الآيات عن الله، فكذلك يطبع على قلوب الذين لا يعلمون التوحيد وأصول الاعتقاد، وحقيقة العبر والعظات، وآيات الله البينات، فيصبحون عديمي الفهم لكل ما يتلى عليهم من القرآن، بسبب عنادهم وإعراضهم، وسوء استعدادهم لقبول دعوة الحق والخير والتوحيد.
٤ - على المؤمن أن يثبت على الحق الذي لا مرية فيه، وهو دين الإسلام، ولا يتأثر بسفاهات المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا بالبعث. والخطاب في قوله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ للنبي ﷺ ، والمراد أمته. فإن قصر الخطاب على النبي ﷺ فالمراد به وجوب المداومة على الدعوة إلى الإيمان، فإنه لو سكت لقال الكافر: إنه متقلب الرأي، لا ثبات له على مبدئه.
стр. 6269
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة لقمان
مكية، وهي أربع وثلاثون آية.
تسميتها:
سميت سورة لقمان لاشتمالها على قصة (لقمان الحكيم) الذي أدرك جوهر الحكمة، بمعرفة وحدانية الله وعبادته، والأمر بفضائل الأخلاق والآداب، والنهي عن القبائح والمنكرات.
موضوعها:
تضمنت الكلام عن موضوعات السور المكية وهي إثبات أصول العقيدة من الإيمان بالله ووحدانيته، وتصديق النبوة، والإقرار بالبعث واليوم الآخر.
وسبب نزولها أن قريشا سألت النبي ﷺ عن قصة لقمان مع ابنه وعن بره والديه، فنزلت.
صلتها بما قبلها أو مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بسورة الروم قبلها من وجوه:
١ - قال تعالى في آخر السورة السابقة: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ إشارة إلى كون القرآن معجزة، وقال في مطلع هذه السورة:
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ، هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
стр. 6270
٢ - كذلك قال سبحانه في آخر السورة المتقدمة: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ إشارة إلى أن المشركين يكفرون بالآيات، وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ [٧].
٣ - وصف الله تعالى قدرته على بدء الخلق والبعث في كلتا السورتين، فقال في السورة السالفة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [٢٧] وقال هنا: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [٢٨].
٤ - أثبت الله تعالى في كلتا السورتين إيمان المؤمنين بالبعث، فقال في السورة السابقة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [٥٦] وهذا عين إيقانهم بالآخرة المذكور في مطلع هذه السورة: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
٥ - حكى الله تعالى في السورتين ما عليه حال المشركين من القلق والاضطراب، إذ يضرعون إلى الله في وقت الشدة، ويكفرون به وقت الرخاء، فقال في السورة المتقدمة: ﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ..﴾.
[٣٣] وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..﴾. [٣٢].
٦ - ذكر في سورة الروم: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [١٥] وقد فسر بالسماع، وفي لقمان: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [٦] وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي.
٧ - قابل تعالى بين السورتين، فذكر في سورة الروم مدى اعتزاز المشركين بأموالهم ورفضهم إشراك غيرهم فيها، وذكر هنا قصة لقمان الحكيم العبد الصالح الذي أوصى ابنه بالتواضع وترك التكبر، كما ذكر في الأولى محاربة الروم والفرس
стр. 6271
في معركتين عظيمتين، وذكر في السورة الثانية في قصة لقمان الأمر بالصبر والمسالمة وترك المحاربة.
مشتملات السورة:
اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية: فبدأت ببيان معجزة النبي الخالدة وهي القرآن دستور الهداية الربانية، وموقف الناس منه، ففريق المؤمنين يصدّقون بكل ما جاء فيه، فيظفرون بالجنان، وفريق الكافرين الساخرين الهازئين الذي يعرضون عما فيه من الآيات، ويضلون عن سبيل الله جهلا وسفها، فيتلقون العذاب الأليم.
ثم تحدثت عن أدلة الوحدانية والقدرة الباهرة لله ربّ العالمين من خلق العالم والكون، وتلا ذلك بيان قصة لقمان الحكيم ووصاياه الخالدة لابنه، تعليما للناس وإرشادا لهم، وعلى رأسها نبذ الشرك، وبر الوالدين، ورقابة الله على كل صغيرة وكبيرة، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواضع واجتناب الكبر، ومشي الهوينى، وإخفاض الصوت.
وأردف ذلك توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك مع مشاهدتهم أدلة التوحيد، والنعي عليهم في تقليدهم الآباء، وجحودهم نعم الله الكثيرة التي لا حصر لها، وإعلامهم أن طريق النجاة هو إسلام النفس لله والإحسان بالعمل الصالح، وبيان تناقضهم حين يقرّون بأن الله هو خالق كل شيء ثم يعبدون معه غيره، مع أن الله هو مالك السموات والأرض والمنعم بجلائل النعم، وعلمه محيط بكل شيء، وأن خلق جميع البشر وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها، فهو المدبر والمصرف الذي لا يعجزه شيء، وأنهم يتضرعون إليه وقت الشدة ويشركون به وقت الرخاء.
ثم أضافت السورة أدلة أخرى على القدرة الإلهية من إيلاج الليل في النهار وبالعكس، وتسخير الشمس والقمر، وتسيير السفن في البحار وغير ذلك.
стр. 6272
وختمت السورة ببيان الأمر بالتقوى والخوف من عذاب يوم القيامة الذي لا بد من إتيانه، ولا أمل فيه بنصرة أحد، وعدم الاغترار بمتاع الدنيا وزخارفها، والتنبيه على مفاتيح الغيب الخمسة التي اختص الله بعلمها، وأن الله محيط علمه بالكائنات جميعها، خبير بكل ما يجري فيها.
خصائص القرآن وأوصاف المؤمنين به ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾
الإعراب:
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ مبتدأ وخبر والإضافة بمعنى «من» و ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ بالنصب والرفع، فالنصب على الحال من ﴿آياتُ﴾ والعامل فيهما معنى الإشارة، ولا يجوز أن يكون منصوبا على الحال من ﴿الْكِتابِ﴾ لأنه مضاف إليه، ولا عامل يعمل في الحال، وفيه خلاف. والرفع:
إما خبر ﴿تِلْكَ﴾ و ﴿آياتُ﴾: بدلا من ﴿تِلْكَ﴾ وإما خبر بعد خبر، كقولهم: هذا حلو حامض، وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو هدى.
البلاغة:
﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ عبر بالمصدر عن اسم الفاعل للمبالغة.
﴿تِلْكَ آياتُ﴾ إشارة بالبعيد عن القريب لبيان علو الرتبة وسمو القدر.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إطناب بتكرار الضمير ﴿هُمْ﴾ واسم الإشارة ﴿أُولئِكَ﴾ لزيادة الثناء عليهم وتكريمهم. وقوله ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يفيد الحصر، أي هم المفلحون لا غيرهم.
стр. 6273
المفردات اللغوية:
﴿الم﴾ يشبه افتتاح سورة البقرة المدنية، وجاء على وفق المعروف غالبا في السور المكية التي تبدأ بأحرف هجائية، للتنبيه على إعجاز القرآن، وللإشارة إلى أن هذه الأحرف «ألف، لام، ميم» ينطق بها العرب قاطبة، ولكنهم عاجزون عن معارضتها بالإتيان بمثل سورة أو عشر سور من القرآن، مما يدل على أنه تنزيل من حكيم حميد. ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ أي هذه الآيات آيات القرآن المتصف بالحكمة.
﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ أي الآيات هادية راحمة ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ بيان للمحسنين ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هم الثانية للتأكيد ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون، لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح.
التفسير والبيان:
﴿الم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ أي إن هذا القرآن مكوّن من الحروف ذاتها التي تنطقون بها، فهل تأتون بمثل آياته؟ فهذه آيات القرآن ذي الحكمة، الذي لا خلل فيه ولا عوج، ولا تناقض فيه ولا اختلاف، بل هو آيات بينات واضحات.
ثم ذكر تعالى الغاية من تنزيله فقال:
﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي هذه الآيات القرآنية هدى وشفاء من الضلال، ورحمة تنقذ المؤمنين بها من العقاب، وهم الذين أحسنوا العمل، واتبعوا الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وفي أوقاتها، مع نوافلها، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، وصدقوا وأيقنوا بوجود الآخرة وبالجزاء العادل فيها، ورغبوا إلى الله في الثواب، دون مراءاة ولا جزاء ولا شكور من الناس.
﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي هؤلاء الموصوفون بما ذكرهم في قمة الهداية والفلاح، فهم المهديون أي على بصيرة ونور ومنهج
стр. 6274
واضح من الله، وهم الفائزون وحدهم في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى علو المرتبة والتعظيم الذي يستحقونه، إذ لا فلاح إلا بإحسان العمل، ولا خير إلا في الإيمان.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما هو آت:
١ - إن آيات القرآن العظيم محكمة لا خلل فيها ولا تناقض، ولا عيب فيها ولا تعارض، وهي دستور الهداية الربانية، وسبيل استحقاق الرحمة الإلهية، التي لا يستحقها إلا المحسنون. والمحسن: الذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه يراه، أو هو الآتي بالإيمان، المتقي الشرك والعناد.
٢ - إن من أخص صفات المحسنين إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان باليوم الآخر.
٣ - هؤلاء المحسنون استنارت قلوبهم وعقولهم بمنهج الله تعالى، فالتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ففازوا وحدهم بسعادة الدنيا والآخرة.
٤ - إن وصف القرآن بالحكمة في قوله تعالى: ﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ مناسب لموضوع السورة في بيان الحكمة في قصة لقمان وما يؤيدها من آي السورة في تقرير التوحيد، وهدم الشرك وإثبات البعث والنبوة، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، والإيمان بعالم الغيب والشهادة، المنعم على عباده بالنعم الكثيرة الظاهرة والباطنة.
стр. 6275
إعراض الكافرين عن القرآن وإقبال المؤمنين عليه ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾
الإعراب:
﴿وَيَتَّخِذَها﴾ بالنصب عطفا على ﴿لِيُضِلَّ﴾ وبالرفع عطفا على ﴿يَشْتَرِي﴾ أو على الاستئناف. وهاء ﴿يَتَّخِذَها﴾ يعود على السبيل لأنها مؤنثة كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف ١٠٨/ ١٢] وتذكّر كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف ١٤٦/ ٧]. وباء ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ للحال، تقديره:
ليضل عن سبيل الله جاهلا.
﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ حال من ضمير ﴿وَلّى﴾ وكاف ﴿كَأَنْ لَمْ﴾ في موضع نصب على الحال، تقديره: ولّى مستكبرا مشبها من في أذنيه وقر، وقوله: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ﴾ حال أخرى أو بيان للحال الأولى.
﴿لَهُمْ جَنّاتُ﴾ مرفوع بالجار والمجرور؛ لوقوعه خبرا عن المبتدأ و ﴿خالِدِينَ﴾ منصوب على الحال من هاء وميم ﴿لَهُمْ﴾.
البلاغة:
﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ استعارة تصريحية، شبه حاله بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ ﴿يَشْتَرِي﴾ لمعنى «يستبدل» بطريق الاستعارة.
﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه، وذكر فيه أداة التشبيه.
стр. 6276
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أسلوب تهكم؛ لأن البشارة المستعملة في الخير استعملت في الشر تهكما وسخرية.
﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ مراعاة الفواصل في الحرف الأخير، وهو السجع الحسن غير المتكلف.
المفردات اللغوية:
﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ما يلهي منه عما يعني ويفيد من الحكايات والأساطير والمضاحك وفضول الكلام، وكتب الأعاجم، والجواري المغنيات. واللهو: كل باطل ألهى عن الحق والخير. وقد اشتريت تلك الملاهي بالفعل، والإضافة بيانية بمعنى «من» إن أراد بالحديث المنكر، وتبعيضية إن أراد به الأعم منه ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ليصرف الناس عن دين الله وهو طريق الإسلام، أو قراءة كتابه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ غير عالم بحال ما يشتريه، أو بالتجارة، حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُواً﴾ ويتخذ السبيل سخرية مهزوءا بها ﴿لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عذاب فيه غاية الإهانة؛ لإهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ القرآن ﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ متكبرا لا يعبأ بها ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ مشابها حاله حال من لم يسمعها ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ مشابها من في أذنيه صمم أو ثقل يمنع من السماع ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أعلمه بوقوعه في عذاب مؤلم لا محالة، وذكر البشارة تهكم به ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أي لهم نعيم جنات، فعكس للمبالغة ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي مقدرا خلودهم فيها إذا دخلوها ﴿وَعْدَ اللهِ، حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان: الأول لنفسه، والثاني لغيره، أي وعدهم الله ذلك وحقه حقا؛ لأن قوله ﴿لَهُمْ جَنّاتُ﴾ وعد، وليس كل وعد حقا ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلبه شيء، فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يضع شيئا إلا في محله، ولا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته.
سبب النزول:
نزول الآية (٦):
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: نزلت في النضر بن الحارث اشترى قينة (مغنية)
стр. 6277
وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام، إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمّد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يخرج تاجرا إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدّث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا ﷺ يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رستم وإسفنديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن.
المناسبة:
بعد بيان أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكيمة، وبعد بيان حال السعداء المهتدين بهديه، المنتفعين بسماعه، بيّن الله تعالى حال الكفار الأشقياء التاركين له المشتغلين بغيره، وأعقبه بوعيدهم بالعذاب المهين المؤلم، وعطف عليه وعد المؤمنين به المقبلين على تلاوته، الملتزمين حدوده من أوامر ونواه.
التفسير والبيان:
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَتَّخِذَها هُزُواً، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي وهناك فريق من الناس يستبدل بالنافع الضار، وبالقرآن الشافي ما يتلهى به من الحكايات والأساطير وفضول الكلام، والمضاحك، والاستماع إلى غناء الجواري، كالنضر بن الحارث الذي كان يشتري كتب الفرس ويحدّث بها الناس، ويقتني المغنيات لاجتذاب الشبان، وإغراء من أسلم حديثا، لحملة على ترك الإسلام، وإضلاله عن دين الله وهو دين الإسلام، والصد عنه، واتخاذه هزوا وسخرية، جهلا بخطورة ما يفعل من استبدال اللهو بقراءة القرآن، وأولئك وهم الموغلون في الكفر والضلال يحيق بهم عذاب بالغ الإهانة. وقوله ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ للتفرقة بين عذاب الكافر وعذاب
стр. 6278
المؤمن، فإن عذاب المؤمن للتطهير، فهو غير مهين، وأما عذاب الكافر فهو في غاية الإهانة، فكما استهان بآيات الله وسبيله أهين يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.
