← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ لا تتكبروا على الله بترك طاعته، والاستهانة بوحيه ورسوله. ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي ببرهان بيّن واضح على رسالتي، وهو علة النهي. ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أي التجأت إليه وتوكلت عليه أن ترجموني بالحجارة، أو تؤذوني ضربا أو شتما، أو تقتلوني. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ تصدقوني. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ فكونوا بمعزل مني، واتركوا أذاي، ولا تتعرضوا لي بسوء، فإن ذلك ليس جزاء من دعاكم إلى الفلاح. ﴿أَنَّ هؤُلاءِ﴾ بأن هؤلاء. ﴿مُجْرِمُونَ﴾ مشركون، وهو تعريض بسبب الدعاء عليهم. ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً﴾ أي فقال: أسر ببني إسرائيل، أي سر بهم ليلا، وقرئ بوصل الهمزة من (سرى). ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وجنوده. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ساكنا منفرجا مفتوحا كما هو على هيئته بعد تجاوزه، ولا تضربه بعصاك، ولا تغير منه شيئا، حتى يدخل فيه القبط شعب فرعون. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أي لأنهم غارقون. ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿وَعُيُونٍ﴾ ينابيع جارية. ﴿مَقامٍ كَرِيمٍ﴾ مجالس ومنازل حسنة. ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ من النعم، أي تنعم وحسن ومتعة ونضرة، والنّعمة: ما ينعم به على الإنسان، من الإنعام. ﴿فاكِهِينَ﴾ متنعمين أصحاب فاكهة، وقرئ «فكهين» أي أشرين بطرين مستهزئين. ﴿كَذلِكَ﴾ أي الأمر كذلك، أو مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. ﴿وَأَوْرَثْناها﴾ أي ورثنا أموالهم. ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ بني إسرائيل. ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم، تقول العرب إذا مات رجل خطير في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز ﵀: الشمس طالعة ليست بكاسفة... تبكي عليك، نجوم الليل والقمرا أي يا نجوم الليل والقمر. وقالت الخارجية: أيا شجر الخابور مالك مورقا... كأنك لم تجزع على ابن طريف قال الزمخشري: وذلك على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمراد لا أسف على فرعون وقومه، بخلاف المؤمنين يبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض، ومصعد عملهم من السماء. ﴿مُنْظَرِينَ﴾ ممهلين ومؤخرين التوبة إلى وقت آخر. ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ من استعباد فرعون وقتله أبناءهم واستخدامه نساءهم. ﴿مِنْ

стр. 7492

فِرْعَوْنَ﴾ إما على حذف مضاف، أي عذاب فرعون أو حال من العذاب كما تقدم. ﴿عالِياً﴾ متكبرا جبارا. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحد في الشر والفساد، وهو خبر ثان أي كان متكبرا مسرفا، أو حال من ضمير ﴿عالِياً﴾ أي كان رفيع الطبقة من بينهم. ﴿اِخْتَرْناهُمْ﴾ اخترنا بني إسرائيل واصطفيناهم. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ منا بحالهم أي عالمين باستحقاقهم ذلك. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ اخترناهم على عالمي زمانهم. ﴿الْآياتِ﴾ المعجزات، كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى. ﴿ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ اختبار ظاهر. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى إصرار مشركي مكة على كفرهم، بيّن أن كثيرا من المتقدمين كانوا أمثالهم في تكذيب الرسل، وفي طليعتهم قوم فرعون، الذين كذبوا رسولهم موسى ﵇، فنصره الله عليهم، وأغرقهم، وجعلهم عبرة للمعتبر. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أي لقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، أرسل الله إليهم رسولا كريما جامعا لخصال الخير والأفعال المحمودة، وهو موسى ﵇، وهو كريم على الله، وكريم في قومه. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي وجاءهم رسول بأن أرسلوا معي عباد الله وهم بنو إسرائيل، وأطلقوهم من العذاب، فإني رسول من الله مؤتمن على الرسالة غير متهم، وهذا كقوله : ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ، وَلا تُعَذِّبْهُمْ، قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ [طه ٤٧/ ٢٠]. ويجوز أيضا أن يكون قوله: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ نداء لهم، والتقدير: أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان، وقبول دعوتي، واتباع سبيلي. وعلل

стр. 7493

ذلك بأنه ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته، وهذا هو الظاهر المناسب لأصول دعوة الرسول قومه وللكلام الآتي بعده، أما إطلاق بني إسرائيل فهو مطلب فرعي ثانوي بالنسبة لأصل الدعوة. ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي لا تتجبروا ولا تتكبروا عن اتباع آيات الله، والانقياد لبراهينه، ولا تترفعوا عن طاعته ومتابعة رسله، كقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي، سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] إني آتيكم بحجة ظاهرة واضحة لا سبيل إلى إنكارها، وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والمعجزات القاطعات كالعصا واليد وسائر الآيات التسع، فهددوه بالرجم كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أي أستعيذ بالله وألتجئ إليه وأتوكل عليه مما تتوعدوني به من القتل بالحجارة أو الإيذاء والشتم. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي وإن لم تصدّقوني وتقرّوا بنبوتي وبما جئتكم به من عند الله، فاتركوني، ولا تتعرضوا لي بأذى إلى أن يحكم الله بيننا. فلما يئس من إيمانهم، ولمس إصرارهم على الكفر وعنادهم، دعا عليهم فقال: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ أي فدعا موسى ربه حين كذبوه وهمّوا بقتله بأن هؤلاء قوم مكذبون رسلك مشركون بك، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَقالَ مُوسى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما.﴾. [يونس ٨٨/ ١٠ - ٨٩]. وحينئذ أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر سرا ليلا:

стр. 7494

﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً، إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي أجاب الله سبحانه دعاءه، فأمره أن يسير بقومه بني إسرائيل ليلا، لأن فرعون وقومه يتبعونكم إذا علموا بخروجكم. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، لا تَخافُ دَرَكاً، وَلا تَخْشى﴾ [طه ٧٧/ ٢٠]. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً، إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أي دع يا موسى البحر ساكنا منفرجا مفتوحا، لا تضربه بعصاك حتى يعود كما كان، ليدخله فرعون وجنوده، فإنهم قوم مغرقون في اليم. وهذه بشارة من الله بنجاتهم وإهلاك عدوهم ليسكن قلب موسى ﵇، ويطمئن جأشه. ثم ذكر تعالى ما خلّفوه وراءهم من عز ومجد ونعيم وثراء، فقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ أي كثيرا ما تركوا في مصر وراءهم من بساتين خضراء، وحدائق غناء، وأنهار متدفقة وآبار مترعة بالماء، وزروع نضرة، ومنازل ومجالس حسنة وثيرة، وتنعم بالمال والخير الوفير، كانوا يرفلون بالنعمة ويتنعمون بعيشة هنية، ويستمتعون بأنواع اللذة، كما يتمتع الرجل بأنواع الفاكهة، فيأكلون ويلبسون ما شاؤوا. ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك والسلب والتدمير فعلنا بالذين كذبوا رسلنا، ونفعل بكل من عصانا، وأورثنا تلك البلاد بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧]. ثم تهكم الله بهم وأبدى عدم الاكتراث بشأنهم قائلا:

стр. 7495

﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي لا أسف ولا حزن عليهم من أحد بسبب بغيهم وفسادهم، بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم، ولم يمهلوا لتوبة، لأنها غير منتظرة منهم. ثم أتبع الله تعالى ما يقابل النقمة بالنعمة للعبرة، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي لقد خلصنا شعب بني إسرائيل بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد وقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفهم بالأعمال الشاقة، من عذاب فرعون الذي كان متعاليا عنيدا، متكبرا متجبرا، ومن المسرفين في الكفر بالله، وارتكاب معاصيه، ورأس الكفر: ادعاؤه الألوهية والربوبية بقوله: أنا ربكم الأعلى. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤/ ٢٨] وقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ [المؤمنون ٤٦/ ٢٣]. ويلاحظ أن بيان الإحسان إلى موسى وقومه كان بعد بيان كيفية إهلاك فرعون وقومه، لأن دفع الضرر مقدم على جلب المصالح والمنافع. ثم بيّن الله تعالى مدى تكريمه لبني إسرائيل حين ذاك قائلا: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ، وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ أي لقد اختارهم الله على عالمي زمانهم على علم منه باستحقاقهم لذلك، لكثرة الأنبياء فيهم، ولصبرهم مع موسى، وجهادهم في سبيل الله، فلما بدلوا الإيمان بالكفر، والصلاح بالفساد غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.

стр. 7496

وأعطيناهم على يد موسى ﵇ المعجزات الظاهرة والبراهين الواضحة، وخوارق العادات، مما فيه اختبار ظاهر، وامتحان واضح لمن اهتدى به، ولننظر كيف يعملون. ومنها: إنجاؤهم من الغرق، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى لهم. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي: ١ - لا يغترن أحد بمال أو جاه أو سلطان أو عزّ أو حكم قوي، فذلك كله للاختبار والامتحان، فقد ابتلى الله قوم فرعون بالأمر بطاعة الله ورسولهم موسى ﵇، فكذبوا وكفروا، والمقصود أنه عاملهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم، فكذبوا فأهلكوا، وهكذا يفعل بأعداء محمد ﷺ إن لم يؤمنوا. ٢ - طلب موسى ﵇ من فرعون وقومه أن يتبعوه في رسالته، كما قال ابن عباس، أو أن يرسلوا معه بني إسرائيل ويطلقوهم من العذاب، كما قال مجاهد، وهو في الحالين أمين على الوحي، فما عليهم إلا أن يقبلوا نصحه. ٣ - اتبع موسى ﵇ معهم أسلوبا لطيفا، فنصحهم بألا يتكبروا على الله ولا يترفعوا عن طاعته، وخاطبهم بما يقنع عقلا ومنطقا، فذكر لهم أنه يأتيهم بحجة بينة وبرهان واضح على صدقه، وصحة دعوته، وإثبات ألوهية الله الواحد الأحد، وحرص على مسالمتهم قائلا: إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، فدعوني واتركوني، وخلّوا سبيلي وكفّوا عن أذاي. ٤ - لم يدع نبي على قومه إلا بعد اليأس من إيمانهم، وهكذا فعل موسى ﵇، فإنه لما وجد إصرار فرعون وقومه على الكفر دعا ربه بأن هؤلاء قوم مشركون، امتنعوا من الإيمان، ومن إطلاق بني إسرائيل.

стр. 7497

٥ - أجاب الله دعاء موسى ﵇، فأمره بأن يسير بمن آمن بالله من بني إسرائيل ليلا قبل الصباح، فإن فرعون وقومه سيتبعونهم حينما يعلمون بخروجهم. وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف إما من العدو، وإما من خوف المشقة على الدواب والأبدان. وأمره ربه أيضا أن يترك البحر الذي فتح لهم أثناء العبور بأمر من الله مفتوحا ساكنا على حاله، لا يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، وذلك استدراج لقوم فرعون ليعبروا فيغرقهم الله بعد أن نجى بني إسرائيل. ٦ - دلت آية ﴿كَمْ تَرَكُوا..﴾. على أنه تعالى أغرق قوم فرعون، ثم ذكر أنهم تركوا أشياء خمسة: هي الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم والنّعمة بالفتح من التنعيم، أي حسن العيش ونضارته، أو سعة العيش والراحة. أما النّعمة بالكسر من الإنعام: فهي إحسان الله وعطاؤه وأفضاله. وورث تعالى تلك الديار بما فيها من الخيرات لبني إسرائيل، بعد أن كانوا مستعبدين فيها، فصاروا لها وارثين، كوصول الميراث إلى مستحقيه. ٧ - لا أسف ولا حزن على إهلاك فرعون وجنوده، لأنهم لم يعملوا على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم السماء والأرض لأجله، ولا صعد لهم إلى السماء عمل صالح، فتبكي فقد ذلك. قال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمنين أربعين صباحا. وقال علي وابن عباس ﵄ في المؤمن: إنه يبكي عليه مصلاّه من الأرض، ومصعد عمله من السماء. وهذا تعبير كنائي يراد به فقد الأعمال الصالحة. قال الواحدي في البسيط: روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال فيما رواه أبو يعلى

стр. 7498

وأبو نعيم في الحلية: «ما من عبد مسلم إلا له بابان في السماء: باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل فيه عمله وكلامه، فإذا فقداه بكيا عليه» وتلا هذه الآية. ٨ - امتن الله تعالى بحق على بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون وقومه إذ نجّاهم أولا من بطش فرعون وظلمه واستعباده لهم، وقتله الأبناء، واستخدام النساء، وتكليفهم بالأعمال الشاقة، لأن فرعون كان جبارا عاليا من المشركين، وليس هذا علو مدح بل علو إسراف. ٩ - ثم ذكر ثانيا أنه تعالى اختارهم على علم منه باستحقاقهم على عالمي زمانهم، لكثرة الأنبياء منهم، وإيمانهم بموسى وصلاحهم، فلما بدّلوا تبدل الحال، وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعد لهم جهنّم وساءت مصيرا. ١٠ - ثم أبان ثالثا أنه تعالى أمدهم بالآيات البينات في التوراة، وبمعجزات موسى التسع، كإنجائهم من فرعون، وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى. ١١ - لقد تبين الفارق الواضح في هذه القصة بين الكافرين وبين المؤمنين، فقد أغرق الله الكفار الأشداء، ونجّى المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين، والنصر للصادقين الصابرين المستضعفين، وهذا عدل من الله تعالى، إذ لا يعقل التسوية بين الطائعين والعصاة. فليعتبر بهذا كفار قريش وأمثالهم، فقد أهلك الله من هم أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا، وأعز سلطانا ومجدا، وأقوى علما وحضارة.

стр. 7499

إنكار المشركين البعث وإثباته لهم ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ الإعراب: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾: ﴿إِنْ﴾: بمعنى «ما» مثل قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ و ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و ﴿مَوْتَتُنَا﴾: خبره، ولا يجوز أن تعمل ﴿إِنْ﴾ هنا في لغة من أعملها، لدخول ﴿إِلاّ﴾ لأن «إلا» إذا دخلت على «ما» بطل عملها، ومثلها «إن». ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: إما مرفوع على أنه مبتدأ، و ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ خبره، أو على أنه معطوف على ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وإما منصوب بفعل مقدر دلّ عليه ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ وتقديره: وأهلكنا الذين من قبلهم أهلكناهم. ﴿لاعِبِينَ﴾ حال. البلاغة: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ الإشارة هنا للتحقير. ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أسلوب التعجيز. ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ.﴾. استفهام إنكار، للتحقير والاستصغار. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ كفار قريش، لأن الكلام فيهم، قال البيضاوي: وقصة فرعون-السابقة-

стр. 7500

وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة، والإنذار عن مثل ما حل بهم. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾ أي ما نهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، وليس هناك حياة أخرى. ﴿بِمُنْشَرِينَ﴾ بمبعوثين أحياء بعد الموتة الأولى، يقال: نشر الله الموتى وأنشرهم: أحياهم ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ خطاب لمن وعدهم بالنشور والبعث من الرسل والأنبياء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في وعدكم. ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾ في القوة والمنعة. ﴿تُبَّعٍ﴾ كل من ملك اليمن والشّحر وحضر موت، وجمعه التبابعة وهم ملوك اليمن، وهذا شبيه بفرعون لدى قدماء المصريين، وهو كل من ملك مصر. ومن التبابعة: ذو القرنين أو إفريقش ويسمى الصعب، وجاء بعده عمرو زوج بلقيس، ثم أبو كرب ابنه، ثم ذو نواس. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم كعاد وثمود. ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ بكفرهم، والمراد: ليس كفار قريش أقوى منهم، وأهلكوا ﴿لاعِبِينَ﴾ لاهين عابثين. ﴿ما خَلَقْناهُما﴾ وما بينهما ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي محقين في ذلك، ليستدل به على قدرتنا على البعث وغيره وعلى وحدانيتنا وغير ذلك. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي كفار مكة لا يعلمون ذلك، لقلة نظرهم. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة فرعون وقومه مع موسى ﵇ ليتعظ بها كفار قريش، عاد إليهم بعد أن وصفهم أولا بأنهم في شك من البعث والقيامة، وأنهم في إصرارهم على كفرهم مثل قوم فرعون الذين أهلكهم ونجّى بني إسرائيل، وذكر هنا صراحة أنهم منكرون للبعث، ثم رد عليهم بأن الله خالق السموات والأرض وما بينهما قادر على بعثهم، ثم توعدهم بالهلاك، كما أهلك قوم تبّع من قحطان ملوك اليمن، الذين هم أقوى منهم. وبه تبين أن الله هدد كفار مكة بمصير مشؤوم، مثل مصير قوم فرعون وقوم تبّع. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ: إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي

стр. 7501

إن كفار مكة هؤلاء يقولون: ما هي وما العاقبة إلا الموتة الأولى التي نموتها بعد هذه الحياة الدنيوية، ولا حياة بعدها، ولا بعث، وما نحن بمبعوثين. وهذا إنكار من الله تعالى على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما ثمّ إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا: إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام ٢٩/ ٦]. ثم احتجوا بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا مخاطبين النبي والمؤمنين: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي فإن كان البعث حقا، فأرجعوا إلينا آباءنا بعد موتهم إلى الدنيا، إن كنتم صادقين فيما تدعونه من البعث. يروى أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يعجل الله لهم إحياء الموتى، فينشر كبيرهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد ﷺ وصحة البعث، فلم يجبهم الله إلى ذلك. وهذه حجة واهية، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة، لا في الدار الدنيا، بل بعد انقضائها وذهابها، يعيد الله العالمين خلقا جديدا. ثم هددهم تعالى وتوعدهم وأنذرهم بأسه الذي لا يرد، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَهْلَكْناهُمْ، إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي أهم كفار قريش الذين هم عرب من عدنان خير في القوة والمنعة، أم قوم تبّع الحميري الذين هم عرب من قحطان، الذين كانوا أقوى جندا وأكثر عددا، وكان لهم دولة وحضارة عريقة ومجد، وكذلك الأمم الذين سبقوهم، كعاد وثمود ونحوهم، أهلكناهم جميعا لكفرهم وإجرامهم، فإهلاك من هو دونهم لجرمه وضعفه وعجزه بالأولى، فهم ليسوا بخير من قوم تبع في العدد والعز والمنعة.

стр. 7502

وتبّع: رجل صالح دار في الدنيا بجيوشه وغلب أهلها وقهرهم، وقد كانت حمير وهم سبأ، كلما ملك فيهم رجل سموه تبّعا، كما يقال (كسرى) لمن ملك الفرس، و (قيصر) لمن ملك الروم، و (فرعون) لمن ملك مصر كافرا، و (النجاشي) لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من الألقاب السلطانية. أخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا تسبّوا تبّعا فإنه قد أسلم». وكان يكتب إذا كتب: بسم الله الذي ملك برا وبحرا. ثم أقام تعالى الدليل على قدرته الفائقة ليستدل بذلك على إمكان البعث، فقال: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ أي كيف ينكرون البعث، وقد شاهدوا أدلة قدرتنا في خلق هذا الكون، فإنا خلقنا هذه السموات والأرضين وما بينهما من المخلوقات المنظورة وغير المنظورة، ما خلقنا ذلك عبثا ولعبا، وباطلا ولهوا، وإنما بإبداع لا مثيل له، ولحكمة منقطعة النظير، كقوله جل وعلا: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص ٢٧/ ٣٨] وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون ١١٥/ ٢٣ - ١١٦] فهذا برهان على صحة البعث. وإنما جمع السموات في قوله. ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ﴾ لموافقة قوله في أول السورة: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾. ﴿ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما إلا خلقا ملازما للحق، ولإظهار الحق، وهو الاستدلال على وجود الخالق ووحدانيته، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون ذلك، لقلة نظرهم، فصاروا لا يرجون ثوابا ولا يخشون عقابا.

стр. 7503

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - لا يؤمن المشركون بالبعث، فهم قوم ماديون دهريون كما في آية أخرى: ﴿وَقالُوا: ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا، وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤/ ٤٥] وقالوا هنا: ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى في عالم الذر والنطف دون الموتة الثانية. ٢ - احتجوا بحجة واهية وهي الإتيان بآبائهم وأجدادهم أحياء، بعد أن ماتوا، وتلك مغالطة، لأن المقصود بالبعث: هو إحياء جميع الخلق بعد فناء الدنيا، ولأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف مرة أخرى. قيل: إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: يا محمد، إن كنت صادقا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما-قصيّ بن كلاب، فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت. ٣ - إنهم بهذا القول استحقوا العذاب، إذ ليسوا هم خيرا من قوم تبّع والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك، فكذا هؤلاء. وكان من قبلهم أظهر نعمة وأكثر أموالا، وأعز وأشد وأمنع جانبا، فأهلكهم الله لكفرهم وإجرامهم. قال القرطبي: وليس المراد بتبّع رجلا واحدا، بل المراد به ملوك اليمن، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة، فتبّع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم. ثم قال: والظاهر من الآيات أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء، وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم اشدّ من معرفة غيره، ولذلك قال ﷺ : «ولا

стр. 7504

أدري أتبّع لعين أم لا؟» ثم قد روي عنه أنه قال فيما رواه أحمد عن سهل بن سعد: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم». فهذا يدلك على أنه كان رجلا واحدا بعينه، وهو-والله أعلم-أبو كرب الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه، وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لمّا أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد (١). ٤ - لم يخلق الله السموات والأرض عبثا ولهوا، وإنما خلقهما بالأمر الحق، وللحق، ولإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته، ولكن أكثر الناس وهم في الماضي مشركو مكة لا يعلمون ذلك. ٥ - لم يذكر كفار مكة في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يجاب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، لذا اقتصر الله تعالى على الوعيد والتهديد بأن يتعرضوا للهلاك مثلما أهلك قوم فرعون وقوم تبّع. أهوال يوم القيامة التي يتعرض لها الكفار والعصاة ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾

стр. 7505

الإعراب: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ و ﴿مِيقاتُهُمْ﴾: خبرها، و ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد ضمير ﴿مِيقاتُهُمْ﴾. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى..﴾. ﴿يَوْمَ﴾: بدل منصوب من ﴿يَوْمَ﴾ الأول. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ ﴿مَنْ﴾: بالنصب على الاستثناء المنقطع، وبالرفع: إما بدل من ضمير ﴿يُنْصَرُونَ﴾ أي ولا ينصر إلا من رحم الله، أو بدل من ﴿مَوْلًى﴾ الأول، أي يوم لا يغني إلا من رحم الله، أو مبتدأ، تقديره: إلا من رحم الله فيعفى عنه. ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ ﴿كَالْمُهْلِ﴾: خبر ثان، و ﴿يَغْلِي﴾ بالياء: لتذكير المهل، وهو خبر ثالث، ويقرأ بالتاء: لتأنيث الجرّة، وهو حال من المهل. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ﴿إِنَّكَ﴾ بالكسر: على الابتداء، وتقرأ بالفتح بتقدير حذف حرف الجر، أي ذق لأنك العزيز الكريم عند نفسك. البلاغة: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ تشبيه مرسل مجمل. ﴿الرَّحِيمُ﴾ ﴿الزَّقُّومِ﴾ ﴿الْأَثِيمِ﴾ ﴿الْحَمِيمِ﴾ ﴿الْجَحِيمِ﴾ ﴿الْكَرِيمُ﴾ سجع رصين لا تكلف فيه، فيه جمال. المفردات اللغوية: ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ يوم القيامة، سمي بذلك، لأنه يفصل فيه بين الناس، فيفصل المحق عن المبطل بالجزاء، ويفصل الحق عن الباطل ﴿مِيقاتُهُمْ﴾ وقت موعدهم للعذاب الدائم ﴿لا يُغْنِي﴾ لا يدفع عنه ﴿مَوْلًى﴾ ناصر بقرابة أو صداقة، ويطلق المولى في الأصل على السيد والعبد وابن العم والناصر والحليف والقريب والصديق ﴿شَيْئاً﴾ من العذاب أو الإغناء ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون منه. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه، وهم المؤمنون فإنه يشفع بعضهم لبعض بإذن الله ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب في انتقامه من الكفار، فلا ينصر من أراد تعذيبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ من أراد أن يرحمه، وهم المؤمنون. ﴿شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ هي شجرة ذات ثمر مرّ، تنبت بتهامة، شبهت بها شجرة الجحيم، وهي

стр. 7506

الشجرة الملعونة التي ينبتها الله تعالى في قعر جهنم ﴿الْأَثِيمِ﴾ الكثير الإثم، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه، مثل أبي جهل وأصحابه وأمثالهم من الملاحدة ذوي الإثم الكبير في كل عصر. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ ما يمهل في النار حتى يذوب أو دردي الزيت الأسود، أي عكر الزيت والقطران ومذاب النحاس أو غيره من المعادن ﴿الْحَمِيمِ﴾ الماء الساخن الشديد الحرارة. ﴿خُذُوهُ﴾ أي يقال للزبانية: خذوا الأثيم ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بكسر التاء وضمها: جرّوه وسوقوه بغلظة وشدة وعنف، ومنه العتل: الجافي الغليظ ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ وسط النار ﴿عَذابِ الْحَمِيمِ﴾ أي من الحميم الذي لا يفارقه العذاب، فهو أبلغ من قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ﴾ لأن المراد: يصب من فوق رؤوسهم عذاب هو الحميم، للمبالغة، ثم أضيف العذاب إلى الحميم للتخفيف، وزيدت ﴿مِنْ﴾ للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ﴾ أي يقال له: ذق العذاب، استهزاء به أو تقريعا على ما كان يزعمه ﴿الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ بزعمك وقولك: ما بين جبليها أعز وأكرم مني ﴿إِنَّ هذا﴾ إن هذا العذاب ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكون فيه أو تمارون. سبب النزول: نزول الآية (٤٣) وما بعدها: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزّبد، فيقول: تزقموا، فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد، فنزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ.﴾ .. نزول الآية (٤٩): ﴿ذُقْ إِنَّكَ.﴾.: أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: «لقي رسول الله ﷺ أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك: «أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى» فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر، وأذله وعيّره بكلمته، ونزل فيه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾». وأخرج ابن جرير الطبري عن قتادة نحوه. قال أبو جهل لرسول الله

стр. 7507

صلّى الله عليه وسلّم: ما بين جبليها أعزّ ولا أمنع منى، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، فنزلت الآية. المناسبة: بعد إثبات البعث والقيامة، أعقبه تعالى بذكر ما يتعرض له الكافر يوم القيامة من أهوال بفقد الأعوان والنصراء، وتجرع الزقوم، وشرب المهل عكر الزيت والقطران، وجره بشدة وعنف إلى جهنم، وصب الماء الحميم البالغ منتهى السخونة والحرارة فوق رأسه، وتقريعه والاستهزاء به فيما زعمه من عز وإكرام، جزاء الشك بيوم البعث والقيامة. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ إن يوم القيامة الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين، ويثيب المؤمنين، هو ميعاد جميعهم ووقت حسابهم وجزائهم جميعا، يجمعهم كلهم أو لهم عن آخرهم، ليميز المحسن من المسيء، والمحق من المبطل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ [النبأ ١٧/ ٧٨]. وسمى يوم القيامة ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ لأنه تعالى يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون، وبين الكافرين وبين ما يشتهون، فيفصل بين الوالد وولده، والرجل وزوجته، والمرء وخليله. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي يوم لا ينفع قريب قريبا، ولا يدفع عنه شيئا من العذاب أو الإغناء، ولا هم يمنعون من عذاب الله، فلا يفيد المؤمن الكافر ولا ينصر القريب قريبه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ٣/ ٦٠] وقوله سبحانه: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ، فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَتَساءَلُونَ﴾

стр. 7508

[المؤمنون ١٠١/ ٢٣] وقوله : ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً، يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج ١٠/ ٧٠ - ١١] أي لا يسأل أخ له عن حاله، وهو يراه عيانا، وقوله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة ٤٨/ ٢]. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي لكن من ﵀ فإنه ينتصر وينجو، ولا يحتاج إلى ناصر غيره، إن الله هو الغالب الذي لا يفلت أحد من أعدائه من عذابه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: ذو الرحمة الواسعة بعباده المؤمنين، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا، ويجوز أن يكون متصلا، أي لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. وبعد إقامة الدليل على أن القيامة حق، ووصف ذلك اليوم، أردفه تعالى بوعيد الفجار الكفار الجاحدين لقاءه، قائلا: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ أي إن الشجرة التي خلقها الله في جهنم وهي الشجرة الملعونة، يكون ثمرها طعام أهل النار الكثيري الإثم، قولا وفعلا، فإذا جاعوا أكلوا منها، ويدخل معهم أبو جهل. و ﴿الْأَثِيمِ﴾: مبالغة الآثم. ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي وذلك الطعام يشبه دردي الزيت، وعكر القطران، والنحاس المذاب، يغلي في بطون الكفار كغلي الماء الشديد الحرارة، لحرارته ورداءته. شبه ما يصير في البطون منها بالمهل: وهو النحاس المذاب. ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ يقال للملائكة الذين هم خزنة النار: خذوا هذا الأثيم، فادفعوه وجروه إلى وسط النار بعنف وغلظة. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ﴾ أي ثم صبوا على رأسه الماء الشديد الحرارة المتقدم الوصف، كقوله : ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج ١٩/ ٢٢ - ٢٠].

стр. 7509

﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي: وقولوا له تهكما وتقريعا وتوبيخا: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك في الدنيا. ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي إن هذا العذاب هو الذي كنتم تشكون فيه، حين كنتم في الدنيا. وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٣/ ٥٢ - ١٤]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن يوم القيامة هو يوم الحسم النهائي في مصير الخلائق، وهو يوم الفصل، لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، فيتميز المسيء من المحسن، والمبطل من المحق، ويكون هناك فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير. وهذا غاية في التحذير والوعيد. ٢ - من خصائص يوم القيامة: فقد النصراء والأعوان والأقارب، فلا ينصر المؤمن الكافر لقرابته، لكن من ﵀ فإنه ينجو وينتصر بنصر الله، ولا يحتاج إلى معونة المخلوقين، والله سبحانه في ذلك اليوم هو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه، كما قال: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر ٢/ ٤٠] فقرن الوعد بالوعيد. ٣ - إن طعام أهل النار وهم الآثمون الفجار هو الثمر الشديد المرارة من شجرة الزقوم التي لا تقبل الاحتراق في النار، وهو لشدة حرارته ورداءته يغلي في بطون الكفار، كغلي الماء الشديد السخونة، فإذا جاع أهل النار أكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار. ٤ - يتعرض أهل النار لأنواع كثيرة من الإهانة والذل، منها: أنهم بواسطة

стр. 7510

الزبانية يدفعون في النار على وجوههم دفعا قويا جدا، ويساقون إليها سوقا عنيفا، ويلقون في وسط النار ليذوقوا عذابها الشديد. ومنها: أنه يقال للأثيم الفاجر توبيخا وتقريعا وتهكما واستهزاء: ذق هذا العذاب فإنك كنت تزعم أنك المتعزز المتكرم، والمراد: إنك أنت الذليل المهان. ومنها: أن ملائكة العذاب زبانية جهنم تقول للكفار: إن هذا العذاب هو ما كنتم تشكون فيه في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥/ ١٠٢ - ٧]. ما يلقاه المتقون من ألوان النعيم في الجنان ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ الإعراب: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ بدل من ﴿مَقامٍ﴾. ﴿يَلْبَسُونَ﴾ خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾ أو حال من الضمير في الجارّ، أو استئناف. ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حال من واو ﴿يَلْبَسُونَ﴾. ﴿كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ﴾ الكاف: إما في موضع الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، تقديره:

стр. 7511

الأمر كذلك، أو في موضع النصب على أنها وصف لمصدر محذوف، تقديره: يفعل بالمتقين فعلا كذلك. ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿زَوَّجْناهُمْ﴾ والباء: ليست للتعدية، لأن ﴿يَدْعُونَ﴾ متعد بنفسه، وإنما هي للحال، تقديره: متلبسين بكل فاكهة، بمنزلة الباء في قولهم: خرج زيد بسلاحه، أي متلبسا بسلاحه. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ استثناء منقطع، أي لكن قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا، والبصريون يقدرون «إلا» في الاستثناء المنقطع ب «لكن» والكوفيون يقدرونه ب «سوى». ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿فَضْلاً﴾: إما منصوب على المصدر المؤكد، وتقديره: ويفضل عليهم فضلا، أو منصوب بفعل مقدر، وتقديره: أعطاهم فضلا. ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ الهاء تعود على الكتاب، وقد تقدم ذكره في أول السورة في قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿فِي مَقامٍ﴾ مجلس أو مكان، والمقام والمقام بمعنى واحد ﴿أَمِينٍ﴾ يؤمن فيه من كل خوف وهمّ وحزن ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ ينابيع جارية ﴿سُندُسٍ﴾ ما رقّ من الديباج أو الحرير ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ منه وهما معرّبان ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض، فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرّة بهم. ﴿كَذلِكَ﴾ أي الأمر كذلك، أو آتيناهم مثل ذلك ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ قرناهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ بنساء بيض حسان واسعات الأعين ﴿يَدْعُونَ﴾ يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه وغيرها ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ أي في الآخرة، بل يحيون فيها دائما ﴿إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ الاستثناء منقطع أو متصل، والمراد به المبالغة في تعميم النفي وامتناع الموت، فكأنه قال: لا يذوقون فيها الموت إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل ﴿وَوَقاهُمْ﴾ حماهم وحفظهم، وقرئ: «ووقيهم». ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي أعطوا كل ذلك عطاء وتفضلا منه ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لأنه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب ﴿يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ سهلنا القرآن حيث أنزلناه بلغتك، لتفهمه العرب منك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لعلهم يفهمونه فيتعظون به، فيؤمنون بك ﴿فَارْتَقِبْ﴾ انتظر هلاكهم إذا لم يتذكروا ولم يؤمنوا ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ منتظرون هلاكك وما يحل بك.

стр. 7512

المناسبة: بعد وعيد الكفار الأشقياء وبيان ما يتعرضون له من أهوال الآخرة، ذكر تعالى وعده للمتقين الأبرار السعداء وما أعده لهم من جنات النعيم ذات المآكل والمشارب والملابس والزوجات الفائقة، وأنه نعيم أبدي. ثم أتبعه بختام للسورة يناسب مطلعها وهو الامتنان على العرب بنزول القرآن بلغتهم لّيعملوا بأحكامه، فإن كذّبوا انتقم الله منهم. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى في هذه الآيات خمسة أنواع لنعيم الجنان لبيان وعد الأبرار، وهي: ١ - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي إن المتقين لله في الدنيا باتقاء الشرك والمعاصي وامتثال الفرائض، لهم مساكن آمنة من جميع المخاوف، طيبة المكان والنزهة، فهي في بساتين غناء وينابيع متدفقة بالماء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ، وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين ٢٢/ ٨٣ - ٢٨]. وهذا في مقابلة ما للكفار من شجرة الزقوم وشرب الحميم. ٢ - ٣: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أي ملابسهم من الحرير الرقيق والغليظ، ذي البريق واللمعان والجمال الأخّاذ، وجلوسهم على صفة التقابل بقصد الاستئناس ونظر بعضهم لبعض، كقوله تعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ، عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٣/ ٣٧ - ٤٤].

стр. 7513

٤ - ﴿كَذلِكَ، وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي هذا العطاء، مع تزويجهم أو قرنهم بالزوجات الحسان الحور البيض الواسعات الأعين، اللاتي ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ ﴿كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن ٥٨، ٥٦/ ٥٥]. أكثر المفسرين على أنه لا عقود زواج بالحور، وأن المراد: قرناهم بهم. ٥ - ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أي يطلبون في الجنة ما شاؤوا من أنواع الثمار أو الفاكهة، وهم آمنون من انقطاعها وامتناعها، بل يحضر إليهم كلما أرادوا، وآمنون من الأوجاع والأسقام، ومن الموت والتعب والشيطان. وهذا دليل على أنه اجتمعت لهم أنواع اللذة والشهوة المادية والمعنوية، بهذه الأنواع الخمسة من النعيم في المسكن والملبس والمأكل والزواج والأنس والأمان، وتلك أعلى أصناف الخيرات والراحات. ثم بيّن الله تعالى أن حياتهم دائمة، فقال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى، وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي لا يموتون في الآخرة أبدا، ولا يذوقون طعم الموت بعدئذ، لكن الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا قد ذاقوها وانتهى أمرها، وحماهم الله من عذاب النار، ونجاهم منه، وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم. قال الزمخشري: هذا من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها. وقيل: الاستثناء منقطع، أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». وأخرج مسلم وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يقال لأهل

стр. 7514

الجنة: إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا». وأخرج أبو بكر بن أبي داود السّجستاني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها، ولا يبأس، ويحيا فيها، فلا يموت، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه». وأخرج أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه عن جابر ﵁ قال: «سئل نبي الله ﷺ : أينام أهل الجنة؟ فقال ﷺ : النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون». ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي تفضل الله عليهم وأعطاهم ذلك عطاء فضلا منه وإحسانا إليهم، أو لأجل إسباغ الفضل منه، ذلك هو الفوز الأكبر الذي لا يعلوه فوز. ثبت في الصحيح عند مسلم عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». وبعد أن بيّن الله تعالى دلائل قدرته، وأوضح الوعد والوعيد، ووصف القرآن في أول السورة بكونه كتابا مبينا (أي كثير البيان والفائدة) ذكر تعالى في خاتمة السورة ما يؤكد ذلك، فقال: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي إنما يسرنا هذا القرآن وأنزلناه سهلا واضحا بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها، والذي هو لسانهم ولغتهم، وجعلناه ميسرا للفهم، كي يفهمه قومك يا محمد، فيتذكروا ويعتبروا ويعملوا بما فيه، والمعنى: إن ذلك الكتاب المبين الكثير الفائدة إنما

стр. 7515

أنزلناه عربيا بلغتك ليتذكروا ويتعظوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٢٢/ ٥٤]. وبالرغم من هذا الوضوح والبيان، كفر بعضهم وعاند وخالف، فسلّى الله رسوله ووعده بالنصر، وتوعد من كذبه بالهلاك، فقال: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ أي انتظر أيها النبي ما وعدناك من النصر عليهم وإهلاكهم وما يحل بهم إن استمروا على الكفر، فإنهم منتظرون ما يحل وما ينزل بك من موت أو غيره، وسيعلمون لمن يكون النصر والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة ٢١/ ٥٨] وقال سبحانه: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠ - ٥٢]. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - يفيض الله على عباده المتقين الأبرار في الجنة أنواع النعم الحسية والمعنوية، ذكر منها هنا خمسة أنواع تشمل المساكن، والملابس، والتقابل في الجلسات واستئناس البعض بالبعض، والأزواج، والمآكل الدائمة. قال مجاهد: إنما سميت الحور حورا لأنهن يحار الطرف في حسنهنّ وبياضهن وصفاء لونهنّ. وهل الحور العين أفضل أو نساء الآدميات؟ اختلفوا في ذلك، فقال حبّان بن أبي جبلة-فيما ذكره ابن المبارك-: إن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضّلن على الحور العين بما عملن في الدنيا. وروى ابن المبارك مرفوعا: إن «الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف».

стр. 7516

وقال آخرون: إن الحور العين أفضل، لقوله ﷺ في دعائه فيما رواه مسلم عن عوف بن مالك: «وأبدله أهلا خيرا من أهله». وأما مهورهن فروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مهور الحور العين قبضات التمر، وفلق الخبز» وعن أبي قرصافة: سمعت النبي ﷺ يقول: «إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين» وذكر الثعلبي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «كنس المساجد مهور الحور العين». ٢ - إن تلك النعم في الجنان لها صفة الدوام والاستمرار، دون أن يطرأ عليها انقطاع، ولا ينشأ عنها أذى أو مكروه. ٣ - أهل الجنة وأهل النار في خلود دائم، فكل منهم خالد إما في النعيم وإما في العذاب الأليم، ولا يطرأ عليهم موت، لكن الموتة الأولى في الدنيا قد ذاقوها. قال المحققون: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس، وفرحها بمعرفة الله وبمحبته، فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة، وفي الآخرة أيضا في الجنة، فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى. واكتفى الله تعالى هنا ببشارة أهل الجنة بالخلود مع أن أهل النار يشاركونهم فيه، للدلالة على أن دوام الحياة مقرون مع ما ذكر سابقا من حصول الخيرات والسعادات. ٤ - أكرم الله المتقين بألوان النعيم، وحفظهم من عذاب الجحيم، تفضلا منه عليهم، وتلك هي السعادة، والربح العظيم، والنجاة العظيمة، والفوز الأكبر الذي لا مثيل له على الإطلاق. ودل قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق، لوصفه بأنه فضل من الله، وكونه فوزا عظيما، أي إن المنحة الإلهية أفضل من الأجر والأجرة.

стр. 7517

٥ - إنما أنزل الله القرآن الكريم بلغة النبي ﷺ ولغة قومه العرب، وسهله عليهم وعلى كل من يقرؤه ولو من غير العرب، ليتعظوا وينزجروا. وهذا في ختام السورة حث على اتباع القرآن، ودليل على أنه تعالى أراد من كل الناس الإيمان والمعرفة، وأنه ما أراد من أحد الكفر. ٦ - هدد الله تعالى المخالفين المكذبين للقرآن ورسول الله بالهلاك والدمار، ووعد نبيه بالنصر عليهم، وسلاه عن مكابدته المشاق معهم، وأمره بانتظار ما وعده به من النصر عليهم، فإنهم منتظرون له الموت والهلاك.

стр. 7518

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الجاثية مكيّة، وهي سبع وثلاثون آية. تسميتها: سميت (سورة الجاثية) أخذا من الآية المذكورة فيها: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٢٨] أي كل أمة باركة على الرّكب لشدة الأهوال التي يشاهدها الناس يوم القيامة، انتظارا للحساب، قبل قسمة الخلائق فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين: ١ - ابتدأت هذه السورة بالكلام عن تنزيل القرآن من الله تعالى، والذي هو مكمّل لما ختمت به السورة المتقدمة من جعل القرآن بلغة النبي ﷺ ولغة قومه العرب، فهو عربي اللسان نصا وفحوى، ومعنى وأسلوبا، وفي ذلك حث على اتباعه والإيمان به. ٢ - تشابه السورتين في الغايات الكبرى التي يستهدفها القرآن: وهي إثبات وحدانية الله من خلال بيان أدلة القدرة الإلهية في خلق السموات والأرض، ومناقشة المشركين في عقائدهم الفاسدة، وضرب الأمثال من مصائر الأمم الغابرة التي أهلكها الله لتكذيبهم الرسل.

стр. 7519

ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية، وبخاصة آل حم السور السبعة، وهو تأصيل عقيدة الإسلام الأساسية وإثبات عناصرها وأركانها الثلاثة: وهي الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والاعتقاد بنزول القرآن من عند الله، وبنبوة محمد ﷺ ورسالته، والتصديق باليوم الآخر والحساب والبعث والجزاء. ابتدأت السورة ببيان مصدر القرآن الكريم وهو الله تعالى، وإثبات وجود الخالق ووحدانيته بخلق السموات والأرض، وخلق البشر والدواب، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال المطر سبب الحياة، وتسخير الرياح. ثم هددت وأوعدت كل من كذّب بآيات الله، واستكبر عنها، واتخذها هزوا بعذاب جهنم. وأخبرت عن نعم الله العظمى وأولها كون القرآن هدى للناس، ثم تسخير البحر لجريان السفن فيه والاتجار بين الأقطار، وتسخير جميع ما في الكون لعباد الله تعالى. وأردفت ذلك بمبادئ خلقية واجتماعية إنسانية سلمية هي عفو المؤمنين وترفعهم عن زلات الكافرين، فالعمل الصالح أو الفاسد يعود أثره على صاحبه، وتذكير بني إسرائيل بما امتن الله عليهم من نعم روحية ومادية هي التوراة، والحكمة والفقه وفصل الخصومات بين الناس، والنبوة، ورزق الطيبات، والتفضيل على العالمين في عصرهم، والإتيان بالبينات وهي الآيات والمعجزات، وأمر الرسول بعدم إطاعة المشركين واتباع أهوائهم، والتعجب من حالهم، وتجرؤهم على إنكار البعث، واتخاذهم الهوى إلها ومعبودا. وفي مقابل ذلك بيان استقلال الشريعة الإسلامية وإثبات ذاتيتها، وأمر الرسول والمؤمنين باتباعها وحدها دون ما عداها، والاعتزاز والثقة بالله الذي يمدّ

стр. 7520

نبيه بالعون وأنه ولي المتقين، والتزام منهج الله وهدايته ورحمته وهو القرآن العظيم، ومعرفة قانون الله وعدله وحكمته في التفرقة بين المؤمنين الأبرار والمجرمين الأشرار، وبين المتبصرين بآيات الله، ومن أغلق على نفسه منافذ الهداية، فحجب السمع والبصر والقلب عن نور الله. ثم رد الله تعالى على المشركين منكري البعث بأن الله هو المحيي والمميت وجامع الناس ليوم القيامة، فهو صاحب القدرة العجيبة ومالك السموات والأرض، والمتفرد بالسلطان الأعظم في الآخرة ذات الأهوال الرهيبة في العرض والحساب وشهادة صحف الأعمال على أصحابها. وختمت السورة ببيان الجزاء الحق العادل، وقسمة الناس فريقين: فريق الجنة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفريق النار الذين كفروا بالله ورسوله، واقترفوا السيئات والمعاصي، وهزئوا بآيات الله، واغتروا بالحياة الدنيا. وذلك كله يستوجب الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله وحده الكبرياء في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم. سبب نزولها: ذكر المهدوي والنحاس عن ابن عباس: أنها نزلت في عمر ﵁، شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة فأراد أن يبطش به، فأنزل الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ [١٤] ثم نسخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة ٥/ ٩]. فالسورة كلها مكية على هذا من غير خلاف. وهي سبع وثلاثون آية.

стр. 7521

مصدر القرآن وإثبات الخالق ووحدانيته ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ الإعراب: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾: مبتدأ، وخبره ﴿مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ.﴾ .. ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (آيات) بالضم: مرفوع بالابتداء، ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾: خبره، أو بالعطف على موضع إن واسمها وخبرها، أو مرفوع بالظرف. ومن قرأ بالكسر: جعله منصوبا بالعطف على لفظ اسم ﴿إِنَّ﴾، أو بالعطف بالجر على ﴿السَّماواتِ﴾ أو منصوب على البدل من ﴿آياتٌ﴾ الأولى. وكذا قوله ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ يقرأ بالكسر وبالضم بالأوجه السابقة. ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ متعلق ب «نتلو» و ﴿نَتْلُوها﴾: حال، عاملها معنى الإشارة. البلاغة: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ﴾ فيها تأكيد ب ﴿إِنَّ﴾ واللام للرد على المخاطبين منكري وحدانية الله. ﴿وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي مطر، مجاز مرسل علاقته المسببية، لأن المطر النازل من السماء هو سبب الرزق والنبات، أما الرزق فلا ينزل من السماء.

стр. 7522

المفردات اللغوية: ﴿حم﴾ هذه الحروف للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى أهمية ما يتلى بعدها ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ﴾ أي تنزيل القرآن من الله تعالى ﴿الْعَزِيزِ﴾ القوي الغالب في ملكه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في صنعه، لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة للعباد. ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي إن في خلق السموات والأرض، بدليل قوله ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ ﴿لَآياتٍ﴾ لدلائل دالة على قدرة الله ووحدانيته تعالى ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذه الدلائل ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أي في خلق كل واحد منكم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن يصبح إنسانا ﴿وَما يَبُثُّ﴾ أي وخلق ما ينشر ويفرق في الأرض ﴿مِنْ دابَّةٍ﴾ هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم ﴿يُوقِنُونَ﴾ يصدقون عن يقين وإذعان بقدرة الله على البعث وغيره. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي وفي تعاقبهما ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ مطر يكون سبب الرزق ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ تقليبها وتحويلها جنوبا وشمالا، حارة وباردة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يفكرون ويتدبرون الدليل، فيؤمنون ﴿تِلْكَ﴾ الآيات المذكورة ﴿آياتُ اللهِ﴾ حججه ودلائله الدالة على وحدانيته ﴿نَتْلُوها﴾ نقصها ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي متلازمة ملتبسة بالحق الواضح الذي لا غموض فيه ولا التباس ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ﴾ أي بعد حديث الله وهو القرآن، وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم، كقول الله: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩] ﴿وَآياتِهِ﴾ حججه ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون، وهم كفار مكة، وقرئ «تؤمنون». قال الصاوي على الجلالين: ذكر الله من الدلائل ستة في ثلاث آيات، ختم الأولى ب ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والثانية ب ﴿يُوقِنُونَ﴾ والثالثة ب ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ووجه التغاير بينها في التعبير: أن الإنسان إذا تأمل في السموات والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد إيمانا فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث كمل عقله واستحكم علمه. وهذا مأخوذ من كلام الزمخشري (١). وقال البيضاوي: لعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور. التفسير والبيان: ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿حم﴾: تقدم شرحها

стр. 7523

إن هذا القرآن منزل من عند الله القوي الغالب الذي لا يقهر، الحكيم في كل شيء بتدبيره ووضعه في المكان المناسب له، وتحقيقه المصلحة لعباده. ويقتضي إثبات هاتين الصفتين لله : كونه قادرا على جميع الممكنات، عالما بجميع المعلومات، غنيا عن كل الحاجات، فلا يصدر منه العبث والباطل. ثم ذكر الله تعالى ما تقتضيه العزة والحكمة، فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إن في خلق السموات وخلق الأرض لدلائل قاطعة على وجوده ووحدانيته وقدرته العظيمة، وهذا دليل من الكون، ثم ذكر تعالى دليلا من الأنفس، فقال: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي وإن في خلقكم دون وجود سابق، ومروركم في أطوار مختلفة من الخلق، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، إلى أن يصير الواحد منكم إنسانا كامل الذات والصفات البشرية، وفي خلق ما يفرق وينشر من دابة في نواحي الأرض المختلفة، وأقاليمها المتفاوتة حرارة وبرودة واعتدالا، وأراضيها الرطبة والجافة، وأنواع حيواناتها الإنسية والوحشية، البرية والبحرية والجوية، آيات ودلائل أخرى شديدة الوضوح، تدل على قدرة الصانع العظيم وحكمته، التي يعتبر بها أهل اليقين، الذين آمنوا ثم قبلوا الحق، ثم ازدادوا إيمانا وأذعنوا ورسخ الإيمان في قلوبهم كالجبال الثوابت، فأيقنوا يقينا تاما لا يخالطه أي شك. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ، آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي وإن في اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وتفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، وفيما أنزل الله من السحاب من مطر يكون سببا لرزق العباد وإحياء الأرض بإخراج النبات، وفي تقليب الرياح وتغييرها من

стр. 7524

جهة إلى جهة، ومن حال إلى حال، مرة من الجنوب ومرة من الشمال، وتارة تكون حارّة، وتارة تكون باردة، وأحيانا نافعة، وأحيانا ضارة، كل ذلك أيضا لأدلة عظيمة وحجج باهرة دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته، التي ينتفع بها عادة أهل العقول الراجحة، المتأملون بها، الفاهمون لحقائقها، ولا ينتفع بها أهل الجهل والعناد. وهكذا يترقى المتأملون في تلك الآيات من إثبات أصل الإيمان في قلوبهم، إلى اليقين، إلى اكتمال العقل والنظر، وهو ترقّ من حال إلى ما هو أعلى منها، وهذه سمة المؤمنين الكمّل الذين استخدموا طاقاتهم الفكرية والنظرية للوصول إلى أسمى الغايات وأمثل الحالات. وهذه الآيات شبيهة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ، وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٦٤/ ٢]. ثم أوجز الله تعالى العبرة من تلك الآيات بقوله: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه وبيناته نتلوها عليك أيها النبي متضمنة الحق المبين، ونحن محقون صادقون فيما ننزله عليك من القرآن المتلو، ليستفيد منها البشر قاطبة، فإذا كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينقادون لها، فبأي حديث أو كلام بعد حديث الله وكلامه وآياته وهو القرآن يؤمنون ويصدقون؟! وعبّر ب ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى علو مرتبة الآيات. والخلاصة: من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث بعده.

стр. 7525

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - كون مصدر القرآن الكريم هو الله ، وليس له أي مصدر آخر سواه. ٢ - إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته بأدلة ستة في ثلاث آيات: الدليل الأول من الكون-خلق السموات والأرض فهو يدل على وجود الإله-كما ذكر الرازي من ستة وجوه (١): أولا-أنها أجسام حادثة، وكل حادث له محدث. ثانيا-أنها مركبة من أجزاء متماثلة في مواضع متفاوتة عمقا وسطحا، مما يدل على أن وقوع كل جزء في موضعه لا بد له من مرجح ومخصص. ثالثا-أن الأفلاك والعناصر مع تماثلها في ماهيتها الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة، واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية، وذلك لا بد له من مرجح. رابعا-أن أجرام الكواكب مختلفة في الألوان مثل كمودة زحل، وبياض المشتري، وحمرة المريخ، والضوء الباهر للشمس، ودرية الزهرة، وصفرة عطارد، ونور القمر ومحوه، واختلافها في تلك الصفات دليل على أن الإله القادر المختار هو الذي خصص كل واحد منها بصفته المعينة. خامسا-أن كل فلك مختص بحركة إلى جهة معينة، ومختص بمقدار واحد من السرعة والبط ء، وذلك دليل على مخصص فاعل مختار وهو الله وحده.

стр. 7526

سادسا-أن كل فلك مختص بمهمة معينة، فلا بد من مخصص فاعل مختار. الدليل الثاني والثالث من الأنفس-وهما خلق الإنسان والدواب بتركيب عضوي عجيب، وخواص وطاقات مادية ومعنوية مذهلة، يدلنا ذلك على أن هناك خالقا مبدعا لتلك الأنفس وهو الله تعالى. الدليل الرابع والخامس والسادس من الظواهر الكونية-وهي تعاقب الليل والنهار بنحو دائم وتفاوتهما، وإنزال الأمطار والثلوج لإحياء الأرض بالنبات وتغذية الينابيع والأنهار، وتقليب الرياح وتغييرها، كل ذلك دليل واضح على وجود الله القادر القاهر، الحكيم الصنع، البديع الخلق والإتقان. ٣ - هذه آيات الله، أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته، أنزلها الله في قرآنه بيانا متلوا إلى يوم القيامة، مشتملا على الحق الذي لا ريب فيه، والصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه، فإذا لم يؤمن الناس بها، ولم يصدقوا بالقرآن وآياته البينات، فلن يجدوا سواها طريقا للإيمان وتصحيح العقيدة. ولقد قال الله تعالى في هذه الآيات عبارات ثلاثا أولها ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وثانيها ﴿يُوقِنُونَ﴾ وثالثها ﴿يَعْقِلُونَ﴾ والمقصود بها كما قال الرازي: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين، فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. أو أن الآيات النفسية تحتاج إلى الإيقان، لقربها من الإنسان، وأما الآيات الخارجية الفلكية فيكفي فيها التصديق لبعدها عن الإنسان، وأما العلوية فتحتاج إلى النظر والاستدلال.

стр. 7527

وهذا دليل قاطع على أن القرآن اشتمل على أصول العقيدة والإيمان ودلائل التوحيد والنبوة والبعث والقيامة، كما اشتمل في مواضع أخرى على الأحكام الفقهية الجزئية في العبادات، والمعاملات، وأحكام الأسرة، والدولة، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والحكم، وغير ذلك. وعيد المكذبين بآيات الله وجزاؤهم ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اِتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾ الإعراب: ﴿لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع: صفة ﴿عَذابٌ﴾ ويقرأ بالجر: صفة ﴿رِجْزٍ﴾. البلاغة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ من صيغ المبالغة على وزن فعّال وفعيل. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أسلوب تهكمي، لأن استعمال البشارة التي تكون عادة بالخير في الشر تهكم. ﴿يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ تشبيه مرسل، أي كأنه لم يسمع آيات القرآن. ﴿هذا هُدىً﴾ وصف القرآن بالمصدر الذي هو هدى للمبالغة، كأنه لوضوح حجته عين الهدى.

стр. 7528

المفردات اللغوية: ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة عذاب ﴿أَفّاكٍ﴾ كذاب، أي كثير الكذب والإفك ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الإثم والمعصية ﴿آياتِ اللهِ﴾ القرآن ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ على كفره، والإصرار على الشيء: ملازمته ﴿مُسْتَكْبِراً﴾ متكبرا متعاظما عن الإيمان بالآيات، و ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإصرار بعد سماع الآيات. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ أي كأنه لم يسمعها، فخففت وحذف ضمير الشأن، والجملة في موقع الحال، أي يصرّ مثل غير السامع ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ على إصراره، والبشارة للتهكم ﴿مِنْ آياتِنا﴾ القرآن ﴿اِتَّخَذَها هُزُواً﴾ أي مهزوءا بها ﴿أُولئِكَ﴾ أي الأفاكون ﴿لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ذو إهانة، أي عذاب مخز مذل. ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامهم وقدامهم، لأنهم متوجهون إليها، أو من خلفهم، لأنه بعد آجالهم ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ لا يدفع عنهم ﴿ما كَسَبُوا﴾ من المال والأولاد والفعال ﴿شَيْئاً﴾ من عذاب الله ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي الأصنام ﴿أَوْلِياءَ﴾ نصراء وأعوان ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يتحملونه. ﴿هذا هُدىً﴾ أي هذا القرآن هاد من الضلالة ﴿لَهُمْ عَذابٌ﴾ لهم حظ من العذاب ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ الرجز: أشد العذاب ﴿أَلِيمٌ﴾ موجع. سبب النزول: نزول الآية (٨): ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ﴾: نزلت في النضر بن الحارث الذي كان يشتري أحاديث الأعاجم، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. والآية عامة في كل من صد عن الدين وتكبر عن هديه. المناسبة: بعد بيان الآيات للكفار، وبيان أنهم إن لم يؤمنوا بها مع ظهورها، فلا يؤمنوا بعدها بشيء، أتبعه تعالى بوعيد عظيم بالعذاب الشديد لكل من كذب بتلك الآيات، ثم أصر على كفره بها، ثم ذكر أن جزاءهم جهنم، دون أن تنفعهم أصنامهم شيئا، وأن القرآن العظيم هو الهدى فقط من الضلالة.

стр. 7529

التفسير والبيان: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي الهلاك وأشد العذاب لكل كذاب بآيات الله، كثير الإثم والمعاصي، ولهذا الأفاك حالتان: الأولى-الإصرار والاستكبار: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي إن هذا الأفاك إذا سمع آيات القرآن تتلى على مسامعه، وفيها الدلالة الواضحة على وحدانية الله وقدرته، ووعده ووعيده، بقي مصرا على كفره، وأقام على ما كان عليه إقامة بقوة وشدة، ولم يتعظ بما يسمع من كلام الله، وتكبر وتعاظم عن الإيمان بالآيات، معجبا بنفسه، وكأنه لم يسمعها، مشبها حاله بحال غير السامع في عدم الالتفات إليها، فأخبره بأن له عند الله عذابا شديد الإيلام، جزاء إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات. والتعبير عن هذا الخبر المحزن بالبشرى تهكم شديد واحتقار لهم. ونظير الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١/ ٦]. الحال الثانية-الاستهزاء بالآيات: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي وإذا علم هذا الأفاك من آيات الله شيئا، اتخذ ذلك الشيء هزوا، أي موضوعا للسخرية والتندر مما حوته من المعاني، أولئك الأفاكون الذين سبقت صفاتهم لهم عذاب موصوف بالإهانة والذل والخزي بسبب إصرارهم واستكبارهم عن سماع آيات الله واتخاذها موضوع استهزاء واستهانة بالقرآن. والعذاب المهين: هو المشتمل على الإذلال والفضيحة. روي-كما تقدم-أن أبا جهل حين سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ دعا بتمر وزبد وقال لأصحابه: تزقموا من هذا، ما يعدكم محمد إلا

стр. 7530

شهدا-عسلا-وحين سمع قوله تعالى ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي على النار قال: إن كانوا تسعة عشر، فأنا ألقاهم وحدي. ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب المهين، فقال: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ، وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً، وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي إن أمام أولئك الأفاكين جهنم يوم القيامة، لأنهم متوجهون إليها مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم ١٦/ ١٤] أي من أمامه، أو إن وراء تعززهم بالدنيا وتكبرهم عن الحق جهنم، فإنها خلفهم وستدركهم، ولا يدفع شيئا من العذاب عنهم ما كسبوا في الدنيا من الأولاد والأموال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ [آل عمران ١١٦، ١٠/ ٣]، ولا ينفعهم أي نفع، ولا تنفعهم أيضا الأصنام التي اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله، يرجون منها النفع، ودفع الضرر، ولهم عذاب عظيم دائم مؤلم في جهنم التي هي من ورائهم. وكل ما توارى عنك فهو وراء، تقدّم أو تأخر، كما ذكر في غرائب القرآن. وسبب التفرقة بين قوله ﴿لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أن الوصف الأول يدل على حصول الإهانة مع العذاب، والوصف الثاني يدل على كونه بالغا أقصى المراتب في كونه ضررا. ثم وصف الله تعالى القرآن بقوله: ﴿هذا هُدىً، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أي هذا القرآن والآيات المتقدمة في هذه السورة هي هادية إلى الحق، ومرشدة إلى الصواب، وموجهة إلى النور من الظلمة والضلال، والذين كفروا بآيات الله القرآنية لهم أشد العذاب يوم القيامة. فقوله ﴿هذا هُدىً﴾ أي كامل في كونه هدى، والرجز: أشد العذاب
следующие страницы →