← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

فيجيبهم المؤمنون بقولهم: بلى، قد كنتم معنا في الظاهر، ولكنكم استعملتم أنفسكم في الفتنة، وأهلكتموها بالنفاق والمعاصي والشهوات واللذات، وتربصتم بالنبي ﷺ الموت، وبالمؤمنين الدوائر، وغرتكم الأباطيل، حتى حضركم الموت، وخدعكم بالله الشيطان. ٥ - أيأسهم الله تعالى من النجاة، وأخبرهم بأنه لا يقبل منهم يوم القيامة فدية يدفعون بها العذاب عن أنفسهم، ومقامهم ومنزلهم النار، هي أولى بهم من كل منزل، وساءت مرجعا ومصيرا. خشية الله وجزاء المتصدقين والمؤمنين وجزاء الكافرين ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾ الإعراب: ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿ما﴾: اسم موصول بمعنى الذي في موضع جر بالعطف على قوله: ﴿لِذِكْرِ اللهِ﴾ ويجوز أيضا أن تكون مصدرية، وتقديره: لذكر الله وتنزيل الحق و ﴿وَلا يَكُونُوا﴾ معطوف على ﴿تَخْشَعَ﴾.

стр. 8192

﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ﴿وَأَقْرَضُوا﴾: إما معطوف على ما في صلة الألف واللام في قوله: ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ على تقدير: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، وإما أن يكون: ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ اعتراضا بين اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها، وهو ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ وجاز هذا الاعتراض، لأنه يؤكد المعنى الأول من التصدق. ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾. البلاغة: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ استعارة تمثيلية، استعار إحياء الأرض بالنبات لإحياء القلوب القاسية بالقرآن وتلاوته. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يأت وقته، يقال: أنى الأمر أنيا وأناء وإناء: إذا جاء أناه، أي وقته. ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ تخشى وتخاف. ﴿لِذِكْرِ اللهِ﴾ وعظه وإرشاده. ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ هو القرآن. ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ هم اليهود والنصارى، والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى الله عنهم بقوله: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ الزمن، أي طال العهد بينهم وبين أنبيائهم. ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ صلبت ولم تلن لذكر الله. ﴿فاسِقُونَ﴾ خارجون عن حدود دينهم، مخالفون للأوامر والنواهي. ﴿اِعْلَمُوا﴾ خطاب للمؤمنين المذكورين في الآية السابقة. ﴿أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يحييها بالماء والنبات بعد جدبها، فكذلك يفعل بقلوبكم يردها إلى الخشوع، وهذا تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة. ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ أوضحنا لكم الآيات الدالة على قدرتنا بهذا البيان هنا وغيره، وهي الحجج. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون. ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ أي الذين تصدقوا واللاتي تصدقن بأموالهم على المحتاجين من التصدق: أدغمت التاء في الصاد، وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق: الإيمان. ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ راجع إلى الذكور والإناث معا بطريق التغليب. ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ صدقة مقرونة بالإخلاص ابتغاء مرضاة الله، بلا من ولا أذى ولا إرادة جزاء من المحتاج المعطى. ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ يضاعف الله لهم ثواب عملهم، وفي قراءة يضعّف بالتشديد، أي قرضهم. ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ثواب جميل ورزق باهر. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ المبالغون في التصديق، أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين وهم الذين كثر صدقهم وصار سجية لهم. ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هم الذين قتلوا في سبيل الله، جمع

стр. 8193

شهيد، سمي بذلك، لأن الملائكة تشهد له بالجنة، أو القائمون بالشهادة لله أو لهم أو على الأمم يوم القيامة، والمراد بهم الأنبياء، لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء ٤١/ ٤]. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جحدوا وجود الله ووحدانيته. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدالة على وحدانيتنا. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ النار، قال البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة. سبب النزول: نزول الآية (١٦): ﴿أَلَمْ يَأْنِ.﴾.: أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عبد العزيز بن أبي رواد: أن أصحاب النبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي ﷺ قد أخذوا في شيء من المزاح، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية. وأخرج أيضا عن السّدّي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله ﷺ ملّة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ثم ملّوا ملّة، فقالوا حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية. وأخرج ابن المبارك في الزهد عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ المدينة، فأصابوا من العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية. وروي مثل هذا عن ابن مسعود، وقال: ما كان بين

стр. 8194

إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (١). وقال ابن عباس: إنه عاتبنا على رأس ثلاث عشرة سنة. المناسبة: بعد بيان حال المؤمنين وحال المنافقين يوم القيامة، أتبعه بندب المؤمنين الذين فترت عزائمهم إلى الخشوع وخشية القلب ولينه بسماع مواعظ القرآن وإرشاداته، وحذرهم من مماثلة أهل الكتاب الذين قست قلوبهم لطول العهد بينهم وبين أنبيائهم، فأهملوا أوامر الدين ونواهيه، ثم ذكر الفرق بين جزاء المتصدقين والمؤمنين وجزاء الكافرين. التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي ألم يحن الوقت لأن تلين قلوب المؤمنين وترقّ عند سماع تذكير الله ووعظه وقرآنه، فتفهمه وتنقاد له وتسمع أوامره وتطيعه وتجتنب نواهيه؟ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ الآية. والظاهر أن هذا القول أصح من غيره، لأن السورة مدنية. ثم نهاهم عن مماثلة أهل الكتاب، فقال: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي ولا يتشبهوا بحملة الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن، حين طالب

стр. 8195

عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم بذلك السبب، حتى صاروا لا يتأثرون بالموعظة ولا بالوعد والوعيد، وبدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، واتبعوا الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلّدوا أحبارهم ورهبانهم في دين الله من غير دليل ولا برهان، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وأوامره ونواهيه، فصارت أعمالهم باطلة، وقلوبهم فاسدة، كما قال تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣/ ٥] ولهذا نهى الله المؤمنين عن التشبّه بهم. ثم ضرب الله تعالى المثل لتأثير المواعظ وتلاوة القرآن، فقال: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي كما أن الله يحيي الأرض بالنبات والغيث بعد جدبها قادر على أن يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلالها، ببراهين القرآن ودلائله، قد أوضحنا لكم الآيات والحجج، كي تتدبروها، وتعقلوا ما فيها من المواعظ، وتعملوا بموجب ذلك. ثم أبان الله تعالى ثواب المتصدقين والمتصدقات على البائسين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ، وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي إن المتصدقين والمتصدقات بأموالهم على ذوي الحاجة والفقر والبؤس والمسكنة، ودفعوا المال بنية خالصة ابتغاء رضوان الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا، يقابل لهم الحسنة بعشرة أمثالها، ويضاعفها إلى سبع مائة ضعف إلى أكثر من ذلك، ولهم فوق ذلك ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح، ومآب كريم معزّز.

стр. 8196

ثم وصف الله جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي إن الذين أقروا بوحدانية الله وصدقوا رسله، هم في منزلة الصدّيقين، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله، فهو صدّيق، والذين استشهدوا في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله ودينه، ورفع راية الحق وأهله، لهم الثواب العظيم عند ربهم، والنور الموعود به الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. وهذا إشارة إلى صنفين من أصناف المؤمنين المخلصين الأربعة، وهم الأنبياء، والصّدّيقون، والشهداء، والصالحون، المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ، فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩/ ٤]. ومن الشهداء ما ثبت في الحديث الذي أخرجه أحمد: أن النبي ﷺ قال: «ما تعدّون الشهيد فيكم؟ قالوا: المقتول في سبيل الله، فقال: إن شهداء أمتي إذن لقليل، المقتول، شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد» الحديث. وهؤلاء هم شهداء الآخرة الذين لهم ثواب خاص. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي والذين أنكروا وجود الله، وجحدوا وحدانيته، وكذبوا آياته وبراهينه الدالة على ألوهيته الحقّة، وصدق رسله، أولئك لا غيرهم هم أصحاب النار خالدين فيها أبدا. وهذا بيان حال الأشقياء بعد بيان حال السعداء. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن خشية الله والخشوع لأوامره وأحكامه من صفات أهل الإيمان، وإن الإعراض عن آيات الله ومواعظه وشرائعه من خصال الفاسقين، وهم اليهود

стр. 8197

والنصارى الذين بدلوا كلام الله، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وتركوا الدين الحق، ولم تكن قلوبهم لسماع تذكير الله ووعظه. وهذا نهي صريح للمؤمنين عن مشابهة أهل الكتاب الذين قطعوا الصلة الحقيقية بينهم وبين هدي الله فيما نزل من التوراة والإنجيل والذي لا يخالف ما نزل في القرآن. ولو بقي هذان الكتابان على حالهما ولم يندثرا لظهر التطابق التام بينهما وبين القرآن في أصول الدين والاعتقاد وأصول الشرائع. ٢ - إن سماع مواعظ الله وآياته يحيي القلوب الميتة، ويلين النفوس القاسية، كما أن الله يحيي الأرض الجدبة الهامدة، ويلينها بالغيث، ويجعل فيها الحركة والحيوية والحياة البهيجة. ٣ - إن الذين أنفقوا شيئا من أموالهم، وتصدقوا به على الفقراء والبائسين بإخلاص ابتغاء رضاء الله، يضاعف لهم ثواب أعمالهم، ولهم الجنة. ٤ - المؤمنون بالله ورسله هم الصدّيقون الكاملون في الصدق، إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، والصديقون يتلون الأنبياء، والشهداء يتلون الصديقين، والصالحون يتلون الشهداء، وهؤلاء جميعا لهم الأجر العظيم. عند ربهم، وهم الناجون يوم الحساب، والخالدون في النعيم. ٥ - الكافرون بالله ورسله، المكذبون بالرسل والمعجزات، هم أصحاب النار المخلّدون فيها المعذبون فيها، فلا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم وظلمة دائمة، لأنهم جمعوا بين الكفر وتكذيب الآيات.

стр. 8198

حال الدنيا والحث على عمل الآخرة ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ الإعراب: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ.﴾. الكاف في موضع رفع، إما وصف لقوله ﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ وإما خبر بعد خبر وهي ﴿الْحَياةُ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ﴾. ﴿عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ..﴾. ﴿كَعَرْضِ﴾ جار ومجرور في موضع رفع، لأنه خبر المبتدأ الذي هو ﴿عَرْضُها﴾ والجملة في موضع جر، لأنها صفة ل ﴿جَنَّةٍ﴾. البلاغة: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ تشبيه تمثيلي، لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. ﴿إِلى مَغْفِرَةٍ﴾ مجاز مرسل علاقته المسببية، أي إلى سبب مغفرة. المفردات اللغوية: ﴿لَعِبٌ﴾ ما لا فائدة فيه. ﴿وَلَهْوٌ﴾ ما يشغل الإنسان عما يعنيه. ﴿وَزِينَةٌ﴾ تزيين أو ما يتزين به، كالمناصب العالية والمراكب البهية والمنازل الرفيعة والملابس الفاخرة. ﴿وَتَفاخُرٌ﴾ بالألقاب والأمجاد والأنساب. ﴿وَتَكاثُرٌ﴾ مباهاة بكثرة الأموال والأولاد. ﴿كَمَثَلِ﴾ أي أن الدنيا

стр. 8199

في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل ﴿غَيْثٍ﴾ مطر. ﴿أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ أعجب الزراع نباته الناشئ عنه. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ ييبس بعد أن كان أخضر. ﴿حُطاماً﴾ هشيما متكسرا من الجفاف أو اليبس. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لمن آثر عليها الدنيا. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ﴾ لمن آثر الآخرة، وهذا تنفير عن الانهماك في الدنيا، وحث على العمل للآخرة. ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ أي وما التمتع في الدنيا. ﴿إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ متاع الخديعة لمن أقبل عليها ونسي الآخرة. ﴿سابِقُوا﴾ سارعوا مسارعة السابقين في مضمار السباق. ﴿إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى موجبات المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي عرضها كعرضهما، وإذا كان العرض كذلك، فما ظنك بالطول؟ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأن الإيمان وحده كاف في استحقاقها. ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ ذلك الموعود به من الجنة والمغفرة يتفضل الله به على من يشاء من عباده من غير إيجاب ولا إلزام. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ والله واسع الفضل، لا يبعد منه التفضل بذلك. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحوال الفريقين: المؤمنين والكافرين في الآخرة، أردفه بما يدل على تحقير أمور الدنيا، وكمال حال الآخرة، فإن الدنيا قليلة النفع سريعة الزوال، والآخرة تامة الفائدة، خالدة باقية، ولا شك أن الأدوم الأخلد مفضل على المؤقت، لذا أعقبه بالحث على ما يوصل إلى مغفرة الله ورضوانه والفوز بالنعيم الأبدي. التفسير والبيان: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ أي اعلموا أيها الناس جميعا أن الحياة الدنيا مجرد لعب لا جدّ، ولهو يتلهى به ثم يذهب، وزينة يتزيّن بها مؤقتا، ومفخرة يفتخر بها بعضكم على بعض بكثرة الأموال وعدد الأولاد. كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ

стр. 8200

الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ، ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٤/ ٣]. وهذا يدل على حقارة الدنيا، ثم شبهها في سرعة زوالها، مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث وربّاه إلى أن يتكامل نشوؤه ثم يزول، فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ، فَتَراهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً﴾ أي أن الدنيا مثل مطر، أعجب الزراع النبات الحاصل به، ثم يجف وييبس بعد خضرته، ثم يكون فتاتا هشيما متكسرا متحطما بعد يبسه، تعصف به الرياح. والكفار هنا: الزّراع، لأنهم يكفرون البذر في الأرض، أي يغطونه بالتراب. ونظير الآية: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ، حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً، فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤/ ١٠]. ثم حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير استعدادا للآخرة، فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي وليس في الآخرة الآتية إلا أمران: إما عذاب شديد لأعداء الله، وإما مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وما الحياة الدنيا إلا مجرد متاع يتمتع به، وخديعة لم يغتر بها، ولم يعمل لآخرته، حتى أعجبته واعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها، مع أنها حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور، إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه، فنعم المتاع ونعم

стр. 8201

الوسيلة. وهذا دليل على أن من استعان على الآخرة بطلب الدنيا، فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منه. روى ابن جرير، وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» اقرؤوا: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ والزيادة الأخيرة في رواية ابن جرير فقط. وأخرج البخاري وأحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» وهذا يدل على اقتراب الخير والشر من الإنسان. ولما ذكر الله تعالى ما في الآخرة من المغفرة أمر بالمسابقة إليها: أي إنه سبحانه حث على المبادرة إلى الخيرات، والمسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة، من فعل الطاعات، وترك المحرمات التي تكفّر الذنوب والزلاّت، وتحصّل الثواب والدرجات، فقال: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي بادروا أو سارعوا مسارعة المتسابقين بالأعمال الصالحة إلى ما يوجب المغفرة لكم من ربكم، وسارعوا إلى التوبة الماحية للذنوب والمعاصي، وإلى ما يوصّل إلى جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض معا، وإذا كان هذا قدر عرضها، فما ظنك بطولها؟! تلك الجنة التي هيئت وخلقت للذين صدقوا بالله وبرسله، وعمل بما فرض الله عليه، واجتنب نهيه. ثم بيّن الله تعالى أن المغفرة والجنة فضل منه ورحمة، لا إيجاب وإلزام،

стр. 8202

فقال: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي إن هذا الجزاء الموعود به وهو الجنة والمغفرة مجرد فضل من الله ورحمة منه، وليس واجبا عليه. جاء في الحديث الصحيح: «أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال: أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم، تسبّحون وتكبّرون وتحمّدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، قال: فرجعوا، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾». فقه الحياة أو الأحكام: ١ - إن المقصود الأصلي من الآية الأولى تحقير حال الدنيا، وتعظيم حال الآخرة، لذا وصف الله تعالى الدنيا بخمس صفات: أنها لعب وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدا، ثم تنقضي متاعبهم من غير فائدة، وأنها لهو وهو فعل الشبان، ولا يبقى غالبا بعده إلا الحسرة، وأنها زينة وهذا دأب النساء وهو تكميل الناقص، وتفاخر بين أهلها بالصفات الفانية الزائلة، وهو إما التفاخر بالنسب، أو التفاخر بالقدرة المادية والقوة الجسدية والأتباع والمنصب، وكلها ذاهبة، وأنها تكاثر في الأموال والأولاد. ثم شبهها في سرعة انقضائها وزوال جمالها بالزرع الذي يعجب الناظرين إليه، لحضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن. وقد ذكر هذا المثل في سورتي يونس (٢٤) والكهف (٤٥).

стр. 8203

ثم ذكر حال الآخرة، فالناس فيها إما إلى عذاب شديد دائم لأعداء الله، وإما إلى مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وهو أعظم درجات الثواب. ثم ختم الآية تأكيدا لما سبق بأن الحياة الدنيا مجرد متاع يغرّ ويخدع من أقبل عليها، وهم الكفار، أما المؤمنون فالدنيا لهم متاع بلاغ إلى الجنة. ٢ - إذا كان هذا شأن الدنيا وحال الآخرة، فما على الناس إلا العمل للآخرة، لذا أمر الله بالمسارعة بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لهم من ربهم، وتبوئهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والجنة كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض، وقد خلقت وهيئت للذين صدّقوا بوجود الله ووحدانيته وبرسله. وفي هذا تقوية للرجاء، ودليل على أن الجنة مخلوقة جاهزة. لكن لا تنال الجنة ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله، والله صاحب الفضل الواسع الكثير. والمراد بهذه الجملة: التنبيه على عظم حال الجنة، لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيما. تعلق المصائب بالقضاء والقدر وجناية البخلاء على أنفسهم ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾

стр. 8204

الإعراب: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ... ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ موضعه إما الجر على أنه صفة لمصيبة على اللفظ، أي كائنة في الأرض، وإما الرفع صفة لمصيبة على الموضع، وموضعها الرفع، لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، وفي الصفة ضمير يعود على الموصوف، وإما النصب على أنه متعلق ب ﴿أَصابَ﴾ أو ب ﴿مُصِيبَةٍ﴾ فلا يكون إذن فيه ضمير. و ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ في موضع نصب على الحال، أي إلا مكتوبا، وهاء ﴿نَبْرَأَها﴾ تعود على النفس أو على الأرض أو على المصيبة. ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا.﴾. ﴿تَأْسَوْا﴾ منصوب ب (كي) لا بتقدير (أن) بعدها، لأن اللام هنا حرف جر، وقد دخلت على (كي) فلا يجوز أن تكون (كي) حينئذ حرف جر، لأن حرف الجر لا يدخل على حرف الجر. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من كل مختال، أو مبتدأ، خبره محذوف دل عليه ما بعده: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ لأن معناه: ومن يعرض عن الإنفاق، فإن الله غني عنه، وعن إنفاقه. وضمير ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل. المفردات اللغوية: ﴿مُصِيبَةٍ﴾ هي في اللغة: كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، وخصت في العرف بالشر، كالجدب والعاهة في الأرض، والمرض والآفة وفقد الولد في الأنفس. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي اللوح المحفوظ. ﴿نَبْرَأَها﴾ نخلقها. ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ إن إثباته في كتاب على الله سهل، لاستغنائه فيه عن العدّ والمدة. ﴿تَأْسَوْا﴾ تحزنوا. ﴿عَلى ما فاتَكُمْ﴾ من نعيم الدينا. ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فرح بطر، بل فرح شكر على النعمة، بما أعطاكم الله منها، فإن من علم أن الكل مقدّر، هان عليه الأمر. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ﴾ أي يعاقب. ﴿كُلَّ مُخْتالٍ﴾ متكبر بما أوتي. ﴿فَخُورٍ﴾ متباه أو مباه على الناس بماله أو جاهه. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما يجب عليهم. ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي بالبخل به، لهم وعيد شديد. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عما يجب عليه. ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن غيره ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في ذاته، لا يضره الإعراض عن شكره، ولا ينتفع بالتقرب إليه بشيء من نعمه. وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق.

стр. 8205

المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى أن كل ما في الآخرة من مغفرة وجنة من فضله ورحمته، أراد أن يبين أن كل ما في الدنيا من مصائب وأحداث بقضائه وقدره، لتهوين أمر المصيبة على المؤمنين. ثم حذر الله تعالى من الحزن على ما فات من نعيم الدنيا، والبطر والاختيال والمباهاة عند مجيء النعمة، ثم أخبر أنه يعاقب المختالين الفخورين الذين يبخلون بما يجب عليهم شرعا، بل ويأمرون الناس بالبخل، وهؤلاء لا يجنون إلا على أنفسهم. التفسير والبيان: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ أي لا توجد مصيبة من هذه المصائب في الدنيا إلا وهي مكتوبة عند الله، فهي بقضاء وقدر، سواء أكانت مصيبة في الأرض مثل القحط والجدب أو قلة النبات، وفساد الزرع، ونقص الثمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوع، أم في الأنفس كالأمراض، والفقر وضيق المعاش، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود، فذلك كله مسطّر في اللوح المحفوظ، من قبل إيجاد هذه الخليقة. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ الأحسن عود الضمير على الخليقة والبرية أو النسمة، لدلالة الكلام عليها، كما قال ابن جرير. ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي إن إثباتها في الكتاب، مع كثرتها، وعلمه بالأشياء قبل وجودها، سهل يسير على الله، غير عسير، لأن الله هو الخالق، وهو أعلم بما خلق، يعلم ما كان وما سيكون وما لا يكون. ورد في الخبر: (من عرف سر الله في القدر، هانت عليه المصائب). وقد استدل العلماء بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها.

стр. 8206

فالأشياء والأحداث والمصائب تنسب إلى الله الموجد لها، لا إلى أحد من البشر في الحقيقة، وأما ما يقال من التشاؤم (الطيرة) في المرأة والدابة والدار، فذلك بحسب عرف الناس وتصوراتهم ومقالاتهم، لا في واقع الأمر، كذلك السحر والعين والقتل كل ذلك يحدث بتأثير الله، فهو المؤثر والفعال الحقيقي، وأما فعل الناس فهو مجرد أمر أو سبب في الظاهر، فينسب إليه الشيء الحادث ظاهرا، لا حقيقة. وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لقصرها على أحوال الدنيا، لذا قال ﷺ : «جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم الدين» ولم يقل: إلى الأبد. أخرج الإمام أحمد، والحاكم وصححه عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالا: «إن أبا هريرة يحدّث أن النبي ﷺ كان يقول: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار»، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ﷺ ما هكذا كان يقول، ولكن كان رسول الله ﷺ يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار»، ثم قرأت: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أي أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم في الدنيا، ولا تفرحوا فرح بطر بما هو آت، فلا تأسوا على ما فاتكم، لأنه لو قدر شيء لكان، ولا تفرحوا بما جاءكم أو أعطاكم، أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك من قدر الله ورزقه لكم، لذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ أي إن الله يعاقب كل مختال في نفسه، أي متكبر، فخور على غيره، أي مباه بماله أو جاهه. وبه يتبين أن الحزن المذموم: هو الذي لا صبر لدى صاحبه، ولا رضا

стр. 8207

بقضاء الله وقدره، والفرح الممنوع: هو البطر الذي يحمل صاحبه على الطغيان، ويلهيه عن الشكر. قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يحزن أو يفرح، ولكن اجعلوا الفرح شكرا، والحزن صبرا. ولا يصح النهي عن شيء من طبائع البشر كالفرح والحزن والغضب، وإنما النهي وارد على مقدمات الغضب وتعاطي أسبابه، أو على توابع الفرح والحزن وهو بطر النعمة وكفرانها، والسخط على القدر، والجزع. وبما أن المختال الفخور يكون غالبا بخيلا، لأنه لا يرى لغيره حقا عليه، ذكر تعالى صفة البخل عندهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ، وَمَنْ يَتَوَلَّ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي إن المختالين الفخورين هم الذين يبخلون عادة بأموالهم، فلا يؤدون حق الله فيها، ولا يواسون بائسا فقيرا، ولا معدما عاجزا، بل إنهم يطلبون من غيرهم إمساك المال، ويحسّنون للناس أن يبخلوا بما يملكون، حتى يجعلوا لهم أشباها وأمثالا. ولكن من يعرض عن الإنفاق وعن أمر الله وطاعته، فإن الله غني عنه، محمود الذات في السماء والأرض عند خلقه، لا يضره ذلك، ولا يضرن البخيل إلا نفسه، كما قال موسى ﵇ لقوم فيما حكى القرآن: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم ٨/ ١٤]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - كل ما في الكون بأمر الله تعالى، وكل المصائب معلومة لله تعالى، مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل إيجاد الخليقة، وحفظ ذلك وعلمه هيّن يسير على الله تعالى.

стр. 8208

٢ - إذا كان الكل مكتوبا مقدرا لا مرد له، هانت المصائب على الناس، وكان عليهم امتثال الأمر، فلا يحزنوا على ما فاتهم من الرزق، ولا يفرحوا بما أوتوا من الدنيا. روى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا، وغنيمته شكرا (١). والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما المرء إلى ما لا يجوز. وقد تقدم أن الفرح المذموم: هو الموجب للبطر والاختيال، أي التكبر. وأن الحزن الممنوع: هو الذي يخرج صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء ثواب الصابرين. ٣ - إن الله يبغض كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس ولا يرضى عنه، ويعاقبه. ٤ - إن الله لا يحب المختالين الذين يبخلون أو يضنون بالمال عما أوجب الله عليهم من الإنفاق في سبيله، والصدقة به على الفقراء والمساكين، ويأمرون الناس بالبخل مثلهم. ٥ - من يعرض عن الإنفاق وعن طاعة الله والإيمان بما قدر وقضى فإن الله غني عنه وعن إنفاقه، والله سبحانه هو الغني المطلق الغنى الذي يرزق عباده، والمحمود في ذاته في السماء والأرض، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، كما قال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ، وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥/ ٣٥] ولا يضره الإعراض عن شكره، بالتقرب إليه بشيء من نعمه ﷻ .

стр. 8209

الغاية من بعثة الرسل - ١ - دستور المجتمع الإسلامي ونظام الحكم ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ الإعراب: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ جملة مركبة من مبتدأ وخبر، في موضع نصب على الحال من ﴿الْحَدِيدَ﴾. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ معطوف على ﴿لِيَقُومَ النّاسُ﴾ ﴿وَرُسُلَهُ﴾ منصوب بالعطف على هاء ﴿يَنْصُرُهُ﴾ وتقديره: وينصر رسله، مثل: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر ٨/ ٥٩]. ولا يجوز نصبه ب ﴿لِيَعْلَمَ﴾ لأنه يصير فصلا بين الصلة والموصول أي بين ﴿يَنْصُرُهُ﴾ وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ وذلك لا يجوز. و ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من هاء. ﴿يَنْصُرُهُ﴾ أي غائبا عنهم في الدنيا. البلاغة: ﴿أَرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ جناس ناقص لتغير الشكل وبعض الحروف. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ سجع مرصع محبب إلى النفس. المفردات اللغوية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ أرسلنا الأنبياء إلى الأمم ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ الحجج والمعجزات. ﴿الْكِتابَ﴾ أراد به الجنس، أي كتب الشرائع. ﴿وَالْمِيزانَ﴾ العدل. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ الحق.

стр. 8210

﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خلقناه وأخرجناه من المعادن. ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي تتخذ منه آلات الحرب والصناعات الثقيلة والمباني الضخمة ونحو ذلك، والبأس: القوة. ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ يدخل في صناعات كثيرة مفيدة للناس. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ علم مشاهدة وظهور في الواقع الحاصل. ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ من ينصر دينه وينصر رسله باستخدام الأسلحة وآلات الحرب من الحديد وغيره في مجاهدة الكفار الأعداء. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه. ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾ على إهلاك من أراد إهلاكه. ﴿عَزِيزٌ﴾ لا حاجة له إلى نصرة عباده، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وينالوا ثواب الامتثال فيه. المناسبة: بعد بيان حال الدنيا وحال الآخرة، أراد الله تعالى أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات والحجج القاطعات، ويرشد إلى مقومات الرسالات والشرائع الإلهية لتنظيم حياة المجتمعات، وإعزاز دين الله ونصرة رسله. وأما وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد في الآية، فإن العلماء ذكروا وجوها سبعة أظهرها: أن الدين إما اعتقادات أو معاملات أو أصول وفروع، والاعتقادات أو الأصول لا تتم إلا بالكتاب السماوي، لا سيما إذا كان معجزا، والمعاملات أو الفروع لا تصلح ولا تنتظم إلا بالميزان وهو العدل، ولا بد من مؤيد يحمي نظم الشرائع، وذلك المؤيد هو الحديد لتأديب من ترك الأصلين أو الطريقين، وهما الاعتقاد ونظام التعامل (١). وهذا إشارة إلى أن الكتاب يمثل سلطة التشريع، والعدل يمثل سلطة القضاء، وإنزال الحديد يمثل السلطة التنفيذية. التفسير والبيان: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي تالله لقد أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء بالوحي، والأنبياء إلى أممهم

стр. 8211

لتبليغ الوحي، بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة والحجج والبراهين القاطعة، وأنزلنا معهم الكتاب أي جنسه الشامل لكل كتاب سماوي كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، وأنزلنا معهم الميزان، أي العدل في الأحكام، أي أمرناهم به، ليتبع الناس ما أمروا به من الحق والعدل، وتقوم حياتهم عليه، فيتعاملوا بينهم بالإنصاف في جميع أمورهم الدينية والدنيوية، فهم الحراس على تنفيذ الأحكام واحترام الشرائع واتباع الرسل. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أي وخلقنا الحديد مع المعادن، وعلّمنا الناس صنعته، وجعلناه رادعا لمن أبي الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ففيه قوة رادعة، وفيه منافع للناس ينتفعون به في كثير من حاجاتهم ومعايشهم، كأدوات الطعام ومرافق المنازل وإقامة المباني والعمارات، ومرافق الحياة الاقتصادية وآلات الزراعة، وأدوات الصناعة السلمية والحربية، الخفيفة والثقيلة من آلات وأسلحة وفطارات وبواخر وطائرات وسيارات وغيرها. فكلمة الحديد إشارة إلى القوة الرادعة لتنفيذ أحكام الشريعة بين المسلمين ومن يتعايش معهم في داخل الدولة، ولجهاد الأعداء الدين يعتدون على حرمات الدين وبلاد الإسلام ويعرقلون انتشاره في العالم. لهذا أقام الرسول ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية لإصلاح العقيدة والأخلاق وجدال المشركين وإيضاح أصل التوحيد وإثبات النبوة بالمعجزات الباهرات، فلما قامت الحجة على الناس المخالفين، شرع الله الهجرة، وأذن بالقتال دفاعا عن استقرار العقيدة وكرامة المسلمين وعزتهم، وكفالة احترام تعاليم القرآن. روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم».

стр. 8212

﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي إنما فعل الله ذلك ليعلم علم مشاهدة ووجود من ينصر دينه وينصر رسله بإخلاص ونية صالحة، باستعمال الحديد، في أسلحة الجهاد ومقاومة الأعداء، إن الله قوي قادر عزيز قاهر غالب، يستطيع دفع عدوان الظالمين، وينصر رسله والمؤمنين من غير حاجة إليهم، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وبثوابه، ويحققوا لأنفسهم العزة والمنعة والهيبة في قلوب الناس، فإن حماية القيم والمبادئ تحتاج دائما إلى حماة أشداء، ذوي بأس وإباء. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية دستور المجتمع الإسلامي ونظام الحكم في الإسلام، فهو مجتمع يحكم بشريعة سماوية، على منهج الحق والعدل والمساواة، وفي ظل من القوة الحامية لمبادئ التشريع الرادعة الزاجرة كل من يتجرأ على انتهاكها أو النيل من قدسيتها، أو محاولة القضاء عليها، أو عرقلة مسيرة الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج. أساس هذه الشريعة: المعجزات البيّنة والشرائع الظاهرة التي تضمنتها الكتب السماوية، واحتواها وصاغها خاتم هذه الكتب وهو القرآن العظيم دستور الحياة البشرية. ومنهج الحكم في شريعة الله تعالى هو التزام الحق والعدل في المعاملات فبالعدل قامت السموات والأرض، وهو المعبر عنه بالميزان، الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ، أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرحمن ٧/ ٥٥ - ٩]. والحديد رمز القوة الرادعة لكفالة احترام الأحكام في دار الإسلام، ولتأديب المعتدين والمعادين لشرع الله ودينه وحرمات أهله ودياره. روى عمر رضي الله

стр. 8213

عنه أن رسول الله ﷺ قال فيما أخرجه في الفردوس عن ابن عمر: «إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح». وفي الحديد أيضا منافع كثيرة للناس في شؤون معايشهم وتحقيق حاجياتهم في المنازل والمصانع والمعامل والمباني والأسلحة وآلات الزراعة ووسائل النقل والمواصلات البرية والبحرية والجوية. وقد أنزل الله الحديد وخلقه للناس ليعلم علم مشاهدة حسية من ينصر شرعه ودينه وينصر رسله، وهم غائبون عنه لم يروه، إن الله قوي على الأمور في أخذه، منيع غالب لا يمانع، والنصر الصحيح: هو ما كان عن إخلاص بالقلب، وهو المراد ﴿بِالْغَيْبِ﴾. - ٢ - وحدة الشرائع في أصولها وصلة الإسلام بما قبله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾

стр. 8214

الإعراب: ﴿... وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ .. ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ ﴿رَهْبانِيَّةً﴾ منصوبة بفعل مقدر، أي ابتدعوا رهبانية ابتدعوها. و ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مستثنى ب إلا من غير الجنس، أو بدل من الضمير المنصوب في ﴿كَتَبْناها﴾. ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ.﴾. ﴿لِئَلاّ﴾ بكسر اللام على القراءة المشهورة، وقرئ بفتحها وهي لغة لبعض العرب، ولا: إما زائدة، وهو الظاهر، أو غير زائدة بمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب أن يفعل بكم هذه الأشياء من إيتاء الرحمة والمغفرة وجعل النور، ليبين جهل أهل الكتاب، وأن ما يؤتيكم الله من فضله لا يقدرون على إزالته وتغييره. وبعبارة أخرى: لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل الله، ولا ينالونه. المفردات اللغوية: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ جعلنا النبوة في ذرية نوح وإبراهيم، والكتاب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والفرقان. ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾ من الذرية أو من المرسل إليهم. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطريق المستقيم. ﴿قَفَّيْنا﴾ اتبعنا أو جعلناهم تابعين متأخرين عنهم في الزمان، يقال: قفّى أثره، وقفّى على أثره: أتبعه. ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب الذي أنزل الله على عيسى ﵇. ﴿رَأْفَةً﴾ هي دفع الشر باللطف واللين. ﴿وَرَحْمَةً﴾ جلب الخير والمودة بالحسنى. ﴿وَرَهْبانِيَّةً﴾ أو هبنة: هي الانقطاع للعبادة عن الناس، واتخاذ الصوامع في الجبال وغيرها، والامتناع عن لذيذ الطعام والشراب والزواج. ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ استحدثوها وليست في دينهم. ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ ما فرضناها عليهم، أو ما أمرناهم بها. ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ استثناء منقطع، أي لكنهم ابتدعوها بقصد مرضاة الله. ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أي لم يرعها الجميع، فتركها كثير منهم، وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين ملكهم. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آتينا الذين آمنوا بعيسى الإيمان الصحيح والمحافظة على حقوقه. ﴿مِنْهُمْ﴾ من أتباعه. ﴿فاسِقُونَ﴾ خارجون عن حال الاتباع.

стр. 8215

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالرسل المتقدمة. ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما نهاكم عنه. ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ . ﴿كِفْلَيْنِ﴾ نصيبين، الكفل: الحظ والنصيب. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لإيمانكم بالنبيين. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ أي نورا تمشون به على الصراط، يكون أساس النجاة، وهو المذكور في قوله تعالى المتقدم في السورة: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الكفر والمعاصي. ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي ليعلم، ولا: زائدة، ويؤيده أنه قرئ: (ليعلم، ولكي يعلم، ولأن يعلم). وأهل الكتاب هنا: اليهود وأصحاب التوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ . ﴿أَلاّ يَقْدِرُونَ﴾ أن: مخففة من الثقيلة، أي أنه لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله، ولا يتمكنون من نيله، ولا يستطيعون التصرف في أعظم فضله وهو النبوة، فيخصونها بمن أرادوا. ﴿يُؤْتِيهِ﴾ يعطيه. سبب النزول: نزول الآية (٢٨): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما نزلت: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ الآية [القصص ٥٤/ ٢٨] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: لنا أجران، ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية، فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب، وزادهم النور. نزول الآية (٢٩): ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ.﴾.: أخرج ابن جرير عن قتادة قال: بلغنا أنه لما نزلت: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي، فيقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا، فأنزل الله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ.﴾. الآية، يعني بالفضل النبوة.

стр. 8216

المناسبة: بعد بيان أن الله أرسل الرسل بالبينات والمعجزات، وأمر الخلق بنصرتهم، أبان تعالى وحدة النبوة سلالة ومعنى في ذرية نوح وإبراهيم، ووحدة النبوة تقتضي وحدة التشريع، ووحدة الكتاب، أي الكتب السماوية الأربعة، فما جاء أحد بعد نوح وإبراهيم بالنبوة إلا من سلالتهما وعلى منهجهما، وتلك نعمة شرف الله بها نوحا وإبراهيم ﵉. ثم أوضح الله تعالى أن الأجر والثواب واحد لكل من آمن بالرسل المتقدمة، وأكمل إيمانه بخاتم الرسل محمد ﷺ ، وأن النبوة فضل من الله ورحمة، لا تختص بقوم دون قوم، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يصح قول اليهود: إن الرسالة فينا دون غيرنا، ونحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله المختار. التفسير والبيان: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ أي تالله لقد بعثنا نوحا أب البشر الثاني إلى قومه وإبراهيم خليل الرحمن أبا الأنبياء وأبا العرب إلى قوم آخرين، وجعلنا الرسالة والنبوة في ذريتهما، فكل الأنبياء من سلالتهما، فلم يرسل الله بعدهما رسولا ولا نبيا إلا من ذريتهما، وكذلك جعلنا الكتب المنزلة فيهما، فلم ينزل الله كتابا ولا أوحى إلى بشر وحيا إلا من سلالتهما. ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي كان مصير الذرية الانقسام إلى فريقين، فمنهم جماعة مهتدون إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وطاعته، وتلك سنة الله مع الأنبياء جميعا. وهذا دليل على أن الانحراف والخروج عن جادة الحق كان بعد التمكن من معرفته والوصول إليه وقيام الحجة عليهم.

стр. 8217

﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أي ثم بعثنا بعدهم رسلا تترى، رسولا بعد رسول، وبعضهم بعد بعض، مع مرور العصور، وذلك إلى أن انتهى الأمر إلى أيام عيسى ﵇، فخصه بالذكر لشهرته في عصر التنزيل، فقال: ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي وأتبعنا سلسلة الرسل بعيسى ﵇، وأعطيناه الإنجيل: وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، متضمنا أصول شرعه، ومكملا لما في التوراة، وموضحا حقيقة الشريعة وحكمتها، ومخففا بعض أحكامها القاسية التي شرعت تغليظا على بني إسرائيل لظلمهم وفحشهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠/ ٤]. ثم ذكر الله تعالى بعض صفات أتباع عيسى، فقال: ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً، وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ، فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ أي وجعلنا في قلوب أتباعه وهم الحواريون وأنصارهم رقة في الطبع ورحمة بالخلق، خلافا لليهود القساة، وابتدعوا الرهبانية من جهة أنفسهم، ولم يشرعها الله لهم، ولم يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلوا في العبادة، وحمّلوا أنفسهم المشقات في الامتناع عن المطعم والمشرب والزواج، وانعزلوا عن الناس وانقطعوا إلى العبادة في الكهوف والصوامع، ولبسوا الملابس الخشنة، تقربا إلى الله تعالى. ولكنهم ابتدعوا الرهبانية بقصد مرضاة الله، غير أنهم لم يراعوها حق الرعاية، ولم يحافظوا على أصولها، بل ضيّعوها، واستعملها كثير منهم في الفساد. وهذا-كما قال ابن كثير-ذمّ لهم من وجهين: أحدهما-الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله تعالى.

стр. 8218

والثاني-أنهم لم يقوموا بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله . روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا ابن مسعود، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منهم إلا ثلاث فرق قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ﵇، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة، فقتلت، فصبرت، ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير، وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال، فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكر الله تعالى: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ (١). ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي فأعطينا المؤمنين إيمانا صحيحا ثوابهم الذي يستحقونه بالإيمان، وكثير من هؤلاء المترهبين فاسقون خارجون عن حدود الله وطاعته، يأكلون أموال الناس بالباطل، وسلوكهم منحرف. روى الحافظ أبو يعلى عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشدّدوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم، فإن قوما شدّدوا على أنفسهم، فشدّد عليه، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، ﴿رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾».

стр. 8219

وروى الإمام أحمد عن إياس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ». ثم ذكر الله تعالى ثواب المؤمنين بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بوجود الله تعالى ووحدانيته وصدقوا رسوله ﷺ من مؤمني أهل الكتاب: اليهود والنصارى، خافوا الله تعالى، بترك ما نهاكم عنه، وأداء ما أمركم به، وآمنوا برسوله محمد ﷺ ، يعطكم الله نصيبين أو ضعفين من رحمته، بسبب إيمانكم برسوله ﷺ ، بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، ويزيدكم على ذلك أنه يجعل لكم نورا تمشون به على الصراط، تهتدون به في الآخرة، وهدى تبصرون به العمى والجهالة في الدنيا، ويغفر لكم ما سلف من ذنوبكم، والله بليغ المغفرة والرحمة. فهذا وعد للمؤمنين برسول الله ﷺ بعد الإيمان بجميع الأنبياء قبله يتضمن ثلاثة أمور: مضاعفة الثواب، وجعل النور لهم على الصراط للنجاة، ومغفرة الذنوب والسيئات. أخرج الشيخان صاحبا الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، فله أجران، ورجل أدّب أمته، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران». ثم رد الله على اليهود الذين زعموا اختصاص النبوة فيهم، فقال: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ ١ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

стр. 8220

أي اتقوا الله وآمنوا يؤتكم الأمور الثلاثة المتقدمة، ليعلم ويتحقق الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب على رد ما أعطاه الله، ولا إعطاء ما منع الله، فإنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئا من فضل الله الذي تفضل به على من آمن بمحمد ﷺ ، ولا يقدرون أن يمنعوا ذلك الفضل الذي تفضل به على المستحقين له، كالنبوة والرسالة وغيرهما، وأن الفضل ومنه النبوة والعلم والتقوى بيد الله، يعطيه من يشاء، كما آتى محمدا ﷺ وأصحابه وأمته منه نصيبا أوفر من دين الإسلام، والله واسع الفضل، كثير العطاء والخير لمن يشاء من عباده. والخلاصة: أن إيمان أهل الكتاب بالتوراة والإنجيل وبموسى وعيسى لا يكفي، ولا ينفع شيئا، ما لم يؤمنوا بالنبي ﷺ ، خاتم الأنبياء والمرسلين. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات تفصيل ما أجمل في الآيات السابقة من إرسال الرسل بالكتب، وقد دلت على ما يأتي: ١ - أخبر الله أنه أرسل نوحا وإبراهيم، وجعل النبوة في نسلهما، فجعل بعض ذريتهما الأنبياء، وأوحى إليهم الكتب المنزّلة من السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ٢ - بعض تلك الذرية آمن وائتم بإبراهيم ونوح واهتدى، وكثير منهم كافرون خارجون عن طاعة الله تعالى.

стр. 8221

٣ - أتبع الله سبحانه على آثار تلك الذرية رسلا كثيرين كموسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم، وعيسى ابن مريم، فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه، وآتاه الله الإنجيل، وهو الكتاب المنزل عليه. ٤ - جعل الله تعالى في قلوب الذين اتبعوا عيسى على دينه، وهم الحواريون وأتباعهم، رأفة ورحمة، أي مودّة، فكان يوادّ بعضهم بعضا، والرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة. وهذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس، وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم، وحرّفوا الكلمة عن مواضعه. قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة: أنهم كانوا متوادّين بعضهم مع بعض، كما وصف الله أصحاب محمد ﷺ بذلك في قوله: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾. واستدل أهل السنة بقوله: ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً..﴾. على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وكسب للعبد، لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية. ٥ - لقد ابتدع أتباع عيسى الرهبانية (الفعلة المنسوبة إلى الرهبان) من قبل أنفسهم، ولم يفرضها الله عليهم ولا أمرهم بها، لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فما قاموا بها حق القيام، وتسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة مع الناس، وأكل أموالهم، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة ٣٤/ ٩]. والمراد من الرهبانية كما ذكر الرازي وغيره: ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، ومتحملين كلفا زائدة على العبادات

стр. 8222

التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء، والتعبد في المغاور والكهوف. عن ابن عباس: أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام غيّر الملوك التوراة والإنجيل، فساح قوم في الأرض، ولبسوا الصوف. ٦ - آتى الله الذين آمنوا من أتباع عيسى والذين ابتدعوا الرهبانية أولا ورعوها أجرهم المستحق لهم، وكان كثير من المتأخرين بعدئذ فاسقين خارجين عن حدود الله وطاعته، كافرين بما جاء به عيسى وموسى ﵉، ولما بعث الله محمدا ﷺ ، ولم يبق منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف والصوامع والمغاور، فآمنوا بمحمد ﷺ . ٧ - هذه الآية: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده، فيدخل في الآية. وفيها أيضا دليل على أن العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت مندوب إليه عند فساد الزمان وتغيّر الأصدقاء والإخوان. ٨ - أمر الله تعالى صراحة مؤمني أهل الكتاب (الذين آمنوا بموسى وعيسى) أن يتقوا الله حق تقاته باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وأن يؤمنوا برسوله محمد ﷺ ، فإن فعلوا كان لهم مثلان من الأجر على إيمانهم بعيسى ومحمد ﷺ ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص ٥٤/ ٢٨]. ويجعل الله لهم أيضا نورا، أي بيانا وهدى إلى الحق في الدنيا، وضياء يمشون به على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، ويغفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم. وهذا وعد من الله منجز في أمور ثلاثة كما تقدم: مضاعفة الثواب، وجعل النور، وغفران الاثام.

стр. 8223

٩ - رد الله تعالى بقوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ.﴾. بما يأتي على بني إسرائيل الذين كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جمع العالمين. إن النبوة ليست مختصة بهم، وغير حاصلة إلا في قومهم، فهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر النبوة والرسالة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، ولا اعتراض عليه في ذلك. وهذا المفهوم على القول المشهور عند أكثر المفسرين بأن (لا) في قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ﴾ صلة زائدة مؤكدة، أي ليعلم أهل الكتاب أنهم عاجزون عن منح أحد شيئا من فضل الله تعالى. وعلى قول أبي مسلم الأصفهاني وجمع آخرين: أن هذه الكلمة ليست بزائدة، يكون المفهوم والمستفاد من الآية: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه (١)، وليعلموا أن الفضل بيد الله، ويكون تقدير الآية: إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله، فيكون في هذا القول تقدير محذوف وهو: وليعتقدوا أن الفضل بيد الله. وأما القول الأول فاحتاج إلى حذف شيء موجود، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف (٢).

стр. 8224

١٠ - دل قوله: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ.﴾. على أن الفضل الإلهي في ملك الله وتصرفه، يؤتيه من يشاء، لأنه قادر مختار يفعل ما يريد، ودل قوله: ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ على أنه لا بد وأن يكون إحسانه عظيما، والمراد تعظيم حال محمد ﷺ في نبوته وشرعه وكتابه، وأمر أهل الكتاب بالمبادرة إلى الإيمان برسالته خاتمة الشرائع الإلهية.

стр. 8225

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المجادلة مدنيّة، وهي اثنتان وعشرون آية. مدنيتها: هذه السورة مدنية على الصحيح، وروي عن الكلبي أنه قال: نزلت كلها بالمدينة إلا قوله تعالى: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ.﴾. فإنها نزلت بمكة. وعن عطاء: العشر الأول منها مدني، وباقيها مكي. تسميتها: سميت سورة المجادلة، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها.﴾. وهذه المرأة هي خولة امرأة أوس بن الصامت. مناسبة السورة لما قبلها: تتضح صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة هي: ١ - ذكر في مطلع سورة الحديد صفات الله الجليلة، ومنها الظاهر والباطن، والعالم بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو مع خلقه أينما كانوا، وذكر في مطلع هذه السورة ما يدل على ذلك وهو سماع قول المجادلة التي تشتكي إلى الله، ولهذا قالت عائشة ﵂ حين نزلت: «سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني في ناحية البيت لا أعرف ما تقول» (١) أي المجادلة.

стр. 8226

٢ - ختمت السورة السابقة ببيان فضل الله، وافتتحت هذه السورة بما يشير إلى بعض الفضل. ٣ - ذكر في المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.﴾. الآية (٧) وهي تفصيل لإجمال قوله تعالى في السورة السابقة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤). ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية بيان الأحكام التشريعية، وقد تضمنت حكم الظهار وكفارته، وحكم التناجي، وأدب المجالس، وتقديم الصدقة في بدء الأمر قبل مناجاة الرسول ﷺ ، وحكم المنافقين وجزائهم وتكذيبهم ووصفهم بأنهم حزب الشيطان، وموادة أعداء الله وموالاتهم. وتميزت الآيات كلها في هذه السورة باشتمال كل آية على لفظ الجلالة: (الله) لتربية المهابة منه في النفوس، وعدم التجرؤ على مخالفة أحكامها. بدئت السورة ببيان سماع الله صوت امرأة هي خولة بنت ثعلبة، تجادل رسول الله ﷺ في شأن مصيرها من زوجها أوس بن الصامت الذي ظاهر منها قائلا لها: «أنت علي كظهر أمي» وحكم الظهار في الجاهلية تحريم الزوجة تحريما مؤبدا، فبدّل الله ذلك الحكم، وجعل حكم الظهار التحريم المؤقت الذي يزول بإخراج كفارة الظهار المنصوص عليها في الآيات الأولى من هذه السورة: عتق رقبة، فصيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكينا (الآيات: ١ - ٤) وأعقبت ذلك بالحكم بإذلال وخزي الذين يعادون الله تعالى ورسوله ﷺ ، وإحصاء أعمالهم وشهادته عليهم (الآيتان: ٥ - ٦). ثم ذكرت أدب التناجي في المجالس: وهو الكلام سرا بين اثنين فأكثر أمام الآخرين، وحرّمته إذا كان تناجيا بالإثم والعدوان، كما كان يفعل اليهود

стр. 8227

والمنافقون، وأخبرت بأن الله يعلم سر الحديث الدائر بين اثنين فأكثر، وفضحت خبث اليهود ومكرهم وخداعهم حينما كانوا يحيون رسول الله ﷺ بتحية ظاهرها السلام، وباطنها الأذى والسب، قائلين: السام عليك يا محمد، أي الموت (الآيات: ٧ - ١٠). وأردفت ذلك ببيان أدب التفسح في المجالس، وطلب مغادرتها، وأشادت بالمؤمنين الذين يمتثلون أوامر الله وأوامر رسوله، وامتدحت العلماء منهم خاصة، وأوجبت تقديم الصدقة عند مناجاة النبي ﷺ ، ثم رفعت الحكم تخفيفا على المؤمنين وتيسير لقاء نبيهم، وجعلت محله الاشتغال بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله (الآيات: ١١ - ١٣). ثم أبانت مخازي المنافقين الذين يوالون اليهود ويحبونهم، ويفشون أسرار المؤمنين لهم، ويحلفون الأيمان الكاذبة، ويعادون الله تعالى والرسول ﷺ ، ويخالفون أمرهما، فهم مخذولون مهزومون، والمؤمنون أعزة منصورون (الآيات: ١٤ - ٢١). وختمت السورة الكريمة بأمر المؤمنين بتجنب الخونة الذين يوالون أعداء الأمة ولو كانوا أقرب الناس إليهم، وينافقون ويتذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء، لإضعاف كيان أمتهم وتفريق جمعهم، أما الأمة المتماسكة المتحابّة، فهي أمة الإيمان الحق، وأهل الجنة خالدين فيها أبدا. والتفريق بين الموقفين: موقف الإيمان وموقف الكفر والنفاق يبين أن الحب ينبغي أن يكون لله، والبغض لله، وأن اكتمال الإيمان يتطلب معاداة أعداء الله (الآية: ٢٢).

стр. 8228

الظهار وكفارته ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ الإعراب: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ قال النحاة: إن قد الداخلة على الماضي لا بد فيها من معنى التوقع، فلا يقال: قد فعل إلا لمن ينتظر الفعل أو يسأل عنه. ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ أو دليل خبره المحذوف أي الذين يظاهرون من نسائهم مخطئون، لسن أمهاتهم، و ﴿ما﴾: نافية حجازية تعمل عمل ليس، و ﴿هُنَّ﴾: اسمها، و ﴿أُمَّهاتِهِمْ﴾: خبرها المنصوب على لغة أهل الحجاز، وتقرأ بالرفع على لغة بني تميم. وتعدى فعل الظهار بمن لتضمنه معنى التبعيد. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ ﴿مُنْكَراً﴾ ﴿وَزُوراً﴾: منصوب على الوصف لمصدر محذوف، وتقديره: وإنهم ليقولون قولا منكرا وقولا زورا.

стр. 8229

﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ الجار والمجرور في موضع نصب، متعلق ب ﴿يَعُودُونَ﴾ وما: مصدرية، أي يعودون لقولهم، والمصدر في موضع المفعول، كقولك: هذا الثوب نسج اليمن، أي منسوجة، ومعناه: يعودون للإمساك المقول فيه الظهار ولا يطلّق الزوج. ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ .. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وتحرير: مبتدأ ثان خبره محذوف أي فعليهم تحرير رقبة، والجملة خبر المبتدأ الأول. البلاغة: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ السماع هنا مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية. ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ صيغ مبالغة. ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ، إِنْ أُمَّهاتُهُمْ﴾ إطناب بذكر الأمهات، لزيادة التقرير والبيان. المفردات اللغوية: ﴿سَمِعَ اللهُ﴾ أجاب وقبل، كما في التسميع: «سمع الله لمن حمده» أي أجابه. ﴿الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ تراجعك الكلام أيها النبي في أمرها وأمر زوجها الذي ظاهر منها، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية، زوجة أوس بن الصامت أخي عبادة، وكان قد ظاهر منها قائلا: أنت علي كظهر أمي، فاستفتت النبي ﷺ ، فقال تأثرا بالعرف: حرمت عليه، لأن الظهار كان عند العرب موجبا حرمة مؤبدة، فقالت: ما طلقني، فقال: حرمت عليه، فاغتمت لصغر أولادها، وشكت إلى الله تعالى، فنزلت هذه الآيات الأربع. ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ تبث شكواها وغمها وهمها إلى الله، متوقعة أن الله يسمع مجادلتها وشكواها، ويفرج عنها كربها. ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ تراجعكما الكلام، بطريق تغليب الخطاب. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ للأقوال والأحوال، وهذا يدل على إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى. ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ الذين يقولون لنسائهم مثلا: أنت علي كظهر أمي، أي في الحرمة، وكالأم سائر المحارم، وقد كان هذا أشد طلاق في الجاهلية. والظهار: تشبيه المرأة أو عضو منها بأحد محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة بقصد التحريم، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ تهجين لعادتهم فيه، فإنه كان من أيمان الجاهلية. ﴿إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي ما أمهاتهم إلا اللاتي ولدن الأولاد، فلا تشبه بالمحارم في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن، كالمرضعات وأزواج الرسول ﷺ . ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي بالظهار. ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي قولا منكرا أنكره الشرع، والمنكر: كل ما استقبحه الشرع والعقل والطبع. ﴿وَزُوراً﴾ كذبا وبهتانا، فإن الزوجة لا تشبه بالأم.

стр. 8230

﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ يعفو عن المظاهر ويغفر له إذا تاب وأدى الكفارة، كما أنه سبحانه غفور لكل من أذنب وعصى مطلقا إذا تاب وأناب. ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أي عدلوا عن قصد التحريم، وذلك عند الشافعي بإمساك المظاهر منها في الزواج زمانا يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة: باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة، وعند مالك: بالعزم على الجماع، وعند الحسن البصري وأحمد: بالجماع. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي فعليهم، أو فالواجب إعتاق رقبة: عبد أو أمة، والفاء للسببية الدالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار. ويجب أن تكون الرقبة مؤمنة عند الجمهور غير الحنفية قياسا على كفارة القتل الخطأ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ أي من قبل استمتاع أحدهما بالآخر، لعموم اللفظ، وفيه دليل على حرمة المتعة أو الزواج قبل التكفير. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الرقبة أو ثمنها. ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ أي فالواجب صوم شهرين متواليين، فإن أفطر بغير عذر لزمه الاستئناف، وإن أفطر بعذر ففيه خلاف، وإن جامع المظاهر منها ليلا لم ينقطع التتابع عند الشافعية، خلافا لأبي حنيفة ومالك. ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أي الصوم لهرم أو مرض مزمن أو شبق مفرط إلى النساء. ﴿فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ لكل مسكين عند الشافعية: مدّ من غالب قوت البلد، وهو رطل وثلث، كالفطرة، وعند الحنفية: نصف صاع من برّ أو صاع من تمر أو شعير، وذلك من قبل التّماس أو الاستمتاع، وإنما لم يذكر التّماس مع الإطعام اكتفاء بذكره مع الخصلتين الأخريين: العتق والصيام. ﴿ذلِكَ﴾ البيان أو التعليم للأحكام، والتخفيف في الكفارة. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي فرض ذلك لتصدقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ في قبول شرائعه، ورفض أعراف الجاهلية. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أحكام شريعته، لا يجوز تعدّيها. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أي الذين لا يقبلون تلك الأحكام. ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب مؤلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧/ ٣]. سبب النزول: نزول الآية (١) وما بعدها: ﴿قَدْ سَمِعَ.﴾.: أخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وتقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سنّي وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني
следующие страницы →