الإعراب:
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ الجملة حال.
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ.﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: في موضع جر، لأنه معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾. و ﴿الْإِيمانَ﴾: منصوب بتقدير فعل، وتقديره: وقبلوا الإيمان. و ﴿يُحِبُّونَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿يُحِبُّونَ﴾ في موضع رفع، على أن يجعل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و ﴿يُحِبُّونَ﴾ خبره.
البلاغة:
﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ و ﴿ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الضمير ﴿دِيارِهِمْ﴾ بين المبتدأ، والخبر لإفادة الحصر.
﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ استعارة، شبّه الإيمان المستقر في نفوسهم بمنزل للإنسان نزل فيه وتمكن منه.
المفردات اللغوية:
﴿وَما أَفاءَ﴾ رد وأعاد، أي صيّره إليه، والفيء شرعا: ما أخذ من أموال الكفار من غير حرب ولا قتال، أو بلا إيجاف خيل ولا ركاب أو صلحا كأموال بني النضير، أما الغنيمة: فهي
стр. 8297
ما أخذ بحرب وقتال، ورأى بعضهم أن الفيء: العقارات، والغنيمة: المنقولات. ﴿مِنْهُمْ﴾ من بني النضير أو من الكفرة أو أهل الكتاب المذكورين في أول السورة. ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أسرعتم أيها المسلمون، من الوجيف: وهو سرعة السير. ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة، والركاب: ما يركب من الإبل، والمراد: أنكم لم تبذلوا في تحصيله مشقة، ولم تقاسوا فيه شدة.
﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ بإلقاء الرعب في قلوبهم. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الله القادر على ما يريد، تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، بحرب أو بغير حرب.
﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ بيان للأول، أي من أهل البلدان المفتوحة بلا قتال، كالصفراء ووادي القرى وينبع. ﴿فَلِلّهِ﴾ الأمر فيه لله يأمر فيه بما يشاء، قيل: تكون قسمة الغنائم أسداسا، ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يخمّس، وذكر الله للتعظيم، ويصرف الآن سهم الرسول ﷺ إلى الإمام أو إلى الجيش، أو في مصالح المسلمين.
﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ صاحب قرابة النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب. ﴿وَالْيَتامى﴾ أطفال المسلمين الذين فقدوا آباءهم، وهم فقراء. ﴿وَالْمَساكِينِ﴾ ذوي الحاجة من المسلمين. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في سفره من المسلمين. ﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أي لئلا يكون الفيء، أو المال، وهو علة لقسمه على النحو المذكور. ﴿دُولَةً﴾ بالضم: متداولا، فالدولة: ما يتداول من المال، والدّولة بالفتح: ما ينتقل من الحال. ﴿آتاكُمُ﴾ أعطاكم. ﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ﴾ ما منعكم عنه. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في مخالفة رسوله ﷺ . ﴿إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن خالف.
﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِذِي الْقُرْبى﴾ وما عطف عليه، فإن الرسول ﷺ لا يسمى فقيرا، والمهاجرون: هم الذين هاجروا في صدر الإسلام من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم.
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾ الجملة حال مقيدة لصفة إخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم.
﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ينصرون دينه بأنفسهم وأموالهم. ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الذين صدقوا في إيمانهم وجهادهم.
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ أي والذين سكنوا المدينة ولزموها، ولزموا الإيمان وألفوه وتمكنوا فيه، والمراد بالدار: دار الهجرة، وهم الأنصار. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل هجرة المهاجرين.
﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ في أنفسهم. ﴿حاجَةً﴾ أي شيئا نفسيا كالحزازة والحسد والغيظ.
﴿مِمّا أُوتُوا﴾ مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره دون الأنصار. ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ ويقدمون المهاجرين على أنفسهم، من الإيثار: وهو تقديم مصلحة الغير على النفس في أعراض الدنيا. ﴿خَصاصَةٌ﴾ حاجة إلى ما يؤثرون به، من خصاص البناء: فرجته. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ
стр. 8298
نَفْسِهِ﴾ أي ومن يمنع ويحمى من بخل نفسه، وهو حب المال وبغض الإنفاق، والشح: بخل مع حرص. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل.
﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد المهاجرين والأنصار، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة، فلذلك قيل: إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين. ﴿غِلاًّ﴾ حقدا وحسدا لهم.
﴿رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ بالغ الرأفة والرحمة، فحقيق بأن تجيب دعاءنا.
سبب النزول:
نزول الآية (٩):
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا.﴾.: أخرج ابن المنذر عن زيد الأصم: أن الأنصار قالوا: يا رسول الله، اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين الأرض نصفين قال:
لا، ولكن تكفونهم المؤنة وتقاسمونهم الثمرة، والأرض أرضكم، قالوا: رضينا، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ الآية.
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد (الجوع والفاقة) فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئا، فقال: ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئا، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: لقد عجب الله، أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾.
وأخرج مسدّد في مسنده وابن المنذر عن أبي المتوكل الناجي أن رجلا من المسلمين، فذكر نحوه، وفيه: أن الرجل الذي أضاف: ثابت بن قيس بن شماس، فنزلت فيه هذه الآية.
стр. 8299
وأخرج الواحدي عن عبد الله بن عمر قال: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة، فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث واحد إلى آخر، حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد بيان ما حل ببني النضير في الدنيا من تخريب بيوتهم، وتحريق نخيلهم وتقطيعها، ثم إجلائهم إلى الشام، ثم الإخبار عن عذابهم في الآخرة، ذكر الله تعالى حكم الأموال التي أخذت منهم، فهي فيء، ثم ذكر تعالى حكم الفيء بصفة عامة، لبيان الفرق بين الغنيمة التي تؤخذ بقتال، والفيء الذي يؤخذ صلحا بغير قتال.
وإنما أخذت أموال بني النضير بغير قتال يذكر، بالرغم من حصارهم، لأنه لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشيا، ولم يركب إلا رسول الله ﷺ ، وكان راكب جمل، فلما كانت المقاتلة قليلة، ولم يكن خيل ولا ركاب، أجراه الله تعالى مجرى ما لم يحصل فيه قتال أصلا، وخص رسول الله ﷺ بتلك الأموال، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة.
التفسير والبيان:
﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ أي ما ردّه الله تعالى على رسوله ﷺ وصيّره إليه من أموال الكفار بني النضير، فهو للرسول ﷺ ، لأنه لم يحصل فيه قتال ولا حرب ولا تجشم مشقة، ولم
стр. 8300
تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، وافتتحت ديارهم صلحا، وأخذت أموالهم بعد جلائهم عنها، ولذا لم تقسم بين الغانمين، وإنما جعل الله أموال بني النضير لرسوله ﷺ خاصة لهذا السبب، يصرفه على مصالحه كيف يشاء.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته-أو قال: قوت سنته-وما بقي جعله في الكراع (١) والسلاح عدّة في سبيل الله ». وإنما قال: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ لأنه الطائع لربه فيما يأمره به، وجدير بالمال أن يكون للمطيعين.
﴿وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ولكن الله بقدرته يسلط رسله على من يشاء من أعدائه، كما سلط محمدا ﷺ على بني النضير، فأخذ أموالهم دون قتال، والله قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء بمن يشاء، فإنه سبحانه هو الذي مكّن رسوله ﷺ من بني النضير.
ثم ذكر الله حكم الفيء، فصارت أموال الأعداء ثلاثة أنواع: الغنائم المنقولة المأخوذة قهرا التي توزع أخماسا بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ.﴾.
[الأنفال ٤١/ ٨] والأموال المنقولة التي تؤخذ صلحا بلا إيجاف خيل ولا ركاب، فهي للرسول ﷺ خاصة، يصرفها كيف شاء بقوله تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ.﴾. وأموال الفيء العقارية التي توزع على المصالح العامة بعد الرسول ﷺ ، بقوله تعالى هنا:
стр. 8301
﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى، وَالْمَساكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ففي هذه الآية بيان مصارف الفيء بعد الرسول ﷺ ، وهو أن كل ما رده الله على رسوله ﷺ من كفار أهل القرى، كقريظة والنضير وفدك وخيبر، صلحا من غير قتال، ولم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، يحكم به الله بما يشاء، ثم يكون ملكا للرسول ﷺ في حياته، ثم في مصالح المسلمين من بعده، فينفق منه على قرابة النبي ﷺ وهم بنو هاشم وبنو المطلب الممنوعون من أخذ الصدقة أو الزكاة، فجعل لهم حقا في الفيء.
كما ينفق منه على اليتامى وهم الصغار الذين مات آباؤهم قبل البلوغ، والمساكين الفقراء ذوي الحاجة والبؤس، وأبناء السبيل المنقطعين في أثناء السفر، وهم الغرباء الذين نفدت نفقتهم في سفرهم.
فيكون الفيء مقسوما خمسة أقسام: سهم الله تعالى والرسول ﷺ ، هو للرسول ﷺ في حياته، ثم يصرف على مصالح المسلمين بعد وفاته، وسهم ذوي القربى أقارب الرسول ﷺ ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل، والأربعة أخماس الباقية لمصالح المسلمين العامة.
أما الغنيمة: فيصرف خمسها لهؤلاء الخمسة المذكورين في هذه الآية وآية الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ.﴾. والأربعة أخماس الباقية للمقاتلين الذين حضروا المعركة.
وعلة هذا التقسيم ما قال الله تعالى:
﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ﴾ أي حكمنا بهذه القسمة بين هؤلاء المذكورين، لئلا يكون تداول الأموال محصورا بين الأغنياء، ولا يصيب الفقراء منه شيء، فيغلب الأغنياء الفقراء، ويقسمونه بينهم. وهذا مبدأ إغناء الجميع، وتحقيق السيولة للكل.
стр. 8302
﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أي ما أمركم به الرسول ﷺ فافعلوه، وما منعكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر، فإذا أعطاكم الرسول ﷺ شيئا من الفيء مثلا، فخذوه، فهو حلال، وإذا منعكم شيئا منه، فلا تقربوه، فإنه يعمل بالوحي ولا ينطق عن الهوى. والآية توجب امتثال أوامر الرسول ﷺ ونواهيه أيضا.
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»
وأخرج أحمد والشيخان صاحبا الصحيحين أيضا وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: «لعن الله تعالى الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلجات للحسن (١)، المغيّرات لخلق الله » فبلغ ذلك امرأة من بني أسد في البيت، يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن، فجاءت إليه، فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت، فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله تعالى، فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه، فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه، فقد وجدتيه أما قرأت:
﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى، قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه».
﴿وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي خافوا الله بامتثال أوامره، وترك زواجره ونواهيه، فإنه شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره وأباه، وارتكب ما زجر عنه ونهاه. والآية تتناول كل ما يجب فيه التقوى، وتحث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
стр. 8303
وبعد بيان مصارف الفيء، بيّن الله تعالى حال الفقراء المستحقين له، فقال:
﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي إن هؤلاء الأصناف الأربعة (وهم ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل) هم فقراء المهاجرين والأنصار والتابعين. وفقراء المهاجرين: هم الذين اضطرهم كفار مكة إلى الخروج منها، وإلى ترك أموالهم وديارهم فيها، طلبا لمرضاة الله وفضله ورزقه في الدنيا، وثوابه ورضوانه في الآخرة، ونصرة الله تعالى ورسوله ﷺ بمجاهدة الكفار، وإعلاء كلمة الله ودينه، أي إن الخمس يصرف للمذكور في الآية: ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وتكون الأخماس الأربعة الباقية للفقراء المهاجرين ومن جاء بعدهم (١).
﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ أي هؤلاء المهاجرون هم الكاملون في الصدق، الراسخون فيه، الذين صدّقوا قولهم بفعلهم، وقرنوا إيمانهم بالعمل المخلص.
ثم مدح الله تعالى الأنصار، وأبان فضلهم وشرفهم، وعدم حسدهم، وإيثارهم المهاجرين مع الحاجة، ورضاهم بإعطاء الفيء لهم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ أي والذين سكنوا المدينة دار الهجرة، وتمكّن الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ في قلوبهم، قبل هجرة المهاجرين، وهم الأنصار، يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حسدا أو غيظا أو حزازة للمهاجرين مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك، مع أنهم كانوا في دور الأنصار، وقدّموا المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا، ولو
стр. 8304
كان بهم حاجة وفقر. ويلاحظ أن كل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته، فهو حاجة. والإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، والرغبة في الحظوظ الدينية.
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي من كفاه الله حرص نفسه وبخلها، وحفظ من ذلك، فأدى ما أوجبه الشرع عليه في مال من زكاة أو حق، فقد فاز ونجح، وظفر بكل المنى والمطلوب.
أخرج الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس بن مالك مرفوعا:
«لا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان نار جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الإيمان والشح في قلب عبد أبدا» وروي أيضا عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يجتمع...».
وأخرج أحمد ومسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».
وأخرج أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ :
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا».
والآية دليل على اتصاف الأنصار بصفات خمس: هي استيطانهم دار الهجرة مسبقا وجعل الإيمان مستقرا ووطنا لهم، ومحبتهم إخوانهم المهاجرين، وترفعهم عن الجشع والطمع والحسد والحزازة، وإيثارهم المحتاجين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة، واتصافهم بالجود والبعد عن الشح، لذا وصفوا بأنهم المفلحون الظافرون بما أرادوا.
стр. 8305
ثم وصف الله القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم متابعون بإحسان، فقال:
﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ أي والذين أتوا في الزمان من بعد المهاجرين والأنصار، وهم التابعون لهم بإحسان، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة ١٠٠/ ٩] يقولون أي قائلين: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا السلف الصالح من المهاجرين والأنصار، وانزع من قلوبنا الغش والبغض والحسد للمؤمنين قاطبة، فإنك يا ربنا بالغ الرأفة كثير الرحمة، فاقبل دعاءنا.
والتابعون لهم بإحسان: هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية.
والآية دليل على تضامن وتكافل آخر الأمة وأولها وأجيالها، وعلى وجوب محبة الصحابة ﵃ أجمعين، وتقدير أخوتهم في الدين والسبق إلى الإيمان، والحث على الدعاء لهم بخير، وعلى صفاء القلوب من أمراض الحقد والحسد لأي مؤمن.
قال الزهري: قال عمر ﵁: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾: هذه لرسول الله ﷺ خاصة، وقرى عرينة وكذا وكذا مما أفاء الله تعالى على رسوله ﷺ من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم،
стр. 8306
والذين جاؤوا من بعدهم، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق (١).
وروى ابن جرير عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ..﴾. حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٦٠/ ٩] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى..﴾. الآية [الأنفال ٤١/ ٨] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى﴾ حتى بلغ ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ ... ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ... ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة، وليس أحد إلا وله فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي، وهو بسرو حمير، نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه (٢).
قال الرازي: واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين، لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار، أو الذين جاؤوا من بعدهم، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكرهم بسوء، كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية (٣).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
١ - كانت أموال بني النضير ونحوها التي ردها الله تعالى على رسوله ﷺ من
стр. 8307
غير قتال ولا حرب ولا مشقة للنبي ﷺ خاصّة يضعها حيث شاء، فقسمها النبي ﷺ بين المهاجرين لشدة حاجتهم. ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين، هم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمّة.
٢ - أموال الفيء: هي-كمال قال ابن عباس-قريظة والنضير، وهما بالمدينة، وفدك وهي على ثلاثة أيام من المدينة، وخيبر، وقرى عرينة، وينبع، جعلها الله تعالى، لرسوله ﷺ .
٣ - الأموال التي للدولة فيها حق التدخل ثلاثة أنواع: الصدقات والزكوات: وهي ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم. والثاني-الغنائم:
وهي ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة.
والثالث-الفيء: وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا من غير قتال ولا إيجاف (إسراع) خيل ولا ركاب، كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام، ولا وارث له.
أما الزكاة (أو الصدقة) فتصرف إلى الفقراء والمساكين والعاملين عليها وهم الأصناف الثمانية المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ..﴾.
[براءة ٦٠/ ٩].
وأما الغنائم الحربية: فكانت في صدر الإسلام للنبي ﷺ يصنع فيها ما شاء، كما قال في سورة الأنفال: ﴿قُلِ: الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ثم نسخ بقوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال ٤١/ ٨] فيكون الخمس لمن ذكر الله تعالى، والأربعة أخماس الباقية للغانمين.
وأما الفيء وهو العقار: فالأمر فبه عند المالكية للإمام، يفعل ما يراه
стр. 8308
مصلحة، من قسمته كالغنائم أو ترك قسمته وجعله لمصالح المسلمين العامة، كما فعل عمر بن الخطاب في سواد العراق ومصر وغيرهما، واحتج على الزبير وبلال وسلمان الفارسي وغيرهم الذين طالبوا بالقسمة بهذه الآية آية الفيء: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ..﴾. إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وشاور عليا وجماعة من الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها (أهل أراضي العراق) ويضع عليها الخراج، ففعل ذلك، ووافقته الجماعة عند احتجاجه بالآية (١). وتكون آية الحشر في رأي المالكية ناسخة في شأن العقارات لآية الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ..﴾ .. وذكروا أنه يقسم كل مال في البلد الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة شديدة، فينقل إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر ﵁ عام الرمادة، وقال الحنفية: تقسم الغنائم-أي المنقولات-على النحو الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ..﴾. الخمس لمن ذكرت الآية، والباقي للغانمين، وأما حكم الفيء أي الأرض فهو أن يكون لكافة المسلمين، ولا يخمس، بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين. لكن الغنيمة تقسم على ثلاثة أسهم فقط:
سهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل. وأما ذكر الله تعالى، في الخمس فهو لافتتاح الكلام، تبركا باسمه تعالى، وسهم النبي ﷺ سقط بموته، فالحنفية والمالكية يتركون الخيار للإمام في قسمة العقار، فهو مخير في قسمته أو جعله وقفا على مصالح المسلمين.
وتكون آية الحشر الثانية: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ بيانا لما أفاء الله على المسلمين من أموال سائر الكفار. روى مالك أن عمر قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
стр. 8309
وذهب الشافعية إلى أن حكم الفيء والغنيمة واحد، فيخمس الفيء قياسا على الغنيمة التي ثبت التخميس فيها بالنص القرآني: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بجامع أن كلاّ منهما مال الكفار استولى عليه المسلمون، وأما اختلاف سبب الاستيلاء بالقتال وغيره، فلا تأثير له، فعلى الإمام قسمة العقار، ومن طاب نفسا عن حقه، فللإمام أن يجعله وقفا على المسلمين.
وتقسم الغنيمة في رأي الشافعية والحنابلة على خمسة أسهم، أولها-سهم المصالح (سهم الله تعالى ورسوله ﷺ أي يصرف لمصالح المسلمين العامة كالثغور وقضاة البلاد وعلماء الشرع والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء ونحوهم وثانيها-سهم ذوي القربى وهم بنو هاشم من أولاد فاطمة وغيرها، وثلاثة أسهم أخرى إلى ما نص الله عليهم.
٤ - علة قسمة الفيء: إن تقسيم الفيء على النحو السابق كيلا يختص به الأغنياء، كما كانوا يستأثرون بالغنيمة، وكانوا يغترون به، وبذلك قضى الإسلام على الطبقية وتجمع الثروة في يد فئة قليلة، وحرمان الأكثرية من سيولة المال.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ..﴾. دليل واضح على وجوب امتثال جميع أوامر الرسول ﷺ ، واجتناب جميع نواهيه، فإنه لا يأمر إلا بصلاح، ولا ينهى إلا عن فساد.
وقد استدل الصحابة كابن مسعود وغيره بتحريم أشياء عملا بنهي النبي ﷺ عنها، كتحريم الوشم والتنمص (نتف شعر الوجه) وتفليج الأسنان، وجواز قتل الزّنبور في الإحرام، اقتداء فيه بعمر الذي أمر النبي ﷺ بالاقتداء به في
قوله:
«اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» وأمر الله سبحانه بقبول قول النبي ﷺ . ويؤكده
قوله ﷺ -فيما يرويه ابن ماجه عن أبي هريرة-:
«ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا».
стр. 8310
وأمر الرسول ﷺ أمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء ٨٠/ ٤]
وعن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه» (١) ٦ - دل قوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ على وجوب اتقاء عذاب الله، فإنه شديد على من عصاه، وعلى وجوب تقوى الله في أوامره ونواهيه، فلا تضيّع، فإن الله شديد العقاب لمن خالف ما أمره به.
٧ - المقصود بأولئك الأصناف الأربعة الذين يصرف لهم الفيء: ﴿وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هم هؤلاء الأصناف من الفقراء، وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان.
٨ - وصف الله تعالى المهاجرين بأوصاف ستة: أولها-أنهم فقراء، وثانيها- أنهم مهاجرون، وثالثها-أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ورابعها-أنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والفضل: ثواب الجنة، والرضوان قوله تعالى:
﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩]، وخامسها- ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بأنفسهم وأموالهم، وسادسها- ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في دينهم، لهجر هم لذات الدنيا، وتحملهم شدائدها.
وتمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر ﵁، فقال:
هؤلاء الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته.
٩ - أثنى الله على الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، إذ أعطي
стр. 8311
للمهاجرين دونهم، ووصفهم أيضا بأوصاف ستة: أولها-أنهم استوطنوا المدينة قبل وصول المهاجرين إليها، واعتقدوا الإيمان وأخلصوه، وثانيها-محبتهم الخالصة للمهاجرين، وثالثها-لا يحملون في نفوسهم حقدا ولا حسدا ولا حزازة بسبب ما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره، ورابعها-إيثارهم غيرهم ولو كان بهم حاجة، وخامسها-وقاهم الله من مرض الشح، وسادسها-هم المفلحون الفائزون الظافرون بما أرادوا.
١٠ - استدل الإمام مالك على تفضيل المدينة على غيرها من الآفاق بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. وقال: إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف.
١١ - الأولى أن يقال: إن الآيات متعلقة ببعضها، معطوف بعضها على بعض، فتكون آية: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ﴾ وآية: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي التابعون ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل:
المهاجرون، والذين تبوؤا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجهد ألا تخرج من هذه المنازل.
١٢ - آية: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه تعالى جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبّهم أو سب واحدا منهم، أو اعتقد فيه شرا، فإنه لا حق له في الفيء.
١٣ - آيات الحشر هذه في الفيء تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء قسمة المنقول، وإبقاء العقار والأرض حقا عاما للمسلمين جميعا أو وقفا دائما على
стр. 8312
مصالحهم، كما فعل عمر ﵁ في سواد العراق ومصر والشام وغيرها من البلاد المفتوحة عنوة، لأن الله تعالى أخبر عن الفيء، وجعله لثلاث طوائف:
المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ..﴾. عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين.
جاء في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: «أن النبي ﷺ خرج إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم حقون، وددت أن رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ فقال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض» أي متقدمهم حتى يردوا، فبين ﷺ أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم.
١٤ - دل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ﴾ على أن المؤمنين المتأخرين مع مرور الأجيال مأمورون أن يستغفروا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال العوام بن حوشب: أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ حتى تألف عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم، فتجسّروا الناس عليهم.
أما من يلعن أو يسب بعض الصحابة فهو فاسق، بعيد عن أدب الإسلام وأخلاقه، وروح الدين وصفائه، متنكر لأهل الفضل والسبق، مبتدع ضال، فإن القرآن الكريم أمر بالاستغفار للصحابة، ونهى عن الحقد والحسد لجميع المؤمنين والمؤمنات. وإذا بلغ القدح ببعض الأصحاب أو أزواج النبي ﷺ ما يصادم نصا قرآنيا أو حديثا ثابتا مقطوعا به، أدى ذلك إلى الكفر، والعياذ بالله تعالى.
стр. 8313
تواطؤ المنافقين واليهود وجزاؤهم
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (١٧)﴾
الإعراب:
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. لم يجزم ﴿يَخْرُجُونَ﴾ و ﴿يُنْصَرُونَ﴾ لأنهما جوابا قسمين قبلهما، وتقديره: والله لا يخرجون معهم ولا ينصرونهم، فلذلك لم ينجزما بحرف الشرط.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَمَثَلِ﴾: جار ومجرور في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: مثلهم كمثل الذين من قبلهم. و ﴿قَرِيباً﴾ لا يبعد أن يتعلق بصلة ﴿الَّذِينَ﴾.
وكذلك ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ..﴾. تقديره: مثلهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، فحذف المبتدأ.
стр. 8314
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ ﴿عاقِبَتَهُما﴾: منصوب لأنه خبر كان، و (أن) واسمها وخبرها في موضع رفع، لأن الجملة اسم (كان). و ﴿خالِدَيْنِ﴾ حال من المضمر في الظرف في قوله: ﴿فِي النّارِ﴾ وتقديره: كائنان في النار خالدين فيها، وكرر ﴿فِي﴾ تأكيدا كقولهم: زيد في الدار قائم فيها. ويجوز رفع ﴿خالِدَيْنِ﴾ على خبر (أن).
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا.﴾. استفهام يراد به الإنكار والتعجيب.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ بين ﴿جَمِيعاً﴾ و ﴿شَتّى﴾ طباق.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ: اُكْفُرْ﴾ تشبيه تمثيلي، لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنظر. ﴿نافَقُوا﴾ أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر. ﴿لِإِخْوانِهِمُ﴾ المراد بذلك أخوة الكفر، أو الصداقة والموالاة أي أصدقائهم. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ هم بنو النضير وإخوانهم في الكفر. ﴿لَئِنْ﴾ اللام لام القسم في الحالات الأربع. ﴿أُخْرِجْتُمْ﴾ من المدينة. ﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ أي لا نطيع أحدا من الرسول والمؤمنين في قتالكم، ولا نسمع أمر أحد في خذلانكم.
﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ﴾ حذف من ﴿إِنْ﴾ اللام الموطئة للقسم. ﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ لنعاوننكم. ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك.
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ ثبت في التاريخ أنهم كانوا على هذا النحو، فإن ابن أبي وأصحابه المنافقين راسلوا بني النضير بذلك، ثم أخلفوهم. وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ جاؤوا لنصرهم على الفرض والتقدير. ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ﴾ ليفرنّ هاربين منهزمين. واستغني بجواب القسم المقدر عن جواب الشرط في المواضع الخمسة. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ بعد أي اليهود، بل نخذلهم، ولا ينفعهم نصرة المنافقين.
﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ﴾ أي إن المنافقين يخافونكم خوفا أشد من خوفهم الله، وقوله: ﴿رَهْبَةً﴾ خوفا، أي أشد مرهوبية، وقوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ لتأكيد استقرار الخوف في نفوسهم، فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين. وقوله: ﴿مِنَ اللهِ﴾ لأنهم يظهرون النفاق مع أنه لا يخفى على الله تعالى، ولتأخير عذاب الله. ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون عظمة الله تعالى حتى يخشوه حق خشيته.
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أي اليهود. ﴿جَمِيعاً﴾ مجتمعين. ﴿مُحَصَّنَةٍ﴾ بالدروب والخنادق
стр. 8315
﴿جُدُرٍ﴾ حيطان وأسوار، جمع جدار، وذلك لفرط رهبتهم. ﴿بَأْسُهُمْ﴾ حربهم، فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، وليس ذلك لضعفهم وجبنهم، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ تظنهم مجتمعين متفقين. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ متفرقة لافتراق عقائدهم، واختلاف مقاصدهم، جمع شتيت. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ما فيه صلاحهم.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل اليهود لا سيما يهود بني النضير كالمشركين الذين قتلوا وعذبوا في معركة بدر، أو كالمهلكين من الأمم الماضية. ﴿قَرِيباً﴾ في زمان قريب. ﴿ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوء عاقبة كفرهم في الدنيا من القتل وغيره. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب مؤلم في الآخرة.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان. ﴿إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ: اُكْفُرْ﴾ أي أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه ذلك. والمراد بالإنسان: الجنس، فيشمل أبا جهل الذي قال له إبليس يوم بدر: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ، وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال ٤٨/ ٨]. ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ.﴾. كذبا منه ورياء. ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما﴾ أي الغاوي والمغوي. ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿أَلَمْ تَرَ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: أسلم ناس من أهل قريظة، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾، فنزلت هذه الآية فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ﴾.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عبد الله بن أبي ورفاعة بن زيد، وعبد الله بن نبتل وقوم من منافقي أهل المدينة كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الآيات.
المناسبة:
بعد بيان مصير يهود بني النضير، وحكم مصارف الفيء الذي يشمل أموال
стр. 8316
هؤلاء اليهود، ذكر الله تعالى أحوال العلاقات المشبوهة بين المنافقين واليهود، فقد كان المنافقون في الظاهر من الأنصار، ولكنهم كانوا يوالون اليهود في السر، فصاروا إخوانهم في الكفر، وأصدقاءهم في معاداة المؤمنين. ومثل هذا الارتباط يتكرر في كل زمان، حيث نجد ضعاف الإيمان والنفوس وخونة الأمة الإسلامية يوالون أعداءهم، كما يعد بعض الناس غيرهم على المؤازرة في شيء، ثم يتخلون عنهم وقت الأزمة.
التفسير والبيان:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾
﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ أي ألم تنظر إلى هؤلاء القوم من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وعبد الله بن نبتل ورفاعة بن زيد ووديعة بن مالك وسويد وداعس وأمثالهم حين بعثوا إلى يهود بني النضير: أن اثبتوا وتحصنوا، أو تمنّعوا، فإننا لا نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، ولا نطيع في شأنكم، ومن أحلكم أحدا ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم كمحمد وأتباعه، وإن طال الزمان، وإن قوتلتم لننصرنكم على عدوكم. فكذبهم الله بقوله:
﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ أي لكاذبون فيما وعدوهم به من الخروج معهم، والنصرة لهم، إما لنيتهم ألا يفوا بما وعدوا به، وإما لأنهم لا يقع منهم ما قالوا.
وقوله في مطلع الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أسلوب يراد به التعجيب من حال المخبر عنه، وأن أمره في غاية الغرابة. وقد تبين لليهود كذب المنافقين، فلم ينصروهم وقت الحصار، وقذف الله الرعب في قلوب أولئك اليهود، فطلبوا من
стр. 8317
رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم، ففعل، فكان الرجل منهم يهدم بيته، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
ثم أكد الله تعالى تكذيبهم مفندا على سبيل التفصيل مواقفهم الخادعة، فقال:
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أي وتالله لئن أخرج يهود بني النضير من ديارهم، لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قاتلهم المؤمنون لا يقاتلون معهم، ولئن آزروهم وقاتلوا معهم لفرّوا هاربين منهزمين، ثم لا يصير المنافقون واليهود منصورين بعد ذلك، بل يذلهم الله ويخذلهم، ولا ينفعهم نفاقهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا، وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢٣/ ٨].
وكان الواقع مطابقا لما أخبر به القرآن، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود، وهم بنو النضير ومن معهم، ولم ينصروا اليهود الذين قوتلوا، وهم بنو قريظة وأهل خيبر، ثم بشر الله تعالى بنصر المؤمنين على كلا الفريقين:
المنافقين واليهود، وتحقق وعد الله، وتطهرت جزيرة العرب من اليهود بفضل من الله وتوفيقه.
وسبب عدم نصرتهم لليهود ما قال تعالى:
﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي إنكم أيها المسلمون أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين أو في صدور اليهود من رهبة الله، فهم يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، وذلك الخوف بسبب أنهم قوم لا يعلمون قدر عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته، ولو كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه أحق بالرهبة منه دونكم.
стр. 8318
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء ٧٧/ ٤].
ثم ذكر تعالى أسلوب اليهود والمنافقين في مقاتلة المؤمنين، فقال:
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ﴾ أي إن اليهود والمنافقين من جبنهم وهلعهم لا يواجهون جيش الإسلام بالمبارزة والمقابلة، ولا يقاتلونهم مجتمعين، بل يقاتلونهم إما وراء الحصون والدروب والخنادق، أو من خلف الأسوار والحيطان التي يستترون بها، لجبنهم ورهبتهم، فيقاتلون للدفاع عنهم ضرورة، وقد لمس العرب هذا الأسلوب في حروب اليهود في فلسطين في عصرنا.
﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي إن عداوتهم وجربهم فيما بينهم شديدة، وقاسية، تظنهم متوحدين وهم متفرقون، فاجتماعهم إنما هو في الظاهر، مع اختلاف نواياهم وأهوائهم وآرائهم وشهاداتهم في الواقع، لما بينهم من أحقاد وعداوات، ولأنهم قوم لا يعقلون الحق وأمر الله، ولا يدركون سر النجاح في الحياة وهو الوحدة، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه، فتوحدوا ولم يختلفوا.
وهذا دليل على أن ضعفهم ناشئ من التفرقة والخلاف، فجدير بالمسلمين الذين يقاتلونهم في هذا العصر أن يكونوا متوحدين صفا واحدا كالبنيان المرصوص، وأن يعتمدوا على أنفسهم دون التماس حلول واهنة ضعيفة من شرق أو غرب.
ثم ذكر الله تعالى أحوالا مشابهة لهم، فقال:
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي إن هؤلاء اليهود بني النضير أصابهم مثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر، في السنة
стр. 8319
الثانية من الهجرة، ومثل من قبلهم من يهود بني قينقاع الذين أجلاهم النبي ﷺ من المدينة إلى أذرعات بالشام بعد سنة ونصف من الهجرة، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وذاقوا في زمان قريب سوء عاقبة كفرهم في الدنيا، ولهم عذاب مؤلم في الآخرة.
ثم ذكر الله تعالى مثلا آخر للمنافقين ورابطتهم باليهود، فقال:
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ: اُكْفُرْ، فَلَمّا كَفَرَ قالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ أي إن مثل هؤلاء المنافقين في وعودهم اليهود بالمناصرة والمؤازرة في القتال والخروج، كمثل الشيطان الذي سوّل للإنسان الشر، وأغراه بالكفر، وزيّنه له، وحمله عليه، فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان، تبرأ الشيطان منه وتنصل يوم القيامة، وقال على وجه التبري من الإنسان: إني أخاف عذاب الله رب العالمين إذا ناصرتك.
وهذا مثل في غاية السوء وشدة الوقع على النفوس، لذا أبان الله تعالى بعده ما يوجبه من العقاب، فقال:
﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها، وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أي فكان عاقبة الشيطان الآمر بالكفر، والإنسان الذي كفر واستجاب أنهما صائران إلى نار جهنم خالدين فيها على الدوام، وذلك الجزاء وهو الخلود في النار هو جزاء الكافرين جميعا، ومنهم اليهود والمنافقون.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
١ - إن هناك مصادقة وموالاة ومعاونة في الظاهر بين المنافقين واليهود، بسبب أخوة الكفر، ورابطة الاشتراك في العداوة والكفر بمحمد ﷺ ، فيقول
стр. 8320
المنافقون ليهود قريظة والنضير: نحن معكم في الإقامة والقتال والخروج، ولا نطيع محمدا في قتالكم، والله شاهد على أنهم كاذبون في قولهم وفعلهم.
وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد ﷺ بإخبار الغيب، لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم.
٢ - كذب الله المنافقين أولا على سبيل الإجمال، ثم أتبعه بالتفصيل، فأخبر بأن اليهود لو أخرجوا من ديارهم، لم يخرج المنافقون معهم، وأنهم لو قاتلهم المؤمنون ما نصروهم ولا عاونوهم، ولئن نصر المنافقون اليهود لفروا هاربين منهزمين.
٣ - إن بني النضير في خوفهم من المسلمين أشد خوفا وخشية من رهبة الله، فهم يخافون منهم أكثر مما يخافون من ربهم، ذلك الخوف بسبب أنهم قوم لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته.
٤ - لا يقدر اليهود والمنافقون على مقاتلة المسلمين مجتمعين إلا في حصون محصنة بالخنادق والدروب، أو من خلف الأسوار والحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم، وإلقاء الله الرعب في قلوبهم، وتفرقهم، وتأييد الله ونصرته لعباده المؤمنين.
وسبب ذلك التفرق والتشتت والكفر أنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله، ويدركون به نظم الحياة، ويعرفون أن الوحدة أساس النجاح.
٥ - إن ما أصاب يهود بني النضير من الطرد والجلاء عن المدينة والعذاب مشابه لما أصاب بني قينقاع وكفار قريش يوم بدر، من العقاب، فقد كان بين النضير وقريظة سنتان، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، ولهؤلاء الكفار في الآخرة عذاب مؤلم.
стр. 8321
٦ - إن مثل المنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم مثل الشيطان الذي سوّل للإنسان الكفر، فلما كفر تبرأ منه، مدعيا أنه يخاف عذاب الله.
فكانت عاقبة المنافقين واليهود مثل عاقبة الشيطان والإنسان، حيث صارا إلى النار خالدين فيها على الدوام.
الأمر بالتقوى والعمل للآخرة
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾
البلاغة:
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ كناية في كلمة ﴿لِغَدٍ﴾ كنى بها عن القيامة لقربها.
﴿الْجَنَّةِ﴾ و ﴿النّارِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿نَفْسٌ﴾ تنكيرها للتقليل أي تقليل الأنفس النواظر، كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك. ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ أي الذي قدمته من الأعمال الصالحة. ﴿لِغَدٍ﴾ هو يوم القيامة، سمي به لقربه وتحقق وقوعه وتنكيره للتعظيم وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه. ﴿نَسُوا اللهَ﴾ نسوا حق الله، فتركوا طاعته. ﴿فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أنساهم أن يقدموا لها خيرا.
﴿الْفاسِقُونَ﴾ الكاملون في الفسق.
стр. 8322
﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ أي لا يتساوى أصحاب النار الذين لم يعملوا ما ينقذهم منها، فاستحقوا النار، والذين استكملوا نفوسهم، فاستأهلوا الجنة، واحتج به الشافعية على أن المسلم لا يقتل بالكافر. ﴿هُمُ الْفائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم.
المناسبة:
بعد بيان أحوال المنافقين واليهود، أمر الله تعالى بالتقوى التي هي التزام المأمورات واجتناب المنهيات، وأمر بالعمل في الدنيا للآخرة، ورغب في الإعداد للجنة، وحذر من عمل أهل النار، ووصف أهل الجنة المستحقين لها بالفائزين، وأهل النار بالفاسقين.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ، وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ، وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، افعلوا ما أمر الله به، واتركوا ما زجر عنه، واتقوا عقابه، ولتتأمل نفس أي شيء قدّمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واتقوا الله-وكرر الأمر بالتقوى للتأكيد والحث على ما ينفع في الآخرة-فإن الله لا تخفى عليه من أعمالكم وأحوالكم خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها.
ثم نهى الله تعالى عن التشبه بالذين أهملوا حقوق الله، فقال:
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ، أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي واحذروا أن تكونوا كالذين تركوا أمر الله، وأهملوا حقوق الله الواجبة على العباد، ولم يخافوا ربهم، فجعلهم ناسين أنفسهم بسبب نسيانهم لربهم، فلم يعملوا الأعمال الصالحة التي تنفعهم في المعاد، وتنجيهم من العذاب، فإن الجزاء من جنس العمل، وأولئك التاركون حقوق الله هم الخارجون الكاملون في الخروج
стр. 8323
عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم.
وذلك كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المنافقون ٩/ ٦٣].
ثم قارن الله تعالى بين المحسنين والمسيئين لبيان أنه لا استواء بين الفريقين، فقال:
﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ أي لا يستوي مستحقو النار ومستحقو الجنة في حكم الله تعالى في الفضل والرتبة يوم القيامة، أصحاب الجنة هم الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه.
ونظير الآية كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية ٢١/ ٤٥] وقوله سبحانه: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ، قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر ٥٨/ ٤٠]. وقوله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص ٢٨/ ٣٨].
وهذا ترغيب في العمل للجنة، وترهيب من العمل للنار. ويلاحظ أن الآيات بدأت بالأمر بالتقوى، ثم نهت عن نسيان حقوق الله، ثم وازنت بين الطائعين والعصاة، وكل ذلك لتأكيد الأمر بالتقوى وطاعة الله، فبعد إرشاد المؤمنين إلى ما فيه مصلحتهم يوم القيامة: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وتهديد الكافرين بقوله: ﴿كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أبان تعالى الفرق بين الفريقين.
стр. 8324
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١ - لزوم تقوى الله في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
٢ - أعاد الله تعالى الأمر بالتقوى مرة ثانية للتأكيد، أو يحمل الأمر الأول على أداء الواجبات والتوبة فيما مضى من الذنوب، والثاني على ترك المعاصي في المستقبل.
وكان النبي ﷺ يستشهد بهذه الآية في الحث في خطبه على عمل الخير والمعروف، أخرج أحمد ومسلم عن المنذر بن جرير عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار (١) أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام الصلاة، فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية [النساء ١/ ٤] وقرأ الآية التي في الحشر: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
«تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره»، حتى قال: «ولو بشق تمرة». فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلل وجهه كأنه مذهّبة (٢)، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 8325
«من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
٣ - نهى الله تعالى عن التشبه بقوم تركوا أمر الله-والنهي يقتضي التحريم- حتى نسوا أنفسهم أن يعملوا لها خيرا، فكانوا هم الفاسقين، أي الذين خرجوا عن طاعة الله تعالى.
روى أبو القاسم الطبراني عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق ﵁: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو في عمل الله ، فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله ، إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾.
أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدّموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشّقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن، وحصّنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه.
إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم (١).
٤ - هناك فرق واضح في حكم الله تعالى في الفضل والرتبة بين المؤمنين أهل
стр. 8326
الجنة، وبين الكافرين أهل النار، فالأولون ناجون فائزون بالمطلوب، والآخرون فاسقون هالكون معذبون.
٥ - احتج الشافعية بآية: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ..﴾. على أن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي، وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.
مكانة القرآن وعظمة منزّله ذي الأسماء الحسنى
﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾
الإعراب:
﴿لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً﴾ منصوبان على الحال من هاء ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ لأن (رأيت) من رؤية البصر.
﴿الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ من صوّر يصوّر، لا من صار يصير فهو مصيّر، وهو مرفوع على أنه وصف بعد وصف، أو خبر بعد خبر. وقرئ المصور وهو آدم ﵇ وأولاده، والمعنى: الخالق الذي برأ المصوّر، وقرئ ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ بالجر على الإضافة، كقولهم:
الضارب الرجل، بالجر حملا على الصفة المشبهة باسم الفاعل، كقولهم: الحسن الوجه.
стр. 8327
البلاغة:
﴿لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً﴾ تمثيل وتخييل مثل آية: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ.﴾ ..
﴿الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾ أي وجعل فيه تمييز ووعي كالإنسان. ﴿لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً﴾ ﴿خاشِعاً﴾ منقادا خاضعا، و ﴿مُتَصَدِّعاً﴾ متشققا. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي وتلك الأمثال المذكورة يراد بها توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وقلة تدبّره.
﴿الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن الحس والمشاهدة من العوالم غير المرئية. ﴿الشَّهادَةِ﴾ عالم الماديات والمرئيات المشاهدة المحسوسة، وقدم الغيب على الشهادة، لأن الغيب معدوم متقدم في الوجود، والشهادة موجود متأخر. ﴿الْقُدُّوسُ﴾ الطاهر المنزه عما لا يليق به من النقص. ﴿السَّلامُ﴾ ذو السلامة من كل نقص وآفة. ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ المصدّق رسله فيما بلّغوه عنه بالقول، أو بخلق المعجزة على أيديهم، أو هو واهب الأمن لعباده. ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيب على أعمال عباده، الحافظ لكل شيء.
﴿الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب. ﴿الْجَبّارُ﴾ الذي جبر خلقه على ما أراد. ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ البليغ الكبرياء والعظمة، الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانا. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزه الله عما يصفه به المشركون من الصاحبة والولد والشريك، فلا يشاركه أحد من خلقه في شيء من ذلك.
﴿الْخالِقُ﴾ المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته. ﴿الْبارِئُ﴾ المنشئ من العدم، الموجد للأشياء بريئا من التفاوت. ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد. ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى: مؤنث الأحسن، وقد وصفت بالحسنى، لأنها دالة على محاسن المعاني التي تظهر في هذا الوجود، فإن جمال الكون البديع دليل على كمال صفات الموجد المبدع.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ينزهه جميع المخلوقات، لتنزهه عن النقائص كلها.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الجامع للكمالات كلها المتمثلة في كمال القدرة والعلم.
المناسبة:
بعد بيان أحوال اليهود والمنافقين، وأمر المؤمنين بالتقوى والاستعداد ليوم
стр. 8328
القيامة، عظّم الله أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان، ونبّه إلى عظمة منزّل القرآن ذي الأسماء الحسنى الذي انقادت السموات والأرض لحكمه وأمره ونهيه، وتنزه عن النقائص.
التفسير والبيان:
﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ أي لقد بلغ من شأن القرآن وعظمته وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال، وجعل له عقل كما جعل للبشر، لرأيت الجبل، مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة، خاشعا خاضعا متذللا منقادا، متشققا من خوف الله، حذرا من عقابه، وخوفا من عدم أداء ما يجب عليه من تعظيم كلام الله تعالى.
وهذا تعظيم لشأن القرآن، وتمثيل لعلو قدره وشدة تأثيره على النفوس، لما فيه من المواعظ والزواجر، ولما اشتمل عليه من الوعد الحق والوعيد الأكيد، فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن لخشع وتصدع من خوف الله ، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي وهذه الأمثال المذكورة نضربها لجميع الناس، لعلهم يتفكرون فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ الآية [الرعد ٣١/ ١٣] أي لكان هذا القرآن.
وثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله ﷺ ، لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع، وجاء النبي ﷺ ليخطب، فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند
стр. 8329
ذلك حنّ الجذع، وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكّت، لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده.
والمراد بالآية التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار، وغلظ طباعهم، وتوبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، فإذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته، لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟!! ثم عظم الله تعالى شأن القرآن بوجه آخر، وهو التنبيه على أوصاف منزّله فقال:
﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ أي إن الله منزل القرآن، هو الذي لا إله إلا هو، فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر، يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، من جليل وحقير، وصغير وكبير، في الذرّ (النمل الأسود) في الظلمات، وأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧] وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤/ ٦].
ثم ذكر الله تعالى أوصافا أخرى لنفسه، فقال:
﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ، سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أكد تعالى صفة الوحدانية مرة أخرى، وكرر ذلك للتأكيد والتقرير في مطلع هذه الآية كالتي قبلها، فهو تعالى الإله الواحد الذي لا شريك له، المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها، بلا ممانع
стр. 8330
ولا مدافع، الظاهر من كل عيب، المنزه عن كل نقص، الذي سلم من كل نقص وعيب لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وسلم الخلق من ظلمه، والواهب الأمن والصدق لأنبيائه بالمعجزات، وأمن خلقه من أن يظلمهم، فهو المصدق لرسله بإظهار المعجزات، وللمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، وهو الشاهد الرقيب على عباده بأعمالهم، فهو بمعنى الرقيب عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج ٩/ ٨٥]. وقوله: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس ٤٦/ ١٠]. وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد ٣٣/ ١٣].
وهو القاهر الغالب غير المغلوب، الذي قد عزّ كل شيء، فقهره وغلب الأشياء، ذو الجبروت أي العظمة، الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما لا يليق به، والكبر في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم،
قال ﷺ في الحديث القدسي الصحيح: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذّبته» (١).
﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله عما يصفه به المشركون من إشراكهم بالله غيره، كالصاحبة والولد والشريك.
ثم قال الله تعالى:
﴿هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ، لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي هو الله الخالق أي المقدّر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته، البارئ، أي المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها،
стр. 8331
فالخلق: التقدير، والبرء: هو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئا ورتّبه، يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ، وهو المصوّر، أي الموجد للصور على هيئات مختلفة، وصفات أرادها، كما قال: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار ٨/ ٨٢] وله الأسماء والصفات الحسنى التي لا يماثله أحد فيها، لعزته، ومن عزته كان منزها عن النقائص، أهلا للتسبيح، ينطق بتنزيهه بلسان الحال أو المقال كل ما في السموات والأرض، ومن حكمته أنه أمر المكلفين في السموات والأرض بأن يسبحوا له ليربحوا، لا ليربح هو عليهم، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].
وهو القوي الغالب القاهر الذي لا يغالبه مغالب، الشديد الانتقام من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه وشرعه وقدره، وفي كل الأمور التي يقضي فيها، فهو كامل القدرة، كامل العلم.
وإنما قدم ذكر الخالق على البارئ، لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة، وقدم البارئ على المصور، لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات.
وتقدم بيان أسماء الله الحسنى في الآية (١٨٠) من سورة الأعراف والآية (١١٠) من سورة الإسراء.
ويحسن
ذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر»
ورواه أيضا الترمذي وابن ماجه بالزيادة التالية، وأذكر هنا لفظ الترمذي:
«هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار،
стр. 8332
القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القويّ، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصّمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البرّ، التوّاب، المنتقم، العفوّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغنيّ، المعي، المعطي، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - حثّ الله تعالى، على تأمل مواعظ القرآن، وبيّن أنه لا عذر في ترك التدبّر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة أي ذليلة، متصدعة، أي متشققة من خشية الله، كما ذكر القرطبي.
٢ - إن هذا المثل للناس للتفكر والتدبر، فإنه لو نزل هذا القرآن على جبل كما تقدم، لخشع لوعده وتصدّع لوعيده.
٣ - الله تعالى عالم السرّ والعلانية، وما كان وما يكون، ما لم يعلم العباد ولا عاينوه، وما علموا وشاهدوا، وعالم بالآخرة والدنيا، وهو الواسع الرحمة، المنعم بجلائل النعم ودقائقها.
стр. 8333
٤ - الله تعالى مالك الملك، القدّوس (المنزّه عن كل نقص، والطاهر من كل عيب)، السلام (ذو السلامة من النقائص) المؤمن (المصدّق لرسله بإظهار معجزاته على أيديهم، ومصدّق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب) المهيمن (الرقيب الحافظ لكل شيء) العزيز (الغالب القاهر) الجبار (العظيم) المتكبر (الذي تكبر بربوبيته، فلا شيء مثله) والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذمّ.
وهو المنزه لجلالته وعظمته عما يشرك به المشركون، والخالق (المقدّر) والبارئ (المنشئ المخترع) والمصوّر (مركب الصور على هيئات مختلفة) وله الأسماء والصفات الحسنى، وينزهه جميع ما في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم (كامل القدرة وكامل العلم).
عن أبي هريرة قال: سألت خليلي أبا القاسم رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: يا أبا هريرة، عليك بآخر سورة الحشر، فأكثر قراءتها، فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي. وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية.
وعن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الحشر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
وقال ﷺ : «ما أصاب عبدا همّ ولا حزن، فدعا بهذا الدعاء (أي بأسماء الله الحسنى) إلا أذهب الله همّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا».
وأخرج الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر.
وفي رواية عبد الرحمن النيسابوري عن البراء عن علي ﵄ أنه قال: يا براء، إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم، فاقرأ من أول
стр. 8334
سورة الحديد عشر آيات، وآخر الحشر، ثم قل: يا من هو كذلك، وليس شيء هكذا غيره أسألك أن تفعل لي كذا وكذا، فو الله لو دعوت علي لخسف بي.
وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود مرفوعا أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا﴾ إلى آخر السورة: هي رقية الصداع.
стр. 8335
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الممتحنة
مدنيّة، وهي ثلاث عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الممتحنة (بكسر الحاء) أي المختبرة، بإضافة الفعل إلى المرأة مجازا، كما سميت سورة (براءة): المبعثرة والفاضحة، لما كشفت عيوب المنافقين. ويقال: (الممتحنة) بفتح الحاء وهو المشهور بإضافة الفعل حقيقة إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال الله تعالى:
﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ﴾ [١٠] الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الحشر من وجهين:
١ - ذكر في الحشر موالاة المؤمنين بعضهم بعضا، ثم موالاة الذين نافقوا للكفار من أهل الكتاب، وافتتحت هذه السورة بنهي المؤمنين عن اتخاذ الكافر أولياء، لئلا يشابهوا المنافقين في ذلك، وكرر النهي في السورة، ثم ختمت به.
٢ - كانت سورة الحشر في المعاهدين من أهل الكتاب، وهذه السورة للمعاهدين من المشركين، لأنها نزلت في صلح الحديبية، فالسورتان تشتركان في بيان علاقات المسلمين مع غيرهم.