﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ وهذا من المحكم المجمع على تأويله: أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، مراعاة لحقوق الزوجية والتعرف على براءة الرحم من الحمل لئلا تختلط الأنساب.
٣ - استدل الشافعية بهذه الآية على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وقالوا: لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح، دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح قائما مقام التصريح. ورد عليهم بأن الله لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف، والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرّض، لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح، ويلزم على قول الشافعية: أن التعريض بالقذف جائز مباح، كما أبيح التعريض بالخطبة بالنكاح (١).
٤ - اختلف العلماء في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ويعقد بعد العدة: فقال مالك في رواية أشهب وابن القاسم: إنه يفرّق بينهما إيجابا. وقال الشافعي: إن صرّح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح، حتى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت، والتصريح لهما مكروه، لأن النكاح حادث بعد الخطبة.
٥ - إذا عقد على المعتدة في العدة، وبنى بها، فسخ الحاكم النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحل نكاحها أبدا عند مالك والشعبي، وبه قضى عمر ﵁ قائلا: «ثم لا يجتمعان أبدا»، لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله.
стр. 702
وقال الجمهور: يفسخ النكاح، فإذا انتهت عدتها، كان خاطبا من الخطاب، ولم يتأبد التحريم، لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة: من كتاب أو سنة أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابي ليس حجة، وأنكر علي هذا القضاء من عمر، وقال المحدثون: هذا الأثر عن عمر منقطع، وقد روي عن مسروق: أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان، ولذا جعل القرطبي رأي عمر مع الجمهور الذين احتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها، لم يحرم عليه تزوجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة. وهو قول علي وابن مسعود والحسن البصري.
٦ - لا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة زواجا، وهي في العدة من غيره أن النكاح فاسد، واتفق عمر وعلي أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد، وذلك أمر متفق عليه مع الجهل بالتحريم، ومختلف فيه مع العلم بالتحريم.
واختلفوا هل تعتد منهما جميعا؟ وهذه مسألة العدتين.
قال مالك في رواية المدنيين عنه والشافعي وأحمد والليث وإسحاق: إنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، وهو رأي عمر وعلي ﵄، أي فعليها عدتان.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرّق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور. وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه، فدل على أنها في عدّة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه.
أجاب الأولون فقالوا: هذا غير لازم، لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين، كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه.
стр. 703
٧ - قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
المطلقة قبل الدخول ومتعتها أو وجوب نصف المهر لها
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾
الإعراب:
﴿ما لَمْ﴾ ما: إما شرطية، أي إن لم تمسوهن، وإما ظرفية زمانية مصدرية، أي مدة لم تمسوهن.
﴿مَتاعاً﴾ اسم أقيم مقام التمتع، وهو منصوب على المصدر، أي متعوهن متاعا ﴿حَقًّا﴾ منصوب أيضا على المصدر، وتقديره: حقّ ذلك حقا ﴿فَنِصْفُ﴾ مرفوع إما مبتدأ وخبره محذوف وتقديره: فعليكم نصف ما فرضتم وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالواجب نصف ما فرضتم ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن: حرف ناصب، والنون في يعفون نون النسوة، فهي علامة جمع، لا علامة رفع، وإذا اتصلت بالفعل المضارع صار مبنيا، كاتصاله بنون التوكيد. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ مبتدأ وخبر.
стр. 704
البلاغة:
﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ في التخاطب. الخطاب في قوله ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ و ﴿لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عام للرجال والنساء، ولكن بطريق التغليب. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والخوف.
المفردات اللغوية:
﴿لا جُناحَ﴾ لا إثم ولا تبعة عليكم، والمراد لا شيء عليكم ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ أي ولم تفرضوا لهن فرضا أي تقدروا لهن مقدارا توجبونه على أنفسكم وهو المهر، أي لا تبعة ولا مسئولية عليكم بإثم ولا مهر في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم فرض المهر. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي فطلقوهن وأعطوهن ما يتمتعن به ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغني منكم ﴿الْمُقْتِرِ﴾: الفقير ﴿قَدَرُهُ﴾: أي قدر الإمكان والطاقة.
﴿مَتاعاً﴾ أي متعوهن تمتيعا ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعا، وهو صفة ﴿مَتاعاً﴾. ﴿حَقًّا﴾ صفة ثانية أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا ثابتا واجبا. والمعروف: ما يتعارفه الناس ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم ومعايشهم وبيئاتهم. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعين الذين يحسنون في معاملة المطلقات.
﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾: لكن إذا ترك الزوجات المطلقات حقهن ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الولي يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن، فلا يطالبنهم بنصف المهر، إن كن مالكات أنفسهن، أو يسقط الولي الذي يلي عقد النكاح ما وجب للمطلقات قبل الدخول من نصف الصداق، إن لم يكنّ مالكات أنفسهن. والولي: هو الأب في ابنته البكر، وهو رأي مالك وابن عباس وجماعة من التابعين. وقيل: هو الزوج، وعفوه: تركه ما يعود إليه من نصف المهر الذي أعطاه للمرأة. ويكون المعنى: إلا أن يعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصداق، فيجعل المهر كله لها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي في قوله الجديد، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، وهو رأي علي وشريح وسعيد بن المسيب، وحجتهم: أن الله قال: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلا، فلا ينطبق على الولي.
وحجة الفريق الأول: أن الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج، لقال: أو يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. ولأن معنى ﴿يَعْفُونَ﴾، يسقطن وكذلك معنى ﴿يَعْفُوَا﴾ يسقط، والولي هو الذي يسقط، أما الزوج فيعطي.
стр. 705
قال الزمخشري: والأول ظاهر الصحة، وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيها نظر (١).
﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي أن يتفضل بعضكم على بعض، والفضل: المودة والصلة.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ خبير بأعمالكم، فيجازيكم عليها.
سبب النزول:
روي أنها نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة، ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية، فقال له ﷺ : «أمتعها ولو بقلنسوتك» (٢).
التفسير والبيان:
لا شيء عليكم أيها الأزواج من الصداق المسمى أو مهر المثل إن لم يسمّ المهر إن طلقتم النساء قبل الدخول وقبل تحديد أو تقدير مهر لهن. وقد دل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ فأوجب نصف المهر في مقابله. وقوله ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة. وقال بعضهم: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو.
وإنما الواجب عليكم المتعة، أي إعطاء المطلقات شيئا من أموالكم يتمتعن به بحسب حالكم من الثروة والغنى والمنزلة والفقر، جبرا للخاطر، ولم يحدده الله تعالى، وإنما ترك تقديره لحالة الزوج من غنى وفقر حسب الطاقة. وكان ابن
стр. 706
عباس يقول: متعة الطلاق: أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.
وجعل الله تعالى هذه المتعة حقا واجبا على الذين يحسنون معاملة المرأة.
وللفقهاء فيها آراء، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها واجبة للمطلقة قبل الدخول ولم يسمّ لها مهر، لظاهر قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. وهي مستحبة لسائر المطلقات، كالمطلقة بعد الدخول، والمطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر (١).
وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أن المتعة مندوبة ما عدا المطلقة قبل الدخول التي لم يسم لها المهر، وقيل بوجوبها.
ورأى الشافعي وأحمد: أنها واجبة للمطلقة قبل الدخول سواء التي فرض لها مهر أو لم يفرض لها إلاّ المطلقة قبل الدخول المسمى لها المهر، وأوجبها الشافعية أيضا للمطلقة بعد الدخول، لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢٤١/ ٢] يعني أن المتعة واجبة لكل مطلقة في مذهب الشافعي الجديد ما عدا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر.
والظاهر القول بالوجوب، لظاهر الأمر: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وكأن الله جعل لها المتعة في مقابل ما جعل المسمى لها من نصف الصداق حال التسمية. وأما قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فليبين أن مقتضى الإحسان يوجب ذلك.
هذا هو القسم الأول المذكور في الآية وهو حكم المطلقة قبل الدخول والتي لم يسم لها المهر، وهذه لها المتعة. ثم بيّن الله تعالى حكم القسم الثاني وهو المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، وهذه لها نصف الصداق، فقال الله تعالى فيما معناه:
стр. 707
إذا طلقت المرأة قبل الدخول، وقد سمّي لها صداق، فيجب لها نصفه ولها حق أخذه في كل حال، إلا أن تعفو المطلقة، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي، وعفوه: إسقاط الحق في نصف المهر، وقيل: هو الزوج وعفوه:
التنازل عن نصف الصداق المستحق له، فتأخذ المهر كله، كما بينا في شرح المفردات. والعفو أقرب لتقوى الله، أي أن من عفا من الرجال والنساء فهو المتقي.
ولا تنسوا التفضل بينكم بالإحسان، فتتركوه وتستقصوا أخذ كل المستحق، فإن العفو خير لكم جميعا، والله بما تعملون بصير، فيجازي كلا على حسب نيته وعمله، ويعلم من عفا، وعامل بالإحسان من لم يفعل ذلك. وهذه خاتمة للتذكير باطلاع الله على كل ما يعامل به الأزواج بعضهم بعضا، ترغيبا في الإحسان والفضل، وترهيبا من المخاشنة والجهل.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - ذكر الله تعالى في هذه الآية حكم حالتين من الطلاق: المطلقة قبل الدخول وقبل تسمية المهر، فجعل لها المتعة، والمطلقة قبل الدخول وبعد تسمية المهر، وجعل لها نصف الصداق.
والحكمة في المتعة وإيجاب نصف المهر قبل الدخول: جبر وحشة الطلاق، والتعويض عما لحق المرأة من أذى وسوء سمعة، فيكون ذلك سبيلا لرفع معنويات المرأة المطلقة، ودفع الشبهات والريبة عنها، وتوفير حسن الصيت وطيب الشهرة لها، حتى لا تتضرر باحتمال إعراض الخطّاب عليها، وتعكير صفو المستقبل المنتظر لها.
وهناك صنفان آخران من المطلقات: المطلقة المدخول بها المفروض لها المهر، وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية (في الآية: ٢٢٩)، وأنه لا يسترد
стр. 708
منها شيء، وأن عدتها ثلاثة قروء. والمطلقة المدخول بها غير المفروض لها المهر، وقد ذكر الله تعالى حكمها في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن [النساء ٢٤/ ٤].
٢ - إن قسمة الله تعالى حال المطلقة قبل الدخول إلى قسمين: مطلقة مسمى لها المهر، ومطلقة لم يسمّ لها، يدل على أن نكاح التفويض جائز: وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه، ويفرض بعد ذلك الصداق.
فإن فرض بعد العقد وقبل الطلاق، كان من المسمى، فيكون لها نصف المسمى، ويلتحق الفرض بالعقد في رأي مالك، ولا يكون لها نصف المسمى ولا يلتحق بالعقد في رأي أبي حنيفة، نظرا إلى أنها لم يسم لها في العقد.
وأما إن لم يفرض لها، وكان الطلاق، لم يجب صداق إجماعا، كما قال ابن العربي (١).
٣ - إذا مات الزوج قبل أن يفرض لها، فقال مالك: يكون حكمها حكم المطلقة، لها الميراث دون الصداق، وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا يكون لها حكم المطلقة، فيجب لها الصداق والميراث (٢).
وحجة مالك: أنه فراق في نكاح قبل الفرض، فلم يجب فيه صداق، أصله الطلاق، أي كالحكم في الطلاق.
وحجة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة: ما رواه النسائي وأبو داود عن ابن مسعود: أن النّبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق-وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها-بالمهر، والميراث، والعدة. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه.
стр. 709
٤ - ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أن المهر جميعه يتقرر بالخلوة الصحيحة، لخبر ابن مسعود قال: «قضى الخلفاء الراشدين فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا: أن لها الميراث، وعليها العدة» (١). ومشهور مذهب مالك، والشافعي: أنه لا يتقرر المهر بالخلوة إلا إذا اقترن بها مسيس (وط ء)، وظاهر القرآن يعضدهما.
٥ - ليس للمتعة بمقتضى القرآن والسنة حد معروف في قليلها ولا كثيرها.
لذا اختلف الناس فيها، فقال ابن عمر: أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها، وهو قول الشافعي القديم، وقال في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليّ: أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة. وقال ابن عباس: أرفع المتعة خادم، ثم كسوة، ثم نفقة.
وقال عطاء: أوسطها الدرع والخمار والملحفة. وقال أبو حنيفة: ذلك أدناها.
وقال الحسن البصري ومالك: يمتّع كل بقدره، هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب، وهذا بنفقة.
وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي تطلّق قبل الدخول والفرض لا يتجاوز بها نصف مهر مثلها، لا غير، لأن مهر المثل مستحق بالعقد، والمتعة:
هي بعض مهر المثل، فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلّق قبل الدخول، فيكون لها الأقل من نصف مهر مثلها ومن المتعة، وهي على قدر المعتاد المتعارف في كل وقت، كثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار (٢).
وروى الدارقطني أن الحسن بن علي ﵁ متّع زوجته: عائشة الخثعمية بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق.
٦ - قال ابن القاسم من المالكية: من جهل المتعة حتى مضت أعوام، فليدفع
стр. 710
ذلك إليها، وإن تزوّجت، وإلى ورثتها إن ماتت، لأنه حق ثبت عليه، وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق. وهذا يشعر بوجوبها في المذهب المالكي.
وقال أصبغ: لا شيء عليه، لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق، وقد فات ذلك.
٧ - دل قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ على وجوب المتعة. والموسع: الذي اتسعت حاله، والمقتر: المقل القليل المال. وكذلك قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يحق ذلك عليهم حقا: دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها، فقوله ﴿حَقًّا﴾ تأكيد للوجوب.
٨ - الواجب للمطلقة قبل الدخول نصف المهر المسمى بالإجماع. ولا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها، وقد سمّى لها مهرا: أن لها ذلك المسمّى كاملا، والميراث، وعليها العدة.
٩ - لكل امرأة تملك أمر نفسها وكانت بالغة عاقلة راشدة أن تترك النصف الذي وجب لها عند الزوج، لأن معنى ﴿يَعْفُونَ﴾: يتركن ويصفحن، وقوله ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ استثناء منقطع، لأن عفوهنّ عن النصف ليس من جنس أخذهنّ.
وأما التي في حجر أب أو وصي: فلا يجوز وضعها لنصف صداقها بلا خلاف.
ولولي المرأة في مذهب مالك العفو عن نصف الصداق، لأن الذي بيده عقدة النكاح: هو الولي، لأوجه أربعة:
الأول-لأن الزوج قد طلق، فليس بيده عقدة.
الثاني-أنه لو أراد الأزواج لقال: إلا أن تعفون، فلما عدل عن مخاطبة
стр. 711
الحاضر المبدوء به في أول الكلام: وهو الزوج، إلى لفظ الغائب دل على أن المراد به غيره.
الثالث-أنه تعالى قال: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني يسقطن، ولا يتصور الإسقاط عن شيء من المهر إلا من الولي، أما الزوج فيعطي.
الرابع-أنه تعالى قال: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني يسقطن ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ يعني يسقط، وكل هذا يرجع إلى النصف الواجب بالطلاق الذي تسقطه المرأة، فأما النصف الذي لم يجب، فلم يجر له ذكر.
ورجح ابن العربي هذا القول قائلا: والذي تحقق عندي بعد البحث والسّبر أن الأظهر هو الولي لثلاثة أوجه (١).
وللزوج في رأي الشافعي وأبي حنيفة: أن يترك ما يعود إليه من نصف المهر الذي سماه للزوجة، لما
رواه الدارقطني عن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
«ولي عقدة النكاح: الزوج». وروى الدارقطني عن جبير بن مطعم: أنه تزوج امرأة من بني نصر (بطن من هوازن) فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملا، وقال: أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وأنا أحق بالعفو منها.
١٠ - أقرب الزوجين للتقوى: الذي يعفو. وعلى الزوج ألا ينسى مودة أهل البيت الذين تزوج منهم ثم طلق، وألا يهجرهم أو يسبهم ويلعنهم ويحقد عليهم، كما هو حال الناس اليوم مع الأسف بعد حدوث الطلاق بين زوجين، فصارت رابطة المصاهرة بعد انفصالها مرتعا للمخاصمات والمنازعات والمهاترات والمكائد، وهذا كله مناقض لكتاب الله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
стр. 712
قال مجاهد: الفضل: إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. بل إن الآية تذكّر بالإحسان واستعمال الفضل في المعاملات، لأن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه ولا يستغل حاجته ويعطيه إذا كان محتاجا، ولا يبخل ولو بالدعاء له.
١١ - دلت آية ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ..﴾. على صحة هبة المشاع، لأن الله تعالى أوجب للمرأة بالطلاق نصف الصداق، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم.
وقال أبو حنيفة: لا تصح هبة المشاع إلا بعد القسمة، لأن القبض شرط صحة الهبة، وقبض المشاع أمر متعذر.
الحفاظ على الصلاة
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾
الإعراب:
﴿قانِتِينَ﴾ حال أي ذاكرين الله في قيامكم، والقنوت: أن تذكر الله قائما. ﴿فَرِجالاً﴾ حال منصوب، وعامله محذوف تقديره: فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام. ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ الكاف بمعنى مثل، وما: المصدرية أو موصولة مفعول لفعل «علمكم».
البلاغة:
﴿الصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ عطف خاص على عام، تنويها بفضلها وتنبيها على شرفها في جنسها.
هناك طباق بين ﴿خِفْتُمْ﴾ و ﴿أَمِنْتُمْ﴾. وعبر بكلمة الشرط ﴿فَإِنْ﴾ لعدم تحقق وقوع الخوف،
стр. 713
وأورد الثانية بكلمة ﴿فَإِذا﴾ لتحقق وقوع الأمن وكثرته، وأوجز في جواب الأولى مراعاة لظرف الخوف، وأطنب في جواب الثانية لمناسبته ظرف الأمن والاستقرار.
المفردات اللغوية:
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ داوموا على الصلوات الخمس بإتقان وأداء في أوقاتها وإتمام أركانها وشروطها مع خشوع القلب، دون تضييع ولا عجلة ولا تأجيل. ﴿الصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ من الوسط:
وهو العدل والخيار، والوسطى: الفضلى، ويحتمل أنها وسط أو متوسطة في العدد، لأنها متوسطة بين صلاتين قبلها وصلاتين بعدها، وقيل: إنها وسط من الوقت. والراجح من الأقوال: أنها صلاة العصر، لما
رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن علي مرفوعا يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى-صلاة العصر»، و
روى أحمد والشيخان: أن النّبي ﷺ قال في هذا اليوم: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى، حتى غابت الشمس» ولم يذكر العصر.
وفي رواية عن علي عن عبد الله بن أحمد في سند أبيه: «كنا نعدّها الفجر، فقال رسول الله ﷺ : هي العصر» وأخرج الشيخان: «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله».
﴿وَقُومُوا لِلّهِ﴾ في الصلاة ﴿قانِتِينَ﴾ ذاكرين الله تعالى في القيام، مداومين على الضراعة والخشوع، وقيل: مطيعين، لما رواه أحمد: «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» وقيل: ساكتين، لما رواه الشيخان عن زيد بن أرقم: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت».
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدو أو سيل أو سبع ﴿فَرِجالاً﴾ جمع راجل، أي مشاة صلوا ﴿أَوْ رُكْباناً﴾ جمع راكب، أي كيف أمكن، مستقبلي القبلة أو غيرها، ويومئ بالركوع والسجود، وهذا مذهب الشافعي ﵀. وعن أبي حنيفة ﵀: لا يصلون في حال المشي والمسابقة، ما لم يمكن الوقوف.
﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ﴾ من الخوف ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ أي صلوا على النحو الذي علمكم إياه من الإتيان بالفرائض وحقوق الصلاة كاملة.
سبب النزول:
أخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والبيهقي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النّبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهاجرة، وكانت أثقل الصلوات
стр. 714
على أصحابه، فنزلت: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ وهذا يدل على أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وبه قال جماعة.
وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير الطبري عن زيد بن ثابت أن النّبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾.
وأخرج الأئمة الستة وغيرهم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم على عهد رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
المناسبة:
ختمت آيات الأحكام السابقة في العبادات والمعاملات ومعاملة الزوجات بالأمر بتقوى الله والتذكير بعلمه بحال عباده وما أعد لهم من جزاء على العمل، لتقوية الوازع الديني في النفوس، كما هي سنة القرآن.
ثم توسطت آيات المحافظة على الصلاة آيات أحكام الأسرة لحكمة (١): وهي الحاجة إلى مذكّر عملي يصل الإنسان بالله، للترفع عن البغي والعدوان، والميل إلى العدل والإحسان في معاملة الأسر، ولا سيما بعد الطلاق الذي يولد الشحناء والبغضاء، وذلك المذكّر هو الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتدعو إلى الإحسان والتسامح، وتنفي الجزع وتنسي هموم الدنيا، فتتربى النفس الإنسانية على أفضل سلوك، وأقوم طريق، وإشارة إلى أنه يجب ألا تشغلنا البيوت وأوضاعها ولا أنفسنا عن الصلاة.
стр. 715
التفسير والبيان:
داوموا على الصلوات جميعها، لما فيها من مناجاة الله ودعائه والثناء عليه، ولأنها عماد الدين، ولما لها من الأثر الفعال في تطهير النفس، إذا كانت على النحو المقرر
في الحديث: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» (١).
والصلاة الوسطى داخلة في الصلوات، وإنما خصها الله بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها، وتذكيرا بها، سواء أكانت صلاة الظهر بسبب شدة الحر في الأقاليم الحارة، ولأنها في وسط النهار، كما رجح القرطبي، أم صلاة العصر حيث يشغل الناس عنها لإنهاء أعمالهم اليومية، وشكرا لله تعالى على التوفيق في إنجاز العمل اليومي الذي يعود بالثمرة الطيبة على النفس والأهل والوطن، أم صلاة الصبح، كما قال ابن عباس وابن عمر وأبو أمامة وعلي، بسبب الحرص على النوم والتكاسل عن أدائها، ولأنها أثقل صلاة على المنافقين، أم غير ذلك وهي المغرب أو العشاء أو الجمعة، وفي ذلك سبعة أقوال للعلماء، رجح ابن العربي أن تعيينها متعذر (٢).
وقوموا خاشعين لله في صلاتكم، متفرغين من كل مشاغل الدنيا التي تصرف القلب عن الخشوع، ذاكرين الله دون سواه، ساكتين لا تتكلمون بغير آي القرآن والدعاء والمناجاة بحسب تنظيم الشرع أحوال الصلاة. والقنوت في رأي مجاهد:
هو السكوت، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في سبب النزول المتقدم.
والمحافظة على الصلاة في وقتها مع الخشوع وحضور القلب دليل الإيمان وصحة الإسلام، وأخوة الدين، وحفظ الحقوق، والمحافظ عليها هو الذي يرجى خيره، ويؤمن شره،
روى أحمد وأصحاب السنن من حديث بريدة قال: سمعت
стр. 716
رسول الله ﷺ يقول: «العهد الذي بيننا وبينكم: الصلاة، فمن تركها فقد كفر»
وروى أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو عن النّبي ﷺ «أنه ذكر الصلاة يوما، فقال: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف».
وكان من أثر ترك الصلاة على الوجه الشرعي فشو المنكرات والفواحش، وظهور الخيانة، وزعزعة الأمن على النفس والمال، وكثرة الاعتداءات، وانقباض الأيدي عن فعل الخير، وقلة التراحم والتعاطف، وسوء الظن، وضعف الثقة بين الناس.
ونظرا لأهمية الصلاة وخطورتها لم يجز الإسلام تركها في أي حال من الأحوال، لذا قال الله تعالى ما معناه: لا عذر لأحد في ترك الصلاة، حتى في حال الخوف على النفس أو المال أو العرض من العدو، فإن خفتم أي ضرر من القيام، فصلوا كيفما كان راجلين (مشاة) أو ركبانا. فإذا أمنتم أي زال الخوف عنكم، فاذكروا الله واعبدوه، واشكروه على نعمة الأمن، كما علمكم من الشرائع، وكيفية صلاة الأمن، ما لم تكونوا تعلمون.
والمراد: ما لم تكونوا تعلمون من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن (١). وقال القرطبي: المعنى: ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان، واشكروا الله على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تفتكم صلاة من الصلوات، وهو الذي لم تكونوا تعلمونه (٢).
стр. 717
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١ - وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها، لفضلهن، وتخصيص الفضلى منهن بزيادة محافظة، أي الزائدة الفضل (١)، تشريفا لها، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ، فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨/ ٢] وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب ٧/ ٣٣] وقال: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ﴾ [الرحمن ٦٨/ ٥٥].
٢ - لا تسقط الصلاة بحال، ولا يجوز تركها لأي عذر، ولو في حال اللقاء مع العدو، أو في وسط المعارك الحربية، أو في شدة المرض، إذ شرع الإسلام أداءها بكيفية تتناسب مع كل الأحوال، ففي أثناء الخوف تؤدى إما حال الركوب أو حال المشي، أو حال الوقوف إيماء على أي وضع كان. وفي حالة المرض تصلى قياما أو قعودا أو اضطجاعا، أو على جنب، أو بالإشارة إلى الأركان بجفن العين، أو بإجراء الأركان على القلب، كما أبان الشافعية والمالكية وغيرهم،
قال النّبي ﷺ لعمران بن حصين-فيما رواه الجماعة-: «صلّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب».
وسبب عدم سقوطها في كل حال: أنها تذكر بسلطان الله على كل شيء، وبأنه وحده الغاية والهدف، وإليه المرجع والمآل، فإن الأعمال الظاهرة تساعد القلب على استحضار الذات الإلهية، والإقبال على الله في كل شيء صعب أو
стр. 718
سهل، وفي حال الصحة أو حال المرض، وفي حال الأمن أو الخوف، فسبحانه وتعالى هو المهيمن على كل شيء، وهو صاحب الجلال والعظمة، وهو وحده الفعال لما يريد، وهو الذي ينجز مطلب عبده إذا أخلص الدعاء له، وكل ذلك أمر مجرب يحتاج إلى الإيمان الصحيح، والعمل الصالح، وصدق الطلب.
٣ - دل قوله تعالى: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ على أن الوتر ليس بواجب، لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد عن ثلاثة، وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة، والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة،
وفي حديث الإسراء: «هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي».
٤ - إذا كان المراد من قوله تعالى: ﴿قانِتِينَ﴾ ساكتين وأن القنوت هنا:
السكوت كما صحح القرطبي، كانت الآية آمرة بالسكوت في الصلاة، ناهية عن الكلام فيها. قال ابن عبد البر: أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة، إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته: أنه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال: «من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام، لم تفسد صلاته بذلك» وهو قول ضعيف في النظر، لقول الله : ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾.
وقال مالك: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، فلو صلّى الإمام ركعتين، وسلّم ساهيا، فسبّحوا للتنبيه، فلم يفقه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تتمّ، فأتم صلاتك.
فالتفت إلى القوم، فقال: أحقّ ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، صحت صلاة الجميع. ودليله قصة ذي اليدين: وهي
أن رسول الله ﷺ ، سلّم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: كلّ ذلك لم
стр. 719
يكن، فقال: بعض ذلك قد كان، فقال النّبي ﷺ : أصحيح ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم (١).
وأما إذا تكلم عابثا فتبطل صلاته.
ووافق الشافعية والحنابلة مالكا في أن الصلاة لا تبطل بكلام لمصلحتها إن صدر ذلك سهوا، فمن تكلم بعد أن سلّم قبل إتمام صلاته سهوا بكلام يسير عرفا لمصلحة الصلاة، بأنه سبق لسانه إليه أو نسي الصلاة، لا تبطل صلاته عملا بقصة ذي اليدين، وأضاف الشافعية القول بأن الصلاة لا تبطل بكلام من جهل تحريم الكلام في الصلاة إن قرب عهده بالإسلام.
وذهب الحنفية: إلى أن الصلاة تفسد بالكلام عمدا أو سهوا، أو جاهلا، أو مخطئا، أو مكرها، على المختار، بالنطق بحرفين أو بحرف مفهم مثل: «ع» و «ق»، لتحريم الكلام في الصلاة،
ولقول النّبي ﷺ : «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٢). وقالوا: إن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم (٣).
٥ - ذكر أبو بكر الأنباري أن القيام أحد أقسام القنوت، وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفردا كان أو إماما.
وقال النّبي ﷺ -فيما أخرجه الأئمة-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما، فصلوا قياما» وهو بيان لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾.
стр. 720
وأجاز جمهور العلماء للمأموم الصحيح أن يصلي قائما خلف إمام مريض لا يستطيع القيام، لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته، تأسّيا برسول الله ﷺ ، إذ صلّى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا، وأبو بكر إلى جنبه قائما، يصلي بصلاته، والناس قيام خلفه.
والمشهور عن مالك: أنه لا يؤمّ القيّام أحد جالسا، فإن أمّهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم،
لأن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمّنّ أحد بعدي قاعدا».
٦ - دلت آية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ على جواز الصلاة حالة القتال، أو الخوف الطارئة أحيانا، رجالا (مشاة) على الأقدام، وركبانا على الخيل والإبل ونحوها، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، ولا تبطل بالقتال، ويسقط استقبال القبلة. وهو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد)، بدليل ظاهر الآية، ويؤيده ما
روي في الصحيح عن ابن عمر في حال الخوف: «فإن كان خوف أكثر من ذلك، صلوا قياما وركبانا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها».
وذهب أبو حنيفة: إلى أن الصلاة تبطل بالقتال. لكن ظاهر الآية حجة عليه، وحديث ابن عمر يرد عليه.
واختلف العلماء في تحديد صفة الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا: فقال الشافعي: هو إطلال العدو عليهم، فيتراءون معا، والمسلمون في غير حصن، حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق خبره، فيخبر بأن العدو قريب منهم ويصف مسيرهم، جادّين فيه، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين، فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف.
فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف، ثم ذهب العدو، لم يعيدوا، وقال أبو حنيفة: يعيدون.
стр. 721
أما صلاة الخوف مع الإمام وقسمة الناس قسمين فليس حكمها في هذه الآية، وإنما في سورة النساء.
ولا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماهير العلماء.
وتشريع صلاة الخوف دليل على أن الصلاة لا تسقط بحال ولا بعذر، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، والله أمر بالمحافظة على الصلوات في كلّ حال من صحة أو مرض، وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز، وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلّف بحال، ولا يتطرّق إلى فرضيتها اختلال.
والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتّفق فعلها إلا بالإشارة بالعين، لزم فعلها.
وبهذا تميزت الصلاة عن سائر العبادات، كلّها تسقط بالأعذار، ويترخّص فيها بالرّخص.
قال ابن العربي: ولذلك قال علماؤنا-وهي مسألة عظمي-إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها: إحدى دعائم الإسلام، لا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها، وأصله الشهادتان (١).
стр. 722
وصية الحول للمتوفى عنها زوجها ومتعة كلّ مطلّقة
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: يوصون وصية، والوصية هاهنا: قائمة مقام المصدر وهو الإيصاء، واللام في ﴿لِأَزْواجِهِمْ﴾ تتعلّق بالمصدر، أو بالفعل المقدر.
﴿مَتاعاً﴾ منصوب على المصدر، وغير إخراج: صفة له، أي: متاعا لا يخرجهن، أو منصوب على الحال من الموصين المتوفين، وتقديره: متاعا إلى الحول غير ذوي إخراج، أي مخرجين لهن. وهذه الآية منسوخة بما تقدّمها وهي آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.﴾. [البقرة ٢٣٤/ ٢].
المفردات اللغوية:
﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون زوجات بعد وفاتهم. ﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ﴾ أي فليوصوا وصية، أو يوصي الله وصية لأزواجهم، ومن قرأ: وصية بالرفع: كان مرفوعا على أنه مبتدأ، وخبره مقدر، وتقديره: فعليهم وصية لأزواجهم، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر ﴿الَّذِينَ﴾ أو مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتبت. ﴿مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي ليعطوهن ما يتمتعن به من النفقة والكسوة إلى تمام الحول من موتهم، أو جعل الله لهن ذلك متاعا مدّة الحول. ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ حال أي غير مخرجات من مسكنهن، أي لهنّ ذلك المتاع، وهنّ مقيمات في البيت غير مخرجات منه، ولا ممنوعات من السكنى فيه. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بأنفسهن. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا إثم عليكم يا أولياء الميت.
стр. 723
﴿فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤٠):
أخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حيان: أنّ رجلا من أهل الطائف قدم المدينة، وله أولاد ورجال ونساء، ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة، فرفع ذلك إلى النّبي ﷺ ، فأعطى الوالدين، وأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئا، غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً﴾ الآية (١).
نزول الآية (٢٤١):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال: لما نزلت: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢] قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
المناسبة:
هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الزواج، وتوسطت بينها آية الأمر بالمحافظة على الصلاة، لأنها عماد الدين، للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات، كان جديرا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته، كما قال الله تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة ٤٥/ ٢] وقد سبق بيان ذلك.
стр. 724
قال الإمام محمد عبده: وقد خطر لي وجه آخر: هو الذي يطّرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض، من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبديّة ومدنيّة وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارئ والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها (١).
التفسير والبيان:
على الذين يشرفون منكم على الموت، ويتركون زوجات بعدهم أن يوصوا لهنّ بوصية التّمتع المستمر في البيت إلى نهاية الحول، بدون إخراج منه أو منع السكنى فيه. فيكون للزوجة الأرملة النفقة من مال زوجها المتوفى مدّة سنة كاملة، ويجب على الورثة ألا يخرجوا المتوفى عنها زوجها ولا يمنعوا النفقة عنها قبل مضي السنة. وهل هذا الأمر أمر وجوب وإلزام أو أمر ندب واستحباب؟ قولان (٢):
١ - قول الجمهور: كانت عدّة الوفاة في أول الإسلام سنة كاملة، مجاراة لعادة العرب، ثم نسخت هذه الآية بآية المواريث في سورة النساء والآية المتقدمة المتأخرة في النزول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة ٢٣٤/ ٢]، فصارت عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، بدل السّنة، وتأخذ حقّها المقرر في الميراث. أخرج ابن جرير الطبري عن همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، كان لها السكنى والنفقة، حولا في مال زوجها، ما لم تخرج،
стр. 725
ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء، فجعل لها فريضة معلومة: الثّمن إن كان له ولد، والرّبع إن لم يكن له ولد، وعدّتها: أربعة أشهر وعشرا، فقال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً.﴾. الآية، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول.
٢ - قول مجاهد وأبي مسلم الأصفهاني من قدماء المفسّرين: هذه الآية ثابتة الحكم، لم ينسخ منها شيء. ورجح الرازي في تفسيره هذا القول.
أما مجاهد: فروى عنه ابن جرير أنه يقول: نزل في عدّة المتوفى عنها زوجها آيتان: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ وقد تقدمت، وهذه الآية، أما الآية الأولى:
فكانت هذه للمعتدة تعتدّ عند أهل زوجها واجبا ذلك، فأنزل الله هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ.﴾. إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية: إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ والعدّة كما هي.
أي أنه يجب حمل الآيتين على حالتين: فإن اختارت الإقامة في دار زوجها المتوفى، والنفقة من ماله، فعدّتها سنة، وإلا فعدّتها أربعة أشهر وعشر، فيكون للعدّة على قوله أجل محتم وهو الأقل، وأجل مخيّر فيه، وهو الأكثر.
وأمّا أبو مسلم: فيقول: إن معنى الآية: من يتوفون منكم، ويذرون أزواجا، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك، وخالفن وصية الأزواج، بعد أن يقمن المدّة التي ضربها الله تعالى لهنّ، فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة، قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون
стр. 726
بالنفقة والسكنى حولا كاملا، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب، على هذا التقدير، فالنسخ زائل.
أما الفقهاء: فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد: إلى أنه لا يجب لها السكنى مدة الأربعة الأشهر والعشر في تركة زوجها، وتعتدّ حيث شاءت. وذهب مالك:
إلى أن لها السكنى مدّة العدّة إذا كان المسكن مملوكا للزوج، أو مستأجرا ودفع أجرته قبل الوفاة وإلا فلا، لحديث الفريعة وهو: ما
رواه مالك في موطئه عن زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت:
فقال رسول الله ﷺ : «نعم»، قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، ناداني رسول الله ﷺ ، أو أمر بي، فنوديت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت:
فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به (١).
وأما بقية تفسير الآية فهو: فإن خرجن من تلقاء أنفسهن بعد مضي العدّة، فلا إثم عليكم أيها الورثة المخاطبون بتنفيذ الوصية، فيما فعلن في أنفسهن من المعروف شرعا وعادة كالخروج والتعرّض للخطّاب والزينة والتّزوج، ما دام ذلك
стр. 727
لا يتنافى مع الشرع، إذ لا ولاية لكم عليهن، والله عزيز لا يغالب ويعاقب من خالفه، حكيم في كل أمر يراعي مصالح عباده.
ثمّ بيّن تعالى حكم متعة المطلّقات عموما، فذكر أنه شرعت المتعة (وهي ما يتّفق عليه الزوجان أو يقدرها القاضي) لكل مطلّقة مدخول بها أو غير مدخول بها، وهذا حقّ على المتّقين الذين يخافون الله ويرهبون عقابه، ومثل ذلك البيان السابق لحقوق الأزواج يبيّن الله لكم سائر الأحكام بآياته المحكمة مع توضيح فائدتها، لتدفعنا إلى الخير في الدنيا والآخرة، ولنتدبر الأشياء ونتعقل ما فيها من الحكمة والموعظة الحسنة والمصلحة الحقيقية.
وهل الأمر بالمتعة على سبيل الوجوب أو الندب؟ بيّنا سابقا آراء الفقهاء، وموجزها أن الأمر بالمتعة هنا مستحب عند الجمهور، واجب عند الشافعية، وهو رأي ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وآخرين من التابعين، أما المالكية فقالوا: إن المتعة مستحبة لكل مطلقة، ما عدا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، وقال الشافعية:
المتعة واجبة لكل مطلقة قبل الدخول أو بعده، إلا المطلقة قبل الدخول المسمى لها المهر، وقال الحنفية والحنابلة برأي متوسط: المتعة واجبة للمطلقة قبل الدخول التي لم يسمّ لها مهر، مستحبة لغيرها من المطلقات. ولا متعة للمتوفى عنها زوجها لورود النص في المطلقات.
والراجح لدي ما ذهب إليه الشافعية وموافقوهم، لأن هذه الآية أثبتت المتعة لكل مطلقة، سواء أكانت مدخولا بها أم لم تكن مدخولا بها، فيكون تعالى قد ذكر أولا المتعة، وأثبتها أو أوجبها لمن طلقت قبل الدخول (المسيس) وعمّ هنا المتعة لكل مطلّقة، فهو تعميم بعد تخصيص. وروى ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً
стр. 728
بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢]، قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
وعلى هذا فإن من طلّق ظلما، أو مللا وسآمة، أو تعسّفا، يحكم عليه بالمتعة، أخذا برأي سعيد بن جبير والشافعية، أو ما يسمى بالتعويض عن الطلاق التعسّفي، ويكون ذلك بقدر حال الزوج من عسر ويسر، وهذا الرأي يحقق المصلحة ويدفع الضرر عما أصاب المرأة من طلاق جائر، ويقلل حالات الطلاق.
وتكون أحوال المطلّقات أربعة:
١ - مطلّقة مدخول بها قد فرض لها مهر، فلها كل المفروض، لقوله تعالى:
﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ [البقرة ٢٢٩/ ٢]، وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ، وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء ٤/ ٤]، وعدتها ثلاثة قروء.
٢ - ومطلّقة غير مدخول بها ولا مفروض لها: فيجب لها المتعة بحسب إيسار المطلّق، ولا مهر لها، لقوله تعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢] ولا عدة عليها.
٣ - ومطلّقة مفروض لها غير مدخول بها: لها نصف المهر المفروض، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢] ولا عدّة عليها.
٤ - ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها: لها مهر مثلها من قريباتها وأسرتها العصبات بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء ٢٤/ ٤]، ومعناه في رأي بعضهم: فأعطوهنّ مهورهنّ بالفرض والتقدير إذا كان غير مسمى.
стр. 729
هذا مع ملاحظة أن الله تعالى لم يأمرنا بالتمتيع عند ذكر نوع من المطلّقات إلا غير المدخول بهنّ (غير الممسوسات) مطلقا أي سواء سميّ لهنّ مهر أو لم يسم كما في آية الأحزاب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ، ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها، فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب ٤٩/ ٣٣]، أو مقيّدا بحالة عدم تسمية المهر بقوله: ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢]، أي مدّة عدم مسّكم إياهنّ وتسمية المهر لهنّ، أي فحينئذ يجب عليكم شيء وهو المتعة بقوله:
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهنّ شيئا يتمتّعن به، كما بيّنا سابقا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على أمرين:
الأول-عدّة المتوفى عنها زوجها: وهي حول كامل تسكن فيه في بيت المتوفى عنها، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت، لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. ثمّ نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالرّبع والثّمن في سورة النساء، كما قال ابن عباس وقتادة والضّحاك وابن زيد والرّبيع.
وقال الطبري عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثمّ جعل الله لهنّ وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾.
الثاني-متعة المطلّقات: واختلف الناس في الآية، فقال أبو ثور: هي محكمة، والمتعة لكلّ مطلّقة، وكذلك قال الزّهري، وسعيد بن جبير، والشافعي في الأصحّ، لكنه استثنى المطلّقة قبل الدخول المسمّى لها المهر. وقال مالك:
стр. 730
تستحب المتعة لكل مطلّقة إلا المطلّقة قبل الدّخول، وقد سمّى لها صداقا، فحسبها نصفه، ولو لم يكن سمّى لها، كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حدّ.
وزعم ابن زيد أن هذه الآية نسختها الآية المتقدمة: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٧/ ٢]، وهي المطلّقة التي سمّي لها المهر ولم يدخل بها، لها نصف المسمّى، فأخرجت من المتعة.
وأوجب الشافعية المتعة للمختلعة والمبارئة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعا؟! لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة، أو ملاعنة، أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمّى لها صداقا أم لا.
موت الأمم بالجبن والبخل وحياتها بالشجاعة والإنفاق
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾
стр. 731
الإعراب:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ من: استفهامية مبتدأ، وذا: خبره، والذي: صفة: ذا أو بدل منه.
﴿قَرْضاً﴾ منصوب، لأنه اسم أقيم مقام المصدر، وهو الإقراض، فانتصب انتصاب المصدر.
﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ بالنصب، معطوف بالفاء حملا على المعنى دون اللفظ، كأنه قال: من ذا الذي يكون منه قرض، فتضعيف من الله تعالى، فقدر (أن) بعد الفاء ونصب بها الفعل، وصيّرها مع الفعل في تقدير مصدر، ليعطف مصدرا على مصدر. وعلى قراءة الرفع: إما معطوف على صلة ﴿الَّذِي﴾ وهو ﴿يُقْرِضُ﴾، وإما منقطع عما قبله.
البلاغة:
قال أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط: ٢٥٣/ ٣): تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة وصنوف البيان أمورا كثيرة، منها الاستفهام الذي أجري مجرى التعجّب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ والحذف بين ﴿مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ أي فماتوا ثمّ أحياهم، والطّباق في قوله: ﴿مُوتُوا﴾ و ﴿أَحْياهُمْ﴾، وكذلك في قوله: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾، والتكرار في قوله: ﴿فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ و ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾، والالتفات في ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، والتشبيه بدون الأداة في قوله: ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ شبه قبوله تعالى إنفاق العبد في سبيله بالقرض الحقيقي، فأطلق عليه اسم القرض، والتجنيس في قوله: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ وقوله: ﴿أَضْعافاً﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام تعجيب واعتبار وتشويق إلى استماع ما بعده، أي ألم ينته علمك، والرؤية بمعنى العلم، إذ الاستفهام الحقيقي محال على الله. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا، وهو جمع كثرة، والقلّة: آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مفعول لأجله، وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففرّوا، والحذر: الخوف والخشية. ﴿مُوتُوا﴾ أي فماتوا. ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيّهم حزقيل، فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن، واستمرت في أسباطهم.
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ ومنه إحياء هؤلاء. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ وهم الكفار. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ القصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه الأمر بالقتال بقوله: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي لإعلاء دينه. ﴿سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالكم فيجازيكم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ﴾ أي يتصدّق لوجه الله. ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ بأن ينفقه لوجه الله عن طيب قلب.
стр. 732
﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ يضيف له مثله ومثله. ﴿أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ من عشرة إلى أكثر من سبعمائة.
﴿يَقْبِضُ﴾ يقتر أو يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء. ﴿وَيَبْصُطُ﴾ يوسعه لمن يشاء امتحانا.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤٥):
روى ابن حبان في صحيحة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر، قال:
لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة ٢٦١/ ٢] الآية، قال رسول الله ﷺ : «ربّ، زد أمتي فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الأسرة لتنظيم العلاقة بين أفرادها، وبنائها على دعائم وطيدة وأسس ثابتة راسخة، ثم ذكر بعدها أحكام الجهاد للدفاع عن الأمة وصون مقدّساتها والدّفاع عن عقيدتها، إذ لا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، وللجمع بين الحفاظ على المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، فيتحقق التوازن والتعادل بين ما يحفظ الجماعة وما يحفظ الفرد والأسرة، بل إن صون المصالح الخاصة لا يتمّ في الحقيقة بدون صيانة المصالح العامة وحماية الأمة، والذود عن حياضها ووجودها أمام أعدائها.
التفسير والبيان:
ألم يصل إلى علمك حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وأوطانهم، وهم قوم كثيرون من بني إسرائيل، لما لحقهم العدو وطاردهم؟ خرجوا وهم كثرة تعدّ بالألوف المؤلفة، حذر الموت والخوف منه، بسبب الجبن والخوف والهلع، وضعف
стр. 733
العزيمة، وعدم الإيمان بالله ورسله، مع أن كثرتهم تدعو إلى الثبات، والشجاعة، والصمود، والدفاع عن النفس والحمى.
ولم يبيّن الكتاب الكريم عددهم وجنسهم وبلدهم، لأن المقصود هو العظة والاعتبار، وذكر جماعة من السلف أنهم قوم من بني إسرائيل أو في زمان بني إسرائيل وهم أهل قرية يقال لها: داوردان: قرية على فرسخ من قبل واسط، أو أهل أذرعات، خرجوا هاربين فرارا من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضا ليس بها موت، فتمكن منهم العدو، ففتك بهم، وقتل أكثرهم، وفرّق شملهم، أو أنّ الله أماتهم دون قتال ثم أحياهم، ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم الله وقضائه.
وعلى التأويل الأول: لما فرّوا أماتهم الله ببطش أعدائهم وتنكيله بهم وتعذيبه لهم، ولم يكن تمكين العدو فيهم إلا بسبب جبنهم وتخاذلهم، ثم أحياهم الله بدعاء نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فأحسّوا بخطئهم الفاحش، وكتّلوا صفوفهم، وقاتلوا عدوهم بإخلاص، واستعادوا عزّتهم وكرامتهم واستقلالهم.
وقيل عن الضّحّاك: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، فهربوا، حذرا من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم، ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. قال ابن عطية: وهذا القصص كلّه ليّن الأسانيد.
وقوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ فيه دليل على الألوف الكثيرة.
وقوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ فيه دليل على الألوف الكثيرة.
وقوله: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ: مُوتُوا﴾ قال فيه الزمخشري: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة، للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقّف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ:
стр. 734
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦]. وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرّض للشهادة، وأن الموت إذا لم يكن منه بدّ، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن يكون في سبيل الله (١). وقال أبو حيان: وفي الكلام حذف، التقدير: فماتوا، وظاهر هذا الموت: مفارقة الأرواح الأجساد، قيل: ماتوا ثمانية أيام، وقيل: سبعة أيام (٢).
وعلى أي حال فقد وقع الموت والإحياء فعلا، كما يدل عليه ظاهر الآية، والله على كل شيء قدير، وتكرر مثل هذا في زمان بني إسرائيل وغيرهم في قصص القرآن.
وإذ لم تثبت الروايات المنقولة في سبب خروج القوم، أهو الفرار من الحمّى أو الطاعون، أو الفرار من الجهاد، فإني أرى أن المعنى ما رآه الطبري: وهو أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا ﷺ إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فأماتهم الله تعالى. ثم أحياهم، ليروا هم وكلّ من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى، لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد ﷺ بالجهاد.
إن الله لذو فضل على الناس فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة، وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، أو لذو فضل عليهم فيما ابتلاهم به من الطاعون أو المرض أو العدو، ليعتبروا ويتعظوا ويأخذوا من المصائب عبرة ودرسا في الإيمان، أو فيما تتمخض عنه الحوادث من تصفية وصقل وتمييز الخبيث من الطيب، لأن الحوادث تنبت الرجال، وتحيي الأمة، وتوقظها من رقادها، وتنبهها إلى أخطائها ومفاسدها.
стр. 735
ولكن أكثر الناس لا يؤدون شكر ما أنعم الله عليهم في دينهم ودنياهم، لذا أمر الله تعالى بالتضحية والقتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ونشر الدين، لأنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، والله سميع لكل قول، عليم بكل فعل، يحاسب كل إنسان على ما قدم.
وبما أن لفناء الأمم سببين: الجبن والبخل، قرن الله الآية السابقة التي تندد بالجبن والخوف والفرار من قدر الله، بالآية التي تدعو إلى البذل والإنفاق:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ.﴾. إذ عبر الله تعالى عن الإنفاق بالقرض، ليحث عباده على الإنفاق في سبيل الله، وكرر الله تعالى هذه الآية في غير موضع من كتابه العزيز، ولله ملك السموات والأرض، وبيده وحده خزائن السموات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويضاعف ثوابه أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله، ومن نماذج تضعيف الثواب ما قاله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١/ ٢]، فأنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرزاق، يضيق على من يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه المرجع والمآب يوم القيامة، فاعملوا أيها المؤمنون عملا صالحا تجدون ثمرته عند الرجوع إلى الله في الدار الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يرى القرطبي أن أصح الأقوال وأشهرها عملا بما روي عن ابن عباس: أنهم خرجوا فرارا من الوباء، فقال ابن عباس: خرجوا فرارا من الطاعون، فماتوا، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم الله. وروي عن الحسن البصري أيضا أنهم فروا من الطاعون (١).
стр. 736
وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية:
١ - الأعمار والأقدار والبلايا والأمراض بيد الله
، والإيمان بذلك واجب، ولن يغني في الواقع حذر من قدر، ولكن لما كانت الأقدار غير معروفة لدينا، جاز للإنسان اتخاذ أسباب الوقاية من المكاره، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها، والحذر من المهالك، قال الله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء ٧١/ ٤] وقال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢] فإذا نزلت المصيبة فعليه الصبر وترك الجزع، لأنه ﵊ نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها، فرارا منه. وهكذا الواجب على كل متقّ من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير
قوله ﵊: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (١).
وهذا ما دلت عليه الأحاديث، روى الأئمة، واللفظ للبخاري من
حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله ﷺ ذكر الوجع (٢)، فقال: «رجز أو عذاب عذّب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يقدمنّ عليه، ومن كان بأرض وقع بها، فلا يخرج فرارا منه».
وبمقتضى هذا الحديث ونحوه عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم، لما رجعوا من سرغ (٣) حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره. روى الزهري عن ابن عباس: أن عمر خرج إلى الشام،
стр. 737
حتى إذا كان بسرغ، لقيه التجار، فقالوا: الأرض سقيمة، فاستشار المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فعزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟! فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت بها واديا له عدوتان (١): إحداهما خصيبة، والأخرى جديبة، ألست إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: عندي من هذا علم،
سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إذا سمعتم به في أرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه» فحمد الله عمر وانصرف.
ومعنى قول عمر: لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهالك، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات. وإذا كانت الآجال محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن وقتها، فإن وجه النهي عن دخول أرض الطاعون في الحديث: هو أن الإنسان لو مات فيها فلا يقول: لو لم يدخلها ما مات.
٢ - وجوب القتال:
قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ.﴾. خطاب لأمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله، في قول الجمهور، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا، وسبل الله كثيرة، فهي عامة في كل سبيل. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا.
стр. 738
وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك.
والواو في قوله ﴿وَقاتِلُوا﴾ على القول الأول: عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. وعلى القول الثاني عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم: قاتلوا.
٣ - الإنفاق في سبيل الله:
لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق، حرّض على الإنفاق في ذلك، لأن إعداد المقاتلة والجيش يحتاج إلى نفقات كثيرة، وفي النفقة في سبيل الله ثواب عظيم، كما فعل عثمان ﵁ بتجهيز جيش العسرة.
قصة أبي الدحداح:
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري:
يا رسول الله، أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم، يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني أقرضت ربي حائطي (بستاني) وكان له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه، وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها يا أم الدحداح، قالت:
لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي .
٤ - أداء القرض:
يجب على المستقرض رد القرض، لأن الله تعالى بيّن أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى، بل يردّ الثواب قطعا، وأبهم الجزاء،
وفي الخبر: «النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر».
٥ - ثواب القرض:
ثواب القرض عظيم، لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه،
أخرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ :
«رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض
стр. 739
بثمانية عشر، فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة».
٦ - بعض أحكام القرض:
على المقترض رد مثل ما أقرضه، ويجوز إقراض النقود والأطعمة والحيوان، وأجمع المسلمون على أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه نصا أو عرفا، لأن ذلك من باب المعروف، استدلالا
بحديث أبي هريرة لدى البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة في البكر (١): «إن خياركم أحسنكم قضاء».
ولا يجوز-في رأي مالك-أن يهدي من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها، إلا أن يكون عادتهما ذلك، كما جاء في السنة،
أخرج ابن ماجه أن النّبي ﷺ قال: «إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته، فلا يقبلها ولا يركبها، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك».
وهل يجوز القرض أو التصدق بالعرض ؟
أي من سبّك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. فيه رأيان: رأي يجوز عملا
بحديث أبي ضمضم عن النّبي ﷺ في صحيح مسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك».
وقال أبو حنيفة وروي عن مالك: لا يجوز التصدق بالعرض، لأنه حق الله تعالى،
وقال ﵊ في الصحيح: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».
стр. 740
قصة النّبي صمويل والملك طالوت وترك بني إسرائيل الجهاد
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾
الإعراب:
﴿عَسَيْتُمْ﴾ من أفعال المقاربة، يشبه «كان» في رفعه الاسم ونصبه الخبر، ولا يكون خبرها إلا «أن» مع الفعل، والتاء والميم في عسيتم: اسمها، وألا تقاتلوا: خبرها، وقد فصل الشرط بين الاسم والخبر وهو: ﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾.
﴿وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ﴾: ما: مبتدأ، و «لنا» خبره، وتقديره: أي شيء لنا في ألا نقاتل، فحذف حرف الجر. وقيل: أن: زائدة، ولا نقاتل: جملة فعلية في موضع الحال، وتقديره: وما لنا غير مقاتلين. وطالوت: اسم أعجمي كجالوت وداود، وإنما امتنع من الصرف للعلمية والعجمة.
﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ فيه وجهان: إما بمعنى ذو سعة، مثل: لابن وتامر، أي ذو لبن وتمر، وإما