وقوله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بضم الياء معناه لمخالفة الإسلام وأهله ومعاداتهم، واللام لام التعليل، أي ارتكب هذا الفعل من أجل الإضلال والصد عن سبيل الله. وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة، أي لتكون عاقبة أمره الإضلال، واتخاذ آيات الله هزوا وسخرية.
ثم وصف الله تعالى هؤلاء المضلين بالإمعان في الضلال والكفر، وازدياد الإعراض والنفور عن دين الله، فقال:
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي إن من يشتري الحديث الباطل إذا تليت عليه آيات القرآن أدبر وأعرض عنها متكبرا، وتصامم عن سماعها، وإن لم يكن به صمم، كأنه ما سمعها، وكأن في أذنيه صمما وثقلا؛ لأنه يتأذى بها، ولا ينتفع منها، ولا أرب له فيها، فبشر هذا المعرض بعذاب يؤلمه يوم القيامة، كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.
وبعد بيان حال هؤلاء الأشقياء، ذكر الله تعالى مآل الأبرار السعداء في الدار الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ، خالِدِينَ فِيها، وَعْدَ اللهِ حَقًّا، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي إن الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة من الائتمار بالأوامر الشرعية، واجتناب المحظورات والمناهي، لهم جنات يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسارّ من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب وغير ذلك من المتع مما لم يخطر لأحدهم ببال، وهم
стр. 6279
فيها مقيمون دائما لا يظعنون، ولا يبغون عنها حولا.
وهذا كائن لا محالة؛ لأنه وعد الله الذي لا يخلف وعده؛ لأنه الكريم المنّان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيء.
وهو العزيز القوي الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء، فلا ينجو منه مشرك ولا غيره، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين. ونحو موضوع الآيتين السابقتين قوله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت ٤٤/ ٤١] وقوله سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ [الإسراء ٨٢/ ١٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - إن من أعظم الجرائم الإعراض عن سماع القرآن كلام الله، وشغل الناس بسماع غيره من أنواع الكلام غير المفيد من القصص والأساطير والمضاحيك ونحو ذلك من ألوان اللهو والعبث، بقصد الإضلال والصد عن دين الله تعالى، ويستحق المعرض المتولي تكبرا عن القرآن عذابا أليما.
٢ - استدل ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بقوله: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ على منع استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.
وهذه الآية إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم ٦١/ ٥٣] قال ابن عباس: هو الغناء، بالحميريّة؛ اسمدي لنا، أي غنّي لنا. والآية الثالثة:
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء ٦٤/ ١٧] قال مجاهد: الغناء والمزامير.
стр. 6280
روى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي ﷺ أنه قال:
«صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار، ورنّة شيطان عند نغمة ومرح، ورنّة عند مصيبة لطم خدود، وشق جيوب»
وأخرج أبو طالب الغيلاني عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بكسر المزامير»
وأخرج ابن بشران عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «بعثت بهدم المزامير والطبل»
وروى ابن المبارك عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
«من جلس إلى قينة يسمع منها، صبّ في أذنه الآنك (١) يوم القيامة». وبناء عليه، قال العلماء بتحريم الغناء.
حكم الغناء عند الفقهاء:
للفقهاء، ومنهم علماء المذاهب الأربعة على المعتمد لديهم تفصيل في حكم الغناء هو ما يأتي (٢):
أ-الغناء الحرام: هو الذي يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، بكلام يشبّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرّمات؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. وإذا لم يجز فأخذ الأجرة عليه لا يجوز ب-الغناء المباح: هو ما سلم مما ذكر، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح؛ كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق حول المدينة، وحدو أنجشة (٣).
стр. 6281
ج -أما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبّابات (١) والطار والمعازف والأوتار فحرام. وفي اليراعة (٢) تردد، والدف مباح.
د-وأما طبل الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يهيج النفوس، ويرهب العدو، فقد ضرب بين يدي النبي ﷺ يوم دخل المدينة، فهمّ أبو بكر بالزجر،
فقال رسول الله ﷺ : «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح» فكنّ يضر بن ويقلن:
نحن جوار من بني النجار... يا حبّذا محمد من جار
هـ -لا بأس من استعمال الدّفّ في حفلات الزفاف، وكذا الآلات المشهرة بالزواج والغناء بحسن الكلام الذي لا فحش فيه.
و-سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم لا يجوز. والاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة، فإن لم يدم لم تردّ.
ونقل عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل القول بكراهة الغناء. وقال الطبري: أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه.
٣ - عادة القرآن مقابلة الأشياء بأضدادها لبيان الفرق والترغيب والترهيب، فبعد أن ذكر عذاب الكفار ذكر نعيم المؤمنين، وهو أن للمؤمنين الذي يعملون صالح الأعمال المأمور بها شرعا نعيم الجنان، دائمين فيها، ووعدهم الله هذا وعدا حقا لا خلف فيه، وهو وعد العزيز الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه وفعله.
стр. 6282
الاستدلال بخلق السموات والأرض على وحدانية الله وإبطال الشرك ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)﴾
الإعراب:
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ الباء في موضع نصب على الحال من ﴿السَّماواتِ﴾. و ﴿تَرَوْنَها﴾ جملة فعلية في موضع جر على الصفة ل ﴿عَمَدٍ﴾ أي بغير عمد مرئية، فالضمير راجع إلى العمد، والعمد:
قدرة الله وإرادته، أو أن الضمير راجع إلى السموات، أي ليست هي بعمد، وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، وحينئذ تكون الجملة مستأنفة لا محل لها.
﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ.﴾. الياء في ﴿فَأَرُونِي﴾ المفعول الأول، و ﴿فَأَرُونِي﴾: معلق عن العمل و ﴿ماذا خَلَقَ﴾: سد مسد المفعول الثاني. و ﴿ماذا﴾: ما: استفهام إنكار: مبتدأ، وذا بمعنى الذي مع صلته: خبره.
البلاغة:
﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، تعظيما لشأن الرحمن، بعد قوله ﴿خَلْقُ﴾ ﴿وَأَلْقى﴾ ﴿وَبَثَّ﴾.
﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ أي مخلوقه، من قبيل إطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة.
﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتبكيت.
﴿بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ الأصل أن يقال: بل هم، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ.
стр. 6283
المفردات اللغوية:
﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ استئناف كلام جديد ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ العمد: جمع عماد: وهو الأسطوانة التي يعمد بها أي يسند به، و ﴿تَرَوْنَها﴾ إما صفة العمد أي بغير عمد مرئية، أو يعود الضمير إلى ﴿السَّماواتِ﴾، أي لا عمد لها أصلا، وأنتم ترونها بلا عمد، فهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة ﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثوابت مرتفعة ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تميد، أي تتحرك وتضطرب بكم ﴿وَبَثَّ﴾ نشر وفرق ﴿زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ صنف حسن، كثير المنافع. والآية دليل على عزة الله التي هي كمال القدرة، والحكمة التي هي كمال العلم، لتقرير أصل التوحيد.
﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ هذا الذي ذكر مخلوق الله ﴿فَأَرُونِي﴾ أخبروني يا أهل مكة وأمثالكم الكفار ﴿ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ماذا خلق الذين من غيره وهم آلهتكم التي أشركتموها بالله تعالى ﴿بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ بل: للانتقال والإضراب عن تبكيتهم إلى تسجيل الضلال عليهم، فهم في ضلال بيّن لا يخفى على ناظر، بإشراكهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم.
المناسبة:
بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الدال على عزته وحكمته وكمال قدرته وعلمه وإتقان صنعه، ذكر الله تعالى الأدلة على قدرته العظيمة من خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، لتقرير وحدانيته، وإبطال الشرك، والتنبيه إلى وجوب اتباع الحق الذي جاءت به الرسل.
التفسير والبيان:
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ أي من أدلة قدرته تعالى العظيمة، وحكمته السديدة أنه خلق السموات بغير أعمدة، لا مرئية ولا غير مرئية، والسموات كالأرض في الظاهر مبسوطة، وفي الحقيقة مستديرة، لقوله تعالى:
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣/ ٢١] والفلك: اسم لشيء مستدير، وهي على أي حال مخلوقة بقدرة الله، لا بالطبيعة، وهي فضاء والفضاء لا نهاية له، ولا تزول إلا بقدرة الله تعالى.
стр. 6284
وليس لها عمد أصلا، بدليل رؤية الناس لها غير معمودة. وقيل: إن لها عمدا غير مرئية، والله عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته.
والخلاصة: أنه تعالى خلق السموات بغير أعمدة تستند إليها، بل هي قائمة بقدرة الله تعالى.
﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي وجعل في الأرض جبالا شوامخ ثوابت أرست الأرض وثقلتها؛ لئلا تضطرب بأهلها، وتغمرها مياه البحار والمحيطات المحيطة بها، والتي تكوّن أكثر الكرة الأرضية.
﴿وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ﴾ أي وذرأ فيها ونشر ووزع من أصناف الحيوان التي لا يحصي عددها، ولا يعلم أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها.
﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي وأنزلنا من السحاب مطرا يكون سببا لإنبات كل صنف كريم، أي حسن المنظر، كثير المنفعة.
ثم وبخ الله تعالى أولئك المشركين الذين يتركون عبادة الخالق ويشتغلون بعبادة المخلوق، فقال:
﴿هذا خَلْقُ اللهِ، فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي هذا الذي ذكر من المخلوقات هو من خلق الله وفعله وتقديره وحده لا شريك له في ذلك، والخلق بمعنى المخلوق، فأخبروني أيها الكفرة ماذا خلق الذين تعبدونهم من غيره من الأصنام والأنداد. وقوله: ﴿خَلْقُ﴾ واقع على هاء محذوفة، تقديره: فأروني أي شيء خلق الذين من دونه، أو أروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه.
وبعد توبيخهم على شركهم، وصفهم تعالى بما يترتب عليه وهو الضلال، فهم
стр. 6285
في شركهم وعبادتهم مع الله غيره في ضلال واضح، فقال: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي بل هؤلاء المشركين بالله العابدون معه غيره في جهل وعمى وانحراف وكفر بيّن واضح ظاهر، لا خفاء به، ولا اشتباه فيه لمن تأمله، جعلهم في غاية الضلال الذي ليس بعده ضلال.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١ - الدليل على وجود الله وقدرته العظمى وحكمته البالغة: هو خلق السموات بغير أعمدة تستند إليها، وإنما أمسكها الله بقدرته وإرادته؛ وخلق الأرض ذات الجبال الشوامخ الثوابت لئلا تضطرب بأهلها؛ وجعلها ذات أنس بما وزّع فيها من أصناف الحيوان في البر والبحر والجو، ذوات الأشكال المختلفة، والمناظر البديعة، والأصوات المختلفة؛ وإنزال الأمطار عليها لإنبات النباتات البهية المنظر، البديعة التكوين، الكثيرة المنافع، سواء بثمرها إن كانت مثمرة، أو بظلها المريح وخضرتها الممتعة للنظر والمفرحة للنفس، أو بجعلها أسبابا لزيادة المطر.
٢ - أكد تعالى قدرته الخلاقة بأن هذا المذكور المعاين هو مخلوق الله من غير شريك، ثم تحدى ووبخ قائلا: أخبروني معاشر المشركين عما خلقت الآلهة المزعومة من الأصنام والأنداد، ثم وصفهم بالوصف الملازم لهم: وهو أن المشركين في خسران ظاهر.
﴿وَهْناً﴾ منصوب بحرف جر محذوف، تقديره: حملته أمه بوهن، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به فنصبه. أو حال من فاعل ﴿حَمَلَتْهُ﴾ على التأويل بالمشتق، أي حملته أمه حال كونها ذات وهن وعلى وهن أي ذات ضعف على ضعف متتابع.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ منصوب بحرف جر محذوف، أي بأن اشكر، وقيل: أن: مفسرة بمعنى أي، كقوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص ٦/ ٣٨] ولا موضع لها من الإعراب.
﴿إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ ﴿مِثْقالَ﴾ خبر تكون الناقصة، أي إن تكن الخصلة الموزونة مثقال حبة. وعلى قراءة الرفع فاعل تكون التامة، وأنث ﴿فَتَكُنْ﴾ وإن كان المثقال مذكرا، لاكتساء المضاف التأنيث من المضاف إليه، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، وكقوله تعالى:
﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ [يوسف ١٠/ ١٢].
﴿مَرَحاً﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، كقولهم: جاء زيد ركضا.
البلاغة:
﴿يَشْكُرْ﴾ و ﴿كَفَرَ﴾ بينهما طباق.
﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَخُورٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل وفعول، أي كثير الغنى والحمد والفخر.
﴿بِوالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ ذكر الخاص بعد العام لزيادة العناية والاهتمام بالأم.
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ فيه تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر، أي إليّ لا إلى غيري.
﴿إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ من باب التمثيل، مثل بذلك لبيان سعة علم الله ودقته وشموله جميع الأشياء حقيرها وجليلها.
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ من باب التتميم، تمم خفاء الأشياء في نفسها بخفاء مكانها.
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ مقابلة بين اللفظين.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الرافعين أصواتهم برفع الحمير أصواتهم، ولم يذكر أداة التشبيه، وإنما أورده بطريق الاستعارة للمبالغة في الذم والتنفير عن رفع الصوت.
стр. 6288
المفردات اللغوية:
﴿لُقْمانَ﴾ هو كما ذكر البيضاوي لقمان بن باعورا من أولاد آزر، ابن أخت أيوب أو ابن خالته، أسود من سودان مصر من النوبة، وعاش حتى أدرك داود وأخذ منه العلم، آتاه الله الحكمة، أي العقل والفطنة والعلم والإصابة في القول، والجمهور على أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا. من أقواله: «الصمت حكم وقليل فاعله» وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئا.
﴿الْحِكْمَةَ﴾ هي في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة، على قدر طاقتها ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ﴾ أي بأن اشكر، أو أي اشكر ما أعطاك من الحكمة، والشكر: الثناء على الله تعالى وطاعته فيما أمر به، واستعمال الأعضاء فيما خلقت له من الخير ﴿فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن نفعه وثواب شكره عائد له وهو دوام النعمة واستحقاق المزيد منها. ﴿غَنِيٌّ﴾ عن خلقه، لا يحتاج إلى الشكر ﴿حَمِيدٌ﴾ حقيق بالحمد، وإن لم يحمد، ومحمود في صنعه، نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال.
﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾ أي واذكر، واسم ابنه: أنعم، أو أشكم، أو ماتان أو ثاران في قول السهيلي ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ العظة: تذكير بالخير بأسلوب رقيق يرقّ له القلب ﴿يا بُنَيَّ﴾ التصغير للإشفاق والتحبب ﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾ بالله ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وكون الشرك ظلما؛ لأنه تسوية بين المنعم وحده وغير المنعم ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾ أي أمرناه وألزمناه ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ أي بأن يبرهما ﴿وَهْناً﴾ أي بوهن، أي ضعف ﴿عَلى وَهْنٍ﴾ أي تضعف ضعفا فوق ضعف، من الحمل، فالطّلق، فالولادة ﴿وَفِصالُهُ﴾ أي فطامه ﴿فِي عامَيْنِ﴾ في انقضاء عامين، وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ تفسير لوصيّنا ﴿الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فأحاسبك على الشكر أو الكفر.
﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مطابق للواقع ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذلك ﴿مَعْرُوفاً﴾ أي بالمعروف وهو البر والصلة، أو صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ أي اتبع في الدين طريق من رجع إلي بالتوحيد والإخلاص في الطاعة. و ﴿أَنابَ﴾ رجع إلى ربه بالتوبة والاستغفار ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي أخبركم بأعمالكم، وأجازيكم على الإيمان والكفر. والآيتان: ﴿وَوَصَّيْنَا.﴾. ﴿وَإِنْ جاهَداكَ.﴾.
معترضتان ضمن وصية لقمان، تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك، كأنه قال: وقد وصينا بمثل ما وصى به.
﴿إِنَّها إِنْ تَكُ﴾ أي إن الخصلة السيئة أو الحسنة ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ وزن أصغر شيء ﴿مِنْ
стр. 6289
خَرْدَلٍ﴾ وزن حبة خردل ﴿فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي في أخفى مكان فيهما ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ فيحاسب عليها ﴿لَطِيفٌ﴾ باستخراجها، يصل علمه إلى كل خفي ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها، عالم بكنه الأشياء وحقائقها ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ من الشدائد، وبسبب الأمر والنهي ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ المذكور من كل ما أمر به ونهى عنه ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها، أو من الأمور المعزومة التي قطعها الله قطع إيجاب ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تمله عنهم ولا تولّهم صفحة وجهك، كما يفعل المتكبرون، والأصعر: المعرض بوجهه كبرا، مأخوذ من الصّعر، وهو داء يعتري البعير فيلوي منه عنقه ﴿مَرَحاً﴾ خيلاء وبطرا ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي يعاقب كل متبختر في مشيه، فخور على الناس. وهو علة للنهي. والمختال: فاعل الخيلاء، وهي التبختر في المشي كبرا، والفخور من الفخر: وهو المباهاة بالمال والجاه ونحو ذلك.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ توسط فيه غير مختال ولا مستضعف، وغير مسرع ولا مبطئ وفي الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وهو ضعيف: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» والمقصود بقول عائشة في عمر ﵄: «كان إذا مشى أسرع» أنه يسير ما فوق دبيب المتماوت ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي أنقص منه وأقصر أو اخفض ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ أي أقبحها وأزعجها وأصعبها على السامع ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أوله زفير وآخره شهيق.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى فساد اعتقاد المشركين وأن المشرك ظالم ضال، ذكر ما يدل على ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة والعلم المرشد إلى الإقرار بوحدانيته، وإن لم يكن هناك نبوة، فإن لقمان توصل إلى إثبات التوحيد وإطاعة الله والتزام مكارم الأخلاق دون نبي ولا رسول.
وهذا إشارة إلى أن اتباع النبي ﷺ لازم فيما لا يعقل معناه، إظهارا للتعبد، ولازم من باب أولى فيما يدرك بالعقل معناه.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ، وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي وتالله لقد أعطينا لقمان (١) الحكمة وهي التوفيق
стр. 6290
إلى العمل بالعلم والفهم، وشكر الله وحمده على نعمه وأفضاله، وحب الخير للناس، واستعمال الأعضاء فيما خلقت له من الخير والنفع.
وهذا دليل على أن لقمان الحكيم هداه الله إلى المعرفة الصحيحة، من غير طريق النبوة.
ومن يشكر الله على ما منحه وأعطاه ربه، فيطيعه ويؤدي فرضه، فإنما يحقق النفع والثواب لنفسه، وينقذها من العذاب، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت ٤٦/ ٤١] وقال : ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤/ ٣٠].
ومن جحد نعمة الله عليه، فأشرك به غيره، وعصى أوامره، فإنه يسيء إلى نفسه، ولا يضر ربّه، فإن الله غني عن العباد وشكرهم، لا يتضرر بذلك، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو المحمود في السماء والأرض بلسان الحال أو المقال، وإن لم يحمده أحد من الناس.
ثم ذكر تعالى وصية لقمان (وهو كما ذكر ابن كثير لقمان بن عنقاء بن سدون) لابنه (وهو ثاران في قول السهيلي والطبري والقتبي) فقال:
﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ واذكر حين أوصى لقمان ابنه بوصية أو موعظة، حرصا عليه؛ لأن الأب يحب ابنه وهو أشفق الناس عليه، فقال له: يا ولدي، اعبد الله ولا تشرك به شيئا، فإن الشرك أعظم الظلم، أما إنه ظلم فلكونه وضع الشيء في غير موضعه، وأما كونه أعظم الظلم فلتعلقه بأصل الاعتقاد وتسويته بين الخالق والمخلوق، وبين المنعم وحده وبين غير المنعم أصلا، وهي الأصنام والأوثان.
стр. 6291
والآية عطف على معنى ما سبق، وتقديره: ولقد آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرا في نفسه، وحين جعلناه واعظا لغيره.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت آية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ، أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢/ ٦] شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه ليس بذلك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».
ثم أمر الله تعالى ببرّ الوالدين، جريا على عادة القرآن، فإنه كثيرا ما يقرن الله تعالى في القرآن بين الأمر بعبادة الله واجتناب الشرك وبين الأمر ببرّ الوالدين، كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ [الإسراء ٢٣/ ١٧]، فقال:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ، وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي وأمرنا الإنسان وألزمناه ببرّ والديه وطاعتهما، وأداء حقوقهما، ولا سيما برّ الأم التي حملته في ضعف فوق ضعف، من الحمل إلى الطلق إلى الولادة والنفاس، ثم الرضاع والفطام في مدة عامين والتربية ليلا ونهارا، كما قال تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] وقد بيّن الحديث النبوي أحقية الأم بالبرّ، فأوصى بها ثلاث مرات، ثم أوصى بالأب في المرة الرابعة، فجعل له ربع المبرة.
لقد وصيناه، أي أمرناه وعهدنا إليه بالشكر لي أي لله على نعمتي عليك، وبالشكر للوالدين؛ لأنهما سبب وجودك، ومصدر الإحسان إليك بعد الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ لبيان علة الوصية أو وجوب امتثالها، و ﴿الْإِنْسانَ﴾ هنا في رأي الزمخشري تفسيرية، والجملة بيان لفعل التوصية، إذ هو متضمن معنى القول، أي قلنا له: ﴿اُشْكُرْ لِي﴾.
стр. 6292
وكذا علة الأمر بطاعة الله وطاعة الأبوين أو السبب فيه: هو أن المصير أو المرجع إلي، فسأجزيك على ذلك أوفر الجزاء في الآخرة. وهذا تهديد وتخويف من عاقبة المخالفة والعقوق والعصيان، كما هو وعد بالجزاء الحسن على امتثال أمر الله وطاعته وبرّ الوالدين وصلتهما.
وهذه الآية وما بعدها من كلام لقمان الذي وصى به ابنه، أخبر الله عنه بذلك، فلما بيّن لقمان لابنه أن الشرك ظلم ونهاه عنه، كان ذلك حثّا على طاعة الله، ثم بيّن أن الطاعة تكون للأبوين، وبيّن السبب في ذلك.
وقيل: هو من كلام الله قاله للقمان، أي قلنا له: ﴿اُشْكُرْ﴾، وقلنا له:
﴿وَوَصَّيْنَا﴾، وقيل: هذه الآية اعتراض بين وصية لقمان تؤكد النهي عن الشرك، قال القرطبي: والصحيح أن هذه الآية وآية العنكبوت السابقة:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ [٨] نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية التي حلفت ألا تأكل حتى يرتد سعد، وعليه جماعة من المفسرين (١). والمختار عند المفسرين أن هذه الآية إلى آخر الآيتين بعدها كلام مستأنف من الله تعالى، جاء معترضا بين وصايا لقمان لابنه، تأكيدا للنهي عن الشرك.
ثم قيّد الله طاعة الأبوين مستثنيا حقوقه تعالى، فقال:
﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلا تُطِعْهُما﴾ أي وإن ألحّ والداك في الطلب، وحرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما في دينهما، وتشرك بي في عبادتي غيري مما لا تعلم أنه شريك لي، فلا تقبل منهما ذلك، ولا تطعهما فيما أمراك به من الشرك أو المعصية، فإنه لا طاعة لمخلوق في
стр. 6293
معصية الخالق. والمراد بنفي العلم نفي الشريك، أي لتشرك بي ما ليس بشيء وهي الأصنام.
﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي لا يمنعك عدم طاعتك لأبويك في الشرك والمعصية من أن تصاحبهما في الدنيا بالمعروف، بأن تحسن إليهما، فتمدهما بالمال عند الحاجة، وتطعمهما وتكسوهما، وتعالجهما عند المرض، وتواريهما عند الموت في القبور، وتبرّ صديقهما، وتفي بعهدهما. وقوله ﴿مَعْرُوفاً﴾ أي صحابا معروفا على مقتضى الكرم والمروءة، أو مصاحبا حسا بخلق جميل، وحلم واحتمال، وبرّ وصلة.
وقوله: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ تهوين شأن الصحبة، فهي لأيام محدودة، وسنوات معدودة، سريعة الزوال والانقضاء. والمعروف هنا: ما يعرفه الشرع ويرتضيه، وما يقتضي به الكرم والمروءة في إطعامهما وكسوتهما والإحسان إليهما في القول والفعل.
وإياك والمحاباة في شأن الدين، فالزم سبيل المؤمنين التائبين في دينك، ولا تتبع في كفرهما سبيلهما فيه، وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا.
ثم إليّ مرجعك ومرجعهما، فأجازيك على إيمانك، وأجازيهما على كفرهما، وأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر. والجملة مقررة لما قبلها ومؤكدة لوجوب الإحسان إلى الوالدين وبرهما وطاعتهما في غير معصية.
ثم أخبر تعالى عن بقية وصايا لقمان الحكيم النافعة، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال:
١ - ﴿يا بُنَيَّ، إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، يَأْتِ بِهَا اللهُ، إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي يا ولدي، إن
стр. 6294
الحسنة والسيئة أو المظلمة والخطيئة، لو كانت تساوي وزن أو مثقال حبة خردل، ولو كانت في أخفى مكان كجوف صخرة، أو في أعلى مكان كالسماوات، أو في أسفل موضع كباطن الأرض، لأحضرها الله يوم القيامة حين الحساب، ووزن الأعمال، والمجازاة عليها خيرا أو شرا، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١] وقال سبحانه:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨]. وقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ يراد به المبالغة والانتهاء في التفهيم.
إن الله لطيف العلم، يصل علمه إلى كل شيء خفي، فلا تخفى عليه الأشياء، وإن دقت ولطفت وتضاءلت، خبير عالم بكنه الأشياء، يعلم ظواهر الأمور وبواطنها.
والمقصود من الآية بيان سعة علم الله، فهو يعلم الغيب والشهادة، ويطلع على جميع أعمال عباده، لموافاتهم بجزائها يوم القيامة.
٢ - ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ، إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي بعد أن منعه من الشرك، وخوفه بعلم الله وقدرته، أمره بصالح الأعمال اللازمة للتوحيد وهي الصلاة أي العبادة لوجه الله مخلصا، وإقامتها أي أداؤها كاملة بحدودها وفروضها وأوقاتها، وهي عماد الدين، ودليل الإيمان واليقين، ووسيلة القربى إلى الله وتحقيق رضوانه، كما أنها تساعد على اجتناب الفحشاء والمنكر، وصفاء النفس.
والأمر بالمعروف أي أمر النفس والغير بما هو معروف شرعا وعقلا، كمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، مما يهذب النفس ويدعو إلى التحضر والتمدن، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١ - ١٠].
стр. 6295
والنهي عن المنكر، أي منع النفس والآخرين من المعاصي والمنكرات المحرّمة شرعا والقبيحة عقلا، والتي تغضب الله، وتوجب عذاب جهنم.
والصبر على الأذى والشدائد والأوامر الإلهية، فإن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر يؤذى عادة، فطلب منه الصبر. وقد بدئت الوصايا بالصلاة؛ لأنها عماد الدين وختمت بالصبر؛ لأنه أساس المداومة على الطاعات، وعماد رضوان الله، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة ٤٥/ ٢].
﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي إن ذلك المذكور مما أمر الله به ونهى عنه، ومنه الصبر على أذى الناس، لمن الأمور الواجبة المعزومة، أي المقطوعة قطع إيجاب وإلزام (١)، ويكون المصدر «عزم» بمعنى المفعول.
وبعد أمره بما يكمل نفسه وغيره، نهى عن أشياء وحذر من أشياء، فقال:
١ - ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أي لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلموك تكبرا واحتقارا، والمعنى: لا تتكبر فتحتقر عباد الله، ولا تتكلم وأنت معرض، بل كن متواضعا سهلا هينا لينا منبسط الوجه، مستهل البشر، كما
جاء في الحديث النبوي الذي رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله».
٢ - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي لا تسر في الأرض مختالا بطرا متبخترا، جبارا عنيدا، فإن تلك المشية يبغضها، والله يكره كل مختال معجب في نفسه، فخور على غيره، كما قال تعالى:
﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾
стр. 6296
[الإسراء ٣٧/ ١٧]. و
قال ﷺ فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن عمر: «من جرّ ثوبه خيلاء، لا ينظر الله إليه يوم القيامة». والفخور: هو الذي يعدد ما أعطي، ولا يشكر الله تعالى».
وروى ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للأتقياء الأثرياء الذين إذا احضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح مجردون من كل فتنة غبراء مشتتة»
وروى أيضا عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«ربّ ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم إني أسألك الجنة، لأعطاه الله الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا».
وروى يحيى بن جابر الطائي عن غضيف بن الحارث قال: جلست إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، فيقول: يا ابن آدم، ما غرّك بي! ألم تعلم أني بيت الوحدة! ألم تعلم أني بيت الظلمة! ألم تعلم أني بيت الحق! يا ابن آدم ما غرّك بي! لقد كنت تمشي حولي فدّادا (مختالا متكبرا).
٣ - ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي امش مشيا متوسطا عدلا، ليس بالبطيء المتثبّط المتماوت الذي يظهر الضعف تزهدا، ولا بالسريع المفرط، الذي يثب وثب الشيطان،
قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة، وهو ضعيف: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»، وأما قول عائشة في عمر ﵄: «كان إذا مشى أسرع في مشيته» فالمراد السرعة التي تتجاوز دبيب المتماوتين. وقد رأى عمر رجلا متماوتا، فقال له: «لا تمت علينا ديننا، أماتك الله»، ورأى رجلا مطأطئا رأسه، فقال له: «ارفع رأسك، فإن الإسلام ليس بمريض».
٤ - ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ، إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أي لا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، وأخفضه، فإن شدة الصوت تؤذي آلة السمع، وتدل على الغرور والاعتداد بالنفس وعدم الاكتراث بالغير، واعتدال الصوت أوقر
стр. 6297
للمتكلم، وأقرب لاستيعاب الكلام ووعيه وفهمه، وقد علل النهى عن رفع الصوت بأنه يشبه صوت الحمير في علوه ورفعه، وإن أقبح الأصوات لصوت الحمير، وهو بغيض إلى الله تعالى، والسبب أن أوله زفير وآخره شهيق.
وفيه دلالة على ذمّ رفع الصوت من غير حاجة، لأن التشبيه بصوت الحمار يقتضي غاية الذمّ، وقد ورد في السّنة أيضا ما يدل على التنفير منه،
روى الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن الشرك بالله أو اتخاذ عبد من عباده أو صنم من الأصنام شريكا في العبادة مع الله ظلم عظيم، بل هو أعظم الظلم، لما فيه من الافتئات على الخالق الرازق، وسخف هذا الاعتقاد، وخلوة من أي فائدة للمشرك. وقد حققت وصية لقمان لابنه هدفها، فقد ورد في التفسير أن ابنه كان مشركا، فوعظه وكرر الوعظ عليه حتى أسلم.
٢ - برّ الوالدين وطاعتهما في معروف غير معصية فرض واجب على الإنسان، مقابلة للمعروف بمثله، ووفاء للإحسان، وتقدير الفضل، واحترام نظام الأسرة. وأمر الله بالإحسان إلى الوالدين عام في الوالدين المسلمين والكافرين، وأن طاعة الوالدين على أي دين كانا واجبة.
غير أن طاعة الأبوين غير مطلوبة، بل هي حرام في ارتكاب معصية كبيرة كالإشراك بالله، وترك فريضة عينية؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وتلزم طاعتهما في المباحات، وتندب الطاعة في ترك المندوبات ومنها الجهاد
стр. 6298
الكفائي، وإجابة الأم في الصلاة النافلة إذا شقّ عليها الانتظار أو خيف هلاكها.
وتختصّ الأم بزيادة البرّ والطاعة لمعاناتها في سبيل تربية أولادها، وبما أنها كما ذكرت الآية تعرضت لمراتب ثلاث من المشاق: الحمل، والرضاع، والوضع، جعل لها ثلاثة أرباع المبرّة، وللأب الربع،
قال ﷺ لرجل سأله فيما رواه البخاري وغيره: «من أبرّ؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك».
٣ - أقصى مدة الرضاع في أحكام النفقات والتحريم بالرضاع عامان، وقصر مدة الرضاع الذي يتعلق به التحريم على عامين هو رأي العلماء غير أبي حنيفة.
ورأى أبو حنيفة أن مدة الرضاع المحرم ثلاثون شهرا لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾.
واستنبط العلماء أيضا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من مجموع آيتين، قال تعالى في آية: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢]، وقال في آية أخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف ١٥/ ٤٦].
٤ - الشكر لله على نعمة الإيمان وغيرها من النعم الكثيرة التي لا تعدّ ولا تحصى، وللوالدين على نعمة التربية، قال سفيان بن عيينة: من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما.
٥ - آية ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ دليل على جواز صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعوة إلى الإسلام برفق. ويؤيده
أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت للنبي ﷺ فيما رواه البخاري
стр. 6299
ومسلم-وقد قدمت عليها أمها من الرضاعة، أو خالتها-: «يا رسول الله، إن أمي قدمت علي، وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم» قال ابن عطية: والظاهر عندي أنها راغبة في الصلة، وما كانت لتقدم على أسماء لولا حاجتها.
ووالدة أسماء: هي قتيلة بنت عبد العزّى بن عبد أسد. وأم عائشة وعبد الرحمن هي أم رومان قديمة الإسلام.
ودلّ قوله تعالى: ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ على أن الولد لا يستحق القصاص على أحد والديه، وأنه لا يحدّ له إذا قذفه، ولا يحبس له بدين عليه، وأن على الولد نفقة والديه عند الحاجة.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ المراد به العموم، كما هو ظاهر اسم الموصول، فهو وصية لجميع العالم، والمأمور الإنسان، وهي سبيل الأنبياء والمؤمنين الصالحين. وأناب معناه: مال ورجع إلى الشيء، والمراد هنا:
تاب من الشرك، ورجع إلى الإسلام، واتبع النبي ﷺ ، ورجع إلى الله بالتوحيد والإخلاص بالطاعة، لا سبيل الوالدين اللذين يأمران بالشرك. وهذا الأمر باتباع السبيل دليل على صحة إجماع المسلمين، وأنه حجة لأمر الله تعالى إيانا باتباعهم، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥/ ٤].
٧ - قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ.﴾. توعد من الله ببعث من في القبور، والرجوع إليه للجزاء والاعلام بصغير الأعمال وكبيرها.
٨ - قوله تعالى: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ.﴾. قصد به إعلام قدرة الله تعالى، وتخويف منه ورجاء، فمهما تكن الحسنة أو الخطيئة أو الطاعات والمعاصي مثقال حبة خردل يأت بها الله، لأن الحسّ لا يدرك ثقلا للخردلة، إذ لا ترجّح ميزانا.
стр. 6300
وفسّر القرطبي الآية بأنه لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في أي مكان في العالم العلوي (السموات) والسفلي (الأرض) جاء الله بها، حتى يسوقها إلى من هي رزقه؛ أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتّباع سبيل من أناب إلي. ومن هذا المعنى
قول النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود فيما رواه البيهقي في القدر، وهو ضعيف: «لا تكثر همّك، ما قدّر يكن، وما ترزق يأتك». وقد نطقت هذه الآية بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا؛ سبحانه لا شريك له.
٩ - في الآية تعظيم الطاعات وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يشمل جميع الطاعات والفضائل، والحضّ على تغيير المنكر والصبر، وإن نال الإنسان ضرر، وفيه إشعار بأن المغيّر يؤذى أحيانا.
كما أن الصبر مندوب إليه عند التعرض لشدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، وعلى الإنسان ألا يخرج من الجزع إلى معصية الله ، فإن من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره.
وإن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور، أي مما عزمه الله وأمر به، وجعله من الأمور الواجبة.
١٠ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ على تحريم التكبر، ومعنى الآية: ولا تمل خدك للناس تكبرا عليهم، وإعجابا بالنفس، واحتقارا لهم، وأقبل عليهم متواضعا مؤنسا مستأنسا، وإذا حدّثك أصغر الناس، فاصغ إليه حتى يكمل حديثه، كما كان يفعل النبي ﷺ .
والخلاصة: لا تدبر عن المتكلم، كما
روى مالك عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» فالتدابر والإعراض وترك
стр. 6301
الكلام والسلام من المحظورات.
١١ - يحرم على الإنسان أن يمشي في الأرض متبخترا متكبرا، بل يحرم التكبر في كل الحالات.
١٢ - يندب للإنسان القصد أي التوسط في المشي، وهو ما بين الإسراع والبط ء، فلا تدبّ دبيب المتماوتين، ولا تثب وثب الشيطان.
١٣ - كما يندب إليه عدم التكلف في رفع الصوت، والتكلم حسب الحاجة والمعتاد، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلّف يؤذي، والمراد بذلك كله التواضع.
وقد شبّه رفع الصوت الزائد عن الحاجة بصوت الحمير، والحمار ونهاقه مثل في الذمّ البليغ والشتيمة.
وفي الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة بقبح أصوات الحمير، لأنها عالية.
والآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم، أو بترك الصياح جملة، وقد نهى الله عنه، لأنه من أخلاق الجاهلية وعاداتها، فقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك.
وتلك إشارة إلى التوسط في جميع الأفعال والأقوال.
والخلاصة: جمعت وصية لقمان بين فضائل الدين والآخرة ومكارم الأخلاق في الدنيا، واشتملت تسعة أوامر، وثلاثة نواه، وسبع علل أو أسباب:
أما الأوامر: فهي الأمر ببرّ الوالدين، والشكر لله وللوالدين، ومصاحبة الوالدين في الدنيا بالمعروف، واتباع سبيل الأنبياء والصالحين، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والاعتدال في المشي، وإخفاض الصوت.
البلاغة:
﴿ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ بينهما طباق.
﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ إنكار وتوبيخ، مع الحذف، أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان. إلخ
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ﴾ أي ألم تعلموا أيها المخاطبون أن الله ذلل لكم جميع ما في السموات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك، بأن جعله أسبابا محصلة لمنافعكم.
﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ بأن مكنكم من الانتفاع به، كالثمار والأنهار والدواب والمعادن وما لا يحصى.
﴿وَأَسْبَغَ﴾ أكمل وأوسع وأتمّ. ﴿نِعَمَهُ﴾ جمع نعمة: وهي كل نفع قصد به الإحسان. ﴿ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ محسوسة ومعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه، فالظاهرة: كل ما يعلم بالمشاهدة كحسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلا، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها، ولا يهتدي إلى العلم بها!! ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ بعض الناس كأهل مكة في صدر الإسلام. ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في توحيده وصفاته. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفاد من دليل أو بغير حجة. ﴿وَلا هُدىً﴾ أي ولا هداية من رسول. ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنزله، بل بالتقليد. ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي ما سار عليه الأسلاف، وهو منع صريح من التقليد في الأصول كالاعتقاد. ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أي أيتبعونهم، ولو دعاهم الشيطان إلى موجبات عذاب جهنم، وهو الإشراك أو التقليد، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لا تبعوه، والاستفهام للإنكار والتعجيب.
المناسبة:
بعد أن استدل الله تعالى بقوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ على الوحدانية وذكر أن لقمان عرف ذلك بالحكمة، لا بالنبوة، عاد إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك، مع مشاهدتهم دلائل التوحيد عيانا في عالم السموات والأرض، وتسخير ما فيها لمنافعهم، وإنعامه عليهم بالنعم المحسوسة والمعقولة، المعروفة لهم وغير المعروفة.
стр. 6304
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ أي ألم تعلموا أيها الناس دلائل التوحيد الناطقة بوحدانية الله سبحانه في كل شيء، وإنعامه عليكم، فهو الذي ذلل لكم جميع ما في السموات من شمس وقمر ونجوم، تستضيئون بها في الليل والنهار، وما خلق فيها من سحاب ينزل منه المطر، لسقي الإنسان والحيوان والنبات، ويسر لكم جميع ما في الأرض من قرار ومعادن، وأنهار وبحار، وأشجار وزروع، وثمار، ونحو ذلك من المنافع الغذائية، وأكمل وأتم عليكم نعمه الظاهرة والباطنة أي المحسوسة والمعقولة، المعروفة وغير المعروفة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل، وإزالة الشّبه والعلل والأعذار.
وقيل: الظاهرة: الإسلام، والباطنة: الستر؛
قال النبي ﷺ لابن عباس -وقد سأله عن هذه الآية-: «الظاهرة: الإسلام وما حسن من خلقك، والباطنة: ما ستر عليك من سيء عملك».
وقيل: الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس، وتوفيق الطاعات، والباطنة: ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله، وحسن اليقين، وما يدفع عن العبد من الآفات.
ومع هذا كله، ما آمن الناس كلهم، فقال تعالى:
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلا هُدىً، وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أي وبالرغم من ثبوت الألوهية بالخلق والإنعام، فهناك فريق من الناس يجادل في توحيد الله وصفاته وإرساله الرسل، كزعماء الوثنية في مكة وغيرها، بغير دليل معقول، ولا مستند أو حجة صحيحة على يد رسول، ولا كتاب مأثور صحيح ينير الطريق الحق.
стр. 6305
فقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ معناه: لا من علم واضح، من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب مبين واضح.
وإنما حجتهم الوحيدة هو التقليد الأعمى، واتباع الهدى والشيطان، لذا تعالى:
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين فيما اعتقدوه من دين. وهذا في غاية القبح، فإن النبي ﷺ يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم.
وهذا منع صريح من التقليد في أصول العقيدة، لذا وبخهم الله على سوء مقالتهم فقال:
﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ؟﴾ أي أيتبعونهم بلا دليل، ولو كان اعتقادهم قائما على الهوى وتزيين الشيطان الذي يدعوهم إلى عذاب جهنم، والله يدعو إلى النجاة والثواب والسعادة؟! وهذا كقوله تعالى:
﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة ١٧٠/ ٢] أي ولو كان آباؤهم المحتجون بصنيعهم على ضلالة، فلا عقل عندهم ولا هداية معهم؟! وهم خلف فيما كانوا فيه.
وهذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار، يتضمن التهكم عليهم، وتسفيه عقولهم، والسخرية من آرائهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي: