← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

رسول الله ﷺ ، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك (١). ﴿وَإِذا قِيلَ: اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي إذا طلب من بعض الجالسين في المجلس أن ينهضوا من أماكنهم، ليجلس فيها أهل الفضل في الدين، وأهل العلم بشرع الله، فليقوموا. وهذا يشمل أيضا ما إذا قال صاحب مجلس لمن في مجلسه: قوموا، ينبغي أن يجاب. وبعد أن نهى الله تعالى المؤمنين عن بعض الأشياء، ثم أمرهم ثانيا ببعض الأشياء، وعدهم على الطاعات، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ، وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي يرفع الله منازل المؤمنين في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيها، ويرفع أيضا بصفة خاصة منازل العلماء درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، فمن جمع الإيمان والعلم، رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات، ومن جملة ذلك رفعه في المجالس، والله خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه، مطّلع على أحوال ونوايا جميع عباده، ومجازيهم على أعمالهم جميعا، خيرا أو شرا. روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى، رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض، فقال عمر ﵁: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب قوما، ويضع به آخرين».

стр. 8262

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى ما يأتي: ١ - التوسع في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر مطلوب شرعا، وأدب حسن، سواء كان مجلس النبي في عصره، أو عالم بعده أو مجلس حرب أو ذكر أو شورى أو مجلس يوم الجمعة أو العيد أو العلم ونحوه، وليس ذلك واجبا وإنما هو مندوب شرعا، فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه، لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به» (١) ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذّ بذلك، فيخرجه الضيق عن موضعه. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر كما تقدم عن النبي ﷺ قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه» وعن ابن عمر أيضا فيما رواه البخاري عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا» وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه، ثم يجلس مكانه. ٢ - إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد، لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه، لما روى مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا». وإذا أمر إنسان إنسانا أن يبكر إلى الجامع، فيأخذ له مكانا يقعد فيه، لا يكره، فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع. ومثل ذلك إرسال بساط أو سجادة لتبسط له في موضع من المسجد. والجالس يختص بموضعه إلى أن يغادره نهائيا، لما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم-أو من قام من مجلسه-ثم رجع إليه، فهو أحق به».

стр. 8263

٣ - إن للتوسع في المجالس ثوابا، لقوله تعالى: ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ أي يوسع عليكم في الدنيا والآخرة. ٤ - إذا قيل: انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، يجاب القائل، وإذا دعي الشخص إلى القيام عن مجلس النبي ﷺ ، وجب القيام، لأنه ﵊ كان يؤثر أحيانا الانفراد في وظائف تخصه لا تتأتى ولا تكمل بدون الانفراد. وإذا قال صاحب مجلس لمن في مجلسه: (قوموا) ينبغي أن يجاب، ويفعل ذلك لحاجة، إذا لم يترتب عليه مفسدة أعظم منها، مما لا نزاع في جوازه. ٥ - يرفع الله درجات المؤمنين والعلماء في الثواب في الآخرة، وفي الكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم. قال ابن مسعود: مدح الله العلماء في هذه الآية. وتدل هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..﴾. أيضا على أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان، لا بالسبق إلى صدور المجالس، فيرفع المؤمن بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل العلماء، منها الحديث السابق عند أبي نعيم عن معاذ- وفيه ضعف-: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» ومنها حديث حسن رواه ابن ماجه عن عثمان ﵁: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ . وعن ابن عباس: خيّر سليمان ﵇ بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال والملك معه.

стр. 8264

الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ البلاغة: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ استعارة، استعار اليدين لما يكون قبل الشيء، أي قبل نجواكم، وهي استعارة بالكناية، حيث شبه النجوى بالإنسان، وحذفه ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو اليدان. ويصح أن يكون في التركيب استعارة تمثيلية. ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ استفهام معناه التقرير. المفردات اللغوية: ﴿ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أردتم مناجاته والتحدث معه. ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ أي قدموا قبل المناجاة صدقة للفقراء، قال البيضاوي: وفي هذا الأمر تعظيم الرسول ﷺ ، وانتفاع الفقراء، والنهي عن الإفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا، واختلف في أنه للندب أو للوجوب، لكنه منسوخ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ وهو إن اتصل به تلاوة، لم يتصل به نزولا. ﴿وَأَطْهَرُ﴾ أي أزكى للنفوس وأبعد عن الريبة وحب المال، وهو يشعر بالندب، لكن قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أدل على الوجوب، أي إن لم تجدوا ما تتصدقون به، يرخص لكم في المناجاة بلا صدقة. والله غفور لمناجاتكم، رحيم بكم، فلا حرج عليكم في المناجاة. ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ خفتم، والمعنى: أخفتم الفقر في تقديم الصدقة؟ وجمع صدقات لجمع المخاطبين أو لكثرة التناجي. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ الصدقة. ﴿وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بأن رخص لكم ألا تفعلوه، أو رجع بكم عنها، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ أي

стр. 8265

دوموا عليهما ولا تفرطوا في أدائهما. ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائر الأوامر، فإن القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ظاهرا وباطنا. سبب نزول الآيتين (١٣، ١٢): أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقّوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فأنزل: ﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ فلما نزلت، صبر كثير من الناس، وكفّوا عن المسألة، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية. وأخرج الترمذي وحسّنه، وغيره عن علي قال: لما نزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ قال لي النبي ﷺ : ما ترى، دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ الآية، فبي خفف الله عن هذه الأمة. وقال مقاتل بن حيان: نزلت الآية في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي ﷺ ، فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره رسول الله ﷺ ذلك من طول جلوسهم ومناجاتهم، فأنزل الله ﵎ هذه الآية، وأمر بالصدقة عند المناجاة، فأما أهل العسرة، فلم يجدوا شيئا، وأما أهل الميسرة فبخلوا، واشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، فنزلت الرخصة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ كان لي دينار فبعته، وكنت إذا ناجيت الرسول ﷺ تصدقت بدرهم حتى نفد، فنسخت بالآية الأخرى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾؟.

стр. 8266

المناسبة: بعد بيان أدب الإسلام في المناجاة والمجالسة، أمر الله تعالى المؤمنين بتقديم صدقة قبل مناجاة النبي ﷺ ، لأنهم كانوا يتنافسون في القرب من مجلس رسول الله ﷺ لسماع أحاديثه، وكانوا يكثرون من هذه المناجاة، فكان ذلك يشق على الرسول ﷺ ، وقد يستثقله الحاضرون، فأراد الله أن يحد من هذه المناجاة، ويخفف عن نبيه، فأمر بتقديم الصدقة قبل المناجاة، تعظيما للنبي ﷺ وإعظام مناجاته، ولنفع الفقراء بتلك الصدقات المقدمة قبل المناجاة، ولتمييز المنافقين الذين يحبون المال عن المؤمنين المخلصين. قال ابن عباس: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت هذه الآية، شحّ كثير من الناس، فكفّوا عن المسألة. التفسير والبيان: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ أي يا أيها الذين أقروا بوجود الله ووحدانيته وصدقوا رسوله ﷺ ، إذا أردتم مناجاة النبي ﷺ أو مساررته في أمر من أموركم، فقدموا قبل المناجاة صدقة، تصدقوا بها، لتعظيم النبي ﷺ ، والتخفيف عنه، ونفع الفقراء، وتمييز المؤمن الحق والمنافق. ثم أبان الله تعالى حكمة الصدقة، فقال: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي إن تقديم الصدقة قبل النجوى خير لكم، لما فيه من طاعة الله وامتثال أمره، والثواب الأخروي، وأزكى لنفوسكم بتطهيرها من الشح والبخل وحب المال، ونفع الفقراء، وتضامن الأمة، وإعزاز شأنها ورفعة قدرها، فإن لم يجد أحدكم تلك

стр. 8267

الصدقة، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة، وقد رخص الله لكم في المناجاة بلا تقديم صدقة، لأن المأمور بها هو القادر عليها الغني. وظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا، لأن الأمر للوجوب، ويتأكد ذلك بقوله في آخر الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإن ذلك لا يقال إلا لترك الوجوب. وقال بعضهم: إن الأمر هنا للندب والاستحباب، بقرينة ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض، ولأنه لو كان ذلك واجبا لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا﴾. والجواب: أن الواجب يوصف أيضا بأنه خير وأطهر كالمندوب، وأنه لا يلزم من كون الآيتين متصلتين في التلاوة، كونهما متصلتين في النزول، فتكون آية ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ناسخة للوجوب الذي ثبت بالأمر. وأنكر أبو مسلم الأصفهاني وقوع النسخ، وقرر أن الأمر بتقديم الصدقة على النجوى لتمييز المؤمن المخلص من المنافق، فلما تحقق الغرض، انتهى الحكم، أي أن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه بانتهاء تلك الغاية، فلا يكون هذا نسخا. قال الرازي: وهذا الكلام حسن ما به بأس، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾. ثم رفع الله تعالى الحكم السابق، فقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ؟﴾ أي أخفتم تقديم الصدقات، لما فيه من إنفاق؟ قال مقاتل: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ

стр. 8268

وَرَسُولَهُ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي حين لم تفعلوا ما أمرتكم به من الصدقة قبل النجوى لثقلها عليكم، ورخص الله لكم في الترك، والمناجاة من غير صدقة، فثابروا واثبتوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ ، والله خبير محيط بأعمالكم كلها ظاهرها وباطنها، فمجازيكم عليها. والإشفاق: الخوف من المكروه. قال قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، ففطمهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله ﷺ ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك. وليس في الآية إشارة إلى وقوع تقصير من الصحابة في تقديم الصدقة، فقد يكون عدم الفعل، لأنهم لم يناجوا. ولا يدل أيضا قوله: ﴿تابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ على أنهم قصروا، لأن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على ما يأتي: ١ - أوجب الله تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ ، تعظيما لنبيه وتخفيفا عنه من كثرة الأسئلة، ثم خفف الله عن الأمة، ورفع التكليف. والظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة، فقد تصدق علي بن أبي طالب ﵁، كما تقدم، ولم يوجد مقتض للمناجاة لدى بقية الصحابة الذين تريثوا وفهموا علة التكليف. وكان التكليف مقصورا على الأغنياء، لأنه تعالى جعل الصدقة بالمال خيرا

стр. 8269

من إمساكها، وأطهر لقلوبهم من المعاصي والذنوب، فإن لم يجد الواحد ما يتصدق به، فإن الله غفور له، رحيم به. ٢ - علم الله تعالى ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل، مع كثرة المسائل، لو دام الوجوب، فخفف الله عنهم، وأمر بمتابعة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله تعالى في فرائضه، ورسوله ﷺ في سننه، والله محيط بأعمال عباده ونياتهم. حال المنافقين الذين يوالون غير المؤمنين ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)﴾ الإعراب: ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ جملة حالية من فاعل ﴿تَوَلَّوْا﴾ أو استئنافية، والمعنى واحد، ويصح جعلها صفة لقوم. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ ﴿جَمِيعاً﴾ منصوب على الحال من الهاء والميم في ﴿يَبْعَثُهُمُ﴾ وهو عامل الحال.

стр. 8270

البلاغة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ استفهام يراد منه التعجيب. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿يَعْمَلُونَ﴾ جناس ناقص لتغير الرسم. ﴿أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ و ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة. ﴿أَلا﴾ ﴿الشَّيْطانُ﴾ ﴿عَلَيْهِمُ﴾ في الجملتين السابقتين، تأكيدات متنوعة تفيد التقبيح في الأولى، والتحلية في الثانية. ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ﴿خالِدُونَ﴾، ﴿الْكاذِبُونَ﴾، ﴿الْخاسِرُونَ﴾، توافق الفواصل في الحرف الأخير. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنظر أو أخبرني، وهو أسلوب يراد به التعجيب للمخاطب من حال هؤلاء المنافقين. ﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ والوا وودّوا وأحبوا، وهم المنافقون. ﴿قَوْماً﴾ هم اليهود. ﴿غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ سخط. ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك. ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ وهو ادعاء الإسلام وأنهم من المؤمنين. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون فيه أي في المحلوف عليه. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ نوعا من العذاب متفاقما. ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي التي تمرنوا عليها وأصروا على فعلها. ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ﴾ أي التي حلفوا بها. ﴿جُنَّةً﴾ وقاية وسترا على أنفسهم من المؤاخذة. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ صدوا بأيمانهم الناس عن دين الله بالتحريش والتثبيط. ﴿فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وعيد ثان بوصف أخر لعذابهم، وهو أنه ذو إهانة. ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذابه. ﴿شَيْئاً﴾ من الإغناء. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ أي اذكر لهم ذلك اليوم. ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أنهم مؤمنون. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا. ﴿اِسْتَحْوَذَ﴾ استولى عليهم وأحاط بهم وغلب على عقولهم. ﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾ أعوانه وأتباعه وأنصاره.

стр. 8271

سبب النزول: نزول الآية (١٤): ﴿أَلَمْ تَرَ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن السدي ومقاتل في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً﴾ الآية، قال: بلغنا أنها نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس النبي ﷺ ، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله ﷺ في حجرة من حجره، إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار، وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق، فقال له رسول الله ﷺ : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل ذلك، فقال له النبي ﷺ : فعلت، فانطلق، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبّوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. نزول الآية (١٨): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ.﴾.: أخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ في ظل حجرة، وقد كاد الظل يتقلص، فقال: إنه سيأتيكم إنسان، فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم، لا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور، فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال له حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال: ذرني آتك بهم، فانطلق، فدعاهم، فحلفوا له ما قالوا وما فعلوا، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية. المناسبة: بعد أمر المؤمنين بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ تخفيفا عنه في طول مجالسته وكثرة التردد عليه، ذكر الله تعالى حال جماعة من المنافقين كانوا يتولون اليهود

стр. 8272

ويودونهم، ويطلعونهم على أسرار المؤمنين، وهم في الواقع لا مع الكفار ولا مع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء ١٤٣/ ٤]. وقد أنذرهم الله بالعذاب، وأبان بواعث أفعالهم واستيلاء الشيطان على عقولهم، فهم أتباع الشيطان وأنصاره. التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ أي أخبرني عن حال هؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود ومالئوهم في الباطن، ونقلوا إليهم أسرار المؤمنين، فموقفهم يستدعي التعجب، لذا سخط الله عليهم، وهم في الواقع، لا مع المؤمنين ولا مع اليهود، أي ليسوا في الحقيقة منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم، وهم اليهود. ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي واتخذوا الأيمان الكاذبة ستارا لهم، فهم يحلفون أنهم مسلمون، أو ما نقلوا الأخبار إلى اليهود، وهم يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له. ثم أنذرهم تعالى بالعذاب الشديد، فقال: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي هيأ الله لهم، وأرصد لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشّهم، وساء ما فعلوا من الأعمال القبيحة في الزمان الماضي، مصرّين على سوء العمل. ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أي أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، واتخذوها وقاية وسترا

стр. 8273

لدمائهم، فخدع بهم بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة أمرهم، وظنوا صدقهم، فحصل بهذا صدّ عن سبيل الله، بأن منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، فلهم عذاب يلازمه الذل والهوان في نار جهنم بسبب أيمانهم الكاذبة بالله تعالى، وفي مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ثم ذكر الله تعالى مدى إفلاسهم يوم القيامة، فقال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي لن تفيدهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله، شيئا من الإفادة، وأولئك الموصوفون بهذه الصفات هم أهل النار، لا يفارقونها، وماكثون فيها، لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ أي اذكر لهم أيها النبي حين يبعثهم الله جميعا من قبورهم أحياء، ويحشرهم يوم القيامة عن آخرهم، فلا يغادر منهم أحدا، فيحلفون بالله أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا، لأن من عاش على شيء مات عليه، وبعث عليه، ويظنون أن ذلك ينفعهم عند الله، كما كان ينفعهم عند الناس. وهذا من شدة شقاوتهم، فإن الحقائق يوم القيامة قد انكشفت. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ أي ويظنون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما يجلب نفعا أو يدفع ضررا، كما كانوا يظنون ذلك في الدنيا، ألا إنهم بهذا التصور هم الكاذبون أشد الكذب فيما يحلفون عليه. وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ

стр. 8274

فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا: وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٣/ ٦ - ٢٤]. ثم ذكر الله تعالى سبب ضلالهم، فقال: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ، فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي استولى عليهم وأحاط بهم وغلب على عقولهم، فتركوا أوامره والعمل بطاعاته، أولئك جنود الشيطان وأتباعه ورهطه، إلا إن أعوان الشيطان هم الخاسرون الهالكون، لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلالة، وكذبوا على الله وعلى نبيه، وحلفوا الأيمان الفاجرة، فسوف يخسرون في الدنيا والآخرة، وليس العاقل من يقبل هذا ويرتضيه لنفسه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - تحرم موادّة الكافرين أعداء المؤمنين، واطلاعهم على أسرار المسلمين، ومؤازرتهم ونصحهم. ٢ - ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين، بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم. ٣ - لهؤلاء المنافقون عذاب شديد في جهنم، وهو الدّرك الأسفل من النار، وبئست الأعمال أعمالهم. ٤ - اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم جنّة أو ساترا ووقاية لهم من القتل، فلهم عذاب ذو إهانة في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.

стр. 8275

٥ - لن تفيدهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. ٦ - لهم عذاب مهين يوم بعثهم من قبورهم وحشرهم يوم القيامة. ٧ - إنهم يغالطون باليمين مغالطة ظاهرة، ظانين أن الأيمان الكاذبة تنفعهم في الآخرة كما تنفعهم في الدنيا، وهم يحسبون أنهم على شيء من النفع بإنكارهم وحلفهم، وهم في الواقع كاذبون، والمراد: أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف. ٨ - لقد غلب الشيطان عليهم بوسوسته في الدنيا، مما أدى بهم إلى ترك أوامر الله والعمل بطاعته، وهم رهط الشيطان وطائفته، وحزب الشيطان هم الخاسرون في بيعتهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة. جزاء المعادين لله تعالى والرسول ﷺ والوعد بنصر المؤمنين وتحريم موالاة الأعداء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾

стр. 8276

الإعراب: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ.﴾. ﴿كَتَبَ﴾: أجري مجرى القسم، لذا أجيب بجواب القسم في قوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾. ﴿وَرُسُلِي﴾: في موضع رفع بالعطف على الضمير في ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾. وإنما جاز العطف على الضمير المرفوع المستتر لتأكيده بقوله: ﴿أَنَا﴾. وإذا أكد الضمير المنفصل أو المستتر، جاز العطف عليه. ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ هي أفعل التفضيل. البلاغة: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ مجاز مرسل، لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية. المفردات اللغوية: ﴿يُحَادُّونَ﴾ يعادون ويخالفون ويشاقون، فهم في حد، والشرع والهدى في حد. ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ في جملة المغلوبين أذل خلق الله. ﴿كَتَبَ اللهُ﴾ قضى وحكم. ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾ بالحجة والقوة. ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﴿يُوادُّونَ﴾ يصادقون، أي لا ينبغي أن تجدهم وادّين أعداء الله، والمراد: أنه لا ينبغي لهم أن يوادّوهم. ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ولو كان المحادّون أقرب الناس إليهم. ﴿أُولئِكَ﴾ أي الذين لم يوادّوهم. ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ﴾ أثبت الإيمان في قلوبهم، وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، لأن أعمال الأعضاء لا تثبت في القلب. ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾ قواهم. ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي بنور من عند الله يقذفه في القلوب، لتطمئن وتسكن. ﴿﵃﴾ بطاعته. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه الذي وعدهم به. ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ جنده وأنصار دينه، يتبعون أمره ويجتنبون نهيه. ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بخير الدارين. سبب النزول: نزول الآية (٢١): ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ.﴾. قال مقاتل: لما فتح الله مكة للمؤمنين والطائف وخيبر وما حولها، قالوا: نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي: أتظنون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها، والله إنهم

стр. 8277

لأكثر عددا وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك؟ فنزلت: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. نزول الآية (٢٢): ﴿لا تَجِدُ قَوْماً﴾: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن ابن عباس عن عبد الله بن شوذب قال: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ﴾ الآية. وأخرجه الطبراني والحاكم في المستدرك بلفظ: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر، قصده أبو عبيدة، فقتله، فنزلت. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: حدّثت أن أبا قحافة سبّ النّبي ﷺ ، فقال: فصكّه أبو بكر صكّة، فسقط، فذكر ذلك للنّبي ﷺ ، فقال: أفعلت يا أبا بكر؟ فقال: والله لو كان السيف قريبا مني لضربته به: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً.﴾. الآية. وقال الرازي: إن الأكثرين اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً..﴾. نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النّبي ﷺ إليهم، لما أراد فتح مكة. المناسبة: بعد بيان سوء حال المنافقين في الآخرة وخسارتهم الكبرى، أبان الله تعالى سبب خسارتهم وهو مشاقّة الله تعالى ورسوله ﷺ ومخالفة أوامرهما، ثم أخبر عن قضائه المبرم في نصر الرسل وهزيمة أعدائهم، ثم ذكر أن الإيمان لا يجتمع مع وداد أعداء الله وموالاتهم، لأن من أحبّ أحدا، امتنع أن يحب مع ذلك عدوه.

стр. 8278

التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي إن الكفار المعاندين المخالفين أوامر الله ونواهيه، والذين يجانبون الحق ويعادون الإسلام، فيجعلون أنفسهم في حد، وشرع الله ورسوله في حد آخر، هم في جملة المغلوبين وفي جملة من هم أذلّ خلق الله تعالى، لا ترى أحدا أذلّ منهم، سواء في الدنيا بالقتل والأسر والطرد من الديار، كما حصل للمشركين واليهود، وفي الآخرة بالخزي والنكال والعذاب، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [آل عمران ١٩٢/ ٣]. وهذا إنذار بهزيمة أعداء الله، والآية جملة استئنافية لتعليل خسرانهم. ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي حكم الله وقضى في سابق علمه الأزلي أن الله ورسله هم الغالبون بالحجة والسيف ونحوهما، إن الله قوي على نصر رسله، غالب لأعدائه، وهذا-كما قال ابن كثير-قدر محكم، وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة. وهذا بشارة بنصر المؤمنين على الكافرين، وقد تحقق ذلك مرارا، فنصر رسله الكرام على أقوامهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم ممن مضى، ونصر رسوله محمد ﷺ ومن آمن معه على المشركين في الجزيرة العربية، وعلى دولتي الروم والفرس. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [١٧١/ ٣٧ - ١٧٣]. ثم بيّن الله تعالى شأن المؤمنين في أنهم لا يوادون أعداء الله، فقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي لا ينبغي للمؤمنين بالله واليوم الآخر أن يحبوا ويصادقوا ويوالوا من عادى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

стр. 8279

وشاقهما، ولو كان المحادّون المعادون لله تعالى ورسوله ﷺ أقرب الناس إليهم، كالآباء الذين يجب برّهم وطاعتهم، والأبناء فلذات الأكباد، والإخوان الناصرين لهم، والعشيرة أو القبيلة التي ينتمون إليها ويتآزرون بها. أخرج الترمذي والحاكم والطبراني مرفوعا: «يقول الله ﵎: وعزتي لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي، ويعاد أعدائي». وأخرج أحمد وغيره عن البراء بن عازب مرفوعا: «أوثق الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله». وأخرج الديلمي من طريق الحسن عن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم لا تجعل لفاجر-وفي رواية: ولا لفاسق-علي يدا ولا نعمة، فيودّه قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت إلي: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾». ثم بيّن الله تعالى سبب الامتناع من موادّة الأعداء وجزاء الممتنعين، فقال: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي أولئك الذين لا يوادّون من حادّ الله تعالى ورسوله ﷺ أثبت الله الإيمان الصحيح في قلوبهم، وقواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمي نصره لهم روحا، لأن به يحيا أمرهم، ويدخلهم الجنان التي تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ماكثين فيها على الأبد، وقد قبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة، وفرحوا بما أعطاهم عاجلا وآجلا. ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي أولئك أنصار الله وجنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، ألا إن هؤلاء الأنصار هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة.

стр. 8280

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي من الموضوعات الأربعة: ١ - إن الكفار المعاندين الذين يشاقون الله تعالى ورسوله ﷺ ، ويعادون شرع ربهم، وسنة رسولهم، من جملة الأذلاّء، فلا أذلّ منهم. ٢ - قضى الله وحكم في اللوح المحفوظ أنه سيغلب أعداءه بالحجة والسيف ونحوهما، فمن تهيأ للحرب غلب بالحرب، ومن استعد للحجة والبيان غلب بالحجة. ٣ - لا يجتمع الإيمان الحق مع وداد أعداء الله، لأن من أحب أحدا، امتنع أن يحب مع ذلك عدوه، حتى ولو كان الأعداء من الأقربين، ومن أنعم الله عليه بنعمة الإيمان العظمى، كيف يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء الله؟! ٤ - وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين المجتنبين مصادقة الأعداء بأن الله غرس الإيمان في قلوبهم، وأيدهم بنصر من عنده، ثم بيّن جزاءهم الأخروي وهو دخول الجنان مع الخلود فيها، والحظوة برضوان الله وثوابه، والفرح بما أمدهم الله به من النعم في الدنيا والآخرة من نصر ورزق وخير، ونور وإيمان وبرهان وهدى، وجنان، ثم وصفهم الله بأنهم حزب الله الغالب، وحزب الله هم المفلحون الفائزون، وهذا المعنى الأخير بيان لاختصاص هؤلاء بسعادة الدنيا والآخرة. والخلاصة: ذكر الله أربع نعم على من ترك موادة الأعداء وهي: أولا-إثبات الإيمان في قلوبهم. ثانيا-تأييدهم بروح من عند الله، أي بنصرهم على عدوهم، وبروح من الإيمان.

стр. 8281

ثالثا-إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها. رابعا-ينعمون بنعمة الرضوان، ويفرحون بما أعطاهم الله تعالى. وذكر الله تعالى أيضا أربعة أمور توجب ترك المودة وهي: أولا-إن الإيمان ومودة الأعداء لا يجتمعان في القلب. ثانيا-نفورهم من موادة الأعداء، ولو كانوا من الأقربين: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ..﴾. إلخ. ثالثا-إنه تعالى عدّد نعمه على المؤمنين، وهي توجب ترك مودة أعداء الله: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ﴾ إلخ. رابعا-وصفهم بأنهم حزب الله الغالب: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

стр. 8282

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحشر مدنيّة، وهي أربع وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة الحشر، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.﴾. أي الحشر الأول وهو الجمع الأول الذي حشروا فيه وأخرجوا في عهد النبوة من المدينة إلى بلاد الشام، والحشر الثاني: إجلاؤهم وإخراجهم في عهد عمر من خيبر إلى الشام. وتسمى أيضا سورة بني النضير، لاشتمالها على قصة إجلاء يهود بني النضير، في غزوة بني النضير، وهم اليهود الذين نقضوا العهد مع النبي ﷺ ، فأجلاهم عن المدينة المنورة. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة: ١ - ذكر في السورة السابقة من حادّ الله تعالى ورسوله ﷺ ، ومن قتل من الصحابة أقرباءه يوم بدر، وفي أول هذه السورة ذكر من شاقّ الله تعالى ورسوله ﷺ ، وما جرى بعد غزوة بني النضير من إجلاء اليهود، وقد حدثت الغزوة بعد بدر. ٢ - أخبر الله في آخر السابقة عن نصر الرسل: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وأفاد في أول هذه إنجاز النصر على اليهود: ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ

стр. 8283

يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. ٣ - كشف الله في السورة المتقدمة حال المنافقين واليهود وموادة بعضهم بعضا، وذكر في هذه السورة ما حلّ بيهود بني النضير. ما اشتملت عليه السورة: سورة الحشر كسائر السور المدنية عنيت بالأحكام التشريعية، مثل إجلاء يهود بني النضير من المدينة، وأحكام الفيء والغنائم، والأمر بالتقوى. كما أن فيها تحليلا لعلاقة المنافقين باليهود، وبيان عظمة القرآن، وإيراد بعض أسماء الله الحسنى. افتتحت السورة بتنزيه الله نفسه عن كل نقص، وتمجيده من جميع ما في الكون من إنسان وحيوان ونبات وجماد، وشهادتهم بوحدانيته وقدرته، والنطق بعظمته. وأردفت ذلك بالإشادة بالنصر على أعداء الله تعالى والرسول ﷺ ، وإجلاء يهود بني النضير من المدينة المنورة، وتهديم قلاعهم وحصونهم. ثم أبانت حكم الفيء وهو الأراضي والدور والأموال الآيلة من العدو للمسلمين من غير قتال، ببيان مصارفه وتوزيعه على مختلف فئات المسلمين، وحكمة ذلك التوزيع. وفي ثنايا آيات الفيء امتدح الله تعالى مواقف المهاجرين، وأشاد بمآثر الأنصار، وانتدب الذين جاؤوا من بعدهم للثناء على من سبقهم والدعاء لهم بالمغفرة. وقارن ذلك بعلاقة المنافقين باليهود، وتحالفهم على الباطل، وكشف أخلاق الفريقين، ومنها خذلان المنافقين من يحالفونهم وقت الأزمة، وجبن

стр. 8284

اليهود وخوفهم من مواجهة المؤمنين، وتشبيه المنافقين بالشيطان الذي يغري الإنسان بالسوء والضلال، ثم يتخلى عنه في الوقت العصيب. ثم أمر الله المؤمنين بالتقوى، والاستعداد ليوم القيامة وما فيه من أهوال جسام، والاعتبار بأحوال الماضين، وتذكر الفرق العظيم بين أهل الجنة وأهل النار، ومصير السعداء والأشقياء في دار الخلود. وختمت السورة ببيان عظمة القرآن الكريم، وعظمة من أنزله واتصافه بأوصاف الجلال، وتسميته بالأسماء الحسنى. سبب نزول السورة: روى سعيد بن منصور والبخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النضير، وفي رواية: سورة بني النضير. وقال ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد: كان رسول الله ﷺ ، لما قدم المدينة، هادنهم وأعطاهم عهدا وذمّة على ألا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحلّ الله بهم بأسه، الذي لا مرد له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصدّ، فأجلاهم النّبي ﷺ ، وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئا، وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، وسيّرهم رسول الله ﷺ وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله تعالى، وخالف رسوله ﷺ ،

стр. 8285

وكذب كتابه، كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم (١). فضل السورة: أخرج الثعالبي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الحشر، لم يبق شيء من الجنة والنار والعرش والكرسي والسموات والأرض والهوامّ والريح والسحاب والطير والدوابّ والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلّوا عليه، واستغفروا له، فإن مات من يومه أو ليلته، مات شهيدا». وأخرج الثعالبي أيضا عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ آخر سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ..﴾. -إلى آخرها-فمات من ليلته، مات شهيدا» (٢). وأخرج أحمد والترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكلّ الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، وإن مات في يومه، مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي، فكذلك» قال الترمذي: حديث حسن غريب.

стр. 8286

إجلاء يهود بني النضير ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾ الإعراب: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ في الجملة فعل الظن مكرر، وإنما أتى ب ﴿أَنْ﴾ الخفيفة والثقيلة بعد الظن، لأن الظن يتردد بين الشك واليقين، فتارة يحمل على الشك، فيؤتى بالخفيفة، وتارة يحمل على اليقين، فيؤتى بالثقيلة. و ﴿حُصُونُهُمْ﴾: مرفوعة باسم الفاعل: ﴿مانِعَتُهُمْ﴾ لأن اسم الفاعل جرى خبرا ل ﴿أَنْ﴾ فوجب أن يرفع ما بعده. البلاغة: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ بين ﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ و ﴿ظَنُّوا﴾ ما يسمى بطباق السلب.

стр. 8287

المفردات اللغوية: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ نزهه وقدسه، ولام ﴿لِلّهِ﴾ مزيدة. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أتى ب ﴿ما﴾ تغليبا للأكثر. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب في ملكه. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، يضع الأشياء في موضعها المناسب لها. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يهود بني النّضير، وهم إحدى قبائل اليهود الثلاثة الكبرى في المدينة بجوار بني قريظة وبني قينقاع. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ﴾ مساكنهم في المدينة. ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ أي عند الحشر الأول أو أول حشرهم، والحشر الأول: الجمع والإخراج والجلاء من المدينة ونفيهم إلى بلاد الشام، والحشر الآخر: إجلاء عمر إياهم في خلافته من خيبر إلى الشام. ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ ما ظننتم أيها المؤمنون خروجهم، لشدة بأسهم ومنعتهم. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي وتأكدوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وعذابه، والحصون: القصور الشاهقة والقلاع المشيدة، جمع حصن. ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ﴾ أي جاءهم عذابه وأمره. ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ من حيث لم يخطر لهم ببال، لقوة وثوقهم بأنفسهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴿قَذَفَ﴾: ألقى بقوة، والمراد هنا: أثبت فيها الخوف الذي يرعبها، أي يملؤها رعبا بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. ﴿يُخْرِبُونَ﴾ وقرئ: يخرّبون، أي يهدمون، والغاية من الهدم: نقل ما استحسنوا منها من خشب وغيره. ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ فاتعظوا بحالهم، أو فانظروا في حقائق الأشياء ما تدل عليه من دلالة وعبرة. واستدل به على أن القياس حجة من حيث إنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال، وحملها عليها في حكم، لما بينها من العلة المشتركة المقتضية التساوي في الحكم. ﴿كَتَبَ﴾ قضى. ﴿الْجَلاءَ﴾ الخروج الجماعي من الوطن مع الأهل والولد، أما الإخراج فيكون لواحد وجماعة، ومع بقاء الأهل والولد. ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ كلام مستأنف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا، لم ينجوا من عذاب الآخرة. ﴿ذلِكَ﴾ المذكور الذي حاق بهم. ﴿شَاقُّوا﴾ خالفوا وعادوا، حتى كأنهم في شق، ومن عادوه في شق آخر. ﴿لِينَةٍ﴾ نخلة مطلقا أو النخلة الكريمة، وجمعها أليان. ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ فبأمره. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ علة لمحذوف، أي وفعلتم، أو: وأذن لكم في القطع ليخزيهم على فسقهم بما غاظهم من العدو. واستدل به على جواز هدم دبار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم.

стр. 8288

سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: سورة الأنفال نزلت في بدر، وسورة الحشر نزلت في بني النضير. وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة وهي السلاح، فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾. وروي أنه ﷺ ، لما قدم المدينة، صالح بني النضير على ألا يكونوا له ولا عليه، فلما ظهر على المشركين يوم بدر، قالوا: إنه النبي المبعوث-في التورية بالنصرة-فلما هزم المسلمون يوم أحد، ارتابوا ونكثوا، وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة، وحالفوا أبا سفيان، فأمر رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة أخا كعب من الرضاعة، فقتله غيلة، ثم صبّحهم بالكتائب، وحاصرهم، حتى صالحوه على الجلاء، فجلا أكثرهم إلى الشام، ولحقت طائفة بخيبر والحيرة، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ويوضح ذلك ما قاله المفسرون: نزلت هذه الآية في بني النضير، وذلك أن النّبي ﷺ لما قدم المدينة، صالحه بنو النضير على ألا يقاتلوه ولا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، وقبل رسول الله ﷺ ذلك منهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، وظهر على المشركين، قالت بنو النضير: والله، إنه النّبي الذي وجدنا نعته في التوراة، لا تردّ له راية، فلما غزا أحدا، وهزم المسلمون، نقضوا العهد، وأظهروا العداوة

стр. 8289

لرسول الله ﷺ والمؤمنين، فحاصرهم رسول الله ﷺ ، ثم صالحهم على الجلاء من المدينة (١). وكان خروج النبي ﷺ إليهم في ربيع الأول السنة الرابعة من الهجرة. نزول الآية (٥): ﴿ما قَطَعْتُمْ..﴾.: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ حرّق بني النضير، وقطع وديّ (٢) البويرة، فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها﴾ الآية. وأخرج ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: لما نزل رسول الله ﷺ ببني النضير، تحصنوا منه في الحصون، فأمر بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه، فما بال قطع النخل وتحريقها، فنزلت. وأخرج ابن جرير عن قتادة ومجاهد مثله. التفسير والبيان: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إن جميع ما في السموات والأرض من الأشياء ينزّه الله عن كل نقص، ويمجده ويقدسه، ويصلي له، ويوحده، إما تصريحا باللسان، وإما بالقلب، وإما بلسان الحال والمقال، إذعانا لعظمته، وانقيادا وخضوعا لجلاله، وهو المنيع الجناب القوي الغالب القاهر في ملكه، الحكيم في صنعه وقدره وشرعه، يضع الأشياء في موضعها الصحيح، وإن لم يدرك الإنسان في الحال حكمة الله وتدبيره. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].

стр. 8290

ومن مظاهر قدرة الله تعالى وحكمته ما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ أي إنه سبحانه هو الذي قضى بإخراج يهود بني النضير من ديارهم في المدينة، في الحشر الأول، أي الجمع والإخراج والجلاء، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، وآخر حشر إجلاء عمر لهم من خيبر إلى الشام. ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي ما توقعتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم، لعزتهم ومنعتهم، وكانوا أهل حصون مانعة، وعقار ونخيل واسعة، وأهل عدد وعدة، وفي هذا بيان عظمة النعمة، وتوقعوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، وألا يتعرضوا لسوء. ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي جاءهم أمر الله وبأسه وعقابه من جهة لم تخطر لهم ببال، وهو أنه سبحانه أمر نبيه ﷺ بقتالهم وإجلائهم، وكانوا لا يظنون مثل هذا الحدث، بل كانوا يرون أنفسهم أعزّ وأقوى، وألقى الله الخوف الذي يملأ الصدر، قال ﷺ فيما أخرجه الشيخان والنسائي عن جابر: «نصرت بالرعب مسيرة شهر». ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لما أيقنوا بالجلاء، دمّروا منازلهم من الداخل لكيلا يستفيد منها المسلمون، ودمرها المؤمنون من الخارج، قال الزهري وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي ﷺ على أن لهم ما أقلّت الإبل، كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود، فيهدمون بيوتهم، ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ فاتعظوا أيها العقلاء بما حدث، واعلموا أن الله يفعل مثل ذلك بمن غدر وخالف أمر الله تعالى ورسوله ﷺ .

стр. 8291

﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ أي ولولا أن قضى الله عليهم بالخروج والجلاء من أوطانهم على هذا النحو المهين، لعذبهم بالقتل والسبي في الدنيا، كما فعل ببني قريظة سنة خمس للهجرة، بعد غزوة الخندق، وكما فعل مع المشركين يوم بدر في السنة الثانية، ومع يهود بني قينقاع وإجلائهم عن المدينة عقب معركة بدر، ولهم في القيامة عذاب شديد في جهنم. أما سبب إجلائهم في التاريخ: فهو أن النّبي ﷺ خرج مع عشرة من أصحابه، منهم أبو بكر وعمر وعلي، إلى بني النضير يسألهم المعونة في دية قتيلين قتلهما أحد المسلمين خطأ، وهما من بني عامر حلفائهم، فقد كان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف. فوعدوا خيرا في الظاهر، وأضمروا الغدر والاغتيال، وكان رسول الله ﷺ قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم، فتآمروا على قتله على يد عمرو بن جحاش بن كعب اليهودي، بإلقاء صخرة عليه من فوق السطح، مكان جلوسه بجوار الجدار. فأطلعه الله تعالى بالوحي على مؤامرتهم، فقام ورجع إلى المدينة، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم وإجلائهم من المدينة، وعاد إليهم في شهر ربيع الأول سنة أربع للهجرة، فحاصرهم ست ليال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فقبل. ثم خرج بعضهم إلى خيبر، وبعضهم إلى الشام. وفي أثناء الحصار أمر النبي ﷺ بقطع نخلهم وإحراقه، حتى لا يبقى لهم تعلق بأموالهم، ونادوا يا محمد: قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيب من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟! فنزل قوله تعالى كما تقدم: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها.﴾. الآية.

стр. 8292

وهنا أبان الله تعالى سبب جلائهم قائلا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ، فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي إنما فعل الله بهم ذلك وهو الطرد والإجلاء، وتسليط المؤمنين عليهم، لأنهم خالفوا الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين، من البشارة بمحمد ﷺ ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ومن يعادي الله تعالى ورسوله ﷺ بعدم الطاعة، والميل مع الكفار، ونقض العهد، فإن الله يعاقبه أشد العقاب، ويعذبه في الدنيا والآخرة. ثم عذر الله تعالى المؤمنين فيما أقدموا عليه مما تقضي به الضرورة الحربية، فقال: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ أي إن ما قمتم به من قطع النخيل وإحراقه، أو تركه قائما دون قطع، فهو بأمر الله ومشيئته، وقد أذن بذلك ليعز المؤمنين، وليذل الخارجين عن الطاعة، وهم اليهود، ويغيظهم في القطع والترك، فإنهم إذا رأوا المؤمنين يفعلون في أموالهم ما شاؤوا، ازدادوا غيظا وحنقا. واللينة: أنواع التمر سوى العجوة. والنخيل الذي قطع وأحرق هو البويرة، لأن رسول الله ﷺ لما حاصرهم، أمر بقطع نخيلهم، إهانة لهم، وإرهابا وإرعابا لقلوبهم. وقد تمّ قطع النخل بأمر الله ومشيئته، ولإذلال اليهود الذين كفروا بالله تعالى ورسوله ﷺ وكتبه. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - إن تسبيح الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به هو شأن جميع المخلوقات في السموات والأرض، نباتا وحيوانا وجمادا، وملكا وكوكبا، إما بلسان الحال

стр. 8293

أو بلسان المقال، اعترافا بوجود الله ووحدانيته وقدرته وعظمته. ٢ - تعرض اليهود في العصر الإسلامي الأول بأمر الله لحشرين في الدنيا، والحشر: الجمع والإخراج والجلاء، والحشر الأول من المدينة إلى الشام، والحشر الآخر: إجلاء عمر ﵁ إياهم من خيبر إلى الشام، بكفرهم ونقضهم العهد. ولهم حشر في الآخرة كبقية الناس للحساب والجزاء. ٣ - كان إجلاء اليهود من المدينة ومن خيبر أمرا غير متوقع من الناس، لقوتهم ومنعتهم وتحصنهم في حصونهم واجتماع كلمتهم، فأتاهم أمر الله وعذابه من حيث لم يظنوا، وألقى الله الرعب والخوف في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، والذي قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش، أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعبّاد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وكانوا يخربون بيوتهم لئلا يسكنها المسلمون بعدهم، وأتم المؤمنون تخريبها، لمحو آثارهم وتصفية وجودهم من الجزيرة العربية. وفي ذلك نصر لرسول الله ﷺ وتشريف له، وإعزاز لمكانة المسلمين، وإذلال لليهود الذين عاثوا الفساد في الأرض. ٤ - إن في إجلاء اليهود على هذا النحو عبرة وعظة، يتعظ بها أولو الألباب وأصحاب العقول، جاء في الأمثال الصحيحة: «السعيد: من وعظ بغيره». ٥ - تمسك علماء أصول الفقه بآية: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ على أن القياس حجة، لأن الله تعالى أمر فيها بالاعتبار وهو العبور والانتقال من الشيء إلى غيره، وذلك متحقق في القياس، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع.

стр. 8294

٦ - استدل العلماء بالآية: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ.﴾. إلخ على جواز هدم ديار الكفار الأعداء، وقطع أشجارهم، وإحراق زروعهم في أثناء الحرب، للضرورة الحربية، فلا بأس من الهدم والحرق والتغريق والرمي بالمجانيق، وقطع الأشجار، مثمرة كانت أو غير مثمرة. ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرّق. وهذا هو الرأي الصحيح، ويرى الشافعية أنه إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن ييأسوا فعلوا. ٧ - قال الكيا الطبري: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ، والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم. وهذا محل نظر في تقديري. ٨ - كان قضاء الله تعالى بجلاء يهود بني النضير من المدينة وخيبر رحمة بهم، ولولا ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالقتل والسّبي، كما فعل ببني قريظة. والجلاء: مفارقة الوطن، والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما لغة واحدا من وجهين كما ذكر القرطبي: أحدهما-أن الجلاء: ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني-أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة. ٩ - إن سبب ذلك التخريب والجلاء هو مشاقة الله تعالى ورسوله ﷺ ، أي معاداة الله تعالى والرسول ﷺ ، ومخالفة أمر الله، ثم عمم الله الإنذار، فقال بقصد الزجر: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ، فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾. ١٠ - كان خروج النبي ﷺ إلى يهود بني النضير في ربيع الأوّل أوّل السنة الرابعة من الهجرة، وتحصنوا منه بالحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها، وحينئذ نزل تحريم الخمر. ودسّ عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن معه من المنافقين

стр. 8295

إلى بني النضير: إنّا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فاغترّوا بذلك. ولما لزم الأمر واقتضت الحرب معاونتهم خذلوهم وأسلموهم، وسألوا رسول الله ﷺ أن يكفّ عن دمائهم ويجليهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا ذلك إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. ١١ - قال الماوردي في آية: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ.﴾.: إن في هذه الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب، لأن بعض الناس كان يقطع، وبعضهم لا يقطع، فصوّب الله الفريقين. والحق أن المصيب في الاجتهاد واحد، وغيره مخطئ لا إثم عليه، كما أن الآية ليست من محل النزاع، لأن اجتهاد الصحابة في عهد النبي ﷺ لا تأثير له، قال ابن العربي معلقا على قول الماوردي: وهذا باطل، لأن رسول الله ﷺ كان معهم، ولا اجتهاد مع رسول الله ﷺ ، وإنما يدل على اجتهاد النّبي ﷺ فيما لم ينزل عليه، أخذا بعموم الأذيّة للكفار، ودخولا في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ (١). حكم الفيء ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾

стр. 8296

الإعراب: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ الجملة حال. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ.﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: في موضع جر، لأنه معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾. و ﴿الْإِيمانَ﴾: منصوب بتقدير فعل، وتقديره: وقبلوا الإيمان. و ﴿يُحِبُّونَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿يُحِبُّونَ﴾ في موضع رفع، على أن يجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و ﴿يُحِبُّونَ﴾ خبره. البلاغة: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ و ﴿ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الضمير ﴿دِيارِهِمْ﴾ بين المبتدأ، والخبر لإفادة الحصر. ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ استعارة، شبّه الإيمان المستقر في نفوسهم بمنزل للإنسان نزل فيه وتمكن منه. المفردات اللغوية: ﴿وَما أَفاءَ﴾ رد وأعاد، أي صيّره إليه، والفيء شرعا: ما أخذ من أموال الكفار من غير حرب ولا قتال، أو بلا إيجاف خيل ولا ركاب أو صلحا كأموال بني النضير، أما الغنيمة: فهي

стр. 8297

ما أخذ بحرب وقتال، ورأى بعضهم أن الفيء: العقارات، والغنيمة: المنقولات. ﴿مِنْهُمْ﴾ من بني النضير أو من الكفرة أو أهل الكتاب المذكورين في أول السورة. ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أسرعتم أيها المسلمون، من الوجيف: وهو سرعة السير. ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة، والركاب: ما يركب من الإبل، والمراد: أنكم لم تبذلوا في تحصيله مشقة، ولم تقاسوا فيه شدة. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ بإلقاء الرعب في قلوبهم. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الله القادر على ما يريد، تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، بحرب أو بغير حرب. ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ بيان للأول، أي من أهل البلدان المفتوحة بلا قتال، كالصفراء ووادي القرى وينبع. ﴿فَلِلّهِ﴾ الأمر فيه لله يأمر فيه بما يشاء، قيل: تكون قسمة الغنائم أسداسا، ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يخمّس، وذكر الله للتعظيم، ويصرف الآن سهم الرسول ﷺ إلى الإمام أو إلى الجيش، أو في مصالح المسلمين. ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ صاحب قرابة النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب. ﴿وَالْيَتامى﴾ أطفال المسلمين الذين فقدوا آباءهم، وهم فقراء. ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ ذوي الحاجة من المسلمين. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في سفره من المسلمين. ﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أي لئلا يكون الفيء، أو المال، وهو علة لقسمه على النحو المذكور. ﴿دُولَةً﴾ بالضم: متداولا، فالدولة: ما يتداول من المال، والدّولة بالفتح: ما ينتقل من الحال. ﴿آتاكُمُ﴾ أعطاكم. ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ﴾ ما منعكم عنه. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في مخالفة رسوله ﷺ . ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن خالف. ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِذِي الْقُرْبى﴾ وما عطف عليه، فإن الرسول ﷺ لا يسمى فقيرا، والمهاجرون: هم الذين هاجروا في صدر الإسلام من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ الجملة حال مقيدة لصفة إخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم. ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ينصرون دينه بأنفسهم وأموالهم. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الذين صدقوا في إيمانهم وجهادهم. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ أي والذين سكنوا المدينة ولزموها، ولزموا الإيمان وألفوه وتمكنوا فيه، والمراد بالدار: دار الهجرة، وهم الأنصار. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل هجرة المهاجرين. ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ في أنفسهم. ﴿حاجَةً﴾ أي شيئا نفسيا كالحزازة والحسد والغيظ. ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره دون الأنصار. ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ ويقدمون المهاجرين على أنفسهم، من الإيثار: وهو تقديم مصلحة الغير على النفس في أعراض الدنيا. ﴿خَصاصَةٌ﴾ حاجة إلى ما يؤثرون به، من خصاص البناء: فرجته. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ

стр. 8298

نَفْسِهِ﴾ أي ومن يمنع ويحمى من بخل نفسه، وهو حب المال وبغض الإنفاق، والشح: بخل مع حرص. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل. ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد المهاجرين والأنصار، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فلذلك قيل: إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين. ﴿غِلاًّ﴾ حقدا وحسدا لهم. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ بالغ الرأفة والرحمة، فحقيق بأن تجيب دعاءنا. سبب النزول: نزول الآية (٩): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا.﴾.: أخرج ابن المنذر عن زيد الأصم: أن الأنصار قالوا: يا رسول الله، اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين قال: لا، ولكن تكفونهم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم، قالوا: رضينا، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ الآية. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد (الجوع والفاقة) فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئا، فقال: ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئا، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: لقد عجب الله، أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾. وأخرج مسدّد في مسنده وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي أن رجلا من المسلمين، فذكر نحوه، وفيه: أن الرجل الذي أضاف: ثابت بن قيس بن شماس، فنزلت فيه هذه الآية.

стр. 8299

وأخرج الواحدي عن عبد الله بن عمر قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث واحد إلى آخر، حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ الآية. المناسبة: بعد بيان ما حل ببني النضير في الدنيا من تخريب بيوتهم، وتحريق نخيلهم وتقطيعها، ثم إجلائهم إلى الشام، ثم الإخبار عن عذابهم في الآخرة، ذكر الله تعالى حكم الأموال التي أخذت منهم، فهي فيء، ثم ذكر تعالى حكم الفيء بصفة عامة، لبيان الفرق بين الغنيمة التي تؤخذ بقتال، والفيء الذي يؤخذ صلحا بغير قتال. وإنما أخذت أموال بني النضير بغير قتال يذكر، بالرغم من حصارهم، لأنه لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا، ولم يركب إلا رسول الله ﷺ ، وكان راكب جمل، فلما كانت المقاتلة قليلة، ولم يكن خيل ولا ركاب، أجراه الله تعالى مجرى ما لم يحصل فيه قتال أصلا، وخص رسول الله ﷺ بتلك الأموال، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة. التفسير والبيان: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ أي ما ردّه الله تعالى على رسوله ﷺ وصيّره إليه من أموال الكفار بني النضير، فهو للرسول ﷺ ، لأنه لم يحصل فيه قتال ولا حرب ولا تجشم مشقة، ولم

стр. 8300

تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، وافتتحت ديارهم صلحا، وأخذت أموالهم بعد جلائهم عنها، ولذا لم تقسم بين الغانمين، وإنما جعل الله أموال بني النضير لرسوله ﷺ خاصة لهذا السبب، يصرفه على مصالحه كيف يشاء. أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته-أو قال: قوت سنته-وما بقي جعله في الكراع (١) والسلاح عدّة في سبيل الله ». وإنما قال: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ لأنه الطائع لربه فيما يأمره به، وجدير بالمال أن يكون للمطيعين. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ولكن الله بقدرته يسلط رسله على من يشاء من أعدائه، كما سلط محمدا ﷺ على بني النضير، فأخذ أموالهم دون قتال، والله قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء بمن يشاء، فإنه سبحانه هو الذي مكّن رسوله ﷺ من بني النضير. ثم ذكر الله حكم الفيء، فصارت أموال الأعداء ثلاثة أنواع: الغنائم المنقولة المأخوذة قهرا التي توزع أخماسا بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ.﴾. [الأنفال ٤١/ ٨] والأموال المنقولة التي تؤخذ صلحا بلا إيجاف خيل ولا ركاب، فهي للرسول ﷺ خاصة، يصرفها كيف شاء بقوله تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ.﴾. وأموال الفيء العقارية التي توزع على المصالح العامة بعد الرسول ﷺ ، بقوله تعالى هنا:
следующие страницы →