← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

قبل الدخول، وفرض الحجاب على نساء النبي ﷺ ونساء المؤمنين، وبيان خطورة أمانة التكليف. مشتملاتها: اشتملت هذه السورة على بعض الآداب الاجتماعية، والأحكام التشريعية وأخبار في السيرة عن غزوتي الأحزاب وبني قريظة وعن المنافقين. أما الآداب الاجتماعية: فأهمها آداب الدعوة إلى الولائم، والحجاب وعدم التبرج، وتعظيم النبي ﷺ في بيته ومع الناس، والقول السديد. وأما الأحكام الشرعية فكثيرة: منها الأمر بتقوى الله وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، ووجوب اتباع الوحي، وحكم الظهار، وإبطال عادة التبني وعادة التوريث بالحلف أو الهجرة، وجعل الرحم والقرابة أساس الميراث، وتعداد المحارم وعدد زوجات النبي ﷺ ، والصلاة على النبي ﷺ ، وفرض الحجاب الشرعي وتطهير المجتمع من مظاهر التبرج الجاهلية، وعدم إلزام المطلقة قبل الدخول بالعدة، وتخيير نساء النبي ﷺ بين الفراق والبقاء معه، وتخصيص زوجاته بمضاعفة الأجر والثواب عند الطاعة، ومضاعفة العذاب عند المعصية، وتحريم إيذاء الله والرسول ﷺ والمؤمنين، وخطورة أمانة التكليف، وعقاب المسيء وإثابة المحسن. وأما أخبار السيرة: ففي السورة بيان توضيحي عن (غزوة الأحزاب) أو (غزوة الخندق) وغزوة بني قريظة، ونقضهم العهد مع النبي ﷺ ، وكشف فضائح المنافقين والتحذير من مكائدهم، وتهديدهم مع المرجفين في المدينة على جرائمهم بالطرد والتعذيب، وتذكير المؤمنين بنعم الله العظمى التي أنعم بها عليهم في وقعة الخندق بعد اشتداد الخطب عليهم، ورد كيد أعدائهم بالملائكة والريح، حتى صار ذلك معجزة خارقة للعادة، وبيان قصة زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ ، وزينب بنت جحش زوج النبي ﷺ .

стр. 6372

الأمر بتقوى الله واتباع الوحي والتوكل على الله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٣)﴾ البلاغة: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ أي دم على تقواه، وليتق الله المؤمنون، بأسلوب يقصد به تنبيه بالأعلى وهو النبي على الأدنى وهم المؤمنون، فإنه تعالى إذا أمر رسوله بالتقوى، كان المؤمنون مأمورين بها بطريق الأولى أو أنه أمر قصد به الثبات والاستدامة على التقوى. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك وأوامر ربك. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي إن الله كان وما يزال عالما بكل شيء قبل وجوده، حكيما فيما يخلقه. ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي القرآن. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ وكل أمرك إلى تدبيره. ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ حافظا لك، موكولا إليه كل الأمور، والأمة تبع له في المذكور كله. سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: إن أهل مكة، ومنهم الوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة دعوا النبي ﷺ أن يرجع عن قوله، على أن يعطوه شطر أموالهم، وخوّفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه، فنزلت الآيات.

стр. 6373

وذكر الواحدي في أسباب النزول: أن الآيات نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السّلمي قدموا المدينة بعد قتال أحد، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ (زعيم المنافقين) وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ ، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومناة، وقل: إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربّك، فشقّ على النبي ﷺ قولهم، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: «إني قد أعطيتهم الأمان» فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر رسول الله ﷺ أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله هذه الآية. التفسير والبيان: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ، إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي يا أيها الرسول محمد، داوم على تقوى الله وخف عقابه بإطاعة أوامره واجتناب محارمه، ولا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا تستشرهم في شيء، واحترس منهم، ولا تستجب لمطالبهم بتخصيص بعض المجالس والأوقات لهم وطرد الضعفاء، إن الله عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإن أولئك الكفار أعداؤك الذين يريدون هلاكك. وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ نهي مؤكد لمضمون الأمر السابق، أي اتق الله تقوى تمنعك من طاعتهم. روي أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، تابعه ناس من اليهود نفاقا، وكان يلين لهم جانبه، ويظهرون له النصح خداعا؛ فحذره الله منهم، ونبهه إلى عداوتهم. وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله،

стр. 6374

ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله مخافة عذاب الله. ثم أكد الله تعالى وجوب امتثال أوامر الله، فقال: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي اعمل بمقتضى الوحي المنزل إليك من ربك من قرآن وسنة، فإن الله لا تخفى عليه خافية، يعلم بدقة بواطن الأشياء وظواهرها، ثم يجازيكم عليها. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ.﴾. علة للأمر باتباع الوحي، وإشارة إلى أن التقوى ينبغي أن تكون عن صميم قلبك، لا تخفي في نفسك تقوى غير الله. ثم أمر تعالى رسوله بعد التزام الأوامر بتفويض الأمور إلى الله وحده، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي فوض جميع أمورك وأحوالك إلى الله، وكفى به وكيلا لمن توكل عليه، وأناب إليه. والمقصود أن الله عاصمك وحسبك، فهو وحده جالب النفع لك، ودافع الضر عنك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إيجاب التقوى والمداومة عليها ومتابعة طاعة الله أمر عام مفروض على جميع البشر، سواء أكانوا أنبياء ورسلا وملائكة أم غيرهم، إلا أن الأنبياء والملائكة المعصومين من المعصية يؤمرون بالتقوى تعليما وإرشادا لغيرهم، وتنبيها بالأعلى على الأدنى. ويلاحظ أن الله تعالى لم يخاطب نبيه محمدا ﷺ إلا بلفظ النبوة والرسالة: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ولم يخاطبه باسمه، تعظيما لشأنه، وإشادة بمقامه، وتعليما لنا للأدب معه، مع أنه تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم فقال: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود ٤٨/ ١١]

стр. 6375

﴿يا إِبْراهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات ١٠٤/ ٣٧ - ١٠٥] ﴿يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف ١٤٤/ ٧]. ٢ - الأمر بالشيء نهي عن ضده، لذا منع الله سبحانه من طاعة الكافرين من أهل مكة ونحوهم والمنافقين من أهل المدينة وأمثالهم فيما نهى عنه، والتحذير من الميل إليهم، فإن الله عليم بكفرهم ونفاقهم، حكيم فيما يفعل بهم، والمقصود بذلك الاحتراس من مؤامراتهم ومكائدهم وخططهم المشبوهة. والمراد بالكافرين من أهل مكة: أبو سفيان وأبو الأعور وعكرمة. والمراد بالمنافقين من أهل المدينة: عبد الله بن أبيّ، وطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. ٣ - ومن الواجب أيضا اتباع الوحي من قرآن وسنة، وفي ذلك زجر عن اتباع مراسم الجاهلية. وأمر بجهادهم ومنابذتهم، وفيه دليل على ترك اتباع الآراء مع وجود النص، فلا مساغ للاجتهاد في مورد النص. والخطاب للنبي ﷺ ولأمته. ٤ - على المؤمن بعد اتخاذ الأسباب والوسائل أن يعتمد على الله في جميع أحواله، فهو الذي ينفع ويمنع، ولا يضر معه معارضة أحد من البشر أو مخالفته، وكفى بالله حافظا لجميع الأمور والأحوال. والخلاصة: أن الله تعالى أراد بهذه الآيات غرس العزة والكرامة في نفوس المسلمين، والثقة بالذات، وعدم الالتفات إلى الأعداء، ومن أجل تحقيق تلك الغايات، قررت الآيات هذه الأحكام وهي أن الله عليم بالمصلحة والصواب، حكيم لا يأمر ولا ينهى إلا على وفق الحكمة والصواب، فالواجب الأول: امتثال الأمر وتنفيذ النهي، والواجب الثاني: اتباع وحي الله، فإن الله خبير بما يصلح أمور العباد، والواجب الثالث: التوكل على الله حقا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، وكفى بالله وكيلا.

стр. 6376

تعدد القلب والظهار والتبني ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥)﴾ الإعراب: ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي.﴾. أزواج: جمع زوج، والزوج ينطلق على الذكر والأنثى، يقال: هما زوجان، وقد يقال للمرأة: زوجة، واللغة الفصحى بغير تاء، وهي لغة القرآن، قال تعالى: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة ٣٥/ ٢] ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء ٩٠/ ٢١]. و ﴿اللاّئِي﴾: فيه ثلاث قراءات، بإثبات الياء، وبحذفها، وبجعل الهمزة بين بين تسهيلا بعد حذف الياء. و ﴿تُظاهِرُونَ﴾: يقرأ بتخفيف الظاء وتشديدها، وأصلها: يتظاهرون. ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ منصوب على أنه مفعول به ل ﴿يَقُولُ﴾ أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي يقول القول الحق. ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ﴾ ﴿فِيما﴾: إما مجرور بالعطف على ﴿فِيما﴾ في قوله: ﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ﴾ وإما مرفوع بالابتداء، أي ولكن ما تعمدت قلوبكم يؤاخذكم به. البلاغة: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ تنكير رجل للاستغراق والشمول، وحرف الجر: لتأكيد

стр. 6377

الاستغراق، وذكر الجوف ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لزيادة تصوير الإنكار. ﴿أَخْطَأْتُمْ﴾ ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ﴿جَعَلَ﴾ خلق، وهذا رد على من زعم من الكفار أن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد ﷺ . ﴿تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ الظهار: أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو كظهر أحد محارمه، أي أنت في التحريم علي كتحريم الأم ونحوها من المحارم. ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي كالأمهات في التحريم، فقد كان الظهار في الجاهلية طلاقا، أما في الإسلام فتجب فيه الكفارة قبل الجماع. ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ﴾ جمع دعيّ: وهو الذي تدّعى بنوته، فيدعى لغير أبيه ابنا له، وكان له أحكام الابن في الجاهلية وصدر الإسلام، وفي الواقع هو ابن غيره. ﴿أَبْناءَكُمْ﴾ أي أبناء في الحقيقة. والمراد: ما جمع تعالى الزوجية والأمومة في امرأة، ولا الدعوة والنبوة في رجل، فكما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى تناقض: (وهو أن يكون كل منهما أصلا لكل القوى وغير أصل) لم يجعل الزوجة والدّعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أما ولا ابنا اللذين بينهما وبينه ولادة. ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ ﴿ذلِكُمْ﴾ إشارة إلى كلّ ما ذكر، و ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ أي مجرد قول في الظاهر، لا حقيقة له في الواقع. ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي يقول ما له حقيقة مطابقة للواقع. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سبيل الحق. والمراد: نفي وجود القلبين، ونفي الأمومة والبنوة عن المظاهر منها والمتبنى. ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ أي لكن انسبوهم إليهم. ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ تعليل لما سبق، و ﴿أَقْسَطُ﴾ أفعل تفضيل، قصد به الزيادة مطلقا، أي أعدل، والمراد: البالغ في الصدق. سبب النزول: نزول الآية (٤): ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ﴾: أخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: قام النبي ﷺ يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذي يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين، قلبا معكم وقلبا معه، فأنزل الله: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.

стр. 6378

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة: قالوا: كان رجل يدعى ذا القلبين. قيل: إنه أبو معمر، وقيل: إنه جميل بن أسد الفهري. وكانت الزوجة المظاهر منها كالأم، ودعيّ الرجل: ابنه. وأخرج ابن جرير عن الحسن البصري مثل الذي أخرجه ابن أبي حاتم، وزاد: وكان يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني. وأخرج عن مجاهد قال: نزلت في رجل من بني فهر قال: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ﷺ . وأخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمح يقال له: جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ﷺ فلما كان يوم بدر، وهزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو يوسف وهو معلّق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر، ما حال الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، وعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده (١). نزول الآية: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾: نزلت في زيد بن حارثة، كان عند الرسول ﷺ ، فأعتقه وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد ﷺ امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).

стр. 6379

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت في القرآن: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ، هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ فقال النبي ﷺ : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بتقواه وطاعته والخوف منه، ونهى عن طاعة الكفار والخوف منهم، نفى تعدد القلب عند الإنسان، وأبطل الظهار والتبني، فإذا كان لا يجتمع في قلب إنسان الخوف من الله والخوف من غيره، فليس للإنسان قلبان حتى يطيع بأحدهما ويعصي بالآخر، ولا تجتمع الزوجية والأمومة في امرأة، ولا البنوة الحقيقية والتبني في رجل، فجمع في الآيات بين أمر معروف حسي، وبين أمرين معنويين. التفسير والبيان: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ أي إن الذات الإنسانية ووحدة التركيب العضوي واحدة في كل إنسان، وما خلق الله لأي أحد قلبين، فليس لأي رجل قلبان في صدره، وإنما هو قلب واحد؛ لأن القلب محل التوجيه والإرادة والعزم، فإذا كان الإنسان مؤمنا بالله ورسوله، فلن يكون كافرا أو منافقا، أي أنه لا يجتمع في قلب واحد اعتقادان، ولا يجتمع اتجاهان متضادان، يأمر أحدهما أو ينهى بنقيض ما يطلبه الآخر. والآية كما بان في سبيل النزول رد على ما كانت العرب تزعم أن اللبيب الأريب له قلبان، فقيل لأبي معمر أو لجميل بن معمر الفهري أو لجميل بن أسد الفهري: ذو القلبين. والظاهر أنه أبو معمر الفهري جميل بن معمر الذي اشتهر بين أهل مكة بذي القلبين لقوة حفظه.

стр. 6380

والقلب: المضغة الصنوبرية في داخل التجويف الصدري، وهو محل الخطرات والوساوس، ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار والإنابة، ومحل الانزعاج والطمأنينة. والجعل: الخلق. وفائدة ذكر الجوف كفائدة ذكر الصدر في قوله: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢] ليحصل للسامع زيادة التصور، والإسراع في الإنكار. ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي وما جعل الزوجات المظاهر منهن كالأمهات في الحرمة، بأن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فذلك كذب موجب العقوبة، كما قال تعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ، إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ، وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً.﴾. [المجادلة ٢/ ٥٨]. وكان حكم الظهار في الجاهلية طلاقا يفيد التحريم المؤبد، فجعل الإسلام الحرمة مؤقتة، تزول بالكفارة (تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا قبل الجماع) كما جاء في أوائل سورة المجادلة، لتحريم ما أحل الله تعالى. ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ أي وما جعل الله المدّعى بنوتهم بالتبني أبناء في الحقيقة، فهم أبناء آبائهم الحقيقيين، والتبني حرام، وهذا أيضا إبطال لما كان عليه العرب في الجاهلية وصدر الإسلام من جعل الابن بالتبني كالابن النسبي. وقد كان النبي ﷺ بعد إعتاق زيد بن حارثة مولاه قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له؛ زيد بن محمد، وتبنى الخطّاب عامر بن أبي ربيعة، وأبو حذيفة سالما، وكثير من العرب تبنى ولد غيره. والخلاصة: أجمع أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في زيد بن حارثة. وقد أبطل الله هذا الإلحاق الوهمي وهذا النسب المزعوم بهذه الآية، وبقوله

стр. 6381

تعالى بعدئذ في هذه السورة: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ.﴾. [٤٠]. وهذا هو المقصود بالنفي، قدّم الله له نفي أمر حسي معروف وهو ازدواج القلب في الإنسان، ثم أردفه بنفي أمرين معنويين هما اجتماع الزوجية مع الظهار، والتبني مع النسب، فالثلاثة باطلة لا حقيقة لها، لذا قال تعالى مؤكدا النفي: ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ أي ذلكم المذكور كله في الجمل الثلاث من ادعاء وجود قلبين في صدر واحد، واجتماع الزوجية مع الظهار، والتبني مع النسب هو مجرد قول باللسان، لا صلة له بالحقيقة، فلا تصبح الزوجة بالظهار أما، ولا المتبني ابنا. وزيادة قوله تعالى: ﴿بِأَفْواهِكُمْ﴾ للتنبيه على أنه قول صادر من الأفواه فقط، من غير أن يكون له حقيقة في الواقع، كما أن زيادة ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ لتأكيد الإنكار وزيادة تصويره للنفوس. ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي والله هو الذي يقرر الصدق والعدل، ويقول الواقع، ويرشد إلى السبيل الأقوم الصحيح والطريق المستقيم، فدعوا قولكم، وخذوا بقوله . ثم فصل تعالى هذا الحق المقصود أصالة بالآية فقال: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي انسبوا أولئك الذين تبنيتموهم وألحقتم نسبهم بكم إلى آبائهم الحقيقيين، فذلك أعدل في حكم الله وشرعه، وأصوب من نسبة الابن لغير أبيه. فقوله ﴿أَقْسَطُ﴾ أفعل التفضيل، وهو ليس على بابه، أي لا يراد به المفاضلة بين اثنين، بل قصد به الزيادة مطلقا، ويجوز أن يكون على بابه على سبيل التهكم بهم. ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ أي فإن جهل آباء هؤلاء الأدعياء، فهم إخوانكم في الدين إن كانوا قد أسلموا، وهم مواليكم في الدين

стр. 6382

أيضا أي أنصاركم، إن كانوا عتقاء محرّرين، فينادى الواحد منهم: يا أخي أو يا مولاي، لذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى حذيفة. جاء في الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن أبي ذر: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر» قال ابن كثير: هذا تشبيه وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي لا إثم عليكم بنسبة بعضهم إلى غير أبيه خطأ قبل النهي، أو بعده نسيانا أو سبق لسان، أو بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله : قد فعلت». وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» وفي الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن أبي ذر: «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». لا إثم في الخطأ، ولكن الإثم على من تعمد الباطل، فنسب الابن أو البنت إلى غير الأب المعروف، فتلك معصية موجبة للعقاب. ولا إثم ولا تحريم فيما غلب عليه اسم التبني كالمقداد بن عمرو، فإنه غلب عليه نسب التبني، فيقال له: المقداد بن الأسود، والأسود: هو الأسود بن عبد يغوث، كان قد تبناه في الجاهلية، فلما نزلت الآية، قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك بقي الإطلاق عليه. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه قال في الآية: «لو دعوت رجلا لغير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه». وأخرج الإمام أحمد عن عمر ﵁ أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا

стр. 6383

صلّى الله عليه وسلّم بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. ثم قال: قد كنا نقرأ: «ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» وأن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم ﵇، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبده ورسوله» وربما قال معمر: «كما أطرت النصارى ابن مريم». وروى أحمد في حديث آخر: «ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم». ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي وكان الله وما يزال ساترا لذنب المخطئ، والمتعمد إذا تاب، رحيما بهما فلا يعاقبهما، فمن رحمته أنه رفع الإثم عن المخطئ، وقبل توبة المسيء عمدا. قصة زيد بن حارثة في السيرة والسنة النبوية: أخرج الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر ﵄: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ فقال النبي ﷺ : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل. وقد سبي من قبيلته «كلب» وهو صغير. وكان من أمره ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيّ، فأصيب في نهب من طيّ، فقدم به سوق عكاظ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها، فأوصته عمته خديجة أن يبتاع لها غلاما ظريفا إن قدر عليه، فلما قدم وجد زيدا يباع فيها، فأعجبه ظرفه، فابتاعه، فقدم به عليها، وقال لها: إني قد ابتعت لك غلاما ظريفا عربيا، فإن أعجبك فخذيه، وإلا فدعيه، فإنه قد أعجبني، فلما رأته خديجة أعجبها، فأخذته.

стр. 6384

فتزوجها رسول الله ﷺ ، وهو عندها، فأعجب النبي ﷺ ظرفه، فاستوهبه منها، فقالت: أهبه لك، فإن أردت عتقه، فالولاء لي، فأبى عليها ﵊، فوهبته له، إن شاء أعتق، وإن شاء أمسك. قال: فشب عند النبي ﷺ ، ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام، فمرّ بأرض قومه، فعرفه عمه، فقام إليه، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: غلام من أهل مكة، قال: من أنفسهم؟ قال: لا، قال: فحرّ أنت أم مملوك؟ قال: بل مملوك، قال: لمن؟ قال: لمحمد بن عبد المطلب، فقال له: أعربي أنت أم عجمي؟ قال: عربي، قال: ممن أصلك؟ قال: من كلب، قال: من أي كلب؟ قال: من بني عبد ودّ، قال: ويحك، ابن من أنت؟ قال: ابن حارثة بن شراحيل. قال: وأين أصبت؟ قال: في أخوالي، قال: ومن أخوالك؟ قال: طي، قال: ما اسم أمك؟ قال: سعدى، فالتزمه، وقال: ابن حارثة. ودعا أباه، فقال: يا حارثة، هذا ابنك، فأتاه حارثة، فلما نظر إليه عرفه، قال: كيف صنع مولاك إليك؟ قال: يؤثرني على أهله وولده، فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة، فلقوا رسول الله ﷺ ، فقال له حارثة: يا محمد، أنتم أهل حرم الله وجيرانه وعند بيته، تفكّون العاني، وتطعمون الأسير، ابني عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فإنك ابن سيد قومك، وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت، فقال رسول الله ﷺ : أعطيكم خيرا من ذلك، قالوا: وما هو؟ قال: أخيّره، فإن اختاركم فخذوه بغير فداء، وإن اختارني فكفوا عنه. فقالوا: جزاك الله خيرا، فقد أحسنت. فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: «يا زيد، أتعرف هؤلاء»؟ قال: نعم. هذا أبي وعمي وأخي، فقال ﷺ :

стр. 6385

«فهم من قد عرفتهم، فإن اخترتهم، فاذهب معهم، وإن اخترتني فأنا من تعلم». فقال زيد: ما أنا بمختار عليك أحدا أبدا، أنت معي بمكان الوالد والعم، قال: أبوه وعمه: أيا زيد، أتختار العبودية؟ قال: ما أنا بمفارق هذا الرجل، فلما رأى رسول الله ﷺ حرصه عليه، قال: «اشهدوا أنه حر، وأنه ابني يرثني وأرثه»، فطابت نفس أبيه وعمه، لما رأوا من كرامة زيد عليه ﷺ ، فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ﴾ فدعي زيد بن حارثة. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - أعلم الله أنه لا أحد بقلبين، وإنما هو قلب واحد، فإما فيه إيمان وإما فيه كفر، ولا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والإنابة والإصرار. وفي هذا رد على بعض أهل مكة الذين كانوا يقولون: إن لي في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ﷺ . وهو ردّ أيضا على المنافقين الذين هم على درجة من النفاق، متوسطة بين الإيمان والكفر؛ إذ ليس هناك إلا قلب واحد فيه إيمان أو كفر. ٢ - أبطل الله تعالى في هذه الآية حكم الظهار الجاهلي، وهو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فتصبح محرمة على التأبيد، أما في الإسلام فالحرمة مؤقتة تنتهي بالكفارة. ٣ - التبني حرام في الإسلام؛ لأنه يصادم الحقيقة، والأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبا، ويحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير

стр. 6386

أبيه، على النحو الذي كان في الجاهلية. فإن لم يكن كذلك، كما يقول الكبير للصغير تلطفا أو تحننا وشفقة: يا ابني أو يا بنيّ، فالظاهر عدم الحرمة، لكن أفتى بعض العلماء بكراهته سدا لباب التشبه بالكفار. ٤ - نسبة الإنسان إلى أبيه من التبني خطأ، بأن يسبق اللسان إليه من غير قصد، لا إثم ولا مؤاخذة فيها، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. كذلك لا إثم في نسبة شخص كان في الأصل منسوبا إلى أبيه بالتبني، وجرى الإطلاق على سبيل الشهرة، كالحال في المقداد بن عمرو، فإنه غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود؛ فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبنّاه في الجاهلية وعرف به، فلما نزلت الآية، قال المقداد: أنا ابن عمرو؛ ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه، ولم يحكم أحد بعصيان من ناداه بذلك، وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يدعى لأبي حذيفة، وغير هؤلاء. وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة؛ فإنه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمد؛ إذ لم يشتهر به بعد التحريم والنهي، فإن قاله أحد متعمدا عصى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ٥ - وكما يحرم التبني، يحرم انتساب الشخص إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، بل هو من الكبائر إذا كان على النحو الجاهلي، فقد كان الرجل منهم ينتسب إلى غير أبيه وعشيرته، وجاء في السنة الوعيد الشديد عليه، أخرج الشيخان وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي ﷺ قال: «من ادّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام». وأخرج الشيخان أيضا: «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا»

стр. 6387

وأخرجا أيضا عن أبي ذرّ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليس من رجل ادّعى لغير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر». والكفر: إذا اعتقد إباحة ذلك، فإن لم يعتقد إباحته، فمعنى كفره: أنه أشبه فعله فعل الكفار أهل الجاهلية، أو أنه كافر نعمة الله والإسلام عليه. ٦ - هناك فرق بين التبني المنهي عنه والاستلحاق الذي أباحه الإسلام، فالتبني: هو ادعاء الولد مع القطع بأنه ليس ابنه، وأما الاستلحاق الشرعي: فهو أن يعلم المستلحق أن المستلحق ابنه أو يظن ذلك ظنا قويا، بسبب وجود زواج سابق غير معلن. فإن كان من زنى فلا يجوز الاستلحاق. ٧ - يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد الأخوة في الدين والولاية فيه، وكان المدعو تقيا. فإن كان فاسقا فلا يدعى بذلك، ويكون حراما؛ لأننا نهينا عن تعظيم الفاسق. ٨ - دل قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ على أنه ينبغي أن يكون قول الإنسان إما عن حقيقة يقرها العقل السليم أو عن شرع ثابت، فمن تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولدا، وكانت الزوجة سابقا زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه، فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش أي رابطة الزوجية. ٩ - قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ يدل على أنه سبحانه يغفر الذنوب للمستغفر، ويرحم المذنب التائب.

стр. 6388

مكانة النبي ﷺ ومهمته وتشريع الميراث بقرابة الرحم ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)﴾ الإعراب: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، أي إنهن بمنزلة الأم في التحريم، فلا يجوز لأحد أن يتزوج بهن، احتراما للنبي ﷺ . ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا.﴾. أن وصلتها: في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. البلاغة: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، أي وأزواجه مثل أمهاتهم في الحرمة والتعظيم. ﴿أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ مجاز بالحذف، أو أولى بميراث بعض. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ عطف الخاص على العام للتشريف والتنويه بشأنهم، بالرغم من دخول محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام في جملة النبيين. ﴿مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ استعارة، استعار الغلظ في الأجسام الحسية للشيء المعنوي، وهو بيان حرمة الميثاق وخطورته وعظمه، للوفاء به.

стр. 6389

﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ﴾ التفات من التكلم للغيبة لتبكيت المشركين وتقبيح فعلهم. المفردات اللغوية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في الأمور كلها في الدين والدنيا، فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، فهو أرأف بهم وأعطف عليهم فيما دعاهم إليه مما دعتهم أنفسهم إليه إذ هو يدعو إلى النجاة وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك. ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أي منزّلات منزلة الأمهات في حرمة زواجهن واستحقاق التعظيم، وفيما عدا ذلك فكالأجنبيات، ولذلك قالت عائشة: لسنا أمهات النساء. ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ ذوو القرابات. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التوارث من الإرث بالحلف والمؤاخاة، وهو نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين. ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيما فرض الله تعالى وشرع أو في اللوح المحفوظ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ بيان لأولي الأرحام، أو صلة لأولي، أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين، والمهاجرين بحق الهجرة، وبعبارة أخرى: الإرث بقرابة الرحم مقدم على الإرث بالإيمان والهجرة الذي كان أول الإسلام، فنسخ. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ أي كان المذكور في الآيتين ثابتا في اللوح المحفوظ، أو في القرآن. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا﴾ أي واذكر. ﴿مِيثاقَهُمْ﴾ أي عهودهم بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الدين القويم، والميثاق: العهد المؤكد. ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي بأن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادته، وذكر هؤلاء الأنبياء الخمسة من عطف الخاص على العام؛ لأنهم مشاهير أصحاب الشرائع وأولو العزم من الرسل. وقدم نبينا تعظيما له. ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ ميثاقا شديدا عظيم الشأن بالوفاء بواجب التبليغ لما أنزل إليهم من ربهم. وقيل: ميثاقا مؤكدا باليمين. ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أي فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة أولئك الأنبياء الصادقين الذين صدقوا عهدهم عن صدقهم في تبليغ الرسالة وعما قالوه لقومهم، تبكيتا للكافرين برسالاتهم. ﴿وَأَعَدَّ﴾ تعالى، معطوف على ﴿أَخَذْنا﴾ والمعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه، لأجل إثابة المؤمنين، وتبكيت الكافرين، وأعد للكافرين بهم عذابا مؤلما. المناسبة: بعد أن أبطل الله تعالى حكم التبني الخاص وأن محمدا ﷺ ليس أبا لزيد بن حارثة، أبان تعالى أن أبوة محمد ﷺ عامة لكل الأمة، وأزواجه بالنسبة للرجال في حكم حرمة الأمهات، وهي أشرف من أبوة النسب؛ لأنها إنقاذ أبدي من

стр. 6390

الهلاك، قال مجاهد: كل نبي أبو أمته. ثم أردف ذلك بعلو منزلته وسمو مهمته وهو تبليغ دعوة الله، وفاء بالميثاق (العهد المؤكد) الذي أخذه الله عليه وعلى سائر الأنبياء من قبله. التفسير والبيان: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي إن النبي محمدا ﷺ أرأف بجماعة المؤمنين من أمته وأعطف عليهم من أنفسهم؛ إذ هو يدعوهم إلى النجاة، وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، كما قال ﷺ : «أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها تقّحم الفراش» (١) ولأنه ينزّل لهم منزلة الأب، فالنفس قد تأمر بالسوء، وأما محمد ﷺ فهو لا يأمر إلا بالخير ولا ينطق إلا بالوحي. فإذا كان زيد يعتز بدعوته لمحمد ﷺ ؛ لأنها تكسبه جاها كبيرا في الدنيا والآخرة، فإن المؤمنين أصبحوا جميعا يعتزون بأبوة محمد ﷺ العامة لهم، وقد نزلت الآية تسلية لزيد، وبيانا للانتقال من الأبوة الخاصة لزيد إلى الأبوة العامة، والرأفة الشاملة التي تعم المسلمين جميعا، لا فرق فيها بين الابن الصلبي وغيره فهو يرعاهم حق الرعاية ويهديهم الطريق المستقيم. وجعلت الولاية مطلقة لتشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية. وما دام محمد ﷺ أولى من النفس، فهو أولى من جميع الناس بطريق الأولى، وحكمه مقدّم على اختيارهم لأنفسهم، ومحبته مقدمة أيضا على حب النفس التي بين الجنبين، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء ٦٥/ ٤].

стр. 6391

وثبت في صحيح البخاري وغيره: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» وروى البخاري في صحيحة أيضا عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيّما مؤمن ترك مالا، فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا-عيالا-فليأتني، فأنا مولاه». وفي الصحيح أيضا أن عمر ﵁ قال: «يا رسول الله، والله لأنت أحبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ : لا، يا عمر، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك، فقال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال ﷺ : الآن يا عمر». ومبعث هذا ما علم الله تعالى من توافر شفقة النبي ﷺ على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم. ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أي إن أزواج النبي ﷺ منزلات منزلة الأمهات في الحرمة والاحترام، أي في تحريم زواجهن بعد النبي ﷺ ، واستحقاق التكريم والتعظيم والتوقير، وأما في غير ذلك فهن أجنبيات، فلا يقال لبناتهم أخوات المؤمنين، ولا يحرمن على المؤمنين، ولا يحل النظر إليهن ولا الخلوة بهن، ولا ارثهن ونحو ذلك. وهذا بالنسبة للرجال، فهم كأمهاتهم، وأما النساء فلا يقال لهن عند البعض: أمهات المؤمنات، لذا قالت عائشة ﵂ لمن قالت لها: يا أمه: أنا أم رجالكم، لا أم نسائكم. وسيأتي بيان الخلاف. ويثبت هذا الوصف لجميع أزواج النبي ﷺ ، حتى المطلّقة، لكن صحح إمام الحرمين وغيره قصر التحريم على المدخول بها فقط. واختار الرازي والغزالي

стр. 6392

القطع بحل المرأة التي اختارت الدنيا من أزواج النبي ﷺ بعد نزول آية التخيير الآتية. ثم بيّن الله تعالى بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ حكم الميراث، وبقوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ﴾ حكم الوصية، ليبين الفرق بين ولاية النبي ﷺ للمؤمنين، وولاية المؤمنين لأقاربهم، فالنبي ﷺ لا يورث، فلا توارث بينه وبين أقاربه، لولايته العامة، والمؤمنون يرث بعضهم من بعض إذا كانوا ذوي قرابة، وهم أولى ببعضهم في النفع بميراث وغيره، إلا في حال بر صديق أو محتاج بالوصية، فيصير أولى من قريبه، فتقطع الوصية الإرث، فقال: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ أي وذوو القرابات مطلقا، سواء أكانوا أصحاب فروض أم عصبات أم ذوي أرحام أولى بمنافع بعضهم بالتوارث وغيره من بقية المؤمنين المهاجرين والأنصار، أي بحق الدين وهو الإيمان، أو بحق الهجرة، وذلك في فرض الله وشرعه وما كتبه على عباده، أو في القرآن، أو في اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ كما ذكر الزمخشري إما بيان راجع لأولي الأرحام (أي الأقرباء) والمعنى: وأولو القرابة من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى بنفع بعض أو بميراثه من الأجانب. وإما لابتداء الغاية، والمعنى: وأولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدّين، ومن المهاجرين بحق الهجرة (١). وعلى هذا المعنى الثاني وهو المشهور تكون الآية إبطالا لما كان في بدء الإسلام من التوارث بالحلف والمؤاخاة بين المسلمين، فكان المهاجري يرث الأنصاري، دون قراباته وذوي رحمه، بسبب الأخوّة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ ، فقد آخى بين أبي بكر ﵁ وخارجة بن زيد، وآخى

стр. 6393

بين عمر وشخص آخر، وآخى بين عثمان ورجل من بني زريق، وآخى بين الزبير وكعب بن مالك (١). ويؤكد هذا المعنى قول النبي ﷺ فيما رواه الشيخان عن ابن عباس: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» والمراد: بطل حكم الهجرة وزالت الأحكام المترتبة عليها كالتوارث بها. ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ أي ذهب الميراث بالتآخي، وبقي حكم الوصية والنصر والبر والصلة والإحسان، أي إلا أن توصوا إلى أصدقائكم الذين توالونهم وتودونهم من المؤمنين والمهاجرين وصية، والمعروف هنا: الوصية، ومن المعلوم أن الدّين والوصية مقدّمان شرعا على الميراث، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١١/ ٤]. ومعنى الآية: إن أوصيتم فغير الوارثين أولى، وإن لم توصوا فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم. ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ أي إن هذا الحكم (وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض) حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدّل ولا يغير، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت ما، لمصلحة مؤقتة، وحكمة بالغة، وهو يعلم أنه سيغيره إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري التشريعي. وبعد بيان مكانة النبي ﷺ بين المؤمنين، أبان الله تعالى سمو مهمته وعلو منزلته في تبليغ الشرائع، والدعوة إلى دين الله ورسالة ربه، ووفائه بتلك المهمة، عملا بمقتضى ميثاق النبيين في أنهم يبلغون رسالات الله، وكأنه تعالى من بداية السورة إلى هنا قال لنبيه تعليما للأمة، اتق الله، ولا تخف أحدا، واذكر

стр. 6394

أن الله أخذ ميثاق النبيين في أنهم يبلغون شرائع الله، ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ أي واذكر أيها الرسول أننا أخذنا العهد المؤكد على جميع الأنبياء ولا سيما أولو العزم منهم وهم الخمسة المذكورون في الآية في أنهم يبلغون رسالة الله إلى أقوامهم، ويقيمون دين الله تعالى، ويتناصرون ويتعاونون فيما بينهم بإكمال بعضهم رسالة من تقدمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ، مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ: أَأَقْرَرْتُمْ، وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي؟ قالُوا:﴾ ﴿أَقْرَرْنا، قالَ: فَاشْهَدُوا، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١/ ٣] أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمدا رسول الله ﷺ ، ويعلن محمد ﷺ أن لا نبي بعده. ثم أكد الله تعالى ذلك الميثاق بعينه، فوصفه بالشدة والغلظ مبالغة في حرمته وعظمته وثقل تبعته (مسئوليته) والمعنى: وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا، فالميثاق الثاني هو الأول مؤكدا باليمين، أو مكررا لبيان صفته، من طريق استعارة الغلظ من صفة الأجسام المادية إلى الأشياء المعنوية، مبالغة في بيان حرمته وعظمه وخطورته، كما بينت. وقد خص الله تعالى بالذكر خمسة رسل هم أولو العزم، تنويها بشأنهم، وتبيان أهمية رسالاتهم، من باب عطف الخاص على العام، كما في آية أخرى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣/ ٤٢]. ثم ذكر الله تعالى أنه سائل الأنبياء عن التبليغ والمؤمنين عن الإجابة والمكذبين عن التكذيب، فقال:

стр. 6395

﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ اللام في ﴿لِيَسْئَلَ﴾ قيل: إنها لام الصيرورة، أي أخذ الميثاق على الأنبياء، ليصير الأمر إلى السؤال عما فعلوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ٧]. قال الرازي: يعني أرسل الرسل، وعاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب؛ لأن الصادق محاسب، والكافر معذب (١). والظاهر-كما قال أبو حيان-أنها لام التعليل، لام كي، أي بعثنا الرسل، وأخذنا عليهم المواثيق في التبليغ، لكي يجعل الله خلقه فرقتين: فرقة يسألها عن صدقها، على معنى إقامة الحجة، فتجيب بأنها قد صدقت الله في إيمانها وجميع أفعالها، فيثيبها على ذلك؛ وفرقة كفرت، فينالها ما أعد لها من العذاب، فالصادقون المسؤولون على هذا المعنى: هم المؤمنون، والهاء في ﴿صِدْقِهِمْ﴾ عائدة عليهم، ويجوز أن يراد: وليسأل الأنبياء، أو ليسأل عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم أو ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، وفي هذا تنبيه: أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف بمن سواهم؟ (٢) أو ليسأل المبلّغين الذين بلغتهم الرسل. وعلى هذا، يكون المعنى: وأخذنا من الأنبياء ميثاقهم في تبليغ الدعوة إلى دين الله، لكي نسأل المرسلين عن قيامهم بواجب التبليغ، ومعرفة ما أجابتهم به أممهم، ولأجل إثابة المؤمنين على إيمانهم وصدقهم، وعقاب الكافرين من أممهم المكذبين رسلهم الذين أعد الله لهم عذابا شديدا مؤلما موجعا هو عذاب جهنم. فقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي:

стр. 6396

١ - النبي ﷺ أرأف وأعطف وأشفق على المؤمنين من أنفسهم؛ لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة. ٢ - آية ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أزال الله تعالى بها أحكاما كانت في صدر الإسلام؛ منها: أنه ﷺ كان لا يصلّي على ميّت عليه دين، فلما فتح الله عليه الفتوح قال كما جاء في الصحيحين: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفّي وعليه دين فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته». وفي الصحيحين أيضا «فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه» والضياع: مصدر ضاع، ثم جعل اسما لكل ما يتعرض للضياع من عيال وبنين لا كافل لهم، ومال لا قيّم له. وسميت الأرض ضيعة؛ لأنها معرضة للضياع، وتجمع ضياعا. قال بعض العلماء: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه، حيث قال: «فعلي قضاؤه». ٣ - جعلت أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في وجوب التعظيم والبرّ والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، وتحريم النظر إليهن، وحجبهن عن الرجال، بخلاف الأمهات. وهذه الأمومة لا توجب ميراثا كأمومة التبني، وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات للناس، ولا أخوالهن أخوال المؤمنين وخالاتهم، فقد تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي أخت عائشة، ولم يقل: هي خالة المؤمنين. ولا يقال لمعاوية وأمثاله خال المؤمنين. وهن في قول أمهات الرجال خاصة، لا أمهات الرجال والنساء، عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت لها: يا أمّه؛ فقالت لها: لست لك بأمّ، إنما أنا أمّ رجالكم. قال ابن العربي: وهو الصحيح (١).

стр. 6397

وقال القرطبي: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون النساء، والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء؛ تعظيما لحقّهن على الرجال والنساء. يدل عليه صدر الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة؛ فيكون قوله: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ عائدا إلى الجميع (١). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ ناسخ للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين، وللتوارث بالهجرة؛ لأن المراد بأولي الأرحام ذوي القرابة مطلقا أيا كان نوعهم، والمراد بالمؤمنين الأنصار، وبالمهاجرين قريشا، وقد فسر الإمام الشافعي ﵁ الآية بذلك، وتبعه في هذا أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية. إلا أن الجصاص يرى فيها دليلا للحنفية على توريث ذوي الأرحام، لا من حيث إن الآية قد أريد منها هذا النوع الخاص من الوارثين، بل من حيث إن الآية اقتضت أن ذا القرابة مطلقا أولى من غيره، وأما تقديم بعض ذوي القرابة على بعض، فهذا له أدلته الخاصة. ويقتضي ذلك أن يكون ذو الرحم (هو الصنف الذي يدلي إلى الميت بواسطة الأنثى) أولى من بيت المال، فتكون الآية حجة على من قدم بيت المال عليهم. وظاهر الآية يدل على أن ذا الرحم أولى من مولى العتاقة، ويرى بعضهم أن مولى العتاقة مقدم على ذوي الأرحام، وهو أولى من الرد؛ لأنه من العصبات، والعصبات أولى بالميراث من غيرهم، وقد روي أن ابنة حمزة أعتقت عبدا، ومات وترك بنتا، فجعل النبي ﷺ نصف ميراثه لابنته ونصفه لابنة حمزة. ونوقش

стр. 6398

هذا بأنه لم يقل لنا الرواة: هل كان للميت ذو رحم، حتى يتم الدليل. وقال النبي ﷺ فيما رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر: «الولاء لحمة كلحمة النسب» ونوقش هذا أيضا بأن التشبيه يقتضي مطلق الاستحقاق، ولكنه لا يدل على تقديمه على غيره. ٥ - قال قوم: لا يجوز أن يسمّى النبي ﷺ أبا؛ لقوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ ولكن يقال: مثل الأب للمؤمنين؛ كما قال ﷺ فيما رواه أبو داود: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم». وقال القرطبي: والصحيح أنه يجوز أن يقال: إنه أب للمؤمنين، أي في الحرمة لا في النسب، وأما قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ فهو في النسب. وقرأ ابن عباس: «من أنفسهم، وهو أب لهم، وأزواجه أمهاتهم» وهي في مصحف أبيّ. ٦ - لا مانع من الإحسان لغير الوارثين في الحياة، والوصية عند الموت لهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ أي إن ذلك جائز. وقال محمد بن الحنفية: «إنها نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني» (١) أي أنه تجوز الوصية للقريب والوليّ وإن كان كافرا؛ لأن الكافر ولي في النسب لا في الدين، فيوصى له بوصية. ويكون معنى الآية: وأولو الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى بميراث بعض، إلا إذا كان لكم أولياء من غيرهم، فيجوز أن توصوا إليهم. ٧ - رسالات الأنبياء في الأصول العامة كأصول الاعتقاد والأخلاق واحدة، وهم متناصرون متعاونون فيما بينهم، ويكمّل بعضهم رسالة البعض الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ..﴾. الآية، أي أخذنا عهدهم على الوفاء بما أوحي إليهم، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدّق بعضهم بعضا، وذلك

стр. 6399

حكم قديم مسطور حين كتب الله ما هو كائن، وحين أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء، وهو عهد وثيق عظيم على الوفاء بما التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا. وقد خص الله تعالى خمسة أنبياء بالذكر (وهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى). تفضيلا لهم؛ لأنهم أولو العزم من الرسل وأئمة الأمم، ولأنهم أصحاب الشرائع والكتب. وقدّم محمدا ﷺ في الذكر؛ لما رواه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ..﴾. فقال: «كنت أولهم في الخلق، وآخرهم في البعث، فبدأ بي قبلهم» (١). ٨ - قوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه (٢): أحدها-ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، وفي هذا تنبيه؛ أي إذا كان الأنبياء يسألون، فكيف من سواهم؟ الثاني-ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم. الثالث-ليسأل الأنبياء عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم. الرابع-ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ٧]. وفائدة سؤال الأنبياء: توبيخ الكفار، كما قال تعالى لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥].

стр. 6400

غزوة الأحزاب أو الخندق وبني قريظة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً (٢١) وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧)﴾

стр. 6401

الإعراب: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (١٠) ﴿إِذْ﴾: في موضع نصب على البدل من ﴿إِذْ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ و ﴿إِذْ﴾ هذه منصوبة ب ﴿اُذْكُرُوا﴾. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ (١٠) يقرأ ﴿الظُّنُونَا﴾ بإثبات الألف، لأنها فاصلة، وفواصل الآيات تشبه رؤوس الأبيات. ويقرأ بترك الألف على الأصل. ﴿وَإِذْ يَقُولُ﴾ و ﴿إِذْ قالَتْ﴾ (١٣، ١٢): ﴿إِذْ﴾ فيهما منصوب بفعل مقدر، أي اذكر. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾ (١٣) الواو: واو الحال، والجملة بعدها في موضع نصب على الحال من الطائفة المرفوعة ب ﴿قالَتْ﴾. وقال بعضهم: تم الكلام عند قوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ وليست الواو واو الحال.

стр. 6402

و ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أي ذات عورة، فحذف المضاف. ﴿عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ، لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾ (١٥) ﴿عاهَدُوا اللهَ﴾: بمنزلة القسم، و ﴿لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾: جوابه. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ (١٩): إما منصوب على الحال من واو ﴿يَأْتُونَ﴾ أو منصوب على الذم. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ، كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (١٩): ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ من رؤية العين. و ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: إما حال من واو ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أو حال بعد حال. و ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ تقديره: تدور أعينهم دورانا كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، فحذف المصدر وهو «دورانا» وما أضيفت الكاف إليه وهو دوران، وما أضيف «دوران» إليه وهو «عين» وأقيم «الذي» مقام «عين» وإنما وجب هذا التقدير ليستقيم معنى الكلام؛ لأن تشبيه الدوران بالذي يغشى عليه تشبيه العرض بالجسم، والأعراض لا تشبه بالأجسام، و ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي من حذر الموت. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ (١٩): ﴿أَشِحَّةً﴾: منصوب على الحال من واو ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ وهو عامله. ﴿بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ (٢٠): الجار والمجرور إما مرفوع على أنه خبر بعد خبر، أي كائنون في جملة الأعراب، وإما منصوب على الحال من ضمير ﴿بادُونَ﴾. ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ (٢١): الجار والمجرور بدل من لكم أو في موضع رفع؛ لأنه صفة بعد صفة ل ﴿أُسْوَةٌ﴾ أي أسوة حسنة كائنة لمن كان. ولا يتعلق ب ﴿أُسْوَةٌ﴾ إذا جعل مصدرا بمعنى التأسي؛ لأنها وصفت والمصدر إذا وصف لم يعمل. ﴿وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً﴾ (٢٢) أي ما زادتهم الرؤية إلا إيمانا، وإنما جعل الفعل ﴿زادَهُمْ﴾ بالتذكير؛ لأن الرؤية بمعنى النظر. ﴿ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ (٢٣): ﴿ما﴾ هنا: مصدرية، في موضع نصب ب ﴿صَدَقُوا﴾ أي صدقوا الله في العهد، أي وفّوا به. البلاغة: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ و ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بينهما طباق. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من

стр. 6403

﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ مبالغة في التمثيل، صور القلوب في خفقانها واضطرابها، كأنها وصلت إلى الحلقوم. ﴿لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾ كناية عن الفرار من الزحف. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ استعارة مكنية، شبه اللسان بالسيف المصلت، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق أي الضرب، بطريق هذه الاستعارة، و ﴿حِدادٍ﴾ ترشيح. ﴿مَسْطُوراً﴾ ﴿بَصِيراً﴾ ﴿غُرُوراً﴾ ﴿فِراراً﴾ ﴿يَسِيراً﴾ ﴿كَثِيراً﴾ توافق الفواصل في الحرف الأخير. ﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ إطناب بتكرار اسم الله والرسول ﷺ للتعظيم والتشريف. ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ استعارة، أستعير النحب وهو النّذر للموت نهاية كل حي؛ كأنه نذر لازم في رقبة كل إنسان. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قوله: ﴿إِنْ شاءَ﴾ اعتراض للدلالة على أن العذاب أو الرحمة بمشيئة الله تعالى. المفردات اللغوية: ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني الأحزاب وهم قريش بقيادة أبي سفيان، وغطفان بقيادة عيينة بن حصن، وبنو أسد بإمرة طليحة، وبنو عامر بزعامة عامر بن الطّفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النّضير من اليهود برئاسة حييّ بن أخطب وأبناء أبي الحقيق، وبنو قريظة من اليهود أيضا وسيدهم كعب بن أسد، وقد نقض هؤلاء اليهود عهدهم مع النبي ﷺ وتواطؤوا مع قريش. وبلغ مجموع الأحزاب عشرة آلاف، أو زهاء اثني عشر ألفا. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ ريح الصبا ﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ هم الملائكة ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق، وعلى قراءة: يعملون تحزيب المشركين ومحاربتهم ﴿بَصِيراً﴾ رائيا مطلعا تمام الاطلاع ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي من أعلى الوادي، من جهة المشرق ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي من جهة المغرب ﴿زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ مالت عن مستوى نظرها، فلم تلتفت إلا إلى عدوها حيرة ودهشة ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ المراد أنها فزعت فزعا شديدا، والحناجر: جمع حنجرة: وهي منتهى الحلقوم وهو مدخل الطعام والشراب والتنفس، وتصوير ذلك: أن الرئة تنتفخ من شدة الرعب، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ أي تظنون مختلف الظنون من نصر ويأس، فالمؤمنون المخلصون خافوا الزلل وضعف الاحتمال، والمنافقون

стр. 6404

ومرضى القلوب كذبوا بوعد الله، وتشككوا فيه، وأعلنوا بطلانه. ﴿اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختبروا وامتحنوا، فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ اضطربوا كثيرا من شدة الفزع وكثرة العدو ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضعف اعتقاد، وهم قوم كان المنافقون يستميلونهم بالإغراءات وزرع الشّبه في قلوبهم، لحداثة عهدهم بالإسلام ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر أو الظفر وإعلاء دينه ﴿إِلاّ غُرُوراً﴾ إلا وعدا باطلا لا حقيقة له، أو خداعا. ﴿طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي المنافقين ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ أهل المدينة ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أي لا إقامة ولا مكانة لكم هاهنا ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم في المدينة هاربين، وذلك بعد أن خرجوا مع النبي ﷺ إلى «سلع»: جبل خارج المدينة للقتال ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ في الرجوع ﴿يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ قاصية غير حصينة، يخشى عليها الاقتحام من الأعداء ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينة ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ أي ما يريدون إلا هروبا من القتال مع المؤمنين. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة ﴿مِنْ أَقْطارِها﴾ نواحيها وجوانبها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ طلب منهم الداخلون الشرك والردة، ومقاتلة المسلمين ﴿لَآتَوْها﴾ لأعطوها وفعلوها، وقرئ: لأتوها أي لجاؤوها ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً﴾ ما أخّروها، أو ما أخروا إعطاء الفتنة إلا لوقت يسير ﴿لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾ المراد لا ينهزمون ولا يفرون من الزحف. والأدبار: جمع دبر وهو ما قابل القبل، ويطلق على الظهر ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ عن الوفاء به، ومجازي عليه. وهم بنو حارثة عاهدوا رسول الله ﷺ يوم أحد حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله. ﴿وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ﴾ إذا فررتم لا تتمتعون في الدنيا بعد فراركم ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعا أو زمانا قليلا ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ يمنعكم أو يجيركم ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً﴾ هلاكا وهزيمة ﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ فيه محذوف أي: أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم خيرا، فقد يكون المصاب خيرا ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره ﴿وَلِيًّا﴾ مواليا ينفعهم ﴿وَلا نَصِيراً﴾ ناصرا يدفع الضر عنهم. ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ المثبّطين منكم عن رسول الله ﷺ ، وهم المنافقون ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ﴾ من ساكني المدينة ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ تعالوا، وأقبلوا إلينا، أو قرّبوا أنفسكم إلينا ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي لا يأتون الحرب والقتال إلا إتيانا أو زمانا قليلا، رياء وسمعة ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بخلاء عليكم بما ينفعكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله، جمع شحيح ﴿عَلَى الْخَيْرِ﴾ حريصين على مال الغنائم، يطلبونها ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ تدير أعينهم أحداقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي كنظر أو دوران عين المغشي عليه من سكرات الموت خوفا ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ زالت حالة الخوف وحيزت الغنائم ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ آذوكم بالكلام ورموكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ أي ألسنة ذربة سليطة قاطعة

стр. 6405

كالحديد يطلبون الغنيمة ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطل ثمرة أعمالهم ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ أي وكان ذلك الإحباط هينا سهلا على إرادة الله، فإذا أراد شيئا كان، ولم يمنعه عنه أحد. ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ﴾ من الكفار ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ إلى مكة، لخوفهم منهم، المعنى: يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا، ففروا إلى داخل المدينة ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة أخرى ﴿يَوَدُّوا﴾ يتمنوا ﴿بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ كائنون معهم في البادية ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ أخباركم مع الكفار، وما جرى عليكم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة ﴿ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ما كان قتالهم إلا قتالا ظاهريا قليلا، رياء وخوفا من التعيير. ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قدوة صالحة، يتأسى به، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي يرجو ثواب الله أو لقاءه، ونعيم الآخرة ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ قرن بالرجاء كثرة ذكر الله المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول ﷺ من كان كذلك، بخلاف غيره. ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ﴾ من الكفار الذين تجمعوا لحرب النبي ﷺ والقضاء عليه ﴿قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر، بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ.﴾. [البقرة ٢١٤/ ٢] وقوله ﷺ : «إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر» «سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم». ﴿وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد والابتلاء ﴿وَما زادَهُمْ﴾ ذلك الذي رأوه من الخطب أو البلاء ﴿إِلاّ إِيماناً﴾ تصديقا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيماً﴾ لأمره ومقاديره. ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع الرسول ﷺ والمقاتلة لإعلاء الدين ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ مات أو قتل في سبيل الله شهيدا، ووفّى نذره، كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، والنحب: النذر، فجعل كناية عن الموت ﴿مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الشهادة، كعثمان وطلحة ﴿وَما بَدَّلُوا﴾ العهد ولا غيروه، بخلاف حال المنافقين ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تعليل للمنطوق وهم المؤمنون المخلصون، وللمعرّض به وهم المنافقون، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء، كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، لكن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم، والمراد به التوفيق للتوبة ﴿غَفُوراً رَحِيماً﴾ لمن تاب. ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأحزاب ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ متغيظين ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾ غير ظافرين ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بالريح والملائكة ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا﴾ على إيجاد ما يريد ﴿عَزِيزاً﴾ غالبا على كل شيء ﴿ظاهَرُوهُمْ﴾ ظاهروا الأحزاب أي عاونوهم ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني من بني قريظة ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ من حصونهم، جمع صيصة وهي كل ما يتحصن به

стр. 6406

﴿وَقَذَفَ﴾ ألقى ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الشديد ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ منهم وهم المقاتلة ﴿وَتَأْسِرُونَ﴾ فريقا منهم وهم الذراري: أي النساء والأطفال. ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ بعد، وهي خيبر، أخذت بعد قريظة. سبب النزول: نزول الآية (٩): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾: أخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعودا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخاف على ذرارينا، وما أتت قط علينا ليلة أشد ظلمة، ولا أشد ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون، إذ استقبلنا النبي ﷺ رجلا رجلا حتى أتى علي، فقال: ائتني بخبر القوم، فجئت، فإذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو الله، إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم، وهم يقولون: الرحيل الرحيل، فجئت، فأخبرته خبر القوم، وأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ الآية. نزول الآية (١٢): ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عمرو المزني قال: خطّ رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب، فأخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فأخذ رسول الله ﷺ المعول، فضربها ضربة، صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتي المدينة (١)، فكبّر، وكبّر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبّر

стр. 6407

وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبّر، وكبّر المسلمون، فسئل عن ذلك، فقال: ضربت الأولى، فأضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم، ثم ضربت الثانية، فأضاءت لي قصور الحمر من أرض الروم، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة، فأضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ ويحدّثكم، يمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق (١)، لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾. نزول الآية (٢٣): ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾: أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر، فكبر عليه، فقال: أول مشهد قد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرينّ الله ما أصنع، فشهد يوم أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بالتقوى بحيث لا يبقى في نفس المؤمن خوف من أحد، ذكر مثالا واقعيا من وقعة الأحزاب، حيث تجمع المشركون من قريش ومن عاونوهم من اليهود والأحباش عشرة آلاف حول المدينة بقصد القضاء على

стр. 6408

النبي وصحبه، فدفع الله القوم عن المؤمنين من غير قتال وآمنهم من الخوف، مما يدل على أنه لا يخاف العبد غير ربه، فإنه القادر على كل ممكن، الكاف أمره. أضواء من السيرة على غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق: في شوال من السنة الخامسة للهجرة اجتمع حول المدينة عشرة آلاف، أو اثنا عشر ألفا، أو خمسة عشر ألفا من الكفار الوثنيين وأهل الكتاب، للقضاء على النبي ﷺ ، وكان المشركون من قريش والأحباش في أربعة آلاف بقيادة أبي سفيان، وبني أسد بقيادة طليحة، وغطفان في ستة آلاف بزعامة عيينة بن حصن، وبني عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وسليم يقودهم أبو الأعود، وكان يهود بني النضير برئاسة حيي بن أخطب وابني أبي الحقيق، ويهود بني قريظة وسيدهم كعب بن أسد الذي كان بينه وبين الرسول ﷺ عهد، فنبذه بسعي حيي بن أخطب. وكان سبب الوقعة اليهود، فقد خرج نفر من بني النضير وبني قريظة، فقدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا لهم: إن دينكم خير من دينه، ثم جاؤوا غطفان وقيسا وعيلان وبني مرة وأشجع، فدعوهم إلى الحرب في المدينة، فتوافق المعسكران: الوثني والكتابي على تكوين جيش موحد بقيادة أبي سفيان، فنزلوا أمام المدينة. وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون في ثلاثة آلاف، حتى نزلوا بظهر سلع. ولما سمع الرسول ﷺ بمسير فئات الأحزاب، أمر بحفر خندق حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وعمل في حفره الرسول ﷺ والمسلمون، في السهل الواقع شمال غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو، وأما الجوانب الأخرى فكانت محصنة بالجبال. وبلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه سبعة أذرع إلى عشرة، وعرضه تسعة فأكثر.

стр. 6409

فلما رأى المشركون وأحزابهم الخندق قالوا: والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، فوقعت مصادمات، وحاول بعض المشركين اقتحام الخندق، فرمي بالحجارة، واقتحمه بعضهم بفرسه فهلك أو قتل، منهم الفارس المشهور عمرو بن ودّ العامري الذي تبارز مع علي ﵁، فقتله، وفرّ صاحباه عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، ومن فوارسهم نوفل بن مغيرة. واستشهد سعد بن معاذ ﵁ في غزوة بني قريظة. ثم وقعت مكيدة محكمة بين الأحزاب، فبينما رسول الله ﷺ وأصحابه في خوف وشدة، إذ جاءه نعيم بن مسعود الغطفاني، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة». فأتى بني قريظة، وقال لهم: لا تحاربوا مع قريش وغطفان إلا إذا أخذتم منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم تقيّة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا؛ لأنهم رجعوا وسئموا حربه، وإنكم وحدكم لا تقدرون عليه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم أتى قريشا وغطفان، فقال لهم: إن اليهود يريدون أن يأخذوا منكم رهنا يدفعونها لمحمد، فيضرب أعناقهم، ويتّحدون معه على قتالكم؛ لأنهم ندموا على ما فعلوا من نقض العهد وتابوا. ولما أراد أبو سفيان وقادة غطفان خوض معركة حاسمة مع المسلمين، تباطا اليهود، وطلبوا منهم رهائن من رجالهم، فامتنعوا وصدّقوا حديث نعيم بن مسعود، وتحقق اليهود من صدق حديث نعيم أيضا، فتخاذل اليهود والعرب، وتفرقت الكلمة. ودب الضعف في الأحزاب، وزاد من قلقهم واضطرابهم أن أرسل الله عليهم

стр. 6410

ريحا شديدة البرد في ليلة شاتية، فأكفأت قدورهم، وطرحت آنيتهم. فرجع أبو سفيان مع قريش إلى بلادهم، وتبعته غطفان، وأرسل رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان حتى يأتي بخبرهم، ومكث النبي ﷺ قائما يصلي، ودعا لحذيفة بالسلامة والحفظ حتى يعود، كما دعا رافعا يديه ويقول: «يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همّي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي» فنزل جبريل وقال: إن الله قد سمع دعوتك، وكفاك هول عدوك، فخرّ رسول الله ﷺ على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه، وهو يقول: شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي. وصدق الله إذ يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الأحزاب ٩/ ٣٣] ويقول: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣]. وانتهت الحرب بين المسلمين والمشركين، قال رسول الله ﷺ : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم». واستشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة، وقتل من المشركين أربعة. التفسير والبيان: تضمنت الآيات في مجال التذكير بنعمة الله وإحسانه إلى عباده المؤمنين بنصرهم في غزوة الخندق موضوعات خمسة: هي وصف الغزوة (الآيات: ٩ - ١١) وموقف المنافقين واليهود من المسلمين (الآيات: ١٢ - ٢١) وموقف المؤمنين في التضحية والفداء (الآيات: ٢٢ - ٢٤) ونصر المؤمنين وهزيمة الكافرين (الآية: ٢٥) وتأديب يهود بني قريظة (الآيتان: ٢٦ - ٢٧).
следующие страницы →