← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

ويلاحظ أيضا الفرق بين جزاء الكفار حيث قال تعالى في حقهم: ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبين جزاء المتقين حيث قال في حقهم: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فجزاء الكفار منحصر بكلمة ﴿إِنَّما﴾ للحصر، أي لا تجزون إلا ذلك، وأما المؤمنون فيضاعف ما عملوا ويزيدهم من فضله، ويجازى الكفار عين أعمالهم بقوله: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ إشارة إلى المبالغة في المماثلة، وقال في حق المؤمنين: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملهم الصالح، وذكر الله تعالى الجزاء في حق الكفار، وهو ينبئ عن الانقطاع، ولم يذكره في حق المؤمنين مما يدل على الدوام وعدم الانقطاع (١). ثم أخبر الله تعالى عن مزيد فضله وكرمه ولطفه بخلقه وإحسانه بإلحاق الذرية بالآباء في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقرّ عين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي إن المؤمنين الذين تتبعهم ذريتهم في الإيمان أو بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء، يلحقهم الله بآبائهم في المنزلة فضلا منه وكرما، والمعنى: أن الله سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر عينه، وتطيب نفسه، بشرط كونهم مؤمنين. ومن باب أولى يلحق الآباء بالأبناء إن كان هؤلاء أحسن حالا من آبائهم، فيرفع ناقص العمل إلى منزلة كامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك. قال ابن عباس: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) وتنكير لفظة ﴿بِإِيمانٍ﴾ للدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة،

стр. 7947

ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال: بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم (١). وروى الحافظ الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا ربّ، قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به». وقرأ ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ﴾ الآية. وهذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وفضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربّ أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» وله شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ﴿وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئا. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي كل إنسان مرتهن يوم القيامة بعمله، فلا يتحمل أحد ذنب آخر سواء كان أبا أو ابنا، كما أن الرهن لا ينفك ما لم يؤدّ الدين، فإن كان العمل صالحا فكّه ونجاه، لأن الله يقبله، وإن كان صالحا أهلكه. ونظير الآية كثير في القرآن، مثل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤ - ٣٩] أي كل نفس مرهونة بعملها، لا يفك رهنها إلا أصحاب اليمين بعملهم الطيب.

стр. 7948

ثم عدد الله تعالى أصناف النعم على المتقين، فقال: ١ - ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أي وزدناهم على ما كان لهم من النعيم فاكهة متنوعة، ولحما مختلفا من أنواع اللحوم، من كل ما تشتهيه أنفسهم وتستطيبه وتلذ به. ٢ - ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ أي يتعاطون في الجنة كأسا من خمر الجنة، ويتجاذبون الكؤوس مع جلسائهم تجاذب سرور ولهو وملاعبة، لشدة فرحهم، وليس في شراب الآخرة ما يدعو إلى اللغو والإثم، فلا يتكلمون بكلام لاغ، أي هذيان، ولا قول فيه إثم أي فحش، كما يتكلم شاربو الخمر في الدنيا، قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم، فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم. وقد أخبر الله تعالى عن حسن منظر خمر الآخرة وطيب طعمها ومذاقها، فقال: ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٦/ ٣٧ - ٤٧] وقال: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩/ ٥٦]. ٣ - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي ويدور عليهم للخدمة بالكأس والفواكه والطعام وغير ذلك فتيان يخدمونهم، كأنهم في الحسن والبهاء لؤلؤ مستور، مصون في الصدف، لم تمسّه الأيدي. ونحو الآية: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة ١٧/ ٥٦ - ١٨]. روى ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: «بلغني أنه قيل: يا رسول الله، هذا الخادم مثل اللؤلؤ، فكيف بالمخدوم؟ فقال: والذي نفسي

стр. 7949

بيده إن فضل ما بينهم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» وروي ذلك أيضا عن الحسن. ٤ - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي أقبلوا يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا في الجنة عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وما كان فيها من متاعب ومخاوف. ونكد وكدر. ثم ذكر الله تعالى أجوبتهم التي تومئ إلى علة الوصول إلى الجنان، فقال: - ﴿قالُوا: إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا، وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ أي أجابوا قائلين: إنا كنا في الدار الدنيا خائفين وجلين من عذاب الله وعقابه، فتفضل الله علينا بالمغفرة والرحمة ووفقنا إلى العمل الصالح، وأجارنا مما نخاف من عذاب النار. وسموم جهنم: ما يوجد من حرّها. - ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ أي إنا كنا في الدنيا نوحد الله ونعبده، ونسأله أن يمنّ علينا بالمغفرة والرحمة، فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا، إنه سبحانه الكثير الإحسان والكرم، الكثير الرحمة والفضل لعباده. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إن جزاء المتقين دخول الجنان، والتمتع بأنواع النعيم المختلفة، فهم ذوو فاكهة كثيرة، طيبو النفس، مزّاحون، ناجون من عذاب النار، يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئا، والهنيء: ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. وهم متكئون على سرر موصولة بعضها ببعض حتى تصير صفا واحدا، ويتزوجون بما شاؤوا من الحور العين، أي بنساء بيض نجل العيون حسانها.

стр. 7950

٢ - يلحق الله الذرية الصغار والكبار بالآباء، والآباء بالذرية، في المنزلة والدرجة في الجنة تكريما من الله وتفضلا وإحسانا لتقر أعين الآباء بهم، ولا ينقص الأبناء من ثواب أعمالهم لقصر أعمارهم، ولا ينقص الآباء من ثواب أعمالهم شيئا بإلحاق الذريات بهم، وذلك بشرط الإيمان بين الأصول والفروع. قال الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم (١). وقال الرازي في الآية: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ.﴾.: تدل على أن شفقة الأبوة كما هي في الدنيا متوفرة كذلك في الآخرة، ولهذا طيب الله تعالى قلوب عباده بأنه لا يولهم بأولادهم، بل يجمع بينهم (٢). ٣ - ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، قال الزمخشري: عام في كل أحد، مرهون عند الله بالكسب، فإن كسب خيرا فك رقبته، وإلا أربق بالرهن (٣). ٤ - زيادة من الله وفضله يمد المؤمنين بأنواع الفاكهة واللحوم المختلفة حسبما يشتهون، غير الذي كان لهم، ويتناول بعضهم من بعض كأسا وهو إناء الخمر وكل إناء مملوء من شراب وغيره، وهم المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة. ويطوف عليهم مماليك مخصوصون بالفواكه والتحف والطعام والشراب كما قال تعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف ٧١/ ٤٣] ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات ٤٥/ ٣٧]. وأولئك المماليك كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مستور مصون في الصدف، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة ١٧/ ٥٦].

стр. 7951

عن عائشة ﵂ أن نبي الله ﷺ قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة منزلة من ينادي الخادم من خدمه، فيجيبه ألف كلّهم: لبّيك لبّيك» (١). ٥ - يقبل أهل الجنة بعضهم على بعض. فيتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من التعب والخوف من العاقبة، ويحمدون الله تعالى على زوال الخوف عنهم، وامتنان الله عليهم بالجنة والمغفرة، وبالتوفيق والهداية، والنجاة من عذاب نار جهنم، نار السّموم، والسموم: الريح الحارّة. ٦ - يجد أهل الجنة ثواب ما عملوا في الدنيا، فإنهم كانوا في الدنيا يعبدون الله ويوحدونه، ويدعونه بأن يمنّ عليهم بالمغفرة من تقصيرهم، فيرون ثمرة ذلك في الآخرة، فإن الله تعالى كثير البر والجود والإحسان، اللطيف الصادق فيما وعد، الكثير الرحمة. متابعة التذكير والموعظة بالرغم من المكائد ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)﴾ الاعراب: ﴿بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ ﴿بِكاهِنٍ﴾ خبر ما، و ﴿مَجْنُونٍ﴾ معطوف عليه. ﴿أَمْ يَقُولُونَ: شاعِرٌ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: منقطعة بمعنى بل والهمزة، وكذلك ﴿أَمْ﴾ في أوائل الآيات: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ (٣٢ - ٤٣) كلها

стр. 7952

منقطعة، بمعنى (بل والهمزة) وهي خمسة عشر موضعا. و ﴿بَلْ﴾ للإضراب الانتقالي والهمزة للإنكار والتقريع والتوبيخ، أي ما كان ينبغي أن يحصل، أو بمعنى ما حصل هذا. البلاغة: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ استعارة تصريحية، أستعير لفظ الريب (وهو الشك) لنوائب الدهر وحوادثه، بتشبيه حوادث الدهر بالريب بجامع التقلب وعدم الاستمرار على حالة واحدة. ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا﴾ أسلوب تهكمي للتهكم بعقولهم والسخرية منهم، وأمر الأحلام بأقوالهم مجاز عن أدائها إليه. المفردات اللغوية: ﴿فَذَكِّرْ﴾ فاثبت على التذكير والموعظة، ولا تكترث بقولهم، ولا تتراجع لاتهامات باطلة كالقول بأنك كاهن أو مجنون. ﴿فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بحمد ربك وإنعامه عليك. ﴿بِكاهِنٍ﴾ الكاهن: هو المخبر عن الماضي بالظن، والعرّاف: هو المخبر عن المستقبل، بالاعتماد على الجن. ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ ننتظر. ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي حوادث الدهر ليهلك كغيره، والريب في الأصل: الشك، وأطلق على الحوادث، والمنون: الدهر، سمي بذلك، لأنه يقطع الأجل، وقيل: المنون: الموت. ﴿تَرَبَّصُوا﴾ انتظروا هلاكي. ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي، فعذبوا بالقتل يوم بدر. ﴿أَحْلامُهُمْ﴾ عقولهم، جمع حلم: وهو العقل. ﴿بِهذا﴾ التناقض في القول، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون عديم العقل، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق نابع من الخيال، ولا يتأتى ذلك من المجنون. ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ بل هم مجاوزون الحد في العناد والمكابرة. ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ اختلق القرآن وافتراه من تلقاء نفسه. ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بل يكفرون. فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم. ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ مثل القرآن. ﴿إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في زعمهم، إذ فيهم كثير من الفصحاء، فهذا رد لأقوالهم المذكورة بالتحدّي. سبب النزول: نزول الآية (٣٠): ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾: أخرج ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس: أن

стр. 7953

قريشا لما اجتمعوا في دار النّدوة في أمر النبي ﷺ ، قال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة والأعشى، فإنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. المناسبة: بعد قسم الله تعالى على وقوع العذاب، وذكر أحوال المعذبين والناجين، أمر تعالى نبيه بالتذكير إنذارا للكافر، وتبشيرا للمؤمن، ودعاء إلى الله تعالى بنشر رسالته، ثم نفى عنه ما كان الكفار ينسبونه إليه من الكهانة والجنون باعتبارهما طريقين إلى الإخبار ببعض المغيّبات، بالاعتماد على الجن. وكان شيبة بن ربيعة ممن ينسبه إلى الكهانة، وعقبة بن أبي معيط ممن ينسبه إلى الجنون. ثم بيّن الله تعالى ما في هذا الاتهام من التناقض والاضطراب، ثم أمره ربه بتهديدهم بمثل صنيعهم، ثم تحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل أقصر سورة من هذا الكلام المفترى، وفيهم الفصحاء والبلغاء، بل هم قوم طاغون متجاوزون الحد، جاحدون كافرون لا يؤمنون بالوحي، فقالوا بأهوائهم مثل تلك الأقاويل. التفسير والبيان: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ أي إذا كان في الوجود قوم يخافون الله، ويشفقون في أهليهم من عذاب الله كما تقدم في الآيات السابقة، فوجب عليك أيها الرسول الإتيان بما أمرت به من التذكير، فاثبت على ما أنت عليه من تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبّطنك قولهم: كاهن أو مجنون، فلست بحمد الله وإنعامه بكاهن كما يقول جهلة كفار قريش، ولا مجنون، والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، ويخبر عن الماضي بالأخبار الخفية، وليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله

стр. 7954

بإبلاغه. والمجنون: هو الذي يتخبطه الشيطان من المس، في عرف العرب. وممن قال: إنه كاهن كما تقدم: شيبة بن ربيعة، وممن قال: إنه مجنون عقبة بن أبي معيط. لا تبال بهذا، فإنه قول باطل متناقض، لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله، ولست بما عرف عنك من رجاحة العقل أحد هذين. ثم أنكر الله تعالى عليهم قولا آخر في الرسول ﷺ ، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي بل يقولون: إنه شاعر ننتظر به حوادث الأيام، فيموت كما مات غيره، أو يهلك كما هلك من قبله، فنستريح منه ومن شأنه وينقضي ما جاء به من هذا الدين. ثم هددهم الله وتهكم بهم قائلا لرسوله ﷺ : - ﴿قُلْ: تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: انتظروا موتي أو هلاكي، فإني معكم من المنتظرين لعاقبة الأمر، وقضاء الله فيكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة، وأنا واثق من نصر الله تعالى. - ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أي أأنزل عليهم ذكر أم أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض؟ وهي دعوى أن القرآن سحر أو كهانة أو شعر، وقولهم في الرسول ﷺ : كاهن وشاعر مع قولهم: مجنون، فالشاعر غير الكاهن وغير المجنون، فالأول ينطق بالحكمة، والثاني يذكر الخرافات، والثالث زائل العقل، وكانت عظماء قريش توصف بأنهم أهل الأحلام والنهى والعقول، فتهكم الله بعقولهم التي لا تميز بين الحق والباطل.

стр. 7955

أم إنهم قوم طغوا وتجاوزوا الحد في العناد والعصيان والضلال عن الحق، واغتروا وقالوا ما لا دليل عليه سمعا، ولا مقتضى له عقلا. وعلى هذا تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة، كما ذكر الرازي، وذكر غيره (١) أن أم في الموضعين منقطعة، أي بل أتأمرهم عقولهم، بل أطغوا وجاوزوا الحد؟ أي لكن عقولهم تأمرهم بهذه الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور، وهم قوم طاغون ضلاّل معاندون. ﴿أَمْ يَقُولُونَ: تَقَوَّلَهُ، بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي أتقولون: كاهن، أم تقولون: شاعر، أم تقوله أي اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن. فرد الله تعالى عليهم: بل إن كفرهم وكونهم لا يؤمنون بالله ولا يصدقون بما جاء به رسوله هو الذي يحملهم على هذه الأقوال المتناقضة، والمطاعن المفتراة الكاذبة. ثم رد عليهم ردا آخر فيه تحدّ لهم، فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أي إن صدقوا في قولهم: إن محمدا تقوله وافتراه من عند نفسه، فليأتوا (٢) بمثل هذا القرآن في نظمه وحسن بيانه وبديع أسلوبه، مع أنه كلام عربي، وهم أساطين البيان، وفرسان البلاغة والفصاحة، والممارسون لجميع أساليب العربية من نظم ونثر. والحقيقة أنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس، ما جاؤوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله.

стр. 7956

فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: ١ - أمر الله نبيه محمدا ﷺ بالثبات على التذكير والوعظ لقومه بالقرآن، دون مبالاة بمطاعن كفار قريش، فليس هو بالكاهن ولا بالشاعر ولا بالمجنون، وإنما هو صادق النبوة، وقد عرف بين قومه أنفسهم برجاحة العقل، وأصالة الرأي. ٢ - لقد انتظر الكفار المعاندون سوءا أو هلاكا بالنبي ﷺ تخلصا منه ومن دينه، فعجل الله لهم الهلاك في معركة بدر وغيرها. قال الضحاك: هؤلاء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر، أي يهلك عن قريب كما هلك من قبل من الشعراء، وأن أباه مات شابا، فربما يموت كما مات أبوه. ٣ - وفي حال حياتهم أورد القرآن عدة تقريعات وتوبيخات لهم بأسلوب التهكم: أولها-أنه لا عقل لهم بنحو سليم، إذ لو كان لهم عقل سليم لميزوا بين الحق والباطل، والمعجز وغيره، ولما أوقعوا أنفسهم في تناقضات حين وصفوا محمدا ﷺ بأوصاف متناقضة، فقالوا: إنه كاهن، شاعر، مجنون. والجنون لا يتفق مع الكهانة ونظم الشعر اللذين يتطلبان حذاقة وذكاء وإبداعا وقوة خيال. ثانيها-أنهم قوم طغوا وتجاوزوا الحد بغير عقول. ثالثها-زعمهم أن محمدا تقوّل القرآن، أي اختلقه وافتراه من تلقاء نفسه، والتقول يراد به الكذب. رابعها-أنهم لم يؤمنوا بالله ورسوله جحودا وعنادا واستكبارا، وقد صح عندهم إعجاز القرآن، وإلا ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي بقرآن يشبهه من تلقاء

стр. 7957

أنفسهم ﴿إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في أن محمدا ﷺ افتراه. فإن كان شاعرا ففيكم الشعراء البلغاء، والكهنة الأذكياء، ومن يرتجل الخطب والقصائد ويقص القصص، فليأتوا بمثل ما أتى به. إثبات الخالق وتوحيده بالأنفس والآفاق ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾ البلاغة: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التوبيخ والتقريع لهم. المفردات اللغوية: ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ من غير خالق، فلذلك لا يعبدونه. ﴿أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ الذين خلقوا أنفسهم؟ وبما أنه لا يعقل مخلوق بغير خالق، ولا معدوم يخلق، فلا بد لهم من خالق هو الله الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله ﷺ وكتابه الكريم؟! ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهم لا يستطيعون ذلك، فلا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق القادر، فلم لا يعبدونه؟! ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ به، وإلا لآمنوا بنبيه، ولو أيقنوا بأن الخالق هو الله لما أعرضوا عن عبادته.

стр. 7958

﴿خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ خزائن رزقه، حتى يرزقوا النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا. ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ القاهرون الغالبون على الأشياء المسلطون عليها يدبرونها كيف شاؤوا، من سيطر على كذا: إذا تسلط عليه وأقام عليه، مثل بيطر وبيقر. ﴿سُلَّمٌ﴾ مرتقى إلى السماء، والسلم: كل ما يتوصل به إلى غيره من الأماكن العالية. ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يستمعون عليه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن، وينازعوا النبي ﷺ بزعمهم إن ادعوا ذلك. ﴿بِسُلْطانٍ﴾ بحجة قوية. ﴿مُبِينٍ﴾ أي بحجة واضحة تصدّق استماعه. ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ﴾ بزعمكم. ﴿وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ الذكور، فيه تسفيه آرائهم وإشعارهم بأن من هذا رأيه لا يعدّ من العقلاء، فضلا عن الاطلاع على الغيوب. ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً﴾ أم تطلب منهم أجرة على تبليغ الرسالة. ﴿مَغْرَمٍ﴾ من التزام غرامة أو غرم: وهو التزام الإنسان ما ليس عليه. ﴿مُثْقَلُونَ﴾ محملون الثقل، فلذلك زهدوا في اتباعك ولم يسلموا. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي علم الغيب. ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك ويحكمون بناء عليه. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ تدبير مكيدة وشر، وهو كيدهم في دار الندوة. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يحتمل العموم والخصوص، فيشمل جميع الكفار، أو كفار قريش، فيكون ذلك تسجيلا للكفر عليهم. ﴿الْمَكِيدُونَ﴾ المغلوبون المهلكون، الذين يحيق بهم الكيد، أو يعود وبال كيدهم عليهم، وهو قتلهم يوم بدر. ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ يعينهم ويحرسهم من عذابه. ﴿سُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها لله، وهو اسم علم للتسبيح. ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عن إشراكهم أو شركة ما يشركون به وعن الذين يشركون. المناسبة: بعد أن رد الله تعالى على ما زعم كفار قريش من أن محمدا كاهن أو شاعر أو مجنون، ذكر الدليل من الأنفس والآفاق على صدقه، وإبطال تكذيبهم لرسالته، وإنكارهم للخالق، وإثبات التوحيد بخلقهم وخلق السموات والأرض، علما بأن إثبات الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه وهو الحشر. ثم طمأن الله نبيه بأن كيدهم له لا يضره شيئا، وأن الله ناصره، ومظهر دينه، ولو كره الكافرون.

стр. 7959

التفسير والبيان: هذه الآيات لإثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ﴾ هذا رد على إنكار الخالق الواحد، فهل وجدوا من غير موجد، أم هم أوجدوا أنفسهم؟ وإذا كان الأمران منتفيين بشهادة العقل والحس والواقع وبإقرارهم، فالله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وهل خلقوا السموات والأرض وما فيهما من العجائب والغرائب وأسباب الحياة والمعيشة؟ إنهم في الواقع لا يستطيعون ادعاء ذلك، والحقيقة أن عدم إيقانهم من قولهم بأن الله هو الخالق هو الذي حملهم على التكذيب وإنكار رسالة النبي محمد ﷺ ، إذ لو أيقنوا حقا بأن الله هو الخالق ما أعرضوا عن عبادته. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي هل هم يملكون خزائن الله من النبوة والرزق وغيرهما، فيتصرفوا فيها كيف شاؤوا، أم هم المسلطون على المخلوقات يدبرون أمرها كيف يشاءون؟ الواقع أن الأمر ليس كذلك، بل الله هو المالك المتصرف الفعال لما يريد. ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ، فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي بل أيقولون: إن لهم سلّما منصوبا إلى السماء يصعدون به، أي مرقاة إلى الملأ الأعلى، ويستمعون فيه كلام الملائكة وما يوحى إليهم، ويطلعون على علم الغيب؟ فليأت مستمعهم إليهم على صحة ما هم فيه بحجة ظاهرة واضحة، كما أتى محمد ﷺ بالبرهان الدال على صدقه. الواقع ليس لهم سبيل إلى ذلك، فليس لهم دليل ولا حجة على ما يقولون.

стр. 7960

وبعد الرد على إنكار الألوهية، رد الله تعالى على من قال: الملائكة بنات الله، فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ أي بل أتجعلون لله البنات، وتخصون أنفسكم بالبنين؟ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فمن كان هذا رأيه لا يعدّ من العقلاء، ولا يستبعد منه إنكار البعث، وجحد التوحيد. ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً، فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أي بل أتسألهم أجرة يدفعونها إليك على تبليغك الرسالة، فهم من التزام غرامة تطلبها منهم محمّلون غرما ثقيلا، فلا يسلمون ولا يجيبون دعوتك؟ الواقع لست تسألهم على ذلك شيئا، ولا تطلب منهم أدنى شيء يشق عليهم ويثقلهم. وهذا يدل على أنه لم يطلب منهم أجرا ما. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي بل أيدّعون أن عندهم علم الغيب، وهو ما في اللوح المحفوظ، فيكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب؟ ليس الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله. قال قتادة: لما قالوا: نتربص به ريب المنون، قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ حتى علموا متى يموت محمد ﷺ ، أو إلى ما يؤول إليه أمره. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي إن كنتم تعلمون الغيب فأنتم كاذبون، وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه، فأنتم غالطون، فإن الله يصونه عنكم وينصره عليكم، فإن كنتم تريدون تدبيرا أو مكرا برسول الله ﷺ لإهلاكه، فالكافرون هم الممكور بهم، المجزيون بكيدهم. ولام ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لهؤلاء الكفار أو للجنس، فيشملهم وغيرهم. وتنكير الكيد إشارة إلى وقوع العذاب بغتة من حيث لا يشعرون. وصرح بقوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للدلالة على كون الكافر مكيدا في مقابلة كفره، لا في مقابلة إرادته الكيد.

стр. 7961

﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ، سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي بل ألهم إله غير الله يحرسهم من عذاب الله؟ تنزه الله عن الشريك والمثيل والنظير وعن كل ما يعبدونه سواه. وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله، وتنزيه الله نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ١ - إن إثبات وجود الله ووحدانيته وقدرته على الحشر هو خلق الأنفس والآفاق، أي خلق الإنسان والحيوان والنبات من غير سابق وجود، وخلق السموات والأرض بعد العدم، فالخلق دليل على وجود الله تعالى، وهو الدليل الأعظم الذي ذكره القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل ١٧/ ١٦]. والانفراد بالخلق دليل على وحدانية الخالق، لأن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد. والخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه وهو الحشر. وإذا أقر الكفار بأن ثمّ خالقا، فما الذي يمنعهم من الإقرار له بالعبادة دون الأصنام، ومن الإقرار بأنه قادر على البعث. وهم يقرون بأنه لا يعقل وجودهم من غير رب خلقهم وقدّرهم، كما يقرون إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض بأنه هو الله، فلم لا يوقنون بالحق، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [لقمان ٢٥/ ٣١]. ٢ - أنكر القرآن على الكفار اعتراضهم على نبوة محمد ﷺ بأنه هل عندهم خزائن الرحمة والغيب والرزق حتى يختاروا للنبوة من أرادوه، أو أنهم المصيطرون على العالم الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم؟

стр. 7962

٣ - ثم أنكر القرآن على الكفار قدرتهم على شيء من علم الغيب، ومضمون ذلك: أيدّعون أن لهم مرتقى إلى السماء ومصعدا وسببا يستمعون الأخبار، ويصلون به إلى علم الغيب، كما يصل إليه محمد ﷺ بطريق الوحي، فإذا صح ذلك فليأت مستمعهم على صحة ادعائه بحجة بيّنة أن هذا الذي هم عليه حق. وهذا تتميم للدليل السابق لإثبات النبوة. ٤ - سفّه القرآن أحلام كفار قريش وأمثالهم وقرّعهم ووبخهم في قولهم: الملائكة بنات الله، وهذا إشارة إلى نفي الشرك. فهل يعقل أن يكون لله البنات، وللبشر البنون؟ ومن كان عقله هكذا فلا يستبعد منه إنكار البعث. ٥ - ثم أكد الحق سبحانه صدق نبوة عبده محمد ﷺ بدليل أنه لا يطلب أجرا على تبليغ الرسالة، فهم من المغرم الذي يطالبهم به مجهدون لما كلفهم به. ثم أضاف دليلا آخر وهو أنه ليس عندهم علم بالغيب يكتبون للناس ما أرادوه من علم الغيب. ٦ - أخبر الله تعالى بأنه عاصم نبيه محمدا ﷺ من السوء والشر ومكائد أعدائه، فإنهم إن أرادوا به شرا ومكيدة ومكرا كما دبروا في دار الندوة، فإنهم المهزومون المغلوبون الممكور بهم الذين يعود عليهم وبال الكيد: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥] وذلك أنهم قتلوا ببدر، وأظهر الله دين الإسلام. ٧ - أعاد الله تعالى إثبات التوحيد ونفي الشرك، فقال موبخا: هل لهم إله غير الله يخلق ويرزق ويمنع، تنزّه الله وتعالى وتقدس عن نسبة الشرك له أو أن يكون له شريك، فإن الشريك دليل العجز، والإله الحق يتميز بالقدرة المطلقة التي تشمل الكون كله وما فيه من مخلوقات حتى تصح الدينونة والخضوع والانقياد والعبادة له دون غيره.

стр. 7963

وهذا تصريح بالمقصود الكلي من الآيات، لذا وبخهم على إشراكهم، ونزه نفسه عن ذلك بقوله: ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي عن إشراكهم وعن الذين يشركون. الإعراض عن الكفار لمكابرتهم في المحسوسات ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ الاعراب: ﴿كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً﴾ ﴿ساقِطاً﴾ إما مفعول به ثان، أو حال. ﴿يَوْمَهُمُ﴾ مفعول ﴿يُلاقُوا﴾. و ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ منصوب على البدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾ وليس بمنصوب على الظرف. ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ إدبار بكسر الهمزة: مصدر أدبر يدبر إدبارا، وتقديره: وسبّحه وقت إدبار النجوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرئ بفتح الهمزة، على أنه جمع دبر: وهو منصوب لأنه ظرف زمان. البلاغة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً﴾ أسلوب الفرض والتقدير، أي لو رأوا ذلك لقالوا ما قالوا. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ مجاز عن الحفظ.

стр. 7964

المفردات اللغوية: ﴿كِسْفاً﴾ قطعة. ﴿يَقُولُوا﴾ من فرط طغيانهم وعنادهم. ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ أي هذا سحاب تراكم بعضه على بعض، نرتوي به، ثم لا يؤمنون. والآية جواب قولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء ١٨٧/ ٢٦]. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ اتركهم وأعرض عنهم. ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يموتون أو يقتلون. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أي لا يفيد شيئا من الإغناء في ردّ العذاب. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله تعالى في الآخرة. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بكفرهم، وهو يحتمل العموم والخصوص فإن كان العذاب هو عذاب القبر فالذين ظلموا عام في كل ظالم، وإن كان العذاب هو عذاب يوم بدر فالذين ظلموا هم أهل مكة. ﴿عَذاباً دُونَ ذلِكَ﴾ أي دون عذاب الآخرة، أي في الدنيا قبل موتهم، كعذاب الجوع والقحط سبع سنين، والقتل يوم بدر، أو عذاب القبر. ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة، ولا يضق صدرك بعنائهم وإعراضهم وجدالهم. ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا﴾ بمرأى منا، نراك ونحفظك ونكلؤك، وجمع مبالغة بكثرة أسباب الحفظ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قارنا التسبيح بالتحميد، فقل: سبحان الله وبحمده ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من منامك أو من مجلسك أو إلى الصلاة، أي من أي مكان قمت. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ نزهه بقولك: سبحان الله، وخصه بالليل وقدمه على الفعل، لأن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد عن الرياء. ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ أي عقب غروبها سبحه أيضا، أي إذا أدبرت النجوم من آخر الليل. المناسبة: بعد تفنيد مزاعم المشركين في الحشر والمعاد، والألوهية والوحدانية، والنبوة والشرك، وإثبات المعاد والتوحيد وصدق النبوة ونفي الشرك، أجاب الله تعالى عن بعض مقترحاتهم بإسقاط قطعة من السماء تعذيبا لهم، وبين مدى مكابرتهم في إنكار المحسوسات، فضلا عن المعقولات، ثم أمر نبيه بالإعراض عنهم، والصبر على مساوئهم ومكائدهم، فإن الله ناصرك عليهم وحافظك، وأخبره بأن العذاب واقع بهم في الدنيا قبل الآخرة، وقوّى معنوية نبيه بالاعتصام بالله، والإقبال على طاعته، وذكره صباحا ومساء، نهارا وليلا حين يقوم من منامه أو من مجلسه أو بعد غياب النجوم، وإصباح الصباح.

стр. 7965

التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن عناد المشركين ومكابرتهم للمحسوس، فيقول: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا: سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ أي إن ير هؤلاء المشركون قطعة من نار السماء ساقطة عليهم لتعذيبهم، لما صدقوا ولما أيقنوا، ولما انتهوا عن كفرهم، بل يقولون: هذا سحاب متراكم ملقى بعضه على بعض، نرتوي به. وهذه غاية المكابرة، لأنهم ينكرون ما تبصره الأعين وتشاهده النفوس. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر ١٤/ ١٥ - ١٥]. ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أي إذا كان هذا شأنهم وتبين أنهم لا يرجعون عن كفرهم، فدعهم يا محمد ولا تأبه بهم حتى يلقوا أو يأتي يوم مجازاتهم بأعمالهم السيئة الذي يحدث فيهم هلاكهم السريع، وهو يوم موتهم أو قتلهم وهو يوم بدر، وهو الظاهر في الآية كما قال البقاعي، لأنهم عذبوا فيه، أو يوم النفخة الأولى يوم القيامة، لأن صعقته تعم جميع الخلائق، وهو قول الجمهور، كما ذكر أبو حيان. وإسقاط كلمة الإشارة قبل كلمة ﴿سَحابٌ﴾ أي هذا سحاب لوضوح الأمر وظهور العناد، كما أن كلمة ﴿يَقُولُوا﴾ تدل على العناد. ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي ذلك اليوم يوم لا ينفعهم فيه مكرهم ولا كيدهم الذي كادوا به رسول الله ﷺ في الدنيا، ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع ولا ينصرهم ناصر، بل هو واقع بهم لا محالة.

стр. 7966

والكيد: هو فعل يسوء من نزل به، وإن حسن ممن صدر منه. وإنما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي..﴾. للرد على ما كانوا يعتقدون أنه أحسن أعمالهم. ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي وإن للظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي وكيد النبي وعبادة الأوثان عذابا في الدار الدنيا وهو قتلهم يوم بدر، أو هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد، والقحط والجوع سبع سنين قبل يوم بدر الذي حدث في السنة الثانية من الهجرة، غير أن أكثرهم لا يعلمون ما سينزل بهم من عذاب الله وبأسه وبلاياه، لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والعناد، ولو كشف عنهم العذاب لعادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه. والمراد بالأكثر الكل على عادة العرب حيث تعبر عن الكل بالأكثر، أو هم في أكثر أحوالهم لم يعلموا. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة ٢١/ ٣٢]. و جاء في الحديث لبيان عودة الكفار بعد جلاء العذاب إلى كفرهم: «إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه، ولا فيما أرسلوه». ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي إلى أن يحكم الله أو لقضاء الله، والمعنى: واصبر أيها الرسول على أذى هؤلاء القوم، ولا تبال بهم، إلى أن يقع بهم العذاب الذي وعدناهم به، فإنك بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا وحمايتنا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس، ونزّه ربك عما لا يليق به لإنعامه عليك تنزيها مصحوبا بالحمد، حين تقوم من مجلسك، أي من كل مجلس جلسته، فتقول: (سبحان الله وبحمده) أو (سبحانك اللهم وبحمدك) أو حين تقوم إلى الصلاة، كما قال الضحاك: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك».

стр. 7967

روى مسلم في صحيحة عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك. وقال أبو الجوزاء: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير، ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: «من تعارّ من الليل (١)، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي-أو قال: ثم دعا-استجيب له، فإن عزم فتوضأ، ثم صلى قبلت صلاته». ويتأيد الرأي الأول في كون التسبيح والتحميد بعد كل مجلس بما أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم في المستدرك وابن مردويه وابن أبي شيبة عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ يقول بآخر عمره إذا أراد أن يقوم من المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ أي وإذا قمت من نومك فسبّحه واذكره واعبده في بعض الليل، وفي آخر الليل حين أفول النجوم، لأن العبادة حينئذ أشق على النفس وأبعد عن الرياء. وقال مقاتل: أي صلّ المغرب والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر. قال الرازي: والظاهر أن المراد من ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ وقت الصبح حيث يدبر النجم، ويخفى، ويذهب ضياؤه بضوء الشمس. وحينئذ يكون قوله: ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ المراد به النهار، وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ ما عدا وقت النوم.

стр. 7968

ونظير الآية: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسرار ٧٩/ ١٧] وهذا يتفق مع الحديث الصحيح: «خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - شأن الكفار وديدنهم العناد ومكابرة المحسوسات، حتى إنهم لو رأوا بأعينهم أمارات العذاب النازل عليهم من السماء كالشهب والصواعق، لما أيقنوا وظلوا على كفرهم، وزعموا أنه سحاب محفّل بالمطر متراكم بعضه على بعض، وليس صواعق. وهذا جواب قولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ [الشعراء ١٨٧/ ٢٦] وقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ [الإسراء ٩٢/ ١٧]. ٢ - هددهم الله تعالى بالهلاك السريع وأمر نبيه ﷺ بتركهم والإعراض عنهم حتى يوم بدر، أو يوم يموتون أو يوم النفخة الأولى في يوم القيامة حيث يأتيهم فيه من العذاب ما تشيب منه الرؤوس وتزول به العقول. وليس قوله: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ للتخلي عن دعوتهم إلى الإسلام، والقول بأن ذلك منسوخ بآية القتال ضعيف كما ذكر الرازي، وإنما المراد التهديد. ٣ - في ذلك اليوم الذي يلاقونه لا ينفعهم فيه شيء من مكرهم وما كادوا به النبي ﷺ في الدنيا، وما تآمروا به عليه، ولا يجدون فيه ناصرا ينصرهم من الله، أو مانع يمنعهم من عذاب الله. وقوله: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ فيه تمييز يوم الكفار والفجار عن يوم المؤمنين حيث قال تعالى فيه: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة ١١٩/ ٥].

стр. 7969

٤ - للكفار عذابان: عذاب جهنم في الآخرة، وهو الأدهى والأمر، لأنه عذاب خالد دائم، وعذاب في الدنيا قبل موتهم وهو أخف من عذاب الآخرة بالتعرض لمصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا وذهاب الأموال والأولاد، والجوع والجهد والقحط سبع سنين، وقد عذب به أهل مكة، والقتل في المعارك كمعركة يوم بدر الذي قتل فيه زعماء قريش، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون أن العذاب نازل بهم، ولا ما يصيرون إليه في الآخرة أو الدنيا. ٥ - الصبر مفتاح الفرج، لذا أمر الله نبيه وكل مؤمن بالصبر على قضاء ربه فيما حمّله من رسالته، وأعلمه بأنه بمرأى ومنظر من الله يراه ويسمع ما يقول ويفعل، والله حافظه وحارسه وراعيه. ٦ - إن الإقبال على طاعة الله والاعتصام بقوته وقدرته وتفويض الأمور إليه يقوي النفس البشرية، وينفخ فيها روح الجدّ والعزيمة والإقدام والجرأة على أداء رسالة الحياة، لذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ وكل مؤمن بتسبيح الله وحمده كل وقت وعقب كل مجلس، وبالصلاة، والتهجد ليلا. وقد سبق إيراد الآيات والأحاديث الآمرة والمرغبة بكل ما ذكر، ومنها حديث الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من جلس في مجلس، فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» وأخرج الترمذي أيضا عن ابن عمر قال: «كنا نعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور» (١). وفي الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيّوم السموات والأرض

стр. 7970

ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحقّ، ووعدك الحق، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حقّ، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت وعليك توكلت وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وأسررت وأعلنت، أنت المقدّم وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك». وعن ابن عباس أيضا أنه ﵊ كان إذا استيقظ من الليل، مسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات العشر الأواخر من سورة [آل عمران] أي من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٩٠) إلى آخر السورة.

стр. 7971

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النجم مكيّة، وهي اثنتان وستون آية. تسميتها: سميت سورة النجم، لأن الله تعالى افتتحها بالقسم بالنجم، وأل للجنس، أي بنجوم السماء وقت سقوطها وغربها، لأن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري، لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات، والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر، لأن الناظر إليه يستدل بغروبه على الجهة. مناسبتها لما قبلها: ترتبط هذه السورة بما قبلها بوجوه أربعة: ١ - إن سورة الطور ختمت بقوله: ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ وافتتحت هذه السورة بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾. ٢ - في سورة الطور ذكر تقوّل القرآن وافتراؤه، وهذه السورة بدئت بذلك وردت عليه. ٣ - ذكر في الطور ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم، وفي هذه السورة ذكرت ذرية اليهود في آية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ (٣٢).

стр. 7972

٤ - في حق الآباء المؤمنين قال تعالى في الطور: ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢١) أي ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين، مع نفعهم بعمل آبائهم، وقال في النجم في حق الكفار أو أبناء الكفار الكبار: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٣٩). ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السورة المكية المعنية بأصول العقيدة، وهو إثبات الرسالة وصدق الرسول ﷺ في تلقي القرآن بالوحي عن الله، والتوحيد والكلام على الأصنام وبيان عدم جدواها، والتحدث عن قدرة الله ، وعن البعث والنشور. افتتحت السورة بإثبات ظاهرة الوحي بوساطة جبريل ﵇، والكلام عن (المعراج) وقرب النبي ﷺ من ربه، ورؤيته عجائب ملكوت الله تعالى، ومشاهدته جبريل على صورته الحقيقية الملكية مرتين. ثم قرّعت المشركين على عبادة الأوثان والأصنام، ووصفتها بأنها عبادة باطلة لآلهة مزعومة لا وجود لها، ووبختهم أيضا على جعل الملائكة إناثا، وتسميتهم إياها: بنات الله، وبيان أن الملائكة لا تملك الشفاعة إلا بإذن الله تعالى. ثم وصفت الجزاء العادل يوم القيامة، حيث يجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وذكرت أوصاف المحسنين، ونددت بإعراض الكافرين عن الإسلام، وأعلمت الناس جميعا أن المسؤولية فردية شخصية، فيسأل كل إنسان عن سعيه وعمله، ولا تتحمل نفس إثم أو وزر نفس أخرى، ولا تقبل تزكية المرء نفسه.

стр. 7973

وأبانت السورة إحاطة علم الله بما في السموات والأرض ومظاهر قدرة الله تعالى في الإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار، وخلق الإنسان من النطفة، والبعث والحشر والنشر. وهددت المشركين الذين أنكروا الوحدانية والرسالة والبعث بالإهلاك كإهلاك أقوام أخرى أشداء، كعاد وثمود وقوم نوح ولوط. وختمت بالتعجب من استهزاء المشركين بالقرآن وإعراضهم عنه، وأمر المؤمنين بالعبادة الخالصة لله تعالى. فضلها: أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن سورة النجم أول سورة أعلن النبي ﷺ بقراءتها، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود أيضا قال: «أول سورة أنزلت فيها سجدة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد رسول الله ﷺ وسجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا» وهو أمية بن خلف. وفي رواية أنه ﵊ سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب، فإنه رفع حفنة من تراب، وقال: يكفي هذا. فيحتمل أنه وأمية فعلا كذلك.

стр. 7974

إثبات النبوة وظاهرة الوحي ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)﴾ الاعراب: ﴿إِذا هَوى﴾ ظرف لفعل «أقسم» المقدر، والمراد ب ﴿إِذا﴾ هنا مطلق زمان. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ جملة في جواب سؤال مقدر نشأ بعد قوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾. ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ الواو في ﴿وَهُوَ﴾: واو الحال، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر: في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿فَاسْتَوى﴾ أي استوى عاليا، يعني جبريل. ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ كذب بالتخفيف، فتكون ﴿ما﴾ في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ما كذب الفؤاد فيما رأى. و ﴿ما﴾: إما بمعنى الذي، و ﴿رَأى﴾ الصلة، والهاء المحذوفة العائد، أي رآه، فحذف الهاء تخفيفا، وإما مصدرية. وقرئ ﴿كَذَبَ﴾ بالتشديد، فتكون ﴿ما﴾ مفعولا به، من غير تقدير حذف حرف جر، لأنه متعد بنفسه. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿نَزْلَةً﴾: منصوب على المصدر في موضع الحال، كأنه قال: رآه نازلا نزلة أخرى، وذهب الفرّاء إلى أنه منصوب على الظرف، إذ معناه: مرة أخرى.

стр. 7975

البلاغة: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ إبهام الموحى به للتعظيم والتهويل، ومثله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم ١٦/ ٥٣] وكذلك ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم ٥٤/ ٥٣]. ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ .. ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ بين هوى والهوى جناس، فالأول بمعنى خرّ وسقط، والثاني بمعنى هوى النفس. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ جملة يوحى لدفع المجاز وتأكيد الإيحاء. المفردات اللغوية: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ جنس النجوم، أو الثريا، فإنه غلب فيه إذا غرب أو انتثر يوم القيامة، والواو للقسم. ﴿هَوى﴾ غرب وسقط. ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ ما عدل محمد ﷺ عن طريق الهداية المستقيم. ﴿وَما غَوى﴾ ما وقع في الغي: وهو الجهل مع الاعتقاد الفاسد، وهو الجهل المركب، والمراد: ما اعتقد باطلا قط، والخطاب في هذا لقريش. والمراد: نفي ما ينسبون إليه. ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ ما يتكلم بالقرآن عن الهوى أي بالباطل. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي ما القرآن أو الذي ينطق به. ﴿إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ وحي يوحيه الله إليه. ﴿عَلَّمَهُ﴾ إياه ملك. ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾ صاحب القوى الشديد، وهو جبريل ﵇. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذو قوة وحصافة في عقله ورأيه. ﴿فَاسْتَوى﴾ فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها، ورآه عليها محمد ﷺ مرتين: مرة في السماء، ومرة في الأرض عند غار حراء في بدء النبوة. ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ أفق السماء وهو الجهة العليا بالنسبة للناظر، والضمير لجبريل. ﴿ثُمَّ دَنا﴾ قرب من النبي ﷺ . ﴿فَتَدَلّى﴾ زاد في القرب ونزل وتعلق به، وهو تمثيل لعروجه بالرسول ﷺ . ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ أي فكان جبريل على مقدار قوسين أو أقرب من ذلك، والمراد به هنا مقدار ما بين مقبض القوس والسّية: وهي ما عطف من طرفيها، ولكل قوس قابان: طرفان. والخلاصة: فكان مقدار مسافة قربه منه مثل مقدار مسافة قاب قوسين. والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحي إليه، بنفي البعد الموقع في اللبس والغموض. ﴿فَأَوْحى﴾ الله تعالى. ﴿إِلى عَبْدِهِ﴾ جبريل. ﴿ما أَوْحى﴾ جبريل إلى النبي ﷺ ولم يذكر الموحى به تفخيما لشأنه، أو فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ﷺ . ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ أي ما أنكر فؤاد النبي ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇. ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أفتجادلونه وتغلبونه وتكذبونه على ما يراه معاينة، من المراء:

стр. 7976

وهو الجدال بالباطل. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ رأى محمد جبريل على صورته الحقيقية مرة أخرى. ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ أعلى مكان في السماء، ينتهي إليها علم الخلائق وأعمالهم، شبّهت بالسدرة: وهي شجرة النبق، لأنهم يجتمعون في ظلها. ﴿عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين المتقين. ﴿إِذْ﴾ حين. ﴿يَغْشَى﴾ يغطي ويستر. ﴿ما يَغْشى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يحيط بها وصف ولا عدد. ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ﴾ ما مال بصر رسول الله ﷺ عما رآه. ﴿وَما طَغى﴾ وما تجاوز ما أمر به تلك الليلة. ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ أي رأى في تلك الليلة-ليلة المعراج-بعض آيات ربه العظمى، وعجائب الملكوت، كرؤية جبريل حينما سدّ أفق السماء بما له من ست مائة جناح. التفسير والبيان: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ أي أقسم بالنجم أي بالنجوم عند ما تميل للغروب، إذ بالميل إلى الأفق تعرف الجهات، ما عدل محمد ﷺ عن طريق الهداية والحق، وما صار غاويا متكلما بالباطل، وقيل: النجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر. روى ابن أبي حاتم عن الشعبي وغيره قال: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. وقد عرض الرازي مقارنة في المقسم به والمقسم عليه بين هذه السورة والسور المتقدمة، فذكر أن السور التي تقدمت وهي والصافات والذاريات والطور وهذه السورة كان القسم فيها بالأسماء دون الحروف، أقسم الله في الأولى لإثبات الوحدانية: ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾. وفي الثانية لإثبات الحشر والجزاء: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾. وفي الثالثة لإثبات دوام العذاب بعد وقوعه يوم القيامة: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾. وفي هذه السورة لإثبات نبوة محمد ﷺ فاكتملت الأصول الثلاثة: الوحدانية، والحشر، والنبوة (١). ويلاحظ أن القسم على الوحدانية والنبوة قليل في القرآن، والقسم على إثبات البعث كثير، كما في سورة الذاريات، والطور، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾،

стр. 7977

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾، ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾، وغير ذلك، لأن دلائل الوحدانية كثيرة، وكلها عقلية كما قيل: وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد ودلائل النبوة والرسالة أيضا كثيرة وهي المعجزات المشهورة والمتواترة، أما البعث فإمكانه يثبت بالعقل، وأما وقوعه فلا يثبت إلا بالأدلة السمعية أو النقلية وهي القرآن والحديث، لذا أكثر الله تعالى في القرآن بالقسم عليه ليؤمن به الناس. ونظير الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة ٧٥/ ٥٦ - ٨٠]. والحكمة في القسم بالنجوم أنه عالم رهيب، سواء في السرعة أو في الحجم، أو في النوع، فسرعة نور الكواكب ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية، أي أن النور يجري حول الأرض في سبع ثانية مرة واحدة، والشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاث مائة ألف مرة، وهي وا؟ حد من ثلاثين ألف مليون شمس، والنظام الشمسي والكواكب السيارة الإحدى عشرة جزء من عالم المجرّة، والمجرّة ذات نجوم بنحو ٣٠ ألف مليون نجم، منها ما هو أكبر من الشمس، والمجرة عادة تشبه قرصا مفرطحا، ويبلغ قطر المجرّة التي تنتمي إليها ١٠٠ ألف سنة ضوئية (١)، وإن

стр. 7978

التحام قوة الجاذبية بين المجرّات بالكميات الهائلة من الغازات والمواد الموجودة فيها يحوّل ما يعرف بالفجوات السوداء في وسط هذه المجرّات الفضائية إلى شهب مشتعلة، تحدث نادرا في ظروف مئات الملايين من السنين. والشهب أشبه بالنجوم إلا أنها تصدر إشعاعات مغناطيسية تفوق في طاقتها ما يصدر عن النجوم العادية المعروفة بالإشعاعات، وبعد الشهب عن الأرض بمسافة عشرة آلاف مليون سنة ضوئية. وقد أوضحت سابقا أن الشمس على مدار السنة تتنقل في اثني عشر برجا، وتوجد في كل برج لمدة شهر حيث تتم دورتها السنوية في اثني عشر شهرا (٣٦٥ يوما وست ساعات وتسع دقائق وعشر ثوان). ويطلق على هذه السنة: السنة النجمية التي تبدأ في ٢١ آذار (مارس). وللقمر بروج أيضا تسمى منازل القمر، يقيم فيها كل يوم في منزل جديد، ويستمر بالتنقل على مدار الشهر ما بين ٢٩ أو ٣٠ منزلا، يسمى المنزل الأخير محاقا، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ، يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٥/ ١٠] وتدل آية ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠] على أن الإعجاز القرآني في الفلك أكبر من الإعجاز القرآني في الطب والإنسان، وقد طلب الله منا أن نمعن النظر في آياته الكونية، ونكتشف ظواهر الكون (١).

стр. 7979

لهذه الأهمية للنجوم أقسم الله بها على أن محمدا ﷺ ليس بضال تائه عن الحق، ولا غاو يعدل عن الحق، وسبب رشده وعدم ضلاله وغوايته ما قال تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ أي ما يقول قولا عن هوى وغرض، وما ينطق بالقرآن عن هواه الشخصي، إنما ينطق بوحي من الله أوحاه إليه، ويبلّغ ما أمر به كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان. أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ورسول الله بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق». وأخرج الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما أخبرتكم أنه من عند الله، فهو الذي لا شك فيه». وأخرج أحمد عن أبي هريرة أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أقول إلا حقا، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: إني لا أقول إلا حقا». ثم أخبر الله تعالى عن معلّم رسول الله ﷺ وهو جبريل ﵇: فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ أي علّم القرآن النبيّ جبريل الذي هو شديد قواه العلمية والعملية، وهو ذو قوة وشدة في الخلق، وذو حصافة في العقل، ومتانة في الرأي، وقد استقام جبريل على

стр. 7980

صورته التي خلقه الله عليها، حين أحب النبي ﷺ رؤيته كذلك، فظهر له في الأفق الأعلى أي في الجهة العليا من السماء، وهو أفق الشمس، فسدّ الأفق عند ما جاء بالوحي إلى النبي ﷺ أول ما جاءه بالوحي. ونظير الآيات عن جبريل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير ١٩/ ٨١ - ٢٣]. ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ أي استوى واعتدل جبريل بالأفق الأعلى أولا، ثم قرب من الأرض، وازداد في القرب والنزول، حتى نزل على النبي ﷺ فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد ﷺ من المسافة مقدار قوسين أو أقل من قوسين، فأوحى جبريل إلى عبد الله ورسوله محمد ﷺ ما أوحاه من القرآن في تلك النزلة، من شؤون الدين. وقيل: فأوحى الله إلى محمد ﷺ عبده ما أوحى، وفيه تفخيم لشأن الوحي. وهذا كان ورسول الله ﷺ في الأرض، لا ليلة الإسراء. ولهذا قال تعالى بعده: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾. روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود، قال في هذه الآية: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾: قال رسول الله ﷺ : «رأيت جبريل له ست مائة جناح». وقال عن رؤية جبريل حقيقة لا تخيلا: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أي ما أنكر فؤاد النبي ﷺ ما رآه من صورة جبريل، وإنما كان فؤاده صادقا، فتكون عينه أصدق، فكيف تجادلونه وتكذبونه فيما رآه بعينه رؤية مشاهدة محسوسة من صورة جبريل ﵇؟! والأشهر أن لام ﴿الْفُؤادُ﴾ للعهد، وهو فؤاد

стр. 7981

محمد ﷺ ، فلم يقل فؤاده لما رآه: لم أعرفك، وصدّق فؤاده ما عاينه، ولم يشك في ذلك، ولم يقل: إنه جن أو شيطان. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ أي لقد رأى محمد ﷺ جبريل نازلا مرة أخرى على صورته التي خلقه الله عليها، وذلك ليلة الإسراء، عند سدرة المنتهى التي هي في رأي الأكثرين وهو المشهور: شجرة في السماء السابعة، وجاء في الصحيح أنها في السماء السادسة، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد منهم ما وراءها، وعندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين. والصحيح كما تقدم في سورة الإسراء: أن المعراج كان بالروح والجسد، وليس بالروح فقط كما يرى بعضهم، وإلا لما كان المعراج معجزة. فتكون رؤية النبي ﷺ جبريل ﵇ على صورته الحقيقية مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، وأما في غير هاتين المرتين، فكان يراه في صورة إنسان، لأن عليه أيسر وأهون وأكثر أنسا. وعلى هذا يكون ضمير ﴿رَآهُ﴾ ليس راجعا إلى الله تعالى، بل إلى جبريل ﵇، فالآية تنفي أن يكون ﷺ رأى ربه سبحانه مطلقا، ويؤكده قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام ١٠٣/ ٦] وقوله سبحانه: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [الشورى ٥١/ ٤٢]. وقال بعضهم: الضمائر في ﴿دَنا﴾، و ﴿فَتَدَلّى﴾ و (كان) و (أوحى) وكذا في ﴿رَآهُ﴾: لله ، ويشهد لهذا ما أخرجه البخاري عن أنس: «ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة». والراجح هو الرأي الأول بدليل ما أخرجه مسلم عن أبي ذر أنه

стр. 7982

سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: «رأيت نورا» (١) وأما سدرة المنتهى فنؤمن بها كما جاء في ظاهر القرآن، دون تعيين مكانها وأوصافها إلا بما جاء في الحديث الصحيح، روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن ابن مسعود قال: «لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها..». ورواية مسلم في صحيحة عن ابن مسعود: «.. وهي في السماء السادسة». وفي رواية أخرى لمسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لما رفعت إلى سدرة المنتهى، في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة..» والنّبق: ثمر السّدر، الواحدة: نبقة (٢). وروى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول-وقد ذكر له سدرة المنتهى-قال: «يسير الراكب في ظل الغصن منها مائة سنة، أو يستظل بظلها مائة راكب (٣)، فيها فراش (٤) الذهب، كأن ثمرها القلال». ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أي تلك السدرة التي يحيط بها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله ما يحيط، مما لا يحصره وصف ولا عدد. وهذا في رأي الأكثرين يشعر بالتعظيم والتكثير.

стр. 7983

﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ أي ما مال بصر النبي ﷺ عما رآه، وما تجاوز ما رأى، فرؤية جبريل وغيره من مظاهر ملكوت الله رؤية عين، وليست من خدع البصر، وهذا يؤكد أن المعراج كان بالروح والجسد. لقد رأى في ليلة المعراج من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، وهو جبرائيل على صورته، وسائر عجائب الملكوت. وهذا كقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾ [الإسراء ١/ ١٧] دون تحديد المرئي للإشارة إلى تعظيمه وتفخيمه وأهميته. روى البخاري وغيره عن ابن مسعود أنه قال في الآية: رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سدّ الأفق (١). وعن ابن زيد: أنه رأى جبريل بالصورة التي هو بها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لله تعالى أن يقسم بما شاء، على ما شاء، في أي وقت يشاء، وقد أقسم بالنجوم (على أن اللام للجنس) أو بالثريا (على أن اللام لتعريف العهد) والعرب تسمي الثّريا نجما، وإن كانت في العدد نجوما. وأقسم به وقت هويّه وغروبه لأنه الوقت الذي يستفاد منه لمعرفة الجهات، أما إذا كان في وسط السماء، فيكون بعيدا عن الأرض، لا يهتدي به الساري، فإذا مال إلى الغروب تبين جانب المغرب من المشرق، والجنوب من الشمال. ٢ - المقسم عليه الشهادة للنبي ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال، والضال: الذي يسير على غير هدى بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره، والضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة الرشد. وبه نزّه

стр. 7984

الله تعالى رسوله ﷺ وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كاليهود والنصارى. ٣ - القرآن الكريم ليس كلاما للرسول ﷺ وإنما هو وحي صادر من الله . ٤ - قد يحتج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ من لا يجوّز لرسول الله ﷺ الاجتهاد في الحوادث، وهذا خطأ، لأن المراد بالآية إثبات كون القرآن وحيا من عند الله، والقرآن ذاته أمره بالاجتهاد، وقد اجتهد ﷺ في الحروب فيما لم يحرمه الله، وأذن لبعض المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، فعاتبه ربه بقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣/ ٩]. ٥ - كان الوحي من الله تعالى على قلب نبيه ﷺ بوساطة جبريل، لقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ وهو جبريل في قول سائر المفسرين، سوى الحسن، فإنه قال: هو الله . وقد وصف الله جبريل بأنه ذو قوة فائقة علما وعملا وحصافة في العقل ومتانة في الرأي. ٦ - رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ على صورته الحقيقية مرتين: مرة بدأت في أفق السماء، حينما استوى واستقام كما خلقه الله تعالى بالأفق الشرقي العلوي، فسد المشرق لعظمته. ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، من الأرض، فنزل بالوحي على النبي ﷺ بالوحي. وهذه هي المرة الأولى للرؤية، والنبي على الأرض. وكان جبريل قريبا من النبي ﷺ بمقدار مسافة قوسين عربيتين أو أقل من ذلك. ٧ - لقد أوحى الله إلى محمد ﷺ عبده ورسوله ما أوحى، ولم يبين الموحى به تفخيما لشأن الوحي، أو أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى إلى محمد ﷺ ،

стр. 7985

أو أوحى جبريل إلى محمد ﷺ ما أوحاه الله إليه وكلمه به. وعلى كل حال مصدر الوحي الأصلي هو الله تعالى، وجبريل واسطة، ومحمد ﷺ الموحى إليه. والوحي: إلقاء الشيء بسرعة. ٨ - لم يكذب قلب محمد ﷺ ليلة المعراج ما رآه من جبريل على صورته الحقيقية وآيات الله الإلهية العجيبة، وهي رؤية حقيقية بالبصر، وقيل: إنه رأى ما رآه بقلبه. ٩ - أنكر الله على كفار قريش ما أخبر به النبي ﷺ ليلة المعراج، فقال: كيف تجادلونه وتوردون شكوكم عليه، مع أنه رأى ما رأى عين اليقين؟! ١٠ - لقد رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ مرة أخرى عند سدرة المنتهى (وهي شجرة النّبق، وهي في السماء السادسة، أو في السماء السابعة، التي لا يحيط بها وصف) عند جنة المأوى التي تأوي إليها أرواح الملائكة والشهداء والمتقين، وينتهي إليها علم الأنبياء، ويعزب علمهم عما وراءها، كما قال ابن عباس. قال ابن مسعود فيما ذكره المهدوي، قال النبي ﷺ : «رأيت جبريل بالأفق الأعلى، له ست مائة جناح، يتناثر من ريشه الدر والياقوت». والذي يغشى السدرة مبهم للتفخيم والتعظيم، مثل أنوار الله تعالى، والملائكة، والخلائق الدالة على عظمة الله تعالى. ١١ - لم يعدل بصر النبي ﷺ يمينا ولا شمالا عما رأى بعينه يقينا، ولا تجاوز الحد الذي رأى. ١٢ - لقد رأى النبي ﷺ من آيات ربه آيات هن أكبر الآيات، قال الرازي معقبا على قول من قال: إنه رأى جبريل ﵇ في صورته: الظاهر أن هذه الآيات غير تلك.
следующие страницы →