الإعراب:
﴿وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾ ﴿السّاعَةُ﴾ بالرفع: مبتدأ ومعطوف على موضع ﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه، وقرئ بالنصب عطفا على لفظ اسم إن، وهو ﴿وَعْدَ اللهِ﴾.
﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ، إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا﴾ ﴿السّاعَةُ﴾ بالرفع: مبتدأ، و ﴿ما﴾:
خبره، وقرئ بالنصب على أنه مفعول ﴿نَدْرِي﴾ و ﴿ما﴾: زائدة. و ﴿إِنْ نَظُنُّ﴾ إلا ظنا تقديره: إن نظن إلا ظنا لا يؤدي إلى العلم واليقين. وإنما افتقر إلى هذا التقدير، لأنه لا يجوز أن يقتصر على أن يقال: ما قمت إلا قياما، لأنه بمنزلة: ما قمت إلا قمت، وذلك لا فائدة فيه.
﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بدل من ﴿رَبِّ﴾ الأول.
﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ، فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿لَهُ الْكِبْرِياءُ﴾: مبتدأ وخبر مقدم، ﴿فِي السَّماواتِ﴾: حال، أي كائنة.
البلاغة:
﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ استفهام توبيخ.
﴿وَقِيلَ: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ استعارة تمثيلية، مثّل تركهم في العذاب بمن سجن في مكان ثم نسيه السجّان من غير طعام ولا شراب، ووجه الشبه منتزع من متعدد.
والمراد: نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، لأن الله تعالى لا ينسى.
﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، لإهمالهم وعدم العناية بشأنهم.
стр. 7562
المفردات اللغوية:
﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ في جنته ﴿الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ الظفر البين الظاهر، لخلوصه عن الشوائب ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ أي يقال لهم ذلك، وآياتي: آيات القرآن وما قبله من الكتب المنزلة الثابتة المتضمنة شرائع الله ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم عن الإيمان بها ﴿وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ كافرين، فالمجرم: ضد المسلم، فهو المذنب بالكفر.
﴿وَإِذا قِيلَ﴾ أي قيل للكفار ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي وعده بالبعث وبأنه محيي الموتى من القبور، و ﴿وَعْدَ اللهِ﴾: إما الموعود أو المصدر، و ﴿حَقٌّ﴾: ثابت كائن لا محالة ﴿لا رَيْبَ﴾ لا شك ﴿إِنْ نَظُنُّ﴾ ما نظن أو إن نحن إلا نظن ظنا، دخل حرفا النفي والاستثناء لإثبات الظن ونفي ما عداه ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ بمتحققين أن الساعة آتية.
﴿وَبَدا﴾ ظهر ﴿لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ ظهر لهم في الآخرة جزاء أو عقوبات أعمالهم، أو عرفوا مدى قبح أعمالهم ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ نزل أو حل وأحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي الجزاء والعذاب ﴿نَنْساكُمْ﴾ نترككم في النار ﴿كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ تركتم العمل للقاء هذا اليوم، وإضافة اللقاء إلى اليوم: إضافة المصدر إلى ظرفه ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ مانعين منه يخلصونكم من أهواله.
﴿اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها، و ﴿آياتِ اللهِ﴾: القرآن ﴿وَغَرَّتْكُمُ﴾ خدعتكم ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي زينتها، حتى قلتم: لا بعث ولا حساب ﴿لا يُخْرَجُونَ مِنْها﴾ الفعل مبني للمجهول، وقرئ بالبناء للمعلوم، ومنها أي من النار ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم بأن يرضوه بالتوبة والطاعة، لفوات الأوان، وعدم النفع يومئذ.
﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ﴾ الشكر والثناء بالجميل على وفاء وعده في المكذبين ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ خالق هذه الأشياء، والعالم: كل ما سوى الله، وجمع لاختلاف أنواعه. وهذه الأشياء نعمة من الله ودالة على كمال قدرته ﴿الْكِبْرِياءُ﴾ العظمة والسلطان ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما قدّر وقضى.
المناسبة:
بعد بيان أحوال القيامة وأهوالها، أبان الله تعالى أحوال المؤمنين الطائعين وما أعد لهم من الرحمة أي الثواب، وأحوال الكافرين وما أعد لهم من العقاب، والتوبيخ على تفريطهم في الدنيا، وما حل بهم جزاء استهزائهم بالعذاب
стр. 7563
وانخداعهم بالدنيا، ومعاملتهم معاملة المنسي بتركهم في النار، دون انتظار الخروج منها أو التوبة واسترضاء الله عن الذنوب السالفة.
التفسير والبيان:
هذه الآيات تبين حكم الله في خلقه يوم القيامة، سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين، فقال تعالى مبينا حكم الفريق الأول:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي فأما المصدقون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والذين عملوا الأعمال الصالحة وهي الخالصة الموافقة للشرع، فيدخلهم ربهم الجنة، وذلك أي الإدخال فيها هو الظفر بالمطلوب، وهو الفلاح والنجاح الظاهر الواضح.
وسمى الثواب رحمة، والرحمة جنة،
لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى قال للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء».
ثم قال تعالى مبينا حكم الفريق الثاني وموبخا إياهم:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ، فَاسْتَكْبَرْتُمْ، وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ أي وأما الذين أنكروا وحدانية الله والبعث، فيقال لهم تقريعا وتوبيخا: أما قرئت عليكم آيات الله تعالى، فاستكبرتم وأبيتم الإيمان بها، وأعرضتم عن سماعها واتباعها، وكنتم قوما مجرمين في أفعالكم، ترتكبون الآثام والمعاصي، وتكذبون في قلوبكم بالمعاد والثواب والعقاب؟ لذا أردف ذلك بقوله:
﴿وَإِذا قِيلَ: إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها، قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ، إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا، وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار من طريق الرسول ﷺ والمؤمنين: إن وعد الله بالبعث والحساب، وبجميع
стр. 7564
الأمور المستقبلة في الآخرة حق ثابت، وواقع لا محالة، والقيامة لا شك في وقوعها، فآمنوا بذلك، واعملوا لما ينجيكم من العذاب، قلتم: لا نعرف ما القيامة، إن نتوهم وقوعها إلا توهما مرجوحا أو ظنا لا يقين فيه ولا علم، وما نحن بمتحققين ولا موقنين أن القيامة آتية، أي كأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه، وأكدوا هذا المعنى بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
وبعد هذا التوبيخ والنقاش، ذكر الله تعالى ما يفاجؤون به من العذاب:
﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي وظهر لهم قبائح أعمالهم وعقوبة أفعالهم السيئة، وأحاط بهم، ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار، وعوقبوا بما كانوا يهزؤون به في دار الدنيا من العذاب والنكال، ويقولون: إنه أوهام وخرافات.
ثم أيأسهم تعالى من النجاة قائلا:
﴿وَقِيلَ: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، وَمَأْواكُمُ النّارُ، وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي ويقال لهم: اليوم نعاملكم معاملة الناسي لكم وكالشيء المنسي الملقى غير المبالى به، فنترككم في العذاب، كما تركتم العمل لهذا اليوم، وتجاهلتم ما جاء عنه في كتب الله، لأنكم لم تصدقوا باليوم الآخر، ومسكنكم ومستقركم الذي تأوون إليه هو النار، وليس لكم من أنصار ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب.
وبذلك جمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب الشديد ثلاثة ألوان هي:
الأول-أنه قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية.
