سبب النزول:
نزول الآية (٧٥):
﴿فَلا أُقْسِمُ.﴾.:
أخرج مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حزرة قال: نزلت هذه الآيات في رجل من الأنصار في غزوة تبوك نزلوا الحجر (١)، فأمرهم رسول الله ﷺ ألا يحملوا من مائها شيئا، ثم ارتحل ونزل منزلا آخر، وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقام، فصلى ركعتين، ثم دعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك أما ترى ما دعا النبي ﷺ ، فأمطر الله علينا السماء، فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا.
وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق بها كافرين، يقول: الكوكب، وبالكوكب».
المناسبة:
بعد بيان أدلة إثبات الألوهية والبعث والجزاء، أقام الله تعالى الأدلة على النبوة وصدق القرآن العظيم، وأقسم بمواقع النجوم تعظيما لشأن القرآن أنه تنزيل من رب العالمين، ثم وبخ المشركين على اعتقادهم الباطل بجحود الله وتكذيب
стр. 8157
رسوله، وإنكار المعاد، ثم أعاد الكلام على أحوال الأصناف الثلاثة الذين بدئت بهم السورة: السابقين المقربين، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وما يلقاه كل صنف من الجزاء يوم القيامة، ثم أخبر الله نبيه بأن هذا الخبر هو الحق الثابت الذي لا شك فيه ولا ريب، وأمره أن ينزه ربه عن كل نقص وغيره مما لا يليق به.
التفسير والبيان:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أي أقسم بمساقط النجوم وهي مغاربها، ولله في رأي الجمهور أن يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. وإنما خص القسم بمساقط النجوم، لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يزول تأثيره، لذا استدل إبراهيم ﵇ بالأفول على وجود الإله، وكذلك لا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة.
وجاء القسم على هذا النحو: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ بالنفي مريدا: ﴿أُقْسِمُ﴾، لأن العرب تزيد (لا) قبل فعل ﴿أُقْسِمُ﴾ كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه، فيفيد التأكيد، والمراد أن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم ما، فضلا عن هذا القسم العظيم. وورد القسم على مثال ذلك كثيرا في القرآن الكريم، مثل: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ [الانشقاق ١٦/ ٨٤] و ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير ١٥/ ٨١] و ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة ١/ ٧٥] و ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨/ ٦٩] و ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ [المعارج ٤٠/ ٧٠] و ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد ١/ ٩٠] و ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة ٢/ ٧٥].
ويرى بعض المفسرين أن (لا) ليست زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسما به على منفي، كقول عائشة ﵂: «لا والله ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط».
стр. 8158
وجاء القسم في القرآن على أنواع: إما قسم الله بنفسه أو بذاته مثل:
﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات ٢٣/ ٥١] و ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء ٥٧/ ٢١]. وإما قسم من الله بأشياء من خلقه، دلالة على عظمة مبدعها، كالصافات، والطور، والذاريات، والنجم ومواقع النجوم، والشمس والقمر، والليل والنهار، ويوم القيامة، والفجر والبلد والتين والزيتون.
وقد يكون القسم بالقرآن: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس ١/ ٣٦ - ٢].
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١/ ٨٨]. ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١/ ٤٥].
﴿حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ١/ ٤٣ - ٢] [والدخان ١/ ٩٠ - ٢] في الزخرف والدخان.
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ -لَوْ تَعْلَمُونَ -عَظِيمٌ﴾ أي وإن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك. والضمير يرجع إلى القسم المفهوم من الكلام المتقدم.
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، أي إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم، كثير المنافع والفوائد، لما فيه من الهدى والعلم والحكمة والإرشاد إلى سعادة الدنيا والآخرة. وهذه الصفة الأولى للقرآن.
والمناسبة واضحة بين المقسم به وهو النجوم، وبين المقسم عليه وهو القرآن، لأن النجوم تضيء الظلمات، وآيات القرآن تنير الطريق، وتبدد ظلمات الجهل والضلالة، والأولى ظلمات حسية، والثانية ظلمات معنوية.
﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ هذه ثلاث صفات أخرى للقرآن العظيم: وهي أنه في اللوح المحفوظ مصون مستور لا يطلع عليه إلا الملائكة المقربون، وهم الكروبيون، ولا يمسه في السماء إلا الملائكة الأطهار، ولا يمسه في الدنيا إلا المطهرون من الحدثين: الأصغر
стр. 8159
والأكبر، أي الحدث والجنابة، وهو منزل من الله تعالى، فليس بسحر ولا كهانة ولا شعر ولا قول بشر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حق نافع.
ويدل فحوى الآية على أنه لا يمس القرآن كافر ولا جنب ولا محدث،
روى مالك في موطئه وابن حبان في صحيحة: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ألا يمس القرآن إلا طاهر.
وروى أبو داود في المراسيل وأصحاب السنن من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عبد أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ قال: «ولا يمس القرآن إلا طاهر» وأسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص، لكن في إسناد كل منهما نظر.
وعدم مس المحدث للمصحف أمر يكاد يجمع عليه العلماء، وأجاز بعض الفقهاء وهم المالكية مس المحدث له لضرورة التعلم والتعليم. لكن رجح العلماء أن المراد من الكتاب: الكتاب الذي بأيدي الملائكة، على نحو ما هو مذكور في قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٣/ ٨٠ - ١٦] لأن الآية سيقت تنزيها للقرآن عن أن تنزل به الشياطين، ولأن السورة مكية، وأغلب عناية القرآن المكي في أصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما الأحكام الفرعية ففي القرآن المدني، ولأن قوله ﴿مَكْنُونٍ﴾ معناه مصون مستور عن الأعين لا تناله أيدي البشر، ولو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن وصفه بكونه مكنونا فائدة كبيرة.
ثم وبخ الله تعالى المتهاونين بشأن القرآن، فقال:
﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ أي أبهذا القرآن الموصوف بالأوصاف الأربعة السابقة متهاونون، تمالئون الكفار على الكفر، وتركنوا إليهم؟ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي وتجعلون شكر رزقكم من السماء وهو
стр. 8160
المطر، أو من الأرض وهو الزرع أنكم تكذبون بنعمة الله وبالبعث وبما دل عليه القرآن، فتضعون التكذيب موضع الشكر؟ ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر!! ثم وبخ الله تعالى المشركين على ما يعتقدون، فقال:
﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ، وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أي فهلا إذا وصلت الروح أو النفس الحلق حين الاحتضار، وأنتم ترون المحتضر قد قارب فراق الحياة، تنظرون إليه وما يكابده من سكرات الموت، ونحن بالعلم والقدرة والرؤية وبملائكتنا أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون ملائكة الموت الذين يتولون قبضه. وجواب ﴿فَلَوْلا﴾ سيأتي بعد وهو ﴿تَرْجِعُونَها﴾.
ثم أكّد الله تعالى الحث والتحضيض، فقال:
﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين ولا مبعوثين، تمنعون موته، وترجعون الروح التي قد بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم لن تبعثوا وأنكم غير مربوبين ولا مملوكين للخالق؟ والمعنى المراد: أنه إذا لم يكن لكم خالق، وأنتم الخالقون، فلم لا ترجعون الأرواح إلى أجسادها حين بلوغها الحلقوم؟! وإن صدقتم ألا بعث، فردوا روح المحتضر إلى جسده، ليرتفع عنه الموت، فينتفي البعث؟ أي إن تحقق الشرطان أو الوصفان منكم: إن كنتم غير مدينين، وإن كنتم صادقين فردوا روح الميت إليه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، وَقِيلَ: مَنْ راقٍ؟
стр. 8161
وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ، وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ [القيامة ٢٦/ ٧٥ - ٢٩].
