ولا حجة لها، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافة أو بمن فيه كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، وهو الحق الذي دعا الله إليه قبل القتال، فإن أبوا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم، ولا يذفّف (١) على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم (٢) ولا أموالهم. وإذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل وهو وليّه لم يتوارثا، ولا يرث قاتل عمدا على حال. وأما الذين لهم تأويل بلا شوكة فيلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال كقطاع الطرق إذا قاتلوا.
١١ - ما استهلكه البغاة: إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع.
١٢ - أموال البغاة وأسراهم وجرحاهم: اختلف الفقهاء في أموال البغاة التي أخذت منهم أثناء قتالهم، فقال محمد بن الحسن: لا تكون أموالهم غنيمة، وإنما يستعان بسلاحهم وكراعهم (خيولهم) على حربهم، فإذا انتهت الحرب رد المال إليهم.
وروي عن أبي يوسف أن ما وجد في أيدي أهل البغي من كراع وسلاح، فهو فيء يقسم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه.
وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ما استهلكه الخوارج من دم أو مال، ثم تابوا لم يؤخذوا به، وما كان قائما بعينه ردّ إليهم.
وقال أبو حنيفة: يضمنون.
وأما أسراهم وجرحاهم فلا يقتلون.
стр. 7807
والقول الأصح: ما فعله الصحابة في حروبهم، لم يتبعوا مدبرا، ولا ذفّفوا على جريح، ولا قتلوا أسيرا، ولا ضمنوا نفسا ولا مالا، وهم القدوة في ذلك،
قال ابن عمر قال النبي ﷺ : «يا عبد الله أتدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» وأخرج الحاكم مثل ذلك عن ابن مسعود، وروي مثله عن ابن عباس.
أما ما كان قائما رد بعينه.
١٣ - أقضية البغاة وأحكامهم: لو تغلب البغاة على بلد، فأخذوا الصدقات، وأقاموا الحدود، وحكموا فيهم بالأحكام، لم تثنّ عليهم الصدقات ولا الحدود، ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان خلافا للكتاب أو السنة أو الإجماع، كما تنقض أحكام أهل العدل والسنة.
وأما أقضيتهم في الخصومات، فقال أبو يوسف ومحمد: لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل البغي ولا شهادته ولا حكمه، إلا أن يوافق رأيه، فيستأنف القضاء فيه (١).
١٤ - لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذا كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوا وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد أمرنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بخير، لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٣٤/ ٢]. وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: «تلك دماء قد طهّر الله منها يدي، فلا أخضّب بها لساني» أي
стр. 7808
تحرزا من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه. وقال ابن فورك: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات، كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف.
١٥ - إنما المؤمنون إخوة في الدين والحرمة، لا في النسب، ذكر القرطبي:
أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوّة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب (١).
جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تناجشوا (٢)، وكونوا عباد الله إخوانا».
وقد سبق إيراد أحاديث كثيرة في تآخي المسلمين، فالمسلمون إخوة، وكأن الإسلام أب لهم، ينتمون إليه كما ينتمي الإخوة إلى أبيهم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه... إذا افتخروا بقيس أو تميم
١٦ - في آية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ والتي قبلها دليل كما تقدم على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين، مع كونهم باغين، قال الحارث الأعور: سئل علي بن أبي طالب ﵁ -وهو القدوة-عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفّين: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فرّوا، فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.
وفي هذه الآية دليل على جواز إطلاق لفظ الإخوة بين المؤمنين من جهة
стр. 7809
الدين. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ دليل على أن من رجا صلاح ما بين متعاديين من المؤمنين أن عليه الإصلاح بينهما (١).
- ٣ -
آداب المؤمن مع المؤمن ومع الناس كافة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾
الإعراب:
﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ ﴿الْفُسُوقُ﴾: بدل من ﴿الاِسْمُ﴾، لإفادته أنه فسق.
﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أصله: تتجسسوا، فحذف منه إحدى التاءين.
﴿لِتَعارَفُوا﴾ أصله لتتعارفوا، حذف منه إحدى التاءين.
البلاغة:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟﴾ تشبيه تمثيلي، مثّل المغتاب بمن يأكل لحم الإنسان الميت، وفيه تقبيح التشبيه بأقبح الصور.
стр. 7810
المفردات اللغوية:
﴿لا يَسْخَرْ﴾ لا يهزأ ولا يحتقر ولا يعيب، والسّخرية والسخرى: الازدراء والاحتقار، ويقال: سخر به وسخر منه. وقد تكون السخرية: بمحاكاة القول أو الفعل أو الإشارة. ﴿قَوْمٌ﴾ هم الرجال دون النساء، فالقوم مختص بالرجال، لأنهم قوّامون على النساء. ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يعب بعضكم بعضا، ولا تعيبوا، فتعابوا، واللمز: الطعن والتنبيه إلى المعايب بقول أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما.
﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ أي لا تتداعوا بالمكروه من الألقاب، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفا، ومنه: يا فاسق، ويا كافر. ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ أي ساء الاسم والصيت، وهو المذكور من السخرية واللمز والتنابز، بأن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به، والمراد تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين، مأخوذ من قولهم: طار اسمه في الآفاق أي ذكره وشهرته. ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ من ذلك المنهي عنه. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فهم لا غيرهم ظلمة، بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب.
﴿اِجْتَنِبُوا﴾ تباعدوا وكونوا بمنأى عنه أو على جانب منه. ﴿كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ ﴿الظَّنِّ﴾ حد وسط بين العلم (اليقين) والشك أو الوهم، وهو ما يطرأ للنفس بسبب شبهة أو أمارة قوية أو ضعيفة. وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل من أي نوع، فبعض الظن واجب الاتباع كالاجتهاد في الأحكام العملية وحسن الظن بالله، وبعضه حرام كالظن في الإلهيات والنبوات، أو عند مصادمة الدليل القاطع، وظن السوء بالمؤمنين، وبعضه مباح كالظن في الأمور المعاشية.
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ أي ذنب مؤثم موجب العقوبة عليه، وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهو تعليل مستأنف للأمر بالاجتناب. ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ التجسس: البحث عن العورات والمعايب وكشف ما ستره الناس. ﴿وَلا يَغْتَبْ﴾ الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، وإن كان العيب فيه. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟﴾ أي لا يحسن به، وهو تمثيل لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفحش وجه، مع مبالغات الاستفهام المقرّر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم، وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخا وميتا، وتعقيب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي تقريرا وتحقيقا لذلك، أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم أكل لحوم البشر فكرهتموه، فاكرهوا الغيبة التي هي مثل الأكل المذكور. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ عقاب الله في الاغتياب، بأن تتوبوا منه. ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ قابل توبة التائبين بكثرة، رحيم بهم، فيجعل صاحب التوبة كمن لم يذنب.
стр. 7811
﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ من آدم وحواء ﵉، أو من أب وأم، فالكل سواء في ذلك، فلا وجه للتفاخر بالنسب ما دام أصلهم واحدا ﴿شُعُوباً﴾ جمع شعب: وهم الجماعة من الناس التي لها وطن خاص، أو من أصل واحد كربيعة ومضر، وهو يجمع القبائل وأعم منها. ﴿وَقَبائِلَ﴾ جمع قبيلة: وهي ما دون الشعب. وطبقات النسل عند العرب سبع: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، مثاله: خزيمة: شعب، وكنانة: قبيلة، وقريش:
عمارة، وقصي: بطن، وعبد مناف: فخذ، وهاشم: فصيلة، والعباس: عشيرة.
﴿لِتَعارَفُوا﴾ ليعرف بعضكم بعضا، لا للتفاخر بالآباء والقبائل، فلا تتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ بالتقوى تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص، والتقوى: التزام المأمورات واجتناب المنهيات ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بكم وبكل شيء، خبير ببواطنكم وأسراركم كجهركم.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: قال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين تقدم ذكرهم في بيان سبب نزول الآية الأولى من هذه السورة، استهزءوا بفقراء الصحابة، مثل عمّار وخبّاب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم.
وقال مجاهد: هو سخرية الغني من الفقير. وقال ابن زيد: لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة.
وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس عيّره رجل بأم كانت له في الجاهلية، فنكس الرجل استحياء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا: ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت.
стр. 7812
والخلاصة: لا مانع من تعدد وقائع النزول، فقد يكون كل ما ذكر سببا لنزول الآية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
نزول الآية (١١) أيضا:
﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾:
قال ابن عباس: إن صفيّة بنت حييّ بن أخطب أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن النساء يعيّرنني، ويقلن لي:
يا يهودية بنت يهوديّين! فقال رسول الله ﷺ : «هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» فأنزل الله هذه الآية.
وقيل: نزلت في نساء النبي ﷺ عيّرن أم سلمة بالقصر.
نزول الآية (١١) كذلك:
﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾: أخرج أصحاب السنن الأربعة عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيدعى ببعضها، فعسى أن يكرهه، فنزلت: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ قال الترمذي: حسن.
وأخرج الحاكم وغيره من حديث أبي جبيرة أيضا قال: كانت الألقاب في الجاهلية، فدعا النبي ﷺ رجلا منهم بلقبه، فقيل له: يا رسول الله، إنه يكرهه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾. ولفظ أحمد عنه قال: فينا نزلت في بني سلمة: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ قدم النبي ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا، فنزلت (١).
نزول الآية (١٢):
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا
стр. 7813
أنها نزلت في سلمان الفارسي أكل ثم رقد، فذكر رجل أكله ورقاده، فنزلت.
نزول الآية (١٣):
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: لما كان يوم الفتح، رقي بلال على ظهر الكعبة، فأذّن، فقال بعض الناس: أهذا العبد الأسود يؤذّن على ظهر الكعبة؟ فقال بعضهم: إن يسخط الله هذا يغيّره أو إن يرد الله شيئا يغيره، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ الآية، فدعاهم النبي ﷺ وزجرهم على التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
وقال ابن عساكر في مبهماته: وجدت بخط ابن بشكوال أن أبا بكر بن أبي داود أخرج في تفسير له أنها نزلت في أبي هند، أمر رسول الله ﷺ بني بياضة أن يزوجوه امرأة منهم، فقالوا: يا رسول الله: نزوج بناتنا موالينا؟ فنزلت الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى وأرشد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى، ومع النبي ﷺ ، ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بيّن ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن ومع الناس كافة، من الامتناع عن السخرية، والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، وإساءة الظن وتتبع عورات الناس ومعايبهم، والغيبة والنميمة، ووجوب المساواة بين الناس، واعتقاد أن معيار التفاضل والتمييز هو التقوى والصلاح وكمال الأخلاق.
ويلاحظ سمو الترتيب الإلهي في سرد الآداب العامة في الموضوعات المذكورة، حيث رتّب الله تعالى وقوع النزاع والاقتتال بين الطوائف والأفراد
стр. 7814
على أنباء الفاسقين، ثم نهى عن الأخلاق المرذولة التي ينشأ عنها النزاع، ثم أعلن وحدة الإنسانية في الأصل والمنشأ، كل ذلك من أجل الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، وجعلها مثالا يحتذي في التعامل مع الأمم والشعوب الأخرى، لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله في كل مكان.
التفسير والبيان:
هذه أخلاق الإسلام وآدابه العالية أدّب الله تعالى بها عباده المؤمنين وهي:
١ - النهي عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم وازدراؤهم والاستهزاء بهم:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ، عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله لا يهزأ رجال من آخرين، فربما كان المسخور بهم عند الله خيرا من الساخرين بهم، أو قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله تعالى وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، فهذا حرام قطعا، ذكر فيه علة التحريم أو النهي، كما قال بعضهم:
لا تهين الفقير علّك أن... تركع يوما، والدهر قد رفعه
فقوله: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ تعليل للنهي.
وقال ﷺ -فيما رواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة- «ربّ أشعث أغبر ذي طمرين (١) تنبو عنه أعين الناس، لو أقسم على الله لأبرّه»
ورواه أحمد ومسلم بلفظ: «رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه».
وبالرغم من أن النساء يدخلن عادة في الخطاب التشريعي مع الرجال، فقد أفردهن بالنهي هنا دفعا لتوهم عدم شمول النهي لهن، وأكد معنى النهي للنساء أيضا، وذلك بالأسلوب نفسه، فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء،
стр. 7815
بصيغة الجمع، لأن أغلب السخرية تكون في مجامع الناس، فقال: ولا يسخر نساء من نساء، فلعل المسخور منهن يكنّ خيرا من الساخرات.
ولا يقتصر النهي على جماعة الرجال والنساء، وإنما يشمل الأفراد، لأن علة النهي عامة، فتفيد عموم الحكم لعموم العلة.
أخرج مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» فالتميز إنما يكون بإخلاص الضمير، ونقاء القلب، وإخلاص الأعمال لله ، لا بالمظاهر والثروات، ولا بالألوان والصور، ولا بالأعراق والأجناس.
٢ - النهي عن الهمز واللمز، أي التعييب بقول أو إشارة خفية:
﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تلمزوا الناس، ولا يطعن بعضكم على بعض، ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو فعل أو إشارة. وقد جعل الله لمز بعض المؤمنين لمزا للنفس، لأنهم كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن أخاه، فكأنما عاب نفسه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩/ ٤] أي لا يقتل بعضكم بعضا.
أخرج أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: «المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله».
والهماز اللماز مذموم ملعون، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة ١/ ١٠٤]. والهمز يكون بالفعل، واللمز يكون بالقول، وقد عاب الله من اتصف بذلك في قوله: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم ١١/ ٦٨] أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنا بهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي اللمز بالمقال (١).
стр. 7816
والفرق بين السخرية واللمز: أن السخرية احتقار الشخص مطلقا، على وجه مضحك بحضرته، واللمز: التنبيه على معايبه، سواء أكان على شيء مضحك أم غيره، وسواء أكان بحضرته أم لا، وعلى هذا يكون اللمز أعم من السخرية، ويكون من عطف العام على الخاص، لإفادة الشمول.
٣ - التنابز بالألقاب أي التداعي بالألقاب التي يسوء الشخص سماعها:
﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ أي لا يلقّب بعضكم بعضا لقب سوء يغيظه، كأن يقول المسلم لأخيه المسلم: يا فاسق، يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي أو يا نصراني، أو يقول لأي إنسان: يا كلب، يا حمار، يا خنزير، ويعزر المرء القائل ذلك بعقوبة تعزيرية. وقد نص العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره، سواء أكان صفة له أم لأبيه أم لأمه، أم لكل من ينتسب إليه. والتنابز يقتضي المشاركة بين الاثنين، وعبر بذلك لأن كل واحد سرعان ما يقابل الآخر بلقب ما، فالنبز يفضي في الحال إلى التنابز، بعكس اللمز يكون غالبا من جانب، ويحتاج للبحث عن عيب ما يرد به.
ويستثني من ذلك: أن يشتهر بلقب لا يسوؤه، فيجوز إطلاقه عليه، كالأعمش والأعرج من رواة الحديث. أما الألقاب المحمودة فلا تحرم ولا تكره كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلي:
أبو تراب (١)، ولخالد: سيف الله، ولعمرو بن العاص: داهية الإسلام.
﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ أي ساء الوصف أن يسمى الرجل فاسقا أو كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته، أو أن يذكر بالفسوق بعد الدخول في الإيمان. والفسوق: هو التنابز بالألقاب كما كان أهل الجاهلية يفعلون بعد ما دخلوا في الإسلام وعقلوه. والمراد: ذم اجتماع صفة الفسوق بسبب التنابز
стр. 7817
بالألقاب مع الإيمان، وذلك تغليظ وتنفير شديد، حيث جعل التنابز فسقا، وهو تعليل للنهي السابق.
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي ومن لم يتب عما نهى الله عنه من الأمور الثلاثة (السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب) فهو من الظالمين، بل هم لا غيرهم الظالمون أنفسهم، بسبب العصيان بعد الطاعة، وتعريض النفس للعذاب.
وسبب وصف العصاة بالظلم: أن الإصرار على المنهي كفر، إذ جعل المنهي كالمأمور، فوضع الشيء في غير موضعه.
٤ - النهي عن سوء الظن وتحريمه:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ أي يا أيها المصدقون بالله ورسوله، ابتعدوا عن كثير من الظن، فيشمل بعض الظن، وهو أن يظن بأهل الخير سوءا، وهذا هو الظن القبيح، وهو متعلق بمن ظاهره الصلاح والخير والأمانة.
أما أهل السوء والفسوق المجاهرون بالفجور، كمن يسكر علانية أو يصاحب الفاجرات، فيجوز ظن السوء به لتجنبه والتحذير من سلوكه، دون تكلم عليه، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم.
ثم علل الله تعالى النهي بأن بعض الظن وهو ظن السوء بأهل الخير، أو ظن الشر بالمؤمن ذنب مؤثم أي موقع في الإثم، لنهي الله عنه، كما قال تعالى:
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ، وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ [الفتح ١٢/ ٤٨] أي هلكى.
وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم سوء الظن بالمؤمن، منها
ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة
стр. 7818
ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيرا». قال ابن عباس في الآية: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن إلا خيرا.
ومنها
ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا».
وفي رواية أخرى لمسلم والترمذي: «لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» والتدابر: الهجر والقطيعة.
٥ - تحريم التجسس:
﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، وتستكشفوا ما ستروه، وتستطلعوا أسرارهم، فالتجسس: البحث عما هو مكتوم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم. أما التجسس: فهو البحث عن الأخبار، والاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم.
أخرج أبو داود وغيره عن أبي برزة الأسلمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تتّبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين، فضحه الله في قعر بيته».
وأخرج الطبراني عن حارثة بن النعمان ﵁ قال: قال
стр. 7819
رسول الله ﷺ : «ثلاث لازمات لأمتي: الطّيرة (١) والحسد وسوء الظن، فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال ﷺ : إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيّرت فامض».
وأخرج أبو داود أيضا عن أبي أمامة وآخرين من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة من الناس أفسدهم».
قال أبو قلابة: حدّث عمر بن الخطاب أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس، فخرج عمر وتركه.
٦ - تحريم الغيبة، وهي ذكرك أخاك بما يكره:
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ؟﴾ أي لا يذكر بعضكم بعضا في غيبته بما يكره، سواء أكان الذكر
стр. 7820
صراحة أم إشارة أم نحو ذلك، لما فيه من الأذى بالمغتاب. وهو يتناول كل ما يكره، سواء في دينه أو دنياه، في خلقه أو خلقه، في ماله أو ولده أو زوجته أو خادمه أو لباسه ونحو ذلك.
وقد فسر النبي ﷺ الغيبة فيما رواه أبو داود والترمذي وابن جرير عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال ﷺ : «ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه» أي فإن كان الوصف موجودا فيه فهو الغيبة، وإن كان مفترى والمغتاب خال من ذلك، فذلك هو البهتان.
وروى أبو داود أيضا عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ :
حسبك من صفية كذا وكذا-أي قصيرة-فقال ﷺ : «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» قال معاوية بن قرّة: لو مرّ بك رجل أقطع (مقطوع اليد) فقلت: هذا أقطع كان غيبة.
ثم شبّه الله تعالى الغيبة بأكل لحم الإنسان الميت للتنفير، وهو أيحب أحدكم أن يتناول لحم أخيه بعد موته؟ فكما كرهتم هذا، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا، فإنه تعالى مثّل الغيبة بأكل جثة الإنسان الميت، وهذا من التنفير، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، فضلا عن كونه محرّما شرعا، وفي الآية أنواع من المبالغات: منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، وإسناد الفعل إلى ﴿أَحَدُكُمْ﴾ للإشعار بأن لا أحد يحب ذلك، وتقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، وتقييد الإنسان بالأخ، وجعل الأخ أو اللحم ميتا، فيه مزيد تنفير للطبع.
وهذا دليل على تحريم الغيبة وعلى قبحها شرعا، لذا كانت الغيبة محرّمة بالإجماع وعلى المغتاب التوبة إلى الله والاستحلال ممن اغتابه، ولا يستثني من
стр. 7821
ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة،
كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر فيما رواه البخاري عن عائشة: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة».
وكقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂، وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له» (١).
وتحريم الغيبة مرتبط بحماية الكرامة الإنسانية، ثبت في الأحاديث الصحيحة من غير وجه
أنه ﷺ قال في خطبة حجة الوداع فيما رواه الشيخان عن أبي بكرة: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا».
وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
وروى أبو داود أيضا عن أبي بردة البلوي قال: قال رسول الله ﷺ :
«يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه في بيته».
﴿وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ أي واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فراقبوه في ذلك واخشوا منه، وأكرهوا الغيبة وتباعدوا عنها، إن الله تواب على من تاب إليه، رحيم بمن رجع إليه واعتمد عليه.
قال جمهور العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك، وأن يعزم على ألا يعود، ويندم على ما فعل، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله، فإنه إذا أعلمه بذلك، ربما تأذى أشد مما إذا لم
стр. 7822
يعلم بما كان منه، فطريقه إذن أن يثني عليه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، لتكون تلك بتلك، كما
روى الإمام أحمد وأبو داود عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه، حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال».
٧ - المساواة بين الناس في الأصل والمنشأ، والتفاضل بالتقوى:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ، إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ كان النداء السابق لأهل الإيمان لتأديبهم بالأخلاق الفاضلة، ونادى هنا بصفة الناس الذي هو اسم الجنس الإنساني، ليناسب بيان المطلوب، ويؤكد ما نهى عنه سابقا، وليعمم الخطاب للناس جميعا منعا من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق، فقال:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ الآية.
والمعنى: أيها البشر، إنا خلقناكم جميعا من أصل واحد، من نفس واحدة، من آدم وحواء، فأنتم متساوون، لأن نسبكم واحد، ويجمعكم أب واحد وأم واحدة، فلا موضع للتفاخر بالأنساب، فالكل سواء، ولا يصح أن يسخر بعضكم من بعض، ويلمز بعضكم بعضا، وأنتم إخوة في النسب.
وقد جعلناكم شعوبا (أمة كبيرة تجمع قبائل) وقبائل دونها لتتعارفوا لا لتتناكروا وتتحالفوا، والمقصود أن الله سبحانه خلقكم لأجل التعارف، لا للتفاخر بالأنساب.
وإن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى، فمن اتصف بها كان هو الأكرم والأشرف والأفضل، فدعوا التفاخر، إن الله عليم بكم وبأعمالكم، خبير ببواطنكم وأحوالكم وأموركم.
стр. 7823
والآية دليل للمالكية الذين لم يشترطوا الكفاءة في الزواج، سوى الدين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾.
وقد وردت أحاديث صحاح كثيرة، منها ما رواه أبو بكر البزار في مسنده عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان».
وروى ابن أبي حاتم والترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده، فما وجد لها مناخا في المسجد، حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل، فأنيخت، ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
«يا أيها الناس، إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل برّ تقي كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقي هيّن على الله تعالى، إن الله يقول: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ثم قال ﷺ : أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم» (١).
وروى الطبري في آداب النفوس قال: «خطب رسول الله ﷺ بمنى في وسط أيام التشريق، وهو على بعير، فقال:
يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم، قال: فليبلّغ الشاهد الغائب».
стр. 7824
وقد تقدم ذكر حديث مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
وعند الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فمن كان له قلب صالح تحنّن الله عليه، وإنما أنتم بنو آدم، وأحبكم إليه أتقاكم».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١ - حرّم الله تعالى بدلالة النهي في الآية الأولى ثلاثة أشياء: هي السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، ومن فعل ما نهى الله عنه منها فذلك فسوق، وهو لا يجوز، وهو من الظالمين أنفسهم بتعريضها بسبب ظلمه غيره إلى العذاب والعقاب إن لم يتب. والعلة واضحة وهي احتمال أن يكون المسخور منه والملموز والملقّب خيرا ممن عابه.
واستثني من التنابز بالألقاب المكروهة من غلب عليه اللقب في الاستعمال والشهرة، فلم يعد يعرف إلا بها، كالأعرج والأحدب والأعمش.
أما الألقاب الحسنة كالصدّيق لأبي بكر، والفاروق لعمر، وذي النورين لعثمان، وتلقيب خزيمة بذي الشهادتين، وأبي هريرة بذي الشمالين، والخرباق بن عمرو بذي اليدين، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، فذلك جائز مقبول مألوف بين العرب والعجم. لهذا كانت التسمية بالأسماء الحسنة مطلوبة.
ذكر الزمخشري: روي عن النبي ﷺ : «من حق المؤمن على المؤمن أن يسمّيه بأحب أسمائه إليه. وكانت التكنية من السنة والأدب الحسن» قال عمر ﵁: «أشيعوا الكنى فإنها منبّهة، وقد لقّب أبو بكر بالعتيق
стр. 7825
والصديق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها-من العرب والعجم-تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير».
٢ - كذلك حرّم الله سبحانه بدلالة النهي أيضا في الآية الثانية ثلاثة أشياء:
هي سوء الظن بأهل الخير والصلاح والإيمان، والتجسس، والغيبة.
والظن أنواع (١):
الأول-ظن واجب أو مأمور به: كحسن الظن بالله تعالى وبالمؤمنين، كما
جاء في الحديث القدسي فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: «أنا عند ظن عبدي بي»
وقال النبي ﷺ فيما رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن جابر: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»
وقال أيضا فيما رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة: «حسن الظن من حسن العبادة» ومثل قبول شهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات غير المقدرة شرعا.
الثاني-ظن محظور أو حرام: كسوء الظن بالله، وبأهل الصلاح، وبالمسلمين مستوري الحال، ظاهري العدالة،
قال النبي ﷺ : «إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه، وأن يظنّ به ظنّ السوء» ذكره القرطبي والألوسي،
وقال أيضا عن عائشة مرفوعا: «من أساء بأخيه الظن فقد أساء الظن بربه، إن الله تعالى يقول: اجتنبوا كثيرا من الظن».
روى أبو داود عن صفية قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفا. فأتيته أزوره ليلا، فحدثته وقمت، فانقلبت فقام معي ليقلبني (٢)، وكان مسكنها في دار
стр. 7826
أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسلكما، إنها صفية بنت حييّ، قالا: سبحان الله، يا رسول الله! قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو سوءا» (١).
أما من يجاهر بالخبائث أو يتعاطى الريب، فلا يحرم إساءة الظن به، فليس الناس أحرص منه على نفسه، وقد أمر الله أن يتجنب الإنسان مواضع الريبة ومواقف التهم.
الثالث-ظن مندوب إليه: كإحسان الظن بالأخ المسلم، وإساءة الظن إذا كان المظنون به ظاهر الفسق،
قال ﷺ : «من الحزم سوء الظن»
وقال أيضا فيما رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أنس، وهو ضعيف: «احترسوا من الناس بسوء الظن». فإذا كان الظن لاتقاء الشر ولا يتعدى إلى الغير، فهو من هذا النوع، محمود غير مذموم، وعليه يحمل هذان الحديثان، وما جاء في الحكم:
«حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة».
وحرمة سوء الظن بالناس: إنما تكون إذا كان لسوء الظن أثر يتعدى إلى الغير.
الرابع-ظن مباح: كالظن في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية العملية بالاجتهاد، والعمل بغالب الظن في الشك في الصلاة، كم صلّى ثلاثا أو أربعا.
وأما التجسس فهو من الكبائر وهو البحث عن الأمور المكتومة أو السرية، ومنه الجاسوس، وكذلك التحسس وهو الاستماع لحديث القوم وهم له كارهون حرام أيضا، لكنه قد يستعمل في البحث عن الخير، كما قال تعالى: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف ٨٧/ ١٢].
والغيبة أيضا حرام، وهي من الكبائر بالإجماع كما ذكر القرطبي، وأن من
стр. 7827
اغتاب أحدا عليه أن يتوب إلى الله ، مع استحلال المغتاب في رأي جماعة، ودون استحلاله في رأي آخرين كما تقدم.
والفرق بين الغيبة والإفك والبهتان: أن الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه، والإفك: أن تقول فيه ما بلغك عنه، والبهتان: أن تقول فيه ما ليس فيه. والله تعالى نفرّ من الغيبة أشد تنفير، مشبها الاغتياب بأكل لحم الإنسان ميتا.
وقد ذكر العلماء أشياء ليس لها حكم الغيبة، فالغيبة لا تحرم إذا كانت لغرض صحيح شرعا لا يتوصل إليه إلا به وهي ستة أمور (١):
الأول-التظلم: فلمن ظلم تقديم شكوى للحاكم لإزالة ظلمه،
لحديث أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا»
وحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: «مطل الغني ظلم» أو «ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الشريد.
الثاني-الاستعانة على تغيير المنكر: بأن يذكره لمن يظن قدرته على تغييره، لقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨/ ٤].
الثالث-الاستفتاء: كأن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا، فما طريق الوصول إلى حقي؟
لقول هند للنبي ﷺ في الحديث المتفق عليه عن عائشة:
«إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي، فآخذ من غير علمه؟ فقال النبي ﷺ : نعم فخذي».
الرابع-التحذير من الفسّاق: فلا غيبة لفاسق فاجر كمدمن خمر وارتياد أماكن الفجور،
للحديث الذي رواه الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عدي عن بهز بن حكيم: «اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس»
وفي رواية للبيهقي
стр. 7828
عن أنس، وهو ضعيف: «من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له، واتقوا الله فيما نهاكم، وتوبوا فيما وجد منكم» (١).
الخامس-التحذير من سر عام: كجرح الشهود والرواة والمصنفين والمفتين مع عدم الأهلية، ونصح الخاطب والشريك ونحو ذلك.
السادس-التعريف بلقب مشهور إذا لم تمكن المعرفة بغيره، كالأعور والأعمش والأعرج. وصنف القرافي ما استثناه العلماء من الغيبة المحرمة وهي ست صور كما يلي: النصيحة، والتجريح والتعديل في الشهود، والمعلن بالفسوق، وأرباب البدع والتصانيف المضلة، ينبغي أن يشهر الناس فسادها وعيبها، والعلم السابق بالمغتاب به بين المغتاب والمغتاب عنده، والدعوى عند ولاة الأمور (٢).
٣ - ذكرت الآية الثالثة ثلاثة أشياء: المساواة، وتعارف المجتمع الإنساني، وحصر التفاضل بالتقوى والعمل الصالح.
أما المساواة: فالناس سواسية كأسنان المشط في الأصل والمنشأ الإنساني، فهم من أب وأم واحدة، وفي الحقوق والواجبات التشريعية، وهذه أصول الديمقراطية الحقة.
وقد أبان الله أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، ولو شاء لخلقه من غيرهما كخلقه لآدم، أو دون ذكر كخلقه لعيسى ﵇، أو دون أنثى كخلقه حواء، أو دون أب كخلقه عيسى ﵇.
وأما التعارف: فإن الله خلق الخلق أنسابا وأصهارا، وقبائل وشعوبا من أجل التعارف والتواصل والتعاون، لا للتناكر والتقاطع، والمعاداة واللمز والسخرية والغيبة المؤدية إلى التنازع والعداوة، ولا للتفاخر بالأنساب والأعراق
стр. 7829
والأصول، فكل ذلك اعتبارات وهمية مصطنعة تتعارض مع وحدة الأصل والمنشأ الإنساني.
وأما التقوى: فهي ميزان التفاضل بين الناس، فالأكرم عند الله، الأرفع منزلة لديه تعالى في الدنيا والآخرة هو الأتقى الأصلح لنفسه وللجماعة، فإن حدث تفاخر فليكن بالتقوى التي هي التزام المأمورات واجتناب المنهيات.
أخرج الترمذي عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «الحسب المال، والكرم التقوى»
وفي حديث آخر: «من أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله».
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، وأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع وأنسابكم، أين المتقون، أين المتقون؟!».
وروى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أوليائي المتقون يوم القيامة، وإن كان نسب أقرب من نسب، يأتي الناس بالأعمال، وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد، فأقول: هكذا وهكذا» وأعرض في كل عطفيه.
٤ - احتج مالك بآية ﴿إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ على عدم اشتراط النسب في الكفاءة في الزواج إلا الدين، فيجوز زواج الموالي بالعربية، وقد تزوج سالم مولى امرأة من الأنصار هندا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف، وتزوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش، فالكفاءة إنما تراعى في الدّين فقط.
قال ﷺ في الحديث الذي رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة): «تنكح المرأة لما لها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدّين، تربت يداك».
وقال الجمهور: يراعى الحسب والمال، عملا بالأعراف، ومراعاة لواقع الحياة المعيشية، وتحقيقا لهدف الزواج وهو الدوام والاستقرار.
المفردات اللغوية:
﴿الْأَعْرابُ﴾ سكان البادية. ﴿آمَنّا﴾ صدّقنا بما جئت به من الشرائع، وامتثلنا الأوامر، والإيمان: التصديق بالقلب مع الثقة والطمأنينة. ﴿أَسْلَمْنا﴾ انقدنا ظاهرا، والإسلام: الاستسلام والانقياد الظاهري وإظهار الشهادتين وترك المحاربة. ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ﴾ لم يدخل الإيمان في قلوبكم إلى الآن، لكنه يتوقع منكم. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالإخلاص وترك النفاق.
﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم. ﴿مِنْ أَعْمالِكُمْ﴾ من ثواب أعمالكم. ﴿وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لما فرط من المؤمنين. ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتفضل عليهم.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الصادقو الإيمان، بدليل ما بعده. ﴿لَمْ يَرْتابُوا﴾ لم يشكّوا في شيء من الإيمان. ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في طاعة الله ورضوانه. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ هم الذين صدقوا في إيمانهم، لا من قالوا: آمنا ولم تؤمن قلوبهم، ولم يوجد منهم غير الإسلام الظاهري.
﴿أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ؟﴾ أتخبرونه بقولكم: آمنا؟. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ.﴾.
لا يخفى عليه خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ. ﴿يَمُنُّونَ﴾ يمتنون ويعدون إسلامهم عليك منّة ونعمة مسداة لك. ﴿لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ أي لا تمتنوا علي بإسلامكم. ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ أي بحسب زعمكم، علما بأن الهداية لا تستلزم الاهتداء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ادعاء الإيمان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فلله المنة والفضل عليكم.
﴿غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما غاب فيهما. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ في سركم وعلانيتكم، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم؟.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤):
﴿قالَتِ الْأَعْرابُ﴾: نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وكانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (١).
стр. 7832
وقال السّدّي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح: أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار والدّيل وأشجع، قالوا: آمنّا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى المدينة تخلّفوا (١).
المناسبة:
بعد أن حث الله تعالى على التقوى، قالت الأعراب: لنا النسب الشريف، فلنا الشرف، فذمّهم الله تعالى، وأبان ضعف إيمانهم، وحدد أصول الإيمان الصحيح: وهي التصديق بالله ورسوله، والإخلاص في القلب، والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله وطاعته وإعلاء دينه، وأخبر بأن الله يعلم ما في السرائر والعلانية، فيعلم ما هم عليه من ضعف الإيمان وقوته، وأفاد بأنه لا ينبغي لمؤمن أن يمتن على الرسول ﷺ بإيمانه، بل الله يمن عليه بتوفيقه للهداية على يد رسوله ﷺ .
التفسير والبيان:
﴿قالَتِ الْأَعْرابُ: آمَنّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي قالت جماعة من سكان البادية وهم بنو أسد أول ما دخلوا الإسلام مدعين لأنفسهم مقام الإيمان: صدقنا بالله ورسوله وتمكن الإيمان في قلوبنا، فرد الله تعالى عليهم مبينا لهم أنهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل، ولم يصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب وخلوص نية وطمأنينة وثقة تامة بالله ، وأمرهم بأن يقولوا: انقدنا لك يا رسول الله واستسلمنا، وسالمناك فلا نحاربك. وأعلمهم بأنه لن يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد، بل كان مجرد قول باللسان، دون اعتقاد صحيح ولا نية خالصة، لذا جاء النفي ب ﴿لَمّا﴾ حرف الجزم الدال على انتفاء الشيء إلى زمان الإخبار. وقوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ لا يراد به انتفاء الإيمان في الزمن الماضي، بل متصلا بزمان الإخبار أيضا.
стр. 7833
وقد دلت الآية الكريمة على أن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵇ حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب، فهو تصديق القلب مع الطمأنينة والثقة بالله، والإسلام أعم، فهو مجرد نطق باللسان بالشهادتين وإظهار الانقياد والخضوع لما جاء به النبي ﷺ .
وهذا لا يمنع أن المؤمن والمسلم واحد عند بعض أهل السنة (١)، بدليل قوله تعالى عن لوط ﵇ ومن آمن معه: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥/ ٥١ - ٣٦].
ثم حرضهم الله تعالى على الإيمان الصادق بقوله:
﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي وإن تطيعوا الله ورسوله إطاعة تامة، وتخلصوا العمل وتصدقوا تصديقا صحيحا، لا ينقصكم من أجور أعمالكم شيئا، فلا تضيعوا أعمالكم بعدم الإخلاص، والله تعالى غفور ستار لمن تاب إليه وأناب وأخلص العمل، رحيم به فلا يعذبه بعد التوبة. وفيه حث على التوبة من الأعمال السالفة، وتسلية لقلوب من تأخر إيمانه، فالله تعالى يغفر لكم في كل وقت ما قد سلف، ويرحمكم بما أتيتم به.
ونظير الآية: ﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١/ ٥٢].
ثم أبان الله تعالى صفات المؤمنين وحقيقة الإيمان بقوله:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أي إنما المؤمنون إيمانا صحيحا خالصا وهم المؤمنون الكمّل هم الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله محمد ﷺ تصديقا
стр. 7834
تاما بالقلب، وإقرارا باللسان، ثم لم يشكّوا ولم يتزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، وجاهدوا بالأموال والأنفس حق الجهاد، من أجل طاعة الله وابتغاء مرضاته، قاصدين بجهادهم إعلاء كلمة الله ودينه، أولئك المتصفون بهذه الصفات المذكورة هم الصادقون بالاتصاف بصفة الإيمان، والدخول في عداد المؤمنين، لا كبعض الأعراب الذين أظهروا الإسلام، ولم يطمئن الإيمان في قلوبهم.
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: «المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم بأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه الله ».
ثم عرفهم الله تعالى بأنه عالم بحقيقة أمرهم قائلا:
﴿قُلْ: أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ؟ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قل لهم أيها الرسول: أتخبرون الله بما في ضمائركم من الدين، ليعلم بذلك حيث قلتم: آمنا؟ والله عالم لا يخفى عليه شيء، يعلم كل ما في السموات وما في الأرض من جمادات ونباتات وحيوانات وإنس وجن، فكيف يجهل حقيقة ما تدّعونه من الإيمان؟ والله لا تخفى عليه خافية من ذلك، يعلم بكل شيء، فاحذروا أن تدّعوا شيئا خلاف ما في قلوبكم.
وفيه إشارة إلى أن الدين ينبغي أن يكون لله، وأنتم أظهرتموه لنا، لا لله، فلا يقبل ذلك منكم.
ثم أوضح الله تعالى أن إسلامهم لم يكن لله، فقال:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ أي يعدّون إسلامهم منّة ونعمة عليك أيها
стр. 7835
النبي، حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. فرد الله تعالى عليهم قائلا:
﴿قُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ، بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي قل أيها الرسول: لا تعدوا أيها الأعراب إسلامكم منّة علي، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، فهو سبحانه الذي يمن عليكم، إذ أرشدكم إلى الإيمان وأراكم طريقه، ووفقكم لقبول الدين، إن كنتم صادقين فيما تدعونه. وفي هذا إيماء إلى أنهم كاذبون في ادعائهم الإيمان.
وذلك كما
قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلاّلا، فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل».
ثم أكد الله تعالى علمه بكل شيء، فقال:
﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي إن الله عليم بما ظهر وما غاب في جميع أنحاء السموات والأرض، ومن جملة ذلك:
ما يسّره كل إنسان في نفسه، والله مطّلع على كل شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم بالخير خيرا، وبالشر شرا. والآية تكرار وتأكيد الإخبار بعلم الله بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات، ليترسخ ذلك في الأذهان، ويستقر في أعماق القلوب، ويتمثل دائما في النفوس.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - موضوع الآيات توبيخ من في إيمانه ضعف بعد الآيات السابقة التي فيها حث عموم الناس على تقوى الله تعالى.
стр. 7836
فلا يكفي الإسلام الظاهري، وإنما لا بد من الإيمان والإذعان القلبي، ولا يكفي الإسلام اللغوي، وهو الخضوع والانقياد خوفا من القتل، ودخولا في زمرة أهل الإيمان والسلم.
٢ - إن أخلص الناس الإيمان لله تعالى وفّر لهم ثوابا عظيما لأعمالهم، ولم ينقصهم شيئا من أجورهم.
٣ - لا حرج على من تأخر إيمانه، فالله سبحانه غفار لذنوب عباده كلها بمشيئته، رحيم بهم فلا يعذبهم بعد التوبة.
٤ - إن عناصر الإيمان الجوهرية في الآية: هي الإيمان بالله وحده لا شريك له، والإيمان بأن محمدا رسول الله وخاتم الأنبياء والرسل، وعدم الارتياب في شيء، بل لا بد من عقيدة ثابتة ويقين كامل لا يتزعزع أبدا، والجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس محكّ الإيمان ودليله، والمؤمنون هم الذين صدّقوا ولم يشكّوا وحققوا ذلك بالجهاد والأعمال الصالحة، وهم الذين صدقوا في إيمانهم، لا من أسلم خوف القتل ورجاء الكسب.
ويجب أن يكون الجهاد من أجل نصرة دين الله والدعوة إلى سبيله، أو لاسترداد الحقوق المغتصبة والبلاد المحتلة، لذا
قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» وقال تعالى في الدفاع عن البلاد: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ: تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران ١٦٧/ ٣].
٥ - لا حاجة لإعلام الله تعالى بأن الإنسان مؤمن، فهو سبحانه يعلم بالدين الذي يكون الناس عليه، ويعلم كل شيء في الكون، والآية تجهيل لهم في قوله:
﴿أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ؟﴾.
٦ - إن نفع الإيمان يعود للمؤمن نفسه، فلا يصح لأحد أن يمتن بإسلامه على
стр. 7837
أحد، بل المنة والفضل والنعمة لله الذي وفق عباده للإيمان، وأرشدهم إليه ودلّهم عليه.
والصادقون هم الذين يعترفون بهداية الله لهم، والهداية هنا بمعنى الدلالة.
وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ تعريض بأن الأعراب سبب النزول كاذبون، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وذلك تأديب لهم.
٧ - ظاهر الآية يدل على أن أولئك الأعراب لم يكونوا مؤمنين إيمانا صحيحا، بل كانوا مسلمين إسلاما ظاهريا، والإيمان أخص، والإسلام أعم، كما تقدم، ولم يكونوا منافقين، فلو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا كما فعل الله تعالى في سورة براءة.
٨ - إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك ما في الضمائر والقلوب، فهو تعالى يعلم الإيمان الحقيقي من الإيمان الكاذب، ويعلم المقاصد والغايات، والمخاوف والأطماع، والبواعث التي تدفع إلى الدخول في الإسلام.
стр. 7838
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة ق
مكيّة، وهي خمس وأربعون آية.
تسميتها:
سميت سورة ق تسمية لها بما افتتحت به من أحرف الهجاء، كقوله تعالى: ﴿ص﴾، ﴿ن﴾، ﴿الم﴾، ﴿حم﴾، ﴿طس﴾ قال الشعبي:
ق: فاتحة السورة.
مناسبتها لما قبلها:
أخبر الله تعالى في آخر سورة الحجرات المتقدمة أن أولئك الأعراب الذين قالوا: آمنا، لم يكن إيمانهم حقا، وذلك دليل على إنكار النبوة وإنكار البعث، فافتتح هذه السورة بوصف إنكار المشركين نبوة النبي ﷺ وإنكار البعث، ثم رد عليهم بالدليل القاطع.
ما اشتملت عليه السورة:
بما أن هذه السورة مكية بالإجماع، فموضوعها مثل موضوعات سائر السور المكية التي تعالج أصول العقيدة الإسلامية وهي التوحيد، والبعث، والنبوة والرسالة، ولكنها عنيت بالأصل الثاني وهو البعث وإثباته والرد على منكريه.
لذا ابتدأت بالكلام عن إنكار مشركي العرب وقريش أمر البعث والنشور، وأمر النبوة ورسالة محمد ﷺ ، وتعجبهم من إرسال رسول منذر منهم، ومن
стр. 7839
إعادة الحياة بعد الممات، فأقسم الله بالقرآن المجيد قائلا: ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقالَ الْكافِرُونَ: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ.﴾ ..
ومن أجل الاستدلال على قدرة الله الباهرة على البعث وغيره، حثّت الآيات بعدئذ على التأمل في صفحة الكون، والنظر في السماء وبنائها وزينتها، وفي الأرض وجبالها وزروعها ونباتاتها وأمطارها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ.﴾.
الآيات.
ثم أثارت دواعي التفكر وأقامت العبر والعظات في إهلاك الأمم السابقة المكذبة بالرسل، كقوم نوح وأصحاب الرسّ وثمود وعاد وفرعون ولوط وأصحاب الأيكة قوم شعيب وقوم تبّع، تحذيرا لكفار مكة أن يصيبهم مثلما أصاب غيرهم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ.﴾. الآيات.
وانتقلت الآيات للحديث عن الإنسان ومسئوليته وملازمة الملكين له لرصد أعماله وأقواله ومراقبة أحواله، وطيّ صحيفته بسكرة الموت، وتعرضه لأهوال الحشر وأهوال الحساب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ.﴾. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ الآيات، وأعقبت كل ذلك بضرورة العبرة والتذكر بتلك الأحداث الكبرى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى.﴾ ..
وختمت السورة الكريمة بمشاهد عظيمة، من خلق السموات والأرض وما بينهما، وسماع صيحة الحق للخروج من القبور، وتشقق الأرض عن الأموات سراعا، وتخلل ذلك أمر الرسول وأتباعه بالصبر والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار، وعدم المبالاة بإنكار المشركين البعث وتهديدهم عليه، والتذكير بالقرآن من وعيد الله وعقابه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ.﴾. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ.﴾. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ.﴾. الآيات.
стр. 7840
فضل السورة:
تقرأ هذه السورة في الأحداث الكبرى والمجامع العامة، كالجمع والعيدين، لتذكير الناس ببدء الخلق، ومظاهر الحياة، وعقوبات الدنيا، والبعث والنشور، والجنة والنار، والثواب والعقاب.
وأدلة سنّية قراءتها في تلك المناسبات أحاديث، منها حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر ب ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وكانت صلاته بعد تخفيفا.
وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي وابن ماجه عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
والسبب أن العيد يوم الزينة والفرح، فينبغي ألا ينسى الإنسان خروجه إلى ساحات الحساب، فلا يكون فرحا فخورا، ولا فاسقا فاجرا، فيتذكر بالقرآن كما في بداية السورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ ونهايتها: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ ويتأمل في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ وقوله تعالى:
﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾.
أوجه الشبه بين سورة ق وسورة ص:
لاحظ العلماء وجهي شبه بين سورتي ﴿ص﴾ و ﴿ق﴾ وهما (١):
стр. 7841
أولا-تشترك السورتان في افتتاح أولها بحرف واحد من حروف الهجاء، والقسم بالقرآن، وقوله: ﴿بَلْ﴾ والتعجب. كما أن أول السورتين وآخرهما متناسبان، ففي أول ﴿ص﴾: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وفي آخرها: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، وفي أول ﴿ق﴾: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وفي آخرها:
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ فافتتح بما اختتم به. أي أن السورتين تبدأ ان بحرف هجاء، وتبتدئان وتنتهيان بالتحدث عن القرآن.
ثانيا-عنيت سورة ص بتقرير الأصل الأول وهو التوحيد، في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾، وعنيت سورة ق بتقرير الأصل الثاني وهو الحشر، في قوله تعالى: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً، ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.
وبدئت وختمت كل سورة بما يناسبها، فكان افتتاح سورة ص في تقرير المبدأ، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ لحكاية بدء الخلق، لأنه دليل الوحدانية، وكان افتتاح سورة ﴿ق﴾ لبيان الحشر، ثم قال سبحانه في آخرها: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ فاتفق بدء كل سورة مع خاتمتها.
إنكار المشركين البعث والرّد عليهم
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾
стр. 7842
الإعراب:
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ قسم، وجوابه: إما محذوف تقديره: «ليبعثن» أو جوابه ﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ أي لقد علمنا، فحذفت اللام كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ [الشمس ٩/ ٩١] أو يكون ما قبل القسم قام مقام الجواب على رأي من يرى أن معنى ﴿ق﴾: قضي الأمر، وهو الذي قام مقام الجواب، ودلّ ﴿ق﴾ عليه. والمعنى: أقسم بالقرآن أنك جئتهم منذرا بالبعث، فلم يقبلوا، بل عجبوا، وهو إضراب إبطالي.
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً﴾ عامل ﴿إِذا﴾ فعل مقدر دلّ عليه الكلام، تقديره: أنبعث إذا متنا وكنا ترابا، ولا يعمل فيه ﴿مِتْنا﴾ لأنه محل مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف على موضع ﴿إِلَى السَّماءِ﴾.
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى﴾ منصوبان على المفعول لأجله.
﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ تقديره: وحبّ الزرع الحصيد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿باسِقاتٍ﴾ حال.
﴿رِزْقاً لِلْعِبادِ﴾ منصوب إما مفعول لأجله، أو منصوب على أنه مصدر.
البلاغة:
﴿فَقالَ الْكافِرُونَ﴾ إظهار في موضع مفعول لأجله، أو منصوب على أنه مصدر.
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً﴾ استفهام إنكاري لاستبعاد البعث.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ إضراب عن الكلام السابق لبيان ما هو أشنع من التعجب، وهو التكذيب بآيات الله وبرسوله.
стр. 7843
﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ تشبيه مرسل مجمل، شبه إحياء الموتى بإخراج النبات من الأرض الميتة.
المفردات اللغوية:
﴿ق﴾ حرف هجاء، يقرأ هكذا: قاف، بإسكان القاف. للتنبيه على إعجاز القرآن وعلى خطورة ما يتلى بعده من الأحكام والأحداث. قال أبو حيان: ﴿ق﴾: حرف هجاء، وقد اختلف المفسرون في مدلوله على أحد عشر قولا متعارضة، لا دليل على صحة شيء منها، فاطّرحت نقلها في كتابي هذا.
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ قسم من الله تعالى بالقرآن ذي المجد والشرف على سائر الكتب، ولكثرة ما فيه من الخير الدنيوي والأخروي، قال الراغب: المجد: السعة في الكرم. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم ويخوفهم بالنار بعد بعث رسول من أنفسهم ومن جنسهم. ﴿فَقالَ الْكافِرُونَ: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي هذا الإنذار، وهو حكاية لتعجبهم، قال البيضاوي: وهذا إشارة إلى اختيار الله تعالى محمدا ﷺ للرسالة، وإضمار ذكرهم، ثم تسجيل الكفر عليهم بذلك.
﴿أَإِذا مِتْنا﴾ أي أنبعث أو نرجع إذا متنا. ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي ذلك البعث بعث أو رجوع بعد الموت في غاية البعد عن التصديق والإمكان والعادة. ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ تأكل من أجسادهم بعد موتهم، وهو ردّ لاستبعادهم. ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ هو اللوح المحفوظ، والحافظ لجميع الأشياء المقدرة وتفاصيلها كلها، وهو تأكيد لعلمه بما يحدث.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ أي بالنبوة الثابتة بالمعجزات وبالقرآن. ﴿فَهُمْ﴾ في شأن القرآن والنّبي ﷺ ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مضطرب، وهو قولهم تارة: إنه شاعر وشعر، وتارة: إنه ساحر وسحر، وتارة: إنه كاهن وكهانة.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ حين كفروا بالبعث ﴿إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم. ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ رفعناها بلا عمد. ﴿وَزَيَّنّاها﴾ بالكواكب. ﴿وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ شقوق وفتوق تعيبها.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها﴾ بسطناها أي بحسب نظر الإنسان الجزئي إلى الموقع الجغرافي الذي يعيش فيه، لا بالنظرة الكلية الشاملة للأرض، فهي كروية، كما أثبت العلم القديم والحديث، وبخاصة بعد غزو الفضاء وإطلاق الصواريخ ورؤية روّاد الفضاء أنها كرة معلّقة في هذا الكون.
﴿رَواسِيَ﴾ أي جبالا ثوابت لحفظ الأرض من الاضطراب. ﴿زَوْجٍ﴾ صنف من النبات.
﴿بَهِيجٍ﴾ حسن مبهج.
стр. 7844
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى﴾ تبصيرا منا وتذكيرا. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ رجّاع إلى طاعة الله وتوّاب، متفكر في بدائع صنع الله تعالى. ﴿ماءً مُبارَكاً﴾ كثيرا الخير والبركة والمنافع.
﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين ذات أشجار وأثمار. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أي حبّ الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبرّ والشعير وغيرهما، و ﴿الْحَصِيدِ﴾ المحصود.
﴿باسِقاتٍ﴾ طوالا. ﴿طَلْعٌ﴾ ما ينمو ويصير بلحا، ثم رطبا، ثم تمرا. ﴿نَضِيدٌ﴾ منضود، متراكب بعضه فوق بعض. ﴿رِزْقاً لِلْعِبادِ﴾ علة ل ﴿فَأَنْبَتْنا﴾، أو مصدر فإن الإنبات رزق. ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ﴾ بذلك الماء. ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أرضا جدباء لانماء فيها، والميت: يستوي فيه المذكر والمؤنث. ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي من القبور، والمعنى كما أحييت هذه البلدة بالماء، يكون خروجكم أحياء بعد موتكم.
التفسير والبيان:
﴿ق﴾ عرفنا أنها حرف هجاء، لتحدي العرب بأن يأتوا بمثل القرآن أو آية منه ما دام القرآن مكونا من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون بها، وهي أيضا للتنبيه إلى أهمية ما يأتي بعدها. وأكثر ما جاء القسم بحرف واحد إذا أتى بعده وصف القرآن، كما أن أغلب القسم بالحروف ذكر بعده القرآن أو الكتاب أو التنزيل.
وذكر الرازي تصنيفا دقيقا للقسم من الله بالحروف الهجائية وغيرها، وهو بإيجاز ما يأتي (١):
أ-وقع القسم من الله بأمر واحد، مثل ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، وبحرف واحد مثل: ﴿ص﴾، و ﴿ن﴾.
ب-ووقع بأمرين، مثل: ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ﴾، ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾، وبحرفين مثل: ﴿طه﴾، ﴿طس﴾، ﴿يس﴾، ﴿حم﴾.
стр. 7845
ج -ووقع بثلاثة أمور، مثل: والصافات، فالزاجرات، فالتاليات، وبثلاثة أحرف، مثل: ﴿الم﴾، ﴿طسم﴾، ﴿الر﴾.
د-وبأربعة أمور، مثل: والذاريات، فالحاملات، فالجاريات، فالمقسمات، وفي: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ.﴾. وفي: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.﴾.، وبأربعة أحرف، مثل: ﴿المص﴾ أول الأعراف ﴿المر﴾ أول الرعد.
هـ -وبخمسة أمور، مثل: ﴿وَالطُّورِ.﴾.، وفي ﴿وَالْمُرْسَلاتِ.﴾.، وفي: ﴿وَالنّازِعاتِ.﴾.، وفي ﴿وَالْفَجْرِ.﴾.، وبخمسة أحرف، مثل:
﴿كهيعص﴾، ﴿حم عسق﴾. ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول، منعا من الاستثقال.
وفي القسم قد يذكر حرف القسم وهي الواو، مثل: ﴿وَالطُّورِ﴾، ﴿وَالنَّجْمِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ﴾ وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف القسم، فلم يقل وق، حم لأن القسم لما كان بالحروف نفسها كان الحرف مقسما به.
وأقسم الله بالأشياء كالتين والطور، وأقسم بالحروف من غير تركيب.
وأقسم بالحروف في أول ثمانية وعشرين سورة، ولم يوجد القسم بالحروف إلا في أوائل السور، وأقسم في أربع عشرة سورة عدا ﴿وَالشَّمْسِ﴾ بأشياء عددها عدد الحروف، في أوائل السور وفي أثنائها، مثل ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾.
ووقع القسم بالحروف في نصفي القرآن، بل في كل سبع، وبالأشياء المعدودة لم يوجد إلا في النصف الأخير والسبع الأخير غير ﴿وَالصَّافّاتِ﴾.
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ القرآن مقسم به، والمقسم عليه محذوف، أي أقسم