وهل يجبر الرجل على قبول الخلع ؟
جميع الفقهاء يرون أنه لا يجبر الرجل على قبول الخلع، فلا بد فيه من التراضي بين الطرفين، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء ١٩/ ٤] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢] وحملوا الفاحشة في الآية على الزنا.
وقال ابن رشد: والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك (أبغض) المرأة، جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل (١).
وأما أهلية الخلع: فكل من يصح طلاقه يصح خلعه، فيصح الخلع عند الجمهور من البالغ العاقل، رشيدا أو سفيها. وأجاز الحنابلة: أن يكون مميزا يعقله. أما من لا يصح طلاقه ولا يصح خلعه فهو كالصبي والمجنون والمعتوه ومن اختل عقله لمرض أو كبر سن.
وللرشيدة (٢) أن تخالع عن نفسها في رأي الجمهور، أما السفيهة فلا تخالع لأنها محجورة. ويصح الخلع من الحاكم ولي غير المكلف من صبي أو مجنون إذا كان في الخلع مصلحة. ولم يجز أبو حنيفة والشافعي وأحمد للأب خلع زوجة ابنه الصغير والمجنون ولا طلاقها. وقال مالك: يخالع الأب على ابنه الصغير وابنته الصغيرة، لأنه في رأيه يطلّق على الابن، ويزوج الصغيرة. وأما الطلاق بعد الخلع في العدة: بأن خالع الرجل زوجته، ثم طلقها، وهي في العدة، فيلحقها في رأي الحنفية، ولا يلزمها في رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد).
стр. 667
٣ - نكاح المبتوتة:
وهي المطلقة طلاقا ثلاثا.
لها أن تتزوج بزوج آخر بعد انتهاء العدة من الزوج الأول، وتحل للزوج الأول إن كان الزواج الثاني قائما على الرغبة والدوام والبقاء لا السفاح، وحدث طلاق من غير تواطؤ، وانقضت العدة بعد هذا الطلاق.
واختلف في ذلك النكاح الذي اشترط لحل المطلقة ثلاثا، فذهب سعيد بن المسيب إلى أنه العقد، فتحل المطلقة ثلاثا للأول بمجرد العقد على الثاني. وهذا من شذوذاته (١). وذهب سائر العلماء إلى أن المراد به الوط ء، كما بينا: وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج، ويحصن الزوجين، ويوجب كمال الصداق. واشترط مالك أن يكون الوط ء مباحا: بألا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها، ويكون الزوج بالغا.
واشترط أحمد أيضا أن يكون الوط ء حلالا، وأن يكون الواطئ له اثنا عشر سنة. ولم يشترط أبو حنيفة كون الوط ء مباحا، فيجوز في وقت غير مباح كحيض أو نفاس، وأجاز كون الواطئ بالغا عاقلا أو صبيا مراهقا أو مجنونا، لأن وط ء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام النكاح من المهر والتحريم كوط ء البالغ العاقل. واتفق علماء المذاهب الأربعة على أن النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا، ويشترط أن يكون النكاح صحيحا.
ومنشأ الخلاف بين ابن المسيب والجمهور: أن النكاح ورد في القرآن بمعنى العقد والوط ء، واحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾:
стр. 668
العقد أو الوط ء، فجاءت السنة وبينت أن المراد به الوط ء، كما قدمنا في الأحاديث.
وقد عرفنا حكم نكاح المحلل، وهو البطلان في رأي مالك وأحمد والثوري وأهل الظاهر. والكراهة في رأي الحنفية والشافعية، ما لم يشترط التحليل في العقد.
وإذا عقد الزوج الأول على المطلقة من الثاني ضمن قيود الشريعة عادت إليه بطلقات ثلاث.
وهل يهدم الزواج الثاني مادون الثلاث؟ فيه رأيان:
قال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة، ومحمد وزفر من الحنفية):
لا يهدم، أي أن المطلقة مرة واحدة أو مرتين، ثم تزوجت زوجا آخر، ثم رجعت إلى زوجها الأول، تكون على ما بقي من طلاقها، لأن الوط ء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والإمامية في أشهر الروايتين: إنه يهدم، فتعود إلى الزوج الأول بطلاق ثلاث، كما يهدم ما دون الثلاث، لأنه إذا هدم الطلقة الثالثة، فهو أحرى أن يهدم ما دونها، لأن وط ء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلا يتسع ثلاث تطليقات، فيتسع لما دونها بالأولى.
وهل على الزوجة خدمة ؟
اختلف المالكية، فقال بعضهم: ليس على الزوجة خدمة، لأن العقد يتناول الاستمتاع، لا الخدمة، فهو ليس بعقد إجارة، ولا تملّك رقبة، وإنما هو عقد على الاستمتاع، والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره، فلا تطالب بأكثر منه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ، فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء ٣٤/ ٤].
стр. 669
وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوّة أو ترفه، فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقمّ البيت وتطبخ وتغسل، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٢٨/ ٢] وهذا الرأي أسلم، عملا بما جرى عليه عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه، ألا ترى أن أزواج النّبي ﷺ وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك. وقسم النّبي ﷺ -كما بينا-شؤون المعيشة بين علي وفاطمة، فجعل لفاطمة شؤون البيت، ولعلي شؤون الكسب والمعاش خارج البيت.
واجب الرجل في معاملة المطلّقة وولاية التزويج
﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾
الإعراب:
﴿ضِراراً﴾ مفعول لأجله. ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إذا: ظرف زمان، ويتعلق إما بفعل: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أو بقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾. والواو في ﴿تَراضَوْا﴾ يراد به الأزواج
стр. 670
والنساء، لكن غلب جانب المذكر على جانب المؤنث. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ جار ومجرور متعلق بفعل ﴿تَراضَوْا﴾ أو بفعل ﴿يَنْكِحْنَ﴾ والأولى الأول، لأنه أقرب إليه.
﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ وحد الكاف، وإن كان الخطاب لجماعة، لأنه أراد به الجمع، كأنه قال:
أيها الجمع، والجمع: لفظه مفرد، ويجوز أن يثنى ويجمع على العدد، مثل قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.
البلاغة:
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: مجاز مرسل، أطلق فيه الكل على الأكثر، لأنه لو انقضت العدّة لما جاز له إمساكها.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ من باب عطف الخاص على العام، لأن الكتاب والسّنة من أفراد النعمة الإلهية.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ جناس اشتقاق بين ﴿اِعْلَمُوا﴾ و ﴿عَلِيمٌ﴾.
﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ من باب المجاز المرسل، إذ المراد به المطلقين، وسمّوا أزواجا باعتبار ما كان.
المفردات اللغوية:
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قاربن انقضاء عدتهن، والأجل يطلق على المدّة كلها وعلى آخرها، فيقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل. والمراد به هنا زمن العدّة. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ بالمراجعة. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ من غير ضرر، والمعروف ما استحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة. ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ التسريح: ترك المراجعة حتى تنقضي العدة. ﴿ضِراراً﴾ أي بقصد الإضرار بهنّ.
﴿لِتَعْتَدُوا﴾ عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل العدّة. والاعتداء: الظلم. ﴿ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعذاب الله. ﴿آياتِ اللهِ﴾ هي أحكام الطلاق والرجعة والخلع ونحوها.
﴿هُزُواً﴾ مهزوءا بها بالإعراض عنها والتهاون في الحفاظ عليها. ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ الإسلام وسائر نعم الله والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين. ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي ما أنزل الله في القرآن من آيات أحكام الزوجية التي تحقق السعادة في الدارين. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ السّنة الشريفة، أو سرّ تشريع الأحكام وما فيها من منافع ومصالح، وقيل: هي الإصابة في القول والعمل. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ بأن تشكروها بالعمل به.
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ البلوغ: الانتهاء، والأجل هنا آخر مدّة العدّة، فهو على الحقيقة
стр. 671
لاقربها، كما في الآية السابقة، لأن إمكان المراجعة لا يتأتى إلا في العدّة، قال الشافعي: دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين. ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الخطاب للأولياء، أي لا تمنعوهنّ من نكاح أزواجهنّ المطلقين لهنّ. والعضل: الحبس والتضييق والمنع. ﴿إِذا تَراضَوْا﴾ أي الأزواج والنساء.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعا. ﴿ذلِكَ﴾ النهي عن العضل. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ العظة: النّصح والتذكير بالخير، وكان مقتضى الظاهر: أن يقال: «ذلكم يوعظ به»، لأنه يخاطب جماعة، وإنما قال:
﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ لكثرة تردده على ألسنة العرب في كلامها. ﴿أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أفضل وأطيب، من الزكاء: وهو النماء والبركة والخير، ومن الطّهر: وهو الطيب والنقاء. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ ما في ذلك من المصلحة والزكاء والطّهر. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فاتبعوا أمره.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٣١):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك، يضارّها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية.
وأخرج الطبري عن السّدّي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها، ثم طلّقها مضارّة، فأنزل الله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾
أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء، قال: كان الرجل يطلّق، ثم يقول: لعبت، ويعتق، ثم يقول: لعبت، فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ فقرأها رسول الله ﵌ وقال: «ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرّجعة».
وقال أيضا: «من طلّق لاعبا، أو أعتق لاعبا، فقد جاز عليه».
стр. 672
نزول الآية (٢٣٢):
روى البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عن معقل بن يسار: أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين، فكانت عنده، ثم طلّقها تطليقة، ولم يراجعها، حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته، فخطبها مع الخطّاب، فقال له: يا لكع (١)، أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها؟! والله لا ترجع إليك أبدا، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إليه، فأنزل الله: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ إلى قوله:
﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل، قال: سمعا لربّي وطاعة، ثم دعاه، وقال: أزواجك، وأكرمك، فزوجها إياه.
التفسير والبيان:
إذا طلقتم النساء، وقار بن إتمام العدّة، فعليكم أحد أمرين: إما إمساك المرأة بالمعروف (أي بالمراجعة دون إيذاء)، أو إخلاء سبيلها بالمعروف (أي الخلو من إلحاق ضرر بها). وفسّر بلوغ الأجل بقرب إتمام العدّة، لأن العدّة إذا انقضت لا تجوز مراجعتها، فهذا المعنى مضطر إليه، أما بلوغ الأجل في الآية التالية فهو الانتهاء، لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية، مجاز في الأولى.
ثم أكّد منع الضرر، فقال: ولا تراجعوهنّ بقصد إلحاق الضرر بهنّ وإيذائهنّ بالحبس وتطويل العدّة، حتى يضطرن إلى الفدية ودفع المال لكم، فهذا اعتداء عليهن، ومن يفعل هذا الفعل الممنوع وهو الإمساك على سبيل الضرار والعدوان، فقد ظلم نفسه في الدنيا بإقلاق ضميره وفتح باب الشّر والعداء مع أسرة المرأة، وفي الآخرة بتعريض نفسه لعذاب الله وغضبه، بسبب تسلطه على الضعفاء، واستغلاله حاجة المرأة إلى الخلاص منه.
стр. 673
ولا تتهاونوا في امتثال أوامر الله تعالى، والتزام حدوده التي شرعها لكم، فإن تهاونتم وقصرتم كنتم كمن يستهزئ بالله وأمره. وفي هذا وعيد شديد لمن يتجاوز الحدود الشرعية، وفيه حثّ للمؤمن على احترام صلة الزوجية، والبعد عن أفعال الجاهلية.
واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وسائر نعمه، ومنها جعل الرحمة والمودة بين الزوجين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١/ ٣٠].
واذكروا ما أنزل الله عليكم في القرآن والسّنة النّبوية من أحكام وحكم تشريعيّة، لتوفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة والهناءة وغير ذلك، مما فيه مصلحة ومنفعة، إذ أن الأحكام تضع أصول النظام، وأسرار الحكمة التشريعية تساعد على الامتثال والاتّعاظ والاقتناع.
ثم وثّق الحقّ الأحكام التشريعية في الزواج بما يبعث على احترامها، وهو التقوى أي خوف الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك احتقار المرأة وعدم المبالاة برابطة الزوجية المقدسة، خلافا لما كان عليه العرب في الجاهلية من الاستهانة بالمرأة، واتّخاذها مجرد متاع، وتطليقها لأتفه الأسباب، ومضارّتها بالمراجعة، وجعلها كالمعلّقة، وهذا ما يفعله الجهّال والطّائشون اليوم.
واعلموا أن الله يعلم بكلّ شيء وبما عملتم من تعدي حدوده وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم، فهو تعالى لا يرضى إلا باتّباع أحكامه، مع الإخلاص له في السّر والعلن.
وإذا طلقتم النساء معشر المؤمنين، وانقضت عدّتهن تماما، فلا يجوز لكم أيها الأولياء أن تمنعوهنّ من العودة إلى الزواج بالزوج السابق بعد الطلقتين الأولى والثانية، ولا يجوز لكم أيها الأزواج أيضا أن تمنعوهنّ بما لكم من النفوذ من الزواج
стр. 674
بزوج آخر بعد الطّلقة الثالثة وانقضاء العدّة، إذا حصل التّراضي بين المرأة والخاطب لها، وكان الخاطب كفؤا، وبمهر المثل، ولم يكن هناك محظور شرعي. وعلى الأمة أيضا ممثلة بوجهائها وعلمائها وحكامها وعقلائها أن تكون متكافلة متضامنة في تحقيق المصلحة العامة، فلا تمنع المعروف، ولا تقرّ المنكر، فتهلك وتتضرّر.
ذلك الذي تقدّم من نهي الأولياء عن عضل النساء وأحكام التشريع، يوعظ به أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، فهم الذين يتقبلونه، وتخشع له قلوبهم، امتثالا لأمر ربّهم، فشأن المؤمن الطاعة والعظة، وذلك النهي عن ترك العضل أزكى لكم، وأطهر من أدناس الآثام، أي أن فيه بركة وصلاحا لمتّبعيه، وفيه الطّهر بحفظ العرض والشّرف وعدم التّسبّب في الفسوق والفساد وانحراف المطلقات، والنّجاة من التّورّط في الآثام والمحرّمات والذّنوب والسّيّئات.
والله يعلم ما في ذلك من النّفع والصّلاح لكم، والزّكاة والطّهر وصون السمعة، فامتثلوا أوامره، وأنتم لا تعلمون الحقائق وأبعاد المستقبل، ومخاطر ترك المرأة الأيم أو الثّيب من غير زواج، إرضاء للأهواء وحظوظ النّفس المريضة غير المتعقّلة، وإنما التي تتّبع الأوهام أو تناسق مع الأنفة والكبرياء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على أحكام كثيرة هي ما يأتي:
١ - الإمساك بالمعروف: وهو القيام بما يجب للمرأة من حقّ على زوجها، كالنّفقة، فإذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، خرج عن حدّ المعروف، ويطلّقها، فإن لم يفعل طلّق عليه الحاكم من أجل الضّرر اللاحق بها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وهو رأي الجمهور (مالك والشافعي
стр. 675
وأحمد)
لقوله ﷺ في صحيح البخاري: «تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلّقني».
وقال الحنفية: لا يفرّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق النفقة بذمته بحكم الحاكم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠/ ٢].
٢ - التّسريح بإحسان: أي الطّلاق بدون إضرار لقوله تعالى:
﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة ٢٣١/ ٢]، والتّسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتمّ العدّة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها. وهذا قول السّدّي والضّحاك. والمعنى الآخر: أن يطلّقها ثالثة فيسرحها، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصحّ لوجوه ثلاثة ذكرها القرطبي (١):
أحدها-ما
رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فلم صار ثلاثا؟ قال: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» وفي رواية هي الثالثة.
الثاني-أن التّسريح من ألفاظ الطّلاق.
الثالث-أن فعّل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل. قال ابن عبد البرّ: وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ هي الطّلقة الثالثة بعد الطّلقتين، وإياها عنى بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠/ ٢].
стр. 676
٣ - يحرم الاستهزاء بالأحكام الشرعية: لأنه تعالى قال: لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو، فإنها جدّ كلها، فمن هزل فيها لزمته. ومن الهزء:
الاستغفار من الذّنب قولا مع الإصرار فعلا.
٤ - من طلّق هازلا يلزمه الطّلاق بالإجماع، لما
روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح، والطّلاق، والرّجعة».
وقال علي وابن مسعود وأبو الدرداء:
«ثلاث لا لعب فيهنّ، واللاعب فيهنّ جادّ: النّكاح، والطّلاق، والعتاق».
٥ - شكر النعمة: أمر الله تعالى بتذكر نعمه علينا من الإسلام وبيان الأحكام، وتشريع الأنظمة، وتبيان القرآن بالحكمة أي الأسرار التشريعية والسّنة النّبوية. كل ذلك للتخويف وإعداد النفس للتقوى، لأن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
نهي أولياء المرأة عن أن يعضلوها: أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب لها.
٧ - لا يجوز النّكاح بغير ولي: دلّت الآية على أنه لا يجوز النّكاح بغير ولي، بدليل سبب النزول في أخت معقل، فقد كانت ثيّبا، ولو كان الأمر إليها دون وليّها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليّها: معقل، فالخطاب إذن في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهنّ، ولأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بدون رضا وليّها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء. وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد).
وقال الحنفية: للمرأة أن تزوّج نفسها، لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها، كما قال: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ولم يذكر الولي، ولأن الخطاب في آية
стр. 677
﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارّة عضلا عن نكاح الغير، بتطويل العدّة عليها، ولأن قوله ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ﴾ دليل على أنه لا مانع أن يخطب الرجل المرأة إلى نفسها، ويتّفق معها على التزوّج بها.
والعضل يكون بعد انتهاء الأجل أي بعد انتهاء العدّة.
ودلّ قوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ على أن العضل من غير الكفء غير محرم. وأجاز بعضهم العضل إذا كان المهر دون مهر المثل. والمدار في الكفاءة على العرف الشرعي السائد، لا على التقاليد المصطنعة.
٨ - الإيمان مدعاة الاتّعاظ: دلّت الآية: ﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ على أن المؤمن حقّا لا بدّ له أن يتّعظ، فالذين لا يتّعظون ولا يعملون بأوامر الله ليسوا بمؤمنين، وإنما آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
٩ - التشريع الإلهي يحمي المصالح الاجتماعية العامة البعيدة الأمد التي لا يتنبه لها الناس أحيانا، بسبب قصور العقل البشري وعدم قدرته على الاستيعاب، والاطّلاع على المستقبل.
الاسترضاع بأجر ومدّة الرضاع ونفقة الأولاد وأحكام أخرى
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾
стр. 678
الإعراب:
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي ليرضعن، مثل ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾، ومجيء الخبر بمعنى الأمر كثير في العربية. ﴿لِمَنْ أَرادَ﴾ اللام إما متعلّق بيرضعن، فهو منصوب، وإما متعلق بمحذوف على أنه مرفوع خبر مبتدأ تقديره: هذا الذي ذكرنا لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة.
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ تقديره: وعلى المولود له الولد، والولد نائب فاعل للمولود. ﴿لا تُضَارَّ﴾ قراءة الفتح على أن يكون ﴿لا﴾ نهيا، وتضارّ مجزوم بها، وحرّكت بالفتح لأن الفتحة أخف الحركات، وقراءة الرفع على أن يكون ﴿لا﴾ نفيا يراد به النهي مثل قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ ويصحّ كون الفعل مبنيّا للمعلوم أو للمجهول. ﴿والِدَةٌ﴾ فاعل تضارّ، على أن أصله:
تضارر بكسر الراء الأولى، ويقدر مفعول محذوف، تقديره: لا تضارر والدة بولدها أباه، ولا يضارر مولود له بولده أمّه.
﴿أَوْلادَكُمْ﴾ أي لأولادكم، فحذف حرف الجرّ، فاتّصل الفعل بالاسم، فنصبه. ﴿ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ آتى: يتعدى إلى مفعولين، لأنه بمنزلة أعطى، وتقديره: آتيتموه المرأة، أي أعطيتموه المرأة.
البلاغة:
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر بمعنى الأمر للمبالغة في الحمل على تحقيقه، أي ليرضعن، كما بيّنا.
﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والغيبة في قوله: ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالاً﴾ والالتفات لتحريك مشاعر الآباء نحو الأبناء.
المفردات اللغوية:
﴿يُرْضِعْنَ﴾ أي ليرضعن. ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ الحول: العام أو السنة. وكاملين: صفة مؤكّدة. ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ هو الأب الوالد. ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ إطعام الوالدات. ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ على الإرضاع إذا كنّ مطلّقات. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر طاقته. ﴿وُسْعَها﴾ طاقتها، وهي آخر درجات القدرة، وما بعدها العجز. والتكليف: الإلزام. ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ بسببه بأن تكره على
стр. 679
إرضاعه إذا امتنعت. ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي بسببه بأن يكلّف فوق طاقته. وإضافة الولد إلى كلّ منهما في الموضعين للاستعطاف. والمضارّة: تقتضي المشاركة أي مشاركة كلّ من الوالدين للآخر في الضّرر. وهذا يدلّ على أن الإضرار بالآخر إضرار بنفسه، وينعكس أثر المضارّة على الولد. ﴿وَعَلَى الْوارِثِ﴾ وارث الأب وهو الصّبي مثل ذلك، أي على الولد في ماله للوالدة من الرزق (النفقة) والكسوة وعدم الإضرار بها مثل الذي على الأب للوالدة، إن كان له مال، أي إن نفقة إرضاعه تكون من ماله إن كان له مال، وإلا فهي على عصبته. وقال بعضهم: إن المراد بالوارث: هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه، وهو قريبه إذا مات، فتؤخذ النفقة ممن يرث الطفل إذا لم يكن له مال، لو مات. واللفظ يحتمل المعنيين، والأول: اختيار الطبري والزمخشري وغيرهما، وهو معطوف على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، ويكون المعنى: وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، أي إن مات المولود له، لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بشرط المعروف وتجنّب الضّرار.
﴿فَإِنْ أَرادا﴾ أي الوالدان. ﴿فِصالاً﴾ فطاما له قبل الحولين، وسمّي بذلك، لأنه يفصل الولد من أمه، ويفصلها منه، فيكون مستقلا في غذائه دونها. ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ اتّفاق بينهما.
﴿وَتَشاوُرٍ﴾ بينهما فيما يحقق مصلحة الصبي. والتشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي من المستشارين. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أي لا حرج. ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ تتخذوا مراضع غير الوالدات. ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه لهنّ من الأجرة.. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالجميل كطيب النفس.
المناسبة:
لما ذكر الله أحكام النكاح والطلاق الذي يحصل به الفراق، ذكر حكم ما كان من نتيجة النكاح، لأن المطلّقات قد يكون لهنّ أولاد رضّع، وربّما ضاعوا بين كراهة الأزواج وعنت المطلّقات، فربما حرمتهم الرضاع انتقاما من الأبّ، فأوصى الوالدات بالأولاد، فجعل مدّة الرّضاع حولين كاملين إذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة، وألزم الآباء بكسوة الوالدات ونفقتهن مدّة الرّضاع بقدر سعتهم أو طاقتهم، ونهى عن مضارّة أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، أو تبالغ في طلب النفقة والكسوة، وينتزع الأبّ
стр. 680
الولد منها إضرارا بها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع، أو يمنعها حقّها في النفقة والكسوة، كما أنه تعالى نهى الوالدين عن إلحاق الضرر بالولد، فيحدث تقصير فيما ينبغي له، وكل ذلك رعاية من الله للصبي، لأنه عاجز عن نفع نفسه ودفع الضرر عنها.
وعلى هذا تكون الآية في المطلّقات اللاتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ، فهنّ أحقّ برضاع أولادهنّ من الأجنبيّات، لأنهنّ أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها. وسبب كون المراد بالوالدات المطلّقات: أن الله تعالى قال:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ولو كانت الزوجية قائمة باقية لوجب على الزوج ذلك بالزوجية لا بالولادة، وأيضا ذكرت هذه الآية عقب آيات الطّلاق.
ورأى بعضهم: أن المراد بالوالدات: كلّ والدة مطلّقة أو زوجة، أخذا بعموم اللفظ.
التفسير والبيان:
على الوالدات المطلقات، أو على جميع الوالدات مطلقات أو غير مطلقات أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين دون زيادة عليهما، إذا أريد إتمام المدة، ولا مانع من نقص ذلك إذا رئيت المصلحة فيه، والأمر متروك للاجتهاد والتقدير.
والرضاع مندوب للأم بصفة عامة، لأن لبنها أفضل لبن باتفاق الأطباء، وقد يجب إذا امتنع الطفل من الرضاع من غيرها، أو لم يجد الوالد مرضعة لفقر أو غيره. ورغبة بعض النسوة عن الإرضاع ترفعا أو محافظة على الجمال والصحة مناف لمقتضى الفطرة، مسيء لمصلحة الولد.
وهل الرضاع حق للوالدة أو واجب عليها؟ فيه اختلاف.
стр. 681
فقال مالك: الرضاع حق على الوالدة إذا كانت زوجة أو لم يقبل الولد ثدي غيرها، واستثنى من ذلك الشريفة فلم يجعل حقا عليها، عملا بالعرف الذي كان عليه العرب وقت نزول الآية (١)، فكان نساء قريش يلتمسن المراضع بأجر أنفة واعتزازا.
وقال الجمهور: إن ذلك مندوب، إلا عند الضرورة كأن لم يقبل ثدي غير الأم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق ٦/ ٦٥].
ومدة الرضاع التام: سنتان، لاحتياج الطفل إلى اللبن فيهما، ولا مانع من جعله أقل من ذلك حسبما يرى الوالدان المصلحة، ويعوّد الولد الآن بتناول شيء من الغذاء مع اللبن في أواخر الحول الأول، ثم يفطم إذا استغنى عن اللبن بالطعام المعتاد.
وإنما قال الله ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ لئلا يتوهم أنه أراد حولا وبعض الثاني.
والمقصود من تحديد مدة الرضاع بحولين كاملين ليس وجوب ذلك، لأنه قال:
﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ فهو يدل على أن الإرضاع في الحولين ليس بحد أدنى لا يتعدى، وإنما ذلك لمن أراد الإتمام، أما من لا يريده فله فطم الولد دون بلوغ الحولين إذا لم يكن فيه ضرر للولد، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] فالمقصود بيان المدة التي يرجع إليها عند الاختلاف، أو بيان المدة القصوى قضاء.
وعلى الوالد كفاية المرضع من طعام وكسوة، للقيام بحق الولد، وأجرة لها على الإرضاع، واستئجار الأم غير جائز ما دامت في الزواج أو العدة، ويجوز عند الشافعي ﵁ مطلقا. وتقدير الأجرة على قدر حال الأب من اليسار والإعسار والتوسط، كما قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ﴾
стр. 682
عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله، ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ [الطلاق ٧/ ٦٥] ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢] والآية هنا ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها﴾ أي لا تلزم نفس إلا بقدر سعتها.
وأخذ من الآية أيضا وجوب نفقة الولد على الوالد، لأن الله أوجب نفقة المطلقة على الوالد في زمن الرضاع، لأجل الولد، وإنما وجبت لضعف الولد واحتياجه، والوالد أقرب الناس إليه.
وعلة تشريع الأحكام السابقة منع الضرار من جانبي الرجل والمرأة، بإعطاء كل ذي حق حقه، فيحرم إضرار أحدهما الآخر بسبب الولد، فلا تمتنع الأم من إرضاعه تعجيزا للأب بالتماس الظئر (المرضع)، أو تكلفه من النفقة فوق طاقته، أو تقصّر في تربية الولد، كذلك لا يجوز أن يمنعها من إرضاع ولدها وهي ترغب به، لأنها أرأف الناس به، وأحناهم عليه، وأنفعهم له، أو يضيّق عليها في النفقة، أو يمنعها من رؤيته ولو بعد مدة الرضاع والحضانة.
وعلى وارث الأب مثل ذلك من النفقة والكسوة وترك الضرار للمرضع، وقيل: على وارث الصبي الذي لو مات ورثه، فدل هذا القول على وجوب النفقة على أقارب الصبي عند عدم الوالد.
وهذا أصل في وجوب نفقة الأقارب، وهو مذهب أبي حنفية، وأحمد، إلا أن الحنفية أوجبوا النفقة لكل ذي رحم محرم كالعمة والخال، ولا تجب لغير ذي الرحم المحرم كابن العم وبنت العم، وأوجبها الحنابلة لكل قريب وارث بفرض أو تعصيب كالأخ والعم وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة والعمة ونحوهم ممن لا يرث بفرض ولا تعصيب، لأن قرابتهم ضعيفة.
ورأى مالك والشافعي أن النفقة لا تجب إلا على الوالدين، فنفقة الولد على أبيه، فإن مات ففي مال الصبي إن كان له مال، وإلا فعلى الأم. والآية تؤيد
стр. 683
الرأي الأول، إلا أن يراد بالآية: ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ ترك الإضرار فقط، أو يراد من الوارث الولد نفسه.
وتحديد مدة الرضاع بحولين كاملين إنما كان لبيان المدة القصوى التي يرجع إليها عند الاختلاف كما بينها الله، فإن أراد الوالدان فطام الولد قبل الحولين أو بعدهما، برضاهما وتشاورهما في مصلحة الطفل، فلا إثم عليهما فيه، حيث اقتضت المصلحة ذلك، ولم يلحق ضرر بالولد.
ولا مانع من استئجار المراضع، وهو ما أبانته الآية التي أفصحت عن أنه:
إذا أردتم أن تسترضعوا المراضع أولادكم أو لأولادكم بسبب حمل أو مرض أو عدم اتفاق، فلا حرج فيه، بشرط إعطاء المرضعة أجرها بالمعروف أي بحسب أجرة أمثالهن في كل عصر ومكان، لما في الأجر من تحقيق مصلحة الولد والوالدين أيضا. وهذا خطاب للأب والأم على سبيل التغليب، للإشارة إلى أنه من الأدب والمصلحة تشاور الأبوين في الاسترضاع، لأنه ولدهما.
والقول بجواز استرضاع المراضع الأجنبيات هو مذهب أبي حنيفة. وقوله تعالى: ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ليس شرطا لجواز الاسترضاع، وإنما هو ندب إلى الأولى، تطييبا لنفس المرضع.
ثم ضرب الله نطاقا محكما لتنفيذ الأحكام السابقة: وهو أن يتم في ظل تقوى الله، فعلى المؤمن أن يخشى الله، فلا يفرط في شيء من الأحكام المذكورة، لأن الله تعالى خبير وبصير بكل شيء، فيجازيكم على أعمالكم، فإن أنتم أديتم حقوق النساء والأطفال، واجتنب الوالدان المضارّة، كان الأولاد مثلا صالحا في الدنيا وسبب مثوبة في الآخرة، وإن سرتم على وفق الأهواء، كان الأولاد نذير سوء، وعنوان بلاء وفتنة في الدنيا، وسبب عذاب في الآخرة.
стр. 684
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات، لأنهن أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير من والدته إضرار به وبها. وهذا يدل على أن الولد، وإن فطم، فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها، ما لم تتزوج بزوج آخر باتفاق العلماء
لقوله ﵌ لامرأة-فيما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو-: «أنت أحق به ما لم تنكحي».
وإذا كانت المطلقة أولى بالرضاع والحضانة فإن الزوجات حال الزوجية أولى بهما أيضا، بل إن الزوجة تستحق النفقة والكسوة، أرضعت أو لم ترضع، في مقابلة التمكين من الاستمتاع. وأما إيجاب النفقة في حال الرضاع بعد الطلاق فبسبب اشتغال المرأة في مصالح الزوج، لذا قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي الزوج ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ دفعا لتوهم سقوط النفقة إذا اشتغلت المرأة بالإرضاع ولم يحدث التمكين.
ودل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ على أن إرضاع الحولين ليس حتما، فإنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكن التحديد بالحولين لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين. وإن أراد الأب الفطم قبل الحولين، ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك. والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود، وعند رضا الوالدين.
وقد أخذ مالك في موطئه والشافعي وأحمد من آية: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ أن مدة الرضاع المحرّم أي التي يحرّم الرضاع فيها المصاهرة كما يحرّم بالنسب: هي حولان فقط، فإذا لم يقع الرضاع فيهما لا يحرم.
стр. 685
ولم يعتبر الحنفية، والمالكية أخذا بما روى ابن القاسم عن مالك (١): أن الآية جاءت لتحديد مدة الرضاع المحرّم، فذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وقال زفر: ثلاث سنين، وذهب المالكية في الصحيح إلى أن ما قرب من زمان الفطام عرفا لحق به، وما بعد عنه خرج عنه، من غير تقدير.
قال القرطبي (٢): والصحيح الأول، لقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين.
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» (٣) فهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير، وأنه لا حرمة له.
واستنبط العلماء من هذه الآية ومن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ أقل مدة الحمل، فإنه إذا أسقطت مدة الرضاع من ثلاثين شهرا، يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل المدة.
وأرشدت الآية: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ.﴾. إلى وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه. والمراد بالمولود له: الذي ولد له، والذي يعبر به عن الواحد والجمع. ويجوز في العربية القول: «وعلى المولود لهم» كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس ٤٢/ ١٠].
والنفقة الواجبة من الطعام والكسوة (اللباس) هي بالمعروف أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. والإنفاق يكون على قدر غنى الزوج وحال الزوجة في رأي المالكية.
стр. 686
ودلت الآية على أن الحضانة للأم، وهو حق لها، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة، ومدة الحضانة عند مالك في الغلام إلى البلوغ، وفي الفتاة إلى الزواج. وقال الشافعي وأحمد: إذا بلغ الولد ثمان سنين، وهو سن التمييز، خيّر بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم العلوم ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والفتاة، بدليل تخيير النّبي ﷺ ولدا حينئذ، فلحق بأمه، كما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة.
ويظل الحق للأم بالحضانة ما لم تتزوج اتفاقا كما سبق بيانه، قال ابن المنذر:
«وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حقّ للأم في الولد إذا تزوجت» وينقطع حقها بمجرد عقد الزواج عند الشافعي، وقال مالك: إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها، حتى يدخل بها زوجها.
ولا فرق في رأي الحنفية بين الذمية والمسلمة في أحقية الأم بالحضانة إذا افترق الزوجان بطلاق. وقال مالك والشافعي: الولد مع المسلم من الزوجين.
وإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج، ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها، فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا، لم يكن لها بعدئذ أخذه.
وتحرم المضارّة بين الزوجين وغيرهما، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ.﴾. أي لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع، كما بينا.
ودل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ على وجوب نفقة الأقارب، كما بينا، كما أنه يدل على وجوب النفقة على الصبي نفسه من ماله إن كان له مال.
стр. 687
ومدة الرضاع الكاملة حولان كاملان عند اختلاف الزوجين في تحديد المدة القصوى التي تجب فيها أجرة الرضاع. ويجوز اتفاقهما على أقل من ذلك من غير مضارّة الولد. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالاً﴾ دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما، لا على الحقيقة واليقين. وإذ أرشد القرآن إلى التشاور في أدنى الأعمال لتربية الولد، فهو مطلوب بالأولى في أجلّ الأعمال خطرا وأعظمها فائدة، وهي مشورة الحكام في مصالح الأمة، لذا أمر الله رسوله بمشاورة أصحابه قائلا: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩/ ٣] ومدح المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨/ ٤٢].
ودل قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ على جواز اتخاذ الظئر (أي استئجار المرضع) إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك، ويجب حينئذ تسليم الأجرة إلى المرضعة الظئر لقوله تعالى: ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ.﴾.
والأصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها، كما أخبر الله ، فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة والزوجية قائمة، فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكر من رزقهن وكسوتهن، إلا أن مالكا ﵀ دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة كما بينا، فقال: لا يلزمها رضاعه، فأخرجها من الآية، وخصصها بأصل من أصول الفقه، وهو العمل بالعادة: وهو ما كان عليه عرب الجاهلية، فجاء الإسلام ولم يغيره، واستمر ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمّهات للمتعة، بدفع الرّضعاء للمراضع إلى زمن مالك فقال به، وكذا إلى زماننا (١).
وجاء الأمر الإلهي بإرضاع الأمهات أولادهن على مقتضى الفطرة، فأفضل
стр. 688
اللبن للولد لبن أمه باتفاق الأطباء، ولبن المرضع يؤثر في جسم الطفل وفي أخلاقه وسجاياه، ولذلك يحتاط في انتقاء المراضع، ويجتنب استرضاع المريضة، والفاسدة الأخلاق والآداب (١).
عدة المتوفى عنها زوجها
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ.﴾. الذين: مبتدأ، وفي الخبر أربعة أوجه:
الأول-أن يكون خبره مقدرا، وتقديره: فيما يتلى عليكم الذين، مثل ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾ أي فيما يتلى عليكم.
الثاني-أن يكون خبره: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ على تقدير: يتربصن بعدهم بأنفسهن، فحذف «بعدهم» للعلم به، لأن الجملة إذا وقعت خبرا للمبتدأ، فلا بد من أن يعود منها عائد إليه.
الثالث-أن يكون التقدير: فأزواجهن يتربصن، والجملة من المبتدأ أو الخبر: خبر ﴿الَّذِينَ﴾.
الرابع-أن يكون الخبر: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، على أن يكون التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن.
المفردات اللغوية:
﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ يموتون بأن يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر ٤٢/ ٣٩] فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول ﴿وَيَذَرُونَ﴾: ويتركون
стр. 689
﴿أَزْواجاً﴾ يطلق الزوج على الذكر والأنثى، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أي ليتربصن أي لينتظرن ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ بعدهم عن الزواج ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ من الليالي، وهذا في غير الحوامل، أما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق (٤). ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي أتممن عدتهن وانتهت مدة تربصهن وانتظارهن. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأولياء ﴿فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزين والتعرض للخطاب. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعا ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم بباطن العمل وظاهره.
المناسبة:
هذا بيان متصل في أنواع العدة، فقد ذكر أولا عدة الطلاق بالحيض، وذكر هنا عدة الوفاة المخالفة لها.
التفسير والبيان:
ذكر الله في هذه الآية حكم الحداد على الأزواج ووجوب العدة على النساء، عقب بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وواجبات الوالد نحو ولده وزوجته، وكان بيان عدة الوفاة لئلا يتوهم أنها مثل عدة الطلاق.
والعدة: هي المدة التي تمكث فيها المرأة في بيت الزوجية دون زواج ولا خروج من المنزل إلا لعذر شرعي للتعرف على براءة الرحم أو للحداد على الزوج.
وعدة المطلقة: ثلاثة قروء، وعدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام، أما الحامل فعدتها بوضع الحمل، ولو بعد الوفاة بساعة. ولا حداد على غير الزوج من أخ أو أب أو قريب أكثر من ثلاثة أيام.
ولا فرق في حال الوفاة بين الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وغير المدخول بها، لأن العدة في الأصل للحداد، وبراءة الرحم تبعا.
وقد بدأ الله تعالى بذكر الرجال الذين يتوفون، وترك الخبر عنهم إلى الإخبار عن أزواجهم، ليبين صلة العدة بالرجل، ومعنى الآية: إن زوجات
стр. 690
الذين يموتون: عدتهن أربعة أشهر وعشرة أيام، قال الزمخشري: وقيل: عشرا، ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة معها.
فلا يحل لهن فيها الخطبة والزواج والخروج من المنزل إلا لعذر شرعي. وهذا الحكم لغير الحوامل، أما الحامل التي يموت زوجها فتنقضي عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الموت بساعة، عملا بآية الطلاق السابق الإشارة إليها، وبما روى أبو داود من حديث سبيعة الأسلمية أن النّبي ﷺ أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر.
ما تمتنع منه المعتدة:
اختلف العلماء في الذي يتربص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي يسكنه في حياة أزواجهن، وأدلتهم من السنة الصحيحة كثيرة، منها: ما
رواه الشيخان عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت بطيب فيه صفرة-خلوق وغيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
وقالت زينب: سمعت أمّي أمّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر».
والكحل الذي منعه النّبي ﷺ هو كحل الزينة، لا كحل التداوي بدليل
стр. 691
حديث الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار».
وقال بعضهم: إنما عدة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما
روي عن أسماء بنت عميس قالت: «لما أصيب جعفر، قال لي رسول الله ﷺ : تسلّبي (١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت» ويرد عليهم بأنه يحتمل أن يكون أمرها بالتسلب ثلاثا، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدة لبسها، مما لم يكن زينة، ولا تطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة، ولا ثياب تسلب.
وتقدير المدة بأربعة أشهر وعشر أمر تعبدي، لا يبحث عن حكمته، فهو كأعداد الركعات ومقادير الزكوات.
والحكمة في هذه العدة: استبراء الرحم من ماء الزوج المتوفى، فيمنع نكاح المعتدة حتى تمضي مدة تتبين فيها: أهي حامل، فيلحق ولدها بالزوج المتوفى؟ أم حائل (غير حامل) فإذا تزوجت وولدت لحق الولد بالزوج الثاني. ومنعت الطيب والزينة، لأنهما من دواعي الزواج، وذريعة إليه. ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة. ومنع عقد الزواج عليها وخطبتها صراحة في العدة، لأن ذلك ذريعة، ورخص في التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة.
أما في الجاهلية فكانت المرأة تحد على زوجها سنة كاملة لا تمس طيبا ولا زينة، ولا تبدو للناس في مجتمعهم.
стр. 692
ثم أبان الله تعالى ما يباح بعد انتهاء العدة بقوله: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.﴾. (١) فخاطب الأولياء بأنه إذا أتممن عدتهن، فلا إثم عليكم أيها الأولياء وجميع الناس فيما فعلن في أنفسهن ما كان محظورا عليهن قبل ذلك من التزوج فما دونه من التزين، والتعرض للخطاب، واختيار الأزواج وتقدير الصداق، والخروج من البيت على الوجه المعروف شرعا وعرفا: وهو ما أذن الله لهن فيه، والله بما تعملون خبير، فهو محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، ويعلم من يعضل النساء فيجازيه، ويعلم من يحسن توجيه النساء نحو التزام حدود الشرع، أو يتساهل ويفرط في حقوق الله، فإن جعلتم نساءكم تسير على نهج الشرع سعدتم، وإن فرطتم وانحرفتم عن حدود الله وقعتم في الشقاء والعذاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم، ومعناها الخصوص فهي مخصوصة بغير الحوامل، لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤/ ٦٥].
وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ [البقرة ٢٤٠/ ٢]. لأن الناس كانوا في مبدأ الإسلام إذا توفي الرجل وخلّف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة، وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث.
стр. 693
وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها: وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين. لكن روي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا. وحجتهما الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ وبين قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. لأنها إذا قعدت أقصى الأجلين، فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل، فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق علماء الأصول ما عدا الحنفية الذين يقدمون الترجيح على الجمع. ويرد على هذا الاتجاه
بحديث سبيعة الأسلمية في الصحيح، كما تقدم، وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأباح لها أن تتزوج. قال الزهري: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء.
واتفق العلماء على أن عدة الحامل المطلقة تنتهي بوضع الحمل.
وليس لمعتدة الوفاة نفقة في رأي الجمهور، لانتهاء الزوجية بالموت، وأوجب لها المالكية السكنى مدة العدة إذا كان المسكن مملوكا للزوج، أو مستأجرا ودفع أجرته قبل الوفاة، وإلا فلا، بدليل
قوله ﵊ للفريعة:
«امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». وأجمع أهل العلم على وجوب نفقة الحامل المطلقة ثلاثا أو الرجعية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ، فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٦/ ٦٥].
وعلى المرأة في رأي مالك إذا أتاها نعي زوجها، وهي في بيت غير بيت زوجها، الرجوع إلى مسكنه. وقال سعيد بن المسيب والنخعي: تعتد حيث أتاها الخبر حتى تنقضي العدة.
стр. 694
والإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيّب والحليّ والكحل والخضاب بالحنّاء ما دامت في عدتها، لأن الزينة داعية إلى الأزواج. فنهيت عنها سدا للذرائع، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك.
والحداد على القريب ثلاثة أيام فقط، وعلى الزوج أربعة أشهر وعشر، وهو مقصور على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من المنزل إلا لضرورة أو عذر (١)،
روى البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحدّ امرأة على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب (٢)، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار» (٣)
وفي حديث أم حبيبة: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» الحديث، وهو يدل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، خلافا للأعراف الفاسدة السائدة اليوم.
وأجاز الحنفية والمالكية (٤) للمتوفى عنها زوجها لا المطلقة أن تخرج من منزل العدة نهارا في حوائجها الضرورية، لاكتساب ما تنفقه، لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ثم تعود فتبيت في ذلك المنزل، ولا تخرج بالليل، لعدم الحاجة إلى الخروج ليلا، كما لا تخرج لزيارة ولا تجارة ولا تهنئة ولا تعزية.
стр. 695
ولا خلاف في أن الخضاب والكحل داخلان في جملة الزينة المنهي عنها، وأنه لا يجوز لبس الثياب المصبوغة والمعصفرة، إلا ما صبغ بالسواد فإنه مرخص فيه في المذاهب الأربعة.
وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، واتفقوا على عدم وجوبه على المطلقة طلاقا رجعيا، لأنها في حكم الزوجة، لها أن تتزين لزوجها، ليرغب في إعادتها إلى الزوجية. أما المطلقة طلاقا بائنا فلا يجب عليها الحداد عند الجمهور، وإنما يستحب فقط، لأن الزوج أذاها بالطلاق البائن، فلا تلزم بإظهار الحزن والأسف على فراقه، واستحباب الحداد لها لئلا تدعو الزينة إلى الفساد.
وأوجب الحنفية الحداد على المبتوتة والمطلقة طلاقا بائنا، لأنه حق الشرع، ولإظهار التأسف على فوات نعمة الزواج، كالمتوفى عنها.
وتبدأ العدة في المذاهب الأربعة في الطلاق والوفاة من يوم الموت أو الطلاق. وأجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة: أن عليها عدة الوفاة وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض، فقالت طائفة: وهي مالك والشافعي: تعتد عدة الطلاق، لأن الله جعل عدة المطلقات الأقراء. وقال أبو حنيفة ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر، تستكمل في ذلك ثلاث حيض.
وتلزم عدة الوفاة الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة، والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت، واليائسة من المحيض، والكتابية، دخل بها أو لم يدخل، إذا كانت غير حامل، ومدة العدة كما بينا أربعة أشهر وعشرة أيام، لعموم الآية:
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَشْراً﴾: سئل أبو العالية: لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها.
стр. 696
وقال الخطابي: قوله ﴿وَعَشْراً﴾ يريد-والله أعلم-الأيام بلياليها.
وذهب أئمة المذاهب الأربعة إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول، وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليال، كان باطلا، حتى يمضي اليوم العاشر.
وإنما ورد لفظ العشر مذكرا، فلأن المراد به المدة، في رأي المبرد، المعنى:
وعشر مدد، كل مدة من يوم وليلة. والمراد به الليالي في رأي الزمخشري، كما تقدم، فلم يقل «عشرة» تغليبا لحكم الليالي، إذ الليلة أسبق من اليوم، والأيام في ضمنها. ثم إن قوله ﴿عَشْراً﴾ أخف في اللفظ.
وفي آية ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ.﴾. دليل على أن للأولياء والحكام منع النساء من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة، بل إن الأولياء من آباء وإخوة وغيرهم ممن له شأن مؤاخذون ومعاقبون على خروج النساء وتهتكهن وفعلهن غير المعروف شرعا، فإن ذلك مما يضعف الأمة، ويهدم الأخلاق.
خطبة المتوفى عنها زوجها تعريضا ووقت العقد
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾
стр. 697
الإعراب:
﴿عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ منصوب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، فنصبه، كقولهم: ضرب زيد البطن والظهر، أيّ على البطن والظهر. ويجوز نصبه على المصدر بمعنى: تعقدوا عقدة النكاح، والوجه الأول أولى وأوجه.
البلاغة:
﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ عبر بالعزم للمبالغة في تحريم مباشرة الزواج، فإذا نهي عن العزم، كان النهي عن فعل الزواج من باب أولى أو أشد نهيا. وقيل: لا تقطعوا عقد عقدة النكاح، لأن العزم: القطع، فيكون الكلام صريحا في النهي عن اليأس من الزواج وتحطيم الآمال، وتدمير الثقة بالنفس وتفويت عقد الزواج.
المفردات اللغوية:
﴿عَرَّضْتُمْ﴾ لوّحتم، والتعريض في الكلام: أن تفهم المخاطب المقصود الذي تريد بلفظ لم يوضع له صراحة، وإنما بالإشارة والتلويح، ويحتاج فهمه إلى قرينة، لبعده عن ذهن السامع، وبعبارة موجزة: هو القول المفهم للمقصود، وليس بنص فيه.
﴿خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ المتوفى عنهن أزواجهن، والخطبة: طلب الرجل المرأة للزواج بالوسائل المعروفة بين الناس. والتعريض بخطبة معتدة الوفاة في أثناء العدة: أن يقول الإنسان مثلا: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أضمرتم في النفس قصد النكاح أو العزم عليه بعد انقضاء العدة.
﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ بالخطبة ولا تصبرون عنهن، فأباح لكم التعريض ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي زواجا ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ أي ما عرف شرعا من التعريض، فالقول المعروف:
ما لا يستحيا منه في المجاهرة كذكر حسن المعاشرة ورحابة الصدر للزوجات ونحو ذلك.
﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أي عقده، والعزم: التصميم على تنفيذه ﴿الْكِتابُ﴾ أي المكتوب المفروض من العدة ﴿أَجَلَهُ﴾ أي نهايته.
﴿ما فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم وغيره ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ أن يعاقبكم إذا عزمتم ﴿غَفُورٌ﴾ لمن يحذره ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العقوبة عن مستحقها.
стр. 698
التفسير والبيان:
لا يزال الكلام في أحكام النساء، ففي الآيات السابقة بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وحقوق الزوجات والأولاد، وواجبات الأب من نفقة وسكنى وكسوة، ووجوب العدة والحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها، وفي هذه الآية توضيح جواز خطبة معتدة الوفاة في العدة تلميحا لا تصريحا، وصحة إبرام العقد عليها بعد انقضاء العدة. فأبان الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج على الرجل أن يعرّض بالخطبة للمرأة المتوفى عنها زوجها أو لوليها، ومثلها المطلقة طلاقا بائنا، في أثناء العدة، أو يضمر في نفسه قصد زواجه بها، لأن التعريض لا يمس حق الزوج السابق، وربما كان فيه نوع من الإيحاء بالثقة والطمأنينة على أوضاع المستقبل، حيث تصبح المرأة لا عائل لها، ولأن إضمار شيء في النفس أمر طبيعي يشق الاحتراز عنه، لذا قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ في أنفسكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم، ولا ضرر ولا خطر في قصد شيء بالنفس. ولكن يحرم المواعدة على الزواج في السر، لأن في المواعدة مدرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، ولا تحرم المواعدة بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات ونحو ذلك، فيكون المراد بالقول المعروف: هو التعريض لا التصريح، أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض.
والمراد بالسر في الأصل: هو الوط ء، ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سرا، فأطلق على العقد الذي هو سبب الوط ء، وقيل كما اختار الطبري: المراد به هنا هو الزنى، أو القول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري. قال ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك.
والتعريض بالخطبة للمعتدة بسبب الوفاة أو لوليها في العدة: كأن يقول:
إنك لجميلة، أو عسى أن ييسر الله لي امرأة صالحة بنت حلال مثلك، حتى تدخر
стр. 699
نفسها له، أو يمتدح نفسه أمامها فيقول: إني حسن الخلق، كريم الأصل، سخي النفس، جميل العشرة، محسن إلى الزوجة، ونحو ذلك من الكنايات التي يستعملها الناس، ويتفننون فيها بأنواع من الذكاء وحسن الدهاء في كل عصر.
وفائدة ذلك ظاهرة: هي أن تختار من الخطّاب من هو الأفضل والأكرم.
أما خطبة المعتدة من طلاق رجعي تلميحا أو تصريحا فحرام، لأنها لا تزال في عصمة زوجها، ما دامت في العدة.
وأما التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن فحرام أيضا. ودليل جواز التعريض: ما
أخرج الطبري عن سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر: محمد بن علي الباقر، وأنا في عدتي، فقال:
يا ابنة حنظلة، أنا من علمت قرابتي من رسول الله ﷺ ، وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله ﷺ وموضعي، قد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله ﷺ يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة.
فالقول المعروف غير المنكر شرعا: وهو القول العفّ والإشارة الخفيفة والكلام اللطيف غير الجارح الذي يدخل في التعريض هو الجائز، كما فعل النبي ﷺ مع أم سلمة بعد وفاة زوجها، حيث ذكر لها منزلته عند الله تعالى.
ثم ذكر سبحانه وقت إباحة عقد الزواج على المعتدة: وهو ما بعد انقضاء العدة، ونهى نهيا شديدا عنه قبل ذلك، فقال: ولا تصمموا على إبرام الزواج
стр. 700
الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهي عدتها من زوجها السابق: وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.
وحذر الله تعالى من تجاوز هذا الحد، فقال: اعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا التجاوز من قول أو فعل على ما منع الله، وفي هذا التحذير قرن الأحكام بالموعظة ترغيبا وترهيبا، لتأكيد المحافظة عليها.
ومع هذا اعلموا أن الله غفور لمن تعدى حدود الله وفرط بارتكاب الذنب ثم تاب وأصلح، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا أعمالهم، فلا تغتروا بإمهاله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١ - يحرم التصريح بالخطبة للمعتدة أيا كانت عدتها، فلا يجوز بالإجماع (١) الكلام مع المعتدة في أمر الزواج سرا، أو التواعد معهن عليه، لكن يجوز التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة والمطلقة طلاقا بائنا، تمهيدا للمشاورة والتفكير بالموافقة على مبدأ الزواج الجديد في المستقبل. ولا يجوز إجماعا التعريض لخطبة الرجعية، لأنها كالزوجة.
قال سحنون وكثير من العلماء: والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض.
٢ - يحرم شرعا إبرام عقد الزواج على أية معتدة في العدة، لقوله تعالى:
стр. 701
﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ وهذا من المحكم المجمع على تأويله: أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، مراعاة لحقوق الزوجية والتعرف على براءة الرحم من الحمل لئلا تختلط الأنساب.
٣ - استدل الشافعية بهذه الآية على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وقالوا: لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح، دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح قائما مقام التصريح. ورد عليهم بأن الله لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف، والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرّض، لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح، ويلزم على قول الشافعية: أن التعريض بالقذف جائز مباح، كما أبيح التعريض بالخطبة بالنكاح (١).
٤ - اختلف العلماء في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ويعقد بعد العدة: فقال مالك في رواية أشهب وابن القاسم: إنه يفرّق بينهما إيجابا. وقال الشافعي: إن صرّح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح، حتى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت، والتصريح لهما مكروه، لأن النكاح حادث بعد الخطبة.
٥ - إذا عقد على المعتدة في العدة، وبنى بها، فسخ الحاكم النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحل نكاحها أبدا عند مالك والشعبي، وبه قضى عمر ﵁ قائلا: «ثم لا يجتمعان أبدا»، لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.
стр. 702
وقال الجمهور: يفسخ النكاح، فإذا انتهت عدتها، كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة: من كتاب أو سنة أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابي ليس حجة، وأنكر علي هذا القضاء من عمر، وقال المحدثون: هذا الأثر عن عمر منقطع، وقد روي عن مسروق: أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان، ولذا جعل القرطبي رأي عمر مع الجمهور الذين احتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها، لم يحرم عليه تزوجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة. وهو قول علي وابن مسعود والحسن البصري.
٦ - لا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة زواجا، وهي في العدة من غيره أن النكاح فاسد، واتفق عمر وعلي أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد، وذلك أمر متفق عليه مع الجهل بالتحريم، ومختلف فيه مع العلم بالتحريم.
واختلفوا هل تعتد منهما جميعا؟ وهذه مسألة العدتين.
قال مالك في رواية المدنيين عنه والشافعي وأحمد والليث وإسحاق: إنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، وهو رأي عمر وعلي ﵄، أي فعليها عدتان.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرّق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور. وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه، فدل على أنها في عدّة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه.
أجاب الأولون فقالوا: هذا غير لازم، لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين، كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه.
стр. 703
٧ - قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
المطلقة قبل الدخول ومتعتها أو وجوب نصف المهر لها
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾
الإعراب:
﴿ما لَمْ﴾ ما: إما شرطية، أي إن لم تمسوهن، وإما ظرفية زمانية مصدرية، أي مدة لم تمسوهن.
﴿مَتاعاً﴾ اسم أقيم مقام التمتع، وهو منصوب على المصدر، أي متعوهن متاعا ﴿حَقًّا﴾ منصوب أيضا على المصدر، وتقديره: حقّ ذلك حقا ﴿فَنِصْفُ﴾ مرفوع إما مبتدأ وخبره محذوف وتقديره: فعليكم نصف ما فرضتم وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالواجب نصف ما فرضتم ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن: حرف ناصب، والنون في يعفون نون النسوة، فهي علامة جمع، لا علامة رفع، وإذا اتصلت بالفعل المضارع صار مبنيا، كاتصاله بنون التوكيد. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ مبتدأ وخبر.
стр. 704
البلاغة:
﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ في التخاطب. الخطاب في قوله ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ و ﴿لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عام للرجال والنساء، ولكن بطريق التغليب. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والخوف.
المفردات اللغوية:
﴿لا جُناحَ﴾ لا إثم ولا تبعة عليكم، والمراد لا شيء عليكم ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ أي ولم تفرضوا لهن فرضا أي تقدروا لهن مقدارا توجبونه على أنفسكم وهو المهر، أي لا تبعة ولا مسئولية عليكم بإثم ولا مهر في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم فرض المهر. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي فطلقوهن وأعطوهن ما يتمتعن به ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغني منكم ﴿الْمُقْتِرِ﴾: الفقير ﴿قَدَرُهُ﴾: أي قدر الإمكان والطاقة.
﴿مَتاعاً﴾ أي متعوهن تمتيعا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعا، وهو صفة ﴿مَتاعاً﴾. ﴿حَقًّا﴾ صفة ثانية أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا ثابتا واجبا. والمعروف: ما يتعارفه الناس ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم ومعايشهم وبيئاتهم. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعين الذين يحسنون في معاملة المطلقات.
﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾: لكن إذا ترك الزوجات المطلقات حقهن ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الولي يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن، فلا يطالبنهم بنصف المهر، إن كن مالكات أنفسهن، أو يسقط الولي الذي يلي عقد النكاح ما وجب للمطلقات قبل الدخول من نصف الصداق، إن لم يكنّ مالكات أنفسهن. والولي: هو الأب في ابنته البكر، وهو رأي مالك وابن عباس وجماعة من التابعين. وقيل: هو الزوج، وعفوه: تركه ما يعود إليه من نصف المهر الذي أعطاه للمرأة. ويكون المعنى: إلا أن يعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصداق، فيجعل المهر كله لها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي في قوله الجديد، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، وهو رأي علي وشريح وسعيد بن المسيب، وحجتهم: أن الله قال: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي.
وحجة الفريق الأول: أن الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج، لقال: أو يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. ولأن معنى ﴿يَعْفُونَ﴾، يسقطن وكذلك معنى ﴿يَعْفُوَا﴾ يسقط، والولي هو الذي يسقط، أما الزوج فيعطي.
стр. 705
قال الزمخشري: والأول ظاهر الصحة، وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيها نظر (١).
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي أن يتفضل بعضكم على بعض، والفضل: المودة والصلة.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ خبير بأعمالكم، فيجازيكم عليها.
سبب النزول:
روي أنها نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة، ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية، فقال له ﷺ : «أمتعها ولو بقلنسوتك» (٢).
التفسير والبيان:
لا شيء عليكم أيها الأزواج من الصداق المسمى أو مهر المثل إن لم يسمّ المهر إن طلقتم النساء قبل الدخول وقبل تحديد أو تقدير مهر لهن. وقد دل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فأوجب نصف المهر في مقابله. وقوله ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة. وقال بعضهم: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو.
وإنما الواجب عليكم المتعة، أي إعطاء المطلقات شيئا من أموالكم يتمتعن به بحسب حالكم من الثروة والغنى والمنزلة والفقر، جبرا للخاطر، ولم يحدده الله تعالى، وإنما ترك تقديره لحالة الزوج من غنى وفقر حسب الطاقة. وكان ابن