جعلنا أعينهم مطموسة لا شق لها، وأزلنا أثرها. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فقلنا لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا إنذاري وتخويفي، أي ثمرته وفائدته.
﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ دائم يستقر بهم إلى أن يهلكوا، أو يتصل بعذاب الآخرة. ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال البيضاوي:
كرر ذلك في كل قصة إشعارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادّكار والاتعاظ، واستئنافا للتنبيه والإيقاظ، لئلا يغلبهم السهو والغفلة، وهكذا تكرير قوله:
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ و ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ونحوهما.
وإنما لم يقل هنا ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي﴾ كما قال في القصص الثلاث الأخرى، لأن التكرار ثلاث مرات بالغ كاف، ويحصل التأكيد بالثلاث.
المناسبة:
هذه قصة رابعة هي قصة قوم لوط، ذكرها الله تعالى لبيان السبب وهو تكذيب الرسل وارتكاب الفواحش، وبيان العقاب الشديد وهو التدمير والإهلاك، ليعتبر كل الناس، ويعلموا أنه ما من هلاك إلا بعد إنذار بالعذاب على لسان رسول، ثم تكذيبه.
التفسير والبيان:
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ هذا حال قوم آخرين، وهم قوم لوط الذين كذبوا رسولهم وخالفوه، وكذبوا بالآيات التي أنذرهم بها، واقترفوا الفاحشة.
ثم بيّن الله تعالى عذابهم وإهلاكهم، فقال:
﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي إننا أرسلنا عليهم ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى والحجارة، فأهلكتهم ودمرتهم إلا لوطا ﵇ ومن آمن به واتبعه، فإنا أنجيناهم من الهلاك في آخر الليل أو في قطعة من الليل وهو السدس الأخير، نجوا مما أصاب قومهم.
стр. 8052
هذا ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالما لم يمسسه سوء.
وكان سبب نجاتهم شكرانهم النعمة، فقال تعالى:
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا، كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أي لقد أنجيناهم إنعاما منا عليهم، وتكريما لهم، ومثل ذلك الجزاء الحسن، نجزي من شكر نعمتنا ولم يكفرها، بأن آمن وأطاع أمرنا، واجتنب نهينا.
ثم بين الله تعالى عدله في العقاب وهو مجيئه بعد إنذار، فقال:
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا، فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي ولقد أنذرهم نبيهم بطشة الله بهم، وهي عذابه الشديد، وعقوبته البالغة، قبل حلوله بهم، إن لم يؤمنوا، فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه، بل شكوا في الإنذار ولم يصدقوه، وكذبوه.
ثم ذكر الله تعالى جرما آخر لهم عدا الكفر والتكذيب، فقال:
﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي لقد أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الضيوف الملائكة الذين جاؤوا في صورة شباب مرد حسان، ليفجروا بهم، كما هو دأبهم، إذ قد بعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب عشية الليل، ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، وأرشدهم إلى نسائهم الذين هم بمثابة بناته، وهو لهم كالأب.
فلما اشتد الخلاف، وأبوا إلا الدخول، طمس الله أبصارهم، فأصبحوا لا يرون شيئا، فرجعوا على أدبارهم، يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطا ﵇، إلى الصباح.
стр. 8053
وقلنا لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي.
ثم ذكر تعالى نوع العذاب العام الذي أصابهم ووقته، فقال:
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي لقد أتاهم صباحا عذاب مستقرّ بهم، نازل عليهم، لا يفارقهم ولا ينفك أو يحيد عنهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود ٨١/ ١١] والعذاب المستقر: الثابت الذي لا محيد عنه أو الذي استقر عليهم إلى الاستئصال الكلي.
ثم أوضح تعالى العبرة وحكى ما قيل لهم، فقال:
- ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فذوقوا جزاء أفعالكم ومقتضى إنذاركم السابق.
- ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي ولقد سهلنا آيات القرآن للاتعاظ والتذكر، فهل من متعظ معتبر. وهذه الجملة الواردة عقب القصص الأربع للتأكيد والتنبيه والاتعاظ والزجر، كما تقدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - لما كذب قوم لوط نبيهم، أرسل الله عليهم ريحا ترميهم بالحصباء وهي الحصى، فلا عقاب دون جريمة، ولا عذاب قبل إنذار.
٢ - نجّى الله تعالى نبيه لوطا ﵇ ومن تبعه على دينه، ولم يكن إلا بنتاه، وتمت النجاة في وقت السحر آخر الليل، إنعاما من الله على لوط وبنتيه، ومثل ذلك الجزاء يجازي الله كل من آمن بالله وأطاعه، أي أن ذلك الإنجاء كان فضلا من الله ونعمة، كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا. وفيه فائدة وهي الدلالة
стр. 8054
على الثواب في الدار الآخرة، كما تحققت النجاة في الدنيا، أي كما أنعمنا عليهم ننعم عليهم يوم الحساب.
٣ - لا عقاب أيضا إلا بعد إنذار، فلقد أنذر لوط ﵇ قومه، وخوّفهم عقوبة ربهم، وأخذه إياهم بالعذاب الدنيوي والأخروي، فشكّوا فيما أنذرهم به الرسول، ولم يصدقوه. وفي هذا تبرئة لوط ﵇ وبيان أنه أتى بما عليه.
٤ - اقترن مع كفرهم جريمة كبري أخرى هي اقترافهم الفواحش، بل إنهم أرادوا من لوط ﵇ تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف، طلبا للفاحشة.
٥ - لما أصرّوا على الاعتداء على الملائكة، واقتحام منزل لوط ﵇، أعماهم الله مع صحة أبصارهم، فلم يروهم. ويروى أن جبريل ﵇ ضربهم بجناحه فعموا. قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت، فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم.
٦ - قال الله لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا عذابي الذي أنذركم به لوط، والمراد بذوق العذاب مجازاة الفعل وموجبه.
٧ - لقد صبّحهم أول النهار، وقت الصبح عذاب دائم عام، استقر فيهم، حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة. وفائدة قوله: ﴿بُكْرَةً﴾ تبيين حدوث العذاب في أول النهار، لأن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار، فإذا قال: ﴿بُكْرَةً﴾ أفاد أنه كان أول جزء منه.
٨ - كرر الله تعالى للتأكيد ما قالته الملائكة لهم: ذوقوا العذاب الذي نزل بكم من طمس الأعين، غير العذاب الذي أهلكوا به، لأن العذاب كان مرتين:
أحدهما-خاص بالمراودين، والآخر عام.
стр. 8055
٩ - إن الهدف من القصة هو العبرة والعظة، والقرآن الكريم سهّله الله للاتعاظ والاعتبار، ولكن ما أكثر المواعظ والعبر، وأقل الاعتبار. وقد كرر تعالى بيان ذلك للتنبيه والتأكيد.
- ٥ -
قصة آل فرعون
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾
المفردات اللغوية:
﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه معه، واكتفى بذكرهم دونه للعلم بأنه القائد وأنه أولى بذلك.
﴿النُّذُرُ﴾ الإنذارات على لسان موسى وهارون، فلم يؤمنوا. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ أي بل كذبوا بالآيات التسع التي أوتيها موسى ﵇. ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ بالعذاب. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ قوي لا يغالب ولا يغلب. ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر لا يعجزه شيء.
التفسير والبيان:
هذه قصة خامسة بإيجاز، أخبر الله بها عن تكذيب فرعون وقومه بالرسل، فقال:
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ أي والله لقد جاءت الإنذارات والبشائر فرعون وقومه من طريق موسى وهارون، الإنذار بالعذاب إن كفروا، والبشارة بالجنة إن آمنوا. والفرق بين الآل والقوم: أن القوم أعم من الآل، فالقوم: كل من يقوم الرئيس بأمرهم ويأتمرون بأمره، والآل: كل من يؤول إلى الرئيس خيرهم وشرهم، أو يؤول إليهم خيره وشره.
стр. 8056
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها، فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي إننا أيدنا موسى وهارون بمعجزات عظيمة وآيات متعددة، منها الآيات التسع كالعصا واليد، فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله بالعذاب الشديد أخذ قوي غالب في انتقامه، قادر على إهلاكهم قاهر لا يعجزه شيء، أي أبادهم الله ولم يبق منهم أحدا، وعاقبهم بتكذيبهم وبكفرهم بالله.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا خبر موجز عن فرعون وقومه: القبط، يتضمن بيان الجريمة والعقاب، فإن الله أرسل لهم موسى وهارون بالإنذارات والبشائر، فكذبوا بجميع الآيات أو المعجزات الدالة على توحيد الله ونبوة الأنبياء، وهي تسع: العصا، واليد، والسّنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، فعاقبهم الله بكفرهم بربهم وتكذيبهم رسل الله، وكان العقاب شديدا لصدوره من إله غالب في انتقامه، قادر على ما أراد.
ويلاحظ أن القصص الخمس المذكورة في هذه السورة: قصة قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون مشتركة في السبب أو الجريمة، وفي الجزاء أو العقاب، والسبب أو الجريمة يكاد يكون واحدا وهو الكفر بالله وتكذيب الرسل، مع معاص أخرى، والعقوبة وإن اختلفت بين طوفان، وريح صرصر عاتية، وصيحة جبريل، وريح حاصب، وإغراق، فنتيجتها واحدة وهي الإبادة والاستئصال التام، وتلك عبرة وعظة لكفار قريش وأمثالهم.
стр. 8057
توبيخ المشركين من كفار قريش وبيان جزاء المجرمين والمتقين
﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾
الإعراب:
﴿أَمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ، ﴿جَمِيعٌ﴾: خبره، و ﴿مُنْتَصِرٌ﴾: خبر لمحذوف تقديره: أمرنا أو جمعنا.
﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿كُلَّ﴾: بالنصب بتقدير (خلقنا) وذلك يدل على العموم واشتمال الخلق على جميع الأشياء، ولا يجوز أن يكون (خلقنا) صفة ﴿شَيْءٍ﴾ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. وتقرأ ﴿كُلَّ﴾ بالرفع على الابتداء، و ﴿خَلَقْناهُ﴾: خبره، لكن لا يكون ﴿كُلَّ﴾ حينئذ متمحضا للعموم، لأن المعنى: إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، فيحتمل أن يكون هاهنا ما ليس بمخلوق من الأشياء، بخلاف حالة النصب، فإنه لا يحتمل إلا العموم. و ﴿بِقَدَرٍ﴾: حال من ﴿كُلَّ﴾، أي مقدرا.
البلاغة:
﴿أَكُفّارُكُمْ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ الاستفهام إنكاري يقصد به النفي.
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ إطناب بتكرار لفظ الساعة لزيادة التخويف.
стр. 8058
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ و ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ المس مجاز مرسل عن الألم، وعلاقته السببية، فإن مسها سبب للألم، ويراد بالذوق الإحساس.
﴿صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ بينهما طباق.
في أواخر الآيات كلها سجع غير متكلف له وقع وجرس وجمال في اللفظ.
المفردات اللغوية:
﴿أَكُفّارُكُمْ﴾ يا قريش. ﴿مِنْ أُولئِكُمْ﴾ المذكورين في القصص السابقة من قوم نوح إلى آل فرعون. ﴿بَراءَةٌ﴾ وثيقة مكتوبة بالنجاة من العذاب. ﴿الزُّبُرِ﴾ الكتب السماوية، جمع زبور، المعنى: أم أنزل لكم في الكتب السماوية أن من كفر منكم، فهو في أمان من العذاب. والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي، أي ليس الأمر كما تزعمون أو تتصورون.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ كفار قريش. ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ جمع. ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ على محمد، قال أبو جهل يوم بدر: إنا جمع منتصر، فنزلت الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ يرجعون إلى الأدبار هاربين، فقد هزموا ببدر، ونصر رسول الله ﷺ عليهم، وهو من دلائل النبوة. ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ بالعذاب الأصلي. ﴿وَالسّاعَةُ﴾ أي وعذاب الساعة. ﴿أَدْهى﴾ أعظم وأشد بلية وداهية، والداهية: أمر فظيع لا يهتدى لعلاجه. ﴿وَأَمَرُّ﴾ أشد مرارة ومذاقا من عذاب الدنيا، والمراد: أصعب على النفس وأكثر شدة وهولا.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكفار والمشركين. ﴿فِي ضَلالٍ﴾ خطأ وبعد عن الحق. ﴿وَسُعُرٍ﴾ نيران مستعرة في الآخرة. ﴿يُسْحَبُونَ﴾ يجرّون على وجوههم. ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا حر النار وألمها، فإن مسّها أي إصابتها سبب للتألم بها، و ﴿سَقَرَ﴾ اسم جهنم، ولذلك كان ممنوعا من الصرف. ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي مقدّرا بمقدار معلوم مكتوب في اللوح قبل وقوعه.
﴿أَمْرُنا﴾ شأننا، أو أمرنا بإيجاد الشيء الذي نريده. ﴿إِلاّ واحِدَةٌ﴾ أي كلمة واحدة، وهي قول (كن) فيوجد، أو فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معاناة. ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي في اليسر والسرعة. ﴿أَشْياعَكُمْ﴾ أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ، والاستفهام بمعنى الأمر، أي اذكروا واتعظوا. ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ مكتوب في سجل أو كتب الحفظة.
﴿مُسْتَطَرٌ﴾ مسطور أو مكتوب في اللوح المحفوظ.
﴿فِي جَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿وَنَهَرٍ﴾ أنهار، المراد به الجنس. وقرئ بضم النون وسكون الهاء كأسد وأسد. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مرضي، أو في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، والمراد
стр. 8059
به أيضا الجنس، وقرئ: مقاعد أي في مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم، بخلاف مجالس الدنيا، قل أن تسلم من ذلك. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ أي مقربين عند الله تعالى، و ﴿مَلِيكٍ﴾ صيغة مبالغة، أي عزيز الملك وواسع السلطان. ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر لا يعجزه شيء، وهو الله تعالى.
والعندية ليست عندية مكان، وإنما إشارة إلى الرتبة والقربة من فضل الله تعالى.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٥):
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ.﴾.: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا يوم بدر: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، فنزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
نزول الآية (٤٧):
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ.﴾.: أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾.
وروى ابن حبان عن أبي أمامة الباهلي قال: أشهد بالله لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذه الآية نزلت في القدرية (١): ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾.
وذكر أبو بكر بن الحارث عن أبي زرارة الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ.﴾. ثم قال: أنزلت هذه الآية في أناس من آخر هذه الأمة يكذبون بقدر الله تعالى.
стр. 8060
المناسبة:
بعد بيان إهلاك بعض الأمم السابقة وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط بسبب تكذيبهم الرسل، خاطب الله أهل مكة موبخا لهم بطريق الاستفهام الإنكاري، ليبين لهم أن ما أصاب غيرهم من العذاب والهوان سيصيبهم، لأن ما جرى على المثيل يجري على مثيله، إن استمروا على كفرهم، وأصروا على ضلالهم، وأنهم أيضا سيهزمون في الدنيا، وسيلقون في الآخرة عذابا أشد وأدهى.
ثم أبان الله تعالى نوع عذاب المجرمين أي المشركين في الآخرة، وأن كل شيء مخلوق لله سبحانه، وأن أمره تعالى سريع النفاذ بكلمة (كن) التكوينية، وختم السورة بذكر ثواب المتقين الأبرار.
التفسير والبيان:
﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي أكفاركم يا مشركي قريش خير من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، وكفرهم بالكتب السماوية، أم معكم من الله براءة فيما أنزل من الكتب ألا ينالكم عذاب ولا نكال؟! والمعنى: ليس كفاركم يا أهل مكة، أو يا معشر العرب، خيرا من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم، فلستم بأفضل منهم، حتى تكونوا بمأمن مما أصابهم من العذاب عند تكذيبهم لرسلهم، وليست لكم براءة من عذاب الله في شيء من كتب الأنبياء.
وهذا تهديد وتوبيخ لمن أصرّ على الكفر من مشركي العرب، فالمراد بعض العرب لا كلهم، فليس كفارهم خيرا ممن سبقهم، وهم قوم نوح وهود وصالح ولوط، بل هم مثلهم أو شر منهم.
стр. 8061
﴿أَمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أي بل هم يقولون: نحن جماعة أو جمع كثير والعدد، شديد والقوة، ولنا النصر على الفئة القليلة المستضعفة من أعدائنا، فهم يعتقدون ويثقون أنهم يتناصرون مع بعضهم بعضا، وأن جمعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء. والاستفهام: إنكاري، وإفراد المنتصر مع أن ﴿نَحْنُ﴾ ضمير الجمع، لأن المراد بالجميع كالجنس، لفظه لفظ واحد، ومعناه جمع فيه الكثرة.
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي سيتفرق جمع أو شمل كفار مكة أو كفار العرب على العموم ويغلبون، ويولون الأدبار هاربين منهزمين. وكان هذا دليلا من دلائل النبوة، فقد هزمهم الله يوم بدر، وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الكفر وأساطين الشرك.
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي سيتفرق جمع أو شمل كفار مكة أو كفار العرب على العموم ويغلبون، ويولون الأدبار هاربين منهزمين. وكان هذا دليلا من دلائل النبوة، فقد هزمهم الله يوم بدر، وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الكفر وأساطين الشرك.
عن أبي جهل: أنه ضرب فرسه يوم بدر، فتقدم في الصف، فقال: نحن ننصر اليوم من محمد وأصحابه، فنزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي الأدبار.
وأخرج البخاري والنسائي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: وهو في قبّة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربّك، فخرج وهو يثب في الدرع، وهو يقول: «سيهزم الجمع، ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمرّ».
стр. 8062
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفت تأويلها يومئذ.
ثم بيّن الله تعالى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم، بل الأمر أعظم منه، فإن الساعة موعدهم، وسيلقون في الآخرة عذابا أشد إن بقوا مصرين على الكفر، فقال:
﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ أي بل إن القيامة موعد عذابهم الأخروي، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب، وإنما هو مقدمة من مقدماته، وعذاب القيامة أعظم وأنكى، وأشد مرارة من عذاب الدنيا، كما أنه عذاب دائم خالد.
قال الرازي: هذا قول أكثر المفسرين، والظاهر أن الإنذار بالساعة لكل من تقدم، كأنه قال: أهلكنا الذين كفروا من قبلك، وأصرّوا، وقوم محمد ﷺ ليسوا بخير منهم، فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة، فإتمام المجازاة بالأليم الدائم (١).
ثم أخبر الله تعالى عن نوع العذاب الأخروي، فقال:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ أي إن المشركين بالله الذين كذبوا رسله وكل كافر ومبتدع كافر ببدعته من سائر الفرق في حيرة وتخبط في الدنيا وبعد عن الحق والصراط المستقيم، وفي نيران مستعرة في جهنم يوم القيامة.
стр. 8063
وجاء إطلاق المجرمين على (المشركين) في قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن ٤١/ ٥٥].
وأكثر المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نازلة في القدرية، روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله: ﴿خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (١).
وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: «مجوس هذه الأمة: القدرية» (٢) وهم المجرمون الذين سماهم الله في قوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ﴾ عن الحق في الدنيا ﴿وَسُعُرٍ﴾ وهو نيران في الآخرة.
وبيّن الإمام الرازي ﵀ معنى القدرية الذين قال النبي ﷺ نزلت الآية فيهم، فذكر أن كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه، فالجبري يقول: القدري من يقول: الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره، فهم قدرية، لأنهم ينكرون القدر. والمعتزلي يقول: القدري: هو الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق: الله قدرني، فهو قدري لإثباته القدر، وهما جميعا يقولان لأهل السنة الذين يعترفون بخلق الله، وليس من العبد: إنه قدري.
والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية: هو الذي ينكر القدر، وينكر قدرة الله تعالى، ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها، ويدل عليه قوله: جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله ﷺ في القدر، فإن مذهبهم ذلك. وأما المراد من
قوله ﷺ : «مجوس هذه الأمة هم القدرية» فهم القدرية
стр. 8064
في زمانه، وهم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث، فلا يدخل فيهم المعتزلة، ونسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة (١).
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي إن المجرمين الكفار يعذبون في النار، ويجرّون فيها على وجوههم للإهانة والإذلال، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا: ذوقوا وقاسوا حرّ النار وآلامها وشدة عذابها.
ثم أبان الله تعالى أن كل ما يحدث في الكون، ومنه أفعال العباد كلهم، هو مخلوق لله، فقال:
﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أي إن كل شيء من الأشياء، وكل فعل من الأفعال في هذا الكون أو هذه الحياة خيرا كان أو شرا، مخلوق لله تعالى، مقدر محكم مرتّب على حسب ما اقتضته الحكمة، وعلى وفق ما هو مقدر مكتوب في اللوح، معلوم لله ثابت في سابق علم الله الأزلي، قبل وجوده أو كونه، يعلم حاله وزمانه. والقدر: التقدير.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان ٢/ ٢٥] وقوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى ١/ ٨٧ - ٣] أي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه.
وقد استدل أهل السنة بهذه الآية الكريمة على إثبات قدر الله السابق لخلقه:
وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته (أي تسجيله) لها قبل حدوثها.
أخرج الإمام أحمد ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقدر، حتى العجز والكسل».
وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد ومسلم أيضا عن أبي هريرة: «استعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل:
стр. 8065
قدّر الله، وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن: لو تفتح عمل الشيطان».
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له:
«يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف».
ومن المعلوم أن الكتابة لا تغني الجبر والفرض على العباد، والعلم السابق بالأشياء لا يدل على الإلزام، وإنما يدل على أن جميع ما في الكون معلوم سابقا لله تعالى.
ثم أوضح الله تعالى نفاذ مشيئته في خلقه، ونفاذ قدره فيهم، فقال:
﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي إن أمرنا بإيجاد الأشياء إنما يكون مرة واحدة، لا حاجة فيه إلى تأكيد ثان، فيكون الذي نأمر به بكلمة واحدة حاصلا موجودا كلمح البصر في سرعته، لا يتأخر طرفة عين. ولمح البصر: إغماض البصر، ثم فتحه. وهذا تمثيل وتقريب لسرعة نفاذ المشيئة في إيجاد الأشياء، فهو كلمح البصر أو أقرب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦].
ثم أعاد تعالى التنبيه للحق والاتعاظ بهلاك السابقين، فقال:
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟﴾ أي وتالله لقد أهلكنا أمثالكم وأشباهكم في الكفر يا معشر قريش، من الأمم السابقة المكذبين بالرسل، فهل
стр. 8066
من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب، وهل من يتذكر ويتعظ بالمواعظ، ويعلم أن ذلك حق، فيخاف العقوبة التي حلت بالأمم السابقة؟ وهذا كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ ٥٤/ ٣٤].
وأتبع ذلك الإخبار عن إحصاء جميع أعمالهم ورقابة الله عليهم، فقال:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ أي إن جميع ما فعلته وتفعله الأمم والشعوب والأفراد من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي كتب (أو سجلات) الملائكة الحفظة، وما من شيء من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم إلا وهو مسطور في اللوح المحفوظ، وفي دواوين الملائكة وصحائفهم، صغيرة وكبيرة، وجليلة وحقيرة، كما قال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨/ ٥٠].
أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «يا عائشة، إياك ومحقّرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا».
ثم ذكر الله تعالى نوع جزاء المؤمنين المتقين لمقارنته بجزاء الكافرين، ومقابلة الثواب بالعقاب وبالعكس، فقال:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي إن المتقين، بعكس ما يكون الأشقياء فيه من النار والسحب على الوجوه فيها، مع التوبيخ والتقريع والتهديد، هم في بساتين غنّاء مختلفة، وجنان متنوعة، وأنهار متدفقة بمختلف أنواع الأشربة من ماء وعسل ولبن وخمر غير مسكرة، وفي الجنة دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه، وفي مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وفي منزلة وكرامة عند ربهم القادر على ما يشاء، والذي لا يعجزه شيء، فهو
стр. 8067
الملك العظيم، الخالق للأشياء كلها ومقدّرها، والمقتدر على ما يشاء، مما يطلبون ويريدون.
أخرج أحمد ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو، يبلغ به النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - كل من ارتكب جرما وعوقب بعقاب معين، فإن ذلك العقاب مستحق لأمثال أولئك المجرمين، فليس كفار العرب أو قريش خيرا من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم، وليس لهم صك براءة أو وثيقة بالسلامة من العقوبة في الكتب المنزلة على الأنبياء.
٢ - زعم كفار قريش أنهم منتصرون على المؤمنين بسبب كثرة عددهم وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، غير أن موازين القوى البشرية تختل في ميزان القدرة والحكمة والتوفيق الإلهي: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤٩/ ٢].
لذا قال تعالى هنا: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي سيهزم جمع كفار مكة، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره. وهذا من دلائل صدق النبوة، قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. فالآية على هذا مكية، بل والسورة كلها مكية كما تقدم. أخرج البخاري عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة، وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾. وقد تقدم حديث ابن عباس وقصة أبي بكر يوم بدر.
стр. 8068
٣ - إن تعذيب الكفار لا يقتصر على الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة والذل والهوان، وإنما لهم عذاب آخر في الآخرة أشد وأعظم، وأدهى وأمرّ، وأدوم وأخلد..
٤ - إن الكفار والمشركين في حيدة عن الحق واحتراق في نار جهنم، ويجرّون على وجوههم في النار بقصد الإذلال والإهانة.
٥ - الله تعالى خالق كل شيء وخالق أفعال العباد كلها دون جبر ولا إكراه عليها: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦/ ٣٧] وقوله تعالى هنا: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فالله قادر، غير أنه لم يجبر أحدا على ما يفعله بل تركه لاختياره وحريته.
ويعد المشركون قدرية لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب، وطائفة القدرية من المسلمين يوصفون بهذا الوصف لقولهم: لا قدرة لله على تحريك العبد بحركة، كالصلاة والزنا، وإنما العبد يخلق أفعال نفسه.
قال القرطبي: والذي عليه أهل السنة: أن الله سبحانه قدّر الأشياء، أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى بقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدرية وغيرهم من أن الأعمال إلينا، والآجال بيد غيرنا.
قال أبو ذرّ ﵁: قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا، فنزلت هذه الآيات إلى قوله: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ فقالوا: يا محمد يكتب علينا الذنب
стр. 8069
ويعذبنا؟ فقال: «أنتم خصماء الله يوم القيامة» (١).
٦ - إن نفاذ أمر الله في خلقه سريع أسرع من لمح البصر، وما هي إلا كلمة واحدة، وهو قوله للأمر: «كن».
٧ - كرر الله تعالى تحذيره وتوبيخه للمشركين، ونبّههم إلى أنه أهلك أشباههم في الكفر من الأمم الخالية، فهل من يتذكر؟! ٨ - جميع ما فعلته الأمم قبل المشركين وجميع ما تفعله بعدهم من خير أو شر كان مكتوبا عليهم في اللوح المحفوظ أو في كتب الحفظة، وكل ذنب صغير أو كبير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله، ومكتوب على الكفار إهلاكهم العاجل في الدنيا، وعذابهم الآجل المعد لهم في الآخرة على ما فعلوه، ومكتوب ما يفعله غيرهم.
٩ - وصف الله المؤمنين بعد وصف الكفار للمقارنة والموازنة والترغيب والترهيب، فالمؤمنون الأتقياء في جنان الخلد التي تجري أنهار الماء والخمر والعسل واللبن من تحت قصورهم، وهم في كرامة ومنزلة عند ربهم المالك القادر على ما يشاء، في مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة.
والعندية هنا كما تقدم: عندية القربة والزلفى والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة.
стр. 8070
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الرّحمن جلّ ذكره
مكيّة أو: مدنيّة، وهي ثمان وسبعون آية.
مكيتها:
سورة الرحمن: في رأي ابن مسعود ومقاتل: مدنية كلها، وقد كتب في بعض المصاحف أنها مدنية، والأصح كما ذكر القرطبي وابن كثير والجمهور أنها مكية كلها، وهو قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس: إلا آية منها هي قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وهي ثمان وسبعون (٧٨) آية. وعدها بعضهم (٧٦) آية.
ودليل الجمهور والرأي الأصح: ما روى عروة بن الزبير قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ﷺ ابن مسعود، وذلك أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قطّ، فمن رجل يسمعوه؟ فقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: إنا نخشى عليك، وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى، ثم قام عند المقام، فقال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ثم تمادى رافعا بها صوته، وقريش في أنديتها، فتأملوا وقالوا: ما يقول ابن أمّ عبد؟ قالوا:
هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه، ثم ضربوه، حتى أثّروا في وجهه. وصح أن النبي ﷺ قام يصلّي الصبح بنخلة، فقرأ سورة (الرحمن) ومرّ النفر من الجن، فآمنوا به.
стр. 8071
وفي الترمذي عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجنّ ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله:
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا: لا بشيء من نعمك ربّنا نكذب، فلك الحمد» (١). وفي هذا دليل على أنها مكية.
تسميتها:
سميت سورة الرحمن، لافتتاحها باسم من أسماء الله الحسنى وهو (الرحمن) وهو اسم مبالغة من الرحمة، وهو أشد مبالغة من (الرحيم) وهو المنعم بجلائل النّعم ولجميع الخلق، أما الرحيم: فهو المنعم بدقائق النعم، والخاص بالمؤمنين.
قال الإمام الطبري: الرحمن: لجميع الخلق، والرحيم: بالمؤمنين.
وتسمى أيضا في حديث أخرجه البيهقي عن علي كرم الله وجهه مرفوعا (عروس القرآن).
فقال رسول الله ﷺ : «لكل شيء عروس، وعروس القرآن: سورة الرحمن».
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه:
١ - هذه السورة بأسرها شرح وتفصيل لآخر السورة التي قبلها، ففي سورة القمر بيان إجمالي لأوصاف مرارة الساعة وأهوال النار وعذاب المجرمين، وثواب المتقين ووصف الجنة وأهلها، وفي هذه السورة تفصيل على الترتيب الوارد في الإجمال وعلى النحو المذكور من وصف القيامة والنار والجنة.
