﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ أي هذا القرآن إنذار من جنس الإنذارات المتقدمة، أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين، أي إنه رسول كالرسل قبله، أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم.
﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قربت القيامة أو دنت الساعة، كقوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر ١/ ٥٤]. ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي ليس لها نفس من غير الله قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله، أي لا يكشفها ويظهرها إلا هو، كقوله تعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧] إذ لا يطلع عليها سواه، فقوله: ﴿كاشِفَةٌ﴾ أي نفس تكشف وقت وقوعها وتبيّنه، لأنها من المغيبات. والتاء للتأنيث، لتأنيث الموصوف المحذوف، أي نفس قادرة على كشفها إذا وقعت، لكنه سبحانه لا يكشفها.
﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن. ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنكارا وتكذيبا. ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ استهزاء.
﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ حزنا على ما فرطتم، وعند سماع وعد الله ووعيده. ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ لاهون وغافلون ومعرضون عما يطلب منكم. ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ﴾ الذي خلقكم، أي إذا اعترفتم لله بالعبودية، فاخضعوا له. ﴿وَاعْبُدُوا﴾ اعبدوه دون الآلهة المزعومة كالأصنام، وأقيموا وظائف العبادة.
المناسبة:
لمّا عدّ الله تعالى نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه، ثم ذكر أمثلة على قدرته بإهلاك من كفر بتلك النعم، وأن الإحياء والإماتة بيد الله، وبّخ الإنسان على جحد شيء من نعم الله، فيصيبه مثل ما أصاب الشاكّين المتمارين المجادلين بالباطل. ثم ذكّره بإنذار القرآن والرسول. وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة، ختم السورة ببيان اقتراب الحشر: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ وحذّر من إنكار القرآن وتكذيبه، ومن التفريط بما جاء فيه، والغفلة والإعراض عن مواعظه وحكمه، ودعا إلى الانقياد التام لله ، وعبادته وحده لا شريك له بإتقان وإخلاص.
التفسير والبيان:
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب
стр. 8017
تتشكك وتمتري؟ مثل قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن ١٣/ ٥٥]. وهذا ابتداء كلام والخطاب عام لكل إنسان. والمراد بالنعم ما عدده سابقا من الخلق والإغناء وخلق السماء والأرض وما فيهما من نعم مخلوقة للإنسان.
﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ أي هذا القرآن أو الرسول محمد ﷺ نذير محذوف محذّر من جملة النذر المتقدمة، فالقرآن منذر كالكتب السماوية السابقة، والنبي ﷺ رسول إليكم كالرسل المتقدمين قبله، فإنه أنذركم كما أنذروا أقوامهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩/ ٤٦] وقال سبحانه:
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ ٤٦/ ٣٤]
وفي الحديث الثابت: «أنا النذير العريان» (١) أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس شيئا، وبادر إلى إنذار قومه، وجاءهم عريانا مسرعا.
﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي قربت ودنت الساعة الموصوفة بالقرب في قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر ١/ ٥٤] وقوله: ﴿وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ [الواقعة ١/ ٥٦] وقوله: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء ١/ ٢١] وقوله:
﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧/ ٤٢] وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم، وأنها تكاد تقوم، فالآية إشارة إلى القيامة لإثبات الأصول الثلاثة على الترتيب: الأصل الأول وهو الله ووحدانيته بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾، ثم الرسول والرسالة بقوله تعالى: ﴿هذا نَذِيرٌ﴾ ثم الحشر والقيامة بقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. و
جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن سهل بن سعد: «مثلي ومثل الساعة كهاتين» وفرّق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام.
وروى أحمد أيضا والشيخان عن سهل بن سعد قال: سمعت
стр. 8018
رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى.
﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي ليس هناك على الإطلاق نفس قادرة على كشفها وإظهارها والاعلام بها إلا الله تعالى، لأنها من أخفى المغيبات، فاستعدوا لها قبل مجيئها بغتة وأنتم لا تشعرون، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان ٣٤/ ٣١] وقوله سبحانه: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧].
أو: ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا غشيت الخلق بشدائدها وأهوالها غير الله، والأولى أن يقال: ليس لها من دون الله من يؤخرها أو يقدّمها، كما ذكر القرطبي.
ثم أنكر الله على المشركين وأمثالهم ووبخهم لإنكار القرآن وتكذيبه، فقال:
﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ أي كيف تعجبون من أن يكون القرآن صحيحا، تكذيبا منكم، وتضحكون منه استهزاء، وتسخرون من آياته، مع كونه غير محل لذاك، ولا تبكون كما يفعل الموقنون، وأنتم لاهون عنه، غافلون معرضون، أو مستكبرون عنه؟! فهذا استفهام توبيخ.
﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا﴾ أي اسجدوا أيها المؤمنون شكرا على الهداية واخضعوا له، واشتغلوا بالعبادة، وأخلصوا ووحدوا، فإنه تعالى المستحق لذلك منكم.
وقد ورد أن النبي ﷺ سجد عند تلاوة هذه الآية، وسجد معه المسلمون والكفار، أخرج البخاري عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.
وأخرج الإمام أحمد والنسائي عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة
стр. 8019
النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي، فأبيت أن أسجد-ولم يكن أسلم يومئذ المطّلب-فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - يستنكر الحق سبحانه على الإنسان المكذّب في أي زمان كان تشككه ومماراته وجداله في آلاء الله ونعمه العديدة، بعد أن أبان القرآن الكريم بعضا منها كالخلق والرزق والإغناء والصحة وتسخير الكون كله لمصالح الإنسان، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٩/ ٢].
٢ - إن القرآن العظيم نذير بما أنذرت به الكتب الأولى، وكذلك محمد ﷺ نذير بالحق الذي أنذر به الأنبياء قبله، فإن أطاعه الناس أفلحوا ونجوا. وهذا مطابق أيضا لما في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما.
٣ - لقد قربت الساعة ودنت القيامة: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ يعني القيامة، سماها آزفة لدنّوها من الناس، وقربها منهم، ليستعدوا لها، لأن كل ما هو آت قريب.
وليس للآزفة أو القيامة من دون الله من يؤخرها أو يقدّمها.
٤ - وبّخ الله المشركين تعجبهم تكذيبا بالقرآن، وضحكهم استهزاء بآياته، وعدم بكائهم انزجارا وخوفا من الوعيد، ولهوهم وإعراضهم عن كتاب الله تعالى.
روي أن النبي ﷺ ما رئي بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا تبسّما، وقال أبو هريرة فيما ذكره القرطبي: لما نزلت: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ قال
стр. 8020
أهل الصّفّة: «إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع النبي ﷺ بكاءهم، بكى معهم، فبكينا لبكائه،
فقال النبي ﷺ : «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية الله، ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ويرحمهم، إنه هو الغفور الرحيم».
وقال أبو حازم: نزل جبريل على النبي ﷺ ، وعنده رجل يبكي، فقال له: من هذا؟ قال: هذا فلان، فقال جبريل: إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم.
٥ - أمر الله بالسجود له والخضوع لجلاله وعظمته شكرا على الهداية، وبالاشتغال بالعبادة. قال ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة والشافعي: المراد بقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا﴾ سجود تلاوة القرآن. وقد تقدم أول السورة وفي تفسيرها من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سجد فيها وسجد معه المشركون. وقال ابن عمر: المراد سجود الفرض في الصلاة، أي إنه كان لا يراها من عزائم السجود، وبه قال مالك، قال القرطبي: والأول أصح.
стр. 8021
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القمر
مكيّة، وهي خمس وخمسون آية.
تسميتها:
سميت سورة القمر، لافتتاحها بالخبر عن انشقاق القمر، معجزة لنبينا ﷺ .
مناسبتها لما قبلها:
تتضح مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواح ثلاث هي:
١ - اتفاق خاتمة السورة السابقة وفاتحة هذه السورة حول إعلان قرب القيامة، فقال تعالى في سورة (النجم): ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (٥٧) وقال في هذه السورة: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ إلا أنه ذكر هاهنا دليلا على الاقتراب، وهو قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
جاء في الصحيحين عن أنس: «أن الكفار سألوا رسول الله ﷺ آية، فانشق القمر مرتين».
٢ - تناسب التسمية وحسن التناسق، لما بين النجم والقمر من تقارب، كما في توالي سورة الشمس، والليل، والضحى، ومن قبلها سورة الفجر.
٣ - فصلت هذه السورة أحوال الأمم المشار إلى إهلاكهم بسبب تكذيب رسلهم في السورة المتقدمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى، وَثَمُودَ فَما
стр. 8022
أَبْقى، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ، إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ (٥٠ - ٥٣). وهذا يشابه الأعراف بعد الأنعام، والشعراء بعد الفرقان، والصافات بعد يس.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية لتقرير أصول العقيدة الإسلامية، بدءا من إنزال القرآن بالوحي وتهديد المكذبين بآياته، وانتهاء بالجزاء الحتمي يوم القيامة ومشاهد عذاب الكفار، وأنواع ثواب المتقين وتكريمهم.
أخبرت السورة أولا بقرب وقت القيامة ودليل ذلك وهو انشقاق القمر الذي هو أحد المعجزات الكبرى للنبي ﷺ ، وموقف المشركين من تلك المعجزة ووصفها بأنها سحر مفترى، وغفلتهم عما في القرآن من الزواجر.
وتلا ذلك أمر الرسول ﷺ بالإعراض عنهم، وإنذارهم بحشرهم أذلة مسرعين كالجراد المنتشر، بعبارات تهز المشاعر، وتثير المخاوف، وتملأ النفس رعبا وفزعا من أهوال القيامة.
ثم أنذرت كفار مكة بعذاب مشابه لعذاب الأمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون جزاء على تكذيبهم الرسل، وأفردت كل قصة عن الأخرى، وعقبتها بعبارة مخيفة تدعو للعجب وهي: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟!﴾ وقرنها بقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
ثم وبخت مشركي قريش على غفلتهم عن هذه النذر، وحذرتهم مصرعا مماثلا لمصارع أولئك الأقوام، وهو القتل والهزيمة في الدنيا، وعذاب الآخرة الأدهى والأمرّ، الذي يصاحبه الذل والمهانة بالسحب على وجوههم في النار، فهم في ضلال وسعر.
стр. 8023
وختمت السورة ببيان ظاهرة التوازن في خلق الأشياء، وسرعة نفاذ أمر الله ومشيئته كلمح البصر، وضرورة العظمة والتذكر بهلاك الطغاة، ورصد جميع أعمال البشر في سجلات محفوظة، وتبشير المتقين بالجنات والكرامات عند ربهم المليك المقتدر.
والخلاصة: أن السورة حافلة بالوعد والوعيد، والعظات والعبر بأخبار الماضين، وتهديد الكفار بعقاب مماثل، وإكرام المتقين في جنات ونعيم.
فضل السورة:
تقدم في فضل سورة ق إيراد حديث أبي واقد الليثي فيما يرويه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر» وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار كالجمع والعيد، لاشتمالها على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
انشقاق القمر وموقف المشركين منه
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾
стр. 8024
الإعراب:
﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أصله «مزتجر» بوزن مفتعل من الزجر، وإنما أبدلت التاء دالا، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة، فأبدلوا من التاء دالا، لتوافق الزاي في الجهر. وهو اسم مصدر أو اسم مكان. و ﴿ما﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة. والجار والمجرور: ﴿مِنَ الْأَنْباءِ﴾ متعلق بمحذوف حال مقدم من ﴿ما﴾. ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾: ﴿حِكْمَةٌ﴾: إما بدل مرفوع من ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ و ﴿ما﴾: مرفوعة فاعل: «جاء»، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي حكمة بالغة. و ﴿فَما﴾ في قوله: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾: إما استفهامية استفهام إنكاري، في موضع نصب ب ﴿تُغْنِ﴾ أي، أيّ شيء تغني النذر، أو نافية على تقدير حذف مفعول ﴿تُغْنِ﴾ وتقديره: فما تغني النذر سيئا. وحذفت ياء «تغني» وواو «يدعو» اتباعا لخط المصحف، لأنه كتب على لفظ الوصل، لا على لفظ الوقف. ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ناصب يوم: يخرجون الآتي بعده.
﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ ﴿خُشَّعاً﴾: حال منصوب من ضمير ﴿عَنْهُمْ﴾ في قوله تعالى:
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ حال منصوب من ضمير ﴿عَنْهُمْ﴾.
البلاغة:
﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ قربت القيامة ودنت. ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ روى الشيخان أن الكفار سألوا رسول الله ﷺ آية، فانشق القمر، أي انفلق فلقتين على أبي قبيس وقعيقعان. ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ أي كفار قريش. ﴿آيَةً﴾ معجزة له ﷺ دالة على نبوته. ﴿وَيَقُولُوا: سِحْرٌ﴾ أي هذا سحر. ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ محكم قوي، من المرّة وهي القوة، أو دائم مطرد. ﴿وَكَذَّبُوا﴾ النّبي ﷺ .
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ ما زيّن لهم الشيطان من الوساوس ورد الحق بعد ظهوره. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي وكل أمر من الخير والشر منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة، وبعبارة أخرى: كل أمر لا بدّ أن يصير إلى غاية يستقر عليها، وقرئ بفتح القاف.
﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أي ذو استقرار، أو له زمان استقرار أو موضع استقرار، فهو إما مصدر أو ظرف زمان أو مكان.
﴿الْأَنْباءِ﴾ أخبار الأمم الماضية وما أصابهم من عذاب أو إهلاك لتكذيبهم الرسل.
﴿مُزْدَجَرٌ﴾ ما يزجرهم ويكفيهم، يقال: زجرته وازدجرته: نهيته بغلظة، أو كففته فانكف.
стр. 8025
﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ تامة، واصلة غاية الإحكام والإبداع، لا خلل فيها. ﴿تُغْنِ﴾ تفيد وتنفع.
﴿النُّذُرُ﴾ المنذرون، جمع نذير بمعنى منذر، أو الأمور المنذرة لهم، جمع المنذر منه، أو مصدر بمعنى الإنذار.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم ولا تجادلهم، لعلمك أن الإنذار لا ينفع ولا يغني فيهم. ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ يوم ينادي إسرافيل. ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ إلى شيء شديد الهول تنكره النفوس إذ لا عهد لها مثله. ﴿خُشَّعاً﴾ أذلة، جمع خاشع، أي ذليل، ويقرأ خشعا بضم الخاء وفتح الشين، أي مشددة. ﴿الْأَجْداثِ﴾ القبور جمع جدث. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة، والجراد: حيوان طائر معروف يأكل النبات، والمنتشر: الكثير.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين، مادّين أعناقهم، منقادين. ﴿هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يوم صعب شديد على الكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ٩/ ٧٤ - ١٠].
سبب النزول:
نزول الآية (١ - ٢):
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ..﴾.: أخرج الشيخان والحاكم-واللفظ له-عن ابن مسعود قال: رأيت القمر منشقا شقين بمكة، قبل مخرج النّبي ﷺ ، فقالوا:
سحر القمر، فنزلت: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
وأخرج الترمذي عن أنس قال: سأل أهل مكة النّبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة، مرتين، فنزلت: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
وأخرج محمد بن جرير وأبو داود الطيالسي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، سحركم، فاسألوا السّفّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأينا، فأنزل الله : ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
стр. 8026
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن اقتراب القيامة وانتهاء الدنيا، فيقول:
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ أي قربت القيامة ودنت، واقترب موعد انقضاء الدنيا، أي قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة، كما قال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١/ ١٦] وقال سبحانه: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ١/ ٢١]. و
روى أبو بكر البزّار عن أنس أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلا سفّ يسير، فقال:
«والذي نفسي بيده، ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا، فيما مضى منه، وما نرى من الشمس إلا يسيرا».
ويعضده ما أخرجه أحمد والشيخان عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى. وقيل: المراد تحقق وقوع الساعة.
ثم أخبر الله تعالى عن انشقاق القمر معجزة للنبي ﷺ ، فقال: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي وقد انشق القمر معجزة لرسول الله ﷺ وآية ظاهرة على قرب القيامة وإمكانها. قال ابن كثير: قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات (١). وقرب القيامة بالرغم من مضي أكثر من أربعة عشر قرنا باعتبار أن كل ما هو آت قريب.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس أن أهل مكة سألوا
стр. 8027
رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء (جبل مشهور بمكة) بينهما.
وأخرجا أيضا عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا».
وقيل: المراد الإخبار عن أنه سينشق القمر.
ثم أخبر الله تعالى عن موقف الكفار وعنادهم أمام هذه المعجزة، فقال:
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، وَيَقُولُوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي وإن ير المشركون علامة على النبوة ودليلا على صدق النّبي ﷺ ، يعرضوا عن التصديق والإيمان بها، ويولوا مكذبين بها قائلين: هذا سحر قوي شديد يعلو كل سحر، مأخوذ من قولهم: استمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم، وقيل: مستمر، أي دائم مطرد.
وهذا ردّ على المشركين الذين طالبوا بآية، قال المفسرون: لما انشق القمر، قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ يعني انشقاق القمر. ثم أكد تعالى موقفهم هذا بقوله:
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي وكذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أملته عليه أهواؤهم وآراؤهم في أن محمدا ﷺ ساحر أو كاهن، بسبب جهلهم وسخافة عقولهم. ثم هددهم تعالى وأخبرهم بأن كل أمر منته إلى غاية مماثلة له، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشرّ، فقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ استئناف للرد على الكفار في تكذيبهم، ببيان أنه لا فائدة لهم في ذلك، لأن كل أمر له غاية حتما، وسينتهي أمر النّبي ﷺ إلى غاية يظهر فيها أنه على حق، وهم على باطل.
وفي هذا أيضا تسلية لرسول الله ﷺ وتبشير له بأن النصر سيكون حليفه في الدنيا، وأن له ولأتباعه الدرجة العالية والجنة في الآخرة.
стр. 8028
ثم وبخهم الله على إصرارهم على الكفر وعلى ضلالهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي ولقد جاء كفار مكة وأمثالهم من أخبار الأمم المكذبة رسلها، وما حل بهم من العقاب والنكال في هذا القرآن ما فيه كفاية لكفهم عن السوء، وزجر وردع ووعظ عما هم فيه من الشرك والوثنية والعصيان والتمادي في التكذيب.
ووصف الله تعالى تلك الأنباء بقوله:
﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ أي إن هذه الأنباء في القرآن وما تضمنته من عبرة وعظة وهداية حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان، ليس فيها نقص ولا خلل، ولا تفيد النذر أو الإنذارات شيئا للمعاندين، فإن عنادهم يصرفهم عن الحق، فتكون «ما» نافية، ويصح أن تكون استفهاما إنكاريا، بمعنى أي غناء أو شيء تغني النذر أي الإنذارات لهؤلاء الكفار الطغاة؟ فإنك أيها النّبي أتيت بما عليك من الإخبار بالنبوة مقرونة بالآية الباهرة، وأنذرتهم بأحوال الأقدمين، فلم يفدهم شيئا.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١/ ١٠].
ثم أمر الله نبيه بالإعراض عن مجادلتهم بعدئذ، فقال:
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ، يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي أعرض عنهم يا محمد، ولا تتعب نفسك بدعوتهم، حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، وانتظرهم واذكر يا محمد ذلك اليوم الذي يدعو فيه إسرافيل إلى شيء فظيع تنكره نفوسهم، استعظاما له، إذ لا عهد لهم بمثله أبدا، وهو موقف الحساب الرهيب وما فيه من البلاء والأهوال.
стр. 8029
﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أي يوم يكون أولئك الكفار في ذلك اليوم ذليلة أبصارهم من الذل والهوان، يخرجون من القبور على هذه الحال من الذل، كأنهم لكثرتهم واختلاطهم وانتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر منبثّ في الآفاق، مختلط بعضه ببعض.
وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤/ ١٠١].
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ، يَقُولُ الْكافِرُونَ: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل دون تلكؤ ولا تأخر، يقول الكفار: هذا يوم صعب شديد الهول على الكفار، ولكنه ليس بشديد على المؤمنين.
ونظير الآية: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ٩/ ٧٤ - ١٠]. وهذا يدل بطريق المفهوم على أنه يوم هيّن يسير على المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - اقتراب موعد يوم القيامة، فكل آت قريب، وإن مرور عشرات القرون بعد نزول هذه الآية وأمثالها لا يعد شيئا في حساب عمر الدنيا الذي قدّر بخمسة مليارات سنة.
٢ - حدوث انشقاق القمر بمكة في عهد النّبي ﷺ معجزة له، قال القرطبي: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها، لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت
стр. 8030
باستدعاء النّبي ﷺ من الله تعالى عند التحدي (١).
وقال الرازي: وأما المؤرخون فتركوه، لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا بأنه مثل خسوف القمر، وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر، فتركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدل دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق، فيجب اعتقاد وقوعه (٢).
والقائلون بأن الأخبار الواردة بشأن انشقاق القمر أخبار آحاد غير متواترة يرون أن منكر ذلك لا يكفر، لعدم التواتر في السنة، وكون الآية ليست نصا في ذلك.
٣ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ على أن المشركين رأوا انشقاق القمر.
قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا:
إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن فعلت تؤمنون؟» قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله ﷺ ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ ينادي المشركين: «يا فلان، يا فلان اشهدوا».
ويؤيده حديث ابن مسعود المتقدم في سبب النزول.
٤ - لم يجد المشركون طريقا لتكذيب آية الانشقاق إلا بأن يصفوه بأنه سحر محكم قوي شديد، من المرّة وهي القوة، أو دائم نافذ مطرد، أو ذاهب، من قولهم: مرّ الشيء واستمر: إذا ذهب.
стр. 8031
٥ - لقد كذبوا نبيهم واتبعوا ضلالاتهم واختياراتهم وآراءهم الباطلة في أن انشقاق القمر خسوف عرضي للقمر.
٦ - هددهم الله تعالى بأن كل أمر مستقر، أي يستقر بكل عامل عمله، فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشرّ مستقرّ بأهله في النار، وكل أمر صائر إلى غاية، وأن أمر محمد ﷺ سيصير إلى حدّ يعرف منه حقيقته، وكذلك أمرهم مستقر على حالة البطلان والخذلان.
٧ - لقد أعذر من أنذر، وجاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه، وأخبرهم الرسول باقتراب القيامة، وأقام الدليل على صدقه، ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.
٨ - الأنباء التي في القرآن الكريم أو القرآن نفسه حكمة بالغة النهاية في الكمال والبيان.
٩ - إذا كذّب الكفار وخالفوا وعاندوا وأصروا على كفرهم، فليست تغني عنهم النذر، فتكون «ما» نافية في قوله: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾. ويجوز أن تكون استفهاما بمعنى التوبيخ، أي فأي شيء تغني النذر عنهم، وهم معرضون عنها؟! والنذر بمعنى الإنذار، أو جمع نذير.
١٠ - إذا كان هذا شأن الكفار، فأعرض يا محمد عن مجادلتهم ومحاجتهم، ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، واذكر يوم يدع الداعي: إسرافيل إلى شيء فظيع عظيم شديد تنكره نفوسهم لشدة أهواله، وهو موقف الحساب ويوم القيامة.
١١ - في يوم القيامة يخرج الكفار من قبورهم ذليلة أبصارهم، كأنهم لكثرتهم واختلاطهم وتموجهم جراد منتشر مبثوث في كل مكان. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤/ ١٠١]. قال القرطبي: فهما صفتان في وقتين مختلفين:
стр. 8032
أحدهما-عند الخروج من القبور، يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض، لا جهة يقصدها.
الثاني-فاذا سمعوا المنادي قصدوه، فصاروا كالجراد المنتشر، لأن الجراد له جهة يقصدها.
وهم في سيرهم مهطعون، أي مسرعون، ويقولون: إن يوم القيامة يوم صعب عسر، لما ينالهم فيه من الشدة.
إعادة قصص الأمم الخالية المكذبة للرسل
- ١ -
قصة قوم نوح ﵇
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾
الإعراب:
﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ أراد بالماء الجنس، ولو لم يرد ذلك لقال: الماءان: ماء السماء، وماء الأرض. والأصل في الماء: موه، لقولهم في تكسيره: أمواه، وفي تصغيره: مويه، لأن التصغير
стр. 8033
والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأبدلت من الهاء همزة، فصار: «ماء».
﴿جَزاءً﴾ منصوب بفعل مقدر، أي أغرقوا انتصارا، أو عقابا.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أصل ﴿مُدَّكِرٍ﴾ مذتكر بوزن مفتعل، من الذكر، إلا أن الذال مجهورة والتاء مهموسة، فأبدلوا من التاء حرفا من مخرجها يوافق الذال في الجهر، وهي الدال، وأدغمت الذال في الدال لتقاربها، فصار مدكر. ويجوز أن تدغم الدال في الذال، فيقال: مذّكر، وقد قرئ به.
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ ﴿فَكَيْفَ﴾: إما خبر ﴿كانَ﴾ إن كانت ناقصة، و ﴿عَذابِي﴾: وهو مصدر بمعنى الإنذار، أو جمع نذير، كرغيف ورغف.
البلاغة:
﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ﴾ استعارة تمثيلية، شبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء. ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ كناية عن السفينة التي تتركب من الأخشاب والمسامير.
المفردات اللغوية:
﴿كَذَّبَتْ﴾ بالرسل. ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك قريش. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ تأنيث الفعل المعنى ﴿قَوْمُ﴾. ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ نوحا، وهو تفصيل بعد إجمال. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ أي زجر عن التبليغ بأنواع الأذى من السبّ وغيره.
﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي بأني. ﴿مَغْلُوبٌ﴾ غلبني قومي. ﴿فَانْتَصِرْ﴾ فانتقم لي منهم، وذلك بعد يأسه منهم، فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه، حتى يخرّ مغشيا عليه، فيفيق، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون.
﴿مُنْهَمِرٍ﴾ منصب، كثير. ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ أي وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون، وأصله: فجرنا عيون الأرض، أي جعلناها تنبع، فغيّر للمبالغة. ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ ماء السماء وماء الأرض. ﴿عَلى أَمْرٍ﴾ على حال ﴿قَدْ قُدِرَ﴾ قضي به في الأزل، وهو هلاكهم غرقا.
﴿وَحَمَلْناهُ﴾ حملنا نوحا. ﴿عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ حملناه على سفينة ذات أخشاب عريضة ومسامير، والدسر: جمع دسار مثل كتب وكتاب، والمراد أن السفينة ذات دفع شديد. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا﴾ بمرأى منا، والمراد بحراستنا وحفظنا. ﴿جَزاءً﴾ أي أغرقوا عقابا. ﴿لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ جحد به، وهو نوح ﵇، أي أغرقوا عقابا لهم، وقرئ: ﴿كُفِرَ﴾ أي جزاء للكافرين.
стр. 8034
﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها﴾ أبقينا السفينة أو الفعلة. ﴿آيَةً﴾ علامة ودليلا لمن يعتبر بها.
﴿مُدَّكِرٍ﴾ أي متذكر معتبر ومتعظ. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي إنذاراتي لهم بالعذاب قبل نزوله، وهو استفهام تعظيم ووعيد، وتقرير، والمعنى: حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذاب الله تعالى بالمكذبين لنوح موقعه. ﴿يَسَّرْنَا﴾ سهلنا. ﴿لِلذِّكْرِ﴾ للعظة والاعتبار. ﴿مُدَّكِرٍ﴾ متعظ بمواعظه.
المناسبة:
بعد أن أجمل الله تعالى الزجر بأخبار الأمم الماضية المكذبة رسلها، أعاد بعض الأنباء وفصلها، وهي قصص أربع: قصة قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط لهدفين: بيان أن حال الرسول ﷺ كحال الرسل المتقدمين مع أقوامهم، ووعيد المشركين من أهل مكة وغيرهم على تكذيبهم رسولهم.
التفسير والبيان:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ، فَكَذَّبُوا عَبْدَنا، وَقالُوا: مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ أي كذبت قبل قومك يا محمد بالرسل قوم نوح، فإنهم كذبوا عبدنا نوحا ﵇، واتهموه بالجنون، وانتهروه وزجروه وتواعدوه عن تبليغ الدعوة بمختلف أنواع الإيذاء والسبّ والتخويف، قائلين: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦/ ٢٦].
وفائدة قوله: ﴿فَكَذَّبُوا ١ عَبْدَنا﴾ بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ هي التخصيص بعد التعميم، أي كذبت الرسل أجمعين، فلذلك كذبوا نوحا. وقوله: ﴿عَبْدَنا﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ، ولم يكن على وجه الأرض حينئذ عابد لله سواه، فكذبوه.
стр. 8035
﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أي فدعا نوح الله ربّه قائلا: إني ضعيف عن مقاومة هؤلاء، فانتصر أنت لدينك، وانتقم لي منهم بعقاب من عندك.
وقد طلب النصرة عليهم، بعد أن علم تمردهم وعتوهم وإصرارهم على الضلال. فأجاب الله دعاءه قائلا:
﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ ١ مُنْهَمِرٍ﴾ أي صببنا عليهم ماء غزيرا كثيرا متدفقا. وهذا التعبير مجاز عن كثرة انصباب الماء من السماء، كما يقال في المطر الوابل: جرت ميازيب السماء، وفتحت أبواب القرب.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي وجعلنا الأرض كلها عيونا متفجرة وينابيع متدفقة، فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضي عليهم، أي على أمر مقدر عليهم من الأزل، لما علم الله من حالهم.
وهذا دليل على عقابهم والانتقام منهم، ثم ذكر تعالى كيفية إنجاء نوح، فقال:
﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ أي وحملنا نوحا على سفينة ﴿ذاتِ أَلْواحٍ﴾: وهي الأخشاب العريضة، ﴿وَدُسُرٍ﴾: وهي المسامير التي تشد بها الألواح. وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبديعه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت ١٥/ ٢٩].
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا، جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ أي تسير بمنظر ومرأى منا وحفظ وحراسة لها، جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارا لنوح ﵇، لأنه نعمة من الله، وتكذيبه كفران أو جحود لتلك النعمة.
стр. 8036
وهذا دليل على أن اتخاذ الأسباب لتحقيق النتائج أمر ضروري، وهو أيضا محتاج إلى رعاية الله وعنايته وحفظه.
ثم ذكر الله تعالى أنه أبقى السفينة عبرة لمن بعدهم، فقال:
﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي لقد أبقينا السفينة عبرة للمعتبرين، أو لقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وعظة، فهل من متعظ ومعتبر، يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها.
قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، وعقب عليه الحافظ ابن كثير قائلا: والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفينة، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤١/ ٣٦ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة ١١/ ٦٩ - ١٢] (١) ولهذا قال ها هنا:
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها؟! ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فانظر أيها السامع كيف كان عذابي لمن كفر بي، وكذّب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري المرسلون، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر، أو كيف كانت إنذاراتي؟ والاستفهام للتوبيخ والتخويف، وإنما أفرد العذاب فلم يقل: أنواع عذابي، وجمع النذر، إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب، لأن الإنذار إشفاق ورحمة.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟﴾ أي لقد سهلناه
стр. 8037
للحفظ، وسهلنا لفظه للنطق، ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، فهل من متعظ بمواعظه، ومعتبر بعبره؟! والأولى أن يقال: سهلناه للتذكر والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية.
وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلّمه، كما قال تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ، لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص ٢٩/ ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ [مريم ٩٧/ ١٩]. قال ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله .
والحكمة في تكرير قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ..﴾. هي تجديد التنبيه على الادّكار والاتعاظ والتعرف على تعذيب الأمم السالفة، للاعتبار بحالهم.
وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عدّ كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند عدّ كل آية، لتكون مصوّرة للأذهان، محفوظة في كل أوان. وهذه القصص نفسها كم كررت في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب، لأن التكرير يوجب التقرير في النفوس، والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لم يعرف من غيره (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - كان نوح ﵇ في وقته ومبدأ دعوته العابد الوحيد لله ، وكان قومه أول المكذبين للرسل، لذا شرفه الله تعالى بقوله:
﴿عَبْدَنا﴾ فالإضافة إلى الله تشريف منه، واختيار لفظ العبد أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من قوله: رسولنا.
стр. 8038
٢ - وصفوه بأنه مجنون إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه، حيث رأوا ما عجزوا عنه. وأخبر تعالى عنه: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ دليل على الحجر عليه ومنعه من تبليغ دعوته بالسبّ والوعيد بالقتل. ويصح أن يكون ذلك حكاية قولهم، وتقديره: قالوا: مجنون مزدجر، ومعناه ازدجره الجن، قال الرازي:
والأول أصح.
٣ - لما زجروه وانزجر عن دعوتهم دعا ربّه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أي غلبوني بتمردهم فانتصر لي.
٤ - أجاب الله دعاءه، وأمره باتخاذ السفينة، ثم أغرقهم بالطوفان بماء كثير منصب متدفق من السحب، وماء نابع من الأرض فالتقى الماءان: ماء السماء وماء الأرض على حال قدرها الله وقضى بها من الأزل، لعلمه بتكذيبهم.
٥ - ونجى الله نوحا ﵇ ومن آمن معه بحملهم على سفينة ذات ألواح شدت بمسامير، وفي حفظ الله ورعايته وكلاءته، وقد جعل الله ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه الذين جحدوا برسالته، وعقابا للكافرين على كفرهم بالله تعالى.
٦ - لقد ترك الله هذه الغفلة أو السفينة عبرة، فهل من متعظ خائف؟! قال قتادة: أبقاها-أي السفينة-الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رمادا.
٧ - عقب الله تعالى على القصة بأمرين: أولهما-فكيف كان العذاب والإنذار؟ تنبيها عاما للخلق. وثانيهما-لقد سهل الله القرآن الكريم للاتعاظ والادّكار، أو للحفظ وأعان عليه من أراد حفظه. قال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن.
стр. 8039
وهذا يدل على أن الله تعالى يسّر على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكّروا ما فيه، فهل من قارئ يقرؤه، ومتذكر متعظ يتذكّر به ويتعظ؟ وكرر ذلك في هذه السورة للتنبيه والإفهام، كما تقدم.
- ٢ -
قصة عاد قوم هود ﵇
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾
الإعراب:
﴿رِيحاً صَرْصَراً﴾ صرصر: أصله صرّر، إلا أنه اجتمعت ثلاث راءات، فأبدلوا من الراء الثانية صادا، كما قالوا: رقرقت، وأصله رققت، فاجتمع فيه ثلاث قافات، فأبدلوا من القاف الوسطى راء، هربا من الاستثقال.
﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ إنما ذكر ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ لأن النخل يذكر ويؤنث، ولهذا قال في موضع آخر: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧/ ٦٩]. والقاعدة: كل ما كان الفرق بين واحده وجمعه من أسماء الأجناس الهاء، نحو النخل والشجر والسدر، فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.
البلاغة:
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه.
المفردات اللغوية:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ نبيّهم هودا ﵇، فعذبوه. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذاري لمن بعدهم في تعذيبهم. ﴿صَرْصَراً﴾ شديدة الصوت والبرد.
﴿نَحْسٍ﴾ شؤم. ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ دائم شؤمه حتى أهلكهم. ﴿تَنْزِعُ النّاسَ﴾ تقلعهم من أماكنهم،
стр. 8040
وتصرعهم على رؤوسهم، فتدق رقابهم. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أصول نخل مقتلع من مغارسه، أو مؤخر الشيء، وشبّهوا بالنخل لطولهم، والمنقعر: المنقطع من أصله.
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ كرره للتهويل، أو أنه ذكر مرتين في قصة عاد، لأن الاستفهام الأول للبيان، كما يقول المعلم لمن لا يعرف: كيف المسألة الفلانية؟ ليتنبه الطالب المسؤول للجواب الذي سيذكره المعلم، والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف. أما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار، وفي قصة نوح اقتصر على الثاني للاختصار أيضا، ولعله ذكر الاستفهامين معا في قصة عاد لفرط عتوهم، وقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟﴾ [فصلت ١٥/ ٤١].
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟﴾ أي متعظ، والمعنى كما تقدم: سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية، وقيل: للحفظ. والأول أنسب بالمقام، وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظا على ظهر القلب سوى القرآن.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تكذيب قوم نوح الذي بدأ به، لأن تكذيبهم كان أبلغ وأشد، حيث دعاهم قريبا من ألف سنة، وأصروا على التكذيب، أعقبه بقصة عاد قوم هود، تأكيدا للعظة والعبرة، وتبيانا للمشركين المكذبين في مكة وأمثالهم أن عاقبة المكذبين الهلاك والدمار، دون تفاوت بين الأقوام. وإنما قال ﴿عادٌ﴾ ولم يقل (قوم هود) كما قال (قوم نوح) لأن التعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه.
التفسير والبيان:
﴿كَذَّبَتْ عادٌ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي كما صنع قوم نوح في تكذيبهم رسولهم، كذبت قبيلة عاد قوم هود ﵇ رسولهم، فانظروا واسمعوا أيها المخاطبون من قريش وغيرهم كيف كان عذابي لهم، وإنذاري إياهم.
وقوله: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ لفت للأنظار، وتنبيه للأسماع لما سيذكر.
стр. 8041
﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ أي إنا سلّطنا عليهم (١) ريحا شديدة البرد والصوت في يوم شؤم عليهم، دائم الشؤم حتى أهلكهم ودمرهم، لأنه اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، أما ذات اليوم بمجرده فلا يصح وصفه بالنحس أو الشؤم، وإنما الأيام والليالي كلها سواء، لذا كان التشاؤم بالعدد (١٣) غير صحيح شرعا ودينا.
ونظير الآية: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت ١٦/ ٤١] وقوله تعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة ٧/ ٦٩] أي متتابعة.
﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أي إن تلك الريح الصرصر كانت تقتلعهم من الأرض اقتلاع النخلة من أصلها، قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتدقّ أعناقهم، وتبين رؤوسهم من أجسادهم.
والمعنى أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولها فلا فروع، ﴿مُنْقَعِرٍ﴾: منقلع عن مغارسه.
وقد شبهوا في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح. وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس.
والآية تومئ إلى أن الريح كانت تقتلع رؤوسهم، فتصبح الأجسام من غير رؤوس ولا هامات، وتشير أيضا إلى عظمة أجسادهم وطول قاماتهم، وإلى محاولتهم الثبات في الأرض والتشبث بها لمقاومة الريح، كما تشير أيضا إلى يبسهم وجفافهم بالريح التي كانت تقتلهم ببردها المفرط، فتجعلهم كأنهم أخشاب يابسة.
стр. 8042
ثم أعاد الله تعالى ما يفيد تهويل العذاب، فقال:
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فانظروا كيفية بطشي وعقابي وإنذاري.
ثم كرر التصريح بسهولة التعرف على ذلك بالقرآن، فقال:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي لقد سهلنا القرآن للادكار والاتعاظ، بما أوردنا فيه من المواعظ الشافية، وبينا ما فيه من الوعد والوعيد، فهل من متعظ معتبر؟! وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنّا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه (١)؟
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - كذبت قبيلة عاد قوم هود برسولهم هود ﵇، فاستحقوا العقاب، لذا بادر الله تعالى إلى التخويف والتهويل بقوله: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ وقد وقعت كلمة ﴿نُذُرِ﴾ في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين: حال الوقف والوصل، وقرأها ورش بالياء في الوصل لا غير.
٢ - كان عقابهم بإرسال ريح شديدة البرد، شديدة الصوت، في يوم كان مشؤوما عليهم، قال ابن عباس: كان آخر أربعاء في الشهر، أفنى صغيرهم وكبيرهم. والمراد أنه يوم نحس على الفجار والمفسدين، كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم والمؤمنين به منهم.
٣ - وصف الله الريح بأنها تقلعهم من مواضعهم، قيل: قلعتهم من تحت
стр. 8043
أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها، وقال مجاهد كما تقدم: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندقّ أعناقهم، وتبين رؤوسهم عن أجسادهم.
وكانت الريح تنزع الناس، فتتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر. والأعجاز:
جمع عجز: وهو مؤخر الشيء، وكانت أشخاص عاد موصوفين بطول القامة، فشبّهوا بالنخل انكبت لوجوهها.
٤ - كانت العاقبة على قوم عاد سوءا وشرا مستطيرا، يستدعي التفكير بكيفية عذاب الله وإنذاراته. وطريق فهم ذلك ميسر، فإن القرآن بما اشتمل عليه من العظات والعبر سهل يسير الاعتبار والاتعاظ، فهل من متعظ معتبر؟!
- ٣ -
قصة ثمود قوم صالح ﵇
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾
стр. 8044
الإعراب:
﴿أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ ﴿بَشَراً﴾ منصوب بتقدير فعل دل عليه ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ تقديره:
أنتبع بشرا منا واحدا؟ ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ ﴿فِتْنَةً﴾: إما مفعول لأجله، أو مصدر، منصوب على المصدرية. وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أصله: اصتبر، على وزن: افتعل من الصبر، إلا أنهم أبدلوا من التاء طاء لتوافق الصاد في الإطباق.
﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ ﴿كَهَشِيمِ﴾: في موضع نصب، لأنه خبر كان، و ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾:
بكسر الظاء وهو المشهور، أي المتخذ الحظيرة، وقرئ بفتحها ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ أي مكان الحظيرة.
البلاغة:
﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعال وفعل، أي كثير الكذب، عظيم البطر.
﴿فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ أي بالرسل جمع نذير بمعنى منذر أو بالإنذارات والمواعظ، فإنهم كذبوا بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح ﵇، وتكذيبه تكذيب لجميع الرسل، لاتفاقهم على أصول الدين. ﴿أَبَشَراً مِنّا﴾ أي من جنسنا أو من جملتنا لا فضل له علينا. ﴿واحِداً﴾ منفردا لا تبع له، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة، وهو واحد منا، وليس بحاكم ولا ملك؟ أي لا نتبعه. ﴿إِنّا إِذاً﴾ أي إنا إن اتبعناه. ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ خطأ وبعد عن الصواب. ﴿وَسُعُرٍ﴾ جنون، ومنه: ناقة مسعورة أي مجنونة.
﴿الذِّكْرُ﴾ الوحي. ﴿عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي وفينا من هو أحق منه بذلك. ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ﴾ في أنه أوحي إليه. ﴿أَشِرٌ﴾ متكبر بطر، حمله بطره على الترفع علينا بادّعائه.
﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ أي عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة. ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ هو أو هم، أي الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق، وطلب الباطل.
﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ﴾ مخرجوها وباعثوها. ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ اختبارا أو امتحانا لهم.
﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم يا صالح وتبصر ما يصنعون. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ اصبر على أذاهم. ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مقسوم بينهم وبين الناقة، يوم لهم ويوم لها. ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ نصيب من الماء.
﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يحضره صاحبه في نوبته.
стр. 8045
﴿صاحِبَهُمْ﴾ قدار بن سالف أحيمر ثمود. ﴿فَتَعاطى﴾ اجترأ على تعاطي قتلها غير مبال بما يفعل، والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. ﴿فَعَقَرَ﴾ ضرب قوائم الناقة بالسيف، فقتلها موافقة لهم. ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟﴾ أي كيف كان عقابي وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، المعنى: أن العذاب وقع موقعه.
﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ هي صيحة جبريل ﵇، والجملة بيان للعذاب المشار إليه في الجملة السابقة. ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي مثل المتهشم اليابس، المتكسر من الشجر، الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئ بفتح الظاء، أي كهشيم الحظيرة. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ سهلنا القرآن للاتعاظ به. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ.
المناسبة:
هذه قصة ثالثة أو أنموذج من تكذيب الأمم الخالية رسلها، فإن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم، فكذبوا نوحا وهودا وصالحا ﵈ فيما يدعيه من الوحي عن ربه، وكل من كذب رسولا كذب جميع الرسل لاتحادهم في أصول الاعتقاد والدين. وكانت معجزة صالح ﵇ ناقة فريدة تشرب ماء نهير كله يوما، وتدر لبنا يكفي جميع القبيلة، بل يفيض عنهم، فقتلوها، فعاقبهم الله بعذاب الصيحة: صيحة جبريل ﵇، فبادوا عن آخرهم.
التفسير والبيان:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ كذبت قبيلة ثمود قوم صالح برسل الله الكرام، بتكذيبهم لرسولهم، وهو صالح، ومن كذب واحدا من الأنبياء، فقد كذب سائرهم، لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع وأصولها العامة، كتوحيد الله تعالى، وعبادته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ويلاحظ أنه في قصة نوح وقصة عاد قال: ﴿كَذَّبَتْ﴾ ولم يقل بالنذر، وفي هذه القصة وقصة قوم لوط قال: ﴿بِالنُّذُرِ﴾ والأمر سواء، لأن عادتهم التكذيب.
ثم أبان الله تعالى مظاهر تكذيبهم، فقال:
стр. 8046
١ - ﴿فَقالُوا: أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ، إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي إنهم قالوا فيما بينهم: كيف نتّبع بشرا من جنسنا، منفردا وحده، لا تبع له، ولا متابع له على ما يدعو إليه، لقد خبنا وخسرنا إن أطعنا واحدا منا، وإنا إذا اتبعناه نكون في خطأ واضح وبعد عن الحق والصواب، واتصفنا بالجنون أو أصابنا العذاب والعناء والشدة.
٢ - ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أي كيف خصّ من بيننا بالوحي والنبوة، وفينا من هو أحق بذلك منه، بل هو متجاوز في حد الكذب فيما يدعيه من نزول الوحي الإلهي عليه، ومتكبر بطر، حمله تكبره على الترفع علينا بادعائه الوحي.
فوجّه الله تعالى إليهم تهديدا شديدا ووعيدا أكيدا بقوله:
﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ أي سيعرفون عما قريب في المستقبل وقت نزول العذاب بهم في الدنيا، أو يوم القيامة، وسيتبين لهم من هو المفتري الكذب، الأبلغ في الشرارة، أصالح في تبليغ رسالة ربه، أم هم في تكذيبهم إياه؟ والمراد أنهم هم الكذابون البطرون المتكبرون.
ثم وصف الله تعالى جرمهم مخاطبا صالحا فقال:
- ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أي إنا مخرجو الناقة العظيمة العشراء من صخرة صماء، كما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به، ولتكون امتحانا واختبارا لهم، فانتظر ما يؤول إليه أمرهم وما يصنعون واصبر عليهم وعلى ما يصيبك من الأذى منهم، فإن العاقبة لك والنصر في الدنيا والآخرة.
- ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أي وأخبرهم أن ماء البئر أو النهير مقسوم بينهم وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وكل حظ أو نصيب
стр. 8047
من الماء يحضره صاحبه، ليأخذه في نوبته، فتشرب الناقة في يوم، ويشربون هم في يوم آخر، أو كل شرب محتضر فيه، يوم لها ويوم لهم، قال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون. وقال أيضا: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن.
ونحو الآية: ﴿قالَ: هذِهِ ناقَةٌ، لَها شِرْبٌ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥/ ٢٦].
- ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ، فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ أي ولكن ثمود ملّوا هذه القسمة، وبادروا إلى التخلص من هذا الوضع كفرا وعنادا، فنادوا نداء المستغيث قدار بن سالف، وكان أشقى قومه، وأشجع وأهجم على الأمور، وحرضوه على عقر الناقة، فاجترأ على الأمر العظيم، وتعاطى أسباب العقر، فأهوى بسيفه على قوائم الناقة، فكسر عرقوبها، ثم نحرها.
- ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فعاقبتهم، فانظر كيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي الذي ينذرهم ويخوفهم عذاب الله. ويلاحظ أن هذه الآية ذكرت في قصة ثمود قبل بيان العذاب للبيان، وفي قصة نوح بعد بيان العذاب للتهويل والتعظيم، وفي قصة عاد قبل بيان العذاب وبعد بيانه، للجمع بين الأمرين.
- ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً، فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي إنا أرسلنا عليهم صيحة جبريل، فصاح بهم، فبادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وجمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، وصاروا كالعشب أو فتات الشجر اليابس الذي جمعه الراعي المحتظر في الحظيرة إذا داسته الغنم بعد سقوطه.
والهشيم: الشجر اليابس المتهشم، أي المتكسر، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة ليحفظ الغنم من الذئاب. ووجه التشبيه: أن ما يحتظر به ييبس بطول
стр. 8048
الزمان وتطؤه البهائم فيتكسر، وأنهم صاروا موتى جاثمين، ملقى بعضهم فوق بعض، كالحطب الذي يكسر في الطرق والشوارع.
- ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي ولقد سهلنا القرآن للتذكر والاتعاظ، والاعتبار بالأحداث والوقائع، فهل من متعظ؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - كذبت قبيلة ثمود كغيرها الرسل ونبيهم، وكذبوا بالآيات التي جاء بها، وأنكروا أن ينبأ بشر كائن منهم منفرد لا أتباع له، وزعموا أنهم إن اتبعوه كانوا في خطأ وذهاب عن الصواب، وجنون وعناء.
٢ - وقالوا على طريق الاستفهام المراد به الإنكار: كيف خصص بالرسالة من بين آل ثمود، وفيهم من هو أكثر مالا وأحسن حالا؟ بل هو كذاب فيما يدّعيه، وإنما يريد أن يتعاظم ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق.
٣ - هددهم الله بأنه سيحل بهم العذاب في الدنيا، والعذاب يوم القيامة.
وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً.﴾. على التقريب، على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا. وهذا القول مفروض الوقوع في وقت قولهم:
﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أو أنه تهديد بالتعذيب يوم القيامة. وسيتبين لهم من هو الكذاب الأشر، أهو صالح ﵇ أم هو؟ ٤ - أخرج الله لهم ناقة عظيمة من الهضبة التي سألوها، روي أن صالحا صلى ركعتين، ودعا، فانصدعت الصخرة التي عينوها عن سنامها، فخرجت ناقة عشراء. وكان ذلك ابتلاء واختبارا لهم. ومعنى قوله: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ﴾:
стр. 8049
إنا نرسل، وهو بمعنى المستقبل في ذلك الزمان الذي تم فيه الإرسال. وكون الناقة فتنة: أن أوضاعها الغريبة اختبار.
٥ - أمر الله تعالى نبيه صالحا ﵇ بأوامر ثلاثة: انتظر ما يصنعون، واصبر على أذاهم، وأخبرهم أن الماء مقسوم بين آل ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم. قال ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء، وتسقيهم لبنا، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه، فلم تبق لهم شيئا.
أي أنهم يوم شربها أو وردها الماء يحتلبون منها ما شاؤوا.
٦ - ملّوا هذه القسمة، فحرضوا صاحبهم قدار بن سالف أشقى ثمود على عقرها، فعقرها، بأن رماها بسهم، ثم ضرب قوائمها بالسيف، ثم نحرها.
٧ - عاقبهم الله جزاء تكذيبهم وكفرهم برسولهم صالح، واعتدائهم على الناقة، فأرسل عليهم صيحة واحدة من جبريل ﵇، فلما سمعوا الصيحة ماتوا، وبادوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد، وأصبحوا كهشيم المحتظر، قال ابن عباس: المحتظر: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك، فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم. وعنه: كحشيش تأكله الغنم، أو كالعظام النخرة المحترقة. وقوله: ﴿فَكانُوا﴾ فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال.
٨ - المتأمل ينظر بما آل إليه هؤلاء القوم من إبادة وعذاب أصبحوا مثلا وعبرة للتاريخ.
٩ - يسهل على كل إنسان إدراك هذه الحقيقة من القرآن الذي أخبر عن هذه المحنة الأليمة، فهو كتاب سهل المأخذ، يسر الله به فهم المواعظ والعبر، فهل من متعظ معتبر؟! والتكرار للتذكار والتأكيد.
стр. 8050
- ٤ -
قصة قوم لوط ﵇
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾
الإعراب:
﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ، نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ ﴿آلَ لُوطٍ﴾: منصوب على الاستثناء، و ﴿بِسَحَرٍ﴾ في موضع نصب، لأنه متعلق ب ﴿نَجَّيْناهُمْ﴾ وصرفه أي نونه، لأنه أراد به سحرا من الأسحار. ولو أراد به التعريف لكان ممنوعا من الصرف، أي التنوين للتعريف والعدل عن لام التعريف. و ﴿نِعْمَةً﴾: مفعول لأجله.
المفردات اللغوية:
﴿بِالنُّذُرِ﴾ بالرسل والأمور المنذرة على لسانهم، وتكذيب نبي واحد كتكذيب جميع الأنبياء، لاتفاقهم على أصول الشرائع كما تقدم. ﴿حاصِباً﴾ ريحا تحصبهم بالحجارة، أي ترميهم بالحصباء: وهي صغار الحجارة، الواحد دون ملء الكف. ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ أهله وابنتاه معه.
﴿بِسَحَرٍ﴾ أي بسحر من الأسحار، من يوم غير معين، والسحر: السدس الأخير من الليل قبيل طلوع الفجر. ﴿نِعْمَةً﴾ مصدر، أي إنعاما. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي من شكر نعمنا، وكان مؤمنا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، مطيعا الله تعالى ورسوله ﷺ .
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ أي خوّفهم لوط ﵇. ﴿بَطْشَتَنا﴾ أخذتنا بالعذاب. ﴿فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي شكّوا في الإنذارات وكذبوا بها. ﴿راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ قصدوا الفجور بضيوفه، وطلبوا منه تمكينهم منهم وأن يسلمهم أضيافة الذين كانوا ملائكة. ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾ أعميناهم، أو
стр. 8051
جعلنا أعينهم مطموسة لا شق لها، وأزلنا أثرها. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فقلنا لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا إنذاري وتخويفي، أي ثمرته وفائدته.
﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ دائم يستقر بهم إلى أن يهلكوا، أو يتصل بعذاب الآخرة. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال البيضاوي:
كرر ذلك في كل قصة إشعارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادّكار والاتعاظ، واستئنافا للتنبيه والإيقاظ، لئلا يغلبهم السهو والغفلة، وهكذا تكرير قوله:
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ و ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ونحوهما.
وإنما لم يقل هنا ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ كما قال في القصص الثلاث الأخرى، لأن التكرار ثلاث مرات بالغ كاف، ويحصل التأكيد بالثلاث.
المناسبة:
هذه قصة رابعة هي قصة قوم لوط، ذكرها الله تعالى لبيان السبب وهو تكذيب الرسل وارتكاب الفواحش، وبيان العقاب الشديد وهو التدمير والإهلاك، ليعتبر كل الناس، ويعلموا أنه ما من هلاك إلا بعد إنذار بالعذاب على لسان رسول، ثم تكذيبه.
التفسير والبيان:
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ هذا حال قوم آخرين، وهم قوم لوط الذين كذبوا رسولهم وخالفوه، وكذبوا بالآيات التي أنذرهم بها، واقترفوا الفاحشة.
ثم بيّن الله تعالى عذابهم وإهلاكهم، فقال:
﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي إننا أرسلنا عليهم ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى والحجارة، فأهلكتهم ودمرتهم إلا لوطا ﵇ ومن آمن به واتبعه، فإنا أنجيناهم من الهلاك في آخر الليل أو في قطعة من الليل وهو السدس الأخير، نجوا مما أصاب قومهم.
стр. 8052
هذا ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالما لم يمسسه سوء.
وكان سبب نجاتهم شكرانهم النعمة، فقال تعالى:
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا، كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي لقد أنجيناهم إنعاما منا عليهم، وتكريما لهم، ومثل ذلك الجزاء الحسن، نجزي من شكر نعمتنا ولم يكفرها، بأن آمن وأطاع أمرنا، واجتنب نهينا.
ثم بين الله تعالى عدله في العقاب وهو مجيئه بعد إنذار، فقال:
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا، فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي ولقد أنذرهم نبيهم بطشة الله بهم، وهي عذابه الشديد، وعقوبته البالغة، قبل حلوله بهم، إن لم يؤمنوا، فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه، بل شكوا في الإنذار ولم يصدقوه، وكذبوه.
ثم ذكر الله تعالى جرما آخر لهم عدا الكفر والتكذيب، فقال:
﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي لقد أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الضيوف الملائكة الذين جاؤوا في صورة شباب مرد حسان، ليفجروا بهم، كما هو دأبهم، إذ قد بعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب عشية الليل، ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، وأرشدهم إلى نسائهم الذين هم بمثابة بناته، وهو لهم كالأب.
فلما اشتد الخلاف، وأبوا إلا الدخول، طمس الله أبصارهم، فأصبحوا لا يرون شيئا، فرجعوا على أدبارهم، يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطا ﵇، إلى الصباح.
стр. 8053
وقلنا لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ثم ذكر تعالى نوع العذاب العام الذي أصابهم ووقته، فقال:
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي لقد أتاهم صباحا عذاب مستقرّ بهم، نازل عليهم، لا يفارقهم ولا ينفك أو يحيد عنهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود ٨١/ ١١] والعذاب المستقر: الثابت الذي لا محيد عنه أو الذي استقر عليهم إلى الاستئصال الكلي.
ثم أوضح تعالى العبرة وحكى ما قيل لهم، فقال:
- ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فذوقوا جزاء أفعالكم ومقتضى إنذاركم السابق.
- ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي ولقد سهلنا آيات القرآن للاتعاظ والتذكر، فهل من متعظ معتبر. وهذه الجملة الواردة عقب القصص الأربع للتأكيد والتنبيه والاتعاظ والزجر، كما تقدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لما كذب قوم لوط نبيهم، أرسل الله عليهم ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى، فلا عقاب دون جريمة، ولا عذاب قبل إنذار.
٢ - نجّى الله تعالى نبيه لوطا ﵇ ومن تبعه على دينه، ولم يكن إلا بنتاه، وتمت النجاة في وقت السحر آخر الليل، إنعاما من الله على لوط وبنتيه، ومثل ذلك الجزاء يجازي الله كل من آمن بالله وأطاعه، أي أن ذلك الإنجاء كان فضلا من الله ونعمة، كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا. وفيه فائدة وهي الدلالة
стр. 8054
على الثواب في الدار الآخرة، كما تحققت النجاة في الدنيا، أي كما أنعمنا عليهم ننعم عليهم يوم الحساب.
٣ - لا عقاب أيضا إلا بعد إنذار، فلقد أنذر لوط ﵇ قومه، وخوّفهم عقوبة ربهم، وأخذه إياهم بالعذاب الدنيوي والأخروي، فشكّوا فيما أنذرهم به الرسول، ولم يصدقوه. وفي هذا تبرئة لوط ﵇ وبيان أنه أتى بما عليه.
٤ - اقترن مع كفرهم جريمة كبري أخرى هي اقترافهم الفواحش، بل إنهم أرادوا من لوط ﵇ تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف، طلبا للفاحشة.
٥ - لما أصرّوا على الاعتداء على الملائكة، واقتحام منزل لوط ﵇، أعماهم الله مع صحة أبصارهم، فلم يروهم. ويروى أن جبريل ﵇ ضربهم بجناحه فعموا. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت، فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم.
٦ - قال الله لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا عذابي الذي أنذركم به لوط، والمراد بذوق العذاب مجازاة الفعل وموجبه.
٧ - لقد صبّحهم أول النهار، وقت الصبح عذاب دائم عام، استقر فيهم، حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة. وفائدة قوله: ﴿بُكْرَةً﴾ تبيين حدوث العذاب في أول النهار، لأن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار، فإذا قال: ﴿بُكْرَةً﴾ أفاد أنه كان أول جزء منه.
٨ - كرر الله تعالى للتأكيد ما قالته الملائكة لهم: ذوقوا العذاب الذي نزل بكم من طمس الأعين، غير العذاب الذي أهلكوا به، لأن العذاب كان مرتين:
أحدهما-خاص بالمراودين، والآخر عام.
стр. 8055
٩ - إن الهدف من القصة هو العبرة والعظة، والقرآن الكريم سهّله الله للاتعاظ والاعتبار، ولكن ما أكثر المواعظ والعبر، وأقل الاعتبار. وقد كرر تعالى بيان ذلك للتنبيه والتأكيد.
- ٥ -
قصة آل فرعون
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾
المفردات اللغوية:
﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه، واكتفى بذكرهم دونه للعلم بأنه القائد وأنه أولى بذلك.
﴿النُّذُرُ﴾ الإنذارات على لسان موسى وهارون، فلم يؤمنوا. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ أي بل كذبوا بالآيات التسع التي أوتيها موسى ﵇. ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ بالعذاب. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ قوي لا يغالب ولا يغلب. ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر لا يعجزه شيء.
التفسير والبيان:
هذه قصة خامسة بإيجاز، أخبر الله بها عن تكذيب فرعون وقومه بالرسل، فقال:
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ أي والله لقد جاءت الإنذارات والبشائر فرعون وقومه من طريق موسى وهارون، الإنذار بالعذاب إن كفروا، والبشارة بالجنة إن آمنوا. والفرق بين الآل والقوم: أن القوم أعم من الآل، فالقوم: كل من يقوم الرئيس بأمرهم ويأتمرون بأمره، والآل: كل من يؤول إلى الرئيس خيرهم وشرهم، أو يؤول إليهم خيره وشره.