﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ، فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ.﴾ ..
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو خوفتنا؟ فنزلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾.
وقال الحسن وقتادة: قالت اليهود: إن الله خلق الخلق في ستة أيام، واستراح يوم السابع، وهو يوم السبت، يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن أنذر الله تعالى منكري البعث بالعذاب الأليم في الآخرة، عاد إلى التهديد والإنذار بعذاب الدنيا المهلك والدمار الشامل، وتوسط الإنذارين بيان حال المتقين في الجنان للجمع بين الترهيب والترغيب كما تقدم، ثم أبان تعالى أن الإهلاك عظة وتذكير وعبرة لكل ذي عقل واع، مفكر بالربط بين الأسباب والنتائج.
ثم أعاد الله تعالى دليل إمكان البعث من خلق السموات والأرض مرة أخرى مع تنزيه نفسه عن العناء والتعب في الخلق، ثم أمر تعالى رسوله ﷺ بالصبر على ما يقولون من إنكار البعث ومن حديث التعب بالاستلقاء، وبتنزيه الله عن كل نقص منتظرا المنادي، ولا تكن من الغافلين حتى لا تصعق يوم الصيحة، فقد اقترب يوم البعث، وسمع صوت الداعي إليه، فالله هو المحيي والمميت وإليه المصير، يوم تتشقق الأرض سراعا ويخرج الناس من القبور، ثم أخبر سبحانه رسوله ﷺ بعلمه بما يقول المشركون في البعث، فلست عليهم بجبار مصيطر، وتابع مهمتك في الإنذار وتبليغ الدعوة بالتوحيد، وذكّر بهذا القرآن من يخاف عقابي ويخشى وعيدي.
стр. 7877
التفسير والبيان:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً، فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ، هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾؟ أي وكثيرا ما أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين من قريش ومن وافقهم، من أمم وجماعات، كانوا أكثر منهم، وأشد قوة، وآثارا في الأرض، كعاد وثمود وقوم تبّع وغيرهم، وقد أثروا في البلاد، فساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب، أكثر مما طفتم بها، فهل لهم من مفر أو مهرب يهربون إليه، يتخلصون به من العذاب، ومن قضاء الله وقدره، وهل نفعهم ما جمعوه من أموال، وردّ عنهم عذاب الله لما جاءهم لتكذيبهم الرسل، فأنتم أيضا لا مفر لكم، ولا محيد، ولا مناص، ولا مهرب.
ثم ذكر الله تعالى أن تلك الإنذارات والتهديدات والزواجر لا ينتفع بها إلا المفكرون، فقال:
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي إن فيما ذكر من قصة هؤلاء الأمم، وما ذكر في هذه السورة وما قبلها من الآداب والمواعظ، سواء بين الأفراد أو بين الجماعات، لتذكرة وموعظة وعبرة لمن يعتبر بها، من كل ذي عقل واع، يتأمل به، ويتدبر الحقائق والأسباب والنتائج.
ثم أعاد الله تعالى دليل إمكان البعث مرة أخرى، فقال:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي وتالله لقد أوجدنا من غير مثال سبق السموات والأرض وما بينهما من عجائب المخلوقات، في أيام ستة، وما أصابنا أي إعياء ولا تعب ولا نصب.
وهذا رد على اليهود، فإنهم-كما قال قتادة-قالوا: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام أولها الأحد، وآخرها الجمعة، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تعالى تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه.
стр. 7878
والآية تقرير للمعاد، لأن من قدر على خلق السموات والأرض، ولم يتعب بخلقها، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف ٣٣/ ٤٦] وكما قال : ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠].
ذكر الرازي أن المراد بقوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ ستة أطوار، لا الأيام المعروفة في وضع اللغة، لأن اليوم عبارة عن زمان مكث الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى الغروب، وقبل خلق السموات لم يكن شمس ولا قمر، لكن اليوم يطلق ويراد به الوقت أو الحين (١).
ثم أوضح الله تعالى لنبيه الموقف الذي يتخذه في مواجهة منكري البعث واليهود المشبّهة للخالق بالمخلوق، فقال آمرا له بعدة أوامر هي:
١ - ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي اصبر أيها الرسول على ما يقوله المشركون المكذبون بالبعث، وعلى ما يقوله اليهود من حديث التعب والاستلقاء، فتلك أقوال باطلة لا دليل عليها.
٢ - ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ أي ونزّه دائما الله ربك عن كل عجز ونقص، واحمده دائما، قائلا: سبحان الله وبحمده، وقت الفجر ووقت العصر، وبعض الليل، وفي أعقاب الصلوات.
وقال ابن عباس: المراد بالتسبيح والتحميد قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: الظهر والعصر، ومن الليل: العشاءان، وأدبار
стр. 7879
السجود: النوافل بعد الفرائض أو التسبيح بعد الصلاة. ومن قال: إن المراد بالتسبيح الصلاة، فلأن الصلاة تسمى تسبيحا، لما فيها من تسبيح الله تعالى.
وقد جاء الأمر بالتسبيح بعد الصلاة في أحاديث كثيرة منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «جاء فقراء المهاجرين، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدّثور (١) بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي ﷺ : وما ذاك، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون كما نتصدق، ويعتقون كما نعتق، قال ﷺ : أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبّحون وتحمّدون وتكبّرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، فقالوا:
يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال ﷺ :
﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾» [المائدة ٥٤/ ٥].
وجاء في صحيح الحديث:
أن النبي ﷺ كان يقول في دبر الصلاة المكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة.
٣ - ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أي واستمع أيها الرسول صيحة القيامة وهي النفخة الثانية في الصور من إسرافيل ﵇، يوم ينادي نداء يسمعه كل فرد من أفراد المحشر، قائلا: هلموا إلى الحساب، فيخرجون من قبورهم.
ولا مانع من عطف ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ على ﴿فَاصْبِرْ﴾ ﴿وَسَبِّحْ﴾ مع أن الصبر والتسبيح يكون في الدنيا، والاستماع يكون يوم القيامة، لأن المراد كما في
стр. 7880
قولهم: صل وادخل الجنة، أي صل في الدنيا، وادخل الجنة في العقبى. ويحتمل أن يقال: بأنّ ﴿اِسْتَمِعْ﴾ بمعنى انتظر.
قال الرازي: وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ إشارة إلى أن الصوت لا يخفى على أحد، بل يستوي في استماعه كل أحد، وعلى هذا فلا يبعد حمل المنادي على الله تعالى؛ إذ ليس المراد من المكان القريب المكان نفسه، بل ظهور النداء، وهو من الله تعالى أقرب (١).
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ، ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ يعني أن صيحة البعث كائنة حقا، وهي يوم سماع النفخة الثانية في الصور التي تنذر بالبعث والحشر والجزاء على الأعمال، وذلك اليوم يوم الخروج من القبور.
﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ، وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ أي إننا نحن نحيي في الدنيا والآخرة، ونميت في الدنيا حين انقضاء الآجال، لا يشاركنا في ذلك مشارك، وإلينا المرجع في الآخرة للحساب والجزاء، فنجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهذا تقرير القدرة الإلهية على الإحياء ابتداء وإعادة، وعلى الإماتة، وإجراء الحساب، وأكد ذلك بقوله:
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ أي وإلينا المصير وقت أن تتصدع الأرض عنهم، فيخرجون من القبور، ويساقون إلى المحشّر، مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم، ذلك بعث وجمع هيّن لدينا وعلينا، لا مشقة فيه ولا عسر، كما قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠/ ٥٤] وقال سبحانه: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان ٢٨/ ٣١].
стр. 7881
ثم هدد المشركين بقوله:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ أي نحن نعلم علما محيطا بما يقول لك المشركون، من التكذيب فيما جئت به، ومن إنكار البعث والتوحيد، وما أنت عليهم بمسلّط يجبرهم، ويقسرهم على الإيمان، إنما أنت مبلّغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد ٤٠/ ١٣] وقوله سبحانه:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢].
٤ - ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ أي فذكّر أيها الرسول بهذا القرآن العظيم، وبلّغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر به من يخاف الله ويخشى عقابه ووعيده للعصاة بالعذاب، ويرجو وعده وفضله ورحمته، وأما من عداهم فلا تشتغل بهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تعبر عن التحدي لدعوة النبي ﷺ وكيفية مواجهة التحدي والصمود أمامه، أو ما يعبر عنه اليوم الفعل ورد الفعل. ويفهم منها ما يأتي:
١ - هدد الله المشركين من كفار قريش وأمثالهم وأنذرهم وحذرهم بعذاب الآخرة الأليم، وبعذاب الدنيا المدمر الذي أوقعه بمن قبلهم من الأمم والشعوب المكذبة رسلها، مع أنهم كانوا أقوى وأصلب وأغنى وأكثر مالا وأرقى مدنية وحضارة من أهل مكة.
فلم يجدوا مهربا ولا مفرا من الإهلاك والتدمير، وكذلك لا يجد أمثالهم ملجأ ولا محيدا من إيقاع العذاب المماثل بهم.
٢ - إن في هذا الإنذار والتهديد والتخويف والمذكور في هذه السورة تذكرة وموعظة لكل ذي قلب أي عقل يتدبر به، فكنى بالقلب عن العقل، لأنه
стр. 7882
موضعه في رأي القرطبي وغيره من المتقدمين.
٣ - بالرغم من هذا التذكير العام بما سبق، أعاد الله تعالى دليل إمكان البعث مرة أخرى للرد على منكريه، وللرد على اليهود الذين زعموا أن الله تعالى بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، فأكذبهم الله تعالى في ذلك.
٤ - علّم الله نبيه محمدا ﷺ في مواجهة هذه التحديات لرسالته بأربعة أوامر: هي الصبر على ما يقولون، والاستعانة على ذلك بالتسبيح والصلاة، لتقوية الإرادة والعزيمة بالصبر، وتقوية الروح بالتسبيح والصلاة، ففي ذلك لقاء مع خالق الوجود، وتفويض له، واستلهام منه، واستعانة واستغاثة به وبقدرته الفائقة الباهرة.
والأمر الثالث: الاشتغال بتنزيه الله تعالى مدى الدهر، كقوله سبحانه:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر ٩٩/ ١٥] أي الموت، والاستماع لما يخبره الله به من أهوال القيامة، وتحذيره أن يكون مثل هؤلاء المعرضين.
والأمر الرابع: التذكير بالقرآن، ومتابعة تبليغ الرسالة ودعوة الله، لمن يخاف عقاب الله ويخشى وعيده. كان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك يا بارّ يا رحيم. ونحن نقول معه ذلك إلى الأبد.
وتخلل هذه الأوامر الأربعة إخبار بأمور أربعة تساعد على امتثال الأوامر واستهلاك طاقات التحدي واستيعابها وإنهائها: وهي التذكير بسماع صيحة القيامة وصيحة البعث والحشر للجزاء والحساب يوم خروج الناس من القبور، وإعلان حقيقة كون الله هو المحيي والمميت وإليه مصير الخلائق للحساب والجزاء، وإظهار كيفية تصدع الأرض وتشققها لخروج الناس الموتى منها أحياء مسرعين لإجابة نداء المنادي إلى المحشر، علما بأن ذلك الحشر والجمع هيّن يسير على الله،
стр. 7883
وإعلام الكفار وغيرهم بأن علم الله محيط شامل لكل ما يقولون، وما يعملون من تكذيب وشتم.
وهذه الأمور الأربعة في غاية التهويل والتفخيم والتهديد لأهل التحدي ودعاة التحدي وأعوانهم وسلالاتهم وأشياعهم في كل عصر.
انتهى الجزء فلله الحمد والمنة
стр. 7884
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الذاريات
مكيّة، وهي ستون آية.
تسميتها:
سميت (سورة الذاريات) لافتتاحها بالقسم بالذاريات، وهي الرياح التي نذر والتراب وغيره، أي تفرقه وتنقله من مكان إلى آخر. والقسم بها دليل على خطورتها، وأنها من جند الله تعالى.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين:
١ - ختمت سورة ق بذكر البعث والجزاء والجنة والنار في قوله تعالى:
﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ وافتتحت هذه السورة بالقسم بالرياح والسحب والسفن والملائكة على أن ما وعد به الناس من ذلك صادق، وأن الجزاء واقع.
٢ - ذكر في سورة ق إجمالا إهلاك الأمم المكذبة، كقوم نوح، وعاد وثمود، ولوط وشعيب، وتبّع، وفي هذه السورة تفصيل ذلك في قصص إبراهيم ولوط وموسى وهود وصالح ونوح ﵈.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية إثبات أصول العقيدة والإيمان وهي
стр. 7885
التوحيد والرسالة والبعث، ونفي أضدادها وهي الشرك، وتكذيب النبوة، وإنكار المعاد.
وقد افتتحت ببيان دلائل البعث ووقوع المعاد من عجائب الكون، بالقسم على حدوثه حتما بأربعة أمور هي الرياح المحركة للأشياء، والسحب التي تحمل الأمطار، والسفن الجارية بسهولة في البحار والأنهار الكبرى، والملائكة التي تقسّم المقدرات الربانية، وتدبّر أمر الخلق.
ثم ذكرت السورة أحوال كفار مكة وغيرهم الذين كذبوا بالقرآن وبالآخرة وما يلقونه من العذاب الشديد في نار جهنم، كما ذكرت أحوال المؤمنين المتقين وما أعد لهم من جنات ونعيم في اليوم الآخر، ليدرك العاقل الفرق بينهما، ويقترن الترهيب بالترغيب للعظة والعبرة.
وتأكيدا لتلك الغاية أشارت الآيات إلى أدلة القدرة الإلهية والوحدانية في الأرض والسماء والأنفس وضمان الأرزاق للعباد، وأوردت أخبار الأمم السالفة التي كذبت رسلها، فكان مصيرهم الدمار والهلاك، وهم قوم إبراهيم ولوط وموسى، وعاد وثمود، وقوم نوح. وكان في الحديث عن قصص هؤلاء الرسل مع أقوامهم تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه.
ثم عادت إلى التذكير ببناء السماء وفرش الأرض وإيجاد الزوجين لبقاء النوع الإنساني والحيواني، وأعقبت ذلك بالتزهيد في الدنيا، والفرار إلى الله من مخاطرها، والنهي عن الشرك بالله، والإخبار عن تكذيب الرسل باستمرار، وأمر النبي ﷺ بالإعراض عن قومه، وتذكير من تنفعه الذكرى من المؤمنين.
وختمت السورة ببيان الهدف من خلق الجن والإنس وهو معرفة الله تعالى وعبادته والإخلاص له، وأخبرت بكفالة الرزق لكل مخلوق، وأوعدت الكفار والمشركين الظالمي أنفسهم بعذاب شديد يوم القيامة، وهددتهم بعذاب في الدنيا مماثل لعذاب أمثالهم ونظرائهم من المكذبين السابقين.
стр. 7886
القسم على وقوع البعث
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالذّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾
الاعراب:
﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً﴾ الواو: واو القسم، ﴿وَالذّارِياتِ﴾ صفة لموصوف محذوف تقديره:
ورب الرياح الذاريات، فحذف الموصوف، وجواب القسم: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾.
﴿فَالْحامِلاتِ وِقْراً﴾ ﴿وِقْراً﴾ مفعول الحاملات.
﴿فَالْجارِياتِ يُسْراً﴾ ﴿يُسْراً﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: جريا يسرا، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه، أو مصدر في موضع الحال، أي ميسرة.
﴿إِنَّما تُوعَدُونَ﴾ ما: مصدرية أو موصولة، وهو جواب القسم.
﴿أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ في موضع رفع على البدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول، إلا أنه بني، لأنه أضيف إلى غير متمكن.
البلاغة:
﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ في قوله: ﴿قُتِلَ﴾ استعارة تبعية، حيث استعار القتل للدعاء عليهم باللعن، لأن الملعون يشبه المقتول في الهلاك.
стр. 7887
المفردات اللغوية:
﴿وَالذّارِياتِ﴾ الرياح تذرو التراب وغيره. ﴿فَالْحامِلاتِ﴾ السحب تحمل الأمطار.
﴿وِقْراً﴾ ثقلا. ﴿فَالْجارِياتِ﴾ السفن التي تجري على سطح الماء. ﴿يُسْراً﴾ بسهولة أو جريا سهلا. ﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً﴾ الملائكة التي تقسّم أمور العباد والأمطار والأرزاق وغيرها.
﴿إِنَّما تُوعَدُونَ﴾ أي إن وعدكم بالبعث وغيره. ﴿لَصادِقٌ﴾ لوعد صادق. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ الجزاء بعد الحساب. ﴿لَواقِعٌ﴾ لحاصل لا محالة. استدل تعالى باقتداره على هذه الأشياء على اقتداره على البعث الموعود.
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الطرق جمع حبيكة، إما الطرق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو الطرق المعقولة التي يتوصل بها إلى المعارف. ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ إنكم يا أهل مكة في شأن القرآن الكريم والنبي ﷺ في قول متناقض مضطرب، فتقولون تارة: سحر وساحر، وتارة: شعر وشاعر، وتارة: كهانة وكاهن، وتقولون أحيانا: الله خالق السموات والأرض، ثم تقولون بعبادة الأوثان معه، وفي شأن الحشر: تارة تقولون: لا حشر ولا بعث، وأخرى تقولون:
الأصنام شفعاؤنا يوم القيامة عند الله.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يصرف عن الرسول أو القرآن أو الإيمان من صرف عن الهداية في علم الله تعالى، إذ لا صرف أشد منه.
﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ لعن الكذابون من أصحاب القول المختلف. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ جهل يغمرهم. ﴿ساهُونَ﴾ غافلون عما أمروا به. ﴿يَسْئَلُونَ﴾ النبي سؤال استهزاء. ﴿أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ متى مجيء يوم الجزاء؟ وجوابهم محذوف، أي يجيء. ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون، يقال:
فتنت الذهب: أحرقته وأذبته ليعرف غشه، فاستعمل في الإحراق والتعذيب. ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا تعذيبكم. ﴿هذَا﴾ التعذيب. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وقوعه في الدنيا استهزاء.
التفسير والبيان:
لما بيّن الله تعالى في آخر سورة ق المتقدمة أن المشركين مصرّون على إنكار الحشر بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم، لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان، فافتتحت هذه السورة بذلك:
﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً، فَالْحامِلاتِ وِقْراً، فَالْجارِياتِ يُسْراً، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً،
стр. 7888
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ أقسم الله سبحانه هنا لإثبات الحشر بالمتحركات، لأن الحشر فيه جمع وموج وتفريق، وهو بالحركة أليق، فأقسم بالرياح التي تذرو وتفرّق التراب وكل ما شأنه أن يتطاير متجاوزة قانون الجاذبية الأرضية، وبالسحب التي تحمل الماء بكميات ثقيلة، وبالسفن التي تجري فوق وجه الماء، وبالملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار بين العباد، وكل ملك مخصص بأمر، فجبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء، وميكائيل الموكل بالرزق والرحمة، وإسرافيل صاحب الصّور، وعزرائيل لقبض الأرواح.
أقسم سبحانه بتلك المظاهر الكونية المرئية وغير المرئية العجيبة التأثير على أن ما وعد به الناس من الحشر إلى الله تعالى، ووقوع المعاد، لصادق غير كاذب، وأن الجزاء من الثواب والعقاب لكائن حاصل لا محالة.
وكان هذا القسم تأكيدا لإخباره بوقوع الحشر ويسره وسهولته في السورة السابقة ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ وفيه إشارة إلى إنكار مشركي مكة وأمثالهم البعث وإصرارهم على الكفر به بعد إقامة البرهان عليه.
والحكمة من القسم هنا وفي غير ذلك من السور أن العرب كانت تعتقد أن النبي ﷺ قوي الحجة، غالب في المجادلة والبرهان، فأقسم الله لهم بكل شريف ليعلموا صدقه، ويؤكد حجته، كما أنهم كانوا يعتقدون أن الأيمان الكاذبة تدع الديار بلاقع (خرائب) وأنها تضر صاحبها، فحلف الله لهم للتصديق والثقة التامة، وهم يعلمون أيضا أن النبي ﷺ لا يحلف كاذبا، ولم يصب بسوء بعد أيمانه، بل ازداد رفعة وثباتا، مما يدل على كونه صادقا فيما يقول.
ثم إن هذه الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل على كامل قدرته على البعث وغيرها، فمن أوجد هذه الأشياء وصرّفها كيفما يشاء قادر بلا شك على البعث وإعادة الخلق مرة أخرى يوم القيامة.
стр. 7889
﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي والسماء ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء، فكل شيء أحكمته وأحسنت عمله، فقد حبكته واحتبكته، أو ذات الشدة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق ١١/ ٨٦] أو ذات الطرائق والممرات المحكمة وهي ممرات الكواكب، والبناء المتقن، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١/ ٨٥].
والخلاصة: والسماء ذات البنيان المتقن والجمال والحسن والطرائق المحكمة إنكم يا كفار قريش لفي قول مضطرب متناقض غير متلائم في أمر القرآن والرسول، فمرة تقولون في القرآن: شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين، وحينا تقولون في الرسول: شاعر وساحر وكاهن ومجنون، وإنما يصرف عن هذا القرآن والإيمان به من كذّب به، ويروج على من هو ضال في نفسه، جاهل غمر لا فهم له، لأنه قول باطل، يصرف بسببه من صرف عن الإيمان برسول الله ﷺ ، وهو قول متناقض، إذ الشاعر أو الساحر أو الكاهن يحتاج إلى عقل وذكاء وفطنة، أما المجنون فلا عقل عنده.
﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ لعن وقبح الكذابون أصحاب القول المختلف المرتابون في وعد الله ووعيده، الذين هم في جهل يغمرهم، غافلون في الكفر والشك عما أمروا به وعما هم قادمون عليه.
وهذا في الأصل دعاء عليهم بالقتل والهلاك، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ [عبس ١٧/ ٨٠] ثم جرى مجرى: لعن وقبح.
﴿يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي يسألك المشركون تكذيبا وعنادا واستهزاء، قائلين: متى يوم الجزاء؟ فقل لهم: إنه يوم يعذب الكفار ويحرقون في نار جهنم، يقال: فتنت الذهب: إذا أحرقته لتختبره.
стр. 7890
ويقال لهم من الخزنة:
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا عذابكم أو حريقكم، هذا العذاب الذي كنتم تتعجلون به أو تطلبون تعجيله استهزاء منكم، وظنا أنه غير كائن.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي:
١ - تعظيم المقسم به وهو الرياح الشديدة التأثير التي لا تخضع لقانون الجاذبية، والسحب المحملة بأحمال ثقيلة وهي الأمطار سبب الرزق والخيرات، والسفن الجارية فوق سطح الماء، والملائكة التي تقسّم الأمطار وأرزاق العباد وأمورهم. ولله أن يقسم على ما يشاء، في أي وقت يشاء، ولكل أمر يشاء.
ويلاحظ أن جميع السور التي بدئت بغير الحروف، كهذه السورة، كان المقسم عليه أحد أصول الاعتقاد: التوحيد، والرسالة، والبعث، فسورة الصافات أقسم فيها على التوحيد، فقال: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ (٤) وفي سورة النجم والضحى أقسم على صدق الرسول، حيث قال: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ (٢) ﴿وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (١ - ٣) وبقية السور كان المقسم عليه هو البعث والجزاء.
كما يلاحظ أيضا أن الله تعالى أقسم بمجموع المؤنث السالم في سور خمس، ففي سورة والصافات لإثبات الوحدانية أقسم بالساكنات، وفي السور الأربعة الباقية أقسم بالمتحركات لإثبات الحشر، فقال: ﴿وَالذّارِياتِ﴾ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ ﴿وَالنّازِعاتِ﴾ ﴿وَالْعادِياتِ﴾ لأن الحشر فيه جمع وتفريق، وذلك بالحركة أليق، كما تقدم.
стр. 7891
٢ - إن المقسم عليه هو صدق وعد الله بالحشر والبعث والمعاد، ووقوع الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
٣ - أقسم الله تعالى مرة ثانية في مطلع هذه السورة بالسماء ذات البنيان المتقن والجمال البديع، والاستواء، والطرائق المحكمة على أن المشركين في قول متخالف متناقض في شأن الله ، حيث قلتم: إنه خالق السموات والأرض، وتعبدون معه الأصنام، وفي شأن الرسول ﷺ ، حيث قلتم تارة: إنه مجنون، وتارة أخرى: إنه ساحر، والساحر لا يكون إلا عاقلا، وفي أمر الحشر قلتم: لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلا، وزعمتم أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة، ونحو ذلك من الأقوال المتناقضة.
٣ - يصرف عن الإيمان بالقرآن والرسول من صرف عنه في سابق علم الله تعالى، وقضائه السابق، لعلمه بأنه ضال في نفسه.
٤ - لعن الكذابون من أصحاب القول المختلف المتناقض، المرتابون في وعد الله ووعيده، الذين يقولون: لسنا نبعث، ويتخرصون بما لا يعلمون، فيقولون: إن محمدا مجنون كذّاب ساحر شاعر، علما بأنهم في جهل، غافلون عما أمروا به. وهذا دعاء عليهم، لأن من لعنه الله، فهو بمنزلة المقتول الهالك.
٥ - كان مشركو مكة وغيرهم من العرب متجبرين معاندين مصرين على كفرهم، مما جعلهم يسألون استهزاء وشكا في القيامة وعنادا: متى يوم الحساب؟ فأجابهم ربهم بأنه اليوم الذي يحرقون فيه في نار جهنم، ثم وبخهم الله وتهكم بهم قائلا لهم أو تقول الخزنة لهم: ذوقوا عذابكم وجزاء تكذيبكم، ذلك العذاب الذي كنتم تستعجلون به في الدنيا، وتسألون عنه استهزاء وكفرا به.
стр. 7892
جزاء المتقين وأوصافهم
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾
الاعراب:
﴿آخِذِينَ﴾ حال من الضمير في حبر ﴿إِنَّ﴾.
﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً﴾ إما صفة مصدر محذوف، أي يهجعون هجوعا قليلا، أو صفة لظرف محذوف، أي كانوا يهجعون وقتا قليلا، و ﴿ما﴾ زائدة، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مع ما بعدها مصدرا في موضع رفع على البدل من ضمير. كان و ﴿قَلِيلاً﴾ خبر كان، وتقديره: كان هجوعهم من الليل قليلا. وقال السيوطي: يهجعون: خبر كان، و ﴿قَلِيلاً﴾ ظرف.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿آياتٌ﴾ مبتدأ، ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ خبره.
ولا يجوز أن يتعلق ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بقوله تعالى: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ على تقدير: أفلا تبصرون في أنفسكم، لأنه يؤدي إلى أن يتقدم ما في حيّز الاستفهام على حرف الاستفهام.
﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ﴿مِثْلَ﴾ حال من الضمير في ﴿حَقٌّ﴾ و ﴿ما﴾ زائدة، ويقرأ بالرفع على أنه صفة ﴿حَقٌّ﴾ لأنه نكرة: لأنه لا يكتسي التعريف بالإضافة إلى المعرفة وهي ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأن وجوه التماثل بين الشيئين كثيرة غير محصورة.
البلاغة:
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ مجاز مرسل، أطلق الرزق، وأراد المطر، لأنه سبب الأقوات.
﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فيه تأكيد الخبر بالقسم وإنّ واللام، وهذا النوع من التأكيد الإنكاري، لأن المخاطب منكر لذلك.
стр. 7893
المفردات اللغوية:
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ ينابيع تجري فيها ﴿آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قابلين لما أعطاهم، راضين به، وهو ما أعطاهم ربهم من الثواب، والمعنى: أن كل ما آتاهم ربهم حسن مرضي، متلقّى بالقبول ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي إنهم قبل دخولهم الجنة قد أحسنوا أعمالهم في الدنيا، وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك.
﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أي ينامون في زمن يسير من الليل، ويصلون أكثره، والهجوع: النوم، والهجعة: النومة الخفيفة. ﴿وَبِالْأَسْحارِ﴾ أواخر الليل، جمع سحر: وهو الجزء الأخير من الليل قبيل الفجر. ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقولون: اللهم اغفر لنا، أي إنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا، أخذوا في الاستغفار.
﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ﴾ نصيب يوجبونه على أنفسهم، تقربا إلى الله، وإشفاقا على الناس.
﴿لِلسّائِلِ﴾ المستعطي المستجدي. ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ الذي حرم من المال، والمراد به المتعفف الذي يظن كونه غنيا، فيحرم الصدقة.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ أي في كرة الأرض من الجبال والبحار والأشجار والثمار والمعادن والنبات والإنس والجن والحيوان وغير ذلك دلائل على قدرة الله تعالى ووحدانيته. ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ الموحّدين الذين أيقنوا بالله، وسلكوا الطريق الموصل إلى رضوان الله. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي في تركيب أنفسكم وخلقكم من العجائب آيات أيضا. ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تنظرون نظرة متأمل معتبر، يستدل بذلك على الصانع وقدرته. ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي في السحاب أسباب الرزق وهو المطر الذي ينشأ عنه النبات الذي هو رزق مسبب عن المطر. ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ أي والذي توعدونه من الخير والشر والثواب والعقاب. ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أي ما توعدون حق ثابت. ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أي مثل نطقكم، فكما أنه لا شك في أنكم تنطقون، لا شك في تحقق ذلك.
سبب نزول الآية (١٩):
﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ..﴾.: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الحنفية أن رسول الله ﷺ بعث سرية، فأصابوا وغنموا، فجاء قوم بعد ما فرغوا-لم يشهدوا الغنيمة-، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
قال ابن كثير: وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية
стр. 7894
شاملة لما بعدها (١). قال ابن عباس: إنه حق سوى الزكاة يصل به رحما، أو يقري به ضيفا، أو يحمل به كلاّ، أو يغني محروما. وقال ابن العربي: لأن السورة مكية، وفرضت الزكاة بالمدينة.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى حال الفجار الأشقياء الذين كذبوا بالبعث، وأنكروا نبوة محمد ﷺ ، وعبدوا مع الله إلها آخر من وثن أو صنم، أراد تعالى أن يبين حال المؤمنين الأتقياء وأوصافهم وجزاءهم في الآخرة.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي إن الذين اتقوا ربهم، وتجنبوا ما يعرضهم لعذاب الله، من التزام أوامره واجتناب نواهيه، هم يوم المعاد في بساتين فيها عيون جارية، قابلين قبول رضا لكل ما أعطاهم ربهم، راضين به، فرحين بعطائه وفضله، بخلاف ما يتعرض له أولئك الأشقياء من العذاب والنكال والحريق والأغلاق. فقوله: ﴿آخِذِينَ﴾ كما ذكر الزمخشري:
قابلين قبول راض، كما قال تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة ١٠٤/ ٩] أي يقبلها. وقيل: الأخذ بمعنى التملك، يقال: بكم أخذت هذا؟ كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم. وعلى كل: الأخذ في هذا المقام إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، لما أسلفوا من حسن العبادة، ووفور الطاعة، ولهذا علله بقوله:
﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي، لأنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم الصالحة، يراقبون الله فيها، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة ٢٤/ ٦٩].
стр. 7895
ثم أبان الله تعالى وجوه إحسانهم في العمل، فقال:
﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ أي كانوا ينامون زمنا قليلا من الليل، ويصلون أكثره، فتكون ﴿ما﴾ زائدة وهو القول المشهور، و ﴿قَلِيلاً﴾ ظرف، ويجوز أن تجعل ﴿ما﴾ صفة للمصدر، أي كانوا يهجعون هجوعا قليلا. وأنكر الزمخشري كون ﴿ما﴾ نافية، تقديره: كانوا قليلا من الليل لا يهجعونه، وقال: لا يجوز أن تكون نافية، لأن ما بعد ﴿ما﴾ لا يعمل فيما قبلها، تقول: زيدا لم أضرب (١).
﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي يقولون في الجزء الأخير من الليل:
اللهم اغفر لنا وارحمنا. وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، وكأنهم باتوا في معصية، وهذا سيرة الكريم، يأتي بأبلغ وجوه الكرم، ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس، يأتي بأقل شيء، ثم يمنّ به، ويستكثر. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار.
ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة ﵃ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، حتى يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب، فأتوب عليه؟ هل من مستغفر، فأغفر له؟ هل من سائل، فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر».
وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب أنه قال لبنيه:
﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف ٩٨/ ١٢]: أخرهم إلى وقت السحر.
وبعد أن وصفهم تعالى بكثرة الصلاة التي هي عبادة بدنية، وصفهم بأداء العبادة المالية، فقال:
стр. 7896
﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ أي وجعلوا في أموالهم جزءا مقسوما معينا للفقراء والمحتاجين على سبيل البرّ والصلة، والسائل: هو الفقير الذي يبتدئ بالسؤال، والمحروم: هو الذي يتعفف عن السؤال، فيحسبه الناس غنيا، فلا يتصدّقون عليه.
أخرج الشيخان (البخاري ومسلم) في صحيحيهما عن رسول الله ﷺ قال:
«ليس المسكين بالطواف الذي تردّه اللّقمة واللقمتان، والتّمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه»
وفي لفظ آخر أخرجه ابن جرير وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، قيل: فمن المسكين؟ قال: الذي ليس له ما يغنيه، ولا يعلم مكانه، فيتصدق عليه، فذلك المحروم».
وللسائل حق،
أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «للسائل حق، وإن جاء على فرس».
والمشهور في الحق: أنه هو القدر الذي علم شرعا، وهو الزكاة، وهذا ما رجحه ابن العربي والجصاص الرازي وغيرهما أخذا بقول ابن عباس: نسخت الزكاة كل صدقة. وقال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا: الزكاة المفروضة.
قال القرطبي: والأقوى في هذه الآية أنها الزكاة، لقوله تعالى في سورة المعارج:
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [٢٤ - ٢٥] والحق المعلوم:
هو الزكاة التي بيّن الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما غيرها لمن يقول به، فليس بمعلوم، لأنه غير مقدّر ولا مجنّس ولا موقّت (١).
стр. 7897
ويؤيد ذلك
ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا أدّيت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك فيه».
وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت الحق الذي يجب عليك» قال الجصاص (١): فهذه الأخبار يحتج بها من تأول حقا معلوما على الزكاة، وأنه لا حق على صاحب المال وغيرها.
وقال منذر بن سعيد: هذا الحق: هو الزكاة المفروضة.
وبالرغم من أن هذا صحيح، وأنه قول الجمهور، فإن السورة مكية، وفرض الزكاة بالمدينة، وإذا فسر الحق بأنه الزكاة لم يكن صفة مدح، لأن كل مسلم كذلك يؤدي زكاة ماله، فالظاهر أن المراد بالآية هنا صدقات التطوع غير الزكاة، وهي أي الصدقات التي تعطى على سبيل البر والصلة، عن ابن عمر: أن رجلا سأله عن هذا الحق، فقال: الزكاة، وسوى ذلك حقوق، فعمم.
واحتج من أوجب في المال حقا سوى الزكاة بما
روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله ﷺ : أفي المال حق سوى الزكاة؟ فتلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ..﴾. الآية [البقرة ١٧٧/ ٢] فذكر الزكاة في نسق التلاوة بعد قوله: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ (٢).
ثم أكد الله تعالى وقوع الحشر والدلالة على قدرته بالأدلة الأرضية، فقال:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أي وفي معالم الأرض من جبال ووديان وقفار وأنهار وبحار وأصناف نبات وحيوان وناس مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى وتفاوت المعقول والفهوم وما في تركيب أجسادهم
стр. 7898
من عجائب الصنع، دلائل واضحة وعلامات ظاهرة على عظمة الخالق وقدرته الباهرة، للموقنين بالله، لأنهم الذين يعترفون بذلك، ويتدبرون فيه، فينتفعون به.
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله، وصدق ما جاءت به الرسل، أفلا تنظرون نظرة متأمل معتبر ناظر بعين البصيرة، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق، المتفرد بالألوهية، فليست نفوسكم مخلوقة بالصدفة ولا بالطبيعة، وإنما خالقها الله القادر على كل شيء، وعلى البعث وإعادة الحياة.
ففي النفس والدماغ ذي الملايين من الخلايا، وحواس السمع والبصر والإحساس واللمس والذوق، ودورة الدم، وأجهزة التنفس والهضم والبول، كل ذلك أدلة مقنعة لمن يعقلها، ولا يعقلها حقيقة إلا المؤمنون المتقون الله، أما غيرهم فيفسرها على أنها حقائق طبيعية مادية فقط.
ثم ذكر الله تعالى ضمانه الرزق للأنفس والعباد كلهم فقال:
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ أي، وفي السماء تقدير الأرزاق وتعيينها، وفيها ما توعدون من خير أو شر، وجنة ونار، وثواب وعقاب، ففي السماء التي هي السحاب المطر، وفي السماء أسباب الرزق من الشمس والقمر والكواكب والمطالع والمغارب التي تختلف بها الفصول، التي يكون تغيرها مناسبا لأنواع النباتات المختلفة التي تسقى بماء الأمطار، وتسوقها الرياح، وتغذيها الشمس بحرارتها، ويمنحها نور القمر قوة ونموا ونضجا.
ثم أقسم الله تعالى بذاته المقدسة على أحقية البعث وضمان الرزق، فقال:
﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أي فورب العزة والجلال، إن ما أخبرتكم به في هذه الآيات، وما وعدتكم به من أمر القيامة
стр. 7899
والبعث والجزاء، وتيسير الرزق وضمانه، حق لا مرية فيه، كائن لا محالة، فلا تشكّوا فيه، كما لا تشكّوا في نطقكم حين تنطقون، فهو كمثل نطقكم، فكما أنكم لا تشكون في نطقكم فكذلك هذا، كما تقول: إنه لحق، كما أنك تتكلم وترى وتسمع. وكان معاذ ﵁ إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك هاهنا.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي عدي عن الحسن البصري أنه قال:
بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم، ثم لم يصدقوا».
قال الأصمعي: أقبلت خارجا من البصرة، فطلع أعرابي على قعود، فقال:
من الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل عليّ، فتلوت ﴿وَالذّارِياتِ﴾ فلما بلغت قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ فقال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على الناس، وعمد إلى سيفه وقوسه، فكسرهما وولّى. فلما حججت مع الرشيد، طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلّم علي، واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: فهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فصاح، فقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! لم يصدقوه بقوله، حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثا، وخرجت معها نفسه (١).
وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي ﷺ ، فسمع
стр. 7900
قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ [هود ٦/ ١١] فرجع ولم يكلم النبي ﷺ وقال: «ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن مآل المتقين في بساتين فيها عيون جارية، على نهاية ما يتنزه به، قابلين قبول رضا، قريرة أعينهم بما أعطاهم ربهم من الثواب وأنواع الكرامات.
وهذا في مقابل مآل الكفار في نار جهنم في الآيات السابقة.
٢ - أوصاف المتقين المذكورة في هذه الآيات تنحصر في هذه الآيات تنحصر في هذه إحسانهم العمل وأداء الفرائض قبل دخولهم الجنة في الدنيا، ومظاهر إحسانهم العمل وأداء الفرائض قبل دخولهم الجنة في الدنيا، ومظاهر إحسانهم ثلاثة أشياء: تهجدهم بالليل بعد نومهم زمنا قليلا، واستغفارهم من ذنوبهم بالأسحار (أواخر الليل قبيل الفجر) وأداء حقوق أموالهم من الزكاة المفروضة وصدقات التطوع على سبيل البر والصلة. وإنما أضاف المال إليهم، وفي مواضع أخرى قال: ﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ [يس ٢٧/ ٣٦] لأن هذه الآية للحث على الإنفاق، وأما الآية التي في هذه السورة فهي مدح على ما فعلوا، مما يدل على أنهم في غير حاجة إلى التذكير بالحرص المانع من النفقة.
٣ - من أدلة قدرة الله على البعث والنشور: خلق الأرض والسماء والأنفس، ففي الأرض علامات على با هر قدرته، منها عود النبات بعد أن صار هشيما، ومنها أنه قدّر الأقوات فيها قواما للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة، ولا ينتفع بتلك العلامات ولا يتدبر بها إلا الموقنون، وهم العارفون ربهم الموحّدون إلههم، المصدّقون بنبوة نبيهم.
стр. 7901
وفي الأنفس البشرية آيات أيضا للمتأملين المؤمنين الموقنين، من تركيب الجسم العجيب، وتلازم الروح والجسد، والعقل والفؤاد، والقوى والإرادات، لذا عقبه تعالى بقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرة الله تعالى. وهذا إشارة إلى دليل الأنفس، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت ٥٣/ ٤١].
وفي السماء أسباب الرزق من مطر وثلج ينبت به الزرع، ويحيا به الخلق، وفيها تقدير ما يوعد به البشر من خير وشر، وجنة ونار، وثواب وعقاب. وفي الآيات الثلاث ترتيب حسن، فذكر الأرض وهي المكان، ثم عمرها وآنسها بالإنسان، ثم ذكر ما به بقاؤه وهو الرزق.
٤ - أكد رب العزة ما أخبر به من البعث، وما خلق في السماء من الرزق، وما قدّر من أقوات الحيوانات والنفوس البشرية، فأقسم عليه بأنه لحق، ثم أكده بقوله: ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أي مثل نطقكم، أي إن ذلك ثابت حسّا، كما يدرك الإنسان يسر نطقه وكلامه. وخص النطق من بين سائر الحواس: لأن ما سواه من الحواس يحدث فيه اللبس والتشبيه.
وهذا قسم ثالث: فبعد أن أقسم تعالى بالأمور الأرضية وهي الرياح، ثم أقسم بالسماء في قوله: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ أقسم هنا بالذات العلية، وهذا ترتيب منطقي سليم، يقسم المتكلم أولا بالأدنى، فإن لم يصدق به، يرتقي إلى الأعلى.
стр. 7902
قصة ضيف إبراهيم ومهمتهم في إهلاك قوم لوط
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾
الاعراب:
﴿فَقالُوا: سَلاماً قالَ: سَلامٌ﴾ ﴿سَلاماً﴾: منصوب على المصدر أو بوقوع الفعل عليه.
و ﴿سَلامٌ﴾: إما مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: سلام عليكم، وجاز الابتداء، لأنه في معنى الدعاء أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام عليكم. و ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ خبر مبتدأ، أي هؤلاء.
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ متعلق بمحذوف حال، أي كائنة.
﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ لم يقل: عقيمة، لأن ﴿عَقِيمٌ﴾ فعيل بمعنى مفعول، وهذه الصيغة لا تثبت فيها الهاء، تقول: عين كحيل، وكف خضيب، ولحية دهين، أي عين مكحولة، وكف مخضوبة، ولحية مدهونة، وذلك للتفرقة بين فعيلة بمعنى مفعولة، وفعيلة بمعنى فاعلة، نحو:
شريفة وظريفة ولطيفة، وعقيم بمعنى معقومة، لا بمعنى فاعلة، فلم تثبت فيها الهاء.
стр. 7903
﴿قالُوا: كَذلِكَ قالَ: رَبُّكِ﴾ الكاف في ﴿كَذلِكَ﴾ صفة مصدر محذوف، تقديره: قال ربك قولا كذلك، أي مثل ذلك.
البلاغة:
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أسلوب التشويق والتفخيم، لتفخيم شأن الحديث.
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ إيجاز بالحذف، أي أنتم قوم منكرون، وأنا عجوز عقيم.
المفردات اللغوية:
﴿هَلْ أَتاكَ﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ﴾ ضيوف، وضيف في الأصل، مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجماعة، كالزّور والصوم، وكانوا اثني عشر ملكا، أو تسعة عاشرهم جبريل، أو ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وسماهم ضيفا، لأنهم كانوا في صورة الضيف. ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ لأنهم في أنفسهم مكرمون، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦/ ٢١] أو لأن إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القرى. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ ظرف لحديث ضيف، أو للضيف أو المكرمين. ﴿فَقالُوا: سَلاماً﴾ قالوا هذا اللفظ أو نسلم عليكم سلاما. ﴿قالَ: سَلامٌ﴾ أي عليكم سلام، عدل به إلى الرفع بالابتداء، لقصد الثبات حتى تكن تحيته أحسن من تحيتهم. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي أنتم قوم غير معروفين، قال ذلك في نفسه، أو صرح به للتعرف عنهم أو بهم.
﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ﴾ ذهب إليهم في خفية من ضيفه، أو مال إليهم سرا، قال الزمخشري:
ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يباده بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يكفه ويعذره. ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ممتلئ شحما ولحما لأنه كان عامة ماله البقر، وفي سورة هود: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦٩) أي مشوي.
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ وضعه بين أيديهم. ﴿قالَ: أَلا تَأْكُلُونَ﴾ منه؟ أي عرض عليهم الأكل فلم يجيبوا. ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أضمر في نفسه منهم خوفا، لما رأى إعراضهم عن طعامه، لظنه أنهم جاءوه لشرّ. ﴿قالُوا: لا تَخَفْ﴾ إنا رسل الله. ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي ذي عليم كثير، هو إسحاق ﵇، كما ذكر في هود.
﴿اِمْرَأَتُهُ﴾ هي سارّة ﵂ لما سمعت بشارتهم له، وكانت في زاوية تنظر إليهم.
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في صيحة، أي جاءت صائحة. ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها﴾ لطمته بأطراف أصابعها عجبا
стр. 7904
وحياء، بأن ضربت بيدها على جبهتها. ﴿وَقالَتْ: عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي أنا عجوز كبيرة السن، عاقر لم ألد قط، فكيف ألد؟ وكان عمرها تسعا وتسعين سنة (٩٩) وعمر إبراهيم مائة أو مائة وعشرين.
﴿قالُوا: كَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك الذي بشرنا به. ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ هو قول الله، وإنما نخبرك به عنه. ﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ذو الحكمة في صنعه، والعلم الواسع بخلقه. ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ ما شأنكم الخطير، قال ذلك لما علم أنهم ملائكة، وأنهم لا ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم سأل عنه.
﴿إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ كافرين، هم قوم لوط. ﴿حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ مطبوخة بالنار وهو السجيل: الطين المتحجر. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة من السّومة: وهي العلامة.
﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ المجاوزين الحدّ في الفجور، بإتيانهم الذكور، مع كفرهم.
﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها﴾ في قرى قوم لوط، وأضمرت ولم تذكر سابقا، لكونها معلومة.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن آمن بلوط، بقصد إهلاك الكافرين. ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي غير أهل بيت من المسلمين، وهم لوط وابنتاه وأتباعه إلا امرأته، أي مصدقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات. واستدل به على اتحاد الإسلام والإيمان، لكنه-كما قال البيضاوي-استدلال ضعيف، لأن المراد اجتماع الصفتين فيهم، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهومهما. ﴿وَتَرَكْنا فِيها﴾ بعد إهلاك الكافرين. ﴿آيَةً﴾ علامة دالة على ما أصابهم من الهلاك. ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ لمن خافوا عذاب الله المؤلم، فلا يفعلون مثل فعلهم.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى إنكار مشركي مكة للبعث والنشور، سلّى قلب رسوله ﷺ ببيان أن غيره من الأنبياء ﵈ كان مثله، فقد أوذوا من أقوامهم، وأعرض هؤلاء عن دعوة رسلهم. وبدأ تعالى بقصة إبراهيم بعد إيرادها في سورة هود والحجر، لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي ﵊ على سنته، وإنذارا لقومه بما جرى من الضيف، وبيانا لإنزال الحجارة على المذنبين المضلين، حتى يتعظ أو يعتبر كفار قريش وأمثالهم إلى يوم القيامة. ثم سألهم إبراهيم عن شأنهم وسبب مجيئهم، فأخبروه بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط بحجارة من سجيل بها علامة تدل على أنها أعدت لهم.
стр. 7905
التفسير والبيان:
﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقالُوا:﴾
﴿سَلاماً، قالَ: سَلامٌ، قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي هل بلغك خبر قصة إبراهيم ﵇ مع ضيوفه الملائكة المكرّمين عند الله سبحانه الذين جاؤوا إليه في صورة بني آدم، وهم في طريقهم إلى قوم لوط، فدخلوا عليه وسلموا بقولهم:
سلاما، أي نسلم عليك سلاما، فأجابهم بأحسن من تحيتهم بما يدل على الثبات، فقال: سلام عليكم، إنكم قوم لا أعرفكم من قبل، فمن أنتم؟ وقيل: إنه قال دلك في نفسه، ولم يخاطبهم به، لأن هؤلاء الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة.
ابتدأ الله تعالى بالاستفهام التقريري تفخيما لشأن الحديث، ولفتا للنظر والانتباه، مع تهديد العرب ووعيدهم ووعظهم، وتسلية الرسول ﷺ على ما يجري عليه من قومه، وأطلق عليهم صفة الضيف حيث أضافهم إبراهيم ﵇، والضيافة سنة، وذهب أحمد وجماعة إلى وجوب الضيافة للنزيل، وحيّوه بصيغة ﴿سَلاماً﴾ التي هي دعاء، فردّ عليهم الخليل مختارا الأفضل من التسليم، فقال: ﴿سَلامٌ﴾ لأن الرفع أقوى وأثبت من النصب، لدلالته على الثبات والدوام. والظاهر الذي يناسب حال إبراهيم ﵊ أنه لم يقل لهم: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ولم يخاطبهم بذلك، بل أسرّها في نفسه، فقال:
هؤلاء قوم منكرون، أو قال ذلك لمن معه من أتباعه وخدمه وجلسائه، لأن التصريح بمثل هذا فيه إيحاش للضيف وعدم إيناس.
﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ، فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، قالَ: أَلا تَأْكُلُونَ؟﴾ أي عدل أو ذهب إلى أهله خفية من ضيوفه في سرعة، فقدم إليهم عجلا سمينا مشويا، كما في سورة هود: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
стр. 7906
(٦٩) أي مشوي على الرّضف (الحجارة المحماة). وبعد أن أدناه منهم ووضعه بين أيديهم دعاهم بتلطف وأدب، وعرض حسن قائلا مستحثا: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾؟ وقد انتظمت الآية آداب الضيافة، فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، دون سابق عرض، لأن إبراهيم ﵇ كان جوادا كريما، وأتى بأفضل ماله، وهو عجل فتيّ سمين مشوي، لأن جلّ ماله كان البقر، ووضعه بين أيديهم، ودعاهم على سبيل التلطف في العرض قائلا: ألا تأكلون؟ فأعرضوا، لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون:
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي فلما أعرضوا عن الطعام ولم يأكلوا، أحسّ في نفسه خوفا منهم، على عادة الناس أن الامتناع عن الطعام لشرّ مبيت، وأن من أكل من طعام إنسان، صار آمنا منه، فظن إبراهيم ﵇ أنهم جاؤوا للشر، ولم يأتوا للخير، كما في سورة هود: ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ (٧٠).
﴿قالُوا: لا تَخَفْ، وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي قالت الملائكة لإبراهيم: إننا ملائكة رسل من الله تعالى، كما في آية أخرى: ﴿قالُوا: لا تَخَفْ، إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود ٧٠/ ١١].
وبشروه (١) بغلام يولد له، كثير العلم بعد البلوغ، وهو إسحاق ﵇، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ، وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود ٧١/ ١١] وتضمنت البشارة شيئين مفرحين، هما كونه غلاما ذكرا، وكونه عالما، والعلم أكمل الصفات.
стр. 7907
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ، فَصَكَّتْ وَجْهَها، وَقالَتْ: عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أي فلما سمعت امرأته سارّة بشارتهم، وكانت في ناحية من البيت تسمع كلامهم، أقدمت صائحة صارخة، وضربت بيدها على وجهها، كما هي عادة النساء عند التعجب، وقالت: كيف ألد، وأنا كبيرة السن، وعقيم لا تلد، حتى في عهد شبابها، كما جاء في آية أخرى: ﴿قالَتْ: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود ٧٢/ ١١].
﴿قالُوا: كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ: إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ أي كما قلنا لك وأخبرناك قال ربّك، فلا تشكّي في ذلك، ولا تعجبي منه، فنحن رسل الله، والله على كل شيء قدير، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، العليم بما تستحقونه من الكرامة وبكل شيء في الكون، كما جاء في آية أخرى: ﴿قالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ، رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود ٧٢/ ١١].
وهذه المفاوضة لم تكن مع سارّة فقط، بل كانت مع إبراهيم أيضا، حسبما تقدم في سورة الحجر (٥٣ - ٥٤) وإنما لم يذكر هنا اكتفاء بما ذكر هناك، كما أنه لم يذكر هناك اكتفاء بما ذكر هنا وفي سورة هود (٧٢).
ويكون استبعادها الولد لسببين: كبر السن، والعقم، فكأنها قالت:
يا ليتكم دعوتم دعاء قريبا من الإجابة، ظنا منها أن ذلك منهم، مثلما يصدر من الضيف من مجاملات الأدعية، كقوله: الله يعطيك مالا ويرزقك ولدا، فقالوا: هذا منا ليس بدعاء، وإنما ذلك قول الله تعالى: ﴿قالُوا: كَذلِكَ، قالَ رَبُّكِ﴾ ثم دفعوا استبعادها بقولهم: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (١).
والسبب في اختلاف تذييل الآيتين حيث قال هنا: ﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ وفي هود قال: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: أنهم في سورة هود نبهوها إلى القيام بشكر نعم الله،
стр. 7908
فناسب قولهم: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ لأن الحميد: هو الذي يستحق الحمد والشكر لصدور الأفعال الحسنة منه، والمجيد: الممجد الذي يستحق الحمد بنفسه وبمجده.
وأما هنا فأرادوا التنبيه إلى الحكمة العامة من الولادة في الكبر وبعد العقم طوال الحياة. وهي الدلالة على حكمته وعلمه، فهو حكيم في فعله يضع الأمور في نصابها، عليم بشؤون خلقه (١).
وبعد بشارة الملائكة إبراهيم ﵇ بالغلام، سألهم عن شأنهم وسبب مجيئهم:
﴿قالَ: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي فما شأنكم الخطير، وفيم جئتم، وما قصتكم المثيرة، وما سبب إرسالكم من جهة الله؟ فأجابوه:
﴿قالُوا: إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي قالت الملائكة رسل العذاب ورسل البشرى:
إنا بعثنا إلى قوم لوط الذين أجرموا بالكفر وارتكاب الفواحش، لنرجمهم بحجارة من طين متحجر، مطبوخ بالنار، كالآجرّ، معلمة بعلامات تعرف بها، مخصصة عند الله لهلاك المتمادين في الضلالة، المجاوزين الحد في الفجور.
ثم أخبر الله تعالى عن أن هذا العذاب ليس عشوائيا يصيب الصالح والطالح، وإنما فيه تمييز المؤمنين عن المجرمين، فقال:
﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي لما أردنا إهلاك قوم لوط، أخرجنا من كان في تلك القرى من قومه المؤمنين به، تنجية لهم من العذاب، فلم نجد غير أهل بيت واحد أسلم وجهه لله، وانقاد لأوامره، واجتنب نواهيه، وهو بيت لوط بن هاران-أخي إبراهيم-بن تارح، أي كان لوط ابن أخ إبراهيم الخليل ﵉، آمن
стр. 7909
بعمّه، وتبعه في رحلاته إلى مصر، ثم تركه عن تراض، ونزل إلى سدوم في الأردن.
وكان أولئك المؤمنون هم لوط وأهل بيته إلا امرأته، قال سعيد بن جبير:
كانوا ثلاثة عشر.
ونحو الآية: ﴿قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ [العنكبوت ٣٢/ ٢٩].
وقد احتج بهذه الآية المعتزلة الذين لا يفرقون بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين. قال ابن كثير: وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين ومسلمين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان هاهنا، لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال.
والدليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان الآية السابقة: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ: آمَنّا، قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ [الحجرات ١٤/ ٤٩]
وحديث الصحيحين عن عمر ﵁: «أن جبريل سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه، قال: صدقت».
ثم أورد الله تعالى العبرة من قصة قوم لوط، فقال:
﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي وأبقينا في تلك القرى علامة ودلالة لكل من يخاف عذاب الله ويخشاه وهم المؤمنون، وهي آثار العذاب المدمر المؤلم، فإنها ظاهرة مبيّنة، جعلناها عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال
стр. 7910
وحجارة السجيل، وقلبنا ديارهم عاليها سافلها، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، وهي بحيرة طبرية. ونظير الآية: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥/ ٢٩].
وهذا دليل على أنه إذا غلب الشر والكفر والفسق، كان الدمار والهلاك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي فيما تضمنته من قصتين: قصة البشارة بإسحاق، والإخبار بإهلاك قوم لوط، فمن القصة الأولى يستفاد ما يلي:
١ - ذكر الله تعالى قصة إبراهيم ﵇ ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته، كما فعل بقوم لوط.
٢ - وصف الله سبحانه الملائكة بكونهم ضيوفا، ولم يكونوا كذلك، إكراما لإبراهيم ﵇ في حسابه وظنه، فلم يكذبه الله تعالى في ذلك.
وهم أيضا عباد مكرمون عند الله ، وعند إبراهيم ﵇، إذ خدمهم بنفسه وزوجته، وعجّل لهم القرى، ورفع مجالسهم، كما في بعض الآثار.
٣ - السنة التحية لكل قادم على غيره، وهي السلام، فقال الملائكة: نسلم عليك سلاما، والمراد من السلام هو التحية وهو المشهور، فأجابهم إبراهيم ﵇ بأحسن من تحيتهم، فقال: سلام عليكم، أي سلام دائم ثابت لا يزول، لقوله تعالى: ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ [النساء ٨٦/ ٤].
٤ - أنكرهم إبراهيم ﵇ للسلام الذي هو علم الإسلام والذي لم يكن شائعا في قومه الكفرة، ولأنهم ﵈ غرباء غير معروفين، ولأن أوضاعهم وأشكالهم خلاف ما عليه الناس، ولإمساكهم عن الكلام.
стр. 7911
٥ - بادر إبراهيم ﵇ إلى إكرامهم، لما اشتهر عنه من الكرم، ولأن الضيافة من آداب الدين، وكان في إعداده الطعام لهم في غاية الأدب والتكريم والسمو، يقال: إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام.
واختار الأجود، فقدّم إليهم الطعام الدسم وهو عجل سمين مشوي على الحجارة المحماة، وعرض عليهم الأكل بتلطف وعرض حسن دون أمر، فقال:
﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: كلوا. وأظهر السرور بأكلهم، وكان غير مسرور بتركهم الطعام، كما يوجد من بعض البخلاء المتكلفين الذين يحضرون طعاما كثيرا، ثم يترقبون إمساك الضيف عن الأكل.
٦ - أحسّ إبراهيم منهم الخوف في نفسه، على عادة الناس أن من يمتنع من مؤاكلة المضيف يضمر شرا مبيتا، فطمأنوه وقالوا له: لا تخف، وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله، وبشروه بولد يولد له من زوجته سارّة.
٧ - لما سمعت زوجته بالبشارة، تعجبت وصاحت كما جرت عادة النساء، حيث يسمعن شيئا من أحوالهن، يصحن عند الاستحياء أو التعجب، وكان تعجبها لأمرين: كبر السن والعقم.
٨ - أجابها الملائكة بأن ما قالوه وأخبروا به هو قول الله وحكمه، فلا يصح أن تشك فيه، وكان بين البشارة والولادة سنة، وكانت سارّة لم تلد قبل ذلك، فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، والله حكيم فيما يفعله، عليم بمصالح خلقه.
وأما القصة الثانية ففيها ما يأتي:
١ - أدرك أبو الأنبياء إبراهيم أن وراء وفد الملائكة الجماعي شيئا خطيرا،
стр. 7912
فبعد أن علم وتيقن أنهم ملائكة أرسلوا لأمر خطير، قال لهم: فما شأنكم وقصتكم أيها الملائكة المرسلون سوى البشارة؟ وإنما عرف كونهم مرسلين لقولهم هنا: ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ فهذا يدل على كونهم منزلين من عند الله، حيث حكوا قول الله.
٢ - أجابوه بأنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين هم قوم لوط، لرجمهم بحجارة معروفة بأنها حجارة العذاب، قيل: على كل حجر اسم من يهلك به. وإنما قال: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ لإفادة أن الحجارة من طين متحجر وهو السجّيل، ولدفع توهم كونها بردا، فإن بعض الناس يسمي البرد حجارة.
٣ - كانت الحاجة إلى قوم من الملائكة، مع أن الواحد منهم يقلب المدائن بريشة من جناحه، إظهارا لقدرة الله وتعظيمه وشدة سلطانه وغلبة جنده.
٤ - جرت سنة الله تعالى في إنزال الهلاك والدمار العام بإنجاء المؤمنين وتمييزهم، فلما أراد إهلاك قوم لوط أمر نبيه لوطا بأن يخرج هو مع المؤمنين من أهل بيته إلا امرأته، لئلا يهلك المؤمنون، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود ٨١/ ١١].
٥ - دلّ قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على فائدتين (١):
إحداهما-بيان القدرة والاختيار، لتمييز الله المجرم عن المحسن.
الثانية-بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسيء، فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك، فلما خرج من القرية آل لوط المؤمنون، نزل العذاب بالباقين.
стр. 7913
٦ - دل قوله تعالى: ﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على أن الكفر إذا غلب، والفسق إذا عمّ وفشا، لا تنفع معه عبادة المؤمنين. أما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة، وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون، فلا عذاب.
٧ - المؤمنون والمسلمون من آل لوط سواء، لكن في الحقيقة: الإيمان:
تصديق القلب، والإسلام: هو الانقياد بالظاهر لأحكام الله، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، فسمّاهم تعالى في الآية الأولى مؤمنين، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. قال الرازي مؤيدا التفرقة بين الإيمان والإسلام: والحق أن المسلم أعم من المؤمن، وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه، فإذا سمي المؤمن مسلما لا يدل على اتحاد مفهوميهما، فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين، فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من المسلمين، ويلزم من هذا ألا يكون هناك غيرهم من المؤمنين.
٨ - إن في تعذيب قوم لوط على الكفر وفاحشة اللواط عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم، غير أن المنتفعين بالعظة والعبرة هم الذين يخشون الله ويخافون عقابه، والمنتفع بها هو الخائف. وقد عبر عن ذلك في آية أخرى بأبلغ وجه حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥/ ٢٩] فقد وصف الآية بالظهور، وقال: ﴿مِنْها﴾ لا (فيها) المفيدة للتبعيض، فكأنه تعالى قال: من نفسها لكم آية باقية، وذكر أن المنتفع هو العاقل، والعاقل أعم من الخائف، فكانت الآية في العنكبوت أظهر، لأن القصد هناك تخويف القوم، وهاهنا تسلية القوم، ويؤكده أنه قال هناك: ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم، وقال هنا: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
стр. 7914
قصص أنبياء آخرين مع أقوامهم
﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦)﴾
الإعراب:
﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ.﴾. معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ وتقديره:
وفي موسى آيات. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ الجملة حال من ضمير ﴿فَأَخَذْناهُ﴾.
وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا.﴾ ..
وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ.﴾ ..
وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ.﴾. عند من قرأ بالجر، ومن قرأ بالنصب فهو منصوب بفعل مقدر، تقديره: أهلكنا قوم نوح، أو اذكر قوم نوح.
البلاغة:
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ استعارة، استعار الركن للجنود والجموع، لأنه يتقوى بهم، ويعتمد عليهم كما يعتمد على الركن في البناء.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ مجاز عقلي، أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول، أي ملام على طغيانه.
﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ استعارة تبعية في قوله: ﴿الْعَقِيمَ﴾ شبه استئصالهم بعقم النساء، ثم أطلق المشبه به على المشبه، واشتق منه العقيم بطريق الاستعارة.
стр. 7915
المفردات اللغوية:
﴿وَفِي مُوسى﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ قال الزمخشري وابن عطية:
وهذا بعيد جدا ينزّه القرآن عن مثله. والأصح العطف على قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها﴾ والمعنى:
وجعلنا في قصة موسى آية. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي مصحوبا متلبسا بسلطان مبين، أي بحجة واضحة هي معجزاته، كاليد والعصا. ﴿فَتَوَلّى﴾ أعرض عن الإيمان. ﴿بِرُكْنِهِ﴾ أي كقوله: نأى بجانبه، أو فتولى عن الإيمان مع جنوده وأتباعه، لأنهم له كالركن، والأصل في الركن: ما يركن إليه الشيء ويتقوّى به، والمراد هنا: جنوده وأعوانه، كما في آية: ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود ٨٠/ ١١].
﴿وَقالَ﴾ لموسى. ﴿ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي هو ساحر أو مجنون، كأنه نسب الخوارق إلى الجنّ. ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ طرحناهم. ﴿فِي الْيَمِّ﴾ في البحر.. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ آت بما يلام عليه من الكفر والعناد وتكذيب الرسل ودعوى الربوبية.
﴿وَفِي عادٍ﴾ أي وفي إهلاك عاد آية. ﴿إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ حين أرسلنا عليهم الريح العقيم، سماها عقيما، لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم، أو لأنها لا خير ولا منفعة فيها، فلا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وهي الدّبور أو الجنوب أو النكباء. ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ أي ما تترك شيئا مرّت عليه. ﴿إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ كالرماد، أو كالشيء البالي المتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك، مأخوذ من الرم: وهو البلى والتفتت.
﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي وفي إهلاك ثمود آية. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ بعد عقر الناقة. ﴿تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالكم. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن امتثال أمره. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أي العذاب بعد الثلاثة أيام، كما في آية: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ [هود ٦٥/ ١١] والصاعقة: نار نازلة بسبب احتكاكات كهربية، وهي الصيحة المهلكة التي صعقتهم. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليها، فإنها جاءتهم معاينة بالنهار.
﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب، وهو كقوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود ٦٧/ ١١]. ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي ممتنعين من العذاب وعلى من أهلكهم.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي وأهلكنا قوم نوح، ومن قرأ بالجر فهو عطف على ثمود، أي وفي إهلاكهم آية. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل إهلاك هؤلاء المذكورين. ﴿فاسِقِينَ﴾ خارجين من طاعة الله، متجاوزين حدوده.