ثم بيّن الله تعالى مصائر هؤلاء الناس عند احتضارهم وبعد وفاتهم، وجعلهم أقساما ثلاثة فقال:
١ - ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ، وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي إن كان المحتضر أو المتوفى من فئة السابقين المقربين: وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وبعض المباحات، وهم الصنف الأول في مطلع السورة، فلهم راحة، واستراحة وطمأنينة من أحوال الدنيا، ورزق واسع ونعيم في الجنة، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت. والروح:
الاستراحة، وهو يعم الروح والبدن، والريحان: الرزق، وهو للبدن، وجنة النعيم للروح، يتنعم بلقاء المليك المقتدر. يروى: أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه. فاللهم اجعلنا من هؤلاء يا ذا الجلال والإكرام.
٢ - ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ أي وأما إن كان المحتضر أو المتوفى من أهل اليمين: وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، فتبشرهم الملائكة بذلك، وتقول لهم: سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين، وذلك لأنك ستكون معهم، فيستقبلونك بالسلام.
وذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٠/ ٤١ - ٣٢].
стр. 8162
٣ - ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي وإن كان المتوفى أو المحتضر من المكذبين بالحق والبعث، الضالين عن الهدى، وهم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم، فله ضيافة أو نزل يعد له من حميم: وهو الماء الشديد الحرارة، بعد أن يأكل من الزقوم، كما تقدم بيانه، ثم استقرار، وزج له في النار التي تغمره من جميع جهاته.
ثم حسم الله تعالى الأمر وأبان مدى صحة الخبر، فقال:
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي ن هذا الخبر والمذكور في هذه السورة من أمر البعث وغيره لهو محض اليقين وخالصة، والحق الثابت الذي لا شك فيه ولا ريب، ولا محيد لأحد عنه.
ثم أمر الله نبيه بما يكمل نفسه، فقال:
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي نزّه الله عما لا يليق بشأنه، لما علمت من أخبار علمه وقدرته. والباء في قوله: ﴿بِاسْمِ﴾ زائدة، أي سبّح اسم ربك، والاسم: المسمى.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال:
«اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾
قال رسول الله ﷺ : «اجعلوها في سجودكم».
والفرق بين العظيم والأعلى: أن العظيم يدل على القرب، والأعلى يدل على البعد، فهو سبحانه قريب من كل ممكن، وقريب من الكل، وهو أعلى من أن يحيط به إدراكنا، وفي غاية البعد عن كل شيء.
أخرج الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 8163
«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن:
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - أقسم الله تعالى بمساقط النجوم ومغاربها، وهو قسم عظيم لو يعلم الناس، على أن القرآن قرآن كريم، كثير النفع، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه ﷺ ، وهو كريم على المؤمنين، لأنه كلام ربهم، وشفاء صدروهم، كريم على أهل السماء، لأنه تنزيل ربهم ووحيه.
قال القشيري عن صيغة القسم: ﴿فَلا أُقْسِمُ..﴾.: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة.
٢ - وصف الله تعالى القرآن في هذه الآيات بأربع صفات: هي أنه كريم، أي كثير الخير والنفع والفائدة، وفي كتاب مكنون، أي في اللوح المحفوظ، مصون عند الله تعالى، ومحفوظ عن الباطل والتغيير والتبديل، ولا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة، ومنزل من رب العالمين.
والأصح أن المراد من الكتاب المكنون: اللوح المحفوظ. والضمير في ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ للكتاب.
أما مس المصحف على غير وضوء، فالجمهور ومنهم أئمة المذاهب الأربعة على المنع من مسّه،
لحديث عمرو بن حزم المتقدم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» وأجاز المالكية مسّ القرآن للمحدث لضرورة التعلم والتعليم.
وروي عن الحكم وحماد وداود بن علي الظاهري: أنه لا بأس بحمل القرآن
стр. 8164
ومسّه للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي ﷺ إلى قيصر، ورد عليهم بأنه موضع ضرورة، فلا حجة فيه. فيكون المنع من مس المصحف للمحدث ثابتا بالسنة، وليس مأخوذا من صريح الآية.
٣ - بعد إثبات النبوة وصدق الوحي والقرآن الكريم وبّخ الله تعالى المتهاونين بالقرآن المكذبين به، وهذا قلب للأوضاع، فإن الجاحدين جعلوا شكر الرزق من الله والإنعام هو التكذيب، فوضعوا الكذب مكان الشكر، كقوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال ٣٥/ ٨] أي لم يكونوا يصلّون، ولكنهم كانوا يصفّرون ويصفّقون مكان الصلاة.
قال القرطبي: وفي هذا بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها، تعبّدا له وتذللا (١).
٤ - تحدى الله منكري البعث بأنهم إن كانوا صادقين في زعمهم ألا بعث، وأنهم غير مجزيين ولا محاسبين ولا مبعوثين يوم المعاد، فليمنعوا الموت عن الإنسان حين الاحتضار، وليردوا الروح إليه إذا بلغت الحلقوم، وإذا انتفى الموت انتفى البعث، والحق أنهم عاجزون عن ذلك، لا يقدرون على شيء من هذا، وهم ينظرون إلى المحتضر محزونين آيسين، والله سبحانه أقرب إلى المحتضر بالقدرة والعلم والرؤية، ولكن الحاضرين حوله لا يدركون ذلك، ولا يرون الملائكة الرسل الذين يتولون قبض الروح.
٥ - الناس عند الاحتضار ثم الوفاة أصناف ثلاثة: المقربون السابقون،
стр. 8165
وأهل اليمين، وأهل الشمال. أما المقربون فلهم الرحمة والاستراحة، والرزق الواسع، والتنعم المطلق في الجنة، ورؤية الله ، فلا يحجبون عنه.
وأما أصحاب اليمين، فإنهم يسلمون من عذاب الله، ويسلم الله عليهم، وتسلّم الملائكة أيضا عليهم قائلين لهم: سلام لك من إخوانك أصحاب اليمين.
قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وكذلك يسلم عليهم منكر ونكير عند المساءلة في القبر، وتسلم عليهم الملائكة عند البعث في القيامة، قبل الوصول إليها.
فالملائكة تسلم على صاحب اليمين في المواطن الثلاثة، ويكون ذلك إكراما بعد إكرام (١).
وأما أصحاب الشمال المكذبون بالبعث، الضالون عن الهدى وطريق الحق، فلهم رزق من حميم: ماء تناهي حره، وإدخال في النار.
٦ - إن جميع هذا المذكور في هذه السورة محض اليقين وخالصة، وهو الحق الثابت الذي لا شك فيه، ولا محيد عنه. قال قتادة في هذه الآية: إن الله ليس بتارك أحدا من الناس حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين.
٧ - أمر الله نبيه والمؤمنين من بعده بأن ينزه الله تعالى عن السوء وعن كل ما لا يليق به، ما دام الحق قد ظهر، واستبان اليقين، وبطل زيف الكفار والمشركين.
стр. 8166
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الحديد
مكيّة، وهي تسع وعشرون آية.
مدنيتها:
هي كما ذكر القرطبي مدنية في قول الجميع، وهو الظاهر، وقيل: إنها مكية وهو رأي مرجوح.
تسميتها:
سميت سورة الحديد، للإشارة في الآية (٢٥) منها إلى منافع الحديد، واعتماد مظاهر المدنية والعمران والحضارة عليه، سواء في السلم والحرب.
مناسبتها لما قبلها:
وجه اتصال هذه السورة بالواقعة من ناحيتين.
١ - ختمت سورة الواقعة بالأمر بالتسبيح، وبدئت هذه بذكر التسبيح من كل ما في السموات والأرض.
٢ - إن سورة الحديد واقعة موقع العلة للأمر بالتسبيح في الواقعة، فكأنه قيل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ لأنه سبح له ما في السموات والأرض، فالله أمر بالتسبيح، ثم أخبر أن التسبيح المأمور به قد فعله، والتزمه كل ما في السموات والأرض.
стр. 8167
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعقيدة والإيمان، والجهاد والإنفاق في سبيل الله، والترفع عن مفاتن الدنيا، وبيان أصول الحكم الإسلامي، وكشف مخازي المنافقين، وشرائع الأنبياء في الحياة الخاصة والعامة.
ابتدأت بالحديث عن صفات الله وأسمائه الحسنى، وظهور آثار عظمته في خلق الكون. ثم دعت المسلمين إلى الإنفاق في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإعزاز الإسلام، ورفع مجده وشأنه.
وقارنت أثر هذه الدعوة إلى البذل والجهاد بين المؤمنين المجاهدين الذين يتميزون بأنوارهم في الآخرة، وبين المنافقين الذين يبخلون ويجبنون، ويتخبطون في ظلمات الجهل والكفر.
ثم أبانت السورة حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، فالدنيا دار الفناء واللهو واللعب، والآخرة دار الخلود والبقاء والسعادة والراحة الكبرى، وفي ذلك تحذير من الاغترار بالدنيا، وترغيب في الآخرة والعمل من أجلها. ونصحت المؤمنين بالصبر على المصائب، وذمت أهل الاختيال والكبر والبخلاء، وحضّت على العدل وعمارة الكون، وأبانت الغاية من بعثة الرسل الكرام، وأمرت بتقوى الله، واتّباع هدي الرسل والأنبياء.
وختمت السورة بالاعتبار بالأمم السابقة، وبقصص نوح وإبراهيم وأحفادهم الرسل، وبقصة عيسى بن مريم، وموقف أتباعه من دعوته، وأوضحت ثواب المتقين، ومضاعفة أجر المؤمنين برسلهم، وأبانت أن الرسالة اصطفاء من الله، وفضل يختص به من يشاء من عباده.
стр. 8168
فضلها:
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عرباض بن سارية أنه حدّث أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد، وقال: «إن فيهن آية أفضل من ألف آية» وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
التسبيح لله في جميع الأوقات وأسبابه
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾
الإعراب:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف متعلق بفعل مقدر، تقديره: وهو شاهد معكم.
البلاغة:
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ وبين ﴿الظّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ و ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ بينهما مقابلة. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فيه رد العجز على الصدر.
стр. 8169
المفردات اللغوية:
﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ أي نزهه كل شيء من كل نقص وعما لا يليق به من صفات الحوادث كالشريك والولد، وإنما عدّي باللام وهو معدّى بنفسه، مثل نصحت له ونصحته، إشعارا بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصا لوجهه. وذكر في القرآن: ﴿سَبَّحَ﴾ كما في آخر السورة السابقة الواقعة وأول الأعلى للأمر بالتسبيح، وذكر هنا وفي الحشر والصف بلفظ الماضي، وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع، إشعارا بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته، وكله يدل على الديمومة والاستمرار، وأن ذلك ديدن من في السموات والأرض، وجاء بلفظ المصدر ﴿سُبْحانَ﴾ أول الإسراء، إشعارا بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال.
﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ جيء ب ﴿ما﴾ وليس «من» تغليبا للأكثر من غير العقلاء.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ القوي في ملكه فلا ينازعه فيه شيء، الحكيم في صنعه، والجملة حال يشعر بما يدل على أنه الأهل للتسبيح مع استغنائه. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي إن سبب التسبيح كونه تعالى مالكا السموات والأرض، وله تمام التصرف في الملك، وهو إيجاد ما شاء، وإعدام ما شاء بقدرته على الإحياء والإماتة. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر تام القدرة على كل شيء من الإحياء والإماتة وغيرهما.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ السابق على سائر الموجودات، والموجود قبل كل شيء بلا بداية، لأنه موجد الأشياء ومحدثها. ﴿وَالْآخِرُ﴾ الباقي بعد فناء الموجودات، والموجود بعد كل شيء بلا نهاية.
﴿وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ﴾ الظاهر وجوده لكثرة دلائله، والباطن: حقيقة ذاته، فلا تحيط به العقول والحواس، وخفيت عنه ذاته، فهو ظاهر بآثاره وأفعاله، وباطن بذاته. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ ستة أطوار. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الكرسي استواء يليق به. ﴿يَلِجُ﴾ يدخل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من كنوز ومعادن وبذور ومطر وأموات. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ كالنبات والمعادن لمنفعة الناس.
﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ كالمطر والرحمة والملائكة والعذاب وغير ذلك. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ كالأبخرة والأعمال والدعوات. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ أي بعلمه وقدرته، لا يفارقكم بحال، فليس المراد المعية بالذات. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، وتقديم الخلق في الآية على العلم، لأنه دليل عليه.
﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الموجودات جميعها. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يدخل أحدهما في الآخر بالزيادة والنقص، فيزيد الليل وينقص النهار تارة، وعلى العكس تارة أخرى. ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما فيها من الأسرار والمكنونات، والنوايا والخفايا والمعتقدات.
стр. 8170
التفسير والبيان:
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي نزّه الله تعالى عن كل نقص وعما لا يليق به كل شيء في السموات والأرض من الجماد والنبات والإنسان والحيوان، تعظيما له وإقرارا بربوبيته، سواء بلسان المقال، كتسبيح الملائكة والإنس والجن، أو بلسان الحال، كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود يدل على الصانع، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧] فتسبيح العقلاء: تنزيه وتقديس وعبادة، وتسبيح غيرهم إقرار واعتراف بالصانع.
والله هو القوي القادر الغالب الذي خضع له كل شيء، ولا ينازعه أحد في ملكه، الحكيم في تدبيره وأمره وخلقه وشرعه، يتصرف على وفق الحكمة والصواب. وهذه الجملة مستأنفة بمنزلة التوكيد المعنوي لما قبلها، تدل على أنه تعالى مبدأ التسبيح مع الاستغناء عنه.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي لله تعالى الملك المطلق للسموات والأرض، يتصرف فيهما وحده، وله السلطان التام، وهو نافذ الأمر، فلا ينفذ غير تصرفه، وهو المالك المتصرف في خلقه، فيحيي من يشاء، ويميت من يشاء، ويعطي من يشاء ما يشاء، وهو تام القدرة، لا يعجزه شيء، كائنا ما كان، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي الله هو الأول قبل كل شيء، قيل، وهو غير
حديث: «كنت كنزا مخفيا، فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني» وهو الآخر الباقي بعد كل شيء، بعد فناء خلقه، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨/ ٢٨].
стр. 8171
وهو الظاهر العالي فوق كل شيء، الغالب على كل شيء، والباطن العالم بما بطن، ولا تعرف العقول ذاته على حقيقتها، ولا تدركه الحواس، وهو ذو علم تام بكل شيء، لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر».
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي الله الذي أوجد وأبدع السموات والأرض في أيام ستة الله أعلم بمقدارها، وفي ستة أطوار مختلفة، وهو القادر على خلقها في لحظة، ولكن هذا العدد لتعليم العباد التأني والتثبت في الأمور، ثم استوى على العرش أي الكرسي استواء يليق به، على نحو يريده، مما لا يعلم به إلا هو، وهذا رأي السلف، وهو الأولى احتياطا، ورأي الخلف تأويل الاستواء على العرش بتدبير الأمر وتفصيل الآيات والاستيلاء على مقاليد السلطة.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ أي يعلم كل شيء، يدخل في الأرض من مطر وأموات وغير ذلك، ويخرج منها من نبات وزرع وثمار ومعادن وغيرها، وما ينزل من السماء من مطر وملائكة وغير ذلك، وما يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال العباد الصالحة والسيئة، والدعوات، والأبخرة المتصاعدة ونحو ذلك،
جاء في الحديث الصحيح: «يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل».
ونظير الآية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩/ ٦].
стр. 8172
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي والله سبحانه مع عباده بقدرته وسلطانه وعلمه، أينما كانوا في البر والبحر والجو، والله رقيب عليهم بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها.
قال أبو حيان: وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات، وهي حجة على من منع التأويل في غيرها، مما يجري مجراها من استحالة الحمل على ظاهرها (١).
﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي هو المالك للدنيا والآخرة. كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ [الليل ١٣/ ٩٢] فلا راد لقضائه، ولا معقّب لحكمه، وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص ٧٠/ ٢٨] ومرجع جميع الأمور إلى الله وحده لا إلى غيره يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور، ولا يظلم مثقال ذرة.
وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ.﴾. هذا التكرير للتأكيد، أو أنه وما بعده ليس بتكرار، لأن الكلام الأول في الدنيا لقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ والثاني في العقبى والآخرة لقوله: ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي إن الله سبحانه هو المتصرف في الخلق، يقلّب الليل والنهار، ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل، ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتتوالى الفصول الأربعة بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه، وهو يعلم السرائر وضمائر الصدور ومكنوناتها، وإن خفيت، لا يخفى عليه من ذلك خافية، سواء الظاهر والباطن.
стр. 8173
وهذا حث على التأمل في ملكوت الله، وشكر على ما أنعم، وتنزيه على كل ما لا يليق به. والخلاصة: أن هذه الآيات إخبار بتسبيح كل شيء الله، وبيان موجبات التسبيح.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - مجّد الله ونزّهه عن السوء في الذات والصفات والأسماء والأفعال كلّ شيء في الأرض والسماء، سواء بالنطق والمقال الصريح، أم بلسان الحال والدلالة وظهور آثار الصنعة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].
٢ - إن موجبات التسبيح كون الله العزيز الغالب في ملكه، الحكيم في صنعه، المالك المتصرف في السموات والأرض، المستغني في ذاته وفي جميع صفاته عن كل ما عداه، ويحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم وفي صفاتهم، والنافذ الأمر، المالك القادر القاهر، الذي لا يعجزه شيء.
٣ - ومن موجباته أيضا أنه سبحانه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الغالب الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهو تام العلم بما كان أو يكون، فلا يخفى عليه شيء.
وهذا دليل على أنه تعالى قبل كل شيء، ومتقدم على ما سواه تأثيرا وطبعا وشرفا ومكانا وزمانا، أي أنه سبحانه قبل المكان وقبل الزمان. وهو إله لجميع الممكنات والكائنات، وإله للعرش والسموات والأرضين، وعالم بظواهرنا وبواطننا.
٤ - ومما يوجب تسبيحه أنه خالق السموات والأرض ومبدعهما، صاحب
стр. 8174
العرش الذي استوى عليه استواء يليق به، العالم بما يدخل في الأرض من مطر وغيره، وما يخرج منها من نبات وغيره، وما ينزل من السماء من رزق ومطر وملائكة، وما يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد، وهو مع خلقه بقدرته وسلطانه وعلمه، لا بذاته، أينما كانوا، ويبصر أعمالهم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها.
٥ - ومن موجبات التسبيح أنه سبحانه المالك للدنيا والآخرة، وترجع إليه أمور الخلائق في الآخرة. وهو يقلب الليل والنهار طولا وقصرا، ويأتي بالفصول الأربعة، ولا تخفى عليه الضمائر، فهو إذن المعبود على الحقيقة، فلا يجوز أن يعبد من سواه.
والخلاصة: أن هذه الآيات جامعة بين الدلالة على قدرة الله، وبين إظهار نعمه، والمقصود من إعادة بعض معانيها في رأي القائلين بالتكرار الحث على النظر والتأمل، ثم الاشتغال بالشكر على تلك النعم.
بعض التكاليف الدينية
الحث على الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وعلى الإنفاق
﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾
стр. 8175
الإعراب:
﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ ﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ في قراءة: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من معنى الفعل في ﴿ما لَكُمْ﴾، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال، والواو: واو الحال، وتقديره: ما لكم غير مؤمنين بالله تعالى، والرسول ﷺ في هذه الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرئ: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ.﴾. والمعنى:
وأي عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم إليه، وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج.
﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ ﴿كُلاًّ﴾: منصوب ب ﴿وَعَدَ﴾ و ﴿الْحُسْنى﴾: منصوب مفعول ثان ل ﴿وَعَدَ﴾ وقرئ: وكل على أنه مبتدأ، و ﴿وَعَدَ﴾: خبره، وقدر في ﴿وَعَدَ﴾ هاء، أي وعده الله، أو خبر مبتدأ محذوف، أي أولئك كل وعد الله، و ﴿وَعَدَ﴾:
صفة ل ﴿كُلاًّ﴾.
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ و ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال، لأن ﴿تَرَى﴾ بصرية لا قلبية.
﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ﴾ تقديره: دخول جنات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، لأن البشارة إنما تكون بالأحداث، لا بالجثث.
البلاغة:
﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ فيه حذف بالإيجاز، تقديره: ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، لدلالة الكلام عليه بعدئذ، ولوضوحه.
стр. 8176
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة، حيث استعار ﴿الظُّلُماتِ﴾ للكفر والضلالة، و ﴿النُّورِ﴾ للإيمان والهداية.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ استعارة تمثيلية، مثل حال المنفق بإخلاص بمن يقرض ربه قرضا واجب الوفاء.
المفردات اللغوية:
﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ صدقوا بوحدانية الله تعالى وبرسوله ﷺ ، وداوموا على الإيمان بهما.
﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أنفقوا في سبيل الله من الأموال التي جعلكم خلفاء في التصرف فيها، فهي في الحقيقة له، لا لكم، وسيخلفكم بدلا عنها، وفيه حث على الإنفاق وتهوين له على النفس. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هذا وعد فيه عدة مبالغات هي جعل الجملة اسمية، وإعادة ذكر الإيمان والإنفاق، وبناء الحكم على الضمير، وتنكير كلمة الأجر، ووصفه بالكبر.
﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ خطاب للكفار، أي لا مانع لكم من الإيمان. ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ أخذه الله عليكم في عالم الذر حين أشهدكم على أنفسكم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وكذلك بعد وجودكم، إذ أقام الأدلة على وجوده وتوحيده في الأنفس والآفاق، ومكنكم من النظر بالعقل والتفكير. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مريدين الإيمان به، فبادروا إليه.
﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ هي آيات القرآن. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ الله تعالى، أو عبده محمد ﷺ . ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ﴿وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ﴾ في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان. ﴿لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث نبّهكم بالرسل والآيات، ولم يقتصر على الحج العقلية.
﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي وما لكم بعد إيمانكم ألا تنفقوا في سبيل الجهاد وفيما يكون قربة إليه. ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي أنه يرث كل شيء فيهما، ولا يبقى لأحد مال، وإذا كان الأمر كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقى، وهو الثواب، كان أولى.
﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾ أي لا تساوي بين المنفق قبل فتح مكة وقاتل الأعداء، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، لوجود السبق في الإيمان، وقوة اليقين، وتحرّي المصالح العامة للمسلمين. وذكر القتال للاستطراد. والمراد بالفتح فتح مكة الذي أعز الله به الإسلام، وكثر أهله، وقلّت الحاجة إلى الإنفاق والمقاتلة. ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي وكلاّ من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بأعمالكم الظاهرة والباطنة، فمجازيكم على حسبها.
стр. 8177
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ... ؟﴾ أي ينفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه، فإنه كمن يقرضه. ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ خالصا لله. ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ يعطي أجره أضعافا. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مقترن بالرضا والقبول. ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم. ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ كتبهم، لأنهم يؤتون صحائف أعمالهم من الأمام واليمين. ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ﴾ أي تتلقاهم الملائكة تبشرهم بدخول الجنات، وبشراكم أي ما تبشرون به.
سبب النزول:
نزول الآية (٧):
﴿آمِنُوا بِاللهِ﴾: نزلت في غزوة العسرة، وهي غزوة تبوك.
نزول الآية (١٠):
﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ.﴾.: ذكر الواحدي عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁.
وذكر أيضا
عن ابن عمر قال: بينا النبي ﷺ جالس، وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلّلها على صدره بخلال، إذ نزل عليه جبريل ﵇، فأقرأه من الله السلام، وقال: يا محمد، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّلها على صدره بخلال؟ فقال: يا جبريل، أنفق ماله قبل الفتح عليّ، قال: فأقرئه من الله السلام، وقل له: يقول لك ربك:
أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أبي بكر فقال:
يا أبا بكر، هذا جبريل يقرئك من الله سبحانه السلام، ويقول لك ربك:
أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فبكى أبو بكر، وقال: على ربي أغضب، أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض (١).
стр. 8178
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أدلة إثبات وحدانيته وعلمه وقدرته، بمشاهد في السموات والأرض والأنفس، أتبعها ببعض التكاليف الدينية، فأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ وباستدامته والإخلاص فيه، ثم طلب من المؤمنين الإنفاق في سبيل الله، وأخبر بمضاعفة الأجر عليه، وأبان أن آياته تخرج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وفضّل السابقين الأولين إلى الإسلام الذين أسلموا وأنفقوا قبل فتح مكة، ثم أكد الحث على الإنفاق مرة أخرى.
التفسير والبيان:
﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي صدّقوا بالتوحيد وبصحة رسالة محمد ﷺ على الوجه الأكمل، وداوموا واثبتوا على ذلك، وأنفقوا من مال الله الذي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه.
ثم رغب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، مبينا أن الذين جمعوا بين الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وبين الإنفاق في سبيل الله، لهم ثواب كثير الخير والنفع وهو الجنة.
أخرج أحمد عن عبد الله بن الشّخّير قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: «ألهاكم التّكاثر، يقول ابن آدم، مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت» ورواه مسلم أيضا وزاد: «وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس».
ثم وبخهم الله تعالى على ترك الإيمان، فقال:
стр. 8179
﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟﴾ أي، وأيّ شيء يمنعكم عن الإيمان، والرسول معكم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، بتلاوة القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة، وقد أخذ الله ميثاقكم بأن تؤمنوا في عالم الذر حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، وبما أقام لكم في الكون والآفاق والأنفس من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان، وكذا ما ترشد إليه العقول السليمة، إن كنتم مريدين الإيمان، فبادروا إليه. فهذا توبيخ على ترك الإيمان بشرطين: أحدهما-أن يدعو الرسول ﷺ ، والثاني-أنه أخذ الميثاق عليهم.
أخرج البخاري في صحيحة أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم أيمانا؟ قالوا: الملائكة، قال: وما لهم لا يؤمنون، وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء، قال: وما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم، قالوا: فنحن، قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها».
ثم أوضح الله تعالى الغاية من إنزال القرآن لقطع عذرهم، فقال:
﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي إن الله أراد بإنزال الآيات البينات الواضحات التي هي القرآن وغيره من المعجزات أن يخرجكم من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين والإيمان، وإن الله لكثير الرأفة والرحمة بعباده، حيث أنزل الكتب، وبعث الرسل، لهدايتهم، وأزال الموانع والشّبه، وأزاح العلل.
وبعد أن أمرهم بالإيمان والإنفاق، وحثهم عليهما، ووبخهم على ترك الإيمان، وبخهم على ترك الإنفاق، فقال:
стр. 8180
﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي، أيّ عذر لكم وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في طاعة الله ومرضاته والجهاد من أجله، فأنفقوا ولا تخشوا فقرا، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض، وهو متصرف فيهما وعنده خزائنهما، وكل الأموال صائرة إلى الله سبحانه، إن لم تنفقوها في حياتكم، كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لكم منه شيء، فالمال مال الله، والله يقول: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ ٣٩/ ٣٤] ويقول: ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ، وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ﴾ [النحل ٩٦/ ١٦]. وهكذا أمر الله أولا بالإيمان والإنفاق، ثم أكد إيجاب الإيمان، ثم أكد في هذه الآية إيجاب الإنفاق.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن الإنفاق فضيلة، بيّن أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، وأن للمنفقين درجات بحسب أحوالهم، فقال:
﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا﴾ أي لا تساوي بين من أنفق في سبيل الله قبل فتح مكة وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، أولئك الأولون أعظم درجة من الآخرين، لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف، ولا يجدون من المال إلا قليلا، أما بعد الفتح فقد كثر المسلمون، وزاد الخير.
﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة، مع تفاوت الدرجات، والله عليم بأعمالكم وأحوالكم الظاهرة والباطنة، فيجازيكم بذلك، إذ لا يخفى عليه شيء مما أنتم عليه.
أخرج الإمام أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام
стр. 8181
سبقتمونا بها، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «دعوا لي أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أحد، أو مثل الجبال ذهبا، ما بلغتم أعمالهم» (١).
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم، ولا نصيفه».
ثم بيّن الله تعالى ثمرة الإنفاق، فقال:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، محتسبا أجره عند ربه، فإنه كمن يقرضه قرضا حسنا، أي بلا منّ ولا أذى، طيبة به نفسه، فإن الله يضاعف له ذلك القرض، فيجعل له الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، على اختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان، وله بعد ذلك ثواب كثير الخير والنفع وجزاء كريم جميل، وهو الجنة.
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي-بستاني-وله حائط فيه ست مائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال:
اخرجي، فقد أقرضته ربي .
وفي رواية: أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح، ونقلت منه متاعها
стр. 8182
وصبيانها، وإن رسول الله ﷺ قال: «كم من عذق (١) رداح في الجنة لأبي الدّحداح».
ثم أخبر الله تعالى عن حال المؤمنين المتصدقين يوم القيامة، فقال:
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ أي وله أجر كريم، أو اذكر تعظيما لذلك اليوم (٢) حين تنظر المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا يسعى الضياء الذي يرونه على الصراط يوم القيامة أمامهم، وتكون كتبهم بأيمانهم، أي تكون أعمالهم الصالحة سببا لنجاتهم، وهدايتهم إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [الانشقاق ٨/ ٨٤ - ٩]. وإنما قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ لأن ذلك أمارة النجاة.
والناس كما قال ابن مسعود في هذه الآية على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه، يتّقد مرة، ويطفأ مرة (٣). و
قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء، فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه».
﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ويقال لهم من قبل الملائكة: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا، تكريما وجزاء وفاقا لما قدمتم من صالح الأعمال،
стр. 8183
ذلك النور والبشرى هو النجاح العظيم الذي لا مثيل له، حتى كأنه لا فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه. ونظير الآية: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٤/ ١٣].
والخلاصة: أن الإيمان والإنفاق سبب لثلاثة أمور: النجاة يوم الحساب، وتبشير الملائكة بالجنة، والخلود في جنات النعيم. وقد دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال القيامة، لأنه تعالى بيّن أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
١ - وجوب الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ، أي التصديق بأن الله واحد لا شريك له، وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وهذا يقتضي الاشتغال بطاعة الله تعالى.
٢ - وجوب الإنفاق في سبيل الله، والمراد بذلك الزكاة المفروضة، وقيل:
المراد غيرها من وجوه الطاعات والقربات. وهذا يعني الأمر بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله تعالى.
٣ - دل قوله: ﴿مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ على أن أصل الملك لله سبحانه وأن العبد ليس له في ماله إلا التصرف الذي يرضي الله، فيثيبه على ذلك بالجنة.
فمن أنفق من ماله في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منه، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم.
وهذا دليل على أن الأموال ليست بأموال الناس في الحقيقة، وما هم إلا
стр. 8184
بمنزلة النواب والوكلاء، فليغتنم المؤمن الفرصة في الأموال بإقامة الحق قبل أن تزال عنه إلى من بعده.
٤ - للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، والذين أنفقوا في سبيل الّه أجر كبير وهو الجنة.
٥ - وبّخ الله على ترك الإيمان بالله تعالى، فأي عذر للناس في ألا يؤمنوا وقد أزيلت الموانع وأزيحت العلل؟ مع أن الرسول ﷺ يدعو بالبرهان الصحيح والدليل المقنع إلى الإيمان بالله، والله سبحانه أخذ الميثاق الأول على الناس حينما كانوا في ظهر آدم بأن الله ربهم، لا إله لهم سواه، ومن ميثاقهم أيضا ما أودع الله لهم من العقول والأفكار، وأقام الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول ﷺ ، فإذا كنتم أيها الناس مؤمنين بالحج والدلائل، فبادروا إلى الإيمان.
٦ - أيّد الله نبيه بما يدل على صدقه وبما يؤدي إلى إنجاح دعوته بالقرآن والمعجزات، فيلزم الناس بعدئذ الإيمان، لأن آيات القرآن البينات تخرج من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإيمان، وإن الله بالناس لرؤوف رحيم إذ أنزل لهم الكتب وبعث الرسل وأزال الموانع والعلل التي تمنع من الإيمان.
٧ - وبخ الله تعالى أيضا على عدم الإنفاق في سبيل الله تعالى، وفيما يقرب من الله سبحانه، فالناس جميعا يموتون، ويخلفون أموالهم، وهي صائرة إلى الله تعالى، كرجوع الميراث إلى المستحق له.
وهكذا أمرت الآيات بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكدت وجوب الإيمان وإيجاب الإنفاق، فهو ترتيب حسن بارع، انتقل فيه البيان من الأمر المفيد للوجوب إلى ذكر الرادع أو المؤيد، والتهديد على التقصير أو الإهمال.
стр. 8185
٨ - يكون ثواب الإنفاق أعظم إذا كانت الحاجة إليه أشد بسبب الأزمات والظروف الضيقة، لذا نفى الله سبحانه المساواة بين من أنفق من قبل فتح مكة وقاتل الأعداء، وبين من أنفق من بعد الفتح وقاتل، كما قال تعالى:
﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر ٢٠/ ٥٩] لأن المال كان أقل، والحاجة إلى النفقة أشد، والمسلمين قلة، أما بعد الفتح فكثر الخير، وقلّت الحاجة إلى الإنفاق، وكثر المسلمون.
روى أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يقدّم أهل الفضل والعزم، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ﴾. وقال الكلبي كما تقدم: نزلت في أبي بكر ﵁، ففيهما دليل واضح على تفضيل أبي بكر ﵁ وتقديمه، لأنه أول من أسلم. قال ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي ﷺ وأبو بكر، ولأنه أول من أنفق على نبي الله ﷺ .
والتقدم والتأخر يكون في أحكام الدنيا والدين، فقد قالت عائشة ﵂: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم، وأعظم المنازل مرتبة الصلاة.
وقال ﷺ في مرضه فيما رواه الشيخان والترمذي وأ بن ماجه عن عائشة: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»
وقال فيما رواه أحمد عن أنس: «يؤمّ القوم أقرؤهم للقرآن»
وقال فيما رواه الجماعة عن مالك بن الحويرث: «وليؤمّكما أكبركما» وقال مالك: إن للسن حقا، وراعاه الشافعي وأبو حنيفة، وهو أحق بالمراعاة، لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيّرين قدّم العلم. وأما أحكام الدنيا فهي مرتّبة على أحكام الدّين، فمن قدّم في الدين قدّم في الدنيا.
وفي الحديث الثابت الذي رواه الترمذي عن أنس: «ما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه».
وروى الترمذي أيضا عن أنس:
«ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا»
وفي رواية لأحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمرو: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا»
стр. 8186
وفي رواية أخرى لأحمد والحاكم عن عبادة بن الصامت: «ليس منا من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه».
٩ - وعد الله تعالى كلاّ من المتقدمين المتناهين السابقين، والمتأخرين اللاحقين الجنة، مع تفاوت الدرجات.
١٠ - ندب القرآن مرة أخرى في هذه الآيات إلى الإنفاق في سبيل الله، وأبان أن ثواب الصدقة التي يحتسب فيها المتصدق من قلبه بلا منّ ولا أذى مضاعف ما بين السبع إلى سبع مائة، إلى ما شاء الله من الأضعاف، بحسب الأحوال والأشخاص، ويكون للمنفق جزاء جميل، ورزق باهر، وهو الجنة يوم القيامة.
١١ - إن هذا الأجر الكريم والجزاء الجميل يكون للمؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا في سبيل الله، ويكون إيمانهم وعملهم الصالح سببا للنجاة واجتياز الصراط، وهو الضياء الذي يمرون فيه، ويكون أمامهم، وتكون كتب أعمالهم بأيمانهم، وتبشرهم الملائكة بدخول الجنة خالدين فيها أبدا، ولا تنالهم أهوال القيامة، ويدخلون الجنة، وذلك هو الفوز الأكبر.
حال المنافقين يوم القيامة
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَاِرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾
стр. 8187
الإعراب:
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: ظرف، وعامله ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أو بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول.
﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ وراء هنا: اسم ل ﴿اِرْجِعُوا﴾ وليس بظرف ل ﴿اِرْجِعُوا﴾ قبله، فلا يكون ظرفا للرجوع لقلة الفائدة فيه، لأن لفظ الرجوع يغني عنه، ويقوم مقامه.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ الباء: زائدة، وسور: في موضع رفع، لأنه نائب فاعل.
﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ ﴿مَوْلاكُمْ﴾: إما مصدر مضاف إلى المفعول، ومعناه: تليكم وتمسكم، أو معناه: أولى بكم، وأنكر بعضهم هذا الوجه، وقال: إنه لا يعرف المولى بمعنى الأولى.
البلاغة:
﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أسلوب تهكمي، أي لا ولي لكم ولا ناصر إلا نار جهنم.
﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ ... ﴿وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ سجع مرصع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿اُنْظُرُونا﴾ انتظرونا أو أبصرونا، لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، وقرئ:
«أنظرونا»، أي أمهلونا أو انتظرونا. ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ نستضيء بنوركم، من الاقتباس:
طلب القبس، أي الجذوة من النار، والمراد هنا نأخذ القبس والإضاءة. ﴿قِيلَ﴾ لهم، استهزاء بهم. ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ إلى الدنيا. ﴿فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ أي إلى حيث شئتم، فاطلبوا نورا آخر، فإنه لا سبيل لكم إلى هذا، وهذا تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو من الملائكة. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ ضرب بحائط أو حاجز بين المؤمنين والمنافقين، قيل: هو سور الأعراف. ﴿لَهُ بابٌ﴾ يدخل فيه المؤمنون. ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ باطن السور أو الباب من جهة المؤمنين لأنه يلي الجنة. ﴿وَظاهِرُهُ﴾ من جهة المنافقين، لأنه يلي النار. ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ من جهته.
стр. 8188
﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي ألسنا على دينكم وعلى الطاعة؟ أي في الظاهر. ﴿بَلى﴾ أي كنتم معنا. ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ بالنفاق وأهلكتموها بالمعاصي. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر.
﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في دين الإسلام وفي أمر البعث. ﴿الْأَمانِيُّ﴾ الآمال والأطماع كامتداد العمر وانتكاس الإسلام. ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ الموت. ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان. ﴿فِدْيَةٌ﴾ فداء يفتدي به، وهو ما يبذل من المال لحفظ النفس من الهلاك. ﴿مَأْواكُمُ النّارُ﴾ منزلكم الذي تأوون إليه.
﴿مَوْلاكُمْ﴾ التي تليكم أو أولى بكم. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النار.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى حال المؤمنين المنفقين يوم القيامة، وأن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ليرشدهم إلى الجنة، فهو أمارة النجاة، بيّن حال المنافقين في ذلك اليوم، وأنهم يلتمسون عون المؤمنين لهم، فيجابون بالخيبة واليأس، وألا أمل لهم في النجاة، وأن النار هي مأواهم وأولى بهم، وذلك يدل على أنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله تعالى ورسوله ﷺ إيمانا حقا، وعمل بما أمر الله به، وترك ما عنه زجر.
التفسير والبيان:
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا: اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي في ذلك اليوم يوم القيامة يقول المنافقون والمنافقات للمؤمنين الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم: أيها المؤمنون الناجون انتظرونا لعلنا نستضيء بنوركم، ونخرج من هذا الظلام الحالك، والعذاب الأليم المنتظر.
قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار، والمنافقون يطلبونها منهم قائلين: ﴿اُنْظُرُونا﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم، والنور قدامهم، استضاؤوا بتلألؤ تلك الأنوار.
فيجابون بما يخيب آمالهم، كما قال تعالى:
стр. 8189
﴿قِيلَ: اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ، فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ أي تقول لهم الملائكة أو المؤمنون: ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان والأعمال الصالحة. وفي هذا تهكم بهم واستهزاء بطلبهم، كما كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدنيا، حين كانوا يقولون: آمنا، وما هم بمؤمنين.
ثم يحسم الله الموقف وهذه المحاورة بقوله:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ، لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ أي فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين حاجز، باطن ذلك السور، وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة، فيه الرحمة، وهي نعم الجنة، والجانب الذي يلي أهل النار، من جهته عذاب جهنم.
ثم يذكر الله تعالى حال المنافقين واستغاثاتهم، فيقول:
﴿يُنادُونَهُمْ: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ قالُوا: بَلى، وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ، حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ، وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي ينادي المنافقون المؤمنين قائلين لهم: ألم نكن معكم في الدار الدنيا، نوافقكم في أعمالكم، نشهد معكم الجمعات، ونصلّي معكم الجماعات في المساجد، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم معارك الجهاد، ونؤدي معكم سائر الواجبات، ونعمل بأعمال الإسلام كلها؟ فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم فتنتم أنفسكم بالنفاق وإبطان الكفر، وأهلكتموها باللذات والمعاصي والشهوات، وأخرتم التوبة، وتربصتم الدوائر وحوادث الدهر بالمؤمنين، وبالحق وأهله، وشككتم في أمر الدين والبعث بعد الموت، ولم تصدّقوا ما نزل به القرآن، ولا آمنتم بالمعجزات الظاهرة.
стр. 8190
وغرتكم الأماني الباطلة حيث قلتم: سيغفر لنا، وغرتكم الدنيا وطول الأمل، حتى جاءكم الموت، وغرّكم أو خدعكم الشيطان، حتى قال لكم: إن الله غفور رحيم لا يعذبكم.
﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مَأْواكُمُ النّارُ، هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي ففي هذا اليوم لا تقبل منكم فدية تفدون بها أنفسكم من النار أو العذاب، أيها المنافقون، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة ١٢٣/ ٢] ولا من الذين كفروا بالله ظاهرا وباطنا، منزلكم الذي تأوون إليه النار، هي أولى بكم من كل منزل، وبئس المصير الذي تصيرون إليه، وهو النار.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - يستنجد المنافقون (الذين أظهروا الإسلام في الدنيا وأبطنوا الكفر) بالمؤمنين الذين نجوا من العذاب، طالبين منهم انتظارهم أو إمهالهم وتأخيرهم ليأخذوهم معهم، والاستضاءة بنورهم. قال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور، ويترك الكافر والمنافق بلا نور.
٢ - تقول الملائكة أو المؤمنون لهم: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه النور، فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا، فإنكم لا تقتبسون من نورنا.
٣ - لما رجعوا وانعزلوا في طلب النور ضرب حاجز بين الجنة والنار، باطنه فيه الرحمة، وهو ما يلي المؤمنين، وظاهره فيه العذاب وهو ما يلي المنافقين.
٤ - ينادي المنافقون المؤمنين قائلين لهم: ألم نكن معكم في الدنيا، نصلي كما تصلون، ونجاهد كما تجاهدون، ونفعل مثلما تفعلون؟
стр. 8191
فيجيبهم المؤمنون بقولهم: بلى، قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم استعملتم أنفسكم في الفتنة، وأهلكتموها بالنفاق والمعاصي والشهوات واللذات، وتربصتم بالنبي ﷺ الموت، وبالمؤمنين الدوائر، وغرتكم الأباطيل، حتى حضركم الموت، وخدعكم بالله الشيطان.
٥ - أيأسهم الله تعالى من النجاة، وأخبرهم بأنه لا يقبل منهم يوم القيامة فدية يدفعون بها العذاب عن أنفسهم، ومقامهم ومنزلهم النار، هي أولى بهم من كل منزل، وساءت مرجعا ومصيرا.
خشية الله وجزاء المتصدقين والمؤمنين وجزاء الكافرين
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾
الإعراب:
﴿وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول بمعنى الذي في موضع جر بالعطف على قوله:
﴿لِذِكْرِ اللهِ﴾ ويجوز أيضا أن تكون مصدرية، وتقديره: لذكر الله وتنزيل الحق و ﴿وَلا يَكُونُوا﴾ معطوف على ﴿تَخْشَعَ﴾.
стр. 8192
﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ﴿وَأَقْرَضُوا﴾: إما معطوف على ما في صلة الألف واللام في قوله: ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ على تقدير: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، وإما أن يكون:
﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ اعتراضا بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها، وهو ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ وجاز هذا الاعتراض، لأنه يؤكد المعنى الأول من التصدق.
﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾.
البلاغة:
﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ استعارة تمثيلية، استعار إحياء الأرض بالنبات لإحياء القلوب القاسية بالقرآن وتلاوته.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يأت وقته، يقال: أنى الأمر أنيا وأناء وإناء: إذا جاء أناه، أي وقته.
﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ تخشى وتخاف. ﴿لِذِكْرِ اللهِ﴾ وعظه وإرشاده. ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ هو القرآن. ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ هم اليهود والنصارى، والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى الله عنهم بقوله: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ الزمن، أي طال العهد بينهم وبين أنبيائهم. ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صلبت ولم تلن لذكر الله. ﴿فاسِقُونَ﴾ خارجون عن حدود دينهم، مخالفون للأوامر والنواهي.
﴿اِعْلَمُوا﴾ خطاب للمؤمنين المذكورين في الآية السابقة. ﴿أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يحييها بالماء والنبات بعد جدبها، فكذلك يفعل بقلوبكم يردها إلى الخشوع، وهذا تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة. ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ أوضحنا لكم الآيات الدالة على قدرتنا بهذا البيان هنا وغيره، وهي الحجج. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون.
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ أي الذين تصدقوا واللاتي تصدقن بأموالهم على المحتاجين من التصدق: أدغمت التاء في الصاد، وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق: الإيمان.
﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ راجع إلى الذكور والإناث معا بطريق التغليب. ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ صدقة مقرونة بالإخلاص ابتغاء مرضاة الله، بلا من ولا أذى ولا إرادة جزاء من المحتاج المعطى. ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ يضاعف الله لهم ثواب عملهم، وفي قراءة يضعّف بالتشديد، أي قرضهم. ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ثواب جميل ورزق باهر.
﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ المبالغون في التصديق، أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين وهم الذين كثر صدقهم وصار سجية لهم. ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هم الذين قتلوا في سبيل الله، جمع
стр. 8193
شهيد، سمي بذلك، لأن الملائكة تشهد له بالجنة، أو القائمون بالشهادة لله أو لهم أو على الأمم يوم القيامة، والمراد بهم الأنبياء، لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء ٤١/ ٤].
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جحدوا وجود الله ووحدانيته. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدالة على وحدانيتنا. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ النار، قال البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة.
سبب النزول:
نزول الآية (١٦):
﴿أَلَمْ يَأْنِ.﴾.: أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد العزيز بن أبي رواد: أن أصحاب النبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي ﷺ قد أخذوا في شيء من المزاح، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية.
وأخرج أيضا عن السّدّي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله ﷺ ملّة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ثم ملّوا ملّة، فقالوا حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية.
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ المدينة، فأصابوا من العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية. وروي مثل هذا عن ابن مسعود، وقال: ما كان بين
стр. 8194
إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (١). وقال ابن عباس: إنه عاتبنا على رأس ثلاث عشرة سنة.
المناسبة:
بعد بيان حال المؤمنين وحال المنافقين يوم القيامة، أتبعه بندب المؤمنين الذين فترت عزائمهم إلى الخشوع وخشية القلب ولينه بسماع مواعظ القرآن وإرشاداته، وحذرهم من مماثلة أهل الكتاب الذين قست قلوبهم لطول العهد بينهم وبين أنبيائهم، فأهملوا أوامر الدين ونواهيه، ثم ذكر الفرق بين جزاء المتصدقين والمؤمنين وجزاء الكافرين.
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي ألم يحن الوقت لأن تلين قلوب المؤمنين وترقّ عند سماع تذكير الله ووعظه وقرآنه، فتفهمه وتنقاد له وتسمع أوامره وتطيعه وتجتنب نواهيه؟ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية. والظاهر أن هذا القول أصح من غيره، لأن السورة مدنية.
ثم نهاهم عن مماثلة أهل الكتاب، فقال:
﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي ولا يتشبهوا بحملة الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن، حين طالب
стр. 8195
عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم بذلك السبب، حتى صاروا لا يتأثرون بالموعظة ولا بالوعد والوعيد، وبدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، واتبعوا الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلّدوا أحبارهم ورهبانهم في دين الله من غير دليل ولا برهان، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وأوامره ونواهيه، فصارت أعمالهم باطلة، وقلوبهم فاسدة، كما قال تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣/ ٥] ولهذا نهى الله المؤمنين عن التشبّه بهم.
ثم ضرب الله تعالى المثل لتأثير المواعظ وتلاوة القرآن، فقال:
﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي كما أن الله يحيي الأرض بالنبات والغيث بعد جدبها قادر على أن يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلالها، ببراهين القرآن ودلائله، قد أوضحنا لكم الآيات والحجج، كي تتدبروها، وتعقلوا ما فيها من المواعظ، وتعملوا بموجب ذلك.
ثم أبان الله تعالى ثواب المتصدقين والمتصدقات على البائسين، فقال:
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي إن المتصدقين والمتصدقات بأموالهم على ذوي الحاجة والفقر والبؤس والمسكنة، ودفعوا المال بنية خالصة ابتغاء رضوان الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا، يقابل لهم الحسنة بعشرة أمثالها، ويضاعفها إلى سبع مائة ضعف إلى أكثر من ذلك، ولهم فوق ذلك ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح، ومآب كريم معزّز.