← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

وألوان النعيم هي: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي لكم في الجنة أنواع مختلفة من المطاعم والمشارب، يقدم فيها الطعام والشراب بآنية الذهب، والكوب: كوز لا عروة له. ولكم فيها من ألوان الأطعمة والأشربة وغيرها من الألبسة والمسموعات كل ما تطلبه النفوس وتهواه كائنا ما كان، وكل ما يمتع الأعين من المستلذات والمشاهد والمناظر الخلابة، وأسماها النظر إلى وجه الله الكريم من غير حصر ولا كيف، وأنتم فيها ماكثون على الدوام، لا تموتون ولا تخرجون منها، ولا تبغون عنها تحولا. وسبب هذا الجزاء عملهم الصالح، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إن تلك الجنة بما فيها من ألوان النعيم صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث، بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرة، فيكون له، فيقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فيكون له شكرا» ثم قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾». وبعد ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لإتمام النعمة، فقال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي لكم في الجنة غير الطعام

стр. 7457

والشراب فاكهة كثيرة الأنواع والأصناف، تأكلون منها مهما اخترتم وأردتم، كلما قطفتم ثمرة جددت لكم ثمرة أخرى. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات الأحكام التالية من أحكام يوم القيامة: ١ - الأصحاب والأصدقاء في الدنيا يكونون يوم القيامة أعداء، يعادي بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا إلا المتقين، فإنهم أصدقاء متحابون في الدنيا والآخرة. وهذا دليل على أن الخلّة أو الصحبة إذا كانت على المعصية والكفر، صارت عداوة يوم القيامة، أما الموحدون الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة. ٢ - عباد الله المؤمنون المطيعون المتقون آمنون في الآخرة من الخوف، متخلصون من الحزن، قد أزال الله عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، وأشعرهم بالفرح من نواح أربع هي: أ-خاطبهم تعالى بنفسه من غير واسطة، بقوله: ﴿يا عِبادِ.﴾ .. ب-وصفهم تعالى بالعبودية، وهذا تشريف عظيم، كما شرف محمدا ﷺ ليلة المعراج، فقال: - ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. [الإسراء ١/ ١٧]. ج -أزال عنهم الخوف يوم القيامة بالكلية، وهذا من أعظم النعم. د-نفى عنهم الحزن عما فاتهم من نعيم الدنيا الماضية (١). ٣ - يكرم الله المؤمنين إكراما على سبيل المبالغة، فيدخلهم الجنة هم

стр. 7458

وأزواجهم المؤمنات المسلمات في الدنيا، بعد أن أمّنهم من الخوف والحزن. وهذا يعني أن حسابهم يمر على أسهل الوجوه وأحسنها. ٤ - تقدّم الأطعمة والأشربة لأهل الجنة فيها بآنية الذهب. أما في الدنيا فيحرم استعمال أواني الذهب والفضة، جاء في الصحيحين عن حذيفة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الدّيباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». وروى الأئمة من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ قال: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» وهذان الحديثان يقتضيان التحريم، بلا خلاف في ذلك. والنهي عن الأكل والشرب يدل على تحريم الاستعمال والانتفاع بمختلف الأوجه، لأنه نوع من المتاع، فلم يجز، ومن استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة أو المشتمل على حلقة منهما، كالمرآة ذات الحلقة الفضية، فلا يشرب فيه، ولا ينظر في المرآة. وإذا لم يجز استعمال الإناء لم يجز اقتناؤه، لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اقتناؤه كالصنم والطّنبور (١). ٥ - في الجنة كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأهلها باقون دائمون فيها، روى الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه: «أن رجلا سأل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ قال: إن الله أدخلك الجنة، فلا تشاء أن تحمل على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت.

стр. 7459

وسأله رجل، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من إبل؟ قال: إن يدخلك الله الجنة، يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذّت عينك». ٦ - إن الظفر بنعيم الجنة يكون بسبب العمل الصالح في الدنيا. ٧ - في الجنة ألوان كثيرة من الفواكه المختلفة والثمار الطيبة كلها، رطبها ويابسها، سوى الطعام والشراب، يأكل أهلها منها، دون انقطاع ولا فناء، وهذا تعويض لمن حرم منها في الدنيا، وتكميل للرغبة، وتقوية لدواعي العمل المؤدي إليها. عذاب أهل النار وأسبابه ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ الإعراب: ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ، خالِدُونَ﴾ خبران ل ﴿إِنَّ﴾ أو ﴿خالِدُونَ﴾ خبر، والظرف متعلق به. البلاغة: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ التفات من الخطاب في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ﴾ إلى الغيبة للإشعار بأن الإبرام أسوأ من كراهتهم للحق.

стр. 7460

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ بين السر والنجوى طباق، أي الخفاء والعلانية. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ ذوي الجريمة الكبرى وهم الكفار الذين هم جعلوا في مقابل المؤمنين بالآيات ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف عنهم، بجعل العذاب متقطعا على فترات ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النجاة، حزينون من شدة اليأس، من الإبلاس وهو الحزن الناشئ من شدة اليأس، ويصاحبه عادة سكوت. ﴿مالِكُ﴾ خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ ليمتنا، أي سل ربك أن يقضي علينا، من قضى عليه إذا أماته ﴿ماكِثُونَ﴾ مقيمون في العذاب دائما، لا خلاص لكم بموت ولا غيره ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال تعالى: لقد جئناكم يا أهل مكة بالحق الثابت على لسان الرسول ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً﴾ بل أحكموا تدبير أمر في كيد النبي محمد وتكذيب الحق ورده، ولم يقتصروا على كراهيته ﴿فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ محكمون كيدنا في إهلاكهم ومجازاتهم. ﴿سِرَّهُمْ﴾ حديث الخفية مع النفس أو الغير في مكان ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ تناجيهم فيما بينهم وهو ما يجهرون به بينهم ﴿بَلى﴾ نسمع ذلك ﴿وَرُسُلُنا﴾ والحفظة ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عندهم، ملازمون ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ذلك. سبب النزول: نزول الآية (٧٩): ﴿أَمْ أَبْرَمُوا.﴾. قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به-بالنبي ﷺ في دار الندوة. نزول الآية (٨٠): ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ.﴾.: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم، ترون الله يسمع كلامنا؟ فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فأنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ..﴾. الآية.

стр. 7461

المناسبة: لما ذكر الله تعالى أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل النار أيضا، ليبين فضل المطيع على العاصي، ولما ذكر تعالى الوعد، أردفه بالوعيد، على الترتيب المستمر في القرآن، فبعد أن ذكر ما أعد لأهل الجنة المتقين من ألوان النعيم، ذكر ما أعد لأهل النار الكفار من العذاب الأليم وأسبابه وهي الكفر والمعاصي، مع إحباط مكائدهم ومؤامراتهم لرد الحق المنزل، وإعلامهم بأن الله عليم بذلك، والحفظة الملازمون لهم يكتبون كل ما بدر منهم من قول أو فعل، ليكون عنصر إثبات وحجة عليهم. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ أي إن الذين ارتكبوا الكفر بالله في دار الدنيا هم معذبون في عذاب النار، عذابا دائما، مخلّدون فيه أبدا. ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ لا يخفف عنهم ذلك العذاب فترة أو لحظة ليستريحوا منه، وهم آيسون من النجاة ومن كل خير، حزينون أشد الحزن. وسببه ما اقترفوا في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ، وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أي ما عذبناهم بغير ذنب، ولا زدناهم على ما يستحقونه، ولكنهم ظلموا أنفسهم بما ارتكبوا من الذنوب، وبما عملوا من الأعمال السيئة، حيث كفروا بالله ربهم، وكذبوا رسله وعصوا ما جاؤوا به، فجوزوا بذلك جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد. ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ أي ونادى المجرمون للتخلص مما هم فيه من العذاب الشديد: يا مالك-وهو خازن النار-

стр. 7462

ليمتنا الله أو ليقبض أرواحنا، فيريحنا مما نحن فيه من العذاب، فأجابهم بقوله: إنكم مقيمون في العذاب، لا خروج لكم من النار، ولا محيد لكم عنها. قال المحققون: سمي خازن النار مالكا، لأن الملك علقة، والتعلق من أسباب دخول النار، كما سمي خازن الجنة رضوانا، لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة، وصلاح وفلاح. وذلك كقوله تعالى: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها﴾ [فاطر ٣٦/ ٣٥] وقوله سبحانه: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ [الأعلى ١١/ ٨٧ - ١٣]. وقد روي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، وسألوهم أن يخفف عنهم ربهم يوما واحدا من العذاب، فردت الخزنة عليهم أسوأ رد: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ. قالُوا: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ، قالُوا:﴾ ﴿بَلى، قالُوا فَادْعُوا، وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر ٤٩/ ٤٠ - ٥٠]. ثم ذكر الله تعالى سبب عقابهم قائلا: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ، وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ أي لقد بينا لكم الحق ووضحناه وفسرناه، وأرسلنا إليكم الرسل، وأنزلنا عليهم الكتب، فدعوكم إلى الصراط المستقيم، فأبيتم وكذبتم وكفرتم وعاندتم، وكان أكثركم أي كلكم كارهين للحق وأهله لا يقبلونه. ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفسادهم في الدنيا، فقال بطريق الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة لبيان كون تدبيرهم أسوأ من كراهتهم للحق: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ أي بل دبّر مشركو مكة بإحكام كيدا للنبي ﷺ في دار الندوة بمكة ليقتلوه أو يحبسوه أو يطردوه، والمعنى أنهم كلما

стр. 7463

أحكموا أمرا في المكر بمحمد ﷺ ، فإنا نحكم أمرا في مجازاتهم، وإنا محكمون لهم كيدا، أي نبيّت لهم جزاء وعقابا شديدا، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠/ ٢٧] وقال سبحانه: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً، فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور ٤٢/ ٥٢] وكل من الكيد والمكر يراد به العقاب من الله تعالى، جزاء على تحايلهم في رد الحق بالباطل، ورد وبال ذلك عليهم، وإحباطه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ، بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي بل أيظنون أننا لا نسمع سرهم وعلانيتهم، سواء ما يضمرونه من شر وسوء وكيد، أو ما يتناجون به فيما بينهم علانية لحبك المؤامرة، والتخطيط لإنفاذها؟ بلى، نحن نسمع ذلك ونعلم به تماما، والملائكة الحفظة أيضا يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول أو فعل، صغير أو كبير: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧/ ٥٠ - ١٨]. قال يحيى بن معاذ: من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق. فقه الحياة أو الأحكام: أبانت الآيات ما يأتي: ١ - إن جزاء الكفار الذين لم يؤمنوا بوجود الله ووحدانيته، ولم يصدقوا بالرسل والكتب الإلهية هو نار جهنم. وقد وصفهم الله تعالى بصفة المجرمين. ٢ - وصف تعالى عذاب جهنم بثلاث صفات: هي أولا-الخلود وهو في رأي الرازي: عبارة عن طول المكث، ولا يفيد الدوم، وثانيا-عدم التخفيف من العذاب، وثالثا-الإياس من الرحمة أو السكوت سكوت يأس.

стр. 7464

٣ - لا ظلم للكفار بالعذاب يوم القيامة، ولكنهم هم الظالمون لأنفسهم بالشرك، وإن أعظم جريمة في حق الله هي الشرك به، لذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء ٤٨/ ٤]. ٤ - يطلب الكفار من مالك خازن جهنم أن يتخلصوا من العذاب بالموت الأبدي، وهم بالرغم من أنهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب، طلبوا ذلك إما على سبيل التمني أو على وجه الاستغاثة، وكلا الأمرين تعبير عن الحيرة والقلق والاضطراب ونحوها مما يفعله اليائس المتخبط في أحواله كلها، فأجيبوا بأنهم مقيمون على الدوام في نار جهنم. ويذكر المفسرون أن بين سؤالهم هذا وبين جوابهم ثمانين سنة، أو ألف سنة، أو مائة سنة، أو أربعين سنة، الأول قول عبد الله بن المبارك، والثاني قول الأعمش، والثالث قول ابن عباس، والرابع قول عبد الله بن عمرو (١). وكل ذلك يحتاج لدليل أوثق وأثبت، ونفوض العلم فيه إلى الله تعالى. ٥ - إن سبب عقاب الكفار أن الله تعالى جاءهم بالحق فلم يقبلوا، وكلهم نافر من محمد ﷺ ومن القرآن، شديد البغض لقبول الدين الحق، وهو الإسلام ودين الله تعالى. ٦ - أحبط الله كل مؤامرات الكفار على النبي ﷺ ، لأن الله عاصمه من الناس، قال مقاتل-كما تقدم-: نزلت آية ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ في تدبيرهم بالمكر بالنبي ﷺ في دار النّدوة، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل، ليشتركوا في قتله، فتضعف المطالبة بدمه، فنزلت الآية (٢).

стр. 7465

٧ - يخطئ الناس وبخاصة الكفار حين يظنون أن الله لا يسمع سرهم ونجواهم، والسر: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم، فإن الله سميع بصير، يسمع ويعلم كل شيء، والملائكة الحفظة يكتبون عليهم تلك الأحوال، وستكون الكتابة في سجل الأعمال يوم القيامة يحاسبون بناء عليها، وحجة وبرهانا لإثبات معاصيهم ومنكراتهم، وهذا تأكيد لعلم الله. تنزيه الله سبحانه عن الولد والشريك ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ الإعراب: ﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾ ﴿إِنْ﴾: إما شرطية على سبيل الافتراض، أي إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده، على أنه لا ولد له، أو على حد قول الرجل لصاحبه: إن كنت كاتبا فأنا حاسب، والمعنى: لست بكاتب، ولا أنا حاسب. أو أن تكون ﴿إِنْ﴾ بمعنى «ما» وتقديره: ما كان للرحمن من ولد.

стр. 7466

﴿فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ كل من الجار والمجرور متعلق بما بعده. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ اللام في ﴿لَئِنْ﴾ لام القسم. و ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حذف منه نون الرفع وواو الضمير. ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ﴾ بالجر لكلمة ﴿قِيلِهِ﴾ عطفا على ﴿السّاعَةِ﴾ أي وعنده علم الساعة وعلم قيله، أو بالرفع عطفا على ﴿عِلْمُ﴾ في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي وعلم قيله، فحذف المضاف، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: وقيله: يا رب، مسموع، أو بالنصب على المصدر، أي ويقول قيله، أو عطفا على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ في قوله: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ أو عطفا على معنى ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي ويعلم الساعة ويعلم قيله، أو عطفا على المفعول المحذوف ل ﴿يَكْتُبُونَ﴾ في قوله: ﴿وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي يكتبون ذلك ويكتبون قيله. ﴿وَقُلْ: سَلامٌ﴾ ﴿سَلامٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي أمري سلام، أي مسالمة منكم، وليس من السلام بمعنى التحية. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي إن وجد له ولد على سبيل الفرض والتقدير، وثبت ذلك بالدليل القاطع، فأنا-أي محمد النبي ﷺ -أول العابدين أي المعظمين للولد تعظيما للوالد، لكن ثبت ألا ولد له تعالى، فانتفت عبادته وبطلت ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ.﴾. أي تنزيها لله عن كونه ذا ولد وعن كل نقص ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ العرش أو الكرسي: مخلوق عظيم أعظم من السموات والأرض، الله أعلم به ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ يقولون كذبا بنسبة الولد إليه. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ اتركهم ﴿يَخُوضُوا﴾ يعبثوا في باطلهم، ويبطلوا مع المبطلين ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي يوم القيامة الذي يوعدون فيه العذاب ﴿إِلهٌ﴾ أي أنه هو معبود في السماء ومعبود في الأرض ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمصالحهم، وهما دليلان على استحقاق العبادة، والمعنى أن الله في السماء والأرض بالألوهية والربوبية، وليس الاستقرار. ﴿تَبارَكَ﴾ تعالى وتعاظم ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ كالهواء وجميع المخلوقات ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أي العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء ﴿يَدْعُونَ﴾ يعبدون، وهم الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غير الله ﴿الشَّفاعَةَ﴾ لأحد ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي قال: لا إله إلا الله. والاستثناء إما متصل، لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيرا، أو منقطع، أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يتيقنون بقلوبهم مثلما شهدت به ألسنتهم، وهم عيسى وعزير والملائكة، فهؤلاء هم الذين يشفعون بإذن الله للمؤمنين ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن عبادة الله.

стр. 7467

﴿وَقِيلِهِ﴾ معطوف على ﴿السّاعَةِ﴾ أي وعنده علم الساعة وعلم قيله، أي قيل محمد النبي ﷺ ، والقيل والقال والمقالة والقول بمعنى واحد، أي وقوله ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم ﴿وَقُلْ: سَلامٌ﴾ سلام متاركة وهجران، لا سلام تحية ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يطلعون على ما أعد لهم من عذاب، وهذا تهديد وتوبيخ لهم أي للكفار. المناسبة: بعد بيان أحوال المجرمين الكفار في الآخرة، أردفه تعالى ببيان استحالة نسبة الولد والشريك له، وأنه المعبود بحق في السماء والأرض وأنه الحكيم في صنعه العليم بكل شيء، وأن الله سبحانه مالك السموات والأرض ومالك كل شيء في الكون، وأن الآلهة المعبودة من دون الله ليس لها أي نفع كالشفاعة في الآخرة، وأن المشركين متناقضون حين يقرون بأن الخالق للكون هو الله، ثم يعبدون معه غيره، وأن حسابهم آت يوم القيامة الذي لا يعلم بميقاته أحد غير الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أي قل يا محمد: إن ثبت ببرهان صحيح لله تعالى ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، وأول من يعظمه كما يعظّم الرجل ولد الملك لعظم أبيه، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى، ويستحيل أن يكون له ولد فهو محال في ذاته، لأنه يؤدي إلى العجز والحاجة لغيره والنقص، والإله كامل الصفات. والجملة شرطية لفظا ومعنى، مركبة من شرط وجزاء، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل، بقصد المبالغة في نفي الولد، وهو أبلغ وجوه النفي وأقواها، كما تقول لمن يجادلك: إن ثبت ما تقول بالدليل فأنا أول من يعتقد به. وهو مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر ٤/ ٣٩] وقوله سبحانه: ﴿لَوْ

стр. 7468

كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء ٢٢/ ٢١] أي لو كان في السموات والأرض أكثر من إله لفسدت. ويؤكد نفي الولد قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبِّ الْعَرْشِ، عَمّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزيها له وتقديسا عما يقولون من الكذب بأن له ولدا، ويفترون عليه تعالى ما لا يليق بجنابه، أو تعالى وتنزه وتقدس خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فهو مالك السموات والأرض، ورب العرش المحيط بالكون، وهو منزه عما يصفه به المشركون كذبا من نسبة الولد إليه. ثم أمر الله تعالى نبيه بالإعراض عن المشركين المعاندين قائلا: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي فاتركهم أيها النبي يخوضوا في جهلهم وباطلهم وضلالهم، ويلعبوا ويلهوا في دنياهم، حتى يلقوا يوم القيامة الذي يوعدون به. وفي هذا تهديد ووعيد. ويزيد الله تعالى تأكيده تنزيه نفسه عن الولد قائلا: ١ - ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ أي هو الله المعبود بحق في السماء، والمعبود بحق في الأرض، فلا يستحق العبادة سواه، وهو الحكيم في تدبير خلقه، العليم بمصالحهم. والمعنى: كما أنه تعالى ليس له ولد، ليس له مكان يستقر فيه، بل له الألوهية والربوبية في الكون كله، وفي كل مكان، ويستحيل عليه المكان، لأنه يكون محدودا محصورا في جهة معينة، له حجم ونهاية، وتلك صفات الحوادث، والله منزه عنها، فلا يحده زمان ومكان، والحكمة البالغة والعلم الواسع يتنافيان مع إثبات الولد لله. ثم أبطل الله تعالى قول الكفرة: إن الأصنام تنفعهم، فقال:

стр. 7469

٢ - ﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما، وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي تعاظم وتعالى وزادت خيراته وبركاته الله مالك السموات ومالك الأرض، وما بينهما من الفضاء والهواء وأنواع الحيوان والإنسان وخالق كل شيء، وهو المختص بعلم الوقت الذي تقوم فيه الساعة، وإليه مرجع ومصير الخلائق كلها، فيجازي كل إنسان بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهذه صفات تتنافى كلها أيضا مع إثبات ولد لله، لأنه تعالى غير محتاج لمعونة أحد من خلقه، كما أن له السلطان المطلق في الحساب والجزاء في عالم القيامة، ولما نفى الله تعالى الولد أتبعه بنفي الشركاء، فقال مؤكدا عدم نفع الأصنام: ٣ - ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ، إِلاّ ١ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولا تملك-ولا تقدر-الأصنام وكل معبود مدعو من دون الله الشفاعة عند الله كما يزعم عبادها أنهم يشفعون لهم، لكن من آمن وشهد بالحق على بصيرة ويقين بأن الله واحد لا شريك له، فإن شفاعته مقبولة عند الله بإذن الله. فقوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ معناه: وهم على علم وبصيرة بما شهدوا به. وهذا دليل على أن إيمان المقلّد وشهادته غير معتبرين. ثم أبان الله تعالى تناقض المشركين قائلا: ٤ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي وتا لله لئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره عمن خلقهم؟ لأجابوا بأنه الله، فهم يعترفون بأنه الخالق للأشياء، جميعها، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئا، ولا يقدر على شيء، فكيف يصرفون عن العبادة الحقه عبادة الله إلى عبادة غيره، مع هذا الاعتراف؟ إنهم في هذا التناقض في غاية الجهل والسفاهة وسخافة

стр. 7470

العقل، وهذا مدعاة للعجب من إشراكهم، والغرض من الآية: التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع، ثم يجعلون له أندادا. ثم أعلن الله تعالى علمه بشكوى النبي ﷺ من إعراض قومه قائلا: ٥ - ﴿وَقِيلِهِ: يا رَبِّ، إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ويعلم الله تعالى علم الساعة وقول النبي ﷺ وشكواه إلى ربه من قومه الذين كذبوه: يا ربّ، إن هؤلاء القوم الذين أرسلتني إليهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون بك ولا برسالتي إليهم، كما أخبر تعالى في آية أخرى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ: يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان ٣٠/ ٢٥]. ثم أمر الله تعالى نبيه بالإعراض عنهم ونبذهم لإشراكهم قائلا: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ: سَلامٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي اصفح عن المشركين صفح المغاضب لا الموافق المجامل، وأعرض عما يقولون وما يرمونك به من السحر والكهانة، واصبر على دعوتهم إلى أن يأتي أمر الله، وقل: أمري معكم مسالمة ومتاركة إلى حين، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد من الله لهم، ووعد ضمني بنصر الإسلام والمسلمين عليهم، وقد أنجز الله وعده، فأيد رسوله والمؤمنين، وهزم أركان الشرك والمشركين، وطهر جزيرة العرب من فلولهم وآثارهم، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام-ولله الحمد- في المشارق والمغارب. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات البيّنات إلى ما يأتي: ١ - إن إنكار وجود الولد لله تعالى ليس عنادا ولا منازعة، وإنما بدلالة الأدلّة القاطعة على نفي وجود الولد، فالعبرة للدّليل، وقد أثبت الدّليل القاطع

стр. 7471

عدم وجود الولد لله تعالى، لأن صفة الألوهية تقتضي الكمال والقدرة والحكمة والعلم، واتّخاذ الولد دليل العجز والنقص. وهذا مأخوذ من معنى الآية الأولى: ﴿قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ.﴾. أي لو كان له ولد كنت أول من عبده، على افتراض أن له ولدا ثابتا بالبرهان، ولكن لا ينبغي ذلك، ولم يقم دليل عليه. ٢ - نزّه الله نفسه ربّ السموات والأرض عن كلّ ما يقتضي الحدوث، وأمر النّبيّ ﷺ بالتّنزيه عما يقوله المشركون من الكذب. ٣ - أمر الله نبيّه أيضا أن يترك المشركين يخوضون في باطلهم، ويلعبون في دنياهم، حتى يأتيهم إما العذاب في الدنيا أو في الآخرة. ٤ - كذب الله المشركين بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ.﴾. في أن لله شريكا وولدا، فهو وحده المستحق للعبادة في السماء والأرض. قال الرّازي: هذه الآية من أدلّ الدّلائل على أنه تعالى غير مستقرّ في السماء، لأنه تعالى بيّن بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالألوهية كنسبته إلى الأرض، فلما كان إلها للأرض، مع أنه غير مستقرّ فيها، فكذلك يجب أن يكون إلها للسماء، مع أنه لا يكون مستقرّا فيها (١). ٥ - الله تعالى مصدر الخير والبركة، وهو صاحب العظمة، مالك السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات والموجودات والعناصر، وهو العالم بوقت قيام القيامة، وإليه مصير الخلق للحساب والجزاء. وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ بعد بيان كمال قدرته: هو التّنبيه على أن من كان كامل الذّات والعلم والقدرة، امتنع عليه اتّخاذ ولد كعيسى موصوف بالعجز وعدم الاطّلاع على أحوال العالم.

стр. 7472

٦ - نفى الله تعالى الولد إليه، ثم نفى الشّركاء بقوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ.﴾. أي لا يملك عيسى وعزير والملائكة وغيرهم من الأصنام الشّفاعة إلا من شهد بالحقّ وآمن على علم وبصيرة، وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به. ٧ - دلّ قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ على أمرين: الأول-أنّ الشفاعة بالحقّ غير نافعة إلا مع العلم، وأن التّقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. الثاني-أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها، كما روى البيهقي والحاكم وابن عدي عن ابن عباس-وهو ضعيف-عن النّبي ﷺ : «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع». ٨ - المشركون قوم متناقضون كما ثبت في أول السورة وآخرها، فلما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى، فكيف أقدموا مع هذا الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام جامدة لا تضرّ ولا تنفع؟ الواقع أنهم يكذبون على الله حين يقولون: إن الله أمرنا بعبادة الأصنام. ودلّ قوله تعالى: ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم. ٩ - شكا النّبي ﷺ قومه إلى ربّه بأنّهم لا يؤمنون بالله وحده لا شريك له، ولا برسالته ولا بالقرآن المنزل عليه. وهذه الشكوى صدرت منه ﷺ بعد أن ضجر منهم، وعرف إصرارهم على الكفر. وهذا قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي، وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ [نوح ٢١/ ٧١].

стр. 7473

١٠ - أمر الله نبيّه بالصّفح عن المشركين صفح الغاضب النّاقم لا الرّاضى بفعلهم، وبالمتاركة حتى حين، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب في الدنيا والآخرة، وهذا تهديد للمشركين، ولا حاجة كما ذكر الرّازي إلى القول بأن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة، فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ، وأما التّكرار فيكون بدليل آخر، كما أن اللفظ قد يتقيّد بقرينة العرف.

стр. 7474

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الدخان مكيّة، وهي تسع وخمسون آية. تسميتها: سمّيت (سورة الدّخان) لما فيها من تهديد المشركين في الماضي بالجدب والقحط الذي يجعل الجائع كأنه يرى في الفضاء دخانا من شدة الجوع، وتهديد الأجيال المقبلة بظهور الدّخان في السماء مدة أربعين يوما والذي يعدّ أمارة من أمارات السّاعة. مناسبتها لما قبلها: تتجلّى مناسبة هذه السورة لما قبلها من آل حاميم من وجوه ثلاثة: ١ - افتتاح كلتا السّورتين بالقسم بالقرآن العظيم تنويها به، في قوله تعالى: ﴿حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. ٢ - تشابه خاتمة السّورة المتقدّمة ومطلع هذه السّورة، حيث ختمت سورة الزّخرف بالتّهديد والوعيد في قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [٨٣] فذكر يوما غير معيّن ولا موصوفا، ثم أبان وصفه في سورة الدّخان في القسم الأول منها حيث أنذر تعالى المشركين في قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [١٠]. ٣ - حكاية ما قاله النّبي ﷺ لقومه وما قاله أخوه موسى ﵇ لقوم

стр. 7475

فرعون، فقال النّبي ﷺ في السّورة المتقدّمة: ﴿يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [٨٨]، ثم قال الله له: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ: سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [٨٩]، وحكى الله عن موسى في هذه السّورة: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [٢٢]، وقال موسى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ [٢٠ - ٢١]، والتّشابه واضح في الموقفين. ما اشتملت عليه السّورة: موضوع سورة الدّخان المكيّة كسائر موضوعات السّور المكيّة وسور آل حاميم السّبع، وهو بيان أصول العقيدة الإسلاميّة: التوحيد، والنّبوة والرّسالة، والبعث. بدئت السورة ببيان تاريخ بدء إنزال القرآن في ليلة القدر من رمضان، رحمة من الله بعباده، وأن منزله هو مالك الكون كله والمخلوقات جميعها، وأنه هو الإله الحقّ الواحد الذي لا شريك له، غير أن المشركين في شكّ وارتياب من أمر القرآن. ثم أعدتهم بالعذاب الشديد، وبالدّخان المخيف الذي ينذرهم بأسوأ العواقب، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا. وأردفت ما سبق بعظتهم بقصة فرعون وقومه مع موسى ﵇، حيث نجّى الله المؤمنين، وأغرق الكافرين في البحر. ثم وصفت مشركي مكة بأنهم قوم منكرون للبعث في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى، وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [٣٥]، وهدّدتهم بالإهلاك كما أهلك المجرمين الأشدّاء من قبلهم، مثل قوم تبّع الحميري، مع إيراد الدّليل على قدرة الله على كلّ شيء.

стр. 7476

ثمّ وصفت لهم أهوال يوم القيامة وما فيه من الحساب والعقاب وطعام الزّقوم في نار جهنم وغير ذلك مما يرهب ويرعب، ويثير المخاوف الشّديدة في النّفوس. وختمت السّورة بنعت وبيان مصير الأبرار ومصير الفجّار، لترغيب الفريق الأول وتبشيره بالعاقبة الحميدة، وترهيب الفريق الثاني وإنذاره بالنّكال والعذاب الشّديد. فضلها: ذكر المفسّرون أحاديث في فضل سورة الدّخان، لكنها لا تخلو من ضعف (١)، منها ما رواه الدّارميّ في مسنده عن أبي رافع قال: «من قرأ الدّخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفورا له، وزوّج من الحور العين» ورواه الثّعلبي مرفوعا عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من قرأ الدّخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له» وفي لفظ آخر للتّرمذي: «من قرأ حم الدّخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك»، وعن أبي أمامة قال: سمعت النّبي ﷺ يقول: «من قرأ حم الدّخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، بنى الله له بيتا في الجنة». إنزال القرآن في ليلة القدر المباركة وصفات منزله ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾

стр. 7477

الإعراب: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ ﴿أَمْراً﴾: إما منصوب على الحال بمعنى آمرين، أو منصوب على المصدريّة، أو منصوب بفعل مقدّر، أي أعني أمرا، وهو قول أبي العباس المبرّد. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: إما منصوب على أنه مفعول لأجله، أي للرّحمة، وحذف مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾، أو لأنه مفعول ﴿مُرْسِلِينَ﴾ والمراد بالرّحمة حينئذ النّبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]، أو منصوب على البدل من قوله: ﴿أَمْراً﴾، أو منصوب على المصدر، أو منصوب على الحال، وهو قول أبي الحسن الأخفش. ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ بالجرّ: بدل من ﴿رَبِّكَ﴾، وبالرّفع: خبر آخر، أو صفة، أو استئناف على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ربّ السموات. البلاغة: ﴿حَكِيمٍ﴾ ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة على وزن فعيل. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بينهما طباق. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ حثّ وتحريض على الإيمان والتفكّر والتّبصر. المفردات اللغوية: ﴿حم﴾ الحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن، والتّنبيه على خطورة ما يلقى من أحكام في هذه السّورة، كما تقدّم. ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ هذا قسم بالقرآن، أي والقرآن ذي البيان الواضح لكل حاجات الإنسان في الدّين والدنيا. ﴿لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر، ابتدئ فيها إنزال القرآن، أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وبركتها لأن نزول القرآن سبب للمنافع الدّينية والدّنيوية. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مخوّفين به، وهو استئناف يتبيّن فيه المقتضي للإنزال.

стр. 7478

﴿فِيها﴾ في ليلة القدر. ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصّل ويبيّن. ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ محكم لا لبس فيه، من الأمور المحكمة التّشريعية، والأرزاق والآجال وغيرها على مدار السّنة إلى تلك الليلة. ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا، وهو مزيد تفخيم للأمر. ﴿مُرْسِلِينَ﴾ الرّسل: محمد ﷺ ومن قبله ﵈. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ رأفة بالمرسل إليهم. ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم، وهو وما بعده بيان أنّ الرّبوبية لا تحقّ إلا لمن هذه صفاته، مما ينفي ربوبية غيره. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم وفي أنه تعالى ربّ السموات والأرض، أو كنتم تطلبون اليقين وتريدونه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ إذ لا خالق سواه. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ كما تشاهدون. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من البعث، وهو ردّ لكونهم موقنين. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ يعبثون استهزاء بالنّبيّ ﷺ ، لذلك قال: اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف». التفسير والبيان: ﴿حم، وَالْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ أقسم الله سبحانه بالقرآن العظيم الذي هو الكتاب الموضّح لكلّ ما يحتاجه الإنسان من أمور الدّين والدّنيا، على أنه أنزل القرآن في ليلة كثيرة الخيرات التي هي ليلة القدر، كما جاء مبيّنا في آية أخرى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١/ ٩٧]، من ليالي شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾ [البقرة ١٨٥/ ٢]، أي أنه بدئ بإنزاله في ليلة القدر من ليالي رمضان، واستمرّ نزوله منجّما ثلاثا وعشرين سنة، أو أنزل القرآن كلّه في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدّنيا. إنّا كنّا بهذا القرآن منذرين الناس من العذاب الأليم في الآخرة إذا اقترفوا الشّرك والمعاصي، ومعلّمين النّاس ما ينفعهم ويضرّهم شرعا لتقوم حجّة الله على عباده.

стр. 7479

قال ابن كثير: ومن قال: إنها ليلة النّصف من شعبان-كما روي عن عكرمة-فقد أبعد النّجعة-أي الطلب-فإن نصّ القرآن أنها في رمضان (١) وقال القرطبي بعد حكاية قول عكرمة: إنها ليلة النّصف من شعبان: والأول -أي الرأي القائل بأنها ليلة القدر-أصح، لقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢). وسبب بدء نزوله في ليلة القدر ما قال تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي في ليلة القدر يفصّل ويبيّن الأمر المحكم، فيكتب فيها ما يكون في السّنة من الآجال والأرزاق، من خير وشرّ، وحياة وموت، وغير ذلك، أو ما يكون من أمور محكمة لا تبديل فيها ولا تغيير، بتشريع الأحكام الصالحة لهداية البشر في الدنيا، والسعادة في الآخرة، فالحكيم: معناه ذو الحكمة. وإنما أنزل القرآن في هذه الليلة خصوصا، لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة. والغاية من إنزال القرآن ما قال سبحانه: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا، إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي أنزل الله القرآن من لدنه متضمنا وحيه وشرعه، وقد فعلنا ذلك الإنذار، وأرسلنا الرسول وجميع الأنبياء إلى الناس لتلاوة آيات الله البيّنات، رحمة ورأفة منا بهم، لبيان ما ينفعهم وما يضرّهم، ولئلا يكون للناس حجّة بعد إرسال الرّسل، فرسالة الرّسل هي الرّحمة المهداة الدّائمة إلى البشر، وتتمثل الآن بالثّابت القطعي النّزول منها، وهو القرآن ورسالة النّبي ﷺ . قال أبو حيان في تفسير ﴿إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾. لما ذكر إنزال القرآن ذكر المرسل، أي مرسلين

стр. 7480

الأنبياء بالكتب للعباد، فالجملة المؤكّدة مستأنفة، وقيل: يجوز أن يكون بدلا من: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ (١). وإنما فعل الله ذلك، لأنه السّميع لأقوال البشر، العليم بأحوالهم وبما يصلحهم، فأرسل الرّحمة إليهم رعاية لحاجتهم. والدّليل على السّمع والعلم وإنزال القرآن ما قاله تعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي إن الله السّميع العليم الذي أنزل القرآن هو ربّ السموات والأرض وما بينهما من سائر المخلوقات، وخالقها ومالكها وما فيها، إن كنتم تريدون معرفة ذلك عن يقين تام لا شكّ فيه، قال أبو مسلم: معنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا. ثم ذكر الله تعالى صفات أخرى هي الوحدانية والقدرة فقال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ، رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي بعد إثبات الرّبوبية لله أثبت الوحدانية، فهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، وأثبت القدرة فهو المحيي والمميت، يحيي ما يشاء، ويميت ما يشاء، ثم أكّد الرّبوبية على البشر بالذّات، فهو ربّكم أيها المخاطبون وربّ آبائكم وأجدادكم الأولين، ومدبّر شؤونهم، فهو المستحق للعبادة، دون غيره من الآلهة المزعومة، ثم ذكر حقيقة المشركين، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ أي بل هؤلاء المشركون في شكّ من أمر البعث والتّوحيد والإقرار الذي صدر منهم بأن الله هو خالقهم، وهم في الواقع عابثون لا هون لاعبون، لا جدّية عندهم في الاعتقاد الصحيح، والسّلوك المطابق له.

стр. 7481

فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: أولا-عظّم الله تعالى القرآن في هذه الآيات بأمور هي: ١ - أقسم به، والله لا يقسم إلا بشيء عظيم، ولله أن يقسم بما يشاء على ما يشاء في أي وقت يشاء. ٢ - أقسم به على أنه أنزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب إلى بيت العزّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيّه ﷺ في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة. ذكر الطبري عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لستّ ليال منه، والزّبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت. ٣ - وصف الله القرآن بكونه كتابا مبينا. ٤ - وصف الله ليلة إنزال القرآن بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، قال ابن عباس وغيره: يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق. وقال ابن عمر: إلا الشّقاء والسّعادة، فإنهما لا يتغيّران. ٥ - الغاية من القرآن إنذار البشر وتخويفهم العذاب ليصلح حالهم في الدنيا. ٦ - إن إنزال القرآن كان بأمر الله ومن عنده. ٧ - كان إنزاله رحمة من الله بعباده. ٨ - كان إنزاله محققا لمصالح الناس وحاجاتهم، لأن الله هو السّميع العليم،

стр. 7482

ربّ السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، وهو الواحد القهّار، يحيي الأموات ويميت الأحياء، فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء، ومالك الناس عند نزول القرآن ومالك من تقدّم منهم ومالك من سيوجد إلى يوم القيامة، فما على الناس إلا اتّقاء تكذيب النّبي محمد ﷺ لئلا ينزل بهم العذاب. ثانيا-أظهر الله تعالى حقيقة اعتقاد المشركين مبيّنا أنهم ليسوا في الواقع على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم، وإنما يقولونه تقليدا لآبائهم من غير علم ولا حجة ولا برهان، فهم في شكّ بيّن، وإن توهّموا أنهم مؤمنون، فهم يلعبون في دينهم على وفق أهوائهم من غير حجّة. تهديد المشركين بالعذاب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ الجملة حالية. ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ ﴿الذِّكْرى﴾: مبتدأ، و ﴿أَنّى لَهُمُ﴾: خبره. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ..﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه: إما فعل مقدر، يدلّ عليه ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ أي ننتقم يوم نبطش، ولا يجوز تعلّقه بقوله: ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها، أو يكون العامل فيه ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ.﴾ ..

стр. 7483

المفردات اللغوية: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ انتظر. ﴿بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ بيّن واضح، والمراد من الدّخان: يوم الشدّة والمجاعة في الماضي، فإن الجائع يرى ما فوقه إلى السّماء ظلاما من شدّة الجوع، وضعف البصر، كهيئة الدّخان، وفي المستقبل يمكن تفسير الدّخان بالغبار الذّري الذي يهدّد البشرية بالموت ويعقبه ظلام. ﴿يَغْشَى النّاسَ﴾ يحيط بهم من كلّ جانب، وهو صفة للدّخان. ﴿هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقولون: هذا عذاب مؤلم، ويقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ، إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ مصدّقون بك وبنبيّك، وهذا وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم. ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾؟ أي من أين لهم، وكيف يتذكرون في هذه الحال؟ المعنى: لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب. ﴿وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الرّسالة، بيّن لهم بالآيات والمعجزات ما يوجب الإيمان والتّذكّر. ﴿مُعَلَّمٌ﴾ أي يعلمه غيره القرآن، قالوا: يعلمه غلام رومي لبعض ثقيف. ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ﴾ نكشف العذاب بدعاء النّبيّ ﷺ ، فإنه دعا، فرفع القحط. ﴿قَلِيلاً﴾ كشفا قليلا أو زمنا قليلا، وهو ما بقي من أعمارهم. ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ إلى الكفر، فعادوا إليه بعد كشف العذاب. ﴿نَبْطِشُ﴾ نأخذ بقوة وشدة، والبطش: الأخذ الشديد، والبأس. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ يوم القيامة أو يوم بدر. ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ننتقم منهم بسبب كفرهم. سبب النّزول: نزول الآية (١٠): ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: إن قريشا لما استعصوا على النّبي ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسنيّ يوسف، فأصابهم قحط، حتى أكلوا العظام، فجعل الرّجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدّخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ فأتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت، فاستسقى، فسقوا، فنزلت.

стр. 7484

نزول الآيتين (١٥ - ١٦): ﴿إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ..﴾. أخرج البخاري في تتمة الرواية السابقة: فلما أصابتهم الرّفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى، إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فانتقم الله منهم يوم بدر. المناسبة: بعد أن وصف الله تعالى المشركين بأنهم في شكّ من التّوحيد والبعث وقدرة الله، ذكر تعالى أوصاف يوم العذاب الذي سيحلّ بهم في الدّنيا والآخرة، تهديدا لهم، وتسلية لرسوله، وأنه لا يؤمل اتّعاظهم بالرغم من تهديدهم وإظهار المعجزات والبيّنات على يد رسول الله، ووصفهم له بأنه معلّم مجنون. التفسير والبيان: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ هذا توعّد من الله وتهديد للمشركين، يقول الله فيه لنبيّه: فانتظر اليوم الذي تأتي فيه السماء بهيئة كالدّخان الواضح المنتشر في الفضاء، وهذا الدّخان بالنسبة للماضي هو ما أصاب قريشا من الجدب والقحط مدة سبع سنين، بدعاء النّبي ﷺ ، حتى كان الرجل يرى من شدّة الجوع ما بين السماء والأرض دخانا، لضعف البصر وزيغانه، كما تقدّم في بيان سبب النّزول عن ابن مسعود ﵁، أو هو غبار الحرب يوم بدر. وأما بالنسبة للمستقبل فهو أمارة وعلامة من أشراط الساعة، يمكث في الأرض أربعين يوما، حيث يظهر في الفضاء غبار ذري أو غيره كالدّخان، يجعل الجو مظلما، وهذا ما أكّده العلماء في نهاية العالم، حيث تضعف الطاقة الشمسية. وصفة ذلك الدّخان العموم والشمول، كما قال تعالى:

стр. 7485

﴿يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يشمل الناس ويحيط بهم من كل جانب، فيقولون: هذا عذاب أليم جدا، أو يقول الله لهم ذلك توبيخا وتقريعا. وحينئذ يستغيث الناس بالله قائلين: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ، إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي يقولون: يا ربّنا اكشف عنّا عذابك، إنّا مصدّقون بالله ورسوله، أو إن كشفت عنّا هذا العذاب أسلمنا وآمنا، والمراد بالعذاب في الماضي الجوع الذي كان بسببه رؤية ما يشبه الدّخان. روي أن المشركين أتوا النّبي ﷺ وقالوا: «إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا». وأما في المستقبل فهو عذاب أشدّ يحدث قبيل الساعة، ويكون من أشراطها وعلاماتها. وهذا كقوله : ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧/ ٦]، وقوله جلّ وعلا: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ، فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا: رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ، وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ، أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم ٤٤/ ١٤]. ثم نفى الله صدقهم في الوعد بالإيمان قائلا: ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى، وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي من أين وكيف لهم التّذكر والاتّعاظ والوفاء بالوعد بالإيمان بعد كشف العذاب؟ وكان قد جاءهم رسول مبين أدلّة الإيمان، ظاهر الآيات والمعجزات، ثم أعرض هؤلاء الكفار عنه، وقالوا عنه: إنما يعلمه القرآن بشر، وقالوا أيضا: إنه مجنون لا عقل له، وهذا يدلّ على أنّ الآيات نزلت في قريش،

стр. 7486

أي كيف يتذكر هؤلاء وأنّى لهم الذّكرى؟ وقد سبق ما حدث منهم من الإعراض عن رسول الله وعن القرآن وهديه، وافتروا على الرّسول بأن معلمه غلام رومي وأنه مجنون. وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾؟ [الفجر ٢٣/ ٨٩]. ثم أعلن الله تعالى عودتهم صراحة إلى الكفر، فقال: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً، إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ أي إنا سنرفع عنكم العذاب زمانا قليلا، وسنؤخّره قليلا بعد توافر أسبابه، وهذا كالحكم الصادر بالعقوبة مع وقف التّنفيذ، فإنكم راجعون إلى ما كنتم عليه من الشّرك والكفر والعناد، وقد رجعوا فعلا. وهذا كقوله تعالى في قوم يونس: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠]. وتأخير العذاب إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى، إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي إنكم مؤجلون إلى عذاب شديد هو عذاب النار في يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يكون فيه البأس الأكبر والأخذ الأشد، وفيه ننتقم أشدّ الانتقام، أي نعاقب هؤلاء الكفار. وقيل كما روي عن ابن مسعود: إنه يوم بدر، لما عادوا إلى التّكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم، انتقم الله منهم بوقعة بدر، قال ابن مسعود: البطشة الكبرى: يوم بدر. والظاهر كما رجّح ابن جرير الطبري وابن كثير أن ذلك يوم القيامة، وبه قال الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه.

стр. 7487

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: ١ - هدد الله المشركين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وطالب نبيّه بأن ينتظر وجود العذاب بهؤلاء الكفار، أما في الدنيا فيتعرّضون لظلمة في أبصارهم من شدة الجوع، لأن النّبي ﷺ لما دعا عليهم بقوله: «اللهم اجعل سنيّهم كسنيّ يوسف» ارتفع المطر وأصابت قريشا شدة المجاعة، حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل، لما به من الجوع يرى ما بينه وبين السماء كالدّخان، كما قال ابن عباس وغيره. وأما في الآخرة فينتقم الله منهم يوم البطشة الكبرى-يوم القيامة- ويدخلهم النار. ثم إن من علامات القيامة ظهور دخان في العالم، أي ظلمة بسبب ضعف الطاقة الشمسية في ذلك الوقت، وذلك يوم عسير وشديد على الكافرين، وأما المؤمنون فينجيهم من بأس ذلك اليوم، ويحميهم من شدته. روى أبو سعيد الخدري مرفوعا: «أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة، يأخذ المؤمن منه كالزّكمة (الزّكام) وينفخ الكافر حتى يخرج من كلّ مسمع منه». وعن حذيفة أنّ النّبي ﷺ قال: «أوّل الآيات: الدّخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر» وأبين: اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها. ٢ - شأن الكافر وطبيعته اللجوء إلى الله وقت الشّدة والمحنة، ثم العودة إلى الكفر بعد الفرج وكشف الضّرّ. وهذا ما حدث لمشركي مكة، فقد روي: أن قريشا أتوا النّبيّ ﷺ وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم نقضوا هذا القول.

стр. 7488

٣ - الله سبحانه عليم بما يحدث من الكفار، ولكن اقتضت رحمته أن يشمل عباده جميعا باللطف المرة تلو المرة، لعلهم أن يصلحوا أحوالهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، لأنه يمهل ولا يهمل. وهذا معروف عن قريش، فمن أين لهم التّذكر والاتّعاظ والاعتبار عند حلول العذاب؟ وقد جاءهم رسول من أنفسهم يبين لهم الحق، ثم أعرضوا عنه، بل إنهم اتّهموه زورا وبهتانا بأنه يعلّمه بشر وهو غلام رومي لبعض ثقيف، أو تعلّمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ [الكهف ٥/ ١٨]. ٤ - مع كلّ هذا ومع علم الله الشامل بما سيكون، وعد أن يكشف عن قريش ذلك العذاب في زمان قليل، ليعلم أنهم لا يفون بقولهم، بل يعودون إلى الكفر بعد كشفه، كما قال ابن مسعود، فلما كشف عنهم باستسقاء النّبي ﷺ لهم، عادوا إلى تكذيبه. ومن قال: إن الدّخان منتظر قرب القيامة قال: أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية وآية، من آيات قيام الساعة، ثم من أصرّ على كفره استمرّ عليه. ومن قال: هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر. ٥ - إن يوم القيامة يوم رهيب، فهو يوم البطشة الإلهية الكبرى، ويوم الانتقام من الظالمين والمشركين والكافرين، وذلك بعذاب جهنم. والخلاصة: تضمّنت الآيات تحليلا دقيقا لطبائع الكفار، ونبّهت إلى أنهم لا يوفون بعهدهم، وأنهم في حال العجز يتضرّعون إلى الله تعالى، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر وتقليد الأسلاف، وأخبرت عن تهديدات متكررة، وتقريعات وتوبيخات متوالية بقصد الرّدع والزّجر وتدارك الأمر قبل فوات الأوان.

стр. 7489

ضرورة الاعتبار بقوم فرعون وإنجاء بني إسرائيل ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ ﴿أَنْ﴾: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي وجاءهم رسول بأن أدوا، و ﴿عِبادَ اللهِ﴾: إما منصوب ب ﴿أَدُّوا﴾ أو منصوب على النداء المضاف، ومفعول ﴿أَدُّوا﴾ محذوف، تقديره: أدوا إليّ أمركم يا عباد الله. و ﴿أَنْ﴾: مفسرة لأن ﴿جاءَهُمْ﴾ تتضمن معنى القول، لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله، أو هي المخففة من الثقيلة، ومعناه: وجاءهم بأن الشأن والحديث: أدّوا إلي. ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾: في موضع نصب بالعطف على ﴿أَنْ﴾ الأولى. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي: من أن ترجمون.

стр. 7490

﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ..﴾. بفتح ﴿أَنَّ﴾: في موضع نصب ب ﴿فَدَعا﴾ ومن قرأ بالكسر فعلى تقدير: (قال) أي (فقال: إن هؤلاء). ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ﴿رَهْواً﴾: حال، أي ساكنا، حتى يدخلوا فيه من غير نفرة عنه. ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها﴾ الكاف: إما في موضع رفع، خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر كذلك، وإما في موضع نصب على الوصف لمصدر محذوف، تقديره: يفعل فعلا كذلك بمن يريد إهلاكه. ﴿وَأَوْرَثْناها﴾: عطف على الفعل المقدر، أو على (تركوا). ﴿مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: ﴿مِنْ﴾: إما بدل من ﴿الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ وتقديره: من عذاب فرعون، فحذف المضاف، أو حال من ﴿الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ أي كائنا من فرعون، فلا يكون فيه حذف مضاف. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان أو حال من ضمير ﴿عالِياً﴾. البلاغة: ﴿فَتَنّا﴾ استعارة تبعية، حيث شبه الابتلاء والاختبار بالفتنة. ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي﴾ إيجاز بحذف كلام، أي وقلنا له: فأسر. ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ استعارة تمثيلية، أي لم تحزن على هلاكهم السماء والأرض، وهذا أسلوب عربي يقال للتحقير والتهكم بحالهم. ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ رثاء وتفجع وإظهار الأسى والحسرة للعبرة والعظة للأحياء. المفردات اللغوية: ﴿فَتَنّا﴾ بلونا واختبرنا وامتحنا. ﴿قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ امتحناهم بإرسال موسى ﵇ إليهم، أو بالإمهال وتوسيع الرزق عليهم، وقرئ بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم. ﴿وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ على الله تعالى، أو على المؤمنين، أو في نفسه فهو جامع لخصال الخير والأفعال الحميدة، وهو موسى ﵇. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ بأن أدوا إلي حق الله من الإيمان وقبول الدعوة، اي أظهروا إيمانكم لي يا عباد الله، أو أطلقوا معي بني إسرائيل وأرسلوهم. ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ مؤتمن على ما أرسلت به، غير متهم، لدلالة المعجزات على صدقه، أو لائتمان الله على وحيه ورسالته، وهو علة الأمر.

стр. 7491

﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ﴾ لا تتكبروا على الله بترك طاعته، والاستهانة بوحيه ورسوله. ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي ببرهان بيّن واضح على رسالتي، وهو علة النهي. ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أي التجأت إليه وتوكلت عليه أن ترجموني بالحجارة، أو تؤذوني ضربا أو شتما، أو تقتلوني. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ تصدقوني. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ فكونوا بمعزل مني، واتركوا أذاي، ولا تتعرضوا لي بسوء، فإن ذلك ليس جزاء من دعاكم إلى الفلاح. ﴿أَنَّ هؤُلاءِ﴾ بأن هؤلاء. ﴿مُجْرِمُونَ﴾ مشركون، وهو تعريض بسبب الدعاء عليهم. ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً﴾ أي فقال: أسر ببني إسرائيل، أي سر بهم ليلا، وقرئ بوصل الهمزة من (سرى). ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وجنوده. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ساكنا منفرجا مفتوحا كما هو على هيئته بعد تجاوزه، ولا تضربه بعصاك، ولا تغير منه شيئا، حتى يدخل فيه القبط شعب فرعون. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أي لأنهم غارقون. ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿وَعُيُونٍ﴾ ينابيع جارية. ﴿مَقامٍ كَرِيمٍ﴾ مجالس ومنازل حسنة. ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ من النعم، أي تنعم وحسن ومتعة ونضرة، والنّعمة: ما ينعم به على الإنسان، من الإنعام. ﴿فاكِهِينَ﴾ متنعمين أصحاب فاكهة، وقرئ «فكهين» أي أشرين بطرين مستهزئين. ﴿كَذلِكَ﴾ أي الأمر كذلك، أو مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. ﴿وَأَوْرَثْناها﴾ أي ورثنا أموالهم. ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ بني إسرائيل. ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم، تقول العرب إذا مات رجل خطير في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز ﵀: الشمس طالعة ليست بكاسفة... تبكي عليك، نجوم الليل والقمرا أي يا نجوم الليل والقمر. وقالت الخارجية: أيا شجر الخابور مالك مورقا... كأنك لم تجزع على ابن طريف قال الزمخشري: وذلك على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمراد لا أسف على فرعون وقومه، بخلاف المؤمنين يبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض، ومصعد عملهم من السماء. ﴿مُنْظَرِينَ﴾ ممهلين ومؤخرين التوبة إلى وقت آخر. ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ من استعباد فرعون وقتله أبناءهم واستخدامه نساءهم. ﴿مِنْ

стр. 7492

فِرْعَوْنَ﴾ إما على حذف مضاف، أي عذاب فرعون أو حال من العذاب كما تقدم. ﴿عالِياً﴾ متكبرا جبارا. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين الحد في الشر والفساد، وهو خبر ثان أي كان متكبرا مسرفا، أو حال من ضمير ﴿عالِياً﴾ أي كان رفيع الطبقة من بينهم. ﴿اِخْتَرْناهُمْ﴾ اخترنا بني إسرائيل واصطفيناهم. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ منا بحالهم أي عالمين باستحقاقهم ذلك. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ اخترناهم على عالمي زمانهم. ﴿الْآياتِ﴾ المعجزات، كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى. ﴿ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ اختبار ظاهر. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى إصرار مشركي مكة على كفرهم، بيّن أن كثيرا من المتقدمين كانوا أمثالهم في تكذيب الرسل، وفي طليعتهم قوم فرعون، الذين كذبوا رسولهم موسى ﵇، فنصره الله عليهم، وأغرقهم، وجعلهم عبرة للمعتبر. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أي لقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، أرسل الله إليهم رسولا كريما جامعا لخصال الخير والأفعال المحمودة، وهو موسى ﵇، وهو كريم على الله، وكريم في قومه. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي وجاءهم رسول بأن أرسلوا معي عباد الله وهم بنو إسرائيل، وأطلقوهم من العذاب، فإني رسول من الله مؤتمن على الرسالة غير متهم، وهذا كقوله : ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ، وَلا تُعَذِّبْهُمْ، قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى﴾ [طه ٤٧/ ٢٠]. ويجوز أيضا أن يكون قوله: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ نداء لهم، والتقدير: أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان، وقبول دعوتي، واتباع سبيلي. وعلل

стр. 7493

ذلك بأنه ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته، وهذا هو الظاهر المناسب لأصول دعوة الرسول قومه وللكلام الآتي بعده، أما إطلاق بني إسرائيل فهو مطلب فرعي ثانوي بالنسبة لأصل الدعوة. ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي لا تتجبروا ولا تتكبروا عن اتباع آيات الله، والانقياد لبراهينه، ولا تترفعوا عن طاعته ومتابعة رسله، كقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي، سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠/ ٤٠] إني آتيكم بحجة ظاهرة واضحة لا سبيل إلى إنكارها، وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والمعجزات القاطعات كالعصا واليد وسائر الآيات التسع، فهددوه بالرجم كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أي أستعيذ بالله وألتجئ إليه وأتوكل عليه مما تتوعدوني به من القتل بالحجارة أو الإيذاء والشتم. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي وإن لم تصدّقوني وتقرّوا بنبوتي وبما جئتكم به من عند الله، فاتركوني، ولا تتعرضوا لي بأذى إلى أن يحكم الله بيننا. فلما يئس من إيمانهم، ولمس إصرارهم على الكفر وعنادهم، دعا عليهم فقال: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ أي فدعا موسى ربه حين كذبوه وهمّوا بقتله بأن هؤلاء قوم مكذبون رسلك مشركون بك، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَقالَ مُوسى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما.﴾. [يونس ٨٨/ ١٠ - ٨٩]. وحينئذ أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر سرا ليلا:

стр. 7494

﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً، إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي أجاب الله سبحانه دعاءه، فأمره أن يسير بقومه بني إسرائيل ليلا، لأن فرعون وقومه يتبعونكم إذا علموا بخروجكم. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً، لا تَخافُ دَرَكاً، وَلا تَخْشى﴾ [طه ٧٧/ ٢٠]. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً، إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أي دع يا موسى البحر ساكنا منفرجا مفتوحا، لا تضربه بعصاك حتى يعود كما كان، ليدخله فرعون وجنوده، فإنهم قوم مغرقون في اليم. وهذه بشارة من الله بنجاتهم وإهلاك عدوهم ليسكن قلب موسى ﵇، ويطمئن جأشه. ثم ذكر تعالى ما خلّفوه وراءهم من عز ومجد ونعيم وثراء، فقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ أي كثيرا ما تركوا في مصر وراءهم من بساتين خضراء، وحدائق غناء، وأنهار متدفقة وآبار مترعة بالماء، وزروع نضرة، ومنازل ومجالس حسنة وثيرة، وتنعم بالمال والخير الوفير، كانوا يرفلون بالنعمة ويتنعمون بعيشة هنية، ويستمتعون بأنواع اللذة، كما يتمتع الرجل بأنواع الفاكهة، فيأكلون ويلبسون ما شاؤوا. ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي مثل ذلك الإهلاك والسلب والتدمير فعلنا بالذين كذبوا رسلنا، ونفعل بكل من عصانا، وأورثنا تلك البلاد بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف ١٣٧/ ٧]. ثم تهكم الله بهم وأبدى عدم الاكتراث بشأنهم قائلا:

стр. 7495

﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي لا أسف ولا حزن عليهم من أحد بسبب بغيهم وفسادهم، بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم، ولم يمهلوا لتوبة، لأنها غير منتظرة منهم. ثم أتبع الله تعالى ما يقابل النقمة بالنعمة للعبرة، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي لقد خلصنا شعب بني إسرائيل بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد وقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفهم بالأعمال الشاقة، من عذاب فرعون الذي كان متعاليا عنيدا، متكبرا متجبرا، ومن المسرفين في الكفر بالله، وارتكاب معاصيه، ورأس الكفر: ادعاؤه الألوهية والربوبية بقوله: أنا ربكم الأعلى. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ، إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٤/ ٢٨] وقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ [المؤمنون ٤٦/ ٢٣]. ويلاحظ أن بيان الإحسان إلى موسى وقومه كان بعد بيان كيفية إهلاك فرعون وقومه، لأن دفع الضرر مقدم على جلب المصالح والمنافع. ثم بيّن الله تعالى مدى تكريمه لبني إسرائيل حين ذاك قائلا: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ، وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ أي لقد اختارهم الله على عالمي زمانهم على علم منه باستحقاقهم لذلك، لكثرة الأنبياء فيهم، ولصبرهم مع موسى، وجهادهم في سبيل الله، فلما بدلوا الإيمان بالكفر، والصلاح بالفساد غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.
следующие страницы →