← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

٢ - إن عذاب المخالفين من الكفار والعصاة عذاب شديد في نار جهنم التي تتقد بالناس والحجارة، ويقوم بأمرها ملائكة تسعة عشر هم الملائكة الزبانية غلاظ القلوب، لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبّب إليهم عذاب الخلق، كما حبّب لبني آدم أكل الطعام والشراب، شداد الأبدان والأفعال، غلاظ الأقوال، لا يخالفون أمر الله بزيادة أو نقصان، ويفعلون ما يؤمرون به في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدّمونه. ٣ - لا تقبل التوبة من أحد من الكفار يوم القيامة، ولا يقبل منهم العذر، وسيجزون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، وكون عذرهم لا ينفع، والنهي عن الاعتذار لتحقيق اليأس، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم ٥٧/ ٣٠]. ٤ - أمر الله بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان. والتوبة المطلوبة هي التوبة البالغة في النصح والصدق، وهي كما ذكر النووي التي تستجمع ثلاثة أمور: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على ألا يعود إلى مثلها أبدا. وقال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقا لله أو للآدميين، فإن كان حقا لله كترك صلاة، فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن ترك صوما أو فرط في الزكاة. وإن كان ذلك ما يوجب القصاص أو الحد الذي فيه حق لآدمي كالقذف، وطلب منه، مكّن نفسه من العقوبة، إلا إذا عفي عنه، فيكفيه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. أما إن كان الحد من الحدود الخالصة لله كالزنى والشرب، فيسقط عنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح، وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم.

стр. 8542

فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه-عينا كان أو غيره-إن كان قادرا عليه، فإن لم يكن قادرا، فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه. وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه، فقد سقط الذنب عنه. وإن أساء إلى رجل بأن فزّعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم استعفى منه، حتى طابت نفسه، فعفا عنه، سقط عنه ذلك (١). ٥ - يقبل الله التوبة النصوح من التائب، ويكفر عنه سيئاته، ويدخله الجنان، لقوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ.﴾. وعسى من الله واجبة، وقوله ﷺ فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس، وهو ضعيف: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». ٦ - إن للإيمان نورا يمشي بصاحبه على الصراط، ويسعى به إلى النجاة، ويدعو المؤمنون في الآخرة حين يطفئ الله نور المنافقين بقولهم في الآخرة: ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا، وَاغْفِرْ لَنا، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وطلب المغفرة لا يعني أن الذنب لازم لكل إنسان، وإنما التقصير لازم لكل مؤمن. ٧ - أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، ويجاهد المنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين، علما بأن مأوى الصنفين جهنم، وبئس المرجع.

стр. 8543

أمثلة من النساء المؤمنات والكافرات ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾ الإعراب: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ ﴿مَثَلاً﴾ و ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ مفعولا ﴿ضَرَبَ﴾، وقيل: ﴿اِمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ بدل من (مثل) على تقدير حذف مضاف، تقديره: مثل امرأة نوح، ثم حذف ﴿مَثَلاً﴾ الثاني لدلالة الأول عليه. وكذلك القول في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ منصوب بالعطف على ﴿اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾. البلاغة: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مقابلة بين المثلين، لتكون النساء في الإخلاص كالمؤمنتين، لا كالكافرتين الخائنتين. ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ فيه تغليب الذكور على الإناث. ﴿الدّاخِلِينَ﴾ ﴿الظّالِمِينَ﴾ ﴿الْقانِتِينَ﴾ سجع مرصّع.

стр. 8544

المفردات اللغوية: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً﴾ أي أورد حالة غريبة لمعرفة حال أخرى مشابهة لها في الغرابة. ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أي في عصمتهما. ﴿فَخانَتاهُما﴾ بالنفاق في أمر الدين، إذ كفرتا، وكانت امرأة نوح واسمها واغلة أو واعلة تقول لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط واسمها أو واهلة تدل قومه على أضيافه، بإيقاد النار ليلا، وبالتدخين نهارا. ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما﴾ لم يفيداهما أي نوح ولوط. ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذابه. ﴿اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أي قيل لهما: ادخلا النار مع كفار قوم نوح وقوم لوط. وهذا تمثيل حالهم في إيقاع العقاب بهم بكفرهم دون مجاملة أو محاباة للنبي ﷺ والمؤمنين بنسب أو غيره. ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ شبه حالهم في عدم التأثر ببيئة الكفر وعمالقة الكافرين وأن صلة الكفر لم تضرهم بحال آسية امرأة فرعون، واسمها آسية بنت مزاحم، وهي عمة موسى آمنت به، فعذبها فرعون عذابا شديدا لصدها عن الإيمان. ﴿إِذْ قالَتْ﴾ في حال التعذيب: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين. ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ خلصني من طغيان فرعون وتعذيبه وعمله الشنيع. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هم أقباط مصر الوثنيون التابعون لفرعون في الظلم. ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ حفظته وصانته من الرجال، والمراد به كونها عفيفة. ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ﴾ في الفرج. ﴿مِنْ رُوحِنا﴾ أي من روح خلقناه بلا توسط أب، قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير: أن الفرج جيب الدّرع (القميص). ومعنى (أحصنته) منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهن. ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ﴾ آمنت بشرائعه وكتبه التي أنزلها على رسله. ﴿مِنَ الْقانِتِينَ﴾ من عداد الطائعين المواظبين على الطاعة. المناسبة: بعد الحض على التوبة النصوح والإيمان والإخلاص وجهاد الأعداء، ضرب الله مثلين رائعين فذّين لأهل الكفر وأهل الإيمان، لبيان حال الكافرين بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة أمثالهم من غير مراعاة نسب أو زوجية أو قرابة أو محاباة، فتعاقب امرأة نوح وامرأة لوط اللتان كانتا في بيت النبوة، ولكنهما كفرتا بالله وبالنبي، فلم تفدهما الرابطة الزوجية من عذاب الله شيئا.

стр. 8545

وجاء المثل الثاني الأروع للمؤمنين والمؤمنات للإشارة إلى أن من واجبهم أن يكونوا في الإخلاص وصدق العزيمة وقوة اليقين كهاتين المؤمنتين: آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما، لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئا. التفسير والبيان: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ، كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ، فَخانَتاهُما، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً، وَقِيلَ: اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أي جعل الله مثلا لحال الكفار في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أنه لا يغني أحد عن أحد، وأن ذلك لا يجدي عنهم شيئا، ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، فمجرد الخلطة أو النسب أو الزوجية لا فائدة فيها ما دام الشخص كافرا. وذلك المثل أن امرأة نوح وامرأة لوط ﵉، كانتا في عصمة نكاح نبيين رسولين، وفي صحبتهما ليلا ونهارا، يؤاكلانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، لكنهما خانتاهما في الإيمان والدين، فلم تؤمنا بهما، ولا صدّقاهما في الرسالة، فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئا من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله، ولا دفعا عنهما محذورا، مع كرامتهما على الله، وحاق بهما سوء العذاب والعقاب. قيل: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه ليفجروا بهم. وقيل للمرأتين في الآخرة عند دخول النار: ادخلا النار مع الداخلين فيها من أهل الكفر والمعاصي، جزاء كفرهما وسيئاتهما.

стр. 8546

وهذا تعريض بأمي المؤمنين، وهما حفصة وعائشة، لما فرط منهما، وتحذير وتخويف لهما ولغيرهما بأنه لا يفيدهن شيئا زواجهن بالنبي ﷺ إن عصين الله تعالى. قال يحي بن سلام: هذا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله ﷺ حين تظاهرتا عليه، ببيان أنهما، وإن كانت تحت عصمة خير خلق الله تعالى، وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئا. وقد عصمها الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة. ثم ضرب الله مثلا آخر للمؤمنين بامرأتين أخريين يرشد إلى عكس المثل السابق أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، فقال عن المرأة الأولى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي وجعل الله مثلا آخر للمؤمنين حال امرأة فرعون آسية بنت مزاحم وعمة موسى ﵇، آمنت بموسى حين سمعت قصة إلقائه عصاه، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان، فلم تتراجع عن إيمانها، مما يدل على أن صولة الكفر لا تضر المؤمنين، كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها بالله في جنات النعيم. وذلك حين قالت: يا رب ابن لي بيتا قريبا من رحمتك في أعلى درجات المقرّبين منك، ونجني من ذات فرعون ومما يصدر عنه من أعمال الشر، وخلصني من القوم الظالمين هم كفار القبط. قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فو الله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها، ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه.

стр. 8547

وقال ابن جرير: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. والآية دليل على صدق إيمان امرأة فرعون بالله وبالبعث، وبالجنة والنار، وبأن العمل الصالح طريق الجنة، والعمل السيء سبب النار. وهي دليل آخر على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين. وقال عن المرأة الثانية: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها، فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة عمران أم عيسى ﵉، جمع الله لها بين كرامة الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين في عصرها، مع كونها بين قوم عصاة، صانت فرجها عن الرجال والفواحش، فهي مثال العفة والطهر، فأمر الله جبريل أن ينفخ في فرجها، وقال بعض المفسرين وهو من بدعهم: في جيب الدرع (القميص) فحملت بعيسى، وصدّقت بشرائع الله التي شرعها لعباده، وبصحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، وبكتبه الكتب الأربعة الكبرى المنزلة على الأنبياء، وما خاطبها به الملك، وهو قول جبريل لها: ﴿إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم ١٩/ ١٩]، وما أخبرها به من البشارة بعيسى وكونه من المقرّبين كما في سورتي آل عمران (الآيات ٤٢ - ٤٨) ومريم (الآيات ١٦ - ٣٦) وكانت من القوم المطيعين لربهم، كان أهلها أهل بيت صلاح وطاعة، ومن عداد الناسكين العابدين المخبتين لربهم. روى أحمد عن ابن عباس قال: «خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون».

стр. 8548

وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - دل المثل الأول للكافرين على أنه لا يغني أحد في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرّق بينهما الدّين. فقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين، فلم يفدهما شيئا من عذاب الله نوح ولا لوط مع كرامتهما على الله تعالى، كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه. وكانت خيانتهما في الدين وكانتا مشركتين. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. وهذا المثل تعريض لحفصة وعائشة أنهما إن صدرت منهما معصية، لن يفيدهما كونهما من زوجات النبي ﷺ لدفع العذاب. ويقال: إن كفار مكة استهزءوا وقالوا: إن محمدا ﷺ يشفع لنا، فبين الله تعالى أن شفاعته لا تنفع كفّار مكة، وإن كانوا أقرباء، كما لا تنفع شفاعة نوح لامرأته، وشفاعة لوط لامرأته، مع قربهما لهما لكفرهما. ويقال في الآخرة لامرأتي نوح ولوط: ﴿اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ كما يقال لكفار مكة وغيرهم. ٢ - ودل المثل الثاني للمؤمنين على أن الاختلاط بالكفار لا يضر، ما دام الاعتصام بالله والإيمان هو السمة المهيمنة على المؤمن. وهو مثل ضربه الله يحذر به عائشة وحفصة عن المخالفة حين تظاهرتا على رسول الله ﷺ .

стр. 8549

وكان المثل بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، ترغيبا في التمسك بالطاعة والثبات على الدّين، وحثا للمؤمنين على الصبر في الشدة، كصبر آسية على أذى فرعون، وكانت آسية آمنت بموسى، وصبر السيدة مريم البتول على أذى اليهود واتهامها بالفاحشة، فصبر المؤمن والمؤمنة على الأذى ينجي من القوم الظالمين، والتقرب إلى الله يكون بالطاعات، لا بالوسيلة والشفاعات. فعلى الرغم من تعذيب فرعون لزوجته آسية دعت قائلة: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾. ومريم العذراء أم عيسى ﵉ ضرب الله بها مثلا لصبرها على أذى اليهود الذين اتهموها بالفاحشة، مع أنها كانت عفيفة طاهرة صانت نفسها عن الفواحش، ولكن الله أرسل لها جبريل، فنفخ في فرجها روحا من أرواحه وهي روح عيسى، فحملت به ثم ولدته من غير أب، وصدقت بشرائع الله وكتبه ورسالاته وبما أخبرها به جبريل: ﴿إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الآية [مريم ١٩/ ١٩] وكانت من المطيعين. روى قتادة عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون بنت مزاحم». قال الرازي: أما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة، وامرأة لوط المسماة بواهلة، فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا الله تعالى، منها: التنبيه للرجال والنساء على الثواب العظيم والعذاب الأليم. ومنها: العلم بأن صلاح الغير لا ينفع المفسد، وفساد الغير لا يضر المصلح. ومنها: أن الرجل، وإن كان في غاية الصلاح، فلا يأمن المرأة، ولا يأمن نفسه، كالصادر من امرأتي نوح ولوط.

стр. 8550

ومنها: العلم بأن إحصان المرأة وعفتها مفيدة غاية الإفادة، كما أفاد مريم بنت عمران، وكما أخبر الله تعالى، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ﴾ [آل عمران ٤٢/ ٣]. ومنها: التنبيه على أن التضرع بالصدق في حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب، وإلى الثواب بغير حساب، وأن الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب، وإليه المرجع والمآب (١). تم هذا الجزء والحمد لله

стр. 8551

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الملك، أو: تبارك مكيّة، وهي ثلاثون آية. تسميتها: سميت سورة الملك؛ لافتتاحها بتقديس وتعظيم الله نفسه الذي بيده الملك-ملك السموات والأرض، وله وحده مطلق السلطان، والتصرف في الأكوان كيفما يشاء، يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع. وتسمى السورة أيضا «الواقية» و «المنجية» لأنها تقي وتنجي من عذاب القبر وتشفع لصاحبها كما سأبيّن. وكان ابن عباس يسميها «المجادلة» لأنها تجادل عن قارئها في القبر. مناسبتها لما قبلها: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها من وجهين: ١ - وجه عام: وهو أن هذه السورة تؤكد مضمون السورة السابقة في جملتها، فالسورة المتقدمة تبيّن مدى قدرة الله وهيمنته وتأييده لرسوله محمد ﷺ في مواجهة احتمال ظهور تآمر امرأتين ضعيفتين من نسائه عليه، وهذه السورة توضح بصيغة عامة أن بيد الله ملك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه القدير على كل شيء.

стр. 8552

٢ - وجه خاص: وهو أنه تعالى ذكر في أواخر «التحريم» مثالين فريدين متمثلين بامرأتي نوح ولوط للكافرين، وبامرأة فرعون المؤمنة، ومريم العذراء البتول للمؤمنين، وهذه السورة تدل على إحاطة علم الله تعالى وتدبيره وإظهاره في خلقه ما يشاء من العجائب والغرائب، فإن كفر امرأتي نوح ولوط لم يمنع اتصالهما بنبيين كريمين، وإيمان امرأة فرعون، لم يضر به اتصالها بفرعون الطاغية الجبار العنيد، كما لم يزعزع إيمان مريم حملها غير المعهود بعيسى ﵇. ما اشتملت عليه السورة: سورة الملك كسائر السور المكية تعنى بأصول العقيدة الأساسية وهي إثبات وجود الله، وعظمته، وقدرته على كل شيء والاستدلال على وحدانيته، والإخبار عن البعث والحشر والنشر. بدئت بالحديث عن تمجيد الله سبحانه، وإظهار عظمته، وتفرده بالملك والسلطان، وهيمنته على الأكوان، وتصرفه في الوجود بالإحياء والإماتة (الآيات: ١ - ٢). ثم أكدت الاستدلال على وجود الله بخلقه السموات السبع، وما زيّنها به من الكواكب والنجوم المضيئة، وتسخيرها لرجم الشياطين ونحو ذلك من مظاهر قدرته وعلمه (الآيات: ٣ - ٥) مما يدل على أن نظام العالم نظام محكم لا خلل فيه ولا تغاير. ومن مظاهر قدرته تعالى: إعداد عذاب جهنم للكافرين، وتبشير المؤمنين بالمغفرة والأجر الكبير، وذلك جمع بين الترهيب والترغيب على طريقة القرآن الكريم (الآيات: ٦ - ١٢). ومن مظاهر علمه وقدرته ونعمه: علمه بالسر والعلن، وخلقه الإنسان

стр. 8553

ورزقه، وتذليل الأرض للعيش الهني عليها وحفظها من الخسف، وحفظ السماء من إنزال الحجارة المحرقة المدمرة للبشر، كما دمرت الأمم السابقة المكذبة رسلها، وإمساك الطير ونحوها من السقوط، وتحدي الناس أن ينصرهم غير الله إن أراد عذابهم (الآيات: ١٣ - ٢٠). وأردفت ذلك في الخاتمة بإثبات البعث، وحصر علمه بالله تعالى، وإنذار المكذبين بدعوة الرسول ﷺ ، وتحذيرهم من إيقاع العذاب بهم، وإعلان وجوب التوكل على الله، والتهديد بتغوير الماء الجاري في الأنهار والينابيع دون أن يتمكن أحد بإجرائه والإتيان ببديل عنه (الآيات: ٢٥ - ٣٠). والخلاصة: أن السورة إثبات لوجود الله تعالى ووحدانيته ببيان مظاهر علمه وقدرته، وإنذار بأهوال القيامة، وتذكير بنعم الله على عباده، وربط الرزق بالسعي في الأرض ثم التوكل على الله تعالى. فضل السورة: وردت أحاديث كثيرة في فضل هذه السورة، منها: ما أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها، غفر له: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». ومنها: ما أخرجه الطبراني والحافظ الضياء المقدسي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». ومنها: ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس في تسمية سورة الملك بالواقية والمنجية، قال رسول الله ﷺ : «هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر».

стр. 8554

بعض أدلة القدرة الإلهية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ الإعراب: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ ﴿طِباقاً﴾ صفة ﴿سَبْعَ﴾ و ﴿طِباقاً﴾: إما جمع «طبق» كجمل وجمال، أو جمع «طبقة» كرحبة ورحاب: ويصح أن تكون «طباقا» مصدرا أو حالا. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ﴿كَرَّتَيْنِ﴾: منصوب في موضع المصدر، كأنه قال: فارجع البصر رجعتين، ويراد بالتثنية هنا الكثرة، لا حقيقة التثنية، بدليل قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ والبصر لا ينقلب خاسئا حسيرا بمجرد مرتين، وإنما يصير كذلك بمرار جمة، مثل قولهم: لبيك وسعديك، أي إلبابا بعد إلباب، وإسعادا بعد إسعاد، يعني: كلما دعوتني أجبتك إجابة بعد إجابة، من قولهم: ألب بالمكان: إذا أقام به. البلاغة: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ استعارة تمثيلية، أو في لفظ «اليد» مجاز، ويكون قوله ﴿الْمُلْكُ﴾ على الحقيقة. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه معاملة الله لعباده بالابتلاء والاختبار. ﴿الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ بينهما طباق. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وضع الموصول للتفخيم والتعظيم، أي له السلطان والتصرف المطلق.

стр. 8555

﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ إطناب بتكرار الجملة مرتين لزيادة التنبيه والتذكير. ﴿قَدِيرٌ﴾، ﴿حَسِيرٌ﴾، ﴿السَّعِيرِ﴾ سجع مرصع، وكذا قوله: ﴿الْغَفُورُ﴾، ﴿فُطُورٍ﴾. المفردات اللغوية: ﴿تَبارَكَ﴾ تعاظم وتعالى بالذات عن كل ما سواه، وكثير خيره وإنعامه، من البركة: وهي النماء والزيادة الحسية أو المعنوية. ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ المالك المطلق وصاحب السلطان المتفرد، و ﴿بِيَدِهِ﴾ نؤمن باليد كما جاء على مراد الله، والظاهر من الآية هنا بيان قدرة الله وسلطانه ونفاذ تصرفه في ملكه. ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ أوجده أو قدّره أزلا، و ﴿الْمَوْتَ﴾ عدم الحياة المعروفة، ﴿وَالْحَياةَ﴾ ما به الإحساس والحيوية. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم في حقل الحياة، أي ليعاملكم معاملة المختبر لأعمالكم. ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أخلصه لله وأطوعه. ﴿الْعَزِيزُ﴾ القوي الغالب الذي لا يغلبه شيء، ولا يعجزه عقاب المسيء. ﴿الْغَفُورُ﴾ الكثير المغفرة والستر لذنوب عباده إذا تابوا. ﴿طِباقاً﴾ متطابقا بعضها فوق بعض، بحيث يكون كالجزء منه، وكالقبة على الأخرى. ﴿تَفاوُتٍ﴾ تباين وتناقض وعدم تناسب. ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أعدّه إلى السماء. ﴿فُطُورٍ﴾ شقوق وصدوع، جمع فطر. ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ مرة بعد مرة أو كرة بعد كرة، والمراد بذلك التكرار والتكثير. ﴿يَنْقَلِبْ﴾ يرجع. ﴿خاسِئاً﴾ صاغرا ذليلا عن أن يرى شيئا من العيب أو الخلل في خلق السموات. ﴿حَسِيرٌ﴾ كليل منقطع، لم يدرك المطلوب بعد كثرة المراجعة. ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أقرب السموات إلى الأرض. ﴿بِمَصابِيحَ﴾ بنجوم وكواكب مضيئة، جمع مصباح. ﴿رُجُوماً﴾ راجمات أو مراجم يرجم ويرمى بانقضاض الشهب عليها، جمع رجم. ﴿لِلشَّياطِينِ﴾ شياطين الجن والإنس. ﴿وَأَعْتَدْنا﴾ هيأنا. ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ عذاب النار المستعرة الموقدة. التفسير والبيان: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يمجد الله تعالى نفسه الكريمة للتعليم والإرشاد، ويخبر أنه سبحانه المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء، وأنه التام القدرة على كل الأشياء، لا يعجزه شيء، بل هو بتصرف في

стр. 8556

ملكه كيف يريد، من إعزاز وإذلال، ورفع ووضع، وإنعام وانتقام، وإعطاء ومنع، لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لحكمته وعدله وإطلاق سلطانه. وكلمة ﴿تَبارَكَ﴾ تعالى وتعاظم، وهي تدل على غاية الكمال ومنتهى التعظيم والإجلال، ولذا لا يجوز استعمالها في حق غير الله تعالى. تدل الآية على أمور ثلاثة: أن الله تعالى وتعاظم عن كل ما سواه من المخلوقات، وأنه المالك المتصرف في السموات والأرض في الدنيا والآخرة، وهو صاحب القدرة التامة والسلطان المطلق على كل شيء. ومن مظاهر قدرته وعلمه قوله سبحانه: ١ - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ أي إنه تعالى موجد الموت والحياة ومقدرهما من الأزل، وهو الذي جعلهم عقلاء ليدركوا معاني التكليف ويقوموا به، وليعاملهم معاملة المختبر لأعمالهم، فيجازيهم على ذلك، وليعرّفهم أيهم أطوع وأخلص لله وخير عملا، وهو القوي الغالب القاهر الذي لا يغلبه ولا يعجزه أحد، الكثير المغفرة والستر لذنوب من تاب وأناب بعد ما عصاه وخالفه، فهو سبحانه مع كونه عزيزا منيعا يغفر ويرحم، ويعفو ويصفح، كما في آية أخرى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩/ ١٥ - ٥٠]. والآية دليل على أن الموت أمر وجودي، لأنه مخلوق. والموت: انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقتها له، والحياة: تعلق الروح بالبدن واتصالها به، وإيجاد الحياة معناه: خلق الروح في الكائنات الحية، ومنها إيجاد الإنسان. والمقصد الأصلي من الابتلاء: هو ظهور كمال إحسان المحسنين. روى ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾

стр. 8557

قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أذلّ بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء». وقدم الموت على الحياة في الآية؛ لأنه أقوى داعيا إلى العمل. ٢ - ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ، فَارْجِعِ الْبَصَرَ، هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي إنه تعالى الذي أوجد وأبدع السموات السبع، المتطابقة بعضها فوق بعض، كل سماء منفصلة عن الأخرى كما جاء في حديث الإسراء وغيره، يجمع بينها نظام الجاذبية، ما تشاهد أيها الناظر المتأمل في مخلوقات الرحمن من تناقض وتباين وعدم تناسب، واردد طرفك في السماء، وتأمل: هل تشاهد فيها من شقوق وصدوع؟! وهذا دليل على تعظيم خلقها، وسلامتها من العيوب، وكون خالقها ذا قدرة تامة وعلم دقيق شامل محكم متقن. ونظير الآية: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد ٢/ ١٣]. والسماء: مادة لا يعلم حقيقتها إلا الله، تبعد عن الأرض مسيرة خمس مائة عام بالقياسات القديمة، وتتحدد الآن بالأميال حسبما تدل عليه برامج غزو الفضاء. وقيل: إنها مدارات الكواكب، ويرى العلماء الفلكيون أنها فراغ يدور فيها الكوكب، وإذا عرفنا أن الكواكب ذات أبعاد متفاوتة ومسافات مختلفة، أدركنا تصور كرات السموات السبع. وتكوّن المجموعة الشمسية والمجموعات النجمية ما يعرف باسم «الكون». والمجموعة الشمسية (أو النظام الشمسي) تطلق في علم الفلك على الشمس والكواكب السيّارة وتوابعها، وهي بترتيب بعدها عن الشمس: عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشتري، أورانوس، نبتون، بلوتو. والمجموعات النجمية شموس نائية البعد تتغير ألوان بعضها لعدة أيام أحيانا.

стр. 8558

﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً، وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي ثم ردد البصر ودقق مرة بعد مرة مهما تكاثرت المرات، يرجع إليك البصر صاغرا ذليلا عن رؤية شيء من الخلل أو العيب في خلق السماء، وهو كليل عيي من كثرة التأمل ومعاودة النظر. ومعنى الآية بعبارة أخرى: إنك أيها الإنسان المخاطب لو كررت البصر مهما كررت، لانقلب إليك أو رجع إليك البصر ذليلا عن أن يرى عيبا أو خللا. والمراد بقوله: ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ تكثير النظر لمعرفة الخلل. ٣ - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أي ولقد زيّنا أقرب السموات إلى الناس بكواكب ثوابت وسيارات، فصارت في أحسن خلق وأبهج شكل، وسميت الكواكب مصابيح؛ لأنها تضيء كإضاءة السراج، وجعلنا تلك الكواكب بما ينقضّ منها من الشهب أو من دونها راجمات يرجم بها الشياطين، وأعددنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب عذاب النار المستعرة الموقدة بسبب فسادهم وإفسادهم. ورجم الشياطين يعدّ فائدة أخرى للكواكب، غير كونها زينة للسماء الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦/ ١٦]. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة السماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البرّ والبحر، فمن تأول فيها غير ذلك، فقد قال برأيه وتكلف ما لا علم له به. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ، وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ، لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى، وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ، إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات ٦/ ٣٧ - ١٠].

стр. 8559

فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - تعاظم الله بالذات عن كل ما سواه، وهو مالك السموات والأرض في الدنيا والآخرة، والقادر على كل شيء من إنعام وانتقام. ٢ - الله هو الذي أوجد الموت وأوجد الحياة ليعامل العباد معاملة المختبر، ويقيم الدليل عليهم أيهم أطوع وأخلص لله، وهو سبحانه القوي الغالب في انتقامه ممن عصاه، الغفور لمن تاب. قال ابن عمر: تلا النّبي ﷺ : ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حتى بلغ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فقال: أورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله. والابتلاء: هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو يعصي؟ ٣ - الله هو الذي أوجد أيضا السموات السبع متطابقة بعضها فوق بعض، ما ترى في خلقها من اعوجاج وصدوع، ولا تناقض ولا تباين، بل هي مستقيمة مستوية، دالة على خالقها، لا عيب ولا خلل فيها. ٤ - إذا كرر الإنسان النظر في السموات مرات كثيرة، لا يرى فيها عيبا؛ بل يتحيّر بالنظر إليها، ويرجع إليه بصره خاشعا صاغرا متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك، وقد بلغ الغاية في الإعياء. ٥ - زيّن الله السماء الدنيا وهي القربى أقرب السموات إلى الناس بكواكب مصابيح لإضاءتها، وجعل منها شهبا تنقض على مردة الشياطين، وأعد الله للشياطين أشد الحريق بسبب الكفر والضلال والإفساد. والآيات كلها دليل على كونه تعالى كامل القدرة والعلم.

стр. 8560

تعذيب الكفار العصاة ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ الإعراب: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ المراد بذنوبهم، ووحّد لوجهين: أحدهما-أنه أضافه إلى جماعة، والإضافة إلى الجميع تغني عن جمع المضاف، كما أن الإضافة إلى التثنية تغني عن تثنية المضاف. والثاني-أن (ذنب) مصدر، والمصدر يصلح للواحد والجمع. ﴿فَسُحْقاً﴾ منصوب على المصدر، وجعل بدلا من الفعل، أو منصوب بتقدير فعل، تقديره: ألزمهم الله سحقا. البلاغة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ استفهام إنكاري للتقريع والتوبيخ زيادة لهم في العذاب. ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ مقابلة، قابلة بقوله بعدئذ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقاً﴾ استعارة مكنية، شبه شدة استعارها وحسيسها بصوت الحمار. ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ استعارة مكنية، شبه جهنم في شدة غليانها ولهبها، بإنسان شديد الغيظ والحنق على عدوه مبالغة في إيصال الضرر إليه، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الغيظ الشديد.

стр. 8561

﴿الْمَصِيرُ﴾، ﴿نَذِيرٌ﴾، ﴿كَبِيرٍ﴾، ﴿السَّعِيرِ﴾ سجع مرصع لمراعاة رؤوس الآيات. ﴿ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ إطناب بتكرار الجملة مرتين لزيادة التنبيه. المفردات اللغوية: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ من شياطين الإنس والجن. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ساء المرجع هي. ﴿أُلْقُوا فِيها﴾ طرحوا فيها. ﴿شَهِيقاً﴾ صوتا منكرا شديدا كصوت الحمار، والشهيق: تنفس يسبق الزفير، وهو هنا كتنفس المتغيظ. ﴿تَفُورُ﴾ تغلي بهم كغلي المرجل. ﴿تَمَيَّزُ﴾ أي تتميز بمعنى تتقطع وتتفرق غضبا عليهم. ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ غضبا على الكفار، والغيظ: شدة الغضب، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم. ﴿فَوْجٌ﴾ جماعة أي من الكفار. ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها﴾ سؤال توبيخ، والخزنة: الأعوان وهم مالك وأعوانه، جمع خازن. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي رسول ينذركم عذاب الله، ويخوفكم منه، والاستفهام يراد به التوبيخ والتبكيت. ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم. ﴿إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ خطأ بعيد عن الصواب والحق. وهذا القول إما من الملائكة للكفار حين اعترفوا بالتكذيب، أو من كلام الكفار للنذر من الرسل. ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ سماع تفهم. ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عقل تفكر. ﴿ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ في عدادهم ومن جملتهم. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ أقروا بذنوبهم حين لا ينفعهم الاعتراف، والاعتراف: إقرار عن معرفة. ﴿فَسُحْقاً﴾ أي أسحقهم الله سحقا، أي أبعدهم الله من رحمته. المناسبة: بعد أن بيّن الله تعالى ما أعد للشياطين من عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا، عمم الوعيد، وأوضح أن هذا العذاب معدّ أيضا لكل كافر جاحد بربه، ثم ذكر أوصاف النار وأهوالها الشديدة. التفسير والبيان: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي وأعتدنا لكل الجاحدين بربهم، المكذبين رسله من الجن والإنس عذاب نار جهنم، وبئس المآل والمرجع وما يصيرون إليه، وهو جهنم.

стр. 8562

ثم ذكر صفات النار الأربع وهي: ٢، ١ - ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً، وَهِيَ تَفُورُ﴾ أي إذا طرح الكفار في نار جهنم، كما يطرح الحطب في النار العظيمة، سمعوا لها صوتا منكرا كصوت الحمير أول نهيقها، أو كصوت المتغيظ من شدة الغضب، وهي تغلي بهم غليان المرجل. ٣ - ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تكاد أو تقترب تتقطع، وينفصل بعضها من بعض، من شدة غضبها على الكفار، وحنقها بهم. ٤ - ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها، أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي كلما طرح في جهنم جماعة من الكفار، سألهم أعوانها وزبانيتها سؤال تقريع وتوبيخ: أما جاءكم في الدنيا رسول نذير ينذركم هذا اليوم ويخوفكم ويحذركم منه؟ فيجيبهم الكفار بقولهم من ناحيتين: ١ - ﴿قالُوا: بَلى، قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا: ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ أي أجاب الكفار قائلين: بلى جاءنا رسول من عند الله ربنا، فأنذرنا وخوّفنا، لكنا كذبنا ذلك النذير، وقلنا له: ما نزّل الله من شيء على لسانك، ولم يوح إليك بشيء من أمور الغيب وأخبار الآخرة والشرائع التي أمرنا الله بها. وما أنتم أيها الرسل إلا في ذهاب عن الحق، وبعد عن الصواب. فهذا على الأظهر من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها، وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ، يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟ قالُوا: بَلى، وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١/ ٣٩].

стр. 8563

وهذا دليل على عدل الله في خلقه وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]. ٢ - ﴿وَقالُوا: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ، ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي إننا نلوم أنفسنا ونندم على ما فعلنا، فلو كنا نسمع ما أنزل الله من الحق سماع من يعي، وسماع هداية، أو نعقل عقل من يميز وينظر وينتفع، وعقل هداية، ما كنا من أهل النار، وما كنا عليه من الكفر بالله والضلال، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، والإيمان بما أنزل الله تعالى، والاستماع إلى الرسول ﷺ . وقدم السمع على العقل والتفهم؛ لأن المدعو إلى شيء يسمع كلام الداعية أولا ثم يتفكر فيه. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ، فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي فأقروا معترفين بما صدر عنهم من ذنب استحقوا به عذاب النار، وهو الكفر وتكذيب الأنبياء، فبعدا لهم من الله ومن رحمته. وهذا بيان بالجريمة ثم العقاب. أخرج الإمام أحمد عن أبي البحتري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم» وفي حديث آخر: «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - للكافرين الجاحدين وجود الله ووحدانيته، المكذبين رسله عذاب جهنم في الآخرة، وبئس المرجع والمنقلب. وظاهر الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصرّ لا يبقى في النار.

стр. 8564

٢ - للنار أوصاف أربعة مرعبة رهيبة: هي سماع شهيق أي صوت منكر لها، والفوران فهي تغلي بالكفار غليان المرجل، والغضب فهي تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى، وتعنيف الزبانية فكلما ألقي فيها جماعات منهم يسألهم خزنتها وهم مالك وأعوانه من الزبانية سؤال توبيخ وتقريع زيادة لهم في العذاب: ألم يأتكم رسول نذير في الدنيا ينذركم هذا اليوم حتى تحذروا؟! قال ابن عباس: الشهيق لجهنم عند إلقاء الكفار فيها؛ تشهق إليهم شهقة البغلة للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. ٣ - يعترف الكفار بأنه قد جاءهم رسول أنذرهم وخوفهم، فكذبوه، وقالوا: ما أنتم يا معشر الرسل إلا في بعد عن الحق والصواب. ٤ - وبعد أن اعترفوا بتكذيب الرسل، اعترفوا أيضا بجهلهم، وهم في النار، وقالوا: لو كنا نسمع من الرسل النذر سماع تدبر ووعي، وتعقل وفهم ما جاؤوا به، ما كنا من أهل النار. قال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكّر، أو نعقل عقل من يميّز وينظر. ودل هذا على أن الكافر لم يعط من العقل شيئا. عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لقد ندم الفاجر يوم القيامة، قالوا-أي الفجار-: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾، فقال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ أي بتكذيبهم الرسل. ٥ - يقال للكفار حينئذ: سحقا لكم، أي بعدا من رحمة الله، سواء اعترفوا أو جحدوا، فإن ذلك لا ينفعهم.

стр. 8565

٦ - احتجوا بآية ﴿وَقالُوا: لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ.﴾. على أن الدين لا يتم إلا بالتعليم؛ لأن السمع يقتضي إرشاد المرشد وهداية الهادي. واحتجوا بها أيضا على تفضيل السمع على البصر؛ لأن الآية دلت على أن للسمع مدخلا في الخلاص من النار والفوز بالجنة، فالسمع مناط الفوز، والبصر ليس كذلك، فوجب أن يكون السمع أفضل. وعد المؤمنين بالمغفرة وتهديد الكافرين مرة أخرى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ الإعراب: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ﴿مَنْ﴾: في موضع رفع فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾ والمفعول محذوف، أي ألا يعلم الخالق خلقه. البلاغة: ﴿وَأَسِرُّوا﴾ و ﴿اِجْهَرُوا﴾ بينهما طباق. ﴿كَبِيرٌ﴾، ﴿الْخَبِيرُ﴾ سجع، وكذا قوله: ﴿الصُّدُورِ﴾ و ﴿النُّشُورُ﴾. المفردات اللغوية: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاينوه بعد، أو في حال غيبتهم عن أعين الناس، فيطيعونه سرا وعلانية. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ثواب عظيم وهو الجنة، يصغر دونه لذائذ الدنيا. ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في الضمائر أو النفوس.

стр. 8566

﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء على وفق حكمته. ﴿اللَّطِيفُ﴾ العالم بدقائق الأمور وخفاياها التي لا يدركها العالمون. ﴿الْخَبِيرُ﴾ المطلع على ظواهر الأشياء وبواطنها. ﴿ذَلُولاً﴾ سهلة منقادة لينة يسهل لكم السير فيها والانتفاع بها. ﴿مَناكِبِها﴾ جوانبها وطرقها، جمع منكب: وهو في الأصل مجتمع ما بين العضد والكتف. ﴿النُّشُورُ﴾ الخروج من القبور، والحياة بعد الموت، والرجوع إلى الله بعد البعث للجزاء. سبب نزول الآية (١٣): ﴿وَأَسِرُّوا.﴾.: قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فخبّره جبريل ﵇ بما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم لئلا يