رواه مسلم وأحمد من حديث فاطمة بنت قيس الذي طلّقها زوجها ثلاثا، فقال لها رسول الله ﷺ : «لا نفقة لك ولا سكنى». وذكر الدارقطني عن الأسود بن يزيد قال: قال عمر لما بلغه قول فاطمة بنت قيس: لا نجيز في المسلمين قول امرأة. وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة. لكن قال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعا.
ثم أمر الله تعالى بدفع الأجرة على الرضاع، فقال:
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فإن أرضعت الأمهات المطلقات أولادكم بعد ذلك، فأعطوهن أجور إرضاعهن إذا رضين بأجر المثل، وائتمروا وتآمروا وتشاوروا أيها الأزواج والزوجات الذين وقع بينهم الفراق بالطلاق بما هو جميل معروف، وحسن غير منكر، في شأن الولد بما يضمن أوضاعه الصحية والمعاشية، من غير إضرار ولا مضارة، كما قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢] وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢].
والآية دليل على أن أجرة الرضاع للأولاد على الأزواج، وحق الحضانة على الزوجات.
﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أي وإن تضايقتم واختلفتم في شأن الإرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر الذي تريده، وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر، فيستأجر الأب مرضعة أخرى ترضع ولده. وفي هذا عتاب للأم على التشدد في الطلب، وعدم التسامح مع الأب. وذلك إذا قبل الولد ثدي امرأة أخرى، وإلا وجب الإرضاع على الأم.
ثم أبان الله تعالى مقدار النفقة، فقال:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ﴾ أي لينفق على المولود والده أو وليه بحسب طاقته أو قدرته، ومن كان فقيرا
стр. 8507
مقترا أو مضيّقا عليه في الرزق، فلينفق مما أعطاه الله من الرزق بقدر سعته، ليس عليه إلا ذلك، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة ٢٨٦/ ٢].
وقال هنا:
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ أي لا يكلف الله نفسا إلا ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق على الزوجة والقريب الرحم ما ليس في وسعه، كنفقة الغني.
ثم وعد الله تعالى بالعطاء والفضل، فقال:
﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ أي سيجعل الله بعد ضيق وشدة سعة وغنى، وهذا وعد منه تعالى، ووعده حق لا يخلفه، وهو بشرى بالفرج بعد الكرب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الانشراح ٥/ ٩٤ - ٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١ - السكنى بقدر الطاقة وفي المستوى اللائق بحال الزوج واجبة لكل مطلقة. وقد أجمع العلماء على أن للمرأة الرجعية (التي يحق مراجعتها بعد طلقة واحدة رجعية أو طلقتين) السكنى والنفقة، أما السكنى: فللآية:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وآية ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ وأما النفقة ولو لم تكن حاملا فلأن الرجعية كالزوجة في بقاء حق الاحتباس وسلطة الزوج عليها، فيكون الإجماع مخصصا لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
стр. 8508
واتفق العلماء أيضا على أن للبائن (التي طلقت طلاقا بائنا) الحامل السكنى والنفقة، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
وأما البائن غير الحامل أو المطلقة ثلاثا، فاختلف العلماء في سكناها ونفقتها على أقوال ثلاثة تقدم ذكرها، وموجزها كما يلي:
أحدها-وجوب السكنى والنفقة لها: وهو مذهب عمر وابن سعود وكثير من فقهاء الصحابة والتابعين، ومذهب الحنفية والثوري، لقوله تعالى:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فهو أمر بالسكنى لكل مطلقة، ولأن النفقة جزاء الاحتباس لحق الزوج، سواء كانت حاملا أو حائلا. والمقصود بآية ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ دفع توهم ألا نفقة لها لطول مدة الحمل. وقد قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري جهلت أم نسيت. يريد قول فاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها البتة: «لم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة».
والثاني-ألا نفقة للمبتوتة ولا سكنى: وهو رأي ابن عباس وأصحابه وجابر بن عبد الله وفاطمة بنت قيس وبعض التابعين، وإسحاق وداود وأحمد، لحديث مسلم وغيره المتقدم عن فاطمة بنت قيس حينما طلقها عمرو بن حفص البتة، فلم يفرض لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى.
والثالث-للمطلقة البائن بينونة كبري السكنى دون النفقة: وهو مذهب مالك والشافعي، أما السكنى فلقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وأما عدم النفقة فلمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فإن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل مفهوم: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ على أن المطلقة البائن غير الحامل لا نفقة لها.
стр. 8509
وردّ الجصاص على حديث فاطمة بنت قيس بقوله: وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه، ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعريها من نكير السلف، أنكره عمر بن الخطاب على فاطمة بنت قيس، فقال: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١).
ثم جمع بين هذا الحديث-على فرض صحته-وبين الآية، فقال:
وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة، وذلك لأنه قد روي أنها استطالت بلسانها على أحمائها، فأمرها بالانتقال، فلما كان سبب النقلة من جهتها، كانت بمنزلة الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعا، فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هي الموجبة لإسقاط السكنى (٢).
٢ - تحريم مضارة المرأة المطلقة في المسكن والنفقة، كما تحرم الرجعة والطلاق بقصد الضرار، وهو أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها.
٣ - لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثا، أو أقل منهن حتى تضع حملها.
أما الحامل المتوفى عنها زوجها: فقال جماعة من الصحابة كعلي وابن عمر وابن مسعود والتابعين كالنخعي والشعبي وحماد: ينفق عليها من جميع المال أي من التركة حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير ومالك والشافعي وأبو حنيفة: لا ينفق عليها إلا من نصيبها،
روى الدارقطني بإسناد صحيح
стр. 8510
عنه ﷺ أنه قال: «ليس للحامل المتوفى عنها زوجها نفقة».
٤ - إذا أرضعت المطلقات أولاد الزوج، فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن. ويجوز عند مالك والشافعي للرجل أن يستأجر امرأته للرضاع، كما يستأجر أجنبية. ولا يجوز عند أبي حنيفة الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبنّ أي يصبحن بائنات.
فإذا رضيت الأم أن ترضع ولدها بأجر المثل، فهي أحق به، لوفور شفقتها، فهي أولى بحضانته وإرضاعه من كل أحد، وليس للأب أن يسترضع غيرها في هذه الحالة. وتستحق الأجرة بالفراغ من العمل، لا بالعقد، لأن الله أوجبها بعد الرضاع بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
٥ - دلّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ.﴾. أيضا على أن نفقة الولد الصغير على أبيه، لأنه إذا لزمه أجرة الرضاع، فكفايته ألزم. لذا أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له، وألحق به بالغ عاجز عن نفقة نفسه، لخبر هند بنت عتبة فيما أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
٦ - على الأزواج والزوجات الائتمار بينهم أو قبول بعضهم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل في الإرضاع والأجر وغيرهما. والجميل من الأم المطلقة إرضاع الولد من غير أجرة. والجميل من الأب توفير الأجرة للأم للإرضاع.
٧ - إن حدث التعاسر أو تضييق بعض الأزواج على بعض في أجرة الرضاع، فأبى الزوج أن يدفع للأم أجرة المثل، أو أبت الأم الرضاع أو تغالت في الأجرة، فليس للزوج إكراهها، وليستأجر مرضعة أخرى غير أمه.
ودلت الآية ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ.﴾. أيضا على أنه إذا طلبت الأم أكثر من أجر
стр. 8511
المثل، فللأب أن يسترضع غيرها ممن يرضى بأجر المثل، إذا قبل الصبي ثدي المرأة الأخرى، ولم يحصل له ضرر بلبنها، وإلا أجبرت الأم على إرضاعه بأجرة المثل.
فإن اختلفا في الأجرة: فإن دعت الأم إلى أجر مثلها، وامتنع الأب إلا تبرعا، فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعا. وإن دعا الأب إلى أجر المثل، وامتنعت الأمّ لتطلب شططا، فالأب أولى به. فإن أعسر الأب بأجرتها، أخذت جبرا برضاع ولدها.
٨ - على الزوج الإنفاق على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه وطاقته، فإن كان غنيا موسرا أنفق نفقة الأغنياء، وإن كان فقيرا أنفق نفقة الفقراء.
وتقدر النفقة بحسب حالة المنفق وحاجة المنفق عليه بالاجتهاد على وفق العرف والعادة، في رأي المالكية. وقال الإمام الشافعي: النفقة مقدّرة محدّدة، ولا اجتهاد لحاكم أو لمفت فيها. وتقديرها هو بحال الزوج وحده يسرا وعسرا، ولا يعتبر بحالها وكفايتها، فإن كان الزوج موسرا لزمه مدّان، وإن كان متوسطا فمدّ ونصف، وإن كان معسرا فمدّ، لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية، وقوله سبحانه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة ٢٣٦/ ٢]، فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها، ولأن مراعاة كفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره، فتقع الخصوصة، لأن الزوج يدّعي أنها تطلب فوق كفايتها، وهي تزعم أن ما تطلبه قدر كفايتها، فجعلت مقدرة قطعا للخصومة.
وأدلة المالكية على تقدير النفقة بحسب حال الزوجين معا عرفا وعادة قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ٢٣٣/ ٢]،
وقوله ﷺ في الصحيحين لهند امرأة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»
وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: «واتقوا الله في
стр. 8512
النساء، فإنكم أخذتموهن بسنة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» ففي الحديثين إحالة على الكفاية، ولم يقل ﵊ للأم في حديث هند: لا اعتبار بكفايتك، وأن الواجب لك شيء مقدر.
٩ - آية ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد، دون الأمّ، خلافا لمحمد بن الموّاز يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث.
وفي البخاري عن النبي ﷺ : «تقول لك المرأة: أنفق علي وإلا فطلّقني، ويقول لك العبد: أنفق علي واستعملني، ويقول لك ولدك: أنفق عليّ، إلى من تكلني».
١٠ - قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ دليل على أنه لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني، وعلى أنه لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة، لأنه تضمن عدم التكليف بالإنفاق في حال العجز، فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجل النفقة، لأن فيه إيجاب التفريق لشيء لم يجب عليه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ يدل على أنه لا يفرق بين الزوجين من أجل عجزه عن النفقة، لأن العسر يرجى له اليسر، وسيجعل الله بعد الضيق غنى، وبعد الشدّة سعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة ٢٨٠/ ٢]. وهذا مذهب الحنفية ورواية عن أحمد.
والقول بالفسخ للإعسار بالنفقة مذهب مالك وأظهر قولي الشافعي ورواية أخرى عن أحمد، بدليل خبر الدارقطني والبيهقي في الرجل لا يجد شيئا ينفق على امرأته: يفرّق بينهما. ولأنه شرع الفسخ بالعنّة لإزالة الضرر، والضرر الذي يلحق المرأة بعدم النفقة أشد من ضررها بالعنة، فكان الفسخ بالعجز عن النفقة أولى من الفسخ بالعنة.
стр. 8513
ودلت الآية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ.﴾. أيضا على أنه ينبغي للإنسان مراعاة حال نفسه في النفقة والصدقة،
جاء في الحديث: «إن المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا، إذا هو سبحانه وسّع عليه وسّع، وإذا هو قتّر عليه قتّر» (١).
وعيد المخالفين ووعد الطائعين والتذكير بقدرة الله
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)﴾
الإعراب:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نعت للمنادى أو بيان له.
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولاً﴾ ﴿رَسُولاً﴾: منصوب بأحد خمسة أوجه: إما منصوب ب ﴿ذِكْراً﴾ على أنه مصدر، أي: أن اذكر رسولا، كانتصاب ﴿يَتِيماً﴾ في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً﴾ [البلد ١٤/ ٩٠ - ١٥] أي أن أطعم يتيما، أو منصوب بفعل مقدر، أي وأرسل رسولا، أو بتقدير: أعني، أو أن يكون بدلا من ﴿ذِكْراً﴾ ويكون ﴿رَسُولاً﴾ بمعنى رسالة، وهو بدل الشيء من الشيء نفسه، أو منصوب على الإغراء، بتقدير:
اتبعوا رسولا.
стр. 8514
﴿مُبَيِّناتٍ﴾ حال من اسم الله أو صفة رسولا. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ﴿مِثْلَهُنَّ﴾: إما منصوب بتقدير فعل أي: من الأرض خلق مثلهن، وليس منصوبا بفعل ﴿خَلَقَ﴾ المتقدم لئلا يقع الفصل بين واو العطف والمعطوف بالجار والمجرور. أو مرفوع بالظرف أو على الابتداء، أو الخبر مع خلاف فيه. ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ اللام إما تتعلق ب ﴿يَتَنَزَّلُ﴾ أو تتعلق ب ﴿خَلَقَ﴾.
البلاغة:
﴿فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً، وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً، فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ تكرار الوعيد للترهيب.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ مجاز مرسل، أي أهل قرية، من إطلاق المحل وإرادة الحالّ.
﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة، استعار الظلمات للكفر والضلال، والنور للهدى والإيمان.
﴿قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً﴾ هذه الآيات فيما سبق من السورة سجع بديع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي وكثير من أهل قرية، ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: كاف الجرّ دخلت على «أي» بمعنى «كم». ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها﴾ عصت وأعرضت أو تجبرت وتكبرت، المراد عتى أهلها.
﴿فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً﴾ بالاستقصاء والمناقشة، والحساب في الآخرة، وعبر عنها بالماضي وإن لم تجئ لتحقق وقوعها. ﴿عَذاباً نُكْراً﴾ عذابا منكرا عظيما وهو عذاب النار.
﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ عاقبة عتوها وكفرها ومعاصيها. ﴿وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً﴾ أي خسارة وهلاكا، وهي خسارة لا ربح فيها أصلا. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ تكرار الوعيد للتوكيد. ﴿أُولِي الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول. ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾ أي قرآنا. ﴿رَسُولاً﴾ أي وأرسل محمدا ﷺ ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الذين آمنوا بعد إنزال الذكر ومجيء الرسول ﷺ . ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهدى.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها، وفيه تعجب وتعظيم لما رزقوا من الثواب. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض، يعني سبع
стр. 8515
أرضين. ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾ متعلق بمضمر يعم كلاّ من الخلق والتنزيل فإن كلاّ منهما يدل على كمال قدرته وعلمه، فهو علة للأمرين.
المناسبة:
بعد بيان أحكام الطلاق والعدة وما يجب للمعتدة من نفقة وسكنى، والنهي عن تجاوز حدود الله، أنذر الله تعالى وتوعد كل من خالف أمره وكذب رسله ﵈، بعقاب مماثل لعقاب الأمم الخالية التي كفرت وكذبت رسلها، ثم أردف ذلك بالتذكير بعظيم قدرته وإحاطة علمه، للحث على التزام الأوامر والعمل بالشريعة والأحكام، فكانت الآيات تحذيرا من مخالفة الأمر بعد بيان الأحكام.
التفسير والبيان:
توعد الله تعالى كل من خالف أمره وكذّب رسله، وسلك غير ما شرعه، وأخبر عما حلّ بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ، فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً﴾ أي وكثير من أهل القرى عصوا أمر الله ورسله، وأعرضوا وتكبروا وتمردوا عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، حاسبها الله بأعمالها التي عملتها في الدنيا، وعذب أهلها عذابا عظيما منكرا في الآخرة، وفي الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف.
وعبّر بقوله: ﴿فَحاسَبْناها﴾ ﴿وَعَذَّبْناها﴾ بالماضي عن المستقبل في الآخرة للدلالة على التحقق والوقوع لوعيد الله، مثل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل ١/ ١٦]، وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر ٦٨/ ٣٩]، وقوله:
﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف ٤٤/ ٧]، ونحو ذلك.
стр. 8516
ثم أخبر عن سبب العذاب، فقال:
﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها، وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً﴾ أي لقيت شدة أمرها وعقوبة كفرها، وكان مصيرها الخسران والهلاك والنكال في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فخسروا أنفسهم وأموالهم وأهلهم.
ثم أكّد الوعيد بقوله:
﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ أي هيأ الله لهم عذابا شديد الوقع والألم لكفرهم وعتوهم وتمردهم، وهو عذاب النار.
ثم ذكر الله تعالى العبرة من الإنذار والوعيد وهي حث المؤمنين على التقوى، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي فخافوا عقاب الله يا أصحاب العقول الراجحة، والأفهام المستقيمة، فلا تكونوا مثلهم، فيصيبكم مثلما أصابهم.
ثم أوضح لهم ما يذكّرهم بنحو دائم، فقال:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ، لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي فاتقوا الله يا أولي العقول من هذه الأمة الذين صدقوا بالله ورسله، وأسلموا الله، واتبعوا رسولهم محمدا ﷺ ، قد أنزل الله إليكم ذكرا دائما وهو القرآن العظيم، وأرسل إليكم رسولا بهذا القرآن، فهو الترجمان الصادق، وهو الذي يبلّغكم وحي الله، ويقرأ عليكم كلام الله وآياته في حال كونها بيّنة واضحة جلية، يبيّن فيها للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام، ليخرج الله بالآيات والرسول الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
ثم أكرمهم ورغّبهم ببيان جزاء الإيمان والعمل الصالح، فقال:
стр. 8517
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً، يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً، قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ أي ومن يصدق بالله، ويعمل العمل الصالح، فيجمع بين التصديق والعمل بما فرضه الله عليه، يدخله جنات، أي بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدا على الدوام، وقد وسّع الله له رزقه في الجنة.
ثم نبّه عباده إلى عظيم قدرته وإحاطة علمه، فقال:
١ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي إن الله هو الذي أبدع السموات السبع، والأرضين السبع، أي سبعا مثل السموات السبع، يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه ووحيه من السموات السبع إلى الأرضين السبع، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [الملك ٣/ ٦٧].
وثبت في الصحيحين: «من ظلم قيد شبر من الأرض، طوّقه من سبع أرضين»
وفي صحيح البخاري: «خسف به إلى سبع أرضين»
وفي البخاري وغيره أيضا: «اللهم ربّ السموات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن».
وروى ابن مسعود أن النّبي ﷺ قال: «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة».
وقال قتادة: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.
٢ - ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي فعل ذلك، فخلق السموات والأرض وأنزل قضاءه وأمره فيهما، لأجل أن تعلموا كمال قدرته، وإحاطة علمه بجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه شيء
стр. 8518
منها كائنا ما كان، فاحذروا المخالفة، واعتبروا بمصير الأمم السابقة، فإن الله عالم بأعمالكم كلها، وسيجازيكم عليها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - حذر الله سبحانه من مخالفة أوامره، من طريق بيان عتو قوم وحلول العذاب بهم، فكثير من أهل القرى الظالمة التي عصت أمر الله ورسله، جازاهم بالعذاب في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف وسائر المصائب، وسيحاسبهم في الآخرة حسابا شديدا، ويعذبهم عذابا منكرا عظيما.
فذاقوا عاقبة كفرهم، وكان عاقبة أمرهم الهلاك والخسران في الدنيا بما ذكر، وفي الآخرة بجهنم.
وقد بيّن الله تعالى نوع الخسر وهو أنه عذاب جهنم في الآخرة.
٢ - أمر الله بالتقوى عن الكفر به وبرسوله، وجعل الأمر خطابا لأهل العقول الراجحة، وللمؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله، والذين أنزل عليهم القرآن، وأرسل لهم الرسول محمدا ﷺ الذي يتلو عليهم الآيات البينات الواضحات التي تبين ما يحتاج إليه الناس من الأحكام والشرائع.
والتقوى: الخوف من الله والعمل بطاعته، والانتهاء عن معاصيه. والغاية السامية من التقوى والإيمان والعمل الصالح هي الخروج من الكفر والضلالة إلى الهدى والنور.
٣ - الدليل على كمال قدرة الله تعالى، وأنه يقدر على البعث والحساب هو خلق السموات والأرض، والدليل على إحاطة علم الله تعالى بكل شيء: علمه بجميع أحوال أهل السماء وأهل الأرض، وتدبير الكون، وتنزيل الأمر فيهم،
стр. 8519
وإنفاذ القضاء والحكم والوحي في شؤونهم، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته، وهو القادر على مجازاة جميع مخلوقاته، ولا يعلم أجرام السماء ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها في المخلوقات إلا علام الغيوب.
ولا خلاف في أن السموات سبع، بعضها فوق بعض، كما دلّ حديث الإسراء وغيره، واختلفوا في الأرض، فقال الجمهور: إنها سبع أرضين طباقا، بعضها فوق بعض، ولعل ذلك طبقات الأرض، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي سبعا من الأرضين، ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق أو فرجة، وللأحاديث الصحيحة المتقدمة مثل
الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن عائشة وسعيد بن زيد: «من ظلم قيد شبر من الأرض، طوّقه من سبع أرضين». وقيل: إنها أرض واحدة، وأن المماثلة ليست في العدد، وأن المماثلة في العدد، وإنما هي في الخلق والإبداع والإحكام. والرأي الأول أصح وأظهر، كما قال القرطبي وغيره من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين، لأن الأخبار دالّة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما.
стр. 8520
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة التحريم
مدنيّة، وهي اثنتا عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة «التحريم»، لتحريم النبي ﷺ شيئا على نفسه، وافتتاح السورة بعتابه على سبيل التلطف في قوله سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ.﴾ ..
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة:
١ - افتتاح السورتين كلتيهما بخطاب النّبي ﷺ : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾.
٢ - اشتراك السورتين في الأحكام المخصوصة بالنساء، فالأولى سورة الطلاق في بيان أحكام الطلاق والعدة وحقوق المعتدة وحسن المعاشرة، وهذه السورة في موقف بعض نساء النّبي ﷺ وكيفية معاملة النّبي ﷺ لهنّ بالحسنى واللين والنصح.
٣ - إن سورة الطلاق المتقدمة في تحريم ما أحل الله بالطلاق، وإنهاء خصومة بعض نساء الأمة، وهذه السورة في تحريم ما أحل الله من نوع آخر بالإيلاء، وإنهاء خصومة نساء النّبي ﷺ ، وإفرادها بأحكامهن تعظيما لهن، لذا ختمت بذكر زوجته في الجنة آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران.
стр. 8521
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المدنية تتضمن بعض أحكام التشريع الخاصة بأمهات المؤمنين لتكون نموذجا يحتذي لجميع الأمة.
ابتدأت السورة بعتاب لطيف للنّبي ﷺ على تحريمه على نفسه شيئا مباحا وهو العسل كما ثبت في الصحيح إرضاء لبعض أزواجه: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ.﴾. الآية.
ثم وجّهت العتاب لبعض أزواج النبي لإفشائهن السرّ حين أسرّ النبي ﷺ إلى زوجته حفصة، فأخبرت به عائشة، مما أغضب النّبي ﷺ ، وهمّ بتطليق أزواجه، وهدّدهن الله بإبداله أزواجا خيرا منهن: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ..﴾.
﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ.﴾ ..
وناسب هذا التذكير باتقاء أهل بيت الإيمان النار والترهيب من الجزاء، وبالتوبة النصوح، وبجهاد الكفار والمنافقين من غير انشغال بأحوال البيت والأسرة من أزواج وأولاد.
وختمت السورة بضرب مثلين عظيمين: أحدهما للكافرين، والثاني للمؤمنين، والأول مثل الزوجة الكافرة: امرأة نوح وامرأة لوط ﵉، عند الرجل المؤمن الصالح، والثاني مثل الزوجة المؤمنة: امرأة فرعون، عند الرجل الكافر الفاجر، ومثل المرأة الحرة التقية البتول في غير عصمة أحد، تنبيها للناس على وجوب اعتماد الإنسان على نفسه، وأنه لا يغني في الآخرة أحد عن أحد، ولا ينفع حسب ولا نسب إذا ساء العمل.
стр. 8522
بعض أحوال نساء النبي ﷺ
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)﴾
الإعراب:
﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ﴾ ﴿تَبْتَغِي﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿تُحَرِّمُ﴾.
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ جمع القلوب، ولم يقل «قلبا كما» بالتثنية، لأن كل ما ليس في البدن منه إلا عضو واحد، فإن تثنيته بلفظ جمعه، والقلب ليس في البدن منه إلا عضو واحد.
ولو قال: قلبا كما أو قلبكما، لكان جائزا.
﴿هُوَ مَوْلاهُ﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل.
﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ إنما قال ﴿ظَهِيرٌ﴾ بالإفراد، دون الجمع «ظهراء» لأن ما كان على وزن فعيل يستوي فيه الواحد والجمع، مثل قوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف ٨٠/ ١٢].
وقد يستغنى بذكر الواحد عن الجمع، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر ٦٧/ ٤٠].
стр. 8523
﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ الجملة جواب الشرط، و ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾: خبر ﴿عَسى﴾.
البلاغة:
﴿تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿عَرَّفَ﴾ ﴿وَأَعْرَضَ﴾ وبين ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾.
﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في العتاب.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿ظَهِيرٌ﴾ صيغ مبالغة.
﴿وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ عام بعد خاص، ذكر الملائكة بعد جبريل أحدهم اعتناء بشأن الرسول ﷺ ومناصرته.
المفردات اللغوية:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ لم تمنع نفسك من الحلال وهو العسل. ﴿تَبْتَغِي﴾ تطلب بالتحريم. ﴿مَرْضاتَ أَزْواجِكَ﴾ رضاهن. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفر لك هذا التحريم، فإنه لا يجوز تحريم ما أحله الله، رحيم بك حيث لم يؤاخذك به، وعاتبك حفاظا على عصمتك.
﴿فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ شرع لكم تحليل الأيمان بالكفارة المذكورة في سورة المائدة [الآية ٨٩]. قال مقاتل: أعتق النبي ﷺ رقبة، وقال الحسن: لم يكفّر، لأنه ﷺ مغفور له.
واحتج به من رأى التحريم يمينا، مع احتمال أنه ﷺ أتى بلفظ اليمين، كما قيل ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بما يصلحكم. ﴿الْحَكِيمُ﴾ المتقن في أفعاله وأحكامه.
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ أي واذكر إذ أسرّ إلى حفصة على المشهور ﴿حَدِيثاً﴾ هو تحريم العسل الذي كان يتناوله عند زينب بنت جحش، وأيلولة الخلافة من بعده لأبي بكر وعمر ﵄. ﴿نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أخبرت حفصة عائشة بالحديث، ظنا منها ألا حرج في ذلك. ﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ أطلعه على المنبّأ به وعلى إفشائه. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ عرف حفصة بعض ما فعلت وترك بعضه. ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ العالم بكل شيء، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما في السماء والأرض، لا تخفى عليه خافية.
﴿إِنْ تَتُوبا﴾ أي حفصة وعائشة، وجواب الشرط محذوف تقديره: تقبلا. ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ مالت القلوب عما يجب للنّبي ﷺ عليهما من التوقير والتعظيم، بحب ما يحبه، وكراهية ما يكرهه. ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ تتظاهرا وتتعاونا على النّبي بما يسوؤه ويؤذيه أو يكرهه.
стр. 8524
﴿مَوْلاهُ﴾ وليه وناصره. ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مثل أبي بكر وعمر، هم ناصروه أيضا، والمراد بالصالح: الجنس. ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ظهراء أعوان له وأنصار مساعدون، بعد نصر الله والمذكورين.
﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ هذا على التغليب أو تعميم الخطاب، أي عسى إن طلق النبي أزواجه أن يبدله (بالتشديد والتخفيف) أزواجا خيرا منهن.
﴿مُسْلِماتٍ﴾ مقرّات بالإسلام منقادات. ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ مصدقات مخلصات. ﴿قانِتاتٍ﴾ طائعات. ﴿تائِباتٍ﴾ عن الذنوب. ﴿عابِداتٍ﴾ متعبدات لله متذللات لأمر الرسول ﷺ .
﴿سائِحاتٍ﴾ صائمات، سمي الصائم سائحا، لأنه يسيح في النهار بلا زاد، أو مهاجرات.
﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ مشتملات على الصنفين. ويلاحظ أنه بدأ في وصفهن بالإسلام وهو الانقياد، ثم بالإيمان وهو التصديق، ثم بالقنوت وهو الطواعية، ثم بالتوبة وهي الإقلاع عن الذنب، ثم بالعبادة وهي التلذذ بالمناجاة لله، ثم بالسياحة وهي كناية عن الصوم. وأما الثيوبة والبكارة فلا يجتمعان في امرأة واحدة، لذا عطف أحدهما على الآخر، ولو لم يأت بالواو لاختل المعنى. وذكر الجنسين لأن في أزواجه ﷺ من تزوجها بكرا، وفيهن الثّيّاب.
سبب النزول:
نزول الآية (٢، ١):
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾: ذكر العلماء روايات في سبب نزول الآيتين، الصحيح منها كما ذكر ابن كثير وغيره أنهما نزلتا في تحريم العسل، كما قال البخاري عند هذه الآية.
أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف عن العصر دخل على نسائه، يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلا، فتواطأت أنا وحفصة أنّ أيّتنا دخل النبي ﷺ عليها، فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير (١)، أكلت مغافير، فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود إليه، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدا».
стр. 8525
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يشرب عند سودة العسل، فدخل على عائشة، فقالت: إني أجد منك ريحا، ثم دخل على حفصة، فقالت مثل ذلك، فقال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزلت: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾.
وتذكر الروايات في للسيرة أن النّبي ﷺ حرم العسل أمام حفصة فأخبرت عائشة بذلك، مع أن النبي ﷺ استكتمها الخبر، كما استكمتها ما أسرّها به من الحديث الذي يسرّها ويسرّ عائشة، أن أباها وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي.
قال ابن العربي: إنما الصحيح أن التحريم كان في العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، وجرى ما جرى، فحلف ألا يشربه، وأسرّ ذلك، ونزلت الآية في الجميع. وقال: أما ما روي أن الآية نزلت في الموهوبة (الواهبة نفسها للنبي) فهو ضعيف السند والمعنى، أما السند فرواته غير عدول، وأما المعنى فما يصح أن يقال: إن ردّ النبي ﷺ للهبة كان تحريما، بل هو رفض لها، وللموهوب له شرعا ألا يقبل الهبة. وأما ما روي من أنه حرم على نفسه مارية القبطية، كما ذكر الدارقطني عن عمر، فهو وإن قرب من حيث المعنى، لكنه لم يدون في صحيح ولا نقله عدل (١).
نزول الآية (٥):
﴿عَسى رَبُّهُ..﴾.: أخرج البخاري عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النّبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت: عسى ربّه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية.
стр. 8526
وأخرج أيضا عن أنس عن عمر قال: بلغني عن بعض أمهاتنا أمهات المؤمنين شدة على رسول الله ﷺ وأذاهنّ إياه، فاستقريتهنّ امرأة امرأة أعظها، وأنهاها عن أذى رسول الله ﷺ وأقول: إن أبيتنّ أبدله الله خيرا منكنّ، حتى أتيت على زينب، فقالت: يا ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، فأمسكت، فأنزل الله: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي يا أيها الرسول النبي، لماذا تمنع نفسك من بعض ما أباح الله لك، قاصدا إرضاء أزواجك، والله غفور لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك، وما تقدم من الزلّة، رحيم بك، فلا يعاقبك على ذنب تبت منه، ولم يؤاخذك به.
وهذا عتاب بطريق التلطف، مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣/ ١٠]، وسمي الامتناع عن الحلال ذنبا، وهو مباح لغيره، تعظيما لقدره الشريف، وإشارة إلى أن ترك الأولى بالنسبة إليه كالذنب، وإن لم يكن ذنبا في الواقع. والمراد بالتحريم: الامتناع من تناول العسل أو الاستمتاع ببعض الزوجات، وليس المراد اعتقاد كونه حراما بعد ما أحله الله، لأن تحريم الحلال كفر. قال القرطبي: والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة.
وتحريم الحلال يراه أبو حنيفة يمينا في كل شيء، حسبما ينوي، فإذا حرّم طعاما فقد حلف على أكله، وإذا حرّم ملبسا أو شرابا أو شيئا مباحا، فهو بمنزلة اليمين، وإذا حرم امرأة فقد حلف يمين الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى
стр. 8527
الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وإن نوى عددا معينا في الطلاق كاثنتين أو ثلاث فعلى ما نوى.
ولا يراه الشافعي يمينا، ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهن، وإن نوى الطلاق فهو رجعي. فإن حلف ألا يأكل شيئا فخالف، حنث ويبرّ بالكفارة.
﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ، وَاللهُ مَوْلاكُمْ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي شرع الله لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة المقررة في سورة المائدة [الآية ٨٩] وهي:
﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ، فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ، ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾.
وبيّن لكم ذلك، وليس لأحد أن يحرّم ما أحل الله، فالتحليل والتحريم إلى الله سبحانه، فإن فعل الإنسان شيئا من ذلك لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، والله متولي أموركم وناصركم على الأعداء، وهو العليم بما فيه صلاحكم وفلاحكم، الحكيم في أقواله وأفعاله وتدبير أموركم.
وسبب إيراد آية التحليل هذه أن التحريم الذي كان من النبي ﷺ كان في الظاهر مقترنا بيمين، لظاهر الآية: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ فهو دليل على أن هناك يمينا تحتاج إلى التحلة، وأيد ذلك بعض الروايات، فتكون هذه الآية مناسبة لما قبلها باعتبار كون تحريم المرأة أو العسل يمينا، وهو يمين إيلاء من المرأة.
وهل كفّر النبي ﷺ عن يمينه هذه؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال الحسن البصري: إنه لم يكفّر، لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وفي هذا نظر، لأن الأحكام الشرعية عامة، ولم يقم دليل على
стр. 8528
التخصيص، لذا قال مقاتل: إنه-أي النبي-أعتق رقبة في تحريم مارية، ونقل عن الإمام مالك في المدونة أنه أعطى الكفارة.
أما تحريم الرجل لزوجته كأن يقول لها: أنت علي حرام أو الحلال علي حرام دون استثناء شيء، ففيه كما ذكر ابن العربي (١) خمسة عشر قولا (٢)، منها ما ذكرناه سابقا أن أبا حنيفة يقول: إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى، وإلا كانت يمينا، وكان الرجل موليا من امرأته.
وذهب الشافعي ومالك إلى أن ذلك ليس بيمين، لكن إن حرم الزوجة ونوى بالتحريم الطلاق، يقع الطلاق الرجعي.
وذهب مالك إلى أنه طلاق بائن يقع به ثلاث تطليقات.
وقال أبو بكر الصديق وعائشة والأوزاعي: إنه يمين تكفر.
ثم ذكر الدليل على إحاطة علم الله بكل شيء، فقال:
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً، فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أي واذكر حين أسرّ النّبي ﷺ لزوجته حفصة حديثا هو تحريم العسل أو مارية، أو أن أباها وأبا عائشة يكونان خليفتيه على أمته من بعده، فلما أخبرت به غيرها، وأطلع الله نبيه على ما وقع منها من إخبار غيرها، عرّف حفصة بعض ما أخبرت به، وأعرض عن تعريف بعض ذلك.
﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا؟ قالَ: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي فحينما أخبرها بما أفشت من الحديث، قالت: من أخبرك به؟ قال: أخبرني به الله الذي لا تخفى عليه خافية، فهو العليم بالسر، الخبير بكل شيء في السماء والأرض.
стр. 8529
ثم وجّه الله تعالى زوجتي النبي ﷺ : حفصة وعائشة إلى التوبة وعاتبهما قائلا:
﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي إن تتوبا إلى الله، فتكتما السر، وتحبّا ما أحبه رسول الله ﷺ ، وتكرها ما كرهه، قبلت توبتكما من الذنب وكان خيرا لكما، فقد عدلت قلوبكما ومالت عن الحق والخير، وهو حق تعظيم الرسول ﷺ وصون سره وتكريمه.
والخطاب لحفصة وعائشة، لما أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق، عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرّز، ثم أتاني، فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين: من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾؟ فقال عمر: وا عجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة.
﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ، وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي وإن تتعاضدا وتتعاونا على ما يسوؤه ويؤذيه بسبب الغيرة والرغبة في إفشاء سره، فإن الله يتولى نصره، وكذلك جبريل وصالح المؤمنين كأبي بكر وعمر، والملائكة بعد نصر الله له ونصر جبريل والمؤمنين الصالحين أعوان له وحراس وحفظة. وقوله: ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم.
ولم نر مثل هذا العون والعصمة والتأييد الرباني لأحد من الأنبياء والرسل وسائر البشر، للمبالغة في تعظيم شأن النبي ﷺ ، والتخلص من مكر النساء، وتبديد أوهام المشركين والمنافقين من محاولات الكيد والأذى وإلحاق الضرر.
стр. 8530
ثم أنذرهما الله وحذرهما مع بقية الأزواج، فقال تعالى:
﴿عَسى ١ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ، قانِتاتٍ تائِباتٍ، عابِداتٍ، سائِحاتٍ، ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ أي لله القدرة البالغة، فإنه قادر إن وقع من النبي الطلاق أن يبدله أزواجا خيرا وأفضل منكن، قائمات بفروض الإسلام، كاملات الإيمان والتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله، مطيعات لله تعالى ورسوله ﷺ ، تائبات من الذنوب، مواظبات على عبادة الله متذللات له، صائمات، بعضهن ثيّبات، وبعضهن أبكارا. والثيب: هي المرأة التي قد تزوجت، ثم طلقها زوجها أو مات عنها. والبكر: هي العذراء. قال الكلبي: أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون، وبالبكر مثل مريم بنت عمران.
وهذا مأخوذ من أحاديث ضعيفة، ومبني على أن الوعد بالتبديل في الآخرة فقط.
ويلاحظ أن جميع هذه الصفات يمكن اجتماعها في موصوف واحد، ما عدا الوصفين الأخيرين، لذا عطفا بالواو، للدلالة على التغاير أو التباين في الوصفين، والعطف يقتضي المغايرة.
والآية تتضمن غاية التهديد والوعيد على محاولات إيذاء النبي ﷺ ، فإنه لا شيء أشد وأقسى على المرأة من الطلاق، والعزم على التزوج بزوجة أخرى، فذلك قاصم للظهر، مؤرّق للبال، محطم دائم للشعور الذاتي بالسعادة في الحياة.
وفي الآية أيضا وعد من الله لنبيه ﷺ أن يزوجه بما يريد، قيل: في الدنيا، وقيل: في الآخرة، والأولى الجمع بين الحالتين.
стр. 8531
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١ - عاتب الله تعالى نبيه ﷺ على الامتناع من تناول ما أحل الله، فلا ينبغي لأحد تحريم المباح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٧٨/ ٥]. قال الشعبي: كان مع الحرام يمين، فعوتب في الحرام، وإنما يكفر اليمين فذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ﴾. وهذا العتاب دليل قاطع بأن القرآن من عند الله، إذ لا يعقل ولا يؤلف أن يعاتب الإنسان نفسه، أو يخبر عن نزاع خاص في بيته يظل خبرا متلوا دائما.
٢ - إن مجرد الامتاع من تناول الشيء المأكول أو المشروب من غير حلف ليس يمينا، ولا يحرّم قول الرجل: «هذا علي حرام» إلا الزوجة، فيكون إيلاء منها. وهذا رأي الجمهور. وقال أبو حنيفة: إن تحريم المأكول والمشروب والملبوس والشيء المباح يكون يمينا توجب الكفارة. وإذا حرم امرأة، فقد حلف يمين الإيلاء منها، كما تقدم.
والحقيقة: ليس في الموضوع نص يعتمد عليه، فمن تمسك بالبراءة الأصلية قال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء، ومن قال: إنها يمين، قال: سماها الله يمينا.
ومن قال: تجب فيها كفارة وليست بيمين، اعتمد على أحد أمرين: أحدهما-أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها، وإن لم تكن يمينا، والثاني-أن معنى اليمين عنده التحريم، فوجبت الكفارة على المعنى.
ومن قال: إنها طلقة رجعية، فإنه حمل اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرّمة الوط ء. ومن قال: إنها ثلاث، حمل اللفظ على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث. ومن قال: إنه ظهار، فلأنه أقل درجات التحريم، فإنه تحريم لا يرفع
стр. 8532
النكاح. ومن قال: إنه طلقة بائنة، فاعتمد على أن الطلاق الرجعي لا يحرّم المطلّقة، وأن الطلاق البائن يحرّمها (١).
٣ - تحليل اليمين كفارتها، والظاهر أن النبي ﷺ حلف، مع الامتناع عن تناول العسل، وأنه في الأصح كفّر عن يمينه. والكفارات تجبر الخلل الحاصل.
وإن حرم الرجل أمته أو زوجته، فكفارة يمين، لما أحج مسلم في صحيحة عن ابن عباس قال: «إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفّرها» وقال:
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١/ ٣٣].
٤ - للنساء بسبب الغيرة الفطرية الشديدة التأثير مواقف غريبة وعجيبة من بعضهن بعضا.
٥ - يصعب على النساء كتمان السر، فقد أسر النبي ﷺ لزوجته حفصة تحريم العسل أو مارية على نفسه، أو أمر الخلافة من بعده لأبي بكر وعمر، واستكتمها السر، فأباحت به لعائشة.
٦ - يغفل الإنسان غالبا عن أن الله عالم خبير به وبأحواله، فيتصرف تصرفات الغافل غير الواعي ولا المدرك لما يفعل، ولا يحسب الحساب اللازم لمن يراه ويحاسبه على أعماله. وهذا ما كان من حفصة التي فاجأها النبي ﷺ بما فعلت، وأعلمها بأن الله أخبره بذلك.
٧ - القرآن تهذيب وتربية وتعليم، لذا حث الله سبحانه حفصة وعائشة على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى مخالفة محبة رسول الله ﷺ ، وتعظيم شأنه وإعلاء قدره وصون سره. فقد زاغت ومالت قلوبهما عن الحق، وهو أنهما أحبّتا ما كره النبي ﷺ من اجتناب جاريته، واجتناب العسل، وكان ﷺ يحب العسل والنساء، محبة فيها اعتدال وإعزاز وإكرام للنساء.
стр. 8533
٨ - هدد الله حفصة وعائشة بأنهما إن تتظاهرا وتتعاونا على النبي ﷺ بالمعصية والإيذاء، فهناك حملة صون وحفظ وعصمة وحراسة له من الله والملائكة وجبريل والمؤمنين الصالحين، كأبي بكر وعمر أبوي عائشة وحفصة.
٩ - وهددهما بتهديد آخر أشد ألما ووقعا على النفس، وهو إن طلقهما وطلّق زوجاته، أبدله الله زوجات خيرا وأفضل منهن في الدنيا والآخرة. وهذا وعد من الله تعالى لرسوله ﷺ ، وإخبار عن القدرة الإلهية وتخويف لهم، مع علمه تعالى بأنه لا يطلقهن.
وأوصاف النساء اللاتي يبدله الله بدلا عن زوجاته الحاليات في غاية الكمال، وهي كونهن مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، مصدقات بما أمرن به ونهين عنه، مطيعات، تائبات من ذنوبهن، كثيرات العبادة لله تعالى، صائمات أو مهاجرات، ثيّبات وأبكارا، أي منهن ثيّب، ومنهن بكر.
١٠ - حينما أفشت حفصة السر لعائشة، آلى رسول الله ﷺ لا يدخل على نسائه شهرا، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ الآية،
وهذا ما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن عمر أن النبي ﷺ حرّم على نفسه مارية.
وروى مسلم في صحيحة قصة طويلة مفادها: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، وقال الناس في المسجد: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل الأمر بالحجاب، دخل عمر على كل من عائشة وحفصة يعاتبهما على إيذائهما رسول الله ﷺ .
ثم دخل على رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع على حصير، فجلس، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، فقال عمر: فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ ،
стр. 8534
فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا (١) في ناحية الغرفة، وإذا أفيق (٢) معلّق، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها الا ما أرى! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة، ولهم الدنيا؟! قلت: بلى.
الوقاية من النار والتوبة النصوح وجهاد الكفار
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾
стр. 8535
الإعراب:
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿قُوا﴾: فعل أمر من (وقى، يقي) وأصله (أوقيوا) بوزن أفعلوا، فحذفت الواو، كما حذفت من (يقي) لوقوعها بين ياء وكسرة.
﴿لا يَعْصُونَ اللهَ، ما أَمَرَهُمْ﴾ ﴿ما أَمَرَهُمْ﴾: بدل من لفظ الجلالة، أي لا يعصون أمر الله.
﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ إنما قال: ﴿نَصُوحاً﴾ ولم يقل (نصوحة) على النسب، كما قالوا: امرأة صبور وشكور، على النسب. وقرئ نصوحا بضم النون، وهو مصدر كالذهوب والجلوس والفسوق.
البلاغة:
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ مجاز مرسل، من قبيل ذكر المسبّب وإرادة السبب، أي لازموا على الطاعة، لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله.
المفردات اللغوية:
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾ اجعلوا لأنفسكم وقاية من النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، واحملوا أهليكم على ذلك بالنصح والتأديب. ﴿وَقُودُهَا﴾ ما توقد به النار. ﴿النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ بجعلهما نارا تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب، والمراد بالناس: الكفار، وبالحجارة: الأصنام التي تعبد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١].
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ خزنة وعدتهم تسعة عشر، كما في سورة المدثر (الآية ٣٠). ﴿غِلاظٌ﴾ غلاظ الخلق والطباع. ﴿شِدادٌ﴾ أقوياء البدن على الأفعال الشديدة. ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ لا يعصون أمر الله في الماضي. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ في المستقبل، وهو تأكيد لما سبق. قال الجلال المحلي: والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم.
﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، أي لأنه لا ينفعكم الاعتذار، أو لأنه لا عذر لكم. ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاء عملكم.
﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ صادقة، بالغة في النصح، وهي الندم على ما فات، والعزم على عدم العود إلى مثله في المستقبل.
سئل علي ﵁ عن التوبة، فقال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، والفرائض الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على ألا تعود، وأن تربي نفسك في طاعة الله كما ربّيتها في المعصية.
стр. 8536
﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ عسى من الله تدل على وجوب الوقوع، وذكر بصيغة الإطماع جريا على عادة الملوك، وإشعارا بأنه تفضل، وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ يوم ظرف متعلق ب ﴿يُدْخِلَكُمْ﴾ و ﴿لا يُخْزِي﴾:
لا يفضح. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أمامهم، أي يسعى بهم نور الإيمان على الصراط. ﴿يَقُولُونَ﴾ كلام مستأنف جديد. ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ إلى الجنة، أما المنافقون فيطفأ نورهم. ﴿وَاغْفِرْ لَنا﴾ واسترنا يا ربنا.
﴿جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ بمختلف أنواع الأسلحة كالسيف وغيره. ﴿وَالْمُنافِقِينَ﴾ أي وجاهدهم باللسان والحجة، فالجهاد يكون تارة بالسيف، وتارة بالحجة والبرهان. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ اشتد عليهم بالانتهار والمقت والقتل بحق. ﴿وَمَأْواهُمْ﴾ مكان الإيواء والإقامة.
المناسبة:
بعد أن أمر الله نساء النبي ﷺ بالتوبة عما حدث من الزلات، وحذرهم من مخالفته ووعظهم وأدبهم وهددهم بالطلاق، أمر المؤمنين بطائفة من المواعظ والنصائح، وأولها وقاية أنفسهم وأهليهم من النار بترك المعاصي وفعل الطاعات، ثم أخبر الكفار بما يقال لهم يوم دخولهم النار: لا عذر لكم، ثم أمر المؤمنين بالتوبة الخالصة النصوح من الخطايا والذنوب، وتوج جميع ذلك بالأمر بجهاد الكفار المعتدين، والمنافقين المتسترين، والمجاهدة قد تكون بالقتال، وقد تكون بالحجة والبرهان، ثم يكون جزاء الفريقين النار.
التفسير والبيان:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً، وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ أي يا أيها الذين صدّقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، أدبوا أنفسكم وعلموها، واتخذوا لها وقاية من النار، وحافظوا عليها بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه، وعلّموا أهليكم وأمروهم بطاعة الله وانهوهم عن معاصيه، وانصحوهم وأدبوهم حتى لا تصيروا معهم إلى النار العظيمة الرهيبة التي تتوقد بالناس وبالحجارة، كما يتوقد غيرها بالحطب. قال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم
стр. 8537
عليهم بأمر الله وتأمرهم به، وتساعدهم عليه، فإذا رأيت معصية، قذعتهم عنها، وزجرتهم عنها.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه ١٣٢/ ٢٠] وقوله سبحانه مخاطبا نبيه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤/ ٢٦]. و
روى جماعة من أهل الحديث (أحمد وأبو داود والحاكم) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع».
وقال ﷺ فيما رواه الترمذي والحاكم عن عمرو بن سعيد بن العاصي: «ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن».
وروى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده (أي سمرة بن جندب) قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها». وقال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وقال ابن جرير: فعلينا أن نعلّم أولادنا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب.
والمراد بالناس الكفار، وبالحجارة: الأصنام التي تعبد من دون الله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١]، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخدم.
والآية دليل على أن المعلّم يجب أن يكون عالما بما يأمر به وما ينهى عنه.
﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أي على النار خزنة من الملائكة يلون أمرها وتعذيب أهلها، غلاظ أطباعهم، قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، شداد عليهم، تركيبهم في غاية الشدة والصلابة والمنظر المزعج، لا يرحمونهم إذا استرحموهم، إنما خلقوا للعذاب، عددهم تسعة عشر ملكا هم زبانيتها كما جاء في قوله تعالى: ﴿عَلَيْها
стр. 8538
تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠/ ٧٤] يتميزون بالطاعة الكاملة لله ربهم، فهم لا يخالفون أوامر الله تعالى، ويؤدون ما يؤمرون به في وقته المحدد له من غير تراخ، فلا يؤخرونه عنه ولا يقدّمونه، وهم قادرون على الفعل، ليس بهم عجز عنه.
وفائدة الإتيان بالجملتين: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أن الأولى في الماضي، ولبيان الطواعية، فإن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر، ولنفي الاستكبار عنهم، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء ١٩/ ٢١] والثانية للمستقبل وفورية التنفيذ والامتثال ونفي التراخي والكسل عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩/ ٢١].
ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار، فقال:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ، إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال للكفرة عند إدخالهم النار يوم القيامة، تأييسا لهم وقطعا لأطماعهم:
لا تعتذروا، فإنه لا يقبل منكم العذر، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون في الدنيا، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا.
والمراد بهذا أن الدنيا دار جهاد وعمل صالح، والآخرة دار مقر وجزاء، والدنيا مزرعة الآخرة، فإن زرع فيها أو غرس الزرع أو الغرس الصالح، جنى طيبا، وإن زرع أو غرس نباتا أو شجرا رديئا، حصد ما فعل.
وبما أن العذر أو التوبة لا يفيدان في الآخرة، أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة النصوح، فقال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، ارجعوا إلى الله تعالى، وتوبوا إليه توبة خالصة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات: وهي
стр. 8539
الندم بالقلب على ما مضى من الذنب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والعزم على ألا يعود، لعل الله أن يمحو سيئات أعمالكم التي اقترفتموها، ويدخلكم بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، حين لا يعذب ولا يذل ولا يفضح الله نبيه محمدا ﷺ ، ولا يعذب ولا يذل الذين آمنوا به واتبعوا شريعته، بل يكرمهم ويعزّهم.
وكلمة ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ كما قال الزمخشري: إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان: أحدهما-أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة لعسى ولعل، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، فإنهم إذا أرادوا فعلا يقولون:
عسى أن نفعل كذا. والثاني-أن يجيء به تعليما للعباد أن يكونوا بين الخوف والرجاء.
والخلاصة: أن ﴿عَسى﴾ من الله موجبة تفيد التحقق.
وقوله: ﴿لا يُخْزِي﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ، فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢/ ٣].
قال العلماء: التوبة النصوح: هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل.
روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الندم توبة».
وثبت في الصحيح: «الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها».
ثم ذكر الله تعالى أثر الإيمان، فقال:
﴿نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن نور المؤمنين يضيء لهم طريقهم، ويسعى
стр. 8540
أمامهم وعن أيمانهم حال مشيهم على الصراط، كما جاء في سورة الحديد:
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ.﴾. [٢٨]، ويدعو المؤمنون حين يطفئ الله نور المنافقين يوم القيامة، قائلين تقربا إلى الله: ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾، أي أبقه لنا، فلا ينطفئ حتى نتجاوز الصراط، واستر ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا، ولا تفضحنا بالعقاب عليها حين الحساب، فإنك على كل شيء قدير، ومنه إتمام نورنا، وغفران ذنوبنا، وتحقيق رجائنا وآمالنا، فأجب دعاءنا.
ثم أمر الله نبيه ﷺ بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة، فقال:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي يا أيها الرسول النبي قاتل الكفار بالسيف، والمنافقين بالحجة والبرهان وإقامة الحدود عليهم إذا ارتكبوها، وشدّد عليهم في الدعوة إلى الإسلام في الدنيا، واستعمل العنف والقسوة والشدة مع الفريقين، فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة والوعيد، لذا أمر النبي ﷺ بطرد بعض المنافقين من الجامع قائلا: اخرج يا فلان، اخرج يا فلان. وهذا عذابهم في الدنيا.
وسيكون مقر الفريقين ومسكنه في الآخرة جهنم، وبئس المرجع والمثوى والمقيل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يلي:
١ - أمر الله-والأمر للوجوب-بأن يقي المؤمنون أنفسهم النار بأفعالهم، وأهليهم بالنصح والوعظ والإرشاد. وهذا يتطلب الالتزام التام بأحكام الشرع أمرا ونهيا، وترك المعاصي وفعل الطاعات، ومتابعة القيام بالأعمال الصالحة، وحث الزوجة والأولاد على أداء الفرائض واجتناب النواهي، ومراقبتهم المستمرة في ذلك.
стр. 8541
٢ - إن عذاب المخالفين من الكفار والعصاة عذاب شديد في نار جهنم التي تتقد بالناس والحجارة، ويقوم بأمرها ملائكة تسعة عشر هم الملائكة الزبانية غلاظ القلوب، لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبّب إليهم عذاب الخلق، كما حبّب لبني آدم أكل الطعام والشراب، شداد الأبدان والأفعال، غلاظ الأقوال، لا يخالفون أمر الله بزيادة أو نقصان، ويفعلون ما يؤمرون به في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدّمونه.
٣ - لا تقبل التوبة من أحد من الكفار يوم القيامة، ولا يقبل منهم العذر، وسيجزون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، وكون عذرهم لا ينفع، والنهي عن الاعتذار لتحقيق اليأس، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم ٥٧/ ٣٠].
٤ - أمر الله بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان. والتوبة المطلوبة هي التوبة البالغة في النصح والصدق، وهي كما ذكر النووي التي تستجمع ثلاثة أمور: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على ألا يعود إلى مثلها أبدا.
وقال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين، فإن كان حقا لله كترك صلاة، فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن ترك صوما أو فرط في الزكاة. وإن كان ذلك ما يوجب القصاص أو الحد الذي فيه حق لآدمي كالقذف، وطلب منه، مكّن نفسه من العقوبة، إلا إذا عفي عنه، فيكفيه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. أما إن كان الحد من الحدود الخالصة لله كالزنى والشرب، فيسقط عنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح، وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم.
стр. 8542
فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه-عينا كان أو غيره-إن كان قادرا عليه، فإن لم يكن قادرا، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه.
وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه، فقد سقط الذنب عنه.
وإن أساء إلى رجل بأن فزّعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم استعفى منه، حتى طابت نفسه، فعفا عنه، سقط عنه ذلك (١).
٥ - يقبل الله التوبة النصوح من التائب، ويكفر عنه سيئاته، ويدخله الجنان، لقوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ.﴾. وعسى من الله واجبة،
وقوله ﷺ فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس، وهو ضعيف:
«التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
٦ - إن للإيمان نورا يمشي بصاحبه على الصراط، ويسعى به إلى النجاة، ويدعو المؤمنون في الآخرة حين يطفئ الله نور المنافقين بقولهم في الآخرة:
﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، وَاغْفِرْ لَنا، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وطلب المغفرة لا يعني أن الذنب لازم لكل إنسان، وإنما التقصير لازم لكل مؤمن.
٧ - أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، ويجاهد المنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين، علما بأن مأوى الصنفين جهنم، وبئس المرجع.
стр. 8543
أمثلة من النساء المؤمنات والكافرات
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾
الإعراب:
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ ﴿مَثَلاً﴾ و ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ مفعولا ﴿ضَرَبَ﴾، وقيل: ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ بدل من (مثل) على تقدير حذف مضاف، تقديره: مثل امرأة نوح، ثم حذف ﴿مَثَلاً﴾ الثاني لدلالة الأول عليه.
وكذلك القول في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ منصوب بالعطف على ﴿اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾.
البلاغة:
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مقابلة بين المثلين، لتكون النساء في الإخلاص كالمؤمنتين، لا كالكافرتين الخائنتين.
﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ فيه تغليب الذكور على الإناث.
﴿الدّاخِلِينَ﴾ ﴿الظّالِمِينَ﴾ ﴿الْقانِتِينَ﴾ سجع مرصّع.
стр. 8544
المفردات اللغوية:
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ أي أورد حالة غريبة لمعرفة حال أخرى مشابهة لها في الغرابة. ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أي في عصمتهما. ﴿فَخانَتاهُما﴾ بالنفاق في أمر الدين، إذ كفرتا، وكانت امرأة نوح واسمها واغلة أو واعلة تقول لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط واسمها أو واهلة تدل قومه على أضيافه، بإيقاد النار ليلا، وبالتدخين نهارا. ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما﴾ لم يفيداهما أي نوح ولوط.
﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذابه. ﴿اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أي قيل لهما: ادخلا النار مع كفار قوم نوح وقوم لوط. وهذا تمثيل حالهم في إيقاع العقاب بهم بكفرهم دون مجاملة أو محاباة للنبي ﷺ والمؤمنين بنسب أو غيره.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ شبه حالهم في عدم التأثر ببيئة الكفر وعمالقة الكافرين وأن صلة الكفر لم تضرهم بحال آسية امرأة فرعون، واسمها آسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى آمنت به، فعذبها فرعون عذابا شديدا لصدها عن الإيمان. ﴿إِذْ قالَتْ﴾ في حال التعذيب: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين. ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ خلصني من طغيان فرعون وتعذيبه وعمله الشنيع. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هم أقباط مصر الوثنيون التابعون لفرعون في الظلم.
﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ حفظته وصانته من الرجال، والمراد به كونها عفيفة. ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ﴾ في الفرج. ﴿مِنْ رُوحِنا﴾ أي من روح خلقناه بلا توسط أب، قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير: أن الفرج جيب الدّرع (القميص). ومعنى (أحصنته) منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهن. ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ﴾ آمنت بشرائعه وكتبه التي أنزلها على رسله. ﴿مِنَ الْقانِتِينَ﴾ من عداد الطائعين المواظبين على الطاعة.
المناسبة:
بعد الحض على التوبة النصوح والإيمان والإخلاص وجهاد الأعداء، ضرب الله مثلين رائعين فذّين لأهل الكفر وأهل الإيمان، لبيان حال الكافرين بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة أمثالهم من غير مراعاة نسب أو زوجية أو قرابة أو محاباة، فتعاقب امرأة نوح وامرأة لوط اللتان كانتا في بيت النبوة، ولكنهما كفرتا بالله وبالنبي، فلم تفدهما الرابطة الزوجية من عذاب الله شيئا.
стр. 8545
وجاء المثل الثاني الأروع للمؤمنين والمؤمنات للإشارة إلى أن من واجبهم أن يكونوا في الإخلاص وصدق العزيمة وقوة اليقين كهاتين المؤمنتين: آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما، لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئا.
التفسير والبيان:
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ، فَخانَتاهُما، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَقِيلَ: اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أي جعل الله مثلا لحال الكفار في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أنه لا يغني أحد عن أحد، وأن ذلك لا يجدي عنهم شيئا، ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، فمجرد الخلطة أو النسب أو الزوجية لا فائدة فيها ما دام الشخص كافرا.
وذلك المثل أن امرأة نوح وامرأة لوط ﵉، كانتا في عصمة نكاح نبيين رسولين، وفي صحبتهما ليلا ونهارا، يؤاكلانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، لكنهما خانتاهما في الإيمان والدين، فلم تؤمنا بهما، ولا صدّقاهما في الرسالة، فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئا من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله، ولا دفعا عنهما محذورا، مع كرامتهما على الله، وحاق بهما سوء العذاب والعقاب.
قيل: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه ليفجروا بهم.
وقيل للمرأتين في الآخرة عند دخول النار: ادخلا النار مع الداخلين فيها من أهل الكفر والمعاصي، جزاء كفرهما وسيئاتهما.