والتربية، وكانت أيام الوحم تمتنع من الطعام والشراب، وتعاف كل شيء، مما يستدعي البر بها والإحسان الزائد إليها، كما قال تعالى:
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ أي إن مدة حمله وفطامه ثلاثون شهرا، أي عامان ونصف، عانت فيهما الأم آلام السهر، وعناء الرضاع والغذاء والتنظيف والتربية بمحبة وحنان، دون ضجر ولا سأم.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته وحضنته، وعنيت به بتعب وصبر، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك، وإن تعب في الكسب والإنفاق، لذا جاءت الأحاديث النبوية تؤكد بر الأم، وتقدّمه بمراتب ثلاث على مرتبة الأب،
أخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: أمّك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك».
وفي الآية أيضا إيماء إلى أن أقل الحمل ستة أشهر (نصف عام) وكان علي ﵁ أول من استدل بهذه الآية وآية لقمان. ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ [١٤] وقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأن أكثر مدة الرضاع والفطام حولان كاملان، فبقي للحمل من الثلاثين شهرا ستة أشهر.
وهو استنباط صحيح، وافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃،
روى ابن أبي حاتم ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁، فذكر ذلك له، فبعث إليها،
стр. 7597
فلما قامت لتلبس ثيابها، بكت أختها، فقالت: وما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أتى بها عثمان ﵁ أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا ﵁، فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي ﵁: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، فقال عثمان ﵁: والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها (١)، فقال معمر: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه، قال: ابني والله، لا أشك فيه.
وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر، كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر، فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً، حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي حتى إذا قوي وشب وارتجل، فاستحكم عقله وقوته، وذلك بين الثلاثين والأربعين، وتناهي عقله، وكمل فهمه وحلمه ببلوغ الأربعين سنة. وقوله ﴿حَتّى﴾ غاية لمحذوف تقديره:
فعاش أو طالت حياته حتى إذا بلغ الأشد، أي القوة، وذلك يكون بكمال قوته المادية والعقلية، لذلك قيل: إنه لم ينبأ نبي قبل الأربعين إلا ابني الخالة عيسى ويحيى ﵉.
﴿قالَ: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ أي إذا بلغ الأربعين قال: رب ألهمني ووفقني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي
стр. 7598
وعلى والدي من نعمة الهداية إلى الدين الحق والتوحيد وغير ذلك من نعم الدنيا، كسلامة العقل، والصحة والعافية، وسعة العيش، وتمام الخلقة السوية، وحنان الأبوين حين ربياني صغيرا.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ أي ألهمني ووفقني للعمل الصالح الذي ترضاه مني، والعمل الصالح المرضي: هو ما يكون سالما من غوائل عدم القبول، واجعل الصلاح ساريا في ذريتي (١)، متمكنا راسخا فيهم، حتى يكون لهم طبعا وخلقا.
﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ، وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي إني تبت وأنبت إليك من جميع الذنوب، والآثام، وإني من المستسلمين لك، المنقادين لطاعتك، المخلصين لتوحيدك، الخاضعين لربوبيتك.
قال ابن كثير: وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ، ويعزم عليها (٢)، و
قد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يعلّمهم أن يقولوا في التشهد: «اللهم ألّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتمّها علينا».
ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء الصالحين قائلا:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا، وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ. وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي أولئك الذين هذه
стр. 7599
طريقتهم، الموصوفون بالصفات المتقدمة التائبون إلى الله المنيبون إليه، هم الذين يكرمهم الله، فيتقبل عنهم ما قدموا من صالح العمل، وأعمال الخير في الدنيا المنسجمة مع أوامر الله، ويعفو عنهم ويغفر لهم سيئاتهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، إذ هي تتلاشى بجانب الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود ١١٤/ ١١].
وهم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله ، كما وعد الله من تاب إليه وأناب، فهو وعد منجّز لا خلف فيه ولا شك في حصوله، وهو الوعد الذي وعدهم الله به في كتبه وعلى لسان أنبيائه، والله منجز ما وعد.
وقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى الإنسان المذكور في قوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾ وجمعه باعتبار أفراد الإنسان الذين تحقق فيهم ما ذكر من الأوصاف من معرفة حقوق الوالدين، والرجوع إلى الله بسؤال التوفيق للشكر، وهو إيذان بأن هذه الأوصاف هي صفات الإنسانية الكاملة.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي حسن ما عملوا، فيشمل الحسن والأحسن.
وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لما قبله، أي وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن الإحسان إلى الوالدين فرض في الإسلام، لقوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا﴾ والتوصية: الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
стр. 7600
٢ - إن سبب وجوب الإحسان إلى الأبوين واضح وهو كونهما كانا سببا لوجود الأولاد، وتربيتهم وتنشئتهم، وعلى التخصيص الأم التي تعاني من أجل الولد معاناة شديدة ربما تضحي بحياتها له، فقد حملته بكره ومشقة، ووضعته بكره ومشقة، وسهرت على راحته الليالي الطوال، وعانت في حضانته ورضاعته عناء لا يقدر.
٣ - إن حق الأم كما تقدم بدلالة الآية أعظم من حق الأب، لأنه تعالى قال أولا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ فذكرهما معا، ثم خص الأم بالذّكر، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن تحملها المشاق بسبب الولد أكثر.
٤ - دلت الآية أيضا كما تقدم على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهرا، وكان أقصى مدة الرضاع حولين كاملين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر، بعد إسقاط مدة حولي الرضاع، وهي أربع وعشرون شهرا من الثلاثين. روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم عليها، وكذلك روي عن عثمان أنه همّ بذلك، فأبان له علي أو ابن عباس ما دلت عليه الآيات كما تقدم، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها.
وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهرا، حملته أمه تسعة أشهر، وأرضعته إحدى وعشرين شهرا.
٥ - ودلت الآية أيضا على أن أكثر مدة الرضاع سنتان، لأنه إذا دلت على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإنها تدل في الباقي من الثلاثين شهرا على أن أكثر مدة الرضاع حولان كاملان، وتأيّد هذا بآية: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢].
стр. 7601
٦ - إن بلوغ الأشد يكون قبل الأربعين سنة، والآية تدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى رعاية الوالدين له إلى مدة قريبة من مدة الأربعين سنة.
٧ - على الإنسان أن يشكر نعمة الله عليه إذا بلغ أربعين سنة، وهي مرحلة كمال العقل والبنية، وأن يطلب من الله تعالى توفيقه للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يجعل الصلاح ساريا في ذريته، راسخا متمكنا فيهم.
قال علي ﵁: هذه الآية: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ نزلت في أبي بكر الصديق ﵁! أسلم أبواه جميعا، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، فأوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده.
ووالده: هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم.
وأمه: أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد. وأم أبيه أبي قحافة: «قيلة». وامرأة أبي بكر الصديق اسمها «قتيلة» بنت عبد العزّى.
وقال ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾: أجاب الله دعاء أبي بكر، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذّبون في الله، منهم بلال وعامر بن فهيرة، ولم يدع شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه. ولم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر. وهذا دليل على استجابة دعاء أبي أبكر.
ومن فضائل أبي بكر: ما ذكر
في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر:
أنا، قال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».
стр. 7602
٨ - دلت آية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ.﴾. على أن الآية التي قبلها:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ.﴾. مرسلة، نزلت على العموم، وهو قول الحسن كما تقدم، فتشمل أبا بكر وغيره.
٩ - وهذه الآية أيضا تدل على أن المتصف بالصفات التي قبلها هو أفضل الناس، لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله، ويتجاوز عن كل سيئاته، يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم.
وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، لدلالة الآية عليه، وأنه هو أولا المراد منها، وتنطبق على أمثاله من بعده.
١٠ - وصف الله تعالى هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء: هي أن يوفقه الله للشكر على نعمته، وأن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله، وأن يصلح له في ذريته، وبذلك جمع جوانب السعادة النفسية والبدنية والخارجية. ويلاحظ منها أنه تعالى قدم الشكر على العمل، وأن طلب إلهام الشكر على نعم الله دليل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى، وأنه لا يكفي كون الشيء صالحا في ظنه، يل يكون صالحا عنده وعند الله تعالى.
١١ - دل آخر الآية: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة والإسلام والانقياد لأمر الله تعالى.
стр. 7603
- ٢ -
وصف الولد العاقّ لوالديه منكر البعث
﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾
الإعراب:
﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ: أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي؟.﴾. ﴿الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾: في موضع رفع مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: وفيما يتلى عليكم الذي قال لوالديه أو خبره: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾. و ﴿أُفٍّ﴾ اسم فعل مضارع مبني على الكسر بمعنى أتضجر. و ﴿أَتَعِدانِنِي﴾ بكسر النون، على الأصل في نون التثنية، وهو الكسر، في اللغة المشهورة الفصيحة، وقرئ بالفتح على لغة بعض العرب تشبيها لها بنون الجمع، كما كسروا نون الجمع تشبيها لها بنون التثنية، حملا لإحداهما على الأخرى، وقرئ أيضا بالإدغام.
﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾ ﴿وَيْلَكَ﴾: منصوب على المصدر، وهو من المصادر التي لا أفعال لها، وهي ويحك، وويسك، وويبك. والأجود في هذه المصادر إذا كانت مضافة النصب، والرفع فيها جائز، والأجود فيها إذا كانت غير مضافة الرفع، والنصب جائز فيها.
البلاغة:
﴿ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بصيغة الحصر.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ فيها استعارة، استعار الدرجات للمراتب.
стр. 7604
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ إيجاز بالحذف مع التقريع والتوبيخ، أي يقال لهم:
﴿أَذْهَبْتُمْ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ أراد به الجنس من أي قائل، وإن صحّ نزولها في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ قبل إسلامه، فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص. ﴿أُفٍّ﴾ بكسر الفاء وفتحها، اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، أو مصدر، أي: نتنا وقبحا، والأصل فيه أنه صوت يظهر عند التضجر والتبرم. ﴿لَكُما﴾ أتضجر منكما. ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أبعث من القبر.
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ مضت الأمم من قبلي ولم يخرج أحد من القبور. ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ يقولان له: الغياث بالله منك، أي من كفرك، إنكارا واستعظاما له، أي يطلبان الغوث من الله من كفره، أو يطلبان من الله أن يغيثه بالتوفيق للإيمان، أي يسألان الله أن يوفقه للإيمان، ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾ بالله وبالبعث. ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾ أي هلكت، آمن بالبعث، والويل: دعاء بالهلاك والثبور، أو واد في جهنم، والمراد به الحث على الفعل أو تركه حتى لا يهلك، لا حقيقة الهلاك. ﴿فَيَقُولُ: ما هذا﴾ أي ما هذا القول بالبعث ﴿إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أكاذيب الأقدمين وأباطيلهم التي سطروها في كتبهم من غير حقيقة.
﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وجب عليهم الحكم بالعذاب وأنهم من أهل النار، قال البيضاوي: وهو يردّ النزول في عبد الرحمن بن أبي بكر، لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك، وقد جبّ عنه إن كان لإسلامه. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ تعليل للحكم على الاستئناف، أي إنهم من الذين ضيعوا الفكر والنظر، الشبيه برأس المال، باتباعهم وساوس الشياطين.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي ولكل من الفريقين المؤمن والكافر مراتب ومنازل من جزاء وسبب ما عملوا من الخير والشرّ، فدرجات المؤمنين في الجنة عالية، ودرجات الكافرين في النار سافلة. والدرجات غالبة في المثوبة والعلو، وجاءت هنا على التغليب، ويقابلها الدركات في الانخفاض والنزول. و ﴿عَمِلُوا﴾ أي عمل المؤمنون من الطاعات، والكافرون من المعاصي.
﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ أي ليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وقرئ «ولنوفيهم». ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ شيئا بنقص ثواب للمؤمنين وزيادة عقاب للكفار.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ أي يعذبون فيها، أو تكشف لهم. ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ أي يقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾، فالقول مضمر وتقرأ بهمزتين مخففتين، وبهمزة ومدة، وبهمزة وتسهيل الثانية. ﴿طَيِّباتِكُمْ﴾ لذائذكم وشبابكم وقوتكم. ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ تمتعتم بها، فما بقي لكم منها شيء. ﴿عَذابَ الْهُونِ﴾ الهوان والذلّ. ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتكبرون. ﴿تَفْسُقُونَ﴾ أي تخرجون عن
стр. 7605
طاعة الله، وقرئ بكسر السين. وهذا دليل على أن تعذيبهم بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله تعالى.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ: أُفٍّ لَكُما﴾ في عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبويه، وكانا قد أسلما، وأبى هو، فكانا يأمرانه بالإسلام، فيرد عليهما، ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان؟ يعني مشايخ قريش ممن قد مات، ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس مثله.
لكن أخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهان قال: قال مروان بن الحكم في عبد الرحمن بن أبي بكر: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ: أُفٍّ لَكُما﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري.
وأخرج عبد الرزاق من طريق مكي: أنه سمع عائشة تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وقالت: إنما نزلت في فلان، وسمّت رجلا.
وقال الحافظ ابن حجر: ونفي عائشة أصح إسنادا، وأولى بالقبول.
وقال ابن كثير: ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من
стр. 7606
خيار أهل زمانه (١). وقال القرطبي: الصحيح أن الآية نزلت في عبد كافر عاق لوالديه (٢).
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى الولد البار بوالديه وفوزه وتقبل الله عمله، وصف الولد العاقّ لوالديه هنا وجزاءه المستحق له، ثم أخبر تعالى أن لكل من الفريقين منازل ودرجات عند ربهم: إما رفعة وإما انخفاضا، وأخبر أيضا عما يقال للكفار توبيخا وتقريعا حين عرضهم على النار: إنكم تمتعتم في الحياة، وتكبّرتم عن اتباع الحق، وفسقتم عن طاعة الله، فتجازون اليوم جزاء ما عملتم ومن أجل ما عملتم.
التفسير والبيان:
﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما، أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ، وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي؟﴾ هذا عام في كل من قال هذا، إذ قال لأبويه حينما دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: أفّ لكما، أي تضجر وتبرم مما تقولانه، أأنتما تخبرانني أنني سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله؟ إن هذا البعث بعد الموت المستبعد مستنكر، فقد مضت الأمم السابقة الكثيرة من قبلي، كعاد وثمود، ماتوا ولم يبعث منهم أحد، وذهبوا ولم يرجع منهم مخبر.
والخلاصة: المراد بالآية الجنس، لأن خصوص السبب لا يوجب التخصيص.
﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ، وَيْلَكَ آمِنْ، إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي ووالداه يسألان الله أن يوفقه للإيمان، ويقولون له: ويلك آمن بالله وبالبعث، أي
стр. 7607
هلاكا لك أو هلكت، صدّق بوعد الله في اليوم الآخر الذي وعد به خلقه أنه باعثهم من قبورهم، ووعد الله حق لا خلف فيه، والمراد بالدعاء عليه: الحث والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك.
﴿فَيَقُولُ: ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي فيقول هذا الولد مكذبا لما قال والداه: ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا أحاديث الأولين وأباطيلهم التي سطّروها في الكتب، فما البعث في الحقيقة إلا أمر باطل، لا يقبله العقل، أي في زعمه ووهمه.
ثم ذكر الله تعالى جزاء هذا القائل، فقال:
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ أي إن أولئك القائلين هذه المقالة هم الذين وجب عليهم العذاب، واستحقوا غضب الله، في جملة الأمم الكافرة المتقدمة، فهم منضمون في ذلك إليهم، سواء كانوا من الجن أو الإنس الذين كذبوا الرسل، لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، لتضييعهم الفكر والنظر الشبيه برأس المال، باتباعهم ووساوس الشيطان.
والمراد بالقول: قول الله أنه يعذبهم في جملة أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس. وهذا يقتضي أن الجن يموتون قرنا بعد قرن كالإنس (١). ولعل المراد بالقول هنا قوله سبحانه لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص ٨٥/ ٣٨]. والإشارة بقوله: ﴿أُولئِكَ﴾ للتحقير.
ثم ذكر الله تعالى مراتب كل من الفريقين: المحسن والمسيء، فقال:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا، وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي ولكل فريق من الفريقين: المؤمنين المحسنين الأبرار، والكافرين الأشقياء المسيئين
стр. 7608
الأشرار من الجن والإنس مراتب ومنازل عند الله يوم القيامة إما عليا وإما دنيا، من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منها، وليوفيهم جزاء أعمالهم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وهم لا يظلمون شيئا بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، ولا يظلمهم الله مثقال ذرة فما دونها.
والدرجات: بمعنى المنازل والمراتب تشمل درجات أهل الجنة العالية، ودركات أهل النار النازلة، لكنه عبر بالدرجات للتغليب، إذ الثواب درجات، والعقاب دركات.
وبعد بيان إيصال الحق لكل أحد، بيّن الله تعالى أولا أحوال العقاب وأهوال القيامة التي يتعرض لها الكافرون، فقال:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ، أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها، فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ أي واذكر أيها النّبي لقومك حين تعرض النار على الكفار، أي يعذبون فيها، أو يوم ينكشف الغطاء، فينظرون إلى النار، ويقربون منها، فيقال لهم تقريعا وتوبيخا: استوفيتم وأخذتم لذائذكم في الدنيا، وتمتعتم بها، باتباع الشهوات واللذات في معاصي الله سبحانه، دون مبالاة بالذنب، وتكذيبا منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظوظكم شيء منها، ففي هذا اليوم تجازون بالعذاب الذي فيه ذلّ لكم، وخزي عليكم، وإهانة، بسبب تكبركم عن عبادة الله والإيمان به وتوحيده، وخروجكم عن طاعة الله وعملكم بمعاصيه.
وهكذا جوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا أنفسهم، واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله ﵎ بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة في دركات جهنم، أعاذنا الله منها.
стр. 7609
أما الاستمتاع بالطيبات المباحات من غير اعتداء ولا تجاوز الحدود، فهو مباح للمسلم والكافر على السواء، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة ٨٧/ ٥]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف ٣٢/ ٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - إن عقوق الوالدين من الكبائر، وإن من أكبر الكبائر الإشراك بالله، وإنكار البعث والمعاد.
٢ - إن عاطفة الأبوين الصادقة المتأججة تدفعهما إلى الاستغاثة بالله وسؤاله ودعائه بالهداية لولدهما الكافر منكر البعث، أو الاستغاثة بالله من كفره، وهما يقولان له: ويلك آمن، أي صدّق بالبعث، إن وعد الله صدق لا خلف فيه، والمراد بالدعاء عليه الحثّ والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك.
٣ - لم يقابل الولد تلك العاطفة بالتقدير والاحترام، فأجاب والديه:
ما هذا الذي تقولانه من أمر البعث وتدعوانني إليه إلا أكاذيب الأولين الأقدمين وأباطيلهم. ولم يكن قوله بلطف وإنما بتضجر وتبرم، وذلك من الكبائر أيضا.
٤ - كان هذا الولد القائل وأمثاله من الذين حقت عليهم كلمة العذاب، أي وجب عليهم العذاب بكلمة الله: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي» مع أمم تقدمت ومضت من قبلهم من الجن والإنس الكافرين، وإن تلك الأمم الكافرة ومن سار في منهجهم كانوا خاسرين لأعمالهم، ضيعوا سعيهم، وخسروا الجنة.
стр. 7610
٥ - لكل واحد من فريقي المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم، وليوفيهم الله أعمالهم ولا يظلموا حقوقهم، فلا يزاد على مسيء، ولا ينقص من محسن.
٦ - يقال للكافرين تقريعا وتوبيخا حين تقريبهم من النار ونظرهم إليها، أو عند تعذيبهم بها: لقد تمتعتم بطيبات الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات، يعني المعاصي، فاليوم تجزون عذاب الخزي والفضيحة والهوان، بسبب استعلائكم على أهل الأرض بغير استحقاق، وتكبركم عن اتباع الحق والإيمان، وخروجكم عن طاعة الله بغيا وظلما.
ويلاحظ أن الاستكبار عن قبول الحق: ذنب القلب، والفسق: عمل الجوارح (الأعضاء).
ويحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات.
قال المفسرون: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها، لقوله تعالى:
﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف ٣٢/ ٧]، ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين، لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له، وقد يجرّ بعضه بعضا إلى أن يقع المرء في حد البعد عن الله تعالى (١).
وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ دخل على أهل الصّفّة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم (٢)، ما يجدون لها رقاعا، فقال: «أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلّة، ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة، ويراح بأخرى، ويستر
стр. 7611
البيت كما تستر الكعبة؟» قالوا: نحن يومئذ خير، قال: «بل أنتم اليوم خير».
وذكر قتادة عن عمر ﵁، قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاما، وأحسنكم لباسا، ولكنني أستبقي طيباتي للآخرة، لأن الله وصف قوما، فقال:
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾.
وعن عمر أن رجلا دعاه إلى طعام فأكل، ثم قدّم شيئا حلوا فامتنع، وقال:
رأيت الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ الآية، فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولست منهم، فأكل وسرّه ما سمع.
وفي صحيح مسلم وغيره: أن عمر ﵁ دخل على النبي ﷺ وهو في مشربته (١) حين هجر نساءه، قال: فالتفت فلم أر شيئا يردّ البصر إلا أهبا (٢) جلودا معطونة، قد سطع ريحها، فقلت: يا رسول الله، أنت رسول الله وخيرته، وهذا كسرى وقيصر في الدّيباج والحرير؟ قال: فاستوى جالسا وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» فقلت: استغفر لي، فقال: «اللهم اغفر له».
والخلاصة: أن الآية للنعي على الكفار الذين يعذبون بالنار، وأن استمتاعهم بالطيبات في الدنيا ليحرموا منها في الآخرة، عدلا من الله وفضلا ورحمة. وليس في الآية أن كل من أصاب الطيبات المباحات في الدنيا، فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة، والمؤمن يؤدي بإيمانه شكر المنعم، فلا يوبّخ بتمتعه بالدنيا.
стр. 7612
وعلى كل حال كان السلف الصالح يؤثرون التقشف في الدنيا، ليكون ثوابهم في الآخرة أكمل، أما التمتع بزخارف الدنيا المباحة فليس ممتنعا، للآيات المتقدمة: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٨٧/ ٥]، ﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ.﴾. الآية [الأعراف ٣٢/ ٧]. قال الرازي: نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والانقباض، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي، وذلك مما يجرّ بعضه إلى بعض، ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه (١).
قصة هود ﵇ مع قومه عاد
﴿وَاُذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾
стр. 7613
الإعراب:
﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ ﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ﴾ .. ﴿فَما أَغْنى﴾ .. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ قد: حرف يقرب الماضي من الحال ويقلل المستقبل. و ﴿فِيما﴾ أي في الذي و ﴿إِنْ مَكَّنّاكُمْ﴾ تحتمل ﴿إِنْ﴾ وجهين: إما بمعنى (ما) النافية، أو زائدة. ﴿فَما أَغْنى﴾: ما: إما نافية، ويؤيده دخول (من) للتأكيد في قوله تعالى:
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أو استفهامية منصوبة ب ﴿أَغْنى﴾ والتقدير: أي شيء أغنى هو؟ ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ﴾: ﴿فِيما﴾ فاعل ﴿حاقَ﴾ وهي مصدرية، وفي الكلام حذف مضاف تقديره: وحاق بهم عقاب استهزائهم، لأن نفس الاستهزاء لا يحل عليهم. وإنما يحل عليهم عقابه.
﴿قُرْباناً آلِهَةً﴾ ﴿قُرْباناً﴾: إما منصوب على المصدر، أو مفعول لأجله، أو مفعول ﴿اِتَّخَذُوا﴾ و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منه.
﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ و ﴿ما﴾: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف، أي فيه.
البلاغة:
﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً﴾ ثم قال: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ من قبيل الإطناب بتكرار اللفظ لزيادة التقبيح عليهم.
﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ توافق الفواصل الذي يزيد في جمال الكلام.
المفردات اللغوية:
﴿أَخا عادٍ﴾ هو هود ﵇، وعاد قبيلة عربية من إرم. ﴿أَنْذَرَ﴾ خوف.
﴿بِالْأَحْقافِ﴾ واد باليمن فيه منازلهم، بين عمان ومهرة، وهي في الأصل جمع حقف: وهو رمل مستطيل مرتفع معوج فيه انحناء. ﴿خَلَتِ النُّذُرُ﴾ مضت الرسل التي تنذر، والنذر جمع نذير أي منذر، والجملة معترضة أو حال. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ من قبل هود ومن بعده. «ألا» أي بأن قال: «لا تعبدوا» أو النذر بألا تعبدوا، فإن النهي عن الشيء إنذار بمضرته. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عبدتم غير الله. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هائل بسبب شرككم.
стр. 7614
﴿لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ لتصرفنا عن عبادتها. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من العذاب على الشرك.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في وعدك أنه يأتينا. ﴿قالَ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ قال هود: لا يعلم أحد متى يأتيكم العذاب، ولا مدخل لي فيه فأستعجل به، وإنما علمه عند الله، فيأتيكم به في وقته المقدّر له. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إليكم، وما على الرسول إلا البلاغ. ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ باستعجالكم العذاب ما هو، ولا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلّغين منذرين، لا معذّبين مقترحين.
﴿فَلَمّا رَأَوْهُ﴾ أي العذاب. ﴿عارِضاً﴾ سحابا عرض في أفق السماء. ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ متوجها نحو أوديتهم. ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أي يأتينا بالمطر. ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ من العذاب. ﴿رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ريح مشتملة على عذاب مؤلم، أي هي ريح، أو بدل من ﴿فَلَمّا﴾.
﴿تُدَمِّرُ﴾ تهلك. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من النفوس والأموال. ﴿بِأَمْرِ رَبِّها﴾ بإرادته ومشيئته، فأهلكت رجالهم ونساءهم وصغارهم وأموالهم. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي كما جزيناهم نجزي الكافرين. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ أي لقد جعلنا لهم مكنة وقدرة في الذي جعلناه لكم يا أهل مكة من القوة والمال. ﴿سَمْعاً﴾ أسماعا. ﴿وَأَفْئِدَةً﴾ قلوبا. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ شيئا من الإغناء، وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة للتأكيد.
﴿إِذْ كانُوا﴾ ﴿إِذْ﴾: معمولة لأغنى، وفيها معنى التعليل. ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ينكرون. ﴿بِآياتِ اللهِ﴾ حججه وبراهينه البيّنة. ﴿وَحاقَ﴾ نزل. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي العذاب.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ أي أهلكنا من جواركم من أهل القرى كثمود وعاد وقوم لوط. ﴿وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ بيّناها لهم. ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ﴾ هلا نصرهم بدفع العذاب عنهم؟ ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره. ﴿قُرْباناً﴾ مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، من طاعته. ﴿آلِهَةً﴾ معه وهم الأصنام. ﴿ضَلُّوا﴾ غابوا. ﴿عَنْهُمْ﴾ عند نزول العذاب. ﴿وَذلِكَ﴾ أي الضلال والضياع وعدم نفع آلهتهم سببه: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ أي كذبهم، وقرئ: أفكهم أي صرفهم. ﴿يَفْتَرُونَ﴾ يكذبون.
المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد والنبوة التي أعرض عنها أهل مكة، بسبب استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها، ذكر الله تعالى قصة قوم عاد للعظة والتذكر والعبرة، فقد أهلكهم الله تعالى بسبب شؤم كفرهم، مع أنهم كانوا أكثر أموالا وقوة وجاها من مشركي مكة، ليعتبروا بذلك، ويتركوا الاغترار بالدنيا.
стр. 7615
ويقبلوا على طلب الدين، فإن ضرب الأمثال الواقعية يستدعي عمق التأمل، وتغيير المواقف، وفيه تسلية للنبي ﷺ في تكذيب قومه.
التفسير والبيان:
﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ، وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي واذكر أيها النبي لقومك أخا عاد: وهو هود ﵇ الذي كان أخاهم في النسب، لا في الدين، بعثه الله إلى عاد الأولى الذين كانوا يسكنون الأحقاف في حضر موت، جمع حقف: وهو الهضبة من الرمل العظيم، وهو الأصح، أو واد يدعى برهوت، وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبل هود وبعده أنذروا نحو إنذاره بألا يعبدوا غير الله ولا يشركوا معه إلها آخر، فإني أخشى عليكم عذاب يوم عظيم الأهوال.
ونظير الآية قوله : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ [فصلت ١٣/ ٤١ - ١٤].
فأجابه قومه قائلين:
﴿قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا؟ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي قال قومه له: هل جئتنا لتصرفنا وتصدنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه، فأتنا بما تعدنا من العذاب العظيم إن كنت صادقا في قولك ووعدك لنا به على الشرك.
وهذا دليل واضح على أنهم استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادا منهم وقوعه، وإنكارا لحصوله، كقوله سبحانه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى ١٨/ ٤٢]. وفيه دلالة على أن الوعد قد يستعمل في موضع الوعد.
стр. 7616
فرد عليهم هود ﵇:
﴿قالَ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ، وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ أي قال هود: لا علم لي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، وإنما العلم بوقت مجيئه عند الله تعالى، لا عندي، لأنه هو الذي قدّره، لا أنا، ولم يخبرني متى سيأتي به، وإنما شأني أن أبلغكم ما أرسلت به إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار، والتحذير من العذاب، لا أن آتي به، فليس ذلك في مقدوري، ولكني أراكم قوما لا تعقلون ولا تفهمون حيث بقيتم مصرّين على الكفر، ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل اقترحتم علي ما ليس من شأن الرسل ووظائفهم.
ثم ذكر الله تعالى مقدمات العذاب، فقال:
﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ، قالُوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ أي حينما رأوا العذاب أو السحاب مستقبلهم ومتجها نحو أوديتهم، قالوا: هذا سحاب ممطر، ففرحوا به واستبشروا، وقد حبس عنهم المطر واحتاجوا إليه، فكان مطر عذاب، كما قال تعالى واصفا جواب هود، أو أنه من قول الله لهم:
﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي بل هذا هو العذاب الذي طلبتموه بقولكم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ إنه ريح نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، تحمل بين جوانبها العذاب المهلك المؤلم. قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما، فساق الله إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد يقال له (المعتّب).
وضمير ﴿رَأَوْهُ﴾ عائد إلى غير مذكور، بيّنه قوله ﴿عارِضاً﴾ كما قال تعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥/ ٣٥] ولم يذكر الأرض، لكونها معلومة، فكذا هنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا
стр. 7617
السحاب عارضا، وهذا أولى، أو أن الضمير عائد إلى ما في قوله: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضا.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن عائشة، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته (١)، إنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيما أو ريحا، عرف ذلك في وجهه، قلت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قال: يا عائشة، وما يؤمّنني أن يكون فيه عذاب؟ قد عذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا».
ثم وصف الله تعالى تلك الريح، فقال:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها، فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ، كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي تخرب وتهلك تلك الريح كل شيء مرّت به من نفوس (عاد) وأموالها مما شأنه الخراب، بإذن الله لها في ذلك، كقوله سبحانه:
﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤٢/ ٥١] أي كالشيء البالي. ولهذا ذكر تعالى أنهم قد بادوا كلهم عن آخرهم، ولم تبق لهم باقية، وأصبحوا لا يرى من أموالهم وأنفسهم شيء، لكن ترى آثار مساكنهم.
وهذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا، فكما جازينا عادا بكفرهم بالله بذلك العذاب، نجازي كل مجرم كافر. والمقصود منه تخويف كفار مكة.
أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» قالت:
стр. 7618
وإذا تخيلت السماء تغيّر لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه، فعرفت ذلك عائشة ﵂، فسألته، فقال رسول الله ﷺ :
«لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا:﴾
﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾» والاختيال: أن يخال في السماء المطر.
وأخرج مسلم أيضا عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» والصبا: ريح الشمال، والدبور: ريح الجنوب.
وبعد تخويف كفار مكة وتهديدهم ووعيدهم، وصف الله تعالى قوة عاد قائلا:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً، فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي ولقد مكنا قوم عاد والأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد وقوة الأبدان وطول العمر بمقدار لم نجعل لكم مثله ولا قريبا منه، فقد كانوا أشد منكم قوة يا أهل مكة، وأكثر أموالا وأولادا، وأعز جانبا وأمنع سلطانا وتسلطا، كما قال تعالى: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ، وَأَشَدَّ قُوَّةً، وَآثاراً فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢/ ٤٠].
وإنهم أعرضوا عن قبول الحجة والهداية، بالرغم مما أعطاهم الله من الحواس التي بها تدرك الأدلة، فما نفعهم ما أعطاهم الله من مفاتيح المعرفة والتذكر، ولم يتوصلوا بها إلى التوحيد وصحة الوعد والوعيد، ولم يستعملوا قدرات السمع والبصر والفؤاد في الخير وما خلقت له من شكر المنعم.
ثم ذكر الله تعالى علة عدم انتفاعهم بحواسهم قائلا:
﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، حيث قالوا:
﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾.
стр. 7619
فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا.
ثم أكد تعالى ضرورة العظة بأمثال عاد أيضا من الأمم السالفة المكذبة بالرسل، فقال:
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى، وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي وأهلكنا أيضا يا أهل مكة ما حولكم من البلاد، من القرى المكذبة بالرسل، مثل قرى ثمود وقرى قوم لوط ومدين مما جاور بلاد الحجاز، وأهل سبأ باليمن، وكانت في طريقهم يمرون بها في رحلاتهم صيفا وشتاء، وبينا الآيات وأوضحناها، وأظهرنا الحجج ونوّعناها، لكي يرجعوا عن كفرهم، فلم يرجعوا.
ثم أبان الله تعالى مدى الكرب والشدة بفقد الأعوان والنصراء لدفع عذاب الله، فقال:
﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً، بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ، وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقرّبوا بها إلى الله لتشفع لهم، ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم، بل غابوا وذهبوا عنهم، ولم يحضروا لنصرتهم وعند الحاجة إليهم، وذلك الضلال والضياع سببه اتخاذهم إياها آلهة، وزعمهم الكاذب أنها تقربهم إلى الله، وتشفع، وافتراؤهم وكذبهم بقولهم: إنها آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.
وفي هذا توبيخ لأهل مكة، وتنبيه إلى أن أصنامهم لا تنفعهم شيئا، فلو نفعت لأغنت من كان قبلهم من الأمم الضالة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
стр. 7620
١ - إن قصص القرآن للعبرة والعظة، ومن أكثر القصص تأثيرا قصة قوم عاد بالأحقاف بحضر موت عند اليمن، لذا أمر الله نبيه أن يذكر لمشركي مكة قصة عاد ليعتبروا بها، وليتذكر في نفسه قصة هود ﵇، فيقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له.
٢ - لقد توالت الإنذارات على عاد من نبيهم هود ﵇، ومن الرسل الذين كانوا قبله، وجاؤوا بعده، وتتركز في الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي نبذ الشرك وعبادة الأصنام، فإن الشرك سبب لعذاب عظيم الأهوال.
٣ - قاوم قوم عاد دعوة هود هذه، وقالوا له: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ فأتنا بالعذاب الذي توعدنا به إن كنت صادقا في أنك نبي.
٤ - النبي مجرد مبلّغ رسالة ربه، فلا يعلم الغيب، لذا قال هود لهم: إنما العلم بوقت مجيء العذاب عند الله، لا عندي، وما شأني إلا أن أبلغكم ما أرسلت به عن ربكم إليكم، وأراكم قوما تجهلون في سؤالكم استعجال العذاب.
٥ - فوجئ قوم عاد بأمارات العذاب حينما رأوا سحابا معترضا في السماء والأفق، فظنوا أنه سحاب ممطر إياهم، مغيث لهم، ولكنه كان مشتملا على أداة العذاب، ألا وهي الريح المدمرة، فإن الريح التي عذّبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود ﵇ من ديارهم، فكانت الريح تحمل الفسطاط، فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة، ثم تضرب بها الصخور.
٦ - إن أعاصير الريح بالسرعة الهائلة دمرت كل شيء مرت عليه من رجال (عاد) وأموالها، بإذن ربها، فلم يبق إلا آثار مساكنهم، ومثل هذه العقوبة يعاقب بها المشركون والكفار في كل زمان ومكان. وما أكثر ما يسمى بالحوادث الطبيعية في هذا العصر من البراكين والزلازل والأعاصير المدمرة.
стр. 7621
٧ - إن وسائل التعذيب الربانية يضعف ويصغر أمامها كل الناس سواء أكانوا عتاة طغاة أشداء أم دون ذلك، ولقد أنذر الله بهذا العقاب أهل مكة وخوّفهم، وأبان لهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، وأكثر أموالا وأولادا، وآثارا حضارية وعمرانية في الأرض.
٨ - لم يعذب الله قوما بعذاب الاستئصال إلا بعد أن طغوا وبغوا واستكبروا في الأرض بغير الحق، وعطلوا طاقات المعرفة والهدى، ووسائل التفكير والنظر والتأمل، وإذ عطلوها لم تنفعهم شيئا من عذاب الله، لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله، ويكفرون بها، فأحاط بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب الإلهي الذي أنذروا به.
٩ - ضرب الله مثلين واضحين لكفار مكة في هذه الآيات، المثل الأول- قوم عاد، والمثل الثاني-ما حولهم من أهل القرى، كديار ثمود وقرى لوط وبلاد مدين، مما كان يجاور بلاد الحجاز على طريق الشام، وكانت أخبارهم متواترة معروفة عندهم، وكذا أهل سبأ باليمن، وكانوا يمرون على ديارهم في رحلاتهم بالصيف والشتاء.
١٠ - إن عدل الله مطلق، فإنه تعالى لم يهلك أولئك الأقوام إلا بعد أن أقام لهم الحجج والدلالات، وأنواع البينات والعظات ليرجعوا عن كفرهم، فلم يفعلوا، وأصروا على الكفر والعناد.
١١ - لقد بات مؤكدا لمن كان عنده أدنى نظر وتأمل أن الآلهة المزعومة من الأصنام وغيرها لم تنفع عابديها بمنع العذاب عنهم في الدنيا، فكذلك لن تنفعهم بالشفاعة لهم في الآخرة، حيث قالوا: ﴿هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس ١٨/ ١٠] فإن تلك الآلهة ضلت وغابت عنهم وقت الشدة والمحنة، وهي إفكهم وكذبهم في قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى، وافتراؤهم بأنها آلهة، أو أن
стр. 7622
عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله .
إيمان الجن بالقرآن
﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾
الإعراب:
﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ الجملة حالية.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ﴾ واذكر حين ﴿صَرَفْنا﴾ أملنا ووجهنا نحوك ﴿نَفَراً﴾ جماعة ما دون العشرة، جمع أنفار ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ جن نصيبين أو جن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان ﷺ -فيما رواه الشيخان-ببطن نخلة-على نحو ليلة من مكة عند منصرفه من الطائف-يصلي بأصحابه الفجر ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ ورد الفعل جمعا مراعاة للمعنى ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾ أي القرآن أو الرسول ﴿قالُوا: أَنْصِتُوا﴾ قال بعضهم لبعض: أنصتوا أي اسكتوا واستمعوا بإصغاء ﴿قُضِيَ﴾ فرغ وانتهى من قراءته، وقرئ: ﴿قُضِيَ﴾ بالبناء للمجهول، والضمير للرسول ﷺ أي فرغ من قراءته ﴿وَلَّوْا﴾ رجعوا ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مخوفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا، وكانوا يهودا ثم أسلموا.
﴿سَمِعْنا كِتاباً﴾ هو القرآن ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ قيل: إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا،
стр. 7623
أو ما سمعوا بأمر عيسى ﵇ ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما تقدمه كالتوراة ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ من العقائد وهو الإسلام ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقة سليمة من الشرائع.
﴿أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ وهو محمد ﷺ الذي يدعو إلى الإيمان بالله ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ يغفر بعض ذنوبكم وهو ما يكون خالص حق الله تعالى، فإن حقوق الناس ومظالم العباد لا تغفر بالإيمان، وإنما تسقط برضا أصحابها ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يحمكم من عذاب مؤلم معدّ للكفار. قال البيضاوي: واحتج أبو حنيفة ﵁ باقتصارهم على المغفرة والإجارة على أن لا ثواب لهم، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا يعجز الله بالهرب منه ولا يفوته ﴿وَلَيْسَ لَهُ﴾ لمن لا يجيب ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله ﴿أَوْلِياءُ﴾ أنصار يدفعون عنه العذاب ﴿أُولئِكَ﴾ الذين لم يجيبوا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ خطأ بيّن ظاهر.
سبب نزول الآية (٢٩):
﴿وَإِذْ صَرَفْنا﴾: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الجن هبطوا على النبي ﷺ ، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه، قالوا:
أنصتوا، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا: أَنْصِتُوا﴾ الآية، إلى قوله:
﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر، أردفه هنا ببيان أن الجن أيضا فيهم من آمن وفيهم من كفر، وأن مؤمنهم معرّض للثواب، وكافرهم معرّض للعقاب، وأن الرسول ﷺ مرسل إلى الإنس والجن معا.
والملائكة والجن عالمان غيبيان غير مرئيين، يجب أن يؤمن المسلم بهما، كما يجب أن يؤمن بأن النبي ﷺ تلقى الوحي من طريق الملائكة، وأنه بلّغ رسالته إلى الجن فبشّرهم وأنذرهم، أما كيفية التلقي والتبليغ فغير معروفة لدينا إلا بطريق الأخبار الدينية السمعية النقلية، ولا مجال للعقل في ذلك.
стр. 7624
التفسير والبيان:
﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا:﴾
﴿أَنْصِتُوا، فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي واذكر أيها النبي لقومك حين وجهنا إليك يا محمدا نفرا من الجن، وبعثناهم إليك، لهداية قومهم، فلما حضروا القرآن عند تلاوته، أمروا بعضهم بعضا بالإنصات والإصغاء لكي يسمعوا سماع تدبر وتأمل وإمعان، وكان ذلك ببطن نخلة على بعد ليلة من مكة على طريق الطائف، وكانوا من أشراف جنّ نصيبين أو من نينوى بالموصل، بعد عودة النبي ﷺ من الطائف حينما خرج يدعوهم إلى الإسلام.
فلما فرغ من تلاوة القرآن في صلاة الفجر، رجعوا قاصدين إلى قومهم، مخوفين إياهم من مخالفة القرآن، ومحذرين لهم من عذاب الله.
والآية دالة على أنه ﷺ كان مرسلا إلى الجن والإنس ودلت روايات السنة على أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة في الليلة الأولى، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج.
من تلك الروايات الدالة على أنه ﷺ لم يشعر بحضورهم: ما ذكر سابقا عن ابن مسعود في سبب النزول، ومنها
ما رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوا حقا، وما زادوا باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبثّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض.
стр. 7625
وأما
ما رواه البخاري ومسلم عن مسروق قال: «سألت ابن مسعود، من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم الشجرة» فهو مؤيد لما سبق، فإنه ﷺ لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم.
وهناك روايات كثيرة دالة على لقاء النبي ﷺ بالجن وتبليغهم رسالته وتلاوة القرآن عليهم (١)، منها
ما أخرجه أحمد ومسلم في صحيحة عن علقمة قال:
قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا:
اغتيل؟! استطير؟! ما فعل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح-أو قال: في السحر-إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا:
يا رسول الله، فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال: «إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم، فقرأت عليهم القرآن» فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وفي رواية عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون».
وسورة الجن قاطعة الدلالة على استماع الجن القرآن ومطلعها: ﴿قُلْ:﴾
﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقالُوا: إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنّا بِهِ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ [١ - ٢].
وقال الله تعالى هنا:
﴿قالُوا: يا قَوْمَنا، إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالت الجن: يا قومنا الجن: إنا سمعنا كتابا أنزله الله من بعد توراة موسى، مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة على
стр. 7626
الرسل، يرشد إلى الدين الحق، وإلى طريق الله القويم في العقائد والعبادات والأعمال والأخبار.
ولم يذكروا عيسى ﵇ إما لأنه كما قال عطاء: كانوا يهودا فأسلموا، وإما لأن عيسى أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ ورقائق أدبية إنسانية، وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة في التشريع لليهود والنصارى على السواء هو التوراة، فلهذا قالوا: أنزل من بعد موسى.
وهكذا
قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة بدء نزول الوحي عليه ونزول جبريل ﵇ أول مرة، فقال: «هذا الناموس (١) الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا (٢) إذ يخرجك قومك».
والخلاصة: أنهم خصوا التوراة، لأنها مصدر الشرائع والأحكام في الماضي، ولأنها متفق عليها عند أهل الكتاب.
﴿يا قَوْمَنا، أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يا قومنا الجن، أجيبوا رسول الله خاتم النبيين أو القرآن إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، يغفر لكم بعض ذنوبكم التي هي من حقوق الله، أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بتنازل أصحابها عنها، وكذلك يحميكم ويقيكم وينقذكم من عذاب موجع مؤلم هو عذاب النار، ويدخل المؤمن منكم الجنة، لقوله تعالى:
﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن ٤٦/ ٥٥ - ٤٧].
وفي الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم سورة الرحمن التي فيها خطاب
стр. 7627
الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم.
ولا فرق في الثواب والعقاب والأوامر والنواهي واستحقاق الجنة والنار بين الإنس والجن، لأن التكليف واحد، ولأن عموم آيات خطاب الفريقين يشمل كلا منهما، فلا يصح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما يجأرون فقط من عذاب النار يوم القيامة. ومما يدل على ذلك أيضا عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف ١٠٧/ ١٨].
ثم حذروا قومهم من المخالفة، فقالوا:
﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ومن لا يجب رسول الله ﷺ إلى التوحيد وطاعة الله، فلا يفوت الله ولا يسبقه، ولا يفلت منه، ولا يقدر على الهرب منه، لأنه في أرض الله، وليس له من غير الله أنصار ينصرونه ويمنعونه من عذاب الله، أولئك الذين لا يجيبون داعي الله في خطأ ظاهر واضح.
وهذا تهديد ووعيد، وبذلك جمعوا على وفق نهج القرآن بين الترغيب والترهيب، ولهذا جاؤوا إلى رسول الله ﷺ وفودا وفودا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن المقصود من الآيات توبيخ مشركي قريش على عدم إيمانهم، فإن الجن سمعوا القرآن، فآمنوا به، وعلموا أنه من عند الله، فما بالكم أيها المشركون وأمثالكم تعرضون وتصرون على الكفر؟! ٢ - وهناك قصد آخر وهو تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من صدود قومه عن
стр. 7628
دعوته، حتى إنه ذهب إلى الطائف لدعوة ثقيف وأهلها إلى الإسلام، فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم، فرموه بالحجارة وأدموه، فاتجه داعيا إلى الله في خشوع وتضرع واستنصار قائلا-كما روى محمد بن إسحاق في سيرته-: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، ورب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهّمني (١)، أم إلى صديق قريب ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي.
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
٣ - وفي عودته ﷺ من الطائف حينما كان يصلي الفجر أو قيام الليل في موضع يسمى «نخلة» من ضواحي مكة، جاءه وفد من الجن سبعة أو تسعة من جن نصيبين أو من نينوى بالموصل، فاستمعوا إلى تلاوته القرآن، وهو لا يشعر بهم، فكانت هذه الآيات تطييبا لخاطره، وشد عزيمته وتقوية روحه.
٤ - كان أدب الجن عظيما حين سماعهم القرآن، فينبغي التأسي بهم، فإنهم لما حضروا القرآن واستماعه أو حضروا النبي ﷺ ، قال بعضهم لبعض: اسكتوا لاستماع القرآن، فلما فرغ النبي ﷺ من تلاوة القرآن، انصرفوا قاصدين من وراءهم من قومهم من الجنّ، منذرين لهم مخالفة القرآن، ومحذّرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا.
٥ - دلت هذه القصة على أن النبي ﷺ مرسل مبعوث إلى الإنس والجن معا، وعلى أنهم آمنوا به، وأنه بعد علمه بهم، أرسلهم في الليلة الثانية إلى قومهم،
стр. 7629
بدليل قولهم: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ ولولا ذلك لما أنذروا قومهم، فتكون ليلة الجن ليلتين.
٦ - لقد وصفوا القرآن بوصفين:
الأول-كونه مصدقا لما بين يديه، أي مصدقا لكتب الأنبياء المشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد والأمر بمحاسن الأخلاق.
الثاني-قوله: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى دين الحق، ودين الله القويم.
وهذا يدل على أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الجنّ والإنس، قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ .
ويؤكد عموم دعوته ما
في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة». قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة: «وبعثت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون».
٧ - أمر الجن قومهم بإجابة النبي ﷺ في كل ما أمر به، ومنه الأمر بالإيمان، فإن آمنتم بالداعي، وهو محمد ﷺ يغفر لكم بعض ذنوبكم، وينقذكم من عذاب مؤلم موجع. قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا، فرجعوا إلى النبي ﷺ ، فوافقوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، وأمرهم ونهاهم.
стр. 7630
ويلاحظ أنهم حين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم: ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف. وخصصوا المغفرة ببعض الذنوب، لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم.
٨ - دلت هذه الآي على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقال الحسن البصري: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، وكذا قال أبو حنيفة، ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم:
كونوا ترابا مثل البهائم. وقد أجبت عن هذا في تفسير الآيات، لذا ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك إلى أن الجن كما يعاقبون في الإساءة، يجازون في الإحسان مثل الإنس. قال القشيري: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. وقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢/ ٦] يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة، لأنه قال في أول الآية: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ [الأنعام ١٣٠/ ٦] إلى أن قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ (١). وقال النيسابوري: «والصحيح أنهم في حكم بني آدم، يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون» (٢).
٩ - إن من لا يجيب رسول الله ﷺ ليس بمعجز لله في الأرض فلا يفوته ولا يسبقه ولا يهرب منه، وليس له من دون الله أنصار يمنعونه من عذاب الله، وهو من الضالين المخطئين في ضلال واضح.
стр. 7631
إثبات البعث والأمر بالصبر
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾
الإعراب:
﴿بِقادِرٍ﴾: دخلت الباء لدخول حرف النفي في أول الكلام، فهو في قوة أليس الله بقادر، كما دخلت في قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة ١٠٥/ ٢] وقادر: خبر ﴿أَنَّ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب بتقدير فعل، أي واذكر يوم يعرض.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ﴾ فيه محذوف تقديره:
فإنهم لم يلبثوا يوم يرون ما يوعدون إلا ساعة من نهار، فيوم: منصوب ب ﴿يَلْبَثُوا﴾.
و ﴿بَلاغٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا بلاغ، فحذف المبتدأ للعلم به، ويجوز فيه النصب لوجهين:
أحدهما-على أنه مصدر.
والثاني-على الوصف لساعة.
стр. 7632
المفردات اللغوية:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا، أي يعلم منكرو البعث ﴿يَعْيَ﴾ يعجز عنه ويضعف ﴿بَلى﴾ هو قادر على إحياء الموتى، والفرق بين بلى ونعم أن ﴿بَلى﴾ جواب للنفي بإبطاله وتقرير نقيضه، أي فهي لإثبات النقيض، ونعم لتقرير ما قبلها. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾ بأن يعذبوا في النار ﴿أَلَيْسَ هذا﴾ أي يقال لهم: أليس هذا التعذيب أو العذاب؟.
﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذى قومك ﴿أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أصحاب الثبات والحزم والجد والصبر، فإنك من جملتهم، و ﴿مِنَ﴾ في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ للبيان، فكلهم ذوو عزم، وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، فإنهم أصحاب الشرائع الكبرى الذين اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها، ومعاداة الطاعنين فيها ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ لقومك نزول العذاب بهم، فإنه نازل بهم في وقته لا محالة ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الآخرة، لطوله ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ لم يقيموا في الدنيا في ظنهم إلا مقدار ساعة، لشدة ما يرون من أهوال ﴿بَلاغٌ﴾ أي هذا القرآن أو السورة أو الذي وعظتهم به تبليغ من الله إليكم ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ أي لا يهلك عند رؤية العذاب ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي الكافرون الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة.
المناسبة:
بعد إثبات وجود الإله القادر الحكيم المختار في أول السورة، وإبطال قول عبدة الأصنام، وإثبات النبوة، ومناقشة المشركين في عقائدهم الباطلة ورد شبهاتهم، وتوبيخهم على عدم إيمانهم مع أن الجن آمنوا بالقرآن، بعد هذا أثبت الله تعالى مسألة المعاد، لأن المشركين كانوا ينكرونها، فتكون أغراض السورة المكية قد تحققت، وهي إثبات التوحيد والنبوة والبعث، ثم ذكر بعض أحوال الكفار في الآخرة.
ثم سلّى الله نبيه ﷺ بأمره بالصبر في دعوته، كصبر الأنبياء أولي العزم قبله، لتبليغ ما أمروا بأدائه، وعدم استعجال العذاب لهم، وذلك تعليم لنا ودرس وعظة بليغة.
стр. 7633
التفسير والبيان:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي أو لم يتفكر ويعلم هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة، المستبعدون لإعادة الحياة في الأجسام مرة أخرى، أن الذي خلق الكون من السموات والأرض في ابتداء الأمر، ولم يعجز عن ذلك ولم يضعف عن خلقهن، بل قال لها: كوني فكانت، بقادر على أن يحيي الموتى من قبورهم مرة أخرى، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠].
وبما أن الجواب معروف بداهة، أجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: بلى أي بل هو قادر على ذلك كله، إنه سبحانه قادر على أي شيء أراد خلقه، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وبعد إثبات البعث ذكر تعالى بعض أحوال الكفار يوم القيامة، فقال:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ، أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا: بَلى وَرَبِّنا﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم يعذب الكافرون بالله في النار، ويقال لهم توبيخا وتأنيبا: أليس هذا العذاب الذي تعذبونه حقا وعدلا وواقعا لا شك فيه؟ فيقولون معترفين حيث لا ينفعهم الاعتراف: بلى والله ربنا إنه لحق، أي إنه لا يسعهم إلا الاعتراف.
﴿قالَ: فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي قال الله على سبيل الإهانة والتوبيخ: ذوقوا عذاب النار بسبب كفركم به في الدنيا وإنكاركم له.
وبعد تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجواب عن شبهات المشركين، أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالصبر على تكذيب قومه قائلا:
стр. 7634
﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي فاصبر يا محمد على تكذيب قومك كصبر أولي الثبات والجد والعزيمة من الرسل وأنت من جملتهم، وهم أصحاب الشرائع: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولا تستعجل يا محمد العذاب لهم، أي للكفار، فإنه واقع بهم لا محالة. ومفعول الاستعجال محذوف، وهو العذاب.
روى ابن أبي حاتم والديلمي عن مسروق قال: قالت لي عائشة ﵂: ظل رسول الله ﷺ صائما، ثم طواه-أي ظل في يومه لا يأكل ولا يشرب-ثم ظل صائما ثم طواه، ثم ظل صائما، ثم قال: «يا عائشة، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة، إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا، جهدي، ولا قوة إلا بالله».
ونظير ﴿لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ، وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزمل ١١/ ٧٣] وقوله سبحانه: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦].
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾؟ أي كأن الكافرين حين يشاهدون ما أوعدهم الله به من العذاب، لم يمكثوا في الدنيا إلا قدر ساعة من ساعات الأيام، لما يشاهدونه من الأهوال العظام، كما قال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟ قالُوا:﴾
﴿لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ﴾ [المؤمنون ١١٢/ ٢٣ - ١١٣] وقال :
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩].
وهذا القرآن الذي وعظهم به الله تعالى والنبي: تبليغ كاف يقطع حجة
стр. 7635
الكافرين، كما قال تعالى: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم ٥٢/ ١٤] وقال سبحانه ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٦/ ٢١]. والبلاغ:
بمعنى التبليغ.
ولا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة، والواقعون في معاصي الله، فلا يهلك على الله إلا هالك مشرك، وهذا من عدل الله تعالى ألا يعذب إلا من يستحق العذاب. وهذه الآية أقوى آية في الرجاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - دلت الآية الأولى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ على كونه تعالى قادرا على البعث، لأنه خلق السموات والأرض، ولا شك أن خلقها أعظم من إعادة الشخص حيا بعد أن صار ميتا، والقادر على الأقوى الأكمل، لا بد من أن يكون قادرا على الأقل والأضعف.
ثم إن الله تعالى قادر على كل شيء، وتعلق الروح بالجسد أمر ممكن، إذ لو لم يكن ممكنا لما وقع أولا، والله تعالى قادر على كل الممكنات، فوجب كونه قادرا على تلك الإعادة.
٢ - ذكر الله تعالى الكفار حين تعذيبهم بالنار، حيث يقال لهم توبيخا وتهكما على استهزائهم بوعد الله ووعيده: أليس هذا العذاب حقا؟ فذوقوا العذاب بكفركم.
٣ - أمر الله نبيه والمؤمنين بالصبر في تبليغ الدعوة ومشاق الحياة، كصبر أصحاب الشرائع الكبرى: وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. وسبب هذا الأمر: أن الكفار كانوا يؤذون النبي ﷺ ،