٥ - بادر إبراهيم ﵇ إلى إكرامهم، لما اشتهر عنه من الكرم، ولأن الضيافة من آداب الدين، وكان في إعداده الطعام لهم في غاية الأدب والتكريم والسمو، يقال: إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام.
واختار الأجود، فقدّم إليهم الطعام الدسم وهو عجل سمين مشوي على الحجارة المحماة، وعرض عليهم الأكل بتلطف وعرض حسن دون أمر، فقال:
﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: كلوا. وأظهر السرور بأكلهم، وكان غير مسرور بتركهم الطعام، كما يوجد من بعض البخلاء المتكلفين الذين يحضرون طعاما كثيرا، ثم يترقبون إمساك الضيف عن الأكل.
٦ - أحسّ إبراهيم منهم الخوف في نفسه، على عادة الناس أن من يمتنع من مؤاكلة المضيف يضمر شرا مبيتا، فطمأنوه وقالوا له: لا تخف، وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله، وبشروه بولد يولد له من زوجته سارّة.
٧ - لما سمعت زوجته بالبشارة، تعجبت وصاحت كما جرت عادة النساء، حيث يسمعن شيئا من أحوالهن، يصحن عند الاستحياء أو التعجب، وكان تعجبها لأمرين: كبر السن والعقم.
٨ - أجابها الملائكة بأن ما قالوه وأخبروا به هو قول الله وحكمه، فلا يصح أن تشك فيه، وكان بين البشارة والولادة سنة، وكانت سارّة لم تلد قبل ذلك، فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، والله حكيم فيما يفعله، عليم بمصالح خلقه.
وأما القصة الثانية ففيها ما يأتي:
١ - أدرك أبو الأنبياء إبراهيم أن وراء وفد الملائكة الجماعي شيئا خطيرا،
стр. 7912
فبعد أن علم وتيقن أنهم ملائكة أرسلوا لأمر خطير، قال لهم: فما شأنكم وقصتكم أيها الملائكة المرسلون سوى البشارة؟ وإنما عرف كونهم مرسلين لقولهم هنا: ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ فهذا يدل على كونهم منزلين من عند الله، حيث حكوا قول الله.
٢ - أجابوه بأنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين هم قوم لوط، لرجمهم بحجارة معروفة بأنها حجارة العذاب، قيل: على كل حجر اسم من يهلك به. وإنما قال: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ لإفادة أن الحجارة من طين متحجر وهو السجّيل، ولدفع توهم كونها بردا، فإن بعض الناس يسمي البرد حجارة.
٣ - كانت الحاجة إلى قوم من الملائكة، مع أن الواحد منهم يقلب المدائن بريشة من جناحه، إظهارا لقدرة الله وتعظيمه وشدة سلطانه وغلبة جنده.
٤ - جرت سنة الله تعالى في إنزال الهلاك والدمار العام بإنجاء المؤمنين وتمييزهم، فلما أراد إهلاك قوم لوط أمر نبيه لوطا بأن يخرج هو مع المؤمنين من أهل بيته إلا امرأته، لئلا يهلك المؤمنون، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود ٨١/ ١١].
٥ - دلّ قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على فائدتين (١):
إحداهما-بيان القدرة والاختيار، لتمييز الله المجرم عن المحسن.
الثانية-بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسيء، فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك، فلما خرج من القرية آل لوط المؤمنون، نزل العذاب بالباقين.
стр. 7913
٦ - دل قوله تعالى: ﴿فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على أن الكفر إذا غلب، والفسق إذا عمّ وفشا، لا تنفع معه عبادة المؤمنين. أما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة، وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون، فلا عذاب.
٧ - المؤمنون والمسلمون من آل لوط سواء، لكن في الحقيقة: الإيمان:
تصديق القلب، والإسلام: هو الانقياد بالظاهر لأحكام الله، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، فسمّاهم تعالى في الآية الأولى مؤمنين، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. قال الرازي مؤيدا التفرقة بين الإيمان والإسلام: والحق أن المسلم أعم من المؤمن، وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه، فإذا سمي المؤمن مسلما لا يدل على اتحاد مفهوميهما، فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين، فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتا من المسلمين، ويلزم من هذا ألا يكون هناك غيرهم من المؤمنين.
٨ - إن في تعذيب قوم لوط على الكفر وفاحشة اللواط عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم، غير أن المنتفعين بالعظة والعبرة هم الذين يخشون الله ويخافون عقابه، والمنتفع بها هو الخائف. وقد عبر عن ذلك في آية أخرى بأبلغ وجه حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت ٣٥/ ٢٩] فقد وصف الآية بالظهور، وقال: ﴿مِنْها﴾ لا (فيها) المفيدة للتبعيض، فكأنه تعالى قال: من نفسها لكم آية باقية، وذكر أن المنتفع هو العاقل، والعاقل أعم من الخائف، فكانت الآية في العنكبوت أظهر، لأن القصد هناك تخويف القوم، وهاهنا تسلية القوم، ويؤكده أنه قال هناك: ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم، وقال هنا: ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
стр. 7914
قصص أنبياء آخرين مع أقوامهم
﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦)﴾
الإعراب:
﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ.﴾. معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ وتقديره:
وفي موسى آيات. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ الجملة حال من ضمير ﴿فَأَخَذْناهُ﴾.
وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا.﴾ ..
وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ.﴾ ..
وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ.﴾. عند من قرأ بالجر، ومن قرأ بالنصب فهو منصوب بفعل مقدر، تقديره: أهلكنا قوم نوح، أو اذكر قوم نوح.
البلاغة:
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ استعارة، استعار الركن للجنود والجموع، لأنه يتقوى بهم، ويعتمد عليهم كما يعتمد على الركن في البناء.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ مجاز عقلي، أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول، أي ملام على طغيانه.
﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ استعارة تبعية في قوله: ﴿الْعَقِيمَ﴾ شبه استئصالهم بعقم النساء، ثم أطلق المشبه به على المشبه، واشتق منه العقيم بطريق الاستعارة.
стр. 7915
المفردات اللغوية:
﴿وَفِي مُوسى﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ قال الزمخشري وابن عطية:
وهذا بعيد جدا ينزّه القرآن عن مثله. والأصح العطف على قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها﴾ والمعنى:
وجعلنا في قصة موسى آية. ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي مصحوبا متلبسا بسلطان مبين، أي بحجة واضحة هي معجزاته، كاليد والعصا. ﴿فَتَوَلّى﴾ أعرض عن الإيمان. ﴿بِرُكْنِهِ﴾ أي كقوله: نأى بجانبه، أو فتولى عن الإيمان مع جنوده وأتباعه، لأنهم له كالركن، والأصل في الركن: ما يركن إليه الشيء ويتقوّى به، والمراد هنا: جنوده وأعوانه، كما في آية: ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود ٨٠/ ١١].
﴿وَقالَ﴾ لموسى. ﴿ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي هو ساحر أو مجنون، كأنه نسب الخوارق إلى الجنّ. ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ طرحناهم. ﴿فِي الْيَمِّ﴾ في البحر.. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ آت بما يلام عليه من الكفر والعناد وتكذيب الرسل ودعوى الربوبية.
﴿وَفِي عادٍ﴾ أي وفي إهلاك عاد آية. ﴿إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ حين أرسلنا عليهم الريح العقيم، سماها عقيما، لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم، أو لأنها لا خير ولا منفعة فيها، فلا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وهي الدّبور أو الجنوب أو النكباء. ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ أي ما تترك شيئا مرّت عليه. ﴿إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ كالرماد، أو كالشيء البالي المتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك، مأخوذ من الرم: وهو البلى والتفتت.
﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي وفي إهلاك ثمود آية. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ بعد عقر الناقة. ﴿تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالكم. ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن امتثال أمره. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أي العذاب بعد الثلاثة أيام، كما في آية: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ [هود ٦٥/ ١١] والصاعقة: نار نازلة بسبب احتكاكات كهربية، وهي الصيحة المهلكة التي صعقتهم. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليها، فإنها جاءتهم معاينة بالنهار.
﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب، وهو كقوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود ٦٧/ ١١]. ﴿وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي ممتنعين من العذاب وعلى من أهلكهم.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي وأهلكنا قوم نوح، ومن قرأ بالجر فهو عطف على ثمود، أي وفي إهلاكهم آية. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل إهلاك هؤلاء المذكورين. ﴿فاسِقِينَ﴾ خارجين من طاعة الله، متجاوزين حدوده.
стр. 7916
المناسبة:
بعد بيان العظة والعبرة في قصتي إبراهيم ولوط ﵉، من أجل الإيمان بقدرة الله، عطف تعالى على ذلك قصص أقوام آخرين، عذبوا على تكذيب الرسل بعذاب الاستئصال، وهم فرعون موسى وأتباعه، وعاد وثمود، وقوم نوح، وقد تبين في تعذيبهم نهاية الطغاة والمكذبين والكفار الظالمين، ليثوب الناس إلى رشدهم، ويؤمنوا بالله وبالبعث، ويكفّوا عن تكذيب الرسول ﷺ والكفر برسالته.
التفسير والبيان:
﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ:﴾
﴿ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي وتركنا في قصة موسى ﵇ آية وعبرة، حين أرسلناه إلى الطاغية فرعون الجبار بشيرا ونذيرا بحجة ظاهرة واضحة هي المعجزات كالعصا واليد وما معها من الآيات.
فأعرض استكبارا وعنادا ونأى عن آياتنا بجانبه، واعتز بجنده وجموعه وقوته، وقال محقرا شأن موسى: هو إما ساحر أو مجنون، إذ لم يستطع تفسير ما رآه من الخوارق، إلا بنسبته إلى السحر أو الجنون، كما في آية أخرى: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء ٣٤/ ٢٦] وآية: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧/ ٢٦].
﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ، وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي فأخذناه مع جنوده أخذ عزيز مقتدر، فألقيناهم في البحر، وفرعون آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان وادعاء الربوبية والعناد والفجور.
وهذا دليل آخر على عظمة القدرة الإلهية على إذلال الجبابرة، جزاء عتوهم واستكبارهم في الأرض بغير الحق.
стр. 7917
ثم ذكر الله تعالى قصة عاد، فقال:
﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي وتركنا أيضا في قصة عاد آية وعبرة، حين أرسلنا عليهم ريحا صرصرا عاتية، لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا، ولا تحمل مطرا، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب، فلا تترك شيئا مرّت عليه من الأنفس البشرية والأنعام والأموال إلا جعلته كالشيء الهالك البالي.
ثم أبان الله تعالى قصة ثمود، فقال:
﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ: تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي وتركنا في قصة ثمود آية، حين قلنا لهم: عيشوا متمتعين في الدنيا إلى وقت الهلاك، كما قال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود ٦٥/ ١١].
فتكبروا عن امتثال أمر الله، فنزلت بهم صاعقة من السماء أهلكتهم، والصاعقة: هي كل عذاب مهلك، وهم يرونها عيانا بالنهار، أو هم ينتظرون ما وعدوه من العذاب، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام، فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار، جزاء وفاقا لما اقترفوا من آثام ومعاص.
﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ، وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي لم يقدروا على القيام والهرب من تلك الصرعة، بل أصبحوا في دارهم هلكى جاثمين، ولم يكونوا ممتنعين من عذاب الله، ولم يجدوا نصيرا ينصرهم ويدفع عنهم العذاب.
ثم أعقبه بقصة قوم نوح، فقال:
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ أي وأهلكنا بالطوفان قوم نوح من قبل هؤلاء، لتقدم زمنهم على زمن فرعون وعاد وثمود، لأنهم كانوا قوما خارجين عن طاعة الله، متجاوزين حدوده.
стр. 7918
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه نهاية الطغاة الظالمين وعاقبة الكفار المكذبين، أخبر بها تعالى للعظة والعبرة، وهي تذكّر بحال أربعة أقوام.
-فإن الله تعالى أرسل موسى ﵇ مؤيدا بالدليل الباهر والحجة القاطعة والمعجزات كالعصا واليد، إلى فرعون الطاغية الجبار، فأعرض عن الإيمان بجنوده وجموعه، وكذبوا برسالته، ووصف فرعون موسى بأنه ساحر يأتي الجن بسحره أو يقرب منهم، والجن يقربونه ويقصدونه إن لم يقصدهم، فيصير كالمجنون، فالساحر والمجنون كلاهما أمره مع الجن، غير أن الساحر يأتيهم باختياره، والمجنون يأتونه من غير اختياره.
فكان عاقبتهم الإغراق في البحر لكفرهم وتوليهم عن الإيمان، وإتيان فرعون بما يلام عليه من ادعاء الربوبية والطغيان والعناد.
-كذلك أرسل الله هودا ﵇ إلى قبيلة عاد، فكذبوه واستكبروا عن دعوته، وعكفوا على عبادة الأصنام، فاستأصلهم الله وأهلكهم بريح صرصر عاتية، لا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة، وهي كما قال مقاتل: الدّبور، كما
في الصحيح عن النبي ﷺ : «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» وقيل: هي الجنوب، لما
روى ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ قال:
«الريح العقيم: الجنوب» وقال ابن عباس: هي النكباء.
وكان تأثير تلك الريح شديدا مرعبا، فلم تمر بشيء من الأنفس والأموال والديار إلا جعلته كالشيء الهشيم، أو كالشيء الهالك البالي، كما قال تعالى:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف ٢٥/ ٤٦].
-وأرسل الله أيضا نبيه صالحا ﵇ إلى قبيلة ثمود الذين متعهم الله تعالى بالخيرات في الدنيا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فخالفوا أمر
стр. 7919
الله، واستكبروا عن الامتثال به، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون إليها نهارا، وهي كل عذاب مهلك، وهي نار من السماء، أو صيحة منها، أي صوت شديد، فهلكوا، ولم يتمكنوا من النهوض فضلا عن الهرب والفرار، وما كان لهم ناصر ينصرهم ويمنعهم من العذاب حين أهلكوا.
-وقبل هؤلاء أرسل الله نوحا ﵇ إلى قومه، فأمرهم بترك عبادة الأصنام، والاتجاه إلى عبادة الله الواحد الأحد، فأبوا وعاندوا واستمروا على كفرهم، فأهلكهم الله بالطوفان، جزاء على كفرهم وبغيهم ووثنيتهم.
وأنواع العذاب في إهلاك الأقوام السابقة تدل على أن الله قادر على أن يعذب ويحقق الفناء بما به البقاء والوجود أو عناصر الحياة الأربعة: وهي التراب والماء والهواء والنار، فعذب قوم لوط بالتراب، وعذب قوم نوح وقوم فرعون بالماء، وعذب عادا بالهواء، وثمود بالنار.
إثبات وحدانية الله وعظيم قدرته
﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾
الاعراب:
﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ نعم: فعل ماض للمدح، و ﴿الْماهِدُونَ﴾ فاعل، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: فنعم الماهدون نحن، فحذف المقصود بالمدح.
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بقوله بعده: ﴿خَلَقْنا﴾.
стр. 7920
البلاغة:
﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ. وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ سجع رصين غير متكلف يزيد في جمال الأسلوب، وبين السماء والأرض طباق.
المفردات اللغوية:
﴿بِأَيْدٍ﴾ بقوة، مثل الآد. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ لقادرون على خلقها وخلق غيرها، من الوسع:
بمعنى الطاقة، والموسع: القادر على الإنفاق، يقال: آد الرجل يئيد: قوي، وأوسع الرجل: صار ذا سعة وقوة. ﴿فَرَشْناها﴾ مهدناها وبسطناها كالفراش لتستقروا عليها، يقال: مهد الفراش: إذا بسطه ووطّأه، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ أي نحن.
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من كل جنس من الأجناس. ﴿زَوْجَيْنِ﴾ صنفين ونوعين: ذكر وأنثى، وسماء وأرض، وشمس وقمر، وسهل وجبل، وصيف وشتاء، وحلو وحامض، ونور وظلمة.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتذكرون، فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات، أما الواجب بالذات خالق الأزواج فهو فرد واحد لا يقبل التعدد والانقسام.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ فروا من عقابه إلى ثوابه ورضاه بالإقرار بالتوحيد وملازمة الطاعة وتجنب المعصية. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي إني من عذابه المعدّ لمن أشرك أو عصى بيّن الإنذار والتخويف. ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ إفراد وتوحيد لمن يفرّ إليه ويلجأ لجنابة، أي وقل لهم: لا تجعلوا.. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ تكرير الجملة للتأكيد.
المناسبة:
بعد إثبات وقوع البعث أو الحشر والمعاد لا محالة، أقام الله تعالى الأدلة على الوحدانية وعظيم القدرة، من خلق السماء محكمة البنيان، والأرض ممهدة كالفراش للاستقرار عليها، وخلق الجنسين كالذكر والأنثى من كل نوع من أنواع الحيوان، والصنفين المتضادين من بقية الأشياء، عدّد الحسن البصري أشياء كالسماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والموت والحياة، وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثيل له.
стр. 7921
التفسير والبيان:
﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي ولقد بنينا السماء بقوة وقدرة، وإنا لذوو قدرة وسعة على خلقها وخلق غيرها، فنحن قادرون، لا نعجز عن ذلك، ولا يمسنا تعب ولا نصب. وفي لفظ البناء إشارة إلى كونها محكمة البنيان. وقوله: ﴿بِأَيْدٍ﴾ تأكيد لذلك، وقوله: ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ مزيد تأكيد.
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ أي والأرض مهدناها وبسطناها كالفراش لتصلح للعيش والاستقرار عليها، فنعم الماهدون نحن الذين جعلناها مهدا لأهلها، ومترعة بالخيرات على سطحها وجوفها، برها وبحرها وجوها، فعلى سطحها يعيش الإنسان والحيوان، وفي جوفها الثروة المعدنية الجامدة والسائلة كالنفط، وفي برها مختلف النباتات والأزهار والأشجار، وفي بحرها آلاف الأنواع من الأسماك، واللآلئ والمرجان وتسير فيها السفن، وفي جوها الطير والهواء والسحب الزاخرة بالمطر، وتحليق الطائرات وغيرها.
وإنما أطلق الفرش على الأرض، ولم يطلق البناء، لأنها محل التغييرات كالبساط يفرش ويطوى. وقوله: ﴿بَنَيْناها﴾ أدل على الاستقلال وعدم الشريك في التصرف.
والآية تشير إلى أن دحو الأرض وبسطها كان بعد خلق السماء، لأن بناء البيت يكون أولا قبل الفرش، وهذا هو المعروف الآن علميا. قال الرازي: في الآية دليل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء، لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش (١).
стр. 7922
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي وأوجدنا من جميع المخلوقات صنفين أو نوعين ضدين أو متقابلين: ذكر وأنثى، وحلو ومرّ، وسماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وخير وشر، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات، لذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي خلقنا ذلك على هذا النحو لتعلموا وتتذكروا أن الخالق واحد لا شريك له، وتستدلوا بذلك على التوحيد.
ثم رتب على دليل الوحدانية والقدرة أمرين: اللجوء إلى الله وتجنب الشرك إتماما للتوحيد، فقال:
- ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي الجؤوا إلى الله، واعتمدوا عليه في أموركم كلها، وتوبوا من ذنوبكم، وأطيعوا أوامره، فإني لكم منذر بيّن الإنذار، ومخوّف من عذابه وعقابه. وهذا أمر بالإقبال على الله، والإعراض عما سواه. وقوله: ﴿فَفِرُّوا﴾ ينبئ عن سرعة الإهلاك، كأنه يقول: الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع، فافزعوا إلى الله سريعا وفروا.
- ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي لا تشركوا بالله شيئا آخر سواه، فإن الإله المعبود بحق هو الذي لا تصلح العبادة لغيره، ثم كرر التذكير بمهمة الإنذار البيّنة للنبي ﷺ للتأكيد.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إثبات وحدانية الله وقدرته بآيات الكون الكبرى، من خلق السماء التي تدل بكواكبها ونجومها وشمسها وقمرها وتوابعهما على أن الإله الصانع قادر على الكمال، وكذا خلق الأرض الممهدة المبسوطة الممدودة كالفراش بما فيها من خيرات
стр. 7923
ظاهرة وباطنة، وأيضا خلق الصنفين والنوعين المختلفين من ذكر وأنثى، وحلو وحامض ونحو ذلك، وسماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، ونور وظلام، وسهل وجبل، وجنّ وإنس، وخير وشر، وبكرة وعشيّ، والأشياء المختلفة الطعوم والروائح والأصوات.
فهذا كله دليل على قدرة الله، ومن قدر على هذا قدر على الإعادة، وهو إشارة إلى أن ما سوى الله تعالى مركب من أجزاء، وهو دليل على الانتقال من المركب إلى البسيط، ومن الممكن إلى الواجب، ومن المصنوع إلى الصانع، فإن خالق الأزواج فرد وإلا لكان ممكنا، فيكون مخلوقا، ولا يكون خالقا، فلا يقدّر في صفته حركة ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداء ولا انتهاء، إذ ليس كمثله شيء.
٢ - إن الإله المتصف بالوحدانية والقدرة الباهرة يجب في حقه أمران أساسيان: اللجوء إليه وحده، والتوبة إليه من الذنوب، والفرار من معاصيه إلى طاعته، واجتناب الشرك أو عبادة شيء آخر معه. قال سهل بن عبد الله: فرّوا مما سوى الله إلى الله.
٣ - إن النبي ﷺ في حياته وبعد مماته بما تركه من بيان وسنة دائم الإنذار، بيّن التخويف، ينذر الناس من عقاب الله على الكفر والمعصية.
стр. 7924
تهديد المشركين بالعذاب لتكذيب النبي ﷺ
﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾
الاعراب:
﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الكاف في ﴿كَذلِكَ﴾ في موضع رفع، لأنها خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر كذلك.
﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرفع: صفة ل ﴿ذُو﴾ وقرئ بالجر على أنه صفة للقوة، وذكّر، لأنه تأنيث غير حقيقي، ولأن فعيل يصلح صفة للمذكر والمؤنث، والرفع أشهر في القراءة، وأقوى في القياس.
البلاغة:
﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ إطناب بتكرار فعل ﴿أُرِيدُ﴾ للمبالغة والتأكيد.
﴿ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لأنه حذف منه وجه الشبه، أي نصيبا من العذاب مثل نصيب أسلافهم المكذبين في الشدة والألم.
المفردات اللغوية:
﴿كَذلِكَ﴾ أي الأمر مثل ذلك، والإشارة إلى تكذيبهم الرسول ﷺ ، وتسميتهم إياه ساحرا
стр. 7925
أو مجنونا. ﴿ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..﴾. الآية كالتفسير له، أي مثل تكذيبهم لك بقولهم: إنك ساحر أو مجنون تكذيب الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك.
﴿أَتَواصَوْا بِهِ﴾ أي هل أوصى أولهم آخرهم؟ استفهام بمعنى النفي على سبيل التعجب، أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول، حتى قالوه كلهم. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول طغيانهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم وعن مجادلتهم بعد الإصرار والعناد. ﴿فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لست ملوما على الإعراض عنهم، لأنك بلّغتهم الرسالة وبذلت الجهد في التذكير. ﴿وَذَكِّرْ﴾ داوم على التذكير والموعظة بالقرآن. ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من علم الله تعالى أنه يؤمن، فإن التذكير يزيده بصيرة.
﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا لنأمرهم بالعبادة ويعبدوا الله بالفعل لا لاحتياجي إليهم، فإن أعرض أو قصر بعضهم أو أكثرهم فعليه تبعة فعله. ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ.﴾. لا أريد منهم الاستعانة بهم على تحصيل أرزاقهم ومعايشهم لأنفسهم أو غيرهم وهو أولى. ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ أن يطعموا أنفسهم أو غيرهم. والمراد بيان أن شأن الله مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم يملكونهم للاستخدام في حوائجهم ﴿الرَّزّاقُ﴾ الذي يرزق كل محتاج، وفيه إيماء باستغنائه عن الرزق. ﴿الْمَتِينُ﴾ الشديد القوة.
﴿ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم. ﴿ذَنُوباً﴾ نصيبا من العذاب، وأصل الذنوب في اللغة: الدّلو العظيمة المملوءة ماء. ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ﴾ مثل نصيب نظائرهم من الأمم السالفة، الهالكين قبلهم. ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالعذاب إن أخّرتهم إلى يوم القيامة، وهو جواب لقولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك ٢٥/ ٦٧]. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي هلاك لهم وشدة عذاب. ﴿مِنْ يَوْمِهِمُ﴾ في يومهم وهو يوم القيامة.
سبب النزول
نزول الآيتين (٥٥، ٥٤):
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ .. ﴿وَذَكِّرْ.﴾.: أخرج ابن منيع وابن راهويه والهيثم بن كليب في مسانيدهم عن علي قال: لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة، إذ أمر النبي ﷺ أن يتولى عنهم، فنزلت:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فطابت أنفسنا.
стр. 7926
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ الآية، اشتد على أصحاب رسول الله ﷺ ، ورأوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ، فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
المناسبة:
بعد بيان الأدلة على الحشر، وعلى إثبات الوحدانية وعظيم القدرة الإلهية، وتذكير المشركين بإهلاك الأمم المكذبة السالفة، بيّن الله تعالى أن كل رسول كذّب، وكأن التكذيب بين الأمم شيء متواصى به من الجميع، والواقع أنهم قوم طغاة تجاوزوا حدود الله، لذا أمر النبي ﷺ بالإعراض عنهم، علما بأنهم خلقوا لعبادة الله، لا لتحصيل المعايش والأرزاق، ثم ختمت السورة بتهديد مشركي مكة بعذاب مماثل العذاب من قبلهم من الأمم، والعذاب واقع بهم، لا شك فيه، ولا مردّ له.
التفسير والبيان:
﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي كما كذبك قومك من العرب، ووصفوك بالسحر أو الجنون، فعلت الأمم المتقدمة التي كذبت رسلها، فهذا شأن الأمم في القديم، ولست أنت وحدك الذي كذّب.
وهذا تسلية للرسول ﷺ عن إعراض قومه، وحمله على الصبر وتحمل الأذى.
﴿أَتَواصَوْا بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ هذا استفهام على سبيل التعجب والإنكار بمعنى النفي، فهو تعجيب من حالهم يراد به: كأنما أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب، وتواطؤوا عليه، أي هل أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة؟ والواقع أنهم لم يتواصوا بذلك لتباعد زمانهم، لكن هم قوم طغاة، جمعهم الطغيان: وهو مجاوزة الحد في الكفر، فقال متأخروهم كما قال متقدموهم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ، فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي أعرض عنهم أيها الرسول، وكفّ عن
стр. 7927
جدالهم، فقد فعلت ما أمرك الله به، وبلّغت رسالته، وما أنت بملوم عند الله بعد هذا، لأنك قد أدّيت ما عليك، وما على الرسول إلا البلاغ، وعلى الله الحساب.
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولكن تابع التذكير، وعظ بالقرآن من آمن به من قومك، فإن التذكير ينفعهم، أو إنما تنتفع بالذكرى القلوب المؤمنة المستعدة للهداية. والمراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم الهدى، لا يوجب ترك البعض الآخر.
ثم بيّن الله تعالى الغاية من خلق الثقلين: وهي العبادة، مع أن المشركين كذبوا الرسول، وتركوا عبادة الخالق، فقال:
﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي ما خلقت الثقلين: الإنس والجن إلا للعبادة، ولمعرفتي، لا لاحتياجي إليهم كما قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١/ ٩] وكما
ورد: «كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني» (١).
والعبادة في اللغة: الذل والخضوع والانقياد. وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك، فإن المعرفة أيضا غاية صحيحة.
وقال مجاهد: المعنى إلا لآمرهم بعبادتي وأنهاهم. وهذا كلام جديد مستأنف لتقرير وتأكيد الأمر بالتذكر، فإن خلقهم للعبادة يستدعي دوام التذكير بها.
وحكمة تقديم الجن على الإنس أن عبادتهم سرية لا يدخلها الرياء كعبادة الإنس.
ثم ذكر الله تعالى سمو الغاية من الخلق، فقال:
﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي لا أريد من خلقهم جلب نفع لي، ولا دفع ضرر عني، كما
стр. 7928
تريده السادة عادة من عبيدهم، فإن الله هو الغني المعطي، الرزاق المعطي، الذي يرزق مخلوقاته، ويقوم بما يصلحهم، وهو ذو القدرة والقوة، والشديد القوة، فلم يخلقهم لنفع ينفعونه به، فعليهم أن يؤدوا ما خلقوا له من العبادة.
وما في قوله: ﴿ما أُرِيدُ.﴾. للنفي في الحال، ولا: للنفي في الاستقبال، ونفي الحال وهو الدنيا أولى من نفي الاستقبال وهو في أمر الآخرة.
والخلاصة: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذّبه أشد العذاب، وهو غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم.
روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: «يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل، ملأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك».
وورد في بعض الكتب الإلهية: يقول الله تعالى: «ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء».
ثم هدد الله تعالى مشركي مكة وأمثالهم بقوله:
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ، فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي فإن للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك وتكذيب الرسول نصيبا من العذاب، مثل نصيب أمثالهم الكفار من الأمم السابقة، فلا يطلبوا مني تعجيل العذاب لهم، فإن حظهم من العذاب آت لا ريب فيه، وواقع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ، فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١/ ١٦].
وهذا جواب قولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك ٢٥/ ٦٧] وقولهم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود ٣٢/ ١١].
стр. 7929
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي فهلاك وشدة عذاب للكافرين في يوم القيامة الذي يوعدون به، وقيل: اليوم يوم بدر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن تكذيب الرسل شأن الأمم قديمها وحديثها، فكما كذب محمدا قومه، وقالوا: ساحر أو مجنون، كذّب من قبلهم رسلهم، وقالوا مثل قولهم، وكأن أولهم أوصى آخرهم بالتكذيب، والتواطؤ عليه، والواقع ليس كذلك، فلم يوص بعضهم بعضا، بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر.
والغرض من الخبر تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من صدود قومه عن دعوته.
٢ - أمر الله نبيه بالإعراض عن جدال قومه، وطمأنه ربه بأنه غير ملوم.
ولا مقصر، فقد بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد. وهذه تسلية أخرى، لأن النبي ﷺ كان من كرم أخلاقه وشدة حساسيته ينسب نفسه إلى تقصير في التبليغ، فيجتهد في الإنذار والتبليغ.
٣ - لكن التولي عن القوم ليس مطلقا، لذا أمر النبي ﷺ بمتابعة التذكير، فإنه ينفع المؤمنين، وهم من علم الله سابقا أنهم يؤمنون.
٤ - وغاية التذكير: توجيه الناس إلى عبادة الله وتوحيده والإخلاص له، فلم يخلق الله الخلق إلا للعبادة، فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة، فيكون التذكير بها ضروريا، والاعلام بأن كل ما عداها تضييع للزمان، وفائدة العبادة: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله.
ثم إن مهمة الأنبياء منحصرة في أمرين: عبادة الله، وهداية الخلق. وهناك غرض ثالث آخر من ذكر هذه الآية: وهو بيان سوء صنيع الكفار، حيث تركوا
стр. 7930
عبادة الله، مع أن خلقهم ما كان إلا للعبادة.
وقال مجاهد وغيره «إلا ليعبدون» أي إلا للعبادة، وهذا كما قال الثعلبي قول حسن، لأنه لو لم يخلقهم، لما عرف وجود الله وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف ٨٧/ ٤٣]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩/ ٤٣]. وهذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك.
٥ - لم يكن خلق الناس للعبادة لحاجة من الخالق، فالله غني عن عبادة العباد، ولم يكن خلقهم للتسخير للخدمة في توفير الطعام والشراب أو حفظه، كما يفعل السادة مع العبيد، وهو سبحانه الرزاق الذي يرزق غيره، وهو القدير الشديد القوي، الذي لا يتقوى بأحد.
وقوله: ﴿هُوَ الرَّزّاقُ﴾ تعليل لعدم طلب الرزق، وقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ تعليل لعدم طلب العمل، لأن من يطلب رزقا، يكون فقيرا محتاجا، ومن يطلب عملا من غيره، يكون عاجزا لا قوة له.
٦ - إن للذين ظلموا أنفسهم وهم كفار مكة وأمثالهم نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السالفة، فلا داعي لاستعجالهم نزول العذاب بهم، فإنه آتيهم لا محالة.
وهذا تهديد للكفار الذين وصفهم الله بأنهم ظلمة، لأن من وضع نفسه في موضع عبادة غير الله، يكون قد وضع الشيء في غير موضعه، فيكون ظالما.
وإذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة، فإن الذين ظلموا بعبادة غير الله، لهم هلاك مثل هلاك من تقدم.
ومناسبة الذّنوب التي هي في الأصل: الدلو العظيمة: هي كأنه تعالى قال:
نصبّ من فوق رؤوسهم ذنوبا كذنوب صبّ فوق رؤوس أولئك.
стр. 7931
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الطور
مكيّة، وهي تسع وأربعون آية.
تسميتها:
سميت سورة (الطور) لافتتاحها بقسم الله تعالى بجبل الطور الذي يكون فيه أشجار، كالذي كلّم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، فنال بذلك شرفا عظيما على سائر الجبال.
مناسبتها لما قبلها:
تتجلى للمتأمل مناسبة هذه السورة لسورة الذاريات قبلها من وجوه:
١ - تشابه الموضوع: فإن كلتا السورتين مكية، تضمنت الكلام عن التوحيد والبعث وأحوال الآخرة، والرسالة النبوية، وتفنيد معتقدات المشركين الفاسدة.
٢ - تماثل الابتداء والانتهاء: ففي مطلع كل منهما وصف حال المتقين في الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات ١٥/ ٥١]. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور ١٧/ ٥٢] وفي ختام كل منهما صفة حال الكفار: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الذاريات ٦٠/ ٥١]. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور ٤٢/ ٥٢].
٣ - اتحاد القسم بآية كونية: ففي الذاريات أقسم الله بالرياح الذاريات
стр. 7932
النافعة في المعاش، وفي الطور أقسم الله بالجبل الذي حظي بالنور الإلهي بتكليم موسى ﵇ وإنزال التوراة عليه لنفع الناس في المعاش والمعاد.
٤ - تطابق الأمر للنبي ﷺ بالإعراض عن الكافرين ومتابعة تذكير المؤمنين: ففي الذاريات: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [٥٤] ﴿وَذَكِّرْ.﴾. [٥٥] وفي الطور: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ.﴾. [٢٩]: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ.﴾.
[٤٥].
ما اشتملت عليه السورة:
لما ختم الله تعالى السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود، أقسم على ذلك بالطور، وهو الجبل الذي ذكر مرارا في قصة موسى ﵇، والكتاب المسطور: التوراة ونحوها أو اللوح المحفوظ، والبيت المعمور: الكعبة المشرفة، والسقف المرفوع: السماء، والبحر المسجور: المملوء أو الموقد. فهو قسم بآيات كونية علوية وسفلية على أن العذاب آت لا ريب فيه.
ثم وصف الله تعالى عذاب النار الذي يزجّ به المكذبون، وما يلقونه من الذل والإهانة، وأردفه بوصف نعيم المتقين أهل الجنة، وما يتمتعون به من أنواع الملذات في الملبس والمسكن والمطعم والمشرب والزواج بالحور العين.
وأعقب هذا الوصف أمر النبي ﷺ بمتابعة التذكير، وتبليغ الرسالة، وإنذار الكفرة، والإعراض عن سفاهة المشركين وافترائهم حين يقولون عنه: إنه شاعر، أو كاهن، أو مجنون، أو مفتر على الله، ثم أنكر تعالى عليهم مزاعمهم الباطلة هذه، وأثبت بالأدلة الدامغة صدق رسالة النبي ﷺ ، وأقام البراهين والحجج القاطعة على الألوهية الحقة والوحدانية، ونعى على المشركين قولهم: الملائكة بنات الله، ووبخهم وتهكم بهم في عنادهم ومكابرتهم وبلوغهم حد إنكار المحسوسات المشاهدة لهم. وختمت السورة بأمر الرسول ﷺ بترك الكفار في ضلالهم حتى
стр. 7933
الهلاك، وبالصبر في تبليغ رسالته وبالتسبيح والتحميد ليل نهار، والإخبار بأن الله حارسه وعاصمه وحافظه، وبأن للظالمين عذابين: في الدنيا والآخرة.
فضلها:
أخرج البخاري وغيره عن أم سلمة: «أنها سمعت رسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت بالطور وكتاب مسطور».
وعن جبير بن مطعم: «أتيت رسول الله ﷺ أكلّمه في الأسارى، فألفيته في صلاة الفجر، يقرأ سورة والطور، فلما بلغ: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب». فلما انتهى إلى هذه الآية:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير.
وقوع القيامة وإثبات العذاب في اليوم الموعود
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾
стр. 7934
الاعراب:
﴿وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ الواو الأولى واو القسم، والثانية واو العطف، وجواب القسم:
﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً﴾ العامل في الظرف هو ﴿لَواقِعٌ﴾ أي يقع في ذلك اليوم، ولا يجوز أن يعمل فيه. ﴿دافِعٍ﴾ لأن المنفي لا يعمل فيما قبل النافي.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ويل: مبتدأ مرفوع، وخبره ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وجاز الابتداء بكلمة ﴿فَوَيْلٌ﴾ النكرة، لأن في الكلام معنى الدعاء، كقولهم: سلام عليكم. والفاء في ﴿فَوَيْلٌ﴾ جواب الجملة المتقدمة، لأن الكلام متضمن معنى الشرط، أي إذا كان الأمر كذلك فويل.. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾.
﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿هذا﴾ في موضع رفع مبتدأ، وسحر: خبر مقدم وتقديم الخبر لأنه مقصود بالإنكار والتوبيخ. وأم هنا: منقطعة لا متصلة، لمجيء جملة اسمية تامة بعدها، فلو لم يكن بعدها جملة تامة لكانت متصلة. والمتصلة بمعنى (أي) والمنقطعة بمعنى (بل والهمزة) وتقديره: أفسحر هذا، بل أنتم لا تبصرون. و ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، أي سواء عليكم الجزع والصبر.
البلاغة:
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً﴾ جناس اشتقاق، وكذا قوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾. ﴿أَفَسِحْرٌ هذا؟﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع. ﴿اِصْلَوْها، فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ﴿اِصْلَوْها﴾ للإهانة والتوبيخ. وبين قوله: ﴿فَاصْبِرُوا﴾ وقوله: ﴿أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ طباق السلب. ﴿وَالطُّورِ، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ.﴾. الآيات فيها سجع لطيف، وكذا في قوله ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَالطُّورِ﴾ هو الجبل المشجر الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وغير المشجر لا يقال له: طور، وإنما يسمى جبلا. وموقع الطور في صحراء سيناء ببلاد مدين، وهو طور سينين. والطور بالسريانية: الجبل. ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ أي مكتوب، تم فيه ترتيب الحروف المكتوبة على وجه منتظم، والسطر: ترتيب الحروف المكتوبة، والمراد به: ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من الكتب السماوية، كالتوراة وألواح موسى والزبور والإنجيل والقرآن.
﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرّق: جلد رقيق يكتب فيه، وقد أستعير هنا لما كتب فيه الكتاب،
стр. 7935
والمنشور: المبسوط المفتوح، وتنكيرهما للتعظيم والإشعار بأنهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ الكعبة المعمورة بالحجاج والزوار والمجاورين. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ هو السماء. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ البحر المملوء ماء، وهو المحيط، أو الموقد المحمى المملوء نارا، من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦/ ٨١] من سجّر النار: أوقدها، روي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار نارا تسجر بها جهنم.
﴿لَواقِعٌ﴾ لنازل بالمستحقين. ﴿ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ يدفعه أو يمنعه عن المستحقين. والمراد بهذه الأمور المقسم بها على وقوع عذاب الله يوم القيامة أنها تدل على كمال قدرة الله وحكمته، وصدق أخباره، وضبط أعمال العباد للمجازاة.
﴿تَمُورُ﴾ تتحرك وتضطرب وتدور وترتجّ في مكانها. ﴿وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ أي تسير عن وجه الأرض، فتصير هباء منثورا، وذلك في يوم القيامة الذي يقع فيه العذاب. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي إذا وقع ذلك فويل لهم، أي شدة عذاب. ﴿فِي خَوْضٍ﴾ باطل.
﴿يَلْعَبُونَ﴾ يتشاغلون بكفرهم.
﴿يُدَعُّونَ﴾ يدفعون دفعا شديدا بعنف. ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي فيقال لهم ذلك. ﴿أَفَسِحْرٌ هذا؟﴾ أي أسحر هذا العذاب الذي ترون، كما كنتم تقولون في الوحي: هذا سحر. ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ بل أنتم لا تبصرون هذا أيضا، كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدل عليه، وهو تقريع وتهكم. ﴿اِصْلَوْها﴾ ادخلوها وقاسوا شدائدها. ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ ادخلوها على أي وجه شئتم من الصبر وعدمه وهو الجزع، فإنه لا محيص لكم عنها. ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي الأمران: الصبر والجزع سواء، لأن صبركم لا ينفعكم. ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تعليل للاستواء، لأنه لما كان الجزاء واجب الوقوع، كان الصبر وعدمه سببين في عدم النفع.
التفسير والبيان:
يقسم الله تعالى بمخلوقاته الدالة على كمال قدرته في إيقاع العذاب بأعدائه دون أن يكون هناك دافع له عنهم، فيقول:
﴿وَالطُّورِ، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ أقسم الله سبحانه بجبل طور سيناء الذي فيه أشجار، تشريفا له وتكريما، لما حدث فيه من حادث عظيم وهو تكليم الله موسى فيه، وأنزل عليه التوراة التي كتبت بحروف منتظمة، في جلد رقيق مبسوط. وكانت الجواد أكثر ما يكتب فيها قبل اختراع الورق.
стр. 7936
فقوله: ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ يشمل الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا، كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن. وقيل: هو اللوح المحفوظ.
وقرن الكتاب بالطور، لإنزاله على موسى وهو فيه، وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ إشارة إلى الوضوح.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ أي والكعبة المشرفة التي تعمر بالحجاج والزوار والمجاورين الذين يقصدونها للعبادة والدعاء والتبرك بها. والسماء العالية التي هي كالسقف للأرض وما حوتها من شموس وأقمار وكواكب ثابتة وسيّارة وعوالم لا يحصيها إلا الله تعالى.
والبحر المملوء ماء، المحبوس عن الأرض اليابسة، والموقد نارا كالتنّور المحمى الذي يتفجر بالنار الملتهبة يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦/ ٨١] روي: أن البحار تسجر يوم القيامة، فتكون نارا.
ومن المعروف أن النفط يستخرج من قاع البحار كالأرض اليابسة، وتتصاعد منه بين الحين والآخر الزلازل والبراكين.
وقرن السقف المرفوع بالبيت المعمور ليعلم شأن الكعبة، وأماكن شعائر الإسلام، وعظمة قدر النبي محمد ﷺ الذي ناجى ربه فيه قائلا: «سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك». كما أن يونس ﵇ كلّم ربه في البحر قائلا: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١].
وتنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء لتعظيمه وشهرة معرفته، حتى إنه ما احتاج إلى تعريف، أما بقية الأشياء فاحتاجت إلى التعريف.
ثم ذكر الله تعالى جواب القسم قائلا:
﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ هذا هو المقسم عليه أو جواب القسم، أي أقسم بتلك المخلوقات العظيمة على أن عذاب الآخرة لواقع كائن لا محالة
стр. 7937
لمن يستحقه من الكافرين والعصاة الذين كذبوا الرسل، ليس له دافع يدفعه ويردّه عن أهل النار. وقوله: ﴿لَواقِعٌ﴾ فيه إشارة إلى الشدة. وقوله:
﴿عَذابَ رَبِّكَ﴾ ليأمن النبي وكل مؤمن حين يسمع لفظ الرب، فإن اسم الله منبئ عن العظمة والهيبة، واسم الرب ينبئ عن اللطف.
ثم بيّن الله تعالى ما يصاحب وقوع العذاب يوم القيامة، فقال:
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ أي إن العذاب لواقع يوم تضطرب السماء اضطرابا ويموج بعضها في بعض موجا، وتتحرك في مكانها، وتزول الجبال من مواضعها كسير السحاب، وتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا.
والحكمة في مور السماء وسير الجبال: الاعلام بألا عودة إلى الدنيا، لخرابها وعمارة الآخرة، لأن الأرض والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها، فإن لم يؤمل العود إليها، لم يبق فيها نفع.
ثم ذكر الله تعالى من يقع عليه العذاب وينزل عليه يوم القيامة، فقال:
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي ويل-وهي كلمة تقال للهالك-لأولئك الذين كذبوا الرسل، ذلك اليوم، من عذاب الله ونكاله بهم وعقابه لهم، فمن لا يكذّب لا يعذّب بنحو دائم، والمكذبون الذين كانوا في الدنيا في تردد وخوض في الباطل، واندفاع فيه، لا يذكرون حسابا، ولا يخافون عقابا، ويتخذون دينهم هزوا ولعبا، ويخوضون في أمر محمد ﷺ بالتكذيب والاستهزاء. والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ لاتصال المعنى وهو الاعلام بأمان أهل الإيمان. أما أهل الكبائر فلا يستمر تعذيبهم ولا يخلّدون في النار، لأنهم لا يكذّبون الرسل.
وأسلوب إلقاء المكذبين في النار هو ما ذكره تعالى بقوله:
стр. 7938
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي يوم يدفعون ويساقون إلى نار جهنم دفعا عنيفا شديدا.
ويقال لهم تقريعا وتوبيخا:
١ - ﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أي تقول الزبانية لهم تقريعا وتوبيخا: هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
والتكذيب بها تكذيب للرسول الذي أخبر بها من طريق الوحي.
٢ - ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ؟﴾ أي أهذا الذي ترون وتشاهدون سحر كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة ولكتبه المنزلة؟ بل إنه لحق ولكنكم أنتم عمي عن هذا، كما كنتم عميا عن الحق في الدنيا، أي لا شك في المرئي، ولا عمى في البصر، فالذي ترونه حق.
٣ - ﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا، سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إذا لم يمكنكم إنكار ما ترون من نار جهنم، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل، فالآن ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته، وقاسوا حرها وشدتها، ثم يستوي الأمران: الصبر على العذاب وعدم الصبر وهو الجزع، فلا ينفعكم شيء، وافعلوا ما شئتم، فالأمران سواء في عدم النفع، وإنما الجزاء بالعمل خيرا أو شرا، وبما أن العذاب واقع حتما، كان الصبر وعدمه سواء، فسواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها، ولا خلاص لكم منها، ولا يظلم الله أحدا، بل يجازي كلا بعمله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - أقسم الله تعالى بأشياء خمسة: هي الطور والكتب المنزلة، والبيت
стр. 7939
المعمور، والسقف المرفوع والبحر المسجور، تشريفا لها وتكريما. والحكمة في اختيار الأماكن الثلاثة: وهي الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور هي كونها أماكن ثلاثة أنبياء، انفردوا فيها للخلوة بربهم، والخلاص من الخلق، ومناجاة الله وخطابه. أما الطور فانتقل إليه موسى ﵇، وخاطب ربه، فقال: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا، إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ، وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ [الأعراف ١٥٥/ ٧] وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣/ ٧].
وناجى محمد ﷺ ربه في البيت المعمور (الكعبة) فقال- كما تقدم-:
«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
ودعا يونس ﵇ ربه في أعماق البحر، فقال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١].
فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب، فحلف الله تعالى بها، ثم قرن بها الكتاب، لأن الله تعالى كلّم موسى ﵇ في الطور، وأنزل عليه التوراة (١)، وبقية الكتب مثل التوراة للهداية والنور.
٢ - كان المقسم عليه هو وقوع عذاب اليوم الموعود لا محالة، بلا أدنى شك، واستحالة قدرة أحد أن يدفعه عن المعذّبين المكذبين بالرسل.
٣ - يقع العذاب بالمكذبين يوم القيامة، وهو اليوم الذي تمور فيه السماء، أي ترتج بما فيها وتضطرب في مكانها، وتسير الجبال عن أماكنها حتى تستوي بالأرض، إعلاما بألا عودة إلى الدنيا.
стр. 7940
٤ - الويل: كلمة عذاب أو واد في جهنم، وتقال للهالك، والويل لكل من كذب الرسل الذين هم في تردد في الباطل، وهو خوضهم في أمر محمد بالتكذيب.
٥ - يدفع أهل النار إليها يوم القيامة دفعا عنيفا شديدا، قال المفسرون:
إن خزنة النار يغلّون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزجّا في أقفيتهم.
٦ - وإذا دنوا من النار قالت لهم الخزنة للتوبيخ والتقريع والتهكم:
أ-هذه النار التي كذبتم بها في الدنيا.
ب-أفسحر هذا الذي ترون الآن بأعينكم، كما كنتم تقولون عن الوحي: إنه سحر؟ بل كنتم لا تبصرون في الدنيا ولا تعقلون؟ ج -ذوقوا حر جهنم بالدخول فيها، وسواء كان لكم فيها صبر أو لم يكن، فلا ينفعكم شيء، وإنما الجزاء بالعمل. وقد أخبر الله عنهم أنهم يقولون:
﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا، ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم ٢١/ ١٤].
جزاء المتقين ونعم الله عليهم يوم القيامة
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾
стр. 7941
الاعراب:
﴿فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ﴾ ما: مصدرية. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ ﴿هَنِيئاً﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿كُلُوا﴾ أو ضمير ﴿اِشْرَبُوا﴾. وقوله: ﴿بِما كُنْتُمْ.﴾. الباء: سببية، أي بعملكم.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿جَنّاتٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ في محل رفع مبتدأ، وخبره: ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في موضع نصب على الحال.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ بالكسر: على الابتداء، وبالفتح: على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأنه.
البلاغة:
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ تشبيه مرسل، مجمل، حذف منه وجه الشبه، فصار مجملا.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ أي إن العاملين بالأوامر الإلهية، المبتعدين عن المحظورات الشرعية هم في بساتين خضراء نضرة تجري العيون والينابيع والأنهار من تحتهم، ويغمرهم نعم كثيرة من الله تعالى. ﴿فاكِهِينَ﴾ متلذذين مستمتعين مسرورين وقرئ «فكهين» أي طيبة نفوسهم.
﴿آتاهُمْ﴾ أعطاهم. ﴿وَوَقاهُمْ﴾ حفظهم وحماهم، وهو معطوف على ﴿آتاهُمْ﴾ أي بإتيانهم ووقايتهم.
стр. 7942
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا.﴾. أي ويقال لهم ذلك. ﴿هَنِيئاً﴾ أي أكلا وشربا هنيئا، أو طعاما وشرابا هنيئا: وهو ما لا تنغيص فيه ولا نكد، أو ما لا مشقة فيه ولا يؤدي إلى سقم أو عناء وتخمة.
﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي بسبب عملكم. ﴿سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ أي متصلة ببعضها حتى تصير صفا واحدا. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ قرناهم، معطوف على ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ حور: جمع حوراء:
وهي المرأة البيضاء، والعين: جمع عيناء، وهي المرأة العظيمة الواسعة العين، أي نساء بيض عظام الأعين حسانهن، وحور العين: اسوداد المقلة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على ﴿بِحُورٍ﴾ أي قرناهم بأزواج ورفقاء مؤمنين كقوله تعالى:
﴿إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر ٤٧/ ١٥]، ويصح جعله مبتدأ، وخبره: ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ﴾.
﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ﴾ اعتراض للتعليل، والذرية: لفظ يقع على الواحد والكثير، وقرئ:
﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان، والذرية: تشمل الصغار والكبار، وقوله: ﴿بِإِيمانٍ﴾ حال من ضمير: واتبعتهم، وتنكيره للتعظيم، أو الإشعار بأنه يكفي للإلحاق:
المتابعة في أصل الإيمان. ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ في دخول الجنة، أو الدرجة، وإن لم يعملوا بعملهم، تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم، ولما
روي مرفوعا: أنه ﷺ قال فيما يرويه ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه لتقرّ بهم عينه» ثم تلا هذه الآية.
﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾ وما نقصناهم بهذا الإلحاق. ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي فيزاد في عمل الأولاد بالتفضل عليهم، وهو اللائق بكمال لطف الله. ﴿بِما كَسَبَ﴾ من خير أو شر. ﴿رَهِينٌ﴾ مرهون بعمله عند الله، فيؤاخذ بالشر، ويجازى بالخير، والعمل الصالح يكفّه، والعمل الصالح يهلكه.
﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾ زدناهم وقتا بعد وقت. ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ من أنواع النعم، وإن لم يصرحوا بطلبه.
﴿يَتَنازَعُونَ فِيها﴾ يتجاذبون في الجنة ملاعبة وسرورا، أو يتعاطون بينهم. ﴿كَأْساً﴾ خمرا، فهي إناء الخمر ما دام مملوءا فإن كان فارغا لم يسم كأسا، وسماها باسم محلها، ولذلك أنت الضمير في قوله: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ أي لا يتكلمون بسبب شربها بلغو الحديث (وهو ما لا خير فيه)، ولا يفعلون ما يأثم به فاعله من فحش الكلام وغيره مما يغضب الله، كما هو عادة الشاربين في الدنيا، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات ٤٧/ ٣٧].
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ للخدمة بالكأس وغيرها. ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ مماليك مخصوصون بهم.
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي كأن الغلمان حسنا ولطافة لؤلؤ مصون في الصدف، لأن فيها أحسن منها في غيرها، وذلك من صفائهم وبياضهم،
قال ﷺ فيما رواه ابن جرير وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة: «والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
стр. 7943
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله، استمتاعا وتلذذا واعترافا بالنعمة. ﴿قالُوا: إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أي كنا في الدنيا خائفين من عذاب الله، وهذا القول إيماء إلى علة الوصول إلى الجنة. ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بالمغفرة والرحمة.
﴿وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ حمانا من عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم، وقرئ:
﴿وَوَقانا﴾ بالتشديد.
وقالوا أيضا إيماء إلى علة الوصول إلى الجنة: ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا. ﴿نَدْعُوهُ﴾ نعبده موحدين، أو نسأله الوقاية. ﴿إِنَّهُ﴾ بالكسر: استئناف، وإن كان تعليلا معنى، وقرئ بالفتح: أنه تعليلا لفظا. ﴿الْبَرُّ﴾ المحسن، الصادق في وعده. ﴿الرَّحِيمُ﴾ الكثير الرحمة.
المناسبة:
بعد بيان وقوع البعث والعذاب بالكافرين حتما وما يلاقونه من الشدائد والإهانات، ذكر الله تعالى حال المؤمن وجزاءه المتميز، أي أنه ذكر ما يتلقاه المؤمن في الآخرة بعد بيان حال الكافر، ثم ذكر الثواب عقب العقاب، جريا على الموازنة وعادة القرآن في إيراد الأضداد، والجمع بين الترغيب بالترهيب، حتى يتأمل الإنسان في المصير، فيرغب في الرحمة، ويرهب النقمة والعقاب.
ومما يزيد في الترغيب: أنه تعالى لم يقصر النعمة على المستحق، وإنما أفاضها أيضا على الذرية والأولاد، فلم يكتف بتعداد صنوف اللذات النفسية في الملبس والمسكن والمأكل والمشرب والزواج، وإنما زاد في الفضل والإكرام، فألحق بالأصول الذرية المؤمنة في المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الجنان.
وأبعد اليأس والملل والوحشة عن أهل الجنة، وأحل محلها المتعة المتجددة والأنس، بتجاذب الكؤوس فرحا ولعبا، والتنذر بأطيب الأحاديث، والتحدث بأحوال الدنيا ومقارنتها بأحوال الآخرة، ونحو ذلك.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ، فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ، وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا باتباع أوامره واجتناب نواهيه يكونون
стр. 7944
في بساتين نضرة، ويتنعمون فيها بنعيم دائم، بضد ما أولئك الكفار فيه من العذاب والنكال، وهم يتفكهون بفواكه الجنة تفكها فيه غاية الطيبة واللذة والسرور، بما أعطاهم الله من النعيم، من أصناف الملاذ في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والفرش والأزواج وغير ذلك، وحماهم الله من عذاب النار، ونجاهم من لظى السعير، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها، مع دخول الجنة التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ يفيد أنهم يتنعمون في الجنان تنعما فعليا، لا كمجرد الناطور الذي يحرس البستان. وقوله: ﴿فاكِهِينَ﴾ للدلالة على أن التنعم في النفس والقلب أيضا، فقد يكون التنعم ظاهريا، والقلب مشغول، كحال كثير من أغنياء الدنيا.
وتقول لهم ملائكة الرضوان في الجنة:
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي تهنئهم الملائكة وتقول لهم:
كلوا من طيبات الرزق، واشربوا مما لذ وصفا وطاب، لا تجدون في الأكل والشرب تنغيصا ولا نكدا ولا كدرا، وهذا معنى الهنيء، وذلك بسبب ما قدمتم من أعمال صالحة في الدنيا، فهذا بذاك تفضلا وإحسانا.
ونظير الآية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقة ٢٤/ ٦٩]. قيل للربيع بن خيثم، وقد صلى طوال الليل: أتعبت نفسك، فقال: راحتها طلبت.
ثم ذكر الله تعالى تمتعهم بالفرش والبسط والأزواج، فقال:
﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ، وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي والحال أنهم يجلسون ويستندون على أسرّة مصفوفة متصل بعضها ببعض، حتى تصير صفا
стр. 7945
واحدا، وهذا دليل الاطمئنان والراحة وعدم التكلف وفراغ البال من الشواغل.
وكذلك قرنّا كل واحد منهم بقرينات صالحات وزوجات حسان من نساء الجنة، وهن الحوريات الشديدات بياض العين، والشديدات سوادها، والواسعات الأعين. ويلاحظ أن كلمتي الحور والعين جمع للمذكر والمؤنث، أي أحور حوراء وأعين عيناء.
روى ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة، ما يتحول عنه ولا يملّه، يأتيه ما اشتهت نفسه، ولذّت عينه».
ويلاحظ أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسباب التنعيم الأربعة على الترتيب، فذكر أولا المسكن وهو الجنات، ثم الأكل والشرب، ثم الفرش والبسط، ثم الأزواج. وذكر في كل نوع ما يدل على الكمال فيه، وهو قوله ﴿فاكِهِينَ﴾ في الجنات، لأن مكان التنعيم قد ينتغص بأمور، وقوله:
﴿هَنِيئاً﴾ إشارة إلى خلو المأكول والمشروب عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا كالتخمة والمرض والغصة والانقطاع. وقوله: في السرر: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ للدلالة على عدم التكلف، والهيئة دليل خير. وقوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنجاز لما وعدهم به ربهم في الدنيا، من غير من، وإنما كان المنّ في الدنيا بالهداية للإيمان والتوفيق للعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ [الحجرات ١٧/ ٤٩].
وقوله: ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ إشارة إلى أنها مخصصة لكل واحد، لا اشتراك فيها.
وقوله: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ دليل على أن المزوج بأمانة هو الله تعالى، وأن المنفعة في التزويج لهم وأنه لم يقتصر على الزوجات، بل وصفهن بالحسن، واختار أحسن الحسن وهو جمال العيون (١).
стр. 7946
ويلاحظ أيضا الفرق بين جزاء الكفار حيث قال تعالى في حقهم: ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبين جزاء المتقين حيث قال في حقهم: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فجزاء الكفار منحصر بكلمة ﴿إِنَّما﴾ للحصر، أي لا تجزون إلا ذلك، وأما المؤمنون فيضاعف ما عملوا ويزيدهم من فضله، ويجازى الكفار عين أعمالهم بقوله: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ إشارة إلى المبالغة في المماثلة، وقال في حق المؤمنين:
﴿بِما كُنْتُمْ﴾ كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملهم الصالح، وذكر الله تعالى الجزاء في حق الكفار، وهو ينبئ عن الانقطاع، ولم يذكره في حق المؤمنين مما يدل على الدوام وعدم الانقطاع (١).
ثم أخبر الله تعالى عن مزيد فضله وكرمه ولطفه بخلقه وإحسانه بإلحاق الذرية بالآباء في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقرّ عين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي إن المؤمنين الذين تتبعهم ذريتهم في الإيمان أو بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء، يلحقهم الله بآبائهم في المنزلة فضلا منه وكرما، والمعنى: أن الله سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر عينه، وتطيب نفسه، بشرط كونهم مؤمنين. ومن باب أولى يلحق الآباء بالأبناء إن كان هؤلاء أحسن حالا من آبائهم، فيرفع ناقص العمل إلى منزلة كامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك. قال ابن عباس: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) وتنكير لفظة ﴿بِإِيمانٍ﴾ للدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة،
стр. 7947
ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم (١).
وروى الحافظ الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا ربّ، قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به». وقرأ ابن عباس:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ﴾ الآية.
وهذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وفضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء،
أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربّ أنى لي هذه؟ فيقول:
باستغفار ولدك لك»
وله شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئا.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي كل إنسان مرتهن يوم القيامة بعمله، فلا يتحمل أحد ذنب آخر سواء كان أبا أو ابنا، كما أن الرهن لا ينفك ما لم يؤدّ الدين، فإن كان العمل صالحا فكّه ونجاه، لأن الله يقبله، وإن كان صالحا أهلكه.
ونظير الآية كثير في القرآن، مثل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤ - ٣٩] أي كل نفس مرهونة بعملها، لا يفك رهنها إلا أصحاب اليمين بعملهم الطيب.
стр. 7948
ثم عدد الله تعالى أصناف النعم على المتقين، فقال:
١ - ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي وزدناهم على ما كان لهم من النعيم فاكهة متنوعة، ولحما مختلفا من أنواع اللحوم، من كل ما تشتهيه أنفسهم وتستطيبه وتلذ به.
٢ - ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ أي يتعاطون في الجنة كأسا من خمر الجنة، ويتجاذبون الكؤوس مع جلسائهم تجاذب سرور ولهو وملاعبة، لشدة فرحهم، وليس في شراب الآخرة ما يدعو إلى اللغو والإثم، فلا يتكلمون بكلام لاغ، أي هذيان، ولا قول فيه إثم أي فحش، كما يتكلم شاربو الخمر في الدنيا، قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم، فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم.
وقد أخبر الله تعالى عن حسن منظر خمر الآخرة وطيب طعمها ومذاقها، فقال: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٦/ ٣٧ - ٤٧] وقال: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩/ ٥٦].
٣ - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي ويدور عليهم للخدمة بالكأس والفواكه والطعام وغير ذلك فتيان يخدمونهم، كأنهم في الحسن والبهاء لؤلؤ مستور، مصون في الصدف، لم تمسّه الأيدي.
ونحو الآية: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة ١٧/ ٥٦ - ١٨].
روى ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: «بلغني أنه قيل:
يا رسول الله، هذا الخادم مثل اللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ فقال: والذي نفسي
стр. 7949
بيده إن فضل ما بينهم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» وروي ذلك أيضا عن الحسن.
٤ - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقبلوا يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا في الجنة عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وما كان فيها من متاعب ومخاوف. ونكد وكدر.
ثم ذكر الله تعالى أجوبتهم التي تومئ إلى علة الوصول إلى الجنان، فقال:
- ﴿قالُوا: إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا، وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أي أجابوا قائلين: إنا كنا في الدار الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله وعقابه، فتفضل الله علينا بالمغفرة والرحمة ووفقنا إلى العمل الصالح، وأجارنا مما نخاف من عذاب النار. وسموم جهنم: ما يوجد من حرّها.
- ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ أي إنا كنا في الدنيا نوحد الله ونعبده، ونسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا، إنه سبحانه الكثير الإحسان والكرم، الكثير الرحمة والفضل لعباده.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - إن جزاء المتقين دخول الجنان، والتمتع بأنواع النعيم المختلفة، فهم ذوو فاكهة كثيرة، طيبو النفس، مزّاحون، ناجون من عذاب النار، يقال لهم:
كلوا واشربوا هنيئا، والهنيء: ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر.
وهم متكئون على سرر موصولة بعضها ببعض حتى تصير صفا واحدا، ويتزوجون بما شاؤوا من الحور العين، أي بنساء بيض نجل العيون حسانها.
стр. 7950
٢ - يلحق الله الذرية الصغار والكبار بالآباء، والآباء بالذرية، في المنزلة والدرجة في الجنة تكريما من الله وتفضلا وإحسانا لتقر أعين الآباء بهم، ولا ينقص الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم، ولا ينقص الآباء من ثواب أعمالهم شيئا بإلحاق الذريات بهم، وذلك بشرط الإيمان بين الأصول والفروع.
قال الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم (١).
وقال الرازي في الآية: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ.﴾.: تدل على أن شفقة الأبوة كما هي في الدنيا متوفرة كذلك في الآخرة، ولهذا طيب الله تعالى قلوب عباده بأنه لا يولهم بأولادهم، بل يجمع بينهم (٢).
٣ - ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، قال الزمخشري: عام في كل أحد، مرهون عند الله بالكسب، فإن كسب خيرا فك رقبته، وإلا أربق بالرهن (٣).
٤ - زيادة من الله وفضله يمد المؤمنين بأنواع الفاكهة واللحوم المختلفة حسبما يشتهون، غير الذي كان لهم، ويتناول بعضهم من بعض كأسا وهو إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره، وهم المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة.
ويطوف عليهم مماليك مخصوصون بالفواكه والتحف والطعام والشراب كما قال تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات ٤٥/ ٣٧]. وأولئك المماليك كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مستور مصون في الصدف، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة ١٧/ ٥٦].