٢ - ذكر الله تعالى في السورة السابقة أنواع النقم التي حلت بالأمم السابقة
стр. 8072
قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، وهنا ذكر أنواع الآلاء والنعم الدينية والدنيوية في الأنفس والآفاق على الناس جميعا. وافتتح السورة السابقة بما يدل على العزة والجبروت والهيبة وهو انشقاق القمر، وافتتح هذه السورة بما يدل على الرحمة والرحموت وهو إنزال القرآن.
٣ - ختمت السورة السابقة ببيان صفتين لله يدلان على الهيبة والرهبة والعظمة وهما (المليك المقتدر) أي ملك عظيم الملك، قادر عظيم القدرة، وابتدئت هذه السورة بصفة أخرى بجوار ذلك وهي صفة (الرحمن) وبيان مظاهر رحمته وفضله ونعمه على الإنسان وفي الكون كله سمائه وأرضه، فهو سبحانه عزيز شديد مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار، رحمن منعم غافر للأبرار.
ما اشتملت عليه السورة:
سورة الرحمن كسائر السور المكية المتميزة بقصر آياتها، وشدة تأثيرها ووقعها، ومزيد رهبتها، والمتعلقة بأصول الاعتقاد وهي التوحيد وأدلة القدرة الإلهية، والنبوة والوحي، والقيامة وما فيها من جنة ونار، وآلاء ونعم، وشدائد وأهوال.
عدّد الله تعالى في مطلع السورة آلاءه ونعمه العظمى، وأولها نعمة الدين والوحي، وإنزال القرآن وتعليمه عباده به، فهو النعمة الكبرى، وسنام الكتب السماوية ومصداقها. ثم أتبعه ببيان خلق الإنسان ليعلم أنه إنما خلقه للدين، والإفادة من الوحي وكتاب الله، ثم ذكر ما تميز به عن سائر الحيوان من البيان:
وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير.
ثم أحصى الله تعالى أصول النعم الظاهرة الكبرى في الكون من الشمس والقمر، والنجم (النبات) والشجر، والسماء القائمة على التوازن الدقيق،
стр. 8073
والأرض ذات الفواكه والثمار والأشجار، والزروع والرياحين، مع الإشارة إلى خلق عالم آخر غير مادي ولا ملموس وهو الجنّ.
وأضاف إلى ذلك آية على قدرته الباهرة بالفصل بين البحر المالح والعذب، وإخراج اللؤلؤ والمرجان من الماء المالح، كإخراج الحب والعصف والريحان من التراب، وتسيير السفن في أعالي البحار.
ثم يطوى عالم الكون البديع بالفناء الحتمي، ولا يبقى سوى الحي القيوم ذي الجلال والإكرام، ويبدأ بعدئذ عالم القيامة وما فيه من أهوال جسام، ومصير عصيب للمجرمين، وزجّ في نيران الجحيم.
ويقابل ذلك المشهد المؤلم مشهد النعيم في جنان الخلد لأهل الإيمان واليمين، والخوف من مقام الله، وفي تلك الجنان أنواع الأغصان، والعيون والأنهار، والفواكه، والفرش الحريرية الوثيرة والأرائك الخضر، والحور والولدان، والخيرات الحسان.
وناسب كل ذلك ختم السورة بتمجيد الله ، والثناء عليه، على ما تفضل به وأنعم على عباده: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾.
أعظم النعم الإلهية الدنيوية والأخروية
- ١ -
نعمة القرآن والأشياء الكونية والأرضية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)﴾
стр. 8074
الإعراب:
﴿الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ.﴾. ﴿الرَّحْمنُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ وما بعدها:
أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف، لأنها بقصد التعداد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزّك بعد ذلّ، كثّرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿الشَّمْسُ﴾: مبتدأ، ﴿وَالْقَمَرُ﴾: عطف عليه، وخبره:
إما قوله ﴿بِحُسْبانٍ﴾ وإما محذوف تقديره: يجريان بحسبان.
﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها.﴾. ﴿السَّماءَ﴾ منصوبة بتقدير فعل، أي ورفع السماء، وتقرأ بالرفع على الابتداء، كقولهم: زيد لقيته، وعمرو كلّمته. ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أن: إما ناصبة مع تقدير حذف حرف الجر، أي لئلا تطغوا، وإما مفسرة بمعنى «أي» فتكون «لا» الناهية، و ﴿تَطْغَوْا﴾ على الأول منصوب بأن، وعلى الثاني مجزوم ب «لا».
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ ﴿الْحَبُّ﴾: بالرفع معطوف على المرفوع قبله، ويقرأ بالنصب بفعل مقدر، أي وخلق، ﴿وَالرَّيْحانُ﴾: بالرفع معطوف، وبالنصب معطوف على ﴿الْحَبُّ﴾ إذا نصب، وبالجر بالعطف على ﴿الْعَصْفِ﴾.
البلاغة:
﴿الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ سجع مرصع غير متكلف.
﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها﴾ و ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿الرَّحْمنُ﴾ هو الله تعالى المنعم بجلائل النعم الدنيوية والأخروية، وهو اسم من أسماء الله الحسنى. ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ قدم ذلك لأن أصل النعم الدينية وأجلها هو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأجلّ الكتب والمهيمن عليها والمصدّق
стр. 8075
لها. ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ الجنس الإنساني. ﴿الْبَيانَ﴾ التعبير عما في النفس، وإفهام الغير لما يدركه من تلقي الوحي، وتعرف الحق، وتعلم الشرع.
﴿بِحُسْبانٍ﴾ يجريان بحساب دقيق منظم، مقدر في بروجهما ومنازلهما. ﴿وَالنَّجْمُ﴾ النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض، ولا ساق له كالحنطة والمقاثي. ﴿وَالشَّجَرُ﴾ الذي له ساق كالنخل وأشجار الفاكهة. ﴿يَسْجُدانِ﴾ ينقادان أو يخضعان لله فيما يريد بهما طبعا، كما ينقاد الساجد من المكلفين اختيارا أو طوعا. ﴿رَفَعَها﴾ خلقها مرفوعة المحل والرتبة. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ أثبت العدل والنظام والتوازن في الأشياء الكونية كلها،
قال ﷺ : «بالعدل قامت السموات والأرض». ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أي لئلا تجوروا فيما يوزن به، ولا تعتدوا ولا تجاوزوا الإنصاف.
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ أي قوّموا الوزن بالعدل. ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ تنقصوا الموزون، والتكرار مبالغة في التوصية به، وزيادة الحث على استعماله، وقرئ: «ولا تخسروا» بفتح التاء، وضم السين وكسرها وفتحها. ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ أي أثبتها وبسطها للخلق من الإنس والجن وغيرهم.
﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ أنواع ما يتفكه به. ﴿الْأَكْمامِ﴾ أوعية الطلع والثمر، جمع كم: بالكسر.
﴿وَالْحَبُّ﴾ كالحنطة والشعير والذرة وسائر ما يتغذى به. ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ ورق الزرع الجاف، وهو التبن. ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ الورق المشموم الطيب الرائحة من النبات. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي نعم ربّكما أيها الإنس والجن تكذبان؟ والاستفهام للتقرير، ذكرت في السورة إحدى وثلاثين مرة، فكلما ذكر تعالى نعمة وبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره معاتبا ومذكرا ومؤنبا: ألم أحسن إليك بكذا بالمال، ألم أحسن إليك بأن أنقذتك من كذا وكذا؟ ويكون التكرار لاختلاف ما يقرر به، وهذا شيء كثير مألوف في كلام العرب، كقول مهلهل يرثي كليبا:
على أنّ ليس عدلا (١) ... من كليب
إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب... إذا رجف العضاة من الدّبور (٢)
على أن ليس عدلا من كليب... إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب... إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلا من كليب... إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلا من كليب... غداة تأثل الأمر الكبير
стр. 8076
على أن ليس عدلا من كليب... إذا ما خار جاش (١) المستجير
وأنشد قصائد أخرى على هذا النمط.
التفسير والبيان:
﴿الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ أي إن الله الواسع الرحمة لخلقه في الدنيا والآخرة أنزل على عبده محمد ﷺ القرآن لتعليم أمته وجعله حجة على الناس قاطبة، ويسّر حفظه وفهمه على من رحمه. وهذا جواب لأهل مكة القائلين: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣/ ١٦] ولما كانت هذه السورة لتعداد نعم الله التي أنعم بها على عباده، قدّم بيان أجل النعم قدرا، وأكثرها نفعا وهي نعمة تعليم القرآن عباده، فإنها مدار سعادة الدارين. ثم امتن بنعمة خلق الإنسان أداة إعمار الكون، فقال:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ أي أوجد جنس الإنسان، وعلّمه النطق والتعبير عما في نفسه، ليتخاطب مع غيره، ويتفاهم مع أبناء مجتمعة، فيتحقق التعاون والتآلف والأنس، وبذلك اكتملت عناصر التعليم: الكتاب والمعلم وهما القرآن والنّبي، والمتعلم وهو الإنسان، وطريق التعلم وكيفيته وهو البيان.
ثم ذكر الله تعالى أمورا علوية هي مجال التعلم، فقال:
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أي إن الشمس المشرقة المضيئة للنهار، والقمر نور الليل يجريان بحساب دقيق منظم مقدر معلوم في بروج ومنازل معلومة، لا يعدوانها، ويدلان بذلك على اختلاف الفصول وعدد الشهور والسنين، ومواسم الزراعة، وآجال المعاملات وأعمار الناس، ويحققان الفوائد الكثيرة للإنسان والنبات والحيوان، ويتعاقبان بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب، كما
стр. 8077
قال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦].
ثم أورد الله تعالى بعض عوالم الأرض السفلى، فقال:
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ أي أن النبات الذي لا ساق له، والشّجر الذي له ساق ينقادان طبعا لله تعالى فيما أراد، كما ينقاد الساجدون من المكلفين اختيارا، فإن ظهورهما من الأرض في وقت معين ولأجل محدد، وجعلهما غذاء للإنسان، ومتعة له شكلا ولونا ومقدارا وطعما ورائحة، انقياد لقدرة الله تعالى.
ثم نبّه الله تعالى إلى ظاهرة التوازن بين الأشياء، وضرورة التعادل في المبادلات، فقال:
﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ، أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أي جعل السماء مرفوعة المحل والرتبة فوق الأرض، وأقام التوازن في العالمين العلوي والسفلي الأرضي، وأثبت في الأرض العدل الذي أمر به، لئلا تتجاوزوا العدل والإنصاف في آلة الوزن أثناء مبادلة الأشياء، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ، لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥/ ٥٧] فهذا نهي عن الطغيان في الوزن.
وأكّد على التزام العدل أو التعادل، فقال:
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي قوّموا وزنكم بالعدل، ولا تنقصوه ولا تبخسوه شيئا، بل زنوا بالحق والقسط، كما قال تعالى:
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء ١٨٢/ ٢٦].
وهذا التكرير لتأكيد الأمر بالعدل، ويلاحظ أنه سبحانه أمر أولا
стр. 8078
بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو مجاوزة الحدّ بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس.
ثم ذكر نعمته في الأرض مقابل السماء، فقال:
﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ أي إنه تعالى كما رفع السماء، وضع الأرض ومهدها وبسطها لينتفع بها، وأرساها بالجبال الراسخات الراسيات ليستقر الأنام على وجهها، وهم الخلائق المختلفة الأنواع والألوان والأجناس والألسنة في سائر الأقطار، ثم أبان تعالى طرق معايش الناس فيها، فقال:
﴿فِيها فاكِهَةٌ، وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ أي إن في الأرض كل ما يتفكه به من أنواع الثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح، وأشجار النخيل ذات أوعية الطلع الذي يتحول بعدئذ إلى تمر، وجميع ما يقتات من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة ونحوها، ذات العصف وهو بقل الزرع:
وهو أول ما ينبت منه، أو هو التبن، وكل مشموم من النبات ذي الورق الذي تطيب رائحته. وتنكير كلمة الفاكهة وتعريف النخل، لأن الفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص، أما ثمر النخيل فهو قوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان وعند جميع الأشخاص.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟﴾ أي فبأي النعم المتقدمة تكذبان يا معشر الجن والإنس. فالخطاب مع الثقلين: الإنس والجن. وقد عرفنا أن هذه الآية كررت في السورة إحدى وثلاثين مرة بعد كل خصلة من النعم، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، لتأكيد التذكير بالنعم، ولتقريرهم بها، وللتنبيه على أهميتها، والنعم محصورة في دفع المكروه وتحصيل المقصود. وقوله: ﴿رَبِّكُما﴾ لبيان أن مصدر هذه النعم من الله المربي الذي يتعهد عباده بالتربية والتنمية، فيكون هو الجدير بالحمد والشكر على ما أنعم.
стр. 8079
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
١ - عدد الله تعالى في سورة الرحمن نعمه العظمى الدينية والدنيوية والأخروية، وذكر بعد كل نعمة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ للتذكير بالنعمة والتنبيه عليها، مع إشاعة جو الرهبة والتخويف، والتوبيخ لمن أنكرها.
روي أن قيس بن عاصم المنقري قال للنّبي ﷺ : اتل علي مما أنزل عليك، فقرأ عليه سورة الرحمن فقال: أعدها، فأعادها ثلاثة، فقال: والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وأسفله لمغدق، وأعلاه مثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
٢ - النعمة الأولى وهي أعظم النعم وأجلها: نعمة إنزال القرآن الذي بدّل حياة البشرية، وسيظل صوت الحق الأبلج إلى يوم القيامة.
٣ - النعمة الثانية والثالثة خلق جنس الإنسان لإعمار الكون، وتعليمه البيان أي الكلام والنطق والفهم، وهو مما فضّل به الإنسان على سائر الحيوان.
٤ - النعمة الرابعة والخامسة: خلق الشمس والقمر اللذين يجريان بحساب معلوم دقيق في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها، وبهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار.
٥ - النعمة السادسة: خلق النبات الشامل للنجم: وهو ما لا ساق له، والشجر الذي له ساق، وجعل ذلك منقادا لإرادة الله تعالى، وتوجيهه لنفع الإنسان.
٦ - النعمة السابعة والثامنة: جعل السماء مرفوعة المحل والرتبة عن الأرض، ووضع العدل الذي أمر الله به في الأرض، وأقام التوازن في عالم السماء والأرض.
стр. 8080
٧ - النعمة التاسعة: خلق آلة الميزان لإقامة العدل في المعاملات، ومنع المنازعات وكفالة استقرار الناس وإبقاء ظاهرة الودّ والصفاء والوئام بينهم.
لذا نهى الله تعالى عن الطغيان في الوزن وهو تجاوز الحد أو الزيادة بعد الأمر بالتسوية والتعادل، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس في الوزن والكيل، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣ - ٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ [هود ٨٤/ ١١].
قال قتادة في هذه الآية: اعدل يا ابن آدم، كما تحبّ أن يعدل لك، وأوف كما تحبّ أن يوفّى لك، فإن العدل صلاح الناس.
٨ - النعمة العاشرة: خلق الأرض ممهدة مبسوطة للناس.
٩ - النعمة الحادية عشرة: اشتمال الأرض على متعة الحياة وأقوات الإنسان والحيوان، وهو كل ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار، وإنبات النخيل مصدر التمور، وإخراج الحبّ كالحنطة والشعير ونحوهما، والعصف: وهو التبن، أو ورق الشجر والزرع، والرياحين.
١٠ - بعد إيراد هذه النعم، خاطب الله تعالى-كما تقدم-الجنّ والإنسان بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لتقرير النعمة وتأكيد التذكير بها. وقد تقدم
حديث الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: «ما لي أراكم سكوتا؟! للجنّ كانوا أحسن منكم ردّا، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب، فلك الحمد».
стр. 8081
- ٢ -
توضيح أحوال بعض النعم
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥)﴾
الإعراب:
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ مرفوع إما بدل من ضمير ﴿خَلَقَ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو ربّ المشرقين.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ أي يخرج من أحدهما، لأن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج من العذب، وإنما يخرج من الملح، فحذف المضاف وهو «أحد» وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] أي من إحدى القريتين، فحذف المضاف.
﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ الكاف في موضع نصب على الحال من ضمير في ﴿الْمُنْشَآتُ﴾.
البلاغة:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ بينهما مقابلة.
﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، أي كالجبال في العظم والضخامة والثبات فوق الشيء.
стр. 8082
المفردات اللغوية:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ أصل الإنسان وهو آدم ﴿صَلْصالٍ﴾ طين يابس له صلصلة أي صوت، إذا نقر ﴿كَالْفَخّارِ﴾ وهو الخزف: وهو ما طبخ من طين أو الطين المطبوخ حتى يتحجر. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ أصل الجن وهو إبليس ﴿مارِجٍ﴾ لهب خالص لا دخان فيه ﴿مِنْ نارٍ﴾ بيان لمارج: فإنه في الأصل الشيء المضطرب.
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي مشرقي الشتاء والصيف، ومغربهما. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلها وأجراهما، يقال: مرجت الدابة في المرعى، أي أرسلتها فيه، والبحران: العذب والملح.
﴿يَلْتَقِيانِ﴾ يتجاوران في المصب دون فصل مرئي بينهما. ﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى.
﴿لا يَبْغِيانِ﴾ لا يبغي أحدهما على الآخر، فيختلط به أو يمتزج.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي يخرج من أحدهما وهو الملح ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ صغار الدرّ المخلوق في الأصداف. ﴿وَالْمَرْجانُ﴾ كبار الدرّ أو الخرز الأحمر. ﴿الْجَوارِ﴾ السفن، جمع جارية.
﴿الْمُنْشَآتُ﴾ المصنوعات المحدثات، أو الرافعات أشرعتها. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال عظما وارتفاعا، جمع علم: وهو الجبل العالي الطويل.
المناسبة:
بعد تعداد أصول النعم على بني الإنسان وخلق العالم الكبير من السماء والأرض، أراد الله تعالى إيضاح أحوال بعضها، وهي أصل خلق الإنسان والجانّ وهو العالم الصغير، وبيان مشرق الشمس ومغربها وسلطانه عليهما، وعلى البحار وما فيها من لآلئ ومرجان، وما يسير على سطحها من مراكب عظيمة كالجبال، مما يدلّ على وحدانية الله وقدرته.
التفسير والبيان:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾ أي خلق الله تعالى أصل الإنسان من طين يابس يسمع له صلصلة، أي صوت إذا نقر، يشبه الفخار، أي الخزف:
وهو الطين المطبوخ بالنار، للدلالة على صلابة الإنسان وتماسك أجزائه.
стр. 8083
وقد تنوعت عبارات القرآن في بيان هذا، باعتبار مراتب الخلق: ﴿مِنْ تُرابٍ﴾، ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي طين متغير، أو ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ أي لاصق باليد، من صلصال، فهذا إشارة إلى أن آدم ﵇ خلق أولا من التراب، ثم صار طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم لازبا، ثم كالفخار، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك، ومن ذلك.
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ أي وأوجد الجنّ من طرف النار، وهو المارج، أي الشعلة الصاعدة ذات اللهب الشديد، التي لا لهب فيها، المختلط الألوان المضطرب، كالأصفر، والأحمر، والأخضر وغيرها.
أخرج الإمام أحمد ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم».
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي نعم الله يا معشر الثقلين: الإنس والجن تكذبان أو تنكران مما هو واقع ملموس؟! ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي ربّ مشرقي الشمس في الصيف والشتاء، وربّ مغربي الشمس في الصيف والشتاء، وبهما تتكون الفصول الأربعة، وتختلف أحوال المناخ من برد وحرّ واعتدال، وغير ذلك من المنافع العظيمة للإنسان.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي نعم الله هذه تكذبان أو تنكران؟ وأما قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ [المعارج ٤٠/ ٧٠] فذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس.
وقوله سبحانه في آية أخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل ٩/ ٧٣]، فالمراد منه جنس المشارق والمغارب.
ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس
стр. 8084
قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾؟ فالشمس تشرق صيفا من مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي، ومن مدار الجدي في الجنوب صيفا، حيث يكون الشتاء في الشمال، فلو ثبتت الشمس في شروق وغروب واحد لتعطلت المواسم والزراعة في الصيف والشتاء.
وبعد بيان نعم الله في البر، ذكر نعمه في البحر، فقال:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ أي أرسل البحرين ملحا وعذبا متلاقيين، لا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فبينهما حاجز يحجز بينهما، لا يبغي أحدهما على الآخر، بالامتزاج والاختلاط، وإنما يظلان منفصلين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: هذا عَذْبٌ فُراتٌ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان ٥٣/ ٢٥].
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي هذه النعمة أو المنفعة تكذبان أيها الإنسان والجن؟ فالعذب للشرب وسقي النبات والحيوان، والملح لتطهير تجمع الماء من الجراثيم، وإصلاح طبقة الهواء، وإخراج اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى:
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ أي يخرج من أحدهما-على حذف مضاف-وهو الملح ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: وهو الدّر الذي يتكون في الصدف، ﴿وَالْمَرْجانُ﴾: الخرز الأحمر المعروف.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فبأي نعم الله الظاهرة لكم تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ فإن في ذلك من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه، ولا يقدر على إنكاره.
﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ أي والله الذي خلق وألهم صنع
стр. 8085
السفن الجارية في البحر التي رفع بعض خشبها على بعض وركّب، ورفعت سواريها وأشرعتها في الهواء كالجبال الشاهقة، فهي تنتقل في البحار بالركاب والحمولات والبضائع والأقوات والأرزاق والآلات من بلد إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، حتى بلغت حمولة بعض ناقلات النفط خمس مائة ألف طن، بالإضافة لحاملات الطائرات والبوارج الحربية المدمرة، والغواصات الذرية الرهيبة.
ولو شاء تعالى لجعل البحر ساكنا ولما تمكنت السفن أن تطفو فوق الماء. فقوله:
﴿الْمُنْشَآتُ﴾ إما المرفوعات، وإما المحدثات الموجودات. وهذا يدل على كبر السفن حيث شبهها بالجبال، وإن كانت المنشآت تطلق على السفينة الكبيرة والصغيرة. وإنما قال: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ﴾ خاصة، مع أن له السموات وما فيها والأرض وما عليها، لأن أموال الناس وأرواحهم في قبضة قدرة الله تعالى، حيث لا تصرف لأحد في الفلك.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجنّ؟ لقد خلقت هذه النعمة العديدة لكم، أيمكنكم إنكار صناعة السفن الضخمة، أو كيفية إجرائها في البحر، أو دورها في تقريب المسافات والاتصال بين أجزاء العالم المتباعدة، ونقل تجاراته وصناعاته، للاستفادة منها في أقاليم أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١ - إن أصل خلق الإنسان من تراب، ثم طين، فحمأ مسنون، ثم لازب، ومرد غذائه إلى التراب والماء، ومصيره في النهاية إلى الأرض التي خلق منها، ثم يخرج منها يوم البعث والمعاد.
٢ - وإن خلق أصل الجن من لهب النار، أو من الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، المختلط بعضه ببعض: أحمر وأصفر وأخضر.
стр. 8086
٣ - الله سبحانه ربّ المشرق والمغرب، وربّ المشرقين والمغربين في الصيف والشتاء، وربّ المشارق والمغارب، أي مطالع الشمس ومغاربها في كل يوم.
٤ - أرسل الله في البحار والمحيطات الكبرى البحرين: الملح والعذب، وجعل بينهما حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر، وتلك آية كبري على قدرة الله وعظمته.
٥ - أخرج الله للناس ومنافعهم من البحار المالحة اللؤلؤ والمرجان، كما أخرج من التراب الحبّ والعصف والريحان. وإنما قال: ﴿مِنْهُمَا﴾ وإنما يخرج ذلك من الملح لا العذب، لأن العرب تجمع الجنسين، ثم تخبر عن أحدهما، كقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام ١٣٠/ ٦]، وإنما الرسل من الإنس دون الجن، كما قال الكلبي وغيره. وقال الزجاج: قد ذكرهما الله، فإذا خرج من أحدهما شيء، فقد خرج منهما، وهو كقوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح ١٥/ ٧١ - ١٦] والقمر في سماء الدنيا، ولكن أجمل ذكر السبع، فكأن ما في إحداهنّ فيهنّ.
وقال أبو علي الفارسي كما تقدم: هذا من باب حذف المضاف، أي من أحدهما، كقوله تعالى: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣]، أي من إحدى القريتين.
٦ - لا يملك الفلك في البحر في الحقيقة أحد سوى الله، إذ لا تصرف لأحد فيها، لذا امتن الله تعالى على الناس في تسيير السفن في البحار، وأموال وأرواح ركابها في قبضة قدرة الله تعالى فوق الماء، كما هو الحال في إقلاع الطائرات في أعالي الفضاء فوق الهواء.
والسفن في البحر كالجبال في البر، والطائرات في الجو كالطيور والشهب،
стр. 8087
ومن المعلوم أن الطائرات في الفضاء كالسفن في البحار تحمل مئات الأطنان.
٧ - أردف الله تعالى بعد كل نعمة قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ للتقرير بالنعم المختلفة المتعددة، والتوبيخ على التكذيب بها، كما تقدم بيانه، ومجمل المذكور هنا وما قبله: هل يستطيع أحد إنكار بدء خلق الإنسان والجن، وسلطان الله تعالى على المشرق والمغرب والشمس والقمر، والنجم والشجر، والزرع والحب، والأنهار والبحار، والدر والمرجان، وخلق مواد السفن، والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر، بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها وترتيبها غيره . والإنسان وإن كان هو الصانع في الظاهر، ولكن صنعه بإلهام الله وتوفيقه وهدايته وإرشاده.
فناء النعم والكون كله وبقاء الله تعالى
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠)﴾
البلاغة:
﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ مجاز مرسل، أي ذاته المقدسة، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
المفردات اللغوية:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها﴾ من على الأرض من إنسان وحيوان وموجودات ومصنوعات و ﴿مَنْ﴾ لتغليب العقلاء، أو المراد: من الثقلين: الإنس والجن، فالضمير على الصحيح يعود إلى الأرض.
﴿فانٍ﴾ هالك. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ذاته. ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ العظمة. ﴿وَالْإِكْرامِ﴾ الإفضال العام بأنعمه على المؤمنين. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مما ذكرنا قبل، ومن الإخبار بالفناء الذي يعقبه البقاء والحياة الأبدية.
стр. 8088
﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يطلبون منه صراحة أو بلسان الحال كل ما يحتاجون إليه من الحدوث والبقاء للذوات، والسعادة والرزق في الأحوال. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كل وقت هو في أمر من الأمور، يحدث أشخاصا، ويجدّد أحوالا على ما سبق به قضاؤه في الأزل، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داع وإعطاء سائل، وغير ذلك.
المناسبة:
بعد تعداد النعم الدينية والدنيوية والأخروية، والاستدلال على قدرة الله وتوحيده في الأنفس والآفاق، نعى الحق الكون بأجمعه، وأخبر بأن جميع النعم الدنيوية والكائنات فانية، ولا يبقى إلا ذات الله تعالى.
التفسير والبيان:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ أي جميع من على الأرض من الناس والحيوانات، وكذلك أهل السموات إلا من شاء الله، سيفنون ويموتون، وتنتهي حياتهم جميعا، ولا يبقى إلا ذات الله سبحانه ذو العظمة والكبرياء، والإفضال والإكرام الذي يكرم به المخلصين من عباده، وهذه الصفة (صفة الجلال والإكرام) من عظيم صفات الله، وأعظم النعمة مجيء وقت الجزاء عقب ذلك،
قال رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي عن أنس: «ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام» أي الزموا ذلك في الدعاء، ومرّ ﷺ برجل، وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: «قد استجيب لك».
وفي الدعاء المأثور: يا حيّ يا قيّوم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك.
ونظير الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٨٨/ ٢٨] قال ابن كثير: وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية
стр. 8089
الكريمة بأنه ذو الجلال والإكرام، أي هو أهل أن يجلّ فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف ٢٨/ ١٨] وكقوله إخبارا عن المتصدقين: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الدهر ٩/ ٧٦]. وقال ابن عباس: ذو الجلال والإكرام: ذو العظمة والكبرياء (١).
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي نعم الله هذه تكذبان أيها الإنس والجن، فالناس والمخلوقات جميعا يتساوون كلهم في الوفاة، ثم يصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل، والفناء طريق للبقاء، والحياة الأبدية، فكان في الفناء نعمة التساوي في الموت، ونعمة تعاقب الأجيال، ونعمة العدل المطلق، ونعمة الانتقال من الدار الفانية إلى الدار الخالدة الباقية دار الجزاء والثواب، ذات النعيم المادي والروحي الشامل، فكيف يكون منكم التكذيب بهذه النعم العظيمة؟! ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي يطلب منه جميع أهل السماء والأرض كل ما يحتاجون إليه، فيسأله أهل السموات المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه الأمرين جميعا (المغفرة والرزق) وتسأل لهم الملائكة أيضا الرزق والمغفرة، فلا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، والمادة تحتاج إلى ما يناسبها، والنبات يحتاج إلى ما يبقيه، والإنسان بحاجة إلى مقومات الحياة المادية والمعنوية، والحيوان مفتقر إلى عناصر البقاء.
وهذا إخبار عن غناه تعالى عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان الحال والمقال، وأنه سبحانه كل يوم ووقت في شأن، ومن شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويغني ويفقر، ويعزّ ويذلّ، ويمرض
стр. 8090
ويشفي، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
أخرج ابن جرير والطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن منيب الأزدي قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال: «أن يغفر ذنبا، ويفرّج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين».
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ بأي نعم الله تكذبان؟ فإن اختلاف شؤونه في تدبير عباده نعمة لا يمكن جحدها، ولا يتيسر لمكذّب تكذيبها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادت الآيات ما يأتي:
١ - الفناء أمر حتمي لجميع الخلائق في السموات والأرض يوم القيامة، والبقاء بعدئذ لله ذي العزة والجبروت، والعظمة والكبرياء، والتكريم عن كل شيء لا يليق به من الشرك وغيره، والإكرام لعباده المخلصين.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ.﴾. قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فنزلت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك.
٢ - يطلب أهل السموات والأرض جميع ما يحتاجون إليه، فيسأل أهل السموات المغفرة، ويسأله أهل الأرض المغفرة والرزق، والله كل يوم في أمر أو شأن، ومن شأنه أن يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويرزق ويمنع.
روى البخاري في تاريخه وابن ماجه وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، «من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرّج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين».