← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ أي ذلك الوصف المذكور للصحابة هو وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفوا به في الإنجيل، وهم كانوا ضعافا قليلي العدد، فازدادوا وكثروا وتقووا، مثل الزرع الذي أخرج فروخه وفروعه على جوانبه، فاشتد وقوي وأعانه وشدّه، أي إن الزرع قوّى الشط ء، لأنه تغذى منه واحتمى به، وتحول من الدقة إلى الغلظ، واستقام على أعواده، يعجب هذا الزرع الزرّاع لقوّته وحسن منظره، كما هو معروف. وهذا مثل ضربه الله تعالى للصحابة، كانوا في الابتداء قلّة، ثم زادوا وكثروا وتقووا، كالزرع تكون فراخه في الابتداء ضعيفة، ثم تتقوى تدريجيا حتى يغلظ ساقه. وقد كثّر الله الصحابة وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين. وهكذا يكون إيمان المسلم إذا دخل في الإسلام ضعيفا، ثم يتقوى بصحبته وملازمته لأهل العلم والإيمان حتى يستوي ويكون مثلهم، وربما أقوى منهم. - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ أي وعد الله تعالى الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وعملوا صالح الأعمال أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم وثوابهم، ويدخلهم الجنة، ووعد الله حق وصدق وكائن لا محالة، ولن يخلف الله وعده. وهذا يشمل الصحابة وكل من اقتفى أثرهم، وسار على منهجهم من أفواج الإيمان وجند الإسلام، وتلاحق الأجيال. روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه».

стр. 7772

فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية صفتي النبوة والرسالة لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. ووصفت أصحابه بثماني صفات هي: ١ - ٢: الشدة والصلابة والعنف على الأعداء الكفار، والرحمة والرأفة والرفق والبر بالمؤمنين، فهم أسود غضاب عبوسون في وجه الكفار الذين يعادونهم، ضحوكون بشوشون في وجوه إخوتهم المؤمنين. ٣ - ٤: يمتازون بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، مع وصفهم بالإخلاص فيها لله ، واحتساب جزيل الثواب وهو الجنة عند الله تعالى المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، فهم يطلبون بعملهم المخلص الجنة ورضا الله تعالى. ٥ - علامتهم المميزة لهم النور والضياء في الدنيا والآخرة، والسمت الحسن، والخشوع والتواضع لله تعالى. ٦ - تلك الأوصاف وصفوا بها في كل من التوراة والإنجيل والقرآن. ٧ - كثرة الخير والبركة والنماء فيهم، فإنهم كانوا قلة ضعافا، ثم صاروا كثرة أشداء أقوياء، كمثل الزرع الذي ينبت من حوله الفراخ، ثم تقوى وتشتدّ وتكبر. ولقد فعل الله هذا لمحمد ﷺ وأصحابه ليغيظ بهم الكفار. ٨ - وعدهم الله تعالى جميعا وأمثالهم المتبعين لهم بإحسان وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة بمغفرة الذنوب والثواب الذي لا ينقطع وهو الجنة. وقد وردت آيات أخرى وأحاديث كثيرة في فضل الصحابة، والنهي عن التعرض لهم بالإساءة، والصحابة كلهم عدول، وهم أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله. وفيما سبق ذكرت بعض الأحاديث، ومن قرأ الآية

стр. 7773

السابقة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [١٨] والآية: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣/ ٣٣] وآيات سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ.﴾. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ [٨ - ٩] من قرأ ذلك عرف مدى ثناء الله عليهم، والشهادة لهم بالصدق والفلاح. وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن ابن مسعود: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم». وقد استدل الإمام مالك ﵀ بهذه الآية ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ.﴾. على تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃، فهو كافر لهذه الآية، قال ابن كثير: ووافقه طائفة من العلماء ﵃ على ذلك. والظاهر أنهم فسّاق. قال بعض العلماء عن خلافات الصحابة والاقتتال الذي حدث بينهم: «تلك دماء قد طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيل ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته».

стр. 7774

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحجرات مدنيّة، وهي ثماني عشرة آية. تسميتها: سميت سورة الحجرات لأن الله تعالى ذكر فيها تأديب أجلاف العرب الذين ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات وهي حجرات (بيوت) نسائه المؤمنات الطاهرات ﵅، وكانت تسعا، لكل واحدة منهن حجرة، منعا من إيذاء النبي ﷺ وتوفيرا لحرمة بيوت أزواجه. وتسمى أيضا سورة «الأخلاق والآداب» فقد أرشدت إلى آداب المجتمع الإسلامي وكيفية تنظيمه، وأشادت بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، ونودي فيها بوصف الإيمان خمس مرات، وأصول تلك الآداب خمسة وهي: طاعة الله والرسول ﷺ ، وتعظيم شأن الرسول ﷺ ، والتثبت من الأخبار المنقولة، وتحريم السخرية بالناس، وتحريم التجسس والغيبة وسوء الظن. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الفتح من نواح ثلاث، هي: ١ - في السورة المتقدمة حكم قتال الكفار، وفي هذه حكم قتال البغاة (أهل الثورة الداخلية).

стр. 7775

٢ - ختمت السابقة بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وافتتحت هذه ب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.﴾. تذكيرا لهم بحرمتهم عند الله عند ما وصفهم بكونهم أشداء رحماء، مما يقتضي محافظتهم على هذه الدرجة بطاعة الله تعالى والرسول ﷺ . ٣ - في كلتا السورتين تشريف وتكريم لرسول الله ﷺ ، خصوصا في مطلع كل منهما، والتشريف يقتضي من المؤمنين الرضا بما رضي به الرسول ﷺ من صلح الحديبية، وألا يتركوا شيئا من احترامه قولا وفعلا. ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كسابقتها أحكام شرعية لكونهما مدنيتين، وهي أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع الإسلامي على أساس متين من التربية القوية، والأخلاق الرصينة، حتى إنها سميت «سورة الأخلاق» فهي في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب. وآدابها نوعان: خاص وعام. أما الآداب الخاصة: فهي ماله علاقة بين النبي ﷺ وأمته. وقد ابتدأت السورة بها، فأوجبت طاعة الله تعالى والرسول ﷺ وحذرت من المخالفة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا.﴾. ثم أمرت بخفض الصوت أثناء خطاب النبي ﷺ إجلالا له وهيبة منه وتعظيما لقدرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ.﴾. ثم طالبت المؤمنين بخطاب الرسول ﷺ بصفة النبوة والرسالة، لا باسمه وكنيته تعظيما واحتراما له، وجعلت خفض الصوت عند رسول الله ﷺ من التقوى، وذمّت من يناديه من وراء حجرات نسائه كعيينة بن حصن وأشباهه، وذكرت السورة في آخرها ذمّ الامتنان على الله تعالى ورسوله ﷺ بالإيمان: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ.﴾ ..

стр. 7776

ثم تحدثت عن الآداب الاجتماعية العامة: وهي المتصلة بعلاقات الناس بعضهم مع بعض، مما فيه تقرير فضيلة وذم رذيلة، لإقامة دعائم المجتمع الفاضل. فأمرت المؤمنين بالتثبّت من الأخبار وعدم الإصغاء للإشاعات التي يروجها الفسّاق ويتناقلونها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ.﴾. وأشادت بمقتضى الإيمان، وكرّهت الكفر والفسوق والعصيان. ثم أبانت طريق فض المنازعات الداخلية بين فئتين متقاتلتين من المؤمنين وهو الإصلاح، وقتال الفئة الباغية (البغاة) حتى تعود لصف الجماعة والوحدة: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأعلنت قيام رابطة الإخاء والود بين المؤمنين، وحذرت من تفكك الجماعة المؤمنة وإثارة النزاع بين أفرادها، وتوليد الأحقاد والضغائن والكراهية بسبب السخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، سواء بين الرجال أو النساء، أو بسبب سوء الظن بالمسلم والتجسس (تتبع العورات) والغيبة والنميمة. ثم أعلنت مبدأ الإخاء الإنساني، والمساواة بين الشعوب والأفراد من مختلف الأجناس والألوان والعناصر، فلا عداوة ولا طبقية ولا عنصرية، وإنما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح ومكارم الأخلاق. وختمت السورة بالكلام عن الأعراب، فميّزت بين الإيمان والإسلام، وذكرت غرر صفات المؤمنين وشروط المؤمن الكامل (الإيمان بالله ورسوله، والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله) وعابت المنّ على الرسول ﷺ بالإسلام، ووضعت ضابط احترام القيم الدينية والأخلاقية، وهو رقابة الله ﷻ لعباده، وعلمه بغيب السموات والأرض وأهلهما، وبصره بجميع أعمال الخلق.

стр. 7777

طاعة الله تعالى والرسول ﷺ والتأدب في خطاب النبي ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ الإعراب: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ الكاف: في موضع نصب، لأنها صفة مصدر محذوف، تقديره: جهرا كجهر بعضكم. و ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾: في موضع نصب: بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأن تحبط، ويجوز أن يكون في موضع جر، بإعمال حرف الجر مع الحذف. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ.﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: إما خبر ﴿إِنَّ﴾، أو مبتدأ، وخبره ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ والجملة منهما خبر ﴿إِنَّ﴾. ويجوز أن يكون ﴿أُولئِكَ﴾ صفة ﴿الَّذِينَ﴾ ويكون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ.﴾. خبر ﴿إِنَّ﴾. و ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: إما مرفوع بالظرف، أو مبتدأ، والظرف خبر مقدم عليه، وهذا أوجه. ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾: خبره، والجملة منهما خبر ﴿إِنَّ﴾. البلاغة: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ استعارة تمثيلية، شبّه حال الذين يبدون آراءهم أمام النبي ﷺ بحال من تقدم للسير أمام ملك أو حاكم عظيم، وكان عليه أدبا أن يسير خلفه.

стр. 7778

﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لوجود أداة التشبيه. المفردات اللغوية: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لا تقدّموا أمرا أو حكما أو رأيا دونهما، أو لا تتقدموا، مأخوذ من مقدّمة الجيش: من تقدم منهم، والمراد: لا تقولوا بخلاف القرآن والسنة، والمراد ب ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: أمامهما ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ خافوه واحذروا مخالفة أمره ونهيه في التقديم أو مخالفة الحكم وغيرهما ﴿سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم. ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أي إذا كلمتموه، فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته إذا نطق ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي إذا ناجيتموه، فلا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته، أو لا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضا إجلالا له، وخاطبوا ب «يا أيها النبي» أو «يا رسول الله». وتكرير النداء بقوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لمزيد الاستبصار وضبط النفس، وزيادة الاهتمام به والتعظيم له ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ أي لئلا (١) أو كراهة وخشية أن تحبط، أي يبطل ثواب أعمالكم، لأن في رفع الصوت والجهر استخفافا قد يؤدي إلى الكفر المحبط إذا ضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أنها محبطة. ﴿يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ﴾ يخفضونها ويلينونها ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾ مراعاة للأدب أو مخافة مخالفة النهي ﴿اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ اختبرها، والمراد: طهرها ونقّاها كما يمتحن الصائغ الذهب بالإذابة ﴿لِلتَّقْوى﴾ أي مرّنها على التقوى، وأعدها لها ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ثواب عظيم لغضهم الصوت وسائر طاعاتهم، وتنكير ﴿أَجْرٌ﴾ للتعظيم. ﴿مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ أي من خلف وخارج غرف نسائه ﷺ ، جمع حجرة: وهي قطعة من الأرض تحجّر بحائط ونحوه مثل الغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة أمام منصب النبي ﷺ . ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ أي لو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ لكان الصبر خيرا لهم من الاستعجال، لما فيه من الأدب وتعظيم الرسول ﷺ الموجبين للثناء والثواب ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين للأدب، التاركين تعظيم الرسول ﷺ .

стр. 7779

سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا.﴾.: أخرج البخاري والترمذي وغيرهما عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير ﵁ أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمرّ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ أي أن الآيات نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر ﵄ عند النبي ﷺ في تأمير القعقاع بن معبد أو الأقرع بن حابس. وأخرج ابن المنذر عن الحسن البصري: أن أناسا ذبحوا قبل رسول الله ﷺ يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا.﴾ .. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي بلفظ: ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة: أن أناسا كانوا يتقدمون الشهر، فيصومون قبل النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾. نزول الآية (٢): ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ﴾: أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ﴾ الآية. وروي أن الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس كان في أذنه وقر، وكان

стр. 7780

جهوري الصوت، وكان إذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول الله ﷺ ، فيتأذّى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. نزول الآية (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾: أخرج ابن جرير عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عدي بن العجلان، فقال: ما يبكيك؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ، وأنا صيّت رفيع الصوت، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا به، فقال: أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ قال: رضيت، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ﴾ الآية. والقصة مروية أيضا في الصحيحين عن أنس بن مالك. وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ﴾ تألّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السّرار (١)، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ﴾. نزول الآية (٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ.﴾.: أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن أرقم قال: جاء ناس من العرب إلى حجر النبي ﷺ ، فجعلوا ينادون: يا محمد، يا محمد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ الآية.

стр. 7781

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبي ﷺ : ذاك هو الله، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ الآية. وهو خبر مرسل له شواهد مرفوعة من حديث البراء وغيره عند الترمذي، بدون نزول الآية، وأخرج ابن جرير نحوه عن الحسن. وأخرج أحمد بسند صحيح عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، فلم يجبه، فقال: يا محمد، إن حمدي، لزين، وإن ذمي لشين، فقال «ذلكم الله». وقال محمد بن إسحاق وغيره: نزلت في جفاة بني تميم، قدم وفد منهم على النبي ﷺ ، فدخلوا المسجد، فنادوا النبي ﷺ من وراء حجرته أن اخرج إلينا يا محمد، فإن مدحنا زين، وإن ذمنا شين، فآذى ذلك من صياحهم النبي ﷺ ، فخرج إليهم، فقالوا: إنا جئناك يا محمد نفاخرك، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. وكان فيهم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم. التفسير والبيان: هذه باقة من الآداب الخاصة في معاملة النبي ﷺ من قبل المؤمنين على أساس من التوقير والاحترام والتعظيم. ١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يا أيها المؤمنون إيمانا صحيحا، لا تتقدموا ولا تتعجلوا بقول أو حكم أو قضاء في أمر ما أو فعل قبل قضاء الله تعالى ورسوله ﷺ لكم فيه، فربما تقضون بغير حق، واتقوا الله في كل أموركم، وراقبوه في عدم تخطي ما لم

стр. 7782

يأذن به الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم ونياتكم، لا يخفى عليه شيء منكم. وهذا نهي واضح عن مخالفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وذكر الرسول، لأنه مبلّغ عن الله تعالى شرعه ودينه. قال ابن عباس في الآية: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون الله تعالى ورسوله ﷺ من شرائع دينكم. والآية شاملة أيضا ترتيب مصادر الاجتهاد، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن معاذ بن جبل ﵁، حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله» وهذا يعني أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه لكان تقديما بين يدي الله ورسوله. والخلاصة: هذا أدب شامل القول والفعل والاجتهاد، ثم ذكر الله تعالى أدبا في القول فقال: ٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله إذا تكلمتم مع الرسول ﷺ فلا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، لأن رفع الصوت يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، وخفض الصوت وعدم رفعه من التعظيم والتوقير. وهذا أدب ثان أدّب الله تعالى به المؤمنين، وهو أدب محمود مع كل الناس أيضا. ٣ - ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي وإذا كلمتموه فخاطبوه بالسكينة والوقار، خلافا لما تعتادونه من الجهر بالقول الدائر بينكم، ولا تقولوا: يا محمد ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرا له،

стр. 7783

وتقديرا لمهمته ورسالته التي يبلغكم بها في سكون وهدوء وعدم انزعاج وتبرم نفسي. وهذا أدب ثالث. ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي نهاكم الله عن الجهر غير المعتاد وعن رفع الصوت خشية أن يذهب ثواب أعمالكم، أو أن يؤدي الاستخفاف به إلى الكفر، من حيث لا تشعرون بذلك، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن بلال بن الحارث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا، يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا، يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض». وبعد أن حذر من خطر المخالفة، رغّب الله تعالى في خفض الصوت وحث عليه قائلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي إن الذين يخفضون أصواتهم في أثناء كلام رسول الله ﷺ وفي مجالسه، أخلص الله قلوبهم للتقوى، ومحّصها، وجعلها أهلا ومحلا، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه، ويسقط خبيثه، فكذلك هؤلاء المتأدبون عند رسول الله ﷺ ، طهر الله قلوبهم من كل قبيح، ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم على تأدبهم بخفض الصوت وسائر الطاعات. ونحو الآية: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح ٩/ ٤٨]. روى الإمام أحمد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية، ولا يعمل بها؟ فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 7784

ثم ذم الله ﵎ الذين ينادون رسول الله ﷺ من خلف أو قدام الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يفعل أجلاف الأعراب، فقال تعالى مرشدا لهم إلى ما هو الخير والأفضل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي إن الذين ينادونك من بعيد، من وراء حجرات (بيوت) نسائك، وهم جفاة بني تميم أكثرهم جهال لا يعقلون الأصول والآداب والأشياء، ولا يدركون ما يجب لك من التعظيم والاحترام. وقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ إما أن يراد به الكل، لأن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، احترازا عن الكذب واحتياطا في الكلام، أو يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي وليتهم لو صبروا حتى تخرج إليهم كالمعتاد، لكان لهم في ذلك الخير والمصلحة في الدنيا والآخرة، لما فيه من رعاية حسن الأدب مع رسول الله ﷺ ورعاية جانبه الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والإجلال، والله غفور لذنوب الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والإجلال، والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب. وهذا حث على التوبة والإنابة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - وجوب طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتقديم حكم القرآن والسنة على ما سواهما. ٢ - تعليم العرب وغيرهم مكارم الأخلاق وفضائل الآداب، إذ كان في العرب جفاء وسوء أدب في خطاب النبي ﷺ وتلقيب الناس. ٣ - قال القرطبي وابن العربي: قوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أصل في ترك التعرض لأقوال النبي ﷺ ، وإيجاب اتباعه والاقتداء

стр. 7785

به. وربما احتج نفاة القياس بهذه الآية، وهو باطل منهم، فإن ما قامت دلالته، فليس في فعله تقديم بين يديه، وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشريعة، فليس فيه تقديم بين يديه (١). ٤ - الأمر بالتقوى وإيجابها عام في كل الأوامر والنواهي الشرعية، ومنها التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ المنهي عنه، والله يراقب الناس، فهو سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم. ٥ - يجب خفض الصوت أثناء مخاطبة النبي ﷺ والامتناع من الجهر بالأصوات أعلى من صوته، وإلا لم يتحقق من المؤمنين الاحترام الواجب للنبي ﷺ . وليس المراد النهي عن الجهر مطلقا بحيث يلزم الهمس، وإنما النهي عن جهر مخصوص مقيد بصفة، وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب عنها. ٦ - ويجب أيضا على المؤمنين ألا يخاطبوا النبي ﷺ بقولهم: يا محمد، ويا أحمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرا له. والهدف من هذين الواجبين تعظيم رسول الله ﷺ وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته وعند مخاطبته. ٧ - قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي ﷺ ميتا كحرمته حيا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كلّ حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبّه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾

стр. 7786

[الأعراف ٢٠٤/ ٧] وكلام النبي ﷺ من الوحي وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه (١). ٨ - إن النهي المذكور عن رفع الصوت هو الصوت الذي لا يناسب ما يهاب به العظماء ويوقّر الكبراء. أما الصوت المرفوع الذي يقصد به الاستخفاف والاستهانة، فلا شك أنه كفر. وأما الصوت الذي يرفع في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو ونحو ذلك، فليس منهيا عنه، لأنه لمصلحة، ففي الحديث أنه ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس» وكان العباس أجهر الناس صوتا، يروى أن غارة أتتهم يوما، فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته. ٩ - إن مخالفة النهي في الآية برفع الصوت أكثر من الحالة المتوسطة المعتادة يؤدي إلى إحباط الأعمال وإبطال الثواب. وليس قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم. ويكون قوله ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به. ١٠ - إن الذي يخفضون أصواتهم عند رسول الله ﷺ إذا تكلموا إجلالا له، أو كلموا غيره بين يديه إجلالا له، أولئك الذين اختص الله قلوبهم للتقوى، وطهرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى، ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم وهو الجنة. ١١ - إن أعراب بني تميم الذين وفدوا على النبي ﷺ ، فدخلوا مسجد المدينة، ونادوا النبي ﷺ من وراء حجرته أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين،

стр. 7787

وذمّنا شين، هم قوم جهلة ذوو طباع جافة قاسية. وكانوا سبعين رجلا، وكان المنادي منهم الأقرع بن حابس، في رواية الترمذي عن البراء بن عازب، وكان النبي ﷺ نام للقائلة، جاؤوا شفعاء في أسارى بني عنبر، فأعتق رسول الله ﷺ نصفهم، وفادى على النصف، ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء. وقال مقاتل: كانوا تسعة عشر: منهم قيس بن عاصم، والزّبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن، وهو الأحمق المطاع. ١٢ - لو انتظروا خروجه ﷺ ، لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، وكان ﷺ لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب. ١٣ - قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حث على التوبة والإنابة إلى الله تعالى. الآداب العامة - ١ - وجوب التثبت من الأخبار ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾

стр. 7788

الإعراب: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾: في تقديره وجهان: إما كراهية أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا. و ﴿بِجَهالَةٍ﴾: حال من فاعل تبينوا، أي جاهلين. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ أن وما بعدها سادّ مسدّ مفعولي ﴿اِعْلَمُوا﴾. ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ﴾ إما مفعول لأجله، أو مصدر مؤكد لما قبله. البلاغة: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ التفات عن الخطاب للغيبة بعد قوله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ﴾. بين ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وبين ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ﴾ ما يسمى بالمقابلة. المفردات اللغوية: ﴿فاسِقٌ﴾ خارج عن حدود الدين أو الشرع، مأخوذ من قولهم: فسق الرطب: إذا خرج من قشره، والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه ﴿بِنَبَإٍ﴾ خبر ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي اطلبوا بيان الحقيقة ومعرفة الصدق من الكذب، وقرئ: «فتثبتوا» من الثبات ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً﴾ أي خشية ذلك أو كراهة إصابتكم ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ تصيروا ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ﴾ من الخطأ بالقوم ﴿نادِمِينَ﴾ مغتمين غما لازما، متمنين أنه لم يقع. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ أي فلا تقولوا الباطل، فإن الله يخبره بالحال ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الذي تخبرون به على خلاف الواقع ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ لوقعتم في العنت وهو الجهد والهلاك والإثم ﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ.﴾. استدراك ببيان عذرهم، وهو أنهم من فرط حبهم للإيمان وكراهتهم الكفر، حملهم على ذلك لما سمعوا قول الفاسق ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حسّنه ﴿الْكُفْرَ﴾ تغطية نعم الله تعالى بجحودها ﴿الْفُسُوقَ﴾ الخروج عن الحد ﴿الْعِصْيانَ﴾ المخالفة ﴿أُولئِكَ﴾ البعض المتبينون ﴿هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ الثابتون على دينهم، وهذه جملة معترضة، والخطاب لرسول الله ﷺ ، مأخوذ من الرشاد: وهو إصابة الحق واتباع طريق الاستقامة. ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ تعليل لقوله: ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾ فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل ﴿حَكِيمٌ﴾ في إنعامه عليهم بالتوفيق.

стр. 7789

سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ﴾: ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة. أخرج ابن جرير وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن أبي الدنيا وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس: أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق مصدّقا (١)، وكان بينهما إحنة (٢)، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع فقال: إن القوم همّوا بقتلي، ومنعوا صدقاتهم، فهمّ النبي ﷺ بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم، وقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك، فخرجنا نكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاتهمهم النبي ﷺ وقال: «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا هو عندي كنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ويسبي ذراريكم» ثم ضرب بيده على كتف علي ﵁، فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ﷺ . وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلاة، متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع. ولا خلاف في أن الشخص الذي جاء بالنبإ هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط. والآية وإن وردت لسبب خاص فهي عامة لبيان التثبت، وترك الاعتماد على قول الفاسق، قال الحسن البصري: فو الله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة، إنها لمرسلة إلى يوم القيامة، ما نسخها شيء. وأكد الرازي ذلك بأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيء بعيد، لأنه توهّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع: المراد به

стр. 7790

من خرج عن ربقة الإيمان، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ [المنافقون ٦/ ٦٣] وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠/ ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة ٢٠/ ٣٢] (١). لكن أكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله ﷺ ، فصار فاسقا بكذبه، والظاهر أنه سمي فاسقا تنفيرا وزجرا عن الاستعجال في الأمر من غير تثبت، فهو متأول ومجتهد، وليس فاسقا على الحقيقة. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى المؤمنين بأمرين: وهما طاعة الله تعالى والرسول ﷺ ، وخفض الصوت عند الرسول ﷺ ، لبيان وجوب احترامه، أردفه بأمر ثالث وهو وجوب التثبت من الأخبار، والتحذير من الاعتماد على مجرد الأقوال، منعا من إلقاء الفتنة بين أفراد المؤمنين وجماعتهم. وهذا أدب اجتماعي عام ضروري للحفاظ على وحدة الأمة، واستئصال أسباب المنازعات فيما بينها. التفسير والبيان: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ، فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب بخبر فيه إضرار بأحد، فتبينوا الحقيقة، وتثبتوا من الأمر، ولا تتعجلوا بالحكم حتى تتبصروا في الأمر والخبر لتتضح الحقيقة وتظهر، خشية أن تصيبوا قوما بالأذى، وتلحقوا بهم ضررا لا يستحقونه، وأنتم جاهلون حالهم، فتصيروا على ما حكمتم عليهم بالخطإ نادمين على ذلك، مغتمين له، متمنين عدم وقوعه.

стр. 7791

وفي تنكير ﴿فاسِقٌ﴾ و ﴿بِنَبَإٍ﴾ دلالة على العموم في الفساق والأنباء، كأنه قال: أيّ فاسق جاءكم بأي نبأ، فتوقفوا وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه (١). والآية دالة على أن خبر الواحد العدل حجة، وشهادة الفاسق لا تقبل. ثم ذكّرهم بوجود رسول الله ﷺ بينهم ليعظموه ويسألوه، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي اعلموا أن معكم رسول الله، فعظموه ووقروه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، ولا تقولوا قولا باطلا، ولا تتسرعوا بالحكم على الناس من غير تبين حقيقة الخبر، ولو أطاعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار، وتشيرون عليه من الآراء غير الصائبة، لأدى ذلك إلى الوقوع في العنت، وهو التعب والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل اتضاح الأمور، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر والتأمل فيه. وإنما قال: ﴿يُطِيعُكُمْ﴾ بلفظ الاستقبال دون: أطاعكم، للدلالة على استمراره في التثبت والتحقق مما ينقل إليه من الأخبار، بدليل قوله: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء، فلو أرادوا منه الاستمرار في طاعته لهم، لوقعوا في الإثم والهلاك. وفي قوله ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضا تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب، وإشارة إلى تصويب رأي بعضهم، ولهذا استدرك مشيرا إلى رأي بعضهم في ضرورة التريث إلى أن يتبين أمر بني المصطلق، فقال:

стр. 7792

﴿وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ، أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ أي ولكن الله حبّب أي قرّب الإيمان إلى بعضكم، وإلا لم يحسن الاستدراك ب ﴿لكِنَّ﴾ فلم يقع في ورطة التسرع في الأخبار، وعدم التثبت فيها، وكانوا أبرياء من اتهام الآخرين، لأن الله جعل الإيمان أحب الأشياء إليكم، وحسّنه بتوفيقه وتثبيته في أعماق قلوبكم، وجعل كلا من الكفر (جحود الخالق وتكذيب الرسل) والفسوق (الخروج عن حدود الدين) والعصيان (المخالفة وعدم الطاعة) مكروها عندكم. وهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين استقاموا على طريق الحق، ومقتضى الشرع، وأدب الدين، فلم ينزلقوا في اتهام غيرهم دون تثبت. ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي إن الله حبّب إليكم الإيمان، وكرّه إليكم الأمور الثلاثة المتقدمة تفضلا منه عليكم، وإنعاما من لدنه، والله عليم بكل الأمور الحادثة والمستقبلة، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وفي أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام التالية: ١ - وجوب التثبت من الأخبار المنقولة والروايات المروية، أخذا بالحيطة والحذر، ومنعا من إيذاء الآخرين بخطإ فادح، فيصبح المتسرع في الحكم والتصديق نادما على العجلة وترك التأمل والتأني. لذا كان نبي الله ﷺ يقول: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان» (١). ٢ - في هذه الآية: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ﴾ دليل على قبول خبر الواحد إذا

стр. 7793

كان عدلا، لأنه إنما أمر المسلم في الآية بالتثبت عند نقل خبر الفاسق، ومن ثبت فسقه، بطل قوله في الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة يبطلها، فالفسق علة التبين، فإن لم يوجد لم يكن علة. واستثنى الإجماع والدعاوي والإنكار والإقرار لغيره بحق على نفسه وإثبات حق مقصود على الغير أي أمور المعاملات، كأن يقال: أرسل فلان إليك كذا أو هذا مالي، ولو كان المخبر كافرا. أما في الإنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره: لا يكون الكافر وليا في النكاح. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون وليا، لأنه يلي مالها، فيلي تزويجها، وإذا ولي المال فالنكاح أولى، وهو وإن كان فاسقا في دينه إلا أن غيرته موفّرة، وبها يحمي الحريم. ويرى الحنفية قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. والخلاصة: أن مراد الآية في الشهادات وإلزام الحقوق وإثبات أحكام الدين في غير الاعتقاد. ٣ - استدل بعضهم بالآية على أن الفاسق أهل للشهادة، وإلا لم يكن للأمر بالتبين فائدة، كما قال الألوسي. ومذهب الحنفية: أن الفاسق لا تقبل شهادته، وإن كان أهلا لها، ولو قضى بها القاضي كان عاصيا، وينفذ قضاؤه (١). ٤ - استدل الحنفية بالآية على قبول خبر الواحد المجهول الحال، لأن الآية دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت والتبين، فيقتصر فيه على محل وروده، ويبقى ما وراءه على الأصل، وهو القبول. ٥ - في الآية أيضا دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم (أي اليقين) بدليل وجوب التثبت فيه، إذ لو كان يوجب العلم بحال، لما احتيج فيه إلى التثبت (٢).

стр. 7794

٦ - قال ابن العربي: ومن العجب أن يجوّز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق. ومن لا يؤتمن على حبّة مال، كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين؟! ومن صلّى خلف الفاسق تجب عليه الإعادة سرا في نفسه، ولكن لا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة خلف من لا يرضى من الأئمة (١). ٧ - إذا كان الفاسق واليا ينفذ من أحكامه ما وافق الحق، ويردّ ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال. ٨ - لا خلاف في قبول قول الفاسق إذا كان رسولا عن غيره في قول يبلغه أو شيء يوصله أو إذن يعلمه، وهذا جائز للضرورة الداعية إليه. لكن لا يقبل قوله فيما إذا تعلق بقول الفاسق حق للغير. ٩ - استدل بعضهم بالآية على أن من الصحابة من ليس بعدل، لأن الله تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة، فإنها نزلت فيه، ولا يمكن إخراج سبب النزول من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق. وقال أكثر العلماء: الصحابة كلهم عدول. ١٠ - الفاسق نوعان: فاسق غير متأول، وهذا لا خلاف في أنه لا يقبل خبره. وفاسق متأول كالجبرية والقدرية، ويقال له: المبتدع بدعة واضحة، وفي هذا خلاف، فمن الأصوليين كالشافعي: من ردّ شهادته وروايته معا، ومنهم من قبلهما وهم جمهور الفقهاء والمحدثين، لأن رد شهادته لتهمة الكذب، والفسق اعتقاد لا يمنع الصدق، وأما الرواية فمن احترز عن الكذب على غير الرسول ﷺ ، فهو على الرسول ﷺ أشد تحرزا. ١١ - إن قضى الفاسق بما يغلب على الظن، كالقضاء بالشاهدين العدلين، لم

стр. 7795

يكن ذلك عملا بجهالة، وإنما العمل بجهالة: قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقوله. ١٢ - إن وجود الرسول ﷺ في أصحابه ركن تثبت وأناة وتأن، فيمنع التسرع في إصدار الأحكام، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه، لكان خطأ، ووقع في العنت (الإثم والمشقة والهلاك) من أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم. ويكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ ألا تكذبوا، فإن الله تعالى يعلم رسوله ﷺ أنباءكم، فتفتضحون. ١٣ - ذكر الله الإيمان وقابله بأمور ثلاثة كرهها إليهم وهي الكفر والفسوق والعصيان، والإيمان اسم لثلاثة أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح (الأعضاء). والكفر: هو الإنكار وهو يقابل الإذعان بالجنان، والفسوق يقابل الإقرار باللسان، والعصيان يقابل العمل البدني، فهو ترك العمل بالطاعات والأحكام الشرعية ويشمل جميع المعاصي وهذا يعني أن المؤمن المتثبت لا يكذب. ١٤ - استدلت الأشاعرة بقوله ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾ على مسألة خلق الأفعال، أي أن الله تعالى خلق أفعال العباد وذواتهم وصفاتهم وألسنتهم وألوانهم، لا شريك له، لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦/ ٣٧]. وهذا رد على القدرية (١) والإمامية والمعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان يخلق

стр. 7796

أفعال نفسه. ويؤولون آية ﴿حَبَّبَ﴾ ... ﴿وَكَرَّهَ﴾ على اللطف والتوفيق. ١٥ - إن الذين وفقهم الله، فحبّب إليهم الإيمان، وكرّه إليهم الكفر، أي قبّحه عندهم هم الراشدون، والله فعل ذلك بهم فضلا منه ونعمة من لدنه، والفضل: ما في خزائن الله من الخير، وهو مستغن عنه، والنعمة: ما يصل من الفضل إلى العبد، وهو ما يحتاج إليه. وفي تسميتهم بالراشدين إشارة إلى أنهم أقاموا على اتباع أمر الرسول ﷺ ، والتزموا إرشاده، وعرفوا مقامه ومكانه بينهم، فاستحقوا الرشد، وكانوا راشدين. وفيه تعريض بالفريق الآخر حيث ابتعدوا عما يوصلهم إلى الرشد. ١٦ - إن الله تعالى عليم بكل شيء، يعلم من يتحرى الخير ومن لا يتحراه، ومن يريد الرسول ﷺ على ما لا تقتضي به الحكمة ومن لا يريده، وهو فوق هذا يعلم الأشياء، ويعلم الرسول ﷺ بها، ويأمره بما تقضي به الحكمة، فيجب الوقوف عند أمره، واجتناب الاقتراح عليه. ١٧ - كان النبي ﷺ في دعائه يدعو دائما بمضمون الآية [٧] أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : «استووا حتى أثني على ربي ، فصاروا خلفه صفوفا، فقال ﷺ : اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.

стр. 7797

اللهم أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا. اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق». - ٢ - وسائل فض المنازعات الداخلية حكم البغاة ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ الإعراب: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ﴿طائِفَتانِ﴾: مرفوع بفعل مقدر، تقديره: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، ولا يجوز أن يحذف الفعل مع كلمات الشرط العاملة إلا مع «إن» لأنها الأصل في حروف الشرط، ويثبت للأصل ما لا يثبت للفرع.

стр. 7798

والقياس: اقتتلتا، كما قرأ ابن أبي عيلة، أو اقتتلا كما قرأ عبيد بن عمير، على تأويل الرهطين أو النفرين، وإنما قال: اقتتلوا في قراءة حفص حملا على المعنى دون اللفظ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس، فكل طائفة جماعة، والطائفة أقل من الفرقة. البلاغة: ﴿اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ بينهما طباق. ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ بينهما جناس الاشتقاق. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، وأصله المؤمنون كالإخوة في التراحم. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتحضيض. المفردات اللغوية: ﴿طائِفَتانِ﴾ تثنية طائفة: الجماعة من الناس ﴿اِقْتَتَلُوا﴾ جمع الفعل، لأن الطائفتين في معنى القوم أو الناس، أو لأن أقل الجمع اثنان. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ بالنصح والدعوة إلى حكم الله، وامنعوهما عن القتال بالنصيحة أو بالتهديد والتعذيب ﴿بَغَتْ﴾ تعدت وتجاوزت الحد وجارت، من البغي: الظلم ﴿تَفِيءَ﴾ ترجع ﴿إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ الحق ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ﴾ أزيلوا آثار النزاع بضمان المتلفات بالإنصاف ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ اعدلوا في كل الأمور من الإقساط: إزالة القسط وهو الجور، والقاسط: الجائر، كما في آية: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن ١٥/ ٧٢] يقال: أقسط: عدل، وقسط: أخذ حق غيره، والمقسط: العادل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين، أي يحمد فعلهم بحسن الجزاء. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين والعقيدة والإيمان الموجب للحياة الأبدية، فالأخوة في الدين أقوى وأدوم من أخوة النسب والصداقة، وهو تعليل للأمر بالإصلاح، لذا كرر الإشارة إلى الإخاء مرتبا عليه الأمر بالإصلاح، فقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا تنازعا، وخص الاثنين بالذكر، لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق، وقرئ: إخوتكم وإخوانكم ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في مخالفة حكمه والإهمال فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ على تقواكم.

стр. 7799

سبب النزول: نزول الآية (٩): ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ.﴾.: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك ﵁: «أنه قيل لرسول الله ﷺ : يا نبي الله، لو أتيت عبد الله بن أبيّ، فانطلق إليه على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فبال الحمار فقال: إليك عني، فو الله لقد آذاني نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة: والله، إن بول حماره أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنّعال، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا.﴾.». وقيل: كان النبي ﷺ متوجها لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد الله بن أبي بن سلول، فقال ما قال، فرد عليه عبد الله بن رواحة، فتعصب لكل أصحابه، فتقاتلوا، فنزلت، فقرأها ﷺ ، فاصطلحوا، وكان ابن رواحة خزرجيا، وابن أبيّ أوسيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي قال: كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في علّية له، لا يدخل عليها أحد من أهلها، فبعثت المرأة إلى أهلها، فجاء قومها، وأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه، فجاءوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وكان بينهم معركة، فنزلت فيهم هذه الآية، فبعث إليهم رسول الله ﷺ ، فأصلح بينهم وفاءوا إلى أمر الله تعالى. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعون إلى الحكم، فيأبوا أن يجيبوا، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ.﴾ ..

стр. 7800

وأخرج ابن جرير أيضا عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مدارأة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة، لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعا ليحاكمه إلى النبي ﷺ ، فأبى، فلم يزل الأمر، حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف. والخلاصة: يمكن أن تتعدد أسباب النزول، والوقائع المذكورة متشابهة. المناسبة: بعد أن حذر الله تعالى المؤمنين من نبأ الفاسق، أبان هنا ما يترتب على خبره من الفتنة والنزاع، وربما الاقتتال، فطلب تعالى الإصلاح بالوسائل السلمية بين المتنازعين كالنصيحة والوعظ والإرشاد والتحكيم، فإن بغت إحدى الفئتين على الأخرى، فتقاتل الباغية الظالمة. ثم علل الأمر بالصلح بوجود رباط الأخوة بين الفريقين، ثم أمر الوسطاء والأطراف المتنازعة بتقوى الله وطاعة أوامره. التفسير والبيان: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ أي إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فيجب على ولاة الأمور الإصلاح بالنصح والدعوة إلى حكم الله والإرشاد وإزالة الشبه وأسباب الخلاف. والتعبير بإن للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يقع القتال بين المسلمين، وأنه إن وقع، فإنما هو نادر قليل. والخطاب في الآية لولاة الأمور، والأمر فيها للوجوب. وقد استدل البخاري وغيره بهذا على أن المعصية وإن عظمت لا تخرج من

стр. 7801

الإيمان، خلافا للمعتزلة والخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافر وهو في النار. وثبت في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطب يوما، ومعه على المنبر الحسن بن علي ﵄، فجعل ينظر إليه مرة، وإلى الناس أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيّد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فكان كما قال ﷺ أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ أي فإن اعتدت وتجاوزت الحد إحدى الفئتين على الأخرى، ولم تذعن لحكم الله وللنصيحة، فعلى المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى حكم الله وما أمر به من عدم البغي. والقتال يكون بالسلاح وبغيره، يفعل الوسيط ما يحقق المصلحة، وهي الفيئة، فإن تحقق المطلوب بما دون السلاح كان مسرفا في الزيادة، وإن تعين السلاح وسيلة فعل حتى الفيئة. ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي رجعت الفئة الباغية عن بغيها، بعد القتال، ورضيت بأمر الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها للأخرى، حتى لا يتجدد القتال بينهما مرة أخرى. واعدلوا أيها الوسطاء في الحكم بينهما، إن الله يحب العادلين ويجازيهم أحسن الجزاء. وهذا أمر بالعدل في كل الأمور. أخرج ابن أبي حاتم والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن

стр. 7802

رسول الله ﷺ قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ، بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا» (١). وأخرج مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور، على يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولّوا». ثم أمر الله تعالى بالإصلاح في غير حال القتال ولو في أدنى اختلاف، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي تتميما للإرشاد ذكر تعالى أن المؤمنين إخوة في الدين، ويجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، فيجب الإصلاح بين كل أخوين متنازعين، وزيادة في أمر العناية بالإصلاح بين الأخوين أمر الله بالتقوى، والمعنى: فأصلحوا بينهما، وليكن رائدكم في هذا الإصلاح وفي كل أموركم تقوى الله وخشيته والخوف منه، بأن تلتزموا الحق والعدل، ولا تحيفوا ولا تميلوا لأحد الأخوين، فإنهم إخوانكم، والإسلام سوّى بين الجميع، فلا تفاضل بينهم ولا فوارق، ولعلكم ترحمون بسبب التقوى وهي التزام الأوامر واجتناب النواهي. ويلاحظ أنه قال: اتقوا الله عند تخاصم رجلين، ولم يقل ذلك عند إصلاح الطائفتين، لأنه في حالة تخاصم الرجلين يخشى اتساع الخصومة، وأما في حال تخاصم الطائفتين فإن أثر الفتنة أو المفسدة عام شامل الكل. وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر تفيد أنه لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين المؤمن والكافر، لأن الإسلام هو الرباط الجامع بين أتباعه، وتفيد أيضا أن أمر الإصلاح ووجوبه إنما هو عند وجود الأخوة في الإسلام، لا بين الكفار. فإن كان

стр. 7803

الكافر ذميا أو مستأمنا وجبت إعانته وحمايته ورفع الظلم عنه، كما تجب إعانة المسلم ونصرته مطلقا إن كان خصمه حربيا. وجاءت أحاديث كثيرة تؤيد أخوة الدين، جاء في الصحيح: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه» وفي الصحيح أيضا: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» وفي الصحيح كذلك: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر» «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضا، وشبّك بين أصابعه ﷺ ». وأخرج أحمد عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن من أهل الأديان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس». فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - يجب على ولاة الأمور وحكام الدول الإسلامية الإصلاح بين فئتين متقاتلتين مسلمتين، بالدعوة إلى كتاب الله لهما أو عليهما، وبالنصح والإرشاد، والجمع والتوفيق بين وجهات النظر. ٢ - فإن تعدّت إحدى الفئتين ولم تستجب إلى حكم الله وكتابه، وتطاولت وأفسدت في الأرض، فيجب قتالها باستعمال الأخف فالأخف حتى الفيئة إلى أمر الله، أي الرجوع إلى كتابه، فإن رجعت وجب حمل الفئتين على الإنصاف والعدل، فإن الله يحب العادلين المحقين، ويجازيهم أحسن الجزاء. والفئة الباغية في اصطلاح الفقهاء: فرقة خالفت الإمام بتأويل سائغ في

стр. 7804

الظاهر، باطل بطلانا مطلقا بحسب الظن لا القطع. أما المرتد فتأويله باطل قطعا، فليس باغيا، وكذا الخوارج في الاعتقاد دون قتال المسلمين وهم صنف من المبتدعة يكفّرون من أتى بمعصية كبيرة، ويسبّون بعض الأئمة، ليسوا بغاة، وكذلك مانع حق الشرع لله أو للعباد ليس باغيا، لأنه لا تأويل له. ولا بد أن يكون للبغاة شوكة وعدد وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفة ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفرادا يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي. وأكثر العلماء على أن البغاة ليسوا بفسقة ولا كفرة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. وقال علي ﵁: إخواننا بغوا علينا، ولكنهم يخطئون فيما يفعلون، ويذهبون إليه من التأويل، مثل الخوارج الذين خرجوا على عليّ ﵁، ومثل معاوية وأتباعه كانوا بغاة للحديث المشهور أن عمارا تقتله الفئة الباغية، ومثل مانعي الزكاة في عهد أبي بكر. ٣ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أن المؤمن بارتكاب المعصية الكبيرة كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا وأكل مال اليتيم لا يخرج عن كونه مؤمنا، لأن الباغي جعل من إحدى الطائفتين، وسماهما تعالى مؤمنين. ٤ - إن قتال الفئة الباغية لدفع الصائل. وفصل العلماء الحكم في البغاة فقالوا: إن اقتتلت فئتان على البغي منهما جميعا، أصلح بينهما، فإن لم يصطلحا وأقامتا على البغي، قوتلتا. وإن كانت إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن ترضى بالصلح، فإن تم الصلح بينها وبين المبغي عليها، وجب عقده بالقسط والعدل. فإن أثيرت شبهة أزيلت بالحجة النيّرة والبرهان القاطع الدال على الحق. وفي الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم

стр. 7805

يقاتلوا، لأنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا.﴾. (١). ٥ - في الآية دليل واضح على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين، وعلى إبطال قول من منع من قتال المؤمنين، محتجا بحديث أخرجه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن مسعود: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ونص الآية صريح في الرد على هذا، ٦ - قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوّل الصحابة، وإياها عنى النبي ﷺ بقوله: «تقتل عمّارا الفئة الباغية» (٢) أي عمار بن ياسر. ٧ - لا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة. ٨ - الأمر بقتال البغاة فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولذلك تخلّف قوم من الصحابة ﵃ عن هذا الأمر، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، وصوّب ذلك علي بن أبي طالب ﵁ عملهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه. ٩ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ﴾ يدل على أن من العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل، وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستمرار في البغي. ١٠ - ما يبدأ به البغاة: إذا خرجت على الإمام العدل فئة خارجة باغية

стр. 7806

ولا حجة لها، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافة أو بمن فيه كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، وهو الحق الذي دعا الله إليه قبل القتال، فإن أبوا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم، ولا يذفّف (١) على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم (٢) ولا أموالهم. وإذا قتل العادل الباغي أو الباغي العادل وهو وليّه لم يتوارثا، ولا يرث قاتل عمدا على حال. وأما الذين لهم تأويل بلا شوكة فيلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال كقطاع الطرق إذا قاتلوا. ١١ - ما استهلكه البغاة: إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع. ١٢ - أموال البغاة وأسراهم وجرحاهم: اختلف الفقهاء في أموال البغاة التي أخذت منهم أثناء قتالهم، فقال محمد بن الحسن: لا تكون أموالهم غنيمة، وإنما يستعان بسلاحهم وكراعهم (خيولهم) على حربهم، فإذا انتهت الحرب رد المال إليهم. وروي عن أبي يوسف أن ما وجد في أيدي أهل البغي من كراع وسلاح، فهو فيء يقسم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه. وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ما استهلكه الخوارج من دم أو مال، ثم تابوا لم يؤخذوا به، وما كان قائما بعينه ردّ إليهم. وقال أبو حنيفة: يضمنون. وأما أسراهم وجرحاهم فلا يقتلون.

стр. 7807

والقول الأصح: ما فعله الصحابة في حروبهم، لم يتبعوا مدبرا، ولا ذفّفوا على جريح، ولا قتلوا أسيرا، ولا ضمنوا نفسا ولا مالا، وهم القدوة في ذلك، قال ابن عمر قال النبي ﷺ : «يا عبد الله أتدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» وأخرج الحاكم مثل ذلك عن ابن مسعود، وروي مثله عن ابن عباس. أما ما كان قائما رد بعينه. ١٣ - أقضية البغاة وأحكامهم: لو تغلب البغاة على بلد، فأخذوا الصدقات، وأقاموا الحدود، وحكموا فيهم بالأحكام، لم تثنّ عليهم الصدقات ولا الحدود، ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان خلافا للكتاب أو السنة أو الإجماع، كما تنقض أحكام أهل العدل والسنة. وأما أقضيتهم في الخصومات، فقال أبو يوسف ومحمد: لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل البغي ولا شهادته ولا حكمه، إلا أن يوافق رأيه، فيستأنف القضاء فيه (١). ١٤ - لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذا كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوا وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد أمرنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بخير، لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ، وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٣٤/ ٢]. وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: «تلك دماء قد طهّر الله منها يدي، فلا أخضّب بها لساني» أي

стр. 7808

تحرزا من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه. وقال ابن فورك: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات، كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف. ١٥ - إنما المؤمنون إخوة في الدين والحرمة، لا في النسب، ذكر القرطبي: أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوّة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب (١). جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تناجشوا (٢)، وكونوا عباد الله إخوانا». وقد سبق إيراد أحاديث كثيرة في تآخي المسلمين، فالمسلمون إخوة، وكأن الإسلام أب لهم، ينتمون إليه كما ينتمي الإخوة إلى أبيهم: أبي الإسلام لا أب لي سواه... إذا افتخروا بقيس أو تميم ١٦ - في آية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ والتي قبلها دليل كما تقدم على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين، مع كونهم باغين، قال الحارث الأعور: سئل علي بن أبي طالب ﵁ -وهو القدوة-عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفّين: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فرّوا، فقيل: أمنافقون؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وفي هذه الآية دليل على جواز إطلاق لفظ الإخوة بين المؤمنين من جهة

стр. 7809

الدين. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ دليل على أن من رجا صلاح ما بين متعاديين من المؤمنين أن عليه الإصلاح بينهما (١). - ٣ - آداب المؤمن مع المؤمن ومع الناس كافة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ الإعراب: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ ﴿الْفُسُوقُ﴾: بدل من ﴿الاِسْمُ﴾، لإفادته أنه فسق. ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أصله: تتجسسوا، فحذف منه إحدى التاءين. ﴿لِتَعارَفُوا﴾ أصله لتتعارفوا، حذف منه إحدى التاءين. البلاغة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟﴾ تشبيه تمثيلي، مثّل المغتاب بمن يأكل لحم الإنسان الميت، وفيه تقبيح التشبيه بأقبح الصور.

стр. 7810

المفردات اللغوية: ﴿لا يَسْخَرْ﴾ لا يهزأ ولا يحتقر ولا يعيب، والسّخرية والسخرى: الازدراء والاحتقار، ويقال: سخر به وسخر منه. وقد تكون السخرية: بمحاكاة القول أو الفعل أو الإشارة. ﴿قَوْمٌ﴾ هم الرجال دون النساء، فالقوم مختص بالرجال، لأنهم قوّامون على النساء. ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يعب بعضكم بعضا، ولا تعيبوا، فتعابوا، واللمز: الطعن والتنبيه إلى المعايب بقول أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما. ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ أي لا تتداعوا بالمكروه من الألقاب، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفا، ومنه: يا فاسق، ويا كافر. ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ أي ساء الاسم والصيت، وهو المذكور من السخرية واللمز والتنابز، بأن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به، والمراد تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين، مأخوذ من قولهم: طار اسمه في الآفاق أي ذكره وشهرته. ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ من ذلك المنهي عنه. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فهم لا غيرهم ظلمة، بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب. ﴿اِجْتَنِبُوا﴾ تباعدوا وكونوا بمنأى عنه أو على جانب منه. ﴿كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ ﴿الظَّنِّ﴾ حد وسط بين العلم (اليقين) والشك أو الوهم، وهو ما يطرأ للنفس بسبب شبهة أو أمارة قوية أو ضعيفة. وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل من أي نوع، فبعض الظن واجب الاتباع كالاجتهاد في الأحكام العملية وحسن الظن بالله، وبعضه حرام كالظن في الإلهيات والنبوات، أو عند مصادمة الدليل القاطع، وظن السوء بالمؤمنين، وبعضه مباح كالظن في الأمور المعاشية. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ أي ذنب مؤثم موجب العقوبة عليه، وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهو تعليل مستأنف للأمر بالاجتناب. ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ التجسس: البحث عن العورات والمعايب وكشف ما ستره الناس. ﴿وَلا يَغْتَبْ﴾ الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، وإن كان العيب فيه. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟﴾ أي لا يحسن به، وهو تمثيل لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفحش وجه، مع مبالغات الاستفهام المقرّر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم، وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخا وميتا، وتعقيب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي تقريرا وتحقيقا لذلك، أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم أكل لحوم البشر فكرهتموه، فاكرهوا الغيبة التي هي مثل الأكل المذكور. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ عقاب الله في الاغتياب، بأن تتوبوا منه. ﴿إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ قابل توبة التائبين بكثرة، رحيم بهم، فيجعل صاحب التوبة كمن لم يذنب.
следующие страницы →