الثاني-أنه جعل مأواهم النار.
الثالث-فقدان الأعوان والأنصار.
стр. 7565
ثبت في الصحيح: «أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: ألم أزوجك، الم أكرمك، ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني».
ثم ذكر الله تعالى أسباب هذا العقاب أو الجزاء، فقال:
﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً، وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي ذلك العذاب الذي وقع بكم بسبب أنكم اتخذتم القرآن هزوا ولعبا، وخدعتكم الدنيا بزخارفها وزينتها، فاطمأننتم إليها، وظننتم ألا دار غيرها، ولا بعث ولا نشور، فاليوم لا يخرجون من النار، ولا يطلب منهم العتبى بالرجوع إلى طاعة الله، واسترضائه، لأنه يوم لا تقبل فيه التوبة، ولا تنفع فيه المعذرة.
وبعد أن أثبت تعالى قدرته على البعث بدلائل الآفاق والأنفس، وذكر حكمه في المؤمنين والكافرين، أثنى على نفسه بما هو أهل له تعليما لنا، فقال:
﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ، وَرَبِّ الْأَرْضِ، رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي الحمد الخالص والشكر الكامل على النعم الكثيرة لله خالق ومالك السموات، ومالك الأرض، ومالك ما فيهما من العوالم المختلفة المخلوقة من إنس وجن وحيوان، وأجسام وأرواح، وذوات وصفات.
﴿وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي ولله العظمة والجلال والسلطان في أرجاء السموات والأرض، وهو سبحانه القوي القاهر في سلطانه فلا يغالبه أحد، الحكيم في كل أقواله وأفعاله وشرعه وجميع أقضيته في هذا العالم.
ورد في الحديث القدسي الصحيح عند أحمد ومسلم وأبي داود وابن ماجه عن
стр. 7566
أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما، أسكنته ناري».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
١ - إن ثواب المؤمنين الذين عملوا صالح الأعمال، فأدوا الفرائض، واجتنبوا المعاصي والمنكرات هو دخول جنات الخلد والنعيم.
٢ - إن جزاء الكافرين الذين أشركوا بالله إلها آخر، واقترفوا المعاصي، وتكبروا عن طاعة الله وقبول أحكامه واتباع شرائعه هو دخول نار جهنم.
وهذا يدل على أن استحقاق العقوبة لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع.
٣ - يوبخ الكفار ويقرّعون على تركهم اتباع آيات الله في قرآنه وكتبه المنزلة على رسله والاستماع إليها.
٤ - إذا قام المؤمنون بتذكير الكفار بوعد الله بالثواب والعقاب وتأكيد أن الساعة آتية لا ريب فيها، أنكروا ذلك وكذبوه، وأجابوا بأنا لا ندري هل الساعة (القيامة) حق أم باطل؟ وإن نحن إلا نظن ظنا لا يؤدي إلى العلم واليقين، ولسنا متحققين ولا واثقين بأن القيامة آتية، وهؤلاء من المشركين هم الفريق الشاكون بالبعث والقيامة، وهم غير أولئك الفريق المذكورين سابقا القاطعين بنفي البعث في قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا.﴾ ..
٥ - في الآخرة تنكشف الحقائق وتنجلي الأمور بنحو قاطع، ويظهر لهؤلاء الكفار جزاء سيئات ما عملوا، وقبح جرم ما ارتكبوا، ويحيط بهم إحاطة تامة ما كانوا يستهزئون به من عذاب الله.
стр. 7567
٦ - للعذاب ألوان ثلاثة: قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية، وصيرورة مسكنهم ومستقرهم النار، وفقدانهم الأعوان والأنصار.
٧ - يقال لهم: استحقاقهم ألوان العذاب الثلاثة المذكورة بسبب إتيانكم ثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة: وهي الإصرار على إنكار الدين الحق، والاستهزاء به والسخرية منه، والاستغراق في حب الدنيا، والإعراض بالكلية عن الآخرة والوجهان الأول والثاني داخلان في قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ والوجه الثالث هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾.
٨ - لا خروج إلى الأبد من النار، ولا أمل في استرضاء الله والتوبة والإنابة إليه والاعتذار منه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة ٢٠/ ٣٢].
٩ - الحمد والثناء بالجميل كله على الله تعالى الخالق والمالك لكل الكون سمائه وأرضه، وعوالمه، والمتفرد بالعظمة والجلال، والبقاء والسلطان، والقدرة والكمال، والحكمة الباهرة والرحمة والفضل والكرم، وذلك يدل على أنه لا إله للخلق إلا هو، ولا رب سواه، ولا محسن ولا متفضل إلا هو.
стр. 7568
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأحقاف
مكيّة، وهي خمس وثلاثون آية.
تسميتها:
سميت (سورة الأحقاف) للحديث فيها عن الأحقاف: وهي مساكن عاد في اليمن الذين أهلكهم الله بريح صرصر عاتية بسبب كفرهم وطغيانهم، في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ.﴾. [٢١].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة هي:
١ - تطابق مطلع السورتين في: ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
٢ - تشابه موضوع السورتين وهو إثبات التوحيد والنبوة والوحي والبعث والمعاد.
٣ - ختمت السورة السابقة بتوبيخ المشركين على الشرك، وبدئت هذه السورة بتوبيخهم على شركهم، ومطالبتهم بالدليل عليه، وبيان عظمة الإله الخالق المجيب من دعاه، على عكس تلك الأصنام التي لا تستجيب لدعاتها إلى يوم القيامة.
стр. 7569
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية وهو إثبات أصول العقيدة الإسلامية الثلاثة: وهي التوحيد، والرسالة والوحي، والبعث والجزاء.
بدأت السورة بالحديث عن تنزيل الكتاب وهو القرآن من الله تعالى، وإنما كرر لأنه بمنزلة عنوان الكتب (الكتابة) ثم أقامت الأدلة على وجود الإله والتوحيد والحشر، وذمّت المشركين عبدة الأصنام، وردّت عليهم ردا دامغا مقنعا، وأجابت عن شبهاتهم حول الوحي والنبوة.
ثم ذكرت حال فريقين: فريق أهل الاستقامة الذين أقروا بتوحيد الله واستقاموا على ملّته، وأطاعوا والديهم وأحسنوا إليهم، فكانوا أصحاب الجنة، وفريق الكافرين الخارجين عن هدي الفطرة، المنهمكين في شهوات الدنيا، المنكرين البعث والحساب، العاقين لوالديهم، بالتنكر للإيمان والمعاد، فكانوا أصحاب النار.
ثم ضربت المثل بقصة هود ﵇ مع قومه «عاد» الطغاة الذين اغتروا بقوتهم، وأصروا على عبادة الأصنام، فأهلكهم الله بريح عاتية، تدمّر كل شيء بأمر ربها، إرهابا لكفار قريش، وتحذيرا من استبدادهم وتكذيبهم رسول الله ﷺ ، وإنذارا بعذاب مماثل جزاء استهزائهم.
كما ذكّرتهم بإهلاك القرى المجاورة، وبمبادرة الجن إلى الإيمان بما سمعوه من آيات القرآن، ودعوة قومهم إلى إجابة نبي الله والإيمان برسالته، فإن من عاند وأعرض عن إجابة داعي الله، فهو في ضلال مبين.
ثم ختمت السورة بالتأكيد على قدرة الله على البعث، لأنه خالق السموات والأرض، وبأن تعذيب الكافرين بالنار حق كائن لا محالة، وبالتهديد بأهوال القيامة، وبأن العذاب أو الهلاك لا يكون إلا للقوم الفاسقين الخارجين عن حدود
стр. 7570
الله وطاعته، فما على الرسول إلا الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وعدم استعجال العذاب.
إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته ووقوع الحشر
والرد على عبدة الأوثان
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)﴾
الإعراب:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿ماذا خَلَقُوا﴾ مفعول به ثان ل ﴿أَرُونِي﴾.
البلاغة:
﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ صيغة مبالغة.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فيه مجازان، حيث أطلق الرؤيا وأراد الإخبار، والعلاقة السببية، واستعمل
стр. 7571
همزة الاستفهام في الأمر، لأن كلاّ من الاستفهام والأمر يدل على الطلب، و ﴿أَرُونِي﴾ توكيد لأرأيتم.
﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أمر يراد به التعجيز.
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، أي لا أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجهل ممن يدعو الأصنام من دون الله، فيتخذها آلهة ويعبدها، وهي إذا دعيت لا تسمع.
المفردات اللغوية:
﴿حم﴾ هذه الحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن وتحدي العرب في أنه منظوم من حروفهم الهجائية، وللتنبيه على خطورة ما يتلى في السورة ﴿الْكِتابِ﴾ القرآن الكامل في كل شيء، وإنما كرر مع بداية السورة السابقة لتأكيد مدلول الكتابة ﴿الْعَزِيزِ﴾ القوي القاهر في ملكه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في تدبيره وصنعه، يضع كل أمر في موضعه ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي إلا خلقا ملازما للحق:
وهو ما تقتضيه الحكمة والعدل، للدلالة على قدرة الله ووحدانيته، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم والبعث للجزاء والحساب ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي بتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل، وهو يوم القيامة ﴿أُنْذِرُوا﴾ خوّفوا به من العذاب ﴿مُعْرِضُونَ﴾ مدبرون، لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها ﴿ما تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأصنام ﴿أَرُونِي﴾ أخبروني، وهو تأكيد لما سبق من طلب الإخبار ﴿أَمْ﴾ همزة الإنكار ﴿شِرْكٌ﴾ نصيب ومشاركة ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مشاركة مع الله في خلق السموات ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ﴾ منزّل ﴿مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي القرآن ﴿أَوْ أَثارَةٍ﴾ بقية ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يؤثر ويروى عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام أنها تقرّبكم إلى الله ﴿صادِقِينَ﴾ في دعواكم.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد ﴿يَدْعُوا﴾ يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره، وهم الأصنام، لا يجيبون عابديهم إلى شيء يسألونه أبدا ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ﴾ عبادتهم ﴿غافِلُونَ﴾ لأنهم جماد لا يعقلون أو عباد مشتغلون بأحوالهم.
﴿حُشِرَ النّاسُ﴾ جمعوا يوم القيامة ﴿كانُوا﴾ أي الأصنام ﴿لَهُمْ﴾ لعابديهم ﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾ بعبادة عابديهم ﴿كافِرِينَ﴾ جاحدين.
стр. 7572
التفسير والبيان:
﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي إنه تعالى كما بدأ سورة الجاثية هو الذي أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وليس من عند محمد ﷺ كما يزعم المشركون، وهو مع هذا التنزيل موصوف بالعزة التي لا يفوقها شيء، فهو القوي القاهر الذي لا يغلب، وهو الحكيم في تدبيره وصنعه وأقواله وأفعاله، يضع كل أمر في موضعه. وإذا كان الأمر كذلك، فما على الناس إلا الإيمان بالقرآن والتصديق بما جاء فيه، والإيمان بصدق محمد ﷺ في نبوته، وفيما دعا إليه من التوحيد الخالص، وإثبات البعث والجزاء، ودعوة الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة، والأخلاق الكاملة النافعة.
﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى، وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي ما أوجدنا وأبدعنا السموات العلا، والأراضي السفلى وما بينهما من سائر المخلوقات إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية، وليس على وجه العبث والباطل، فليس خلقها عبثا ولا باطلا.
وقد خلقناها إلى مدة معينة محددة لا تزيد ولا تنقص، وهي يوم القيامة، فإن السموات والأرضين والمخلوقات تنتهي، وتتبدل السموات والأرض بغيرها.
أما الذين جحدوا بالله، بالرغم من هذه الأدلة، ومن إنزال الكتب، وإرسال الرسل، فهم لا هون عما يراد بهم، مولّون عما خوّفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء، غير مستعدين له، وسيعلمون غب ذلك وعاقبته.
وبعد إثبات وجود الإله ووقوع الحشر والبعث يوم القيامة، ردّ الله تعالى على عبدة الأوثان بقوله:
﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ
стр. 7573
شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره:
أخبروني وأرشدوني عن حال آلهتكم من الأصنام وأصحاب القبور، بعد التأمل في خلق السموات والأرض وما بينهما، هل استطاعوا الاستقلال بخلق شيء في الأرض، وهل لهم مشاركة في ملك السموات والتصرف فيها؟ الواقع أنهم لم يخلقوا شيئا ولا شركة لهم في السموات والأرض، فكيف تعبدون مع الله الخالق لكل شيء غيره وتشركون به؟ ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي أحضروا لي دليلا مكتوبا قبل القرآن مما نزل على الأنبياء كالتوراة والإنجيل يدل على صحة عبادتكم لآلهتكم، أو بقية من علم الأولين والأنبياء السابقين يرشد إلى صحة هذا المنهج الذي نهجتموه، إن كنتم صادقين في ادعائكم ألوهية الأصنام.
والمعنى: لا دليل لكم نقليا ولا عقليا على ذلك.
وبعد أن نفى الله تعالى القدرة عن الأصنام في الخلق وغيره، أتبعه بنفي العلم عنهم من كل الوجوه، فقال:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ممن يعبد من دون الله أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، فإنه دعا من لا يسمع، فكيف يطمع في الإجابة؟ والأصنام التي يدعونها غافلون عمن دعاها، لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات.
والمعنى: أن الأصنام لا قدرة لها على شيء، ولا علم لديها بشيء، فما هي إلا جماد، وعبادة الجماد محض الضلال، وهذا يستدعي التوبيخ والتهكم.
وقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ تأبيد على عادة العرب، أي ما دامت الدنيا.
стр. 7574
ثم أكد الله تعالى نفي العلم بعبادة الناس لها بقوله:
﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أي وإذا جمع الناس العابدون للأصنام في موقف الحساب، كانت الأصنام لهم أعداء، تتبرأ منهم وتلعنهم، وكانوا جاحدين مكذبين منكرين لعبادتهم، فيخلق الله الحياة في الأصنام فتكذبهم، وتتبرأ الملائكة والمسيح وعزير والشياطين ممن عبدوهم يوم القيامة.
ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨١/ ١٩ - ٨٢] أي سيكذبونهم ويعادونهم في وقت أحوج ما يكونون إليهم. وقال تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَقالَ: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً، مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمَأْواكُمُ النّارُ، وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥/ ٢٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات البينات إلى ما يأتي:
١ - تأكيد مطلع سورة الجاثية: وهو كون مصدر القرآن من الله العزيز الحكيم، لا من عند محمد ﷺ ولا غيره من العرب أو العجم.
٢ - دلت آية: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ.﴾. على أمور ثلاثة: هي إثبات الإله بخلق هذا العالم، وإثبات أن إله العالم عادل رحيم، لقوله تعالى: ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان، وإثبات البعث والقيامة، إذ لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، ولتعطل إيفاء الثواب للمطيعين، وإقامة العقاب على الكافرين، وذلك ينافي كون خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق.
стр. 7575
٣ - دل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ على أن الكفار معرضون عن هذه الدلائل، غير ملتفتين إليها، وهذا كما ذكر الرازي يدل على وجوب النظر والاستدلال، أي لتكوين العقيدة وتصحيحها، وعلى أن الإعراض عن الدليل مذموم في الدين والدنيا.
٤ - بعد إثبات أصول العقيدة الثلاثة المتقدمة، فرّع الله تعالى عنها التفاريع، فرد على عبدة الأصنام بأنها عديمة القدرة على خلق الأشياء، وغير عالمة أصلا بعبادة الوثنيين لها، وكل من الأمرين ينفي صلاحيتها للعبادة، فهي لا قدرة لها أصلا على الخلق والفعل، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر، وهي جمادات لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجات المحتاجين، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه، لم يبق مسوغ للعبادة ببديهة العقل، فهي لا تضر ولا تنفع.
ثم وبخ الله تعالى عبدة الأصنام، وأبان لهم أنه لا أحد أضل وأجهل ممن يعبد الأوثان، وهي إذا دعيت لا تسمع، ولا يتصوّر منها الإجابة لا في الحال، ولا بعد ذلك إلى يوم القيامة.
٥ - أرشد قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ إلى جواز الاعتماد على الخط المكتوب، وكان الإمام مالك ﵀ يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه، أو عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه، فيحكم به، ثم رجع عن ذلك حين ظهر في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير، وقد روي عنه أنه قال: «يحدث الناس فجورا، فتحدث لهم أقضية».
ولكن أجاز مالك الأخذ بشهادة الشهود على أن هذا خط الحاكم وكتابه، وكذلك الوصية، أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه، ونحو ذلك.
٦ - قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب
стр. 7576
التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا، فإنه أذن فيها وأخبر أنها جزء من النبوة، وكذلك الفأل، فأما الطّيرة والزّجر فإنه نهى عنهما. والفأل: هو الاستدلال بما يستمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسنا، فإن سمع مكروها فهو تطيّر، وأمر الشرع بأن يفرح بالفأل، ويمضي على أمره مسرورا به. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله،
وقال-كما علّمه النبي ﷺ :
«اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك» (١).
شبهات المشركين حول الوحي والنبوة والقرآن
-١ -
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠)﴾
الإعراب:
﴿بَيِّناتٍ﴾ حال.
﴿كَفى بِهِ شَهِيداً﴾ تمييز منصوب.
стр. 7577
﴿ما يُفْعَلُ بِي﴾ ﴿ما﴾: إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة.
﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ جملة حالية.
﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ.﴾. أدغمت الدال من ﴿شَهِدَ﴾ في الشين من ﴿شاهِدٌ﴾ لقرب الدال من الشين، كما يجوز إدغام الثاء والسين والضاد في الشين، فالثاء كقوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ والسين كقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ والضاد كقوله تعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾. وإنما أدغمت هذه الأحرف في الشين، ولم يدغم الشين في هذه الأحرف، لأنها أزيد صوتا منها، لما فيها من التفشي.
البلاغة:
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾: بمعنى «بل» الإضرابية، والإضراب: الانتقال من معنى لآخر، والهمزة للإنكار.
﴿بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ استعارة تبعية، استعمل الإفاضة في الأخذ في الشيء والاندفاع فيه.
﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على أهل مكة ﴿آياتُنا﴾ القرآن ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات ظاهرات ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿لِلْحَقِّ﴾ أي آيات القرآن والمعنى في شأن الحق ولأجله ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ حينما جاءهم من غير نظر وتأمل ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر بطلانه.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون، والهمزة الاستفهامية للإنكار، والمراد: الإضراب عن تسميتهم إياه سحرا إلى ذكر ما هو أشنع منه وإنكار له وتعجيب ﴿اِفْتَراهُ﴾ أي اختلقه وهو القرآن ﴿قُلْ: إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ على سبيل الافتراض ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذابه ﴿شَيْئاً﴾ أي إن عاجلني الله بالعقوبة، فلا تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه، وأعرّض نفسي للعقاب من غير توقع نفع، ولا دفع ضرّ من قبلكم ﴿تُفِيضُونَ﴾ تندفعون وتقولون في القرآن من القدح والطعن والتكذيب ﴿كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالكذب والإنكار، وهو وعيد بالجزاء على إفاضتهم في آيات القرآن ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الكثير المغفرة والرحمة، وهو وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن، وإشعار بحلم الله، فلم يعاجلهم بالعقوبة.
﴿بِدْعاً﴾ أو بديعا، أي مبتدعا ليس له مثال أو سابقة، وقرئ: بدعا جمع بدعة ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لست أول مرسل، فقد سبق قبلي كثيرون منهم، فكيف تكذبونني؟ ﴿وَما أَدْرِي
стр. 7578
ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ في الدارين، إذ لا علم لي بالغيب، و ﴿لا﴾ لتأكيد النفي، و ﴿ما﴾ إما موصولة منصوبة، أو استفهامية مرفوعة ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي ما أتبع إلا القرآن الموحى به، ولا أبتدع شيئا من عندي، وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ منذر بيّن الإنذار بالشواهد والمعجزات عن عقاب الله.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن حالكم ﴿إِنْ كانَ﴾ القرآن ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ هو عبد الله بن سلام، وشهادته بما في التوراة من نعت الرسول ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ مثل القرآن، أي شهد على مثل ما في القرآن من التوراة من المعاني المصدّقة للقرآن المطابقة لها، أو شهد على مثل ذلك وهو كون القرآن من عند الله ﴿فَآمَنَ﴾ الشاهد ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم عن الإيمان ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ هذا دليل على جواب الشرط المحذوف، تقديره: ألستم ظالمين؟.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠):
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ.﴾.:
أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﷺ وأنا معه، دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يحطّ الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد، ثم انصرف، فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل، فقال: أي رجل تعلموني يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم فينا رجلا كان أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك، قال: فإني أشهد أنه النبي الذي تجدون في التوراة، قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا فيه شرا، فأنزل الله: ﴿قُلْ:﴾
﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ.﴾. الآية.
وأخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن سعد بن أبي وقاص قال: في
стр. 7579
عبد الله بن سلام نزلت، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. وأخرج ابن جرير والترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: «فيّ نزلت» ونزل فيّ: ﴿قُلْ: كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ [الرعد ٤٣/ ١٣].
المناسبة:
بعد تقرير التوحيد ونفي الأضداد والأنداد، ذكر الله تعالى أمر النبوة وشبهات المشركين حولها وحول القرآن، فأبان أنهم يسمون معجزة القرآن بالسحر، وأنهم متى سمعوا القرآن قالوا: إن محمدا افتراه واختلقه من عند نفسه، ثم أبطل تعالى شبهتهم، فقال: إن افتريته على سبيل الفرض، فإن الله تعالى يعاجلني بالعقوبة، وأنتم لا تقدرون على دفع العذاب عني، فكيف أقدم على هذه الفرية، وأعرّض نفسي لعقابه؟! ثم حكى عنهم نوعا آخر من الشبهات، وهو أنهم كانوا يقترحون عليه معجزات عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجابهم الله تعالى بأن يقول لهم النبي ﷺ : لست بأول رسول أرسله الله، حتى تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم، وتنكروا دعوتي لكم إلى التوحيد، ونهي عن عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا لهذه الأهداف والغايات، وأنا من جنس الرسل وواحد منهم لا أستطيع ولا أقدر على الإتيان بالمعجزات والإخبار عن المغيبات، فذلك ليس في وسع البشر، وإنما هو بقدرة الله تعالى.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي إذا تليت على المشركين آيات القرآن حال كونها بيّنة واضحة
стр. 7580
جلية، قالوا في شأن الحق الذي أتاهم وهو القرآن: هذا سحر واضح وتمويه خادع، فكذبوا به وافتروا، وكفروا وضلوا.
ثم ذكر الله تعالى ما هو أشنع من وصف القرآن بالسحر ورد عليهم، فقال:
﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ، قُلْ: إِنِ افْتَرَيْتُهُ، فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي بل أيقولون: افترى محمد هذا القرآن واختلقه من عند نفسه، كذبا على الله؟ فرد الله تعالى عليهم: قل لهم أيها الرسول: لو افتريته وكذبت على الله على سبيل الفرض والتقدير كما تدّعون، وزعمت أنه أرسلني رسولا إليكم، ولم يكن الأمر كذلك، لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم أن يدفع عقابه عني، فكيف أقدم على هذه الفرية، وأعرّض نفسي لعقابه؟ وقوله: ﴿أَمْ﴾ للإنكار والتعجيب كما تقدم، كأنه قيل: دع هذا واسمع القول المنكر العجيب.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً، إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ [الجن ٢٣/ ٧٢]. وقوله سبحانه:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤/ ٦٩ - ٤٧] وذكر هنا:
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ، كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي الله أعلم بما تقولون في القرآن، وتخوضون فيه، من التكذيب له، والقول بأنه سحر وكهانة، كفى بالله شاهدا صادقا يشهد لي بأن القرآن من عنده، وبالبلاغ لكم، وبالتكذيب والجحود منكم، ومع كل هذا الذي صدر منكم فالله هو الغفور لمن تاب وآمن، وصدّق بالقرآن، وعمل بما فيه.
وهذا جمع بين الوعيد والتهديد والترهيب وبين الترغيب لهم في التوبة
стр. 7581
والإنابة، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، قُلْ: أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان ٥/ ٢٥ - ٦].
ثم رد الله على المشركين شبهة أخرى هي اقتراح الإتيان بمعجزات، والإخبار عن مغيبات فقال:
﴿قُلْ: ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ، وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ أي لست بأول رسول جاء إلى العالم، بل قد بعث الله قبلي كثيرا من الرسل، فما أنا بالأمر المبتدع الذي لا نظير له، حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، ولست أعلم ما يفعل بي ولا بكم في مستقبل الزمان في الدنيا وكذا يوم القيامة، هل أبقى في مكة أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أقتل، وهل تعجل لكم العقوبة أيها المكذبون أم تمهلون؟ والمعنى: إني لا أعلم بما لي بالغيب، فأفعاله تعالى وما يقدره لي ولكم من قضاياه لا أعلمها (١).
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ، وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي إنما أتبع الوحي الذي ينزله الله علي في القرآن والسنة، ولا أبتدع من عندي شيئا، ولست إلا نذيرا لكم أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على نحو واضح ظاهر لكل عاقل.
وهذا دليل على أن النبي ﷺ لا يدري ما يؤول إليه أمره وأمر المشركين في دار الدنيا، أما في الآخرة فهو ﷺ جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وذلك في الجملة، ولا يقطع لشخص معين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة المبشرين بالجنة (٢)، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة،
стр. 7582
وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقرّاء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃، والدليل على ذلك الحديث التالي:
أخرج أحمد والبخاري عن أم العلاء-وهي امرأة من نساء الأنصار-قالت:
«لما مات عثمان بن مظعون، قلت: رحمك الله أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري-وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم، قالت أمّ العلاء: فو الله لا أزكي بعده أحدا».
وفي رواية الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: «أنه لما مات قالت امرأته أو امرأة: هنيئا لك ابن مظعون الجنة، فنظر إليها رسول الله ﷺ نظر مغضب، وقال: وما يدريك؟ والله، إني لرسول الله، وما أدري ما يفعل الله بي، فقالت: يا رسول الله، صاحبك وفارسك وأنت أعلم، فقال: أرجو له رحمة ربه تعالى، وأخاف عليه ذنبه».
ثم أكد الله تعالى خسارة المشركين قائلا:
﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكَفَرْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ، فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ، إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله في الحقيقة، والحال أنكم قد كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل العالمين بما أنزل الله في التوراة على صحته وعلى مثله وهو القرآن، أو على مثل ما قلت، فآمن الشاهد بالقرآن لما تبيّن له أنه من كلام الله، وهذا الشاهد هو عبد الله بن سلام الذي أسلم بعد الهجرة، ثم تكبرتم عن الإيمان به، فقد ظلمتم أنفسكم (١) وكنتم
стр. 7583
من الخاسرين. وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ معناه لا يوفقهم إلى الخير، وهو استئناف بياني، تعليل لاستكبارهم.
وبعبارة أخرى: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي قد جئتكم به قد أنزله الله علي لإبلاغكم به، وقد كفرتم به وكذبتموه، ألستم تكونون أضل الناس وأظلمهم؟! أو ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم؟ يدل على هذا الجواب المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.
والشاهد في رأي أكثر المفسرين هو عبد الله بن سلام، بدليل
ما ذكر صاحب الكشاف: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر-أي ابن سلام-إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، وقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال ﷺ :
أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته، فقال: أشهد أنك رسول الله حقا، ثم قال:
يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم النبي ﷺ : أيّ رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال:
أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله، وأحذر» (١).
أما إنكار أن يكون الشاهد هو عبد الله بن سلام، لأن إسلامه كان بالمدينة
стр. 7584
قبل وفاة رسول الله ﷺ بعامين، وهذه السورة مكية، فالجواب عليه-كما ذكر الكلبي-بأن السورة مكية إلا هذه الآية، فإنها مدنية، وكانت الآية تنزل، فيؤمر رسول الله ﷺ بأن يضعها في سورة كذا، فهذه الآية نزلت بالمدينة، وإن الله تعالى أمر رسول الله ﷺ بأن يضعها في هذه السورة المكية، في هذا الموضع المعين (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - عادى مشركو مكة النبي ﷺ ، فكذبوا كون القرآن نازلا من عند الله، وكذبوا النبوة، ووصفوا القرآن بأنه سحر واضح.
٢ - ولم يكتفوا بوصف القرآن بأنه سحر، بل قالوا ما هو أشنع من ذلك، قالوا: إن محمدا اختلقه وافتراه من عند نفسه، لا من عند الله.
٣ - ردّ الله عليهم افتراءهم بأنه لو افتراه محمد ﷺ على سبيل الفرض والتقدير لعجّل الله له العقوبة في الدنيا، ولم يقدر أحد أن يرد عنه عذاب الله، والله أعلم بما يتقوّله ويخوض به من التكذيب هؤلاء المشركون، وكفى بالله شاهدا على أن القرآن من عند الله، وأنه يعلم صدق نبيه وأنهم مبطلون.
وبالرغم من ذلك فالله الغفور لمن تاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فإذا آمن هؤلاء المشركون، غفر لهم ما قد سلف منهم من الذنوب والمعاصي.
٤ - ليس النبي ﷺ أول رسول يرسل، بل هو خاتم الرسل الكرام، قد كان قبله رسل، فليست دعوته إلى التوحيد، وإنكار عبادة الأصنام، وعدم علمه بالغيب مقصورا عليه، وتلك دعوة قديمة هي دعوة جميع الرسل.
стр. 7585
٥ - النبي ﷺ غير عالم بالغيبيات إلا بطريق الوحي، فلا وجه لطلب إخباره بمغيبات لا يعلم بها، فهو لا يدري بما يفعل به ولا بالناس من أحوال الدنيا وأحوال الآخرة، من الأحكام والتكاليف وما يؤول أمر المكلفين إليه. وبه يعلم أن ما يدّعى من علم بعض الأولياء بالغيب هو أمر باطل وكذب مفترى.
لكن نظرا لأن النبي ﷺ يعلم كونه نبيا، فهو يعلم أنه لا تصدر عنه الكبائر، وأنه مغفور له، وقد تأكد هذا بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ٢/ ٤٨] وقوله سبحانه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [الفتح ٥/ ٤٨] وقوله :
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [الأحزاب ٤٧/ ٣٣].
٦ - لا نسخ في آية: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ لما
ذكر الواحدي وغيره عن ابن عباس: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله ﷺ رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصّها على أصحابه، فاستبشروا بذلك، ورأوا فيها فرجا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا، ثم قال: «إنما هو شيء رأيته في منامي، ما أتبع إلا ما يوحى إلي» أي لم يوح إليّ ما أخبرتكم به. قال القشيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية.
٧ - دلت آية ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ.﴾. على إنذار المشركين الظالمين بعذاب أليم إذا استمروا في تكذيبهم بالقرآن، وتكبروا عن الإيمان به وعن اتباعه وطاعة الرسول المنزل عليه، بالرغم من شهادة رجل منصف عارف بالتوراة بأن القرآن حق، سواء أكان عبد الله بن سلام أم موسى ﵇. وعلى كل حال فهذه الآية بشارة بالنبي ﷺ في التوراة وعلى لسان موسى عليه السلام
стр. 7586
ولسان علماء بين إسرائيل، فهي كبشارة عيسى ﵇ بمحمد ﷺ :
﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦/ ٦١].
وفي الآية تقديم وتأخير، تقديره: قل: أرأيتم إن كان من عند الله، وشهد شاهد من بني إسرائيل على ذلك، أي على صدق القرآن، فآمن هو، وكفرتم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين، أي الكافرين المعاندين.
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تهديد، وهو قائم مقام الجواب المحذوف للشرط: ﴿إِنْ﴾ والتقدير: قل أرأيتم إن كان من عند الله، ثم كفرتم به، فإنكم لا تكونون مهتدين، بل تكونون ضالين.
شبهات أخرى للكفار
-٢ -
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾
الإعراب:
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً﴾ ﴿كِتابُ﴾: مبتدأ، و ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: خبره، و ﴿إِماماً وَرَحْمَةً﴾: منصوبان على الحال من الضمير في الظرف، أو من «الكتاب».
стр. 7587
﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا﴾ ﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿هذا كِتابٌ﴾: مبتدأ وخبر، و ﴿لِساناً عَرَبِيًّا﴾: منصوبان على الحال من ضمير ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أو من «الكتاب» لأنه قد وصف ب ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أو من «ذا» والعامل فيه معنى الإشارة، أي أشير إليه لسانا عربيا، أو أنبه عليه لسانا عربيا. ﴿وَبُشْرى﴾: إما مرفوع عطفا على كتاب، أو منصوب على أنه مصدر.
﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ ﴿خالِدِينَ﴾: منصوب على الحال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ والعامل فيها معنى الإشارة في ﴿أُولئِكَ﴾ كقولك: هذا زيد قائما.
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿جَزاءً﴾: إما مفعول لأجله، أو منصوب على المصدر المؤكد، أي جوزوا جزاء.
البلاغة:
﴿لِيُنْذِرَ﴾ ﴿وَبُشْرى﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم قريش، وقيل: بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع، لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، وقيل: اليهود حين أسلم ابن سلام وصحبه.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لأجلهم وفي حقهم، وقيل: إليهم. ﴿لَوْ كانَ﴾ الإيمان. ﴿ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ فهم أناس أدنياء، إذ عامتهم فقراء وموالي ورعاة. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي حينما لم يهتد القائلون بالقرآن، وإذ للماضي ظرف لمحذوف مثل: ظهر عنادهم. ﴿هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي القرآن كذب قديم، مثل قولهم: أساطير الأولين.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن. ﴿كِتابُ مُوسى﴾ التوراة. ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ أي القرآن مؤيد لكتاب موسى. ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هم مشركو مكة، وهو علة لقوله.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ ﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي والقرآن مبشر للمؤمنين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ على الطاعة، أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين والعمل، وقوله ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على تأخير رتبة العمل وتوقفه على التوحيد. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من لحوق مكروه في المستقبل. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فوات محبوب في الماضي، والفاء في ﴿فَلا﴾ لتضمن جملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ معنى الشرط. ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من اكتساب الفضائل العلمية والعملية.
стр. 7588
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أخرج الطبراني عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ، ونحن ونحن، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾ ..
وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال لها (زنّين) أو (زنّيرة) فكان عمر يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرا ما سبقتنا إليه زنين، فأنزل الله في شأنها: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً﴾ الآية.
وقال عروة بن الزبير: إن زنّيرة-رومية كان أبو جهل يعذبها-أسلمت، فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللات والعزّى، فرد الله عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنّيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس والكلبي والزجاج: إن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم، إذ نحن أعزّ منهم.
وقال أكثر المفسرين: إن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا-يعني عبد الله بن سلام وأصحابه-: لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه.
المناسبة:
هذه شبهة أخرى للقوم: المشركين أو اليهود، في إنكار نبوة محمد ﷺ ،
стр. 7589
تتعلق بإيمان جماعة من الفقراء كعمّار وصهيب وابن مسعود، فقالوا: لو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء. ثم رد الله تعالى عليهم بأن التوراة دلت على صدق القرآن، وبشرت ببعثة محمد ﷺ .
وبعد تقرير دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين والإجابة عنها، ذكر تعالى جزاء المؤمنين العاملين عملا صالحا، طبقا لما جاء به القرآن المجيد.
التفسير والبيان:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ أي قال كفار مكة أو اليهود لأجل إيمان بعض الفقراء والمستضعفين، كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم ﵃: لو كان هذا الدين حقا وكان ما جاء به محمد من القرآن والنبوة خيرا ما سبقونا إلى الإيمان به، ظنا منهم أنهم سبّاقون إلى المكارم، وأن لهم وجاهة عند الله، وله بهم عناية.
وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، فإن الله سبحانه يصطفي للنبوة ولدينه من يشاء، والآية كقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ [الأنعام ٥٣/ ٦] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ معناه كما ذكر الزمخشري: لأجلهم، يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا: لو كان خيرا ما سبقونا إليه. ويصح أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب، كما تقول: قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة، كقوله تعالى:
﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس ٢٢/ ١٠].
ثم وصف الله تعالى حال أولئك الكفار بعد ذلك القول وأجاب عنه بقوله:
стр. 7590
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ: هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي وحين لم يهتدوا بالقرآن، ظهر عنادهم، وسيقولون بعدئذ: هذا كذب مأثور عن الناس الأقدمين، كما قالوا: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بقصد انتقاص القرآن وأهله. وهذا هو الكبر الذي
قال عنه رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم والترمذي عن ابن مسعود:
«الكبر: بطر الحق، وغمص-أو غمص-الناس» أي احتقارهم. وبطر الحق:
دفعه ورده.
ثم ذكر الله تعالى دليلا على صدق القرآن وصحته، فقال:
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً، وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي ومما يدل على أن القرآن حق وصدق وأنه من عند الله: اعترافكم بإنزال الله التوراة على موسى، الذي هو إمام وقدوة يقتدى به في الدين، وهو رحمة لمن آمن به، وهذا القرآن الموافق للتوراة في أصول الشرائع مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب الإلهية المتقدمة، أنزله الله حال كونه بلغة عربية واضحة فصيحة يفهمونها، من أجل أن ينذر به هذا النبي من عذاب الله الذين ظلموا أنفسهم وهم مشركو مكة، ويبشر به المؤمنين الذين أحسنوا عملا، فهو مشتمل على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين. وهو ليس إفكا قديما كما يزعمون، بدليل توافقه مع التوراة.
وبعد ذكر شبهات المنكرين، ذكر الله تعالى حال المؤمنين وجزاءهم قائلا:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي إن الذين جمعوا بين التوحيد والاستقامة على منهج الشريعة، لا يخافون من وقوع مكروه بهم في المستقبل، ولا يحزنون من فوات محبوب في الماضي، وجزاؤهم ما قال تعالى:
﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي أولئك المؤمنون الموحدون المستقيمون على أمر الله هم أهل الجنة، ماكثين فيها على
стр. 7591
الدوام، مقابل ما قدموه من أعمال صالحة في الدنيا، أي أن الجزاء بسبب العمل الصالح في الدنيا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن شأن المتكبرين المقصرين تسويغ تقصيرهم بأتفه الأسباب وأسخف المقالات بدافع الكبر والاستعلاء، لذا قال أهل مكة: لو كان هذا الدين حقا ما سبقنا إليه هؤلاء العبيد والمستضعفون، وأضافوا إلى ذلك حينما لم يهتدوا افتراءهم بقولهم: هذا القرآن كذب متوارث، وأساطير الأولين. ومن جهل شيئا عاداه.
٢ - مما يدل على صدق القرآن وأنه من عند الله توافقه في أصول العقيدة والشريعة مع التوراة كتاب موسى ﵇ الذي يقرّون بأنه كتاب الله، فهو قدوة ورحمة يؤتم به في دين الله وشرائعه، والقرآن مصدّق للتوراة ولما قبله من كتب الله في أن محمدا ﷺ رسول حقا من عند الله، وهو بلغة عربية فصيحة بيّنة واضحة لكل من نظر فيه وتأمل، يشتمل على إنذار الكافرين وبشارة المؤمنين.
وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن: أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ﵇، وجعل هذا الكتاب إماما يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد ﷺ ، فإذا سلّمتم كون التوراة إماما يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد ﷺ رسولا حقا من عند الله تعالى.
٣ - إن الذين جمعوا بين الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبين الاستقامة على الشريعة في غاية السعادة النفسية والمادية، فهم آمنون مطمئون مرتاحون لا يعكر صفوهم مخاوف المستقبل ولا أحزان الماضي، وهم خالدون دائمون في جنات النعيم، بسبب ما قدموا من عمل صالح في دار الدنيا.
стр. 7592
الوصية ببر الوالدين
- ١ -
وصف الولد البار بوالديه
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾
الإعراب:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ وقرئ: حسنا وحسنا، وإحسانا: منصوب على المصدر، أي أن يحسن إحسانا. وحسنا: صفة لمفعول محذوف، أي ووصينا الإنسان بوالديه أمرا ذا حسن، وحسنا: تقديره: فعلا حسنا.
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ ﴿ثَلاثُونَ﴾: خبر مبتدأ الذي هو ﴿حَمْلُهُ﴾ وإنما رفع، لأن في الكلام مقدرا محذوفا، تقديره: وقدّر حمله وفصاله ثلاثون شهرا. وفي هذا ما يدل على أن أقل الحمل ستة أشهر، مراعاة لآية أخرى هي: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] فإذا أسقط حولان من ثلاثين أشهرا بقي مدة الحمل ستة أشهر.
﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ حال، أي كائنين في جملتهم.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لنفسه.
стр. 7593
البلاغة:
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ بعد قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ من قبيل ذكر الخاص بعد العام لزيادة العناية بالأم.
﴿حَمَلَتْهُ﴾ ﴿وَوَضَعَتْهُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَوَصَّيْنَا﴾ من التوصية والإيصاء والوصية: وهي الأمر المقترن بضرورة الاعتناء والاهتمام، أي أمرنا ﴿إِحْساناً﴾ أن يحسن لهما إحسانا: وهو ضد الإساءة، والحسن ضد القبح، أي أن يفعل معهما فعلا ذا حسن ﴿كُرْهاً﴾ مشقة. ﴿وَحَمْلُهُ﴾ مدة حمله. ﴿وَفِصالُهُ﴾ فطامه، أي المدة القصوى لفطامه من الرضاع سنتان، وأقل مدة الحمل ستة أشهر، والباقي أكثر مدة الرضاع. ﴿حَتّى إِذا﴾ غاية لجملة مقدرة، أي وعاش حتى ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ بلوغ الأشد: كمال العقل والرأي والقوة، وأقله ثلاثون أو ثلاث وثلاثون سنة. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي تمامها، وهو أكثر الأشد، قيل: لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه إذا حط منه للفصال حولان لقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] بقي ذلك، وبه قال الأطباء. ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما.
﴿أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني ووفقني ورغّبني. ﴿نِعْمَتَكَ﴾ نعمة الدين وغيرها من النعم. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ﴾ نكّر كلمة ﴿صالِحاً﴾ أي عملا صالحا للتعظيم، أو أنه أراد أي عمل أو نوع من جنس الأعمال يحقق رضا الله . ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ اجعل الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم. ﴿أُولئِكَ﴾ أي قائلو هذا القول ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي حسن أعمالهم وطاعاتهم، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه وقرئ: يتقبل. ﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ لتوبتهم وقرئ: ويتجاوز. ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ أي كائنين في عدادهم أو معدودين فيهم. ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في الدنيا في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩].
سبب النزول:
نزول الآية (١٥):
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: روى الواحدي عن ابن عباس قال: أنزلت في
стр. 7594
أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنه صحب رسول الله ﷺ ، وهو ابن ثمان عشرة سنة، ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في التجارة، فنزلوا منزلا فيه سدرة (شجرة السدر) فقعد رسول الله ﷺ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبيّ، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق رسول الله ﷺ في أسفاره وحضوره، فلما نبّئ رسول الله ﷺ ، وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة أسلم وصدّق رسول الله ﷺ ، فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ (١).
وقال السدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، أخرج مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه عن سعد ﵁ قال: قالت أم سعد لسعد: أليس الله قد أمر بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾.
وقال الحسن البصري: «هي مرسلة نزلت على العموم». وهذا هو الأولى، لأن حمل اللفظ على العموم منذ بداية نزول الوحي أوقع وأفيد وأشمل، وإن كانت العبرة دائما لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين الموحدين المستقيمين على الشريعة، أمر ووصى ببر الوالدين، وأشاد بصفة خاصة بالبارّ والديه بعد بلوغه سن الأربعين،
стр. 7595
وبشّره بقبول أعماله الصالحة، والتجاوز عن سيئاته، وجعله في عداد أصحاب الجنة، وعدا منجزا لا خلف فيه.
التفسير والبيان:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ أي وصيناه وأمرناه أن يحسن إليهما إحسانا في الحياة وبعد الممات بالحنو عليهما وبرهما والإنفاق عليهما عند الحاجة والبشاشة عند لقائهما، كما جاء في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً.﴾. [الإسراء ٢٣/ ١٧] وقوله سبحانه:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان ١٤/ ٣١].
وجاءت الأحاديث النبوية الكثيرة المؤيدة للقرآن في هذا الأدب العظيم، وجعل بر الأبوين من أفضل الأعمال، وعقوقهما من الكبائر، ووصل البر بعد الوفاة، منها
ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس»
ومنها ما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: «بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من برّ أبويّ شيء أبرّهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما».
ثم ذكر سبب التوصية وخص الأم لزيادة العناية والاهتمام بها، فقال تعالى:
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ أي حملته في بطنها بمشقة، وولدته بمشقة، فإنها قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا من وحم وغشيان وثقل وكرب، ووضعته بمشقة أيضا من ألم الطّلق وشدته، ووجع الولادة ثم الرضاع
стр. 7596
والتربية، وكانت أيام الوحم تمتنع من الطعام والشراب، وتعاف كل شيء، مما يستدعي البر بها والإحسان الزائد إليها، كما قال تعالى:
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ أي إن مدة حمله وفطامه ثلاثون شهرا، أي عامان ونصف، عانت فيهما الأم آلام السهر، وعناء الرضاع والغذاء والتنظيف والتربية بمحبة وحنان، دون ضجر ولا سأم.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته وحضنته، وعنيت به بتعب وصبر، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك، وإن تعب في الكسب والإنفاق، لذا جاءت الأحاديث النبوية تؤكد بر الأم، وتقدّمه بمراتب ثلاث على مرتبة الأب،
أخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك».
وفي الآية أيضا إيماء إلى أن أقل الحمل ستة أشهر (نصف عام) وكان علي ﵁ أول من استدل بهذه الآية وآية لقمان. ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ [١٤] وقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأن أكثر مدة الرضاع والفطام حولان كاملان، فبقي للحمل من الثلاثين شهرا ستة أشهر.
وهو استنباط صحيح، وافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃،
روى ابن أبي حاتم ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فبعث إليها،
стр. 7597
فلما قامت لتلبس ثيابها، بكت أختها، فقالت: وما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أتى بها عثمان ﵁ أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا ﵁، فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي ﵁: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، فقال عثمان ﵁: والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها (١)، فقال معمر: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه، قال: ابني والله، لا أشك فيه.
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر، كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر، فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً، حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي حتى إذا قوي وشب وارتجل، فاستحكم عقله وقوته، وذلك بين الثلاثين والأربعين، وتناهي عقله، وكمل فهمه وحلمه ببلوغ الأربعين سنة. وقوله ﴿حَتّى﴾ غاية لمحذوف تقديره:
فعاش أو طالت حياته حتى إذا بلغ الأشد، أي القوة، وذلك يكون بكمال قوته المادية والعقلية، لذلك قيل: إنه لم ينبأ نبي قبل الأربعين إلا ابني الخالة عيسى ويحيى ﵉.
﴿قالَ: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ أي إذا بلغ الأربعين قال: رب ألهمني ووفقني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي
стр. 7598
وعلى والدي من نعمة الهداية إلى الدين الحق والتوحيد وغير ذلك من نعم الدنيا، كسلامة العقل، والصحة والعافية، وسعة العيش، وتمام الخلقة السوية، وحنان الأبوين حين ربياني صغيرا.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ أي ألهمني ووفقني للعمل الصالح الذي ترضاه مني، والعمل الصالح المرضي: هو ما يكون سالما من غوائل عدم القبول، واجعل الصلاح ساريا في ذريتي (١)، متمكنا راسخا فيهم، حتى يكون لهم طبعا وخلقا.
﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ، وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي إني تبت وأنبت إليك من جميع الذنوب، والآثام، وإني من المستسلمين لك، المنقادين لطاعتك، المخلصين لتوحيدك، الخاضعين لربوبيتك.
قال ابن كثير: وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ، ويعزم عليها (٢)، و
قد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلّمهم أن يقولوا في التشهد: «اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتمّها علينا».
ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء الصالحين قائلا:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ. وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي أولئك الذين هذه
стр. 7599
طريقتهم، الموصوفون بالصفات المتقدمة التائبون إلى الله المنيبون إليه، هم الذين يكرمهم الله، فيتقبل عنهم ما قدموا من صالح العمل، وأعمال الخير في الدنيا المنسجمة مع أوامر الله، ويعفو عنهم ويغفر لهم سيئاتهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، إذ هي تتلاشى بجانب الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١].
وهم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله ، كما وعد الله من تاب إليه وأناب، فهو وعد منجّز لا خلف فيه ولا شك في حصوله، وهو الوعد الذي وعدهم الله به في كتبه وعلى لسان أنبيائه، والله منجز ما وعد.
وقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى الإنسان المذكور في قوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾ وجمعه باعتبار أفراد الإنسان الذين تحقق فيهم ما ذكر من الأوصاف من معرفة حقوق الوالدين، والرجوع إلى الله بسؤال التوفيق للشكر، وهو إيذان بأن هذه الأوصاف هي صفات الإنسانية الكاملة.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي حسن ما عملوا، فيشمل الحسن والأحسن.
وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لما قبله، أي وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن الإحسان إلى الوالدين فرض في الإسلام، لقوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا﴾ والتوصية: الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
стр. 7600
٢ - إن سبب وجوب الإحسان إلى الأبوين واضح وهو كونهما كانا سببا لوجود الأولاد، وتربيتهم وتنشئتهم، وعلى التخصيص الأم التي تعاني من أجل الولد معاناة شديدة ربما تضحي بحياتها له، فقد حملته بكره ومشقة، ووضعته بكره ومشقة، وسهرت على راحته الليالي الطوال، وعانت في حضانته ورضاعته عناء لا يقدر.
٣ - إن حق الأم كما تقدم بدلالة الآية أعظم من حق الأب، لأنه تعالى قال أولا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ فذكرهما معا، ثم خص الأم بالذّكر، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن تحملها المشاق بسبب الولد أكثر.
٤ - دلت الآية أيضا كما تقدم على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرا، وكان أقصى مدة الرضاع حولين كاملين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر، بعد إسقاط مدة حولي الرضاع، وهي أربع وعشرون شهرا من الثلاثين. روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم عليها، وكذلك روي عن عثمان أنه همّ بذلك، فأبان له علي أو ابن عباس ما دلت عليه الآيات كما تقدم، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها.
وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا، حملته أمه تسعة أشهر، وأرضعته إحدى وعشرين شهرا.
٥ - ودلت الآية أيضا على أن أكثر مدة الرضاع سنتان، لأنه إذا دلت على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإنها تدل في الباقي من الثلاثين شهرا على أن أكثر مدة الرضاع حولان كاملان، وتأيّد هذا بآية: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢].