﴿وَقَذَفَ﴾ ألقى ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الشديد ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ منهم وهم المقاتلة ﴿وَتَأْسِرُونَ﴾ فريقا منهم وهم الذراري: أي النساء والأطفال. ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ بعد، وهي خيبر، أخذت بعد قريظة.
سبب النزول:
نزول الآية (٩):
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾:
أخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعودا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخاف على ذرارينا، وما أتت قط علينا ليلة أشد ظلمة، ولا أشد ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون، إذ استقبلنا النبي ﷺ رجلا رجلا حتى أتى علي، فقال:
ائتني بخبر القوم، فجئت، فإذا الريح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو الله، إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم، وهم يقولون: الرحيل الرحيل، فجئت، فأخبرته خبر القوم، وأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ الآية.
نزول الآية (١٢):
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ﴾:
أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عمرو المزني قال: خطّ رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب، فأخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فأخذ رسول الله ﷺ المعول، فضربها ضربة، صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتي المدينة (١)، فكبّر، وكبّر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبّر
стр. 6407
وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبّر، وكبّر المسلمون، فسئل عن ذلك، فقال: ضربت الأولى، فأضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم، ثم ضربت الثانية، فأضاءت لي قصور الحمر من أرض الروم، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة، فأضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ ويحدّثكم، يمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق (١)، لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾.
نزول الآية (٢٣):
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾:
أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أنس قال:
غاب عمي أنس بن النضر عن بدر، فكبر عليه، فقال: أول مشهد قد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرينّ الله ما أصنع، فشهد يوم أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بالتقوى بحيث لا يبقى في نفس المؤمن خوف من أحد، ذكر مثالا واقعيا من وقعة الأحزاب، حيث تجمع المشركون من قريش ومن عاونوهم من اليهود والأحباش عشرة آلاف حول المدينة بقصد القضاء على
стр. 6408
النبي وصحبه، فدفع الله القوم عن المؤمنين من غير قتال وآمنهم من الخوف، مما يدل على أنه لا يخاف العبد غير ربه، فإنه القادر على كل ممكن، الكاف أمره.
أضواء من السيرة على غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق:
في شوال من السنة الخامسة للهجرة اجتمع حول المدينة عشرة آلاف، أو اثنا عشر ألفا، أو خمسة عشر ألفا من الكفار الوثنيين وأهل الكتاب، للقضاء على النبي ﷺ ، وكان المشركون من قريش والأحباش في أربعة آلاف بقيادة أبي سفيان، وبني أسد بقيادة طليحة، وغطفان في ستة آلاف بزعامة عيينة بن حصن، وبني عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وسليم يقودهم أبو الأعود، وكان يهود بني النضير برئاسة حيي بن أخطب وابني أبي الحقيق، ويهود بني قريظة وسيدهم كعب بن أسد الذي كان بينه وبين الرسول ﷺ عهد، فنبذه بسعي حيي بن أخطب.
وكان سبب الوقعة اليهود، فقد خرج نفر من بني النضير وبني قريظة، فقدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا لهم: إن دينكم خير من دينه، ثم جاؤوا غطفان وقيسا وعيلان وبني مرة وأشجع، فدعوهم إلى الحرب في المدينة، فتوافق المعسكران: الوثني والكتابي على تكوين جيش موحد بقيادة أبي سفيان، فنزلوا أمام المدينة.
وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون في ثلاثة آلاف، حتى نزلوا بظهر سلع.
ولما سمع الرسول ﷺ بمسير فئات الأحزاب، أمر بحفر خندق حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وعمل في حفره الرسول ﷺ والمسلمون، في السهل الواقع شمال غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو، وأما الجوانب الأخرى فكانت محصنة بالجبال. وبلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه سبعة أذرع إلى عشرة، وعرضه تسعة فأكثر.
стр. 6409
فلما رأى المشركون وأحزابهم الخندق قالوا: والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، فوقعت مصادمات، وحاول بعض المشركين اقتحام الخندق، فرمي بالحجارة، واقتحمه بعضهم بفرسه فهلك أو قتل، منهم الفارس المشهور عمرو بن ودّ العامري الذي تبارز مع علي ﵁، فقتله، وفرّ صاحباه عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، ومن فوارسهم نوفل بن مغيرة. واستشهد سعد بن معاذ ﵁ في غزوة بني قريظة.
ثم وقعت مكيدة محكمة بين الأحزاب، فبينما رسول الله ﷺ وأصحابه في خوف وشدة، إذ جاءه نعيم بن مسعود الغطفاني، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ :
«إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة».
فأتى بني قريظة، وقال لهم: لا تحاربوا مع قريش وغطفان إلا إذا أخذتم منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم تقيّة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا؛ لأنهم رجعوا وسئموا حربه، وإنكم وحدكم لا تقدرون عليه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم أتى قريشا وغطفان، فقال لهم: إن اليهود يريدون أن يأخذوا منكم رهنا يدفعونها لمحمد، فيضرب أعناقهم، ويتّحدون معه على قتالكم؛ لأنهم ندموا على ما فعلوا من نقض العهد وتابوا.
ولما أراد أبو سفيان وقادة غطفان خوض معركة حاسمة مع المسلمين، تباطا اليهود، وطلبوا منهم رهائن من رجالهم، فامتنعوا وصدّقوا حديث نعيم بن مسعود، وتحقق اليهود من صدق حديث نعيم أيضا، فتخاذل اليهود والعرب، وتفرقت الكلمة.
ودب الضعف في الأحزاب، وزاد من قلقهم واضطرابهم أن أرسل الله عليهم
стр. 6410
ريحا شديدة البرد في ليلة شاتية، فأكفأت قدورهم، وطرحت آنيتهم.
فرجع أبو سفيان مع قريش إلى بلادهم، وتبعته غطفان، وأرسل رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان حتى يأتي بخبرهم، ومكث النبي ﷺ قائما يصلي، ودعا لحذيفة بالسلامة والحفظ حتى يعود، كما دعا رافعا يديه ويقول:
«يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همّي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي» فنزل جبريل وقال: إن الله قد سمع دعوتك، وكفاك هول عدوك، فخرّ رسول الله ﷺ على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه، وهو يقول: شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي.
وصدق الله إذ يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الأحزاب ٩/ ٣٣] ويقول: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ [الأحزاب ٢٥/ ٣٣].
وانتهت الحرب بين المسلمين والمشركين، قال رسول الله ﷺ : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم».
واستشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة، وقتل من المشركين أربعة.
التفسير والبيان:
تضمنت الآيات في مجال التذكير بنعمة الله وإحسانه إلى عباده المؤمنين بنصرهم في غزوة الخندق موضوعات خمسة: هي وصف الغزوة (الآيات:
٩ - ١١) وموقف المنافقين واليهود من المسلمين (الآيات: ١٢ - ٢١) وموقف المؤمنين في التضحية والفداء (الآيات: ٢٢ - ٢٤) ونصر المؤمنين وهزيمة الكافرين (الآية: ٢٥) وتأديب يهود بني قريظة (الآيتان: ٢٦ - ٢٧).
стр. 6411
أولا-وصف الغزوة:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أيها المؤمنون بالله ورسوله اذكروا بالشكر والحمد نعم الله التي أنعم بها عليكم حين وقعتم في حصار جنود وحشود هائلة من قريش وغطفان واليهود الذين جاؤوا لإبادتكم واستئصال شوكتكم وإنهاء وجودكم، فبعثنا عليهم ريحا باردة في ليلة شاتية، وملائكة لم تروها زلزلتهم وألقت الرعب في قلوبهم، فأكفأت القدور، وقلبت البيوت والأواني، حتى بادر رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان، النجاء النجاء، وقال طليحة بن خويلد الأسدي: إن محمدا قد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء، وقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (الخيول) والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله، وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
وكان الله مطلعا عليما على جميع أعمالكم من حفر الخندق ومقاساة الشدائد، والاستعداد للقتال، والتحرز من العدو، وهو يجازيكم عليها، ولا يبخس منها شيئا.
ثم ذكّرهم بإحكام حصار الأحزاب عليهم، فقال:
﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي واذكروا حين جاءتكم الأحزاب من أعلى الوادي من جهة المشرق، ومن أسفل الوادي من جهة المغرب، الأولون من قريش والأحباش وبني كنانة وأهل تهامة، والآخرون من بني قريظة، كما ذكر حذيفة. وقيل: الأولون من أهل نجد وبني أسد
стр. 6412
وبني نصر، والآخرون: من قريش، وأما يهود بني قريظة فمن وجه الخندق.
﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ أي وإذ مالت الأبصار عن سننها، فلم تلتفت إلى العدو لكثرته، وبلغت القلوب الحناجر كناية عن شدة الخوف والفزع، وتظنون مختلف الظنون، فمنكم مؤمن ثابت الإيمان لا يتزحزح عن موقفه، واثق بنصر الله وبوعده، ومنكم منافق مريض الاعتقاد، ظن أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وينتصر المشركون، ويسودون المدينة. قال الحسن البصري: ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون، وظن المؤمنون أنهم ينصرون.
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ، وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ أي حينئذ اختبر الله المؤمنين، فظهر المخلص من المنافق، وحركوا واضطربوا اضطرابا شديدا من الفزع وتهديد العدو، فمن ثبت منهم هم المؤمنون حقا، ومن استبد القلق بهم هم المنافقون.
والامتحان من الله ليس لاستبانة الأمر له، بل لحكمة أخرى، هي أن الله تعالى عالم بما هم عليه، لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الأنبياء والملائكة.
ثانيا-موقف اليهود والمنافقين من المسلمين:
ثم أعلن الله تعالى موقف المنافقين ومؤيديهم، فقال:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾ أي واذكروا حين قال المنافقون الذين أسلموا في الظاهر ولم تؤمن قلوبهم، وضعفاء العقيدة لحداثة عهدهم بالإسلام: ما وعدنا الله ورسوله من النصر على العدو إلا وعدا باطلا لا وجود ولا حقيقة له. والقائل: جماعة من اليهود والمنافقين نحو من سبعين رجلا، مثل معتّب بن قشير وطعمة بن أبيرق، فقال معتب حين رأى الأحزاب: يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن
стр. 6413
يتبرّز فرقا (خوفا) ما هذا إلا وعد غرور (١). وأما مريض الاعتقاد فتحدث بما توسوس به نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال.
﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ: يا أَهْلَ يَثْرِبَ، لا مُقامَ لَكُمْ، فَارْجِعُوا﴾ أي واذكروا أيضا حين قالت طائفة من المنافقين، وهم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه، أو عبد الله بن أبيّ وأصحابه: يا أهل المدينة، لا وجه لإقامتكم مع محمد وعسكره، ولا مسوغ لها مع هذه الحال من الذل والهوان، ولا قرار لكم هاهنا ولا مكان تقيمون فيه، فارجعوا إلى بيوتكم ومنازلكم في المدينة، لتسلموا من القتل والفناء. ويثرب: اسم للبقعة التي هي المدينة أو طيبة أو طابة. والطائفة:
تطلق على الواحد فأكثر.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ أي وبسبب إشاعة الفتنة وبثّ روح الضعف عزم جماعة من المنافقين على الرجوع وهم بنو حارثة بن الحارث، وطلبوا الإذن من النبي ﷺ في العودة إلى بيوتهم وترك القتال قائلين: إن بيوتنا سائبة ضائعة ليست بحصينة، أي فيها خلل يخاف منه دخول العدو والسارق ليأخذ المتاع ويفزع النساء والأولاد، فكذبهم الله بقوله: ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي ليس فيها خلل أو ثغرة، بل هي حصينة وليست كما يزعمون، وإنما قصدهم الفرار بسبب الخوف، والهرب من الزحف مع جيش المؤمنين الصادقين.
ثم بيّن الله تعالى مدى ضعف الإيمان ورقّته في قلوبهم وأن ذلك الفرار ليس لحفظ البيوت، فقال:
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها، وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً﴾ أي ولو دخل الأعداء عليهم من كل جانب من جوانب المدينة، أو
стр. 6414
البيوت، ثم طلب منهم الردة والعودة صراحة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، لجاؤوها أو لأعطوها من أنفسهم ولفعلوا ذلك سريعا، ولم يحافظوا على الإيمان ولم يستمسكوا به، وما مكثوا في استجابتهم وعطائهم ما طلب منهم إلا زمنا يسيرا من أدنى خوف وفزع، وهو مقدار ما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو ما تلبثوا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا.
وهذا دليل واضح على ضعف الإيمان في نفوسهم، فلا عجب إذا بادروا إلى التراجع والتسلل من المعركة. وهذه سمة المترددين الجبناء الذين اعتادوا على الهرب من مواقف الصمود ولقاء الشجعان، لذا قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ، وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ أي ولقد كان هؤلاء وهم بنو حارثة عاهدوا الله يوم أحد من قبل هذا الخوف ألا يولوا الأدبار، ولا يفرون من الزحف، ثم تابوا وعاهدوا الله ألا يعودوا لمثل ذلك. ثم هددهم تعالى وأوعدهم بقوله: ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ أي إن الله سيسألهم عن ذلك العهد والوفاء به يوم القيامة، ويجازيهم على نقضه وخيانة رسول الله ﷺ ، وذلك أمر لا بدّ منه. وقوله: ﴿مَسْؤُلاً﴾ معناه:
مطلوبا مقتضى حتى يوفى به.
ثم بيّن الله تعالى لهم عدم جدوى فعلهم، ووبخهم، فقال:
﴿قُلْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي أخبرهم أيها الرسول أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطوّل أعمارهم، فلن ينفعهم الهرب من لقاء الموت أو القتل في ميدان المعركة، فإن المقدّر كائن لا محالة، وربما كان فرارهم سببا في تعجيل أخذهم غرّة، وإذا ظلوا أحياء ونفعهم الفرار ونجوا من الموت كما يظنون، لم يكن تمتعهم بالتأخير بمتاع الدنيا بعد هربهم وفرارهم إلا تمتيعا قليلا أو زمانا يسيرا:
стр. 6415
﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ [النساء ٧٧/ ٤]. قال الربيع بن خيثمة: وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن فررتم من الموت أو القتل لا ينفعكم الفرار؛ لأن مجيء الأجل لا بدّ منه.
ثم أبان الله تعالى ما تقدم معرّفا لهم قدرته الكاملة عليهم، فقال:
﴿قُلْ: مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ أي وقل لهم أيضا أيها الرسول: لا أحد يستطيع أن يمنعكم من مراد الله بكم، أو دفع السوء عنكم إذا قدره الله عليكم، أو تحقيق النفع والخير إذا أراده لكم. وقوله:
﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ معناه: أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. وقوله: ﴿سُوءاً﴾ أي هلاكا، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ أي خيرا ونصرا وعافية.
وأكد هذا بقوله:
﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ أي ولا يجد هؤلاء المنافقون ومؤيدوهم من ضعفاء العقيدة ولا غيرهم مجيرا ولا مغيثا ولا نصيرا ينصرهم أو يشفع لهم.
ثم حذرهم بدوام علمه بالخائنين، فقال:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ: هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ قد: هنا للتحقيق وليس للتقليل، والمعنى: إن الله ليعلم علما محيطا شاملا الذين يثبطون المسلمين عن شهود الحرب، تخذيلا ونفاقا، ويعلم القائلين لأصحابهم وخلطائهم من أهل المدينة: تعالوا إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وقرّبوا أنفسكم إلينا، واتركوا محمدا والحرب معه. وهلّم: لغة أهل الحجاز، يسوّون فيه بين الواحد والجماعة، وأما تميم فيقولون: هلم يا رجل، وهلموا يا رجال، وهلمن يا نساء. والذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتا، وإنما هو مركب مختلف في
стр. 6416
أصل تركيبه، فقيل: هو مركب من ها التي للتنبيه ولم، وهو مذهب البصريين، وقيل: من هل وأم، وهو متعد ولازم، فالمتعدي كقوله: ﴿قُلْ:﴾
﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام ١٥٠/ ٦] أي أحضروا شهداءكم، واللازم كقوله: هلم إلينا، وأقبلوا إلينا، وقوله: ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ﴾ إما المنافقون قالوا للمسلمين:
ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس (١)، وهو هالك ومن معه، فهلم إلينا، وإما يهود بني قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين: تعالوا إلينا وفارقوا محمدا، فإنه هالك، وإن أبا سفيان إن ظفر لم يبق منكم أحدا. وإما رجل من أصحاب النبي ﷺ قال لشقيقه في قلب المعركة: هلم إلي، قد تبع بك وبصاحبك، أي قد أحيط بك وبصاحبك.
﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ولا يأتي المنافقون القتال إلا زمنا قليلا أو شيئا قليلا إذا اضطروا إليه، خوفا من الموت، كقوله تعالى: ﴿ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب ٢٠/ ٣٣].
ثم ذكر الله تعالى صفات أخرى لهم، فقال:
١ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ هذه صفة البخل، أي بخلاء بأنفسهم وأحوالهم وأموالهم، فلا يعاونونكم في الحرب بنفس ولا بمال ولا بمودة وشفقة، وكذا عند قسمة الغنيمة. وأشحة: جمع شحيح على غير القياس، والقياس: أشحاء، مثل خليل وأخلاء. والصواب: أن يعم شحهم كل ما فيه منفعة المؤمنين.
٢ - ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ وهذه صفة الجبن والخوف، والبخل شبيه الجبن، فلما ذكر البخل بيّن سببه وهو الجبن، والمعنى: فإذا بدأ حدوث الخوف ببدء المعركة والقتال،
стр. 6417
رأيتهم ينظرون إليك أيها النبي في تلك الحالة، كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخورا وضعفا، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال.
٣ - ﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ وهذه صفة سلاطة اللسان والإيذاء بالكلام والتفاخر الكاذب، والمعنى: فإذا تحقق الأمن غلبوكم باللسان وآذوكم بالكلام، وتفاخروا بأنهم أهل النجدة والشجاعة، وهم في ذلك كاذبون.
وسبب هذه الصفة، كما قال تعالى:
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي وهم مع ذلك ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم قليلو الخير في الحالتين، كثيرو الشر في الوقتين، يبخلون أولا وآخرا، أي أنهم حين البأس جبناء، وحين الغنيمة بخلاء، قال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوؤه مقاسمة، يقولون: أعطونا أعطونا، قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق.
ثم ذكر الله تعالى سبب مرضهم وجميع صفاتهم وهو ضعف الثقة بالله، فقال:
﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ أي إن أولئك المنافقين هم في الواقع غير مصدقين بالله ورسوله، ولم يؤمنوا حقيقة، وإن أظهروا الإيمان لفظا، فأبطل الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين، وكان ذلك الإحباط سهلا هينا عند الله، بمقتضى عدله وحكمته.
وتساءل الزمخشري بقوله: هل يثبت للمنافق عمل، حتى يرد عليه الإحباط؟ فأجاب: لا، ولكنه تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم يواطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجزى عليه، فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن كل عمل يوجد منه باطل (١).
стр. 6418
ثم ذكر الله تعالى أن صفاتهم القبيحة في الجبن والبخل والخوف ملازمة لهم على الدوام، وليست مجرد أمر عارض مؤقت، فقال:
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أي يظنون من شدة الخوف والفزع أن أحزاب الكفر من قريش وغطفان وبني قريظة لم يرحلوا ولم ينهزموا، وأن لهم عودة إلى الحصار والحرب؛ فكأنهم عند حضورهم غائبون عن الساحة حيث لا يقاتلون، مع أن الأحزاب رحلوا وانهزموا ولن يعودوا.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ، يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ أي وإن يعد الأحزاب إلى قتالكم، يتمنوا أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة وبين المقاتلين، بل يكونون في البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم للشماتة بكم، وانتظار وقوع السوء بكم، وجبنا وخورا في العزائم.
﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ أي ولو كان هؤلاء المنافقون معكم في ساحة المعركة لما قاتلوا إلا قتالا يسيرا وزمنا قليلا، لاستيلاء الجبن والضعف عليهم.
ثم لفت نظرهم ونظر غيرهم إلى ضرورة التأسي بالقائد رسول الله ﷺ ، فقال:
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ هذا أمر من الله تعالى بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب وغيره في أقواله وأفعاله وأحواله، وصبره ومصابرته ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه ، والمعنى: لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة صالحة ومثل أعلى يحتذي به، فهلا اقتديتم وتأسيتم بشمائله ﷺ ، فهو مثل أعلى في الشجاعة والإقدام والصبر والمجالدة، إذا كنتم تريدون ثواب الله وفضله، وتخشون الله وحسابه،
стр. 6419
وتذكرونه ذكرا كثيرا في الليل والنهار، حبا به وتعظيما له، وخوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه وجزائه، فإن ذكره دافع إلى طاعته، والتأسي برسوله.
وهذا عتاب للمتخلفين، وإرشاد للناس جميعا أن يتأسوا برسول الله ﷺ في السراء والضراء وحين البأس ولقاء الشجعان ونزال الأبطال.
ثالثا-موقف المؤمنين:
ثم بعد بيان حال المنافقين أبان الله تعالى حال المؤمنين عند لقاء الأعداء، فقال:
﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾ أي ولما شاهد المؤمنون المصدقون بموعود الله لهم، المخلصون في القول والعمل الأحزاب المتجمعة حول المدينة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار بمجابهة الأعداء ثم النصر القريب، وصدق الله ورسوله الوعد بالنصر، وما زادهم تجمع الأعداء وتلك الحال من الشدة والضيق إلا إيمانا بالله، وتصديقا لرسوله ﷺ ، وتسليما لقضائه وقدره وانقيادا لأوامره وطاعة رسوله ﷺ ، واعتقادا جازما أن النصر من عند الله تعالى بعد أن يتخذ العباد الأسباب، ويستعدوا للحرب، ويقاتلوا فعلا؛ لأن الجهاد تكليف من الله لعباده، وتعطيل التكليف معصية، ومجرد الاعتماد على قدرة الله وإمداده بالعون والنصر دون عمل من عباده: سوء فهم وجهل وتمنيات شيطانية خادعة.
والتحذير من هذه المفاهيم المخطئة متكرر في القرآن، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ، وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤/ ٢] وقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢/ ٢٩].
стр. 6420
وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: «إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا» أي في آخر تسع ليال أو عشر.
وقال ﷺ أيضا: «سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم».
وفي الآية دلالة على وجوب الثقة بوعد الله ورسوله، وقوله تعالى:
﴿وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾ دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص.
وبعد بيان حال المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف الله تعالى المؤمنين الذين استمروا على العهد والميثاق، فوفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت، فقال:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ أي وهناك في مقابلة المنافقين جماعة من المؤمنين المخلصين الصادقين، صدقوا العهد مع الله، ووفوا بما عاهدوا عليه من الصبر في حال الشدة والبأس، فمنهم من انتهى أجله واستشهد كيوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر قضاء الله والشهادة وفاء بالعهد، وما بدلوا عهدهم وما غيّروه، بخلاف المنافقين الذين قالوا: لا نولي الأدبار، فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
وقوله: ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ معناه قاتل فوفى بنذره، والنحب: النذر.
روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ﵁: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾.
وروى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: «غاب عمي أنس بن النضر عن بدر، فشقّ عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرينّ الله عز وجل
стр. 6421
ما أصنع، قال أنس: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ ﵁، فقال له أنس ﵁:
يا أبا عمرو، أين؟ واها لريح الجنة، إني لأجده دون أحد، فقاتلهم حتى قتل ﵁. فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فنزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ الآية.
وذكر في الكشاف: نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله ﷺ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير وغيرهم ﵃.
ثم ذكر تعالى علة ابتلاء المؤمنين وغيرهم وإيلامهم في الحرب، فقال:
﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي إنما يختبر الله عباده بالخوف ولقاء الأعداء ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر كل واحد منهما بالفعل، ويكافئ الصادقين في إيمانهم بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه، وصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا وعودهم، ويعذب المنافقين الذين كذبوا ونقضوا العهد وأخلفوا أوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه.
والكل تحت مشيئة الله في الدنيا، إن شاء بقوا على ما هم عليه حتى يلقوه، فيعذبهم، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى الإقلاع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، أي إن الهداية إلى الإيمان والتوبة بمراد الله ومشيئته.
ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال:
стр. 6422
﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ حيث ستر ذنوبهم، ورحمهم ورزقهم الإيمان ووفقهم إلى التوبة، ولا يعاقبهم على ما مضى بعد التوبة. وهذا حث على التوبة والإيمان قبل فوات الأوان.
ونظير الآية كثير، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧] وقوله : ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران ١٧٩/ ٣].
رابعا-نهاية المعركة أو الإجلاء:
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ أي إن الله تعالى أجلى الأحزاب عن المدينة، وردهم خائبين خاسرين مع غيظهم، لم يشفوا صدرا، ولم يحققوا أمرا، ولم ينالوا أي خير من غنيمة أو أسر أو نصر حاسم، بما أرسل عليهم من الريح الباردة والجنود الإلهية، فتفرقت جموعهم، وتشتت شملهم، ولم يحققوا خيرا لأنفسهم، لا في الدنيا من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة من الآثام في إعلان عداوتهم للرسول ﷺ ومبارزته، وهمهم بقتله، واستئصال زمرته وجيشه، ومن همّ بشيء، وبدأ بتنفيذ همه بالفعل، فهو في الحقيقة كالفاعل.
وكفى الله المؤمنين القتال، أي لم يحوجهم إلى قتال ومبارزة حتى يجلوا عن بلادهم، بل كفى الله وحده شرهم، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولهذا
كان رسول الله ﷺ -فيما أخرجه الشيخان-يقول: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده».
وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: «دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: اللهم منزّل الكتاب، سريع الحساب،
стр. 6423
اهزم الأحزاب؛ اللهم اهزمهم وزلزلهم».
وقال محمد بن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» فلم تغز قريش بعد ذلك، بل غزاهم رسول الله ﷺ بعد ذلك، حتى فتح الله تعالى مكة.
وكان الله قويا عزيزا، أي غير محتاج إلى قتالهم، قادرا على استئصال الكفار وإذلالهم، ردهم بحوله وقوته خائبين، لم ينالوا خيرا، وأعز الله الإسلام وأهله.
خامسا-حصار بني قريظة:
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ أي وأنزل الله يهود بني قريظة الذين هم من أهل الكتاب والذين عاونوا الأحزاب من حصونهم وقلاعهم.
وذلك لأنهم بمسعى حيي بن أخطب النضيري نقضوا عهدهم الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ إذ لم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعزّ الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدا وأصحابه، فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حيي، إنك مشؤوم، فدعنا منك، فلم يزل يفتل له في الذروة والغارب (أي يخادعه) حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون أسوتهم.
فلما أيد الله تعالى رسوله والمسلمين، وكبت أعداءهم، وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجعوا إلى المدينة،
أرسل الله جبريل ﵇، فأوحى إلى
стр. 6424
رسول الله ﷺ قائلا: «إن الله ﵎ يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة» فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال ﷺ فيما رواه الشيخان: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فسار الناس، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنّف واحدا من الفريقين.
وتبعهم رسول الله ﷺ ، وقد استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم ﵁، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ﵁، ثم نازلهم رسول الله ﷺ ، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية.
فلما جاء سعد
قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم» فقام إليه المسلمون إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله ﷺ : «إن هؤلاء-وأشار إليهم-قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت».
فقال ﵁: وحكمي نافذ عليهم؟ قال ﷺ : «نعم» قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: «نعم» قال: وعلى من هاهنا؟ وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله ﷺ ، وهو معرض بوجهه عن رسول الله ﷺ إجلالا وإكراما وإعظاما، فقال له رسول الله ﷺ : «نعم».
فقال ﵁: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم وأموالهم، فقال له رسول الله ﷺ : «لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة
стр. 6425
أرقعة» أي سبع سموات. أو «لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى وحكم رسوله».
ثم أمر رسول الله ﷺ بالأخاديد، فخدّت في الأرض، وجيء بهم مكتّفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبع مائة إلى الثمان مائة، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء، وأموالهم، لذا قال تعالى:
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرِيقاً تَقْتُلُونَ، وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ أي وألقى في نفوسهم الخوف الشديد، لممالأتهم المشركين على حرب النبي ﷺ ، وإخافتهم المسلمين، وقصدهم قتلهم، فانعكس الحال عليهم، وأسلموا أنفسهم للقتل، وأولادهم ونساءهم للسبي، فريقا تقتلون، وهم الرجال المقاتلة، وتأسرون فريقا، وهم النساء والصبيان.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها، وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي جعل الله لكم أراضيهم المزروعة ومنازلهم المعمورة وأموالهم المدخرة، وأرضا أخرى لم تطأها أقدامكم بعد وهي التي ستفتح في المستقبل، بعد بني قريظة، مثل خيبر ومكة وبلاد فارس والروم.
وكان الله صاحب القدرة المطلقة على كل شيء، فهو كما ورّثكم أرض بني قريظة، ونصركم عليهم، قادر على أن يورثكم غير ذلك، وينصركم على أقوام آخرين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت هذه الآيات إلى الأحكام والمبادئ التالية:
١ - إن النصر الحاسم للمسلمين على المشركين في غزوة الخندق والأحزاب، وعلى يهود بني قريظة ناقضي العهد نعمة عظمي تستوجب الشكر والحمد لله تعالى؛ لأنه نصر دبره الله بإرسال الريح والملائكة، وقد صدقت فيه
стр. 6426
عزيمة المؤمنين على خوض المعركة، والدفاع عن مدينتهم عاصمة الإسلام.
٢ - إن السلطان يشاور أصحابه وخاصته في أمر القتال؛ لأنه لما سمع رسول الله ﷺ باجتماع الأحزاب وخروجهم إلى المدينة، شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، فرضي رأيه، وقال المهاجرون يومئذ: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا،
فقال رسول الله ﷺ : «سلمان منا آل البيت». وكان الخندق أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ ، وهو يومئذ حرّ، فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا؛ فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين.
وفي هذا الخبر أيضا وجوب التحصن من العدوّ بما أمكن من الأسباب، وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوما على الناس؛ فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ، فالمسلمون يد على من سواهم.
أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عنّي الغبار جلد بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة ويقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا... ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا... وثبّت الأقدام إن لاقينا
٣ - دلت أخبار السيرة السالفة الذكر ورواية النسائي عن البراء وغيره أن رسول الله ﷺ ضرب صخرة أثناء حفر الخندق ضربات ثلاثا، أضاءت له الضربة الأولى مدائن كسرى وما حولها، وأنارت له الثانية مدائن قيصر وما حولها، وأبدت له الثالثة مدائن الحبشة وما حولها، ورأى سلمان بعينه ذلك، وتلك معجزة لرسول الله ﷺ بشّر بها بفتح هذه البلاد،
وقال عند ذلك فيما رواه مالك: «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم».
стр. 6427
٤ - أعلن بنو قريظة بتواطئهم مع الأحزاب من قريش وغطفان نقضهم العهد مع الرسول ﷺ ،
فقال لهم الرسول: «نقضتم العهد يا إخوة القرود، أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته» وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى أموالهم وذراريهم. وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من الهجرة.
٥ - كان تجمع الأحزاب على المدينة وحصارها مثار قلق واضطراب، ومبعث بلاء وشدة خوف، فانتابتهم الظنون، وأظهر المنافقون كثيرا مما يسرّون، فمنهم من قال: إن بيوتنا عورة، فلننصرف إليها، فإنا نخاف عليها، وممن قال ذلك: أوس بن قيظي. ومنهم من قال: يعدنا محمد أن يفتح كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط! وممن قال ذلك: معتّب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف.
فأقام المشركون في حصارهم المدينة بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، لم يكن بينهم وبين المسلمين إلا الرمي بالنّبل والحصى،
فلما رأى رسول الله ﷺ أنه اشتد على المسلمين البلاء، بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري، وإلى الحارث بن عمرو المرّي، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان، ويخذلا قريشا ويرجعا بقومهما عنهم. وكان ذلك مراوضة ولم تكن عقدا. فلما وافقا استشار النبي ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم!! فسرّ رسول الله ﷺ بذلك، وقال: «أنتم وذاك».
стр. 6428
وقال لعيينة والحارث: «انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف». وتناول سعد الصحيفة، وليس فيها شهادة، فمحاها.
٦ - اختراق الخندق: اخترق فوارس من قريش الخندق، منهم عمرو بن ودّ العامري من بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخطاب الفهريّ، حتى صاروا بين الخندق وبين سلع،
وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثّغرة التي اقتحموا منها، وأقبلت الفرسان نحوهم، فنادى عمرو: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب وقال له: يا عمرو، إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تدعى إلى إحدى خلّتين إلا أخذت إحداهما؟ قال: نعم. قال: فإني أدعوك إلى الله والإسلام. قال:
لا حاجة لي بذلك. قال: فأدعوك إلى البراز. قال: يا ابن أخي، والله، ما أحبّ أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك. فقال له علي: أنا والله أحبّ أن أقتلك، فحمي عمرو ونزل عن فرسه، فعقره، وصار نحو علي، فتنازلا وتجاولا، حتى رئي علي على صدر عمرو يقطع رأسه، فلما رأى أصحابه أنه قد قتله علي، اقتحموا بخيلهم الثّغرة منهزمين هاربين.
ورمي يومئذ سعد بن معاذ، فقطع منه الأكحل (١)، ومات شهيدا في غزوة بني قريظة، وهو الذي
قال فيه النبي ﷺ : «اهتز لموته عرش الرحمن» يعني سكان العرش من الملائكة فرحوا بقدوم روحه، واهتزوا له.
٧ - مشروعية الخدعة في الحرب، لما فعل نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي الذي استطاع بدهائه وحيلته بذر بذور الفرقة بين العرب وبين اليهود، ونجح في خدعته، كما تقدم بيانه.
٨ - الاجتهاد جائز، سواء أصاب المجتهد أو أخطأ، فقد أقرّ النبي ﷺ كلاّ
стр. 6429
من الفريقين: الذي صلى العصر في الطريق إلى بني قريظة، والذي أخّر الصلاة حتى فات وقتها، عملا
بقول النبي ﷺ : «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلّي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ ، وإن فاتنا الوقت، فما عنف واحدا من الفريقين. وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين.
٩ -
قسم ﷺ أموال بني قريظة، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، قيل: وهي أول غنيمة قسّم فيها للفارس والراجل، وأول غنيمة جعل فيها الخمس. وفي قول آخر: إن أول ذلك كان في بعث عبد الله بن جحش. ووفّق ابن عبد البر بين القولين: أن تكون غنيمة قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال ٤١/ ٨]. وكان عبد الله بن جحش قد خمّس قبل ذلك في بعثه، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله، وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه.
١٠ - أرسل الله على الأحزاب ريح الصّبا يوم الخندق، حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم، وأنزل الملائكة لتفريق الجموع، ولم تقاتل يومئذ،
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد والشيخان: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». وكانت هذه الريح معجزة للنبي ﷺ ، وكان المسلمون قريبا منها، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها، ولا خبر عندهم بها.
قال المفسرون: بعث الله تعالى الملائكة، فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرّعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر؛ حتى كان سيّد كل خباء يقول: يا بني فلان هلمّ إلي، فإذا اجتمعوا قال لهم: النّجاء النّجاء، لما بعث الله تعالى عليهم من الرّعب.
стр. 6430
١١ - لن يمنع حذر من قدر، فمن حضر أجله، مات أو قتل، ولا ينفعه الفرار، ويكون تمتعه في الدنيا بعد الفرار إلى انقضاء الأجل زمنا قليلا، وكل ما هو آت فقريب.
١٢ - للمنافقين خصال اجتماعية وشخصية قبيحة ومذمومة، فهم بخلاء على المسلمين فيما يحقق المصلحة العامة، بخلاء بأنفسهم وأحوالهم وأموالهم، جبناء يخافون من لقاء الشجعان، سليطو اللسان يؤذون غيرهم بالكلام يتفاخرون بما هو كذب وزور، والحقيقة أنهم كفرة، لم يؤمنوا بقلوبهم، وإن كان ظاهرهم الإسلام، لوصف الله لهم بالكفر في قوله: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ وهم كغيرهم من الكفار حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا ثواب لهم؛ إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها، وإحباط أعمالهم على الله هيّن يسير.
ولجبنهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا، وكانوا قد انصرفوا، وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال، يتمنوا أن يكونوا مع أعراب البادية، حذرا من القتل.
وانتظارا لإحاطة السوء والهلاك بالمسلمين، يتساءلون ويتحدثون: أما هلك محمد وأصحابه! أما غلب أبو سفيان وأحزابه! ولو كانوا في ميدان المعركة ما قاتلوا إلا رياء وسمعة.
١٣ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية عتاب للمتخلفين عن القتال، معناه: كان لكم قدوة في النبي ﷺ حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق، والتأسي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر، ويرجو لقاء الله بإيمانه، ويصدّق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال، ويذكر الله ذكرا كثيرا، خوفا من عقابه، ورجاء لثوابه.
وهل التأسي بالرسول ﷺ على سبيل الإيجاب أو الاستحباب! قولان:
أحدهما-على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب.
стр. 6431
الثاني-على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب.
قال القرطبي: ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا.
١٤ - موقف المؤمنين نقيض موقف المنافقين، فهم مصدقون واثقون بوعد الله ورسوله ﷺ ، ولم تزدهم المحنة والابتلاء والنظر إلى الأحزاب إلا إيمانا بالله وتسليما للقضاء.
١٥ - التجسس على الأعداء أمر جائز شرعا،
فقد أمر النبي ﷺ حذيفة بن اليمان بأن يتعرف أخبار الأحزاب وانصرافهم عن المدينة، قائلا له: «انطلق حتى تدخل في القوم، فتسمع كلامهم، وتأتيني بخبرهم، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تردّه إلي، انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني».
والدعاء لله تعالى مطلوب في أي وقت ولأي حاجة، وبخاصة وقت الشدة،
فقد انطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله ﷺ يده يقول: «يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همّي وغمّي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي».
فنزل جبريل وقال: «إن الله قد سمع دعوتك، وكفاك هول عدوك» فخرّ رسول الله ﷺ على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه، وهو يقول:
«شكرا شكرا كما رحمتني، ورحمت أصحابي». وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل عليهم ريحا؛ فبشر أصحابه بذلك.
١٦ - تتلاحق مواكب الشهداء وتتوالى على درب الجهاد في سبيل الله، فمنهم من يستشهد في معركة، ومنهم من ينتظر أجله في معركة أخرى، وهذا أمارة الخير، ودليل على استدامة الكفاح والإخلاص جيلا بعد جيل.
стр. 6432
١٧ - أمر الله بالجهاد ليجزي الصادقين في الآخرة بصدقهم، ويعذب في الآخرة المنافقين، وذلك بمشيئة الله، فإن شاء أن يعذبهم لم يوفقهم للتوبة؛ وإن لم يشأ أن يعذبهم تاب عليهم قبل الموت.
١٨ - كانت الهزيمة الساحقة في غزوة الخندق لجيوش الأحزاب، إذ ردّ الله أولئك الكفار إلى ديارهم، فرجع أبو سفيان إلى تهامة، ورجع عيينة بن بدر إلى نجد، ونصر الله جيش الإيمان بغير قتال كبير، بأن أرسل على الأحزاب ريحا وجنودا، حتى رجعوا، ورجعت بنو قريظة إلى حصونهم أو قلاعهم، فكفى أمر قريظة بالرعب، وكان الله قويا أمره، عزيزا لا يغلب.
١٩ - وهزم بنو قريظة هزيمة نكراء بعد أن عاونوا الأحزاب: قريشا وغطفان، وأنزلوا من حصونهم، وشاع الذعر والهلع في صفوفهم، وكان مصيرهم قتل رجالهم، وأسر نسائهم وأطفالهم، وتوريث المسلمين أراضيهم وبساتينهم ومنازلهم وأموالهم المدخرة.
وبشر الله المؤمنين بأنهم سيرثون بلاد فارس والروم، وكل أرض تفتح إلى يوم القيامة، والله على ما أراد أن يفتحه من الحصون والقرى قدير، وعلى ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير، لا ترد قدرته، ولا يجوز عليه العجز بحال.
تخيير زوجات النبي ﷺ بين الدنيا والآخرة
ومقدار ثوابهن وعقابهن ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠)﴾
стр. 6433
الإعراب:
﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أصله من العلو، إلا أنه كثر استعماله في معنى «انزل» فيقال للمتعالي: تعال، أي انزل.
البلاغة:
﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة أي الطباق بين جملتين.
المفردات اللغوية:
﴿لِأَزْواجِكَ﴾ هن تسع، وطلبن منه من زينة الدنيا ما ليس عنده. ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ السعة والتنعم فيها. ﴿وَزِينَتَها﴾ زخارفها. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطكن المتعة وهي متعة الطلاق وهي مال يعطى للمطلقة. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ أطلقكن من غير ضرار وبدعة، والتسريح: الطلاق، روي أنهن سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة، فنزلت، فبدأ بعائشة، فخيرها، فاختارت الله ورسوله ﷺ ، ثم اختارت الباقيات اختيارها، فشكر لهن الله ذلك، فأنزل ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب ٥٢/ ٣٣].
وتعليق التسريح بإرادتهن الدنيا يدل على أن المخيّرة إذا اختارت زوجها لم تطلق، خلافا لرواية عن علي، ويؤيده
قول عائشة: «خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعدّ طلاقا» فإذا اختارت نفسها فإنه طلقة رجعية عند الشافعية، وبائنة عند الحنفية. وتقديم التمتيع على التسريح:
من الكرم وحسن الخلق.
﴿وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ الجنة. ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ﴾ بإرادة الآخرة. ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ الجنة، يستحقر دونه الدنيا، ومن في قوله ﴿مِنْكُنَّ﴾ للتبيين؛ لأنهن كلهن كن محسنات.
﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كبيرة ظاهرة القبح كالنشوز. ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي مثلي عذاب غيرهن؛ لأن الذنب منهن أقبح، كما أن ثوابهن مرتان، كما قال تعالى: ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب ٣١/ ٣٣]. ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي ﷺ .
стр. 6434
سبب النزول:
نزول الآية (٢٨):
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾:
روى أحمد ومسلم والنسائي عن جابر ﵁ قال: «أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فلم يؤذن له، ثم أذن لهما، فدخلا، والنبي ﷺ جالس، وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمنّ النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد-امرأة عمر-سألتني النفقة آنفا، فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه، وقال: هن حولي يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقول: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه، حتى تستأمري أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا عليها: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآية.
قالت: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله ﷺ ، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال ﷺ : إن الله تعالى لم يبعثني معنّفا، ولكن بعثني معلّما ميسرا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها».
المناسبة:
لما نصر الله نبيه، وفرق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله، وقلن:
«يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، والإماء والخول (الخدم) ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق».
وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن.
стр. 6435
وأزواج النبي ﷺ إذ ذاك تسع: هن خمسة من قريش وهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأربعة من غير قريش: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة، وصفيّة بنت حييّ بن أخطب الخيبرية. فلما خيرهن رسول الله اخترن كلهن الله ورسوله ﷺ . هذا وجه تعلق الآيات بما قبلها. أما مناسبة هذه الآيات للسورة فهي أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى، وإلى هذا أشار ﷺ
بقوله فيما رواه البزار عن أبي رافع: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». فلما أرشد الله سبحانه نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب ١/ ٣٣] ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ بالزوجات، فإنهن أولى الناس بالشفقة، ولهذا قدمهن بالنفقة.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها، فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ يأمر الله تعالى رسوله ﷺ بتخيير نسائه بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة، والمعنى: يا أيها الرسول قل لأزواجك:
اخترن لأنفسكن إحدى حالين: إما المفارقة إن أحببتن وكان عظيم همكن التعمق في لذات الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها ونعيمها، وحينئذ أعطيكن متعة الطلاق المستحقة وهي مال يهدى للزوجة المطلقة تطييبا لخاطرها، وأطلقكن طلاقا لا ضرر فيه ولا بدعة، وإما الصبر على ما عندي من ضيق الحال، وهو المذكور في الآية التالية.
أما متعة الطلاق: فهي كسوة أو هدية أو مال بحسب حال الزوج يسارا وإعسارا، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ،
стр. 6436
مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢] وأما الطلاق الذي لا ضرر فيه ولا بدعة: فهو ما يكون في حال الطهر مع استقبال العدة أي الابتداء بها، لا في الحيض؛ لقوله تعالى: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١/ ٦٥].
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ، فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي وإن أردتن رضا الله ورسوله وثواب الآخرة وهو الجنة، فإن الله أعدّ للمحسنة منكن ثوابا عظيما، تستحقر زينة الدنيا دونه. وهذا دليل على أن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة كان محسنا صالحا. وقوله: ﴿تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ فيه معنى الإيمان.
ولما خيرهن رسول الله ﷺ بين الدنيا والآخرة، اخترن جميعا الآخرة، فسرّ بذلك، وشكرهن الله على حسن اختيارهن، وكرّمهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ﴾ [الأحزاب ٥٢/ ٣٣] ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ [الأحزاب ٥٣/ ٣٣].
وزوجات النبي ﷺ اثنتا عشرة، وهن أمهات المؤمنين، ولم يتزوج إلا بكرا واحدة هي السيدة عائشة، وكان زواجه بالأخريات تأليفا للقلوب، ومن أجل نشر الدعوة الإسلامية، وبناء الدولة، ووحدة الكلمة، وهن (١):
١ - خديجة بنت خويلد: أول زوجاته، تزوجها بمكة، وعاشت مع النبي ﷺ بعد النبوة سبع سنين، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وسنّه ٥٤ عاما، وهي أول من آمن من النساء. وجميع أولاده منها غير إبراهيم.
٢ - سودة بنت زمعة بنت عبد شمس العامرية، دخل بها بمكة، وتوفيت بالمدينة.
стр. 6437
٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق، الصديقة بنت الصديق، العالمة الفقيهة راوية الحديث الكثير عن النبي ﷺ ، بنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وبقيت عنده تسع سنين، ومات رسول الله ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، ولم يتزوج بكرا غيرها.
٤ -
حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، تزوجها رسول الله ﷺ ، ثم طلّقها، فقال له جبريل: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة» فراجعها.
٥ - أم سلمة: تزوجها رسول الله ﷺ من ابنها سلمة على الصحيح، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية.
٦ - أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، تزوجها رسول الله ﷺ سنة سبع من الهجرة ودخل بها بعد الهجرة بسبع سنين وكان وكيله في زواجها عمرو بن أمية الضّمري، وقد أصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربع مائة دينار، لما مات زوجها.
٧ - زينب بنت جحش: تزوجها بأمر الله بعد طلاقها من زوجها أسامة بن زيد، لإبطال التبني وآثاره. وكان اسمها برّة، فسماها رسول الله ﷺ زينب.
٨ - زينب بنت خزيمة بن الحارث: تزوجها النبي ﷺ ، ثم ماتت بعد ثمانية أشهر، كانت تسمى في الجاهلية أمّ المساكين؛ لإطعامها إياهم.
٩ - صفية بنت حييّ بن أخطب الهارونية: تزوجها النبي ﷺ بعد أن أعتقها، وكانت من سبايا خيبر، اشتراها الرسول ﷺ من دحية الكلبي بسبعة أرؤس.
١٠ - ريحانة بنت زيد: تزوجها الرسول ﷺ سنة ست، وماتت إثر حجة
стр. 6438
الوداع، وكان زوجها قد قتل في الحرب، فتزوجها إكراما له ولأولاده.
١١ - جويرية بنت الحارث بنت أبي ضرار المصطلقيّة الخزاعية، من سبايا بني المصطلق، تزوجها في شعبان سنة ست، وكان اسمها برّة، فسماها رسول الله ﷺ جويرية.
١٢ - ميمونة بنت الحارث الهلالية آخر امرأة تزوجها.
هؤلاء المشهورات من أزواج النبي ﷺ ، وهن اللاتي دخل بهن، ﵅.
وله نساء تزوجهن ولم يدخل بهن، منهن الكلابية واسمها فاطمة أو عمرة وهي المستعيذة، وأسماء بنت النعمان بن الجون، وقتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس، وعددهن عشر، وكان له من السراري سرّيّتان: مارية القبطية وريحانة، وأما من خطبهن فلم يتم نكاحه معهن ومن وهبت له نفسها فعددهن تسع، كأم هانئ بنت أبي طالب.
وبعد أن خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وعظهن وهددهن بمضاعفة العذاب على المعصية فقال:
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ أي يا نساء النبي وأمهات المؤمنين من يرتكب منكن معصية كبيرة ظاهرة القبح كالنشوز وعقوق الزوج وسوء الخلق، يكون عقابها مضاعفا، لشرف منزلتكن، وفضل درجتكن، وتقدمكن على سائر النساء، فأنتن أهل بيت النبوة، وكان تضعيف العذاب لهن يسيرا هينا على الله الذي لا يحابي أحدا لأجل أحد.
قال أبو حيان: ولا يتوهم أن الفاحشة: الزنى؛ لعصمة رسول الله ﷺ من
стр. 6439
ذلك، ولأنه تعالى وصف الفاحشة بالتبيين، والزنى مما يتستر به، وينبغي حمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته. ولما كان مكانهن مهبط الوحي من الأوامر والنواهي، لزمهن بسبب ذلك، وكونهن تحت الرسول ﷺ أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - الآيات حث واضح على منع إيذاء النبي ﷺ أو مضايقته، ولو من أقرب الناس إليه، وفيها أدب عال لبيت النبوة الطاهر، وتسأم لمستوى الأنبياء، وترفع عن حطام الدنيا، وتربية لنساء النبي ﷺ على الزهد والعفة والخلق السامي، وإعظام الله ورسوله ﷺ .
قال العلماء: هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ.﴾. متصلة بما تقدم من المنع من إيذاء النبي ﷺ الذي كان قد تأذى ببعض الزوجات.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها.
أمر النبي ﷺ أن يخيّر نساءه فاخترنه. وجملة ذلك أن الله سبحانه خيّر النبي ﷺ بين أن يكون نبيا ملكا، وعرض عليه مفاتح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبيا مسكينا، فشاور جبريل، فأشار عليه بالمسكنة فاختارها؛ فلما اختارها-وهي أعلى المنزلتين-أمره الله أن يخير زوجاته، فربما كان فيهن من يكره المقام معه على الشدة تنزيها له.
٢ - القول الأصح في كيفية تخيير النبي ﷺ أزواجه أنه خيّرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية، أو الطلاق، فاخترن البقاء؛ لقول عائشة ﵂ لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، فقالت: قد خيّرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعدّه طلاقا، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق.
стр. 6440
وقيل: إنما خيّرهن بين الدنيا فيفارقهنّ، وبين الآخرة فيمسكهن، لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن، ولم يخيرهن في الطلاق.
٣ - اختلف العلماء في المخيّرة إذا اختارت زوجها، فقال جمهور العلماء: إنه لا يلزمه طلاق، لا واحدة ولا أكثر؛ لقول عائشة فيما أخرجه الصحيحان:
خيّرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعده علينا طلاقا.
وروي عن علي أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. وهذا غريب.
وفي رواية أخرى عن علي، وهو قول الحنفية: أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة؛ لأن قوله: اختاري، كناية عن إيقاع الطلاق، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة، كقوله: أنت بائن.
وروي عن زيد بن ثابت: أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث.
وذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما، وذلك أن التمليك عند مالك هو قول الرجل لامرأته: قد ملّكتك؛ أي قد ملّكتك ما جعل الله لي من الطلاق، واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فلما جاز أن يملّكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك، كان القول قوله مع يمينه. أما المخيّرة إذا اختارت نفسها، وهي مدخول بها، فهو الطلاق كله، ولا عبرة بإنكار الزوج؛ لأن معنى التخيير: التسريح، والتسريح: البتات؛ قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢] وقال تعالى في آية التخيير: ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ والتسريح بإحسان: هو الطلقة الثالثة، ومعنى التخيير التسريح. وعلى هذا يكون طلاق المخيرة ثلاثا عند الإمام مالك.
وأكثر الفقهاء في تحديد زمن الخيار على أن لها الخيار: ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، فإن لم تختر ولم تقض شيئا حتى افترقا
стр. 6441
من مجلسهما، بطل ما كان من ذلك إليها، ويرى آخرون أن ما ملكته يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها، وهذا عند المالكية هو الصحيح
لقوله ﷺ لعائشة فيما رواه البخاري والترمذي: «إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك» فهذا دليل على استمرار التخيير، حيث جعل لعائشة التخيير إلى أن تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجا من الأمر.
والظاهر أن من اختارت الله ورسوله ﷺ كان يحرم على النبي ﷺ طلاقها، أي لا يباشره أصلا، عملا بعلو منصبه، وسمو خلقه.
٤ - جعل الله ثواب طاعة أزواج النبي ﷺ وعقاب معصيتهن أكثر مما لغيرهن، بنص الآية هنا: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ والآية التي بعدها:
﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ فأخبر الله تعالى أن من جاء من نساء النبي ﷺ بفاحشة -والله عاصم رسوله ﷺ من ذلك، كما مرّ في حديث الإفك-يضاعف لها العذاب ضعفين؛ لشرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وتقدمهن على سائر النساء أجمع. وبينت الشريعة في مواضع كثيرة أنه كلما تضاعفت الحرمات، فهتكت تضاعفت العقوبات، ولذلك ضوعف حد الحر على العبد، والثيب على البكر.
ولما كان أزواج النبي ﷺ في مهبط الوحي، وفي منزل أوامر الله ونواهيه، قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب.
وضعف الشيء مثله، فمعنى الضعفين: معنى المثلين أو المرتين، فلو فرض وقوع ما يوجب الحدّ منهن-وقد أعاذهن الله من ذلك-حدّت الواحدة حدّين لعظم قدرها، كما يزاد حد الحرة على الأمة، والعذاب بمعنى الحدّ، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٢/ ٢٤]. ويدل على هذا ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾.
انتهى الجزء الحادي والعشرون ولله الحمد
стр. 6442
خصائص أهل بيت النبوة ﴿﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)﴾
الإعراب:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ ... ﴿وَتَعْمَلْ﴾ من ذكّر «يقنت ويعمل» حمله على لفظ ﴿مَنْ﴾.
ومن أنّث «تعمل» حمله على لفظ «من» لأن المراد بها المؤنث. ولا مانع في النحو من التذكير بعد التأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ [الأنعام ١٣٩/ ٦].
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ شرط، وجوابه: إما قوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وتقديره: إن اتقيتن انفردتن بخصائص من جملة سائر النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ﴾.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ﴿قَرْنَ﴾ أصله «اقررن» من قرّ يقرّ، فنقلت فتحة الراء بعد حذفها إلى القاف، فلما فتحت القاف استغني عن همزة الوصل، وحذفت الراء لتكررها مع نظيرها، وتكررها مع نفسها، وقرئ «قرن» بكسر القاف، إما من «وقر يقر» أي اسكن، وإما من «قرّ يقرّ» والأصل فيه «اقررن» فنقلت الكسرة إلى القاف بعد حذف الراء.
стр. 6443
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ إما منصوب على الاختصاص والمدح،
كقوله ﷺ : «سلمان منا أهل البيت» أي أعني وأمدح أهل البيت، وإما منصوب على النداء، كأن قال: يا أهل البيت، والأول أوجه.
البلاغة:
﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ﴾ تشبيه بليغ، أي كتبرج أهل الجاهلية، فحذفت أداة التشبيه ووجه الشبه.
﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف عام على خاص بعد قوله: ﴿أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ﴾ فإن الطاعة تشمل جميع الأوامر والنواهي.
﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ استعارة، استعار الرجس للذنوب والمعاصي، والطهر للتقوى؛ لأن عرض العاصي يتدنس، وعرض التقي نقي كالثوب الطاهر.
و ﴿تَطْهِيراً﴾ ترشيح للتنفير.
المفردات اللغوية:
﴿يَقْنُتْ﴾ يخشع ويخضع ويدم على الطاعة، والقنوت: الطاعة في سكون والعبادة في خشوع. ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مثلي ثواب غيرها من النساء، مرة على الطاعة ومرة على طلبها رضا النبي ﷺ بالقناعة وحسن المعاشرة. ﴿وَأَعْتَدْنا﴾ أعددنا وهيأنا. ﴿رِزْقاً كَرِيماً﴾ في الجنة زيادة على أجرها سالما من العيوب والآفات. ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل أي لا مثيل لكن في جماعة النساء في الفضل. وأصل ﴿كَأَحَدٍ﴾ وحد بمعنى الواحد، ثم وضع في النفي العام، وهو في النفي يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع الكثير. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الله، فلم تخالفوا حكمه، وأرضيتم رسوله. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لا تلنّ القول للرجال مثل قول المريبات. ﴿مَرَضٌ﴾ تطلع إلى الفسق والفجور والريبة. ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ حسنا من غير خضوع، بعيدا عن الريبة غير مطمع أحدا.
﴿قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أصله: اقررن، أي الزمن بيوتكن، بفتح القاف من قررت، وبكسرها من وقر يقر، من القرار أي السكون، يقال: قررت في المكان أقرّ به: أقمت فيه. أو من قرّ يقرّ. ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ أي لا تتبرجن، والتبرج: إبداء المرأة للرجل ما يجب عليها ستره من محاسنها. ﴿تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ ما كان قبل الإسلام من الجهالات كإظهار النساء محاسنهن للرجال. ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائر الأوامر والنواهي. ﴿الرِّجْسَ﴾ الذنب أو الإثم أو النقص المدنّس للعرض. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نساء النبي ﷺ ، وهو منصوب على المدح أو النداء.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أي ويطهركم من المعاصي.
стр. 6444
قال البيضاوي: وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما الحسن والحسين ﵃، والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون إجماعهم حجة: ضعيف؛ لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، وحديث العباءة التي أدخل فيها النبي فاطمة وعلي وولديهما يقتضي أنهم أهل البيت، لا أنه ليس غيرهم.
﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي عظن النساء بما يتلى، وتذكرن نعم الله عليكن من جعلكن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ هي حديث المصطفى ﷺ . ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً﴾ بأوليائه وأهل طاعته. ﴿خَبِيراً﴾ بجميع خلقه، يعلم ويدبر ما يصلح في الدين.
المناسبة:
اقتضى عدل الله ورحمته أن تكون زيادة العقاب مقرونة بزيادة الثواب، فبعد ذكر مضاعفة العذاب على نساء النبي ﷺ عند ارتكاب الفاحشة، ذكر تعالى خصائص لهن، أولها-مضاعفة الثواب لهن على العمل الصالح، وإعداد الرزق الكريم في الجنة وهو ما يأتي بنفسه، على نقيض رزق الدنيا الذي لا يأتي بنفسه، وإنما بواسطة الغير. وثانيها-امتيازهن على سائر النساء، وثالثها- أمرهن بقوة الكلام وعدم إلانة القول للرجال، ورابعها-الأمر بالقرار في البيوت والنهي عن التبرج، وخامسها-مطالبتهن بمداومة الطاعة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ﷺ فيما يأمر وينهى، وسادسها-تحقيق صون العرض والسمعة عن الذنوب والمعاصي والتجمل بالتقوى، وسابعها-الأمر بتعليم غيرهن القرآن والسنة النبوية، وتذكر نعمة الله تعالى عليهن.
التفسير والبيان:
١ - مضاعفة الثواب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صالِحاً، نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي ومن تطع منكن الله ورسوله، وتخشع جوارحها، وتستجب لأمر ربها، وتعمل صالح الأعمال،
стр. 6445
نضاعف لها الأجر والثواب مرتين، لكونها من أهل بيت النبوة ومنزل الوحي، وأعددنا لها زيادة على هذا رزقا كريما في الآخرة والجنة، لا عيب ولا نقص فيه ولا منّة لأحد ويأتي بنفسه، على عكس رزق الدنيا المشوب بالعيوب والنقائص والمنة ويتوقف على الغير الذي يمسكه ويرسله بواسطة إلى غيره، ولأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم وصفا حقيقيا كاملا إلا الرزاق، وفي الآخرة يوصف بالكريم الرزق نفسه.
ويلاحظ أنه تعالى عبّر هنا عند إيتاء الأجر بقوله ﴿نُؤْتِها﴾ للتصريح بالمؤتي وهو الله، وفي الآية السابقة عبر عند العذاب بقوله ﴿يُضاعَفْ﴾ فلم يصرح بالمعذّب، إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، ولأن الكريم عند النفع يظهر نفسه وفعله، وعند الضرّ لا يذكر نفسه (١).
٢ - امتيازهن على سائر النساء: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي يا زوجات النبي ليس لكنّ شبيه في جماعة النساء في الفضل والمنزلة والشرف والكرامة، لكونكن أمهات جميع المؤمنين، وزوجات خير المرسلين، ونزول القرآن في بيتكن وفي حقكن. وهذا التعبير كقولهم: ليس فلان كآحاد الناس، ومعناه أن فيه وصفا أخص ومزية وفضيلة لا توجد في غيره. ونساء النبي كذلك، وشرفهن مستمد من سمو منزلة النبي ﷺ القائل في
الحديث المتفق عليه:
«لست كأحدهم».
٣ - النهي عن لين الكلام: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ أي إن أردتن التقوى أو كنتن متقيات (٢) مخالفة حكم الله تعالى ورضا رسوله ﷺ ، فلا تلنّ الكلام ولا ترققنّه عند محادثة الرجال، وليكن كلامكن بجد وحزم وقوة، حتى لا يطمع في الخيانة من في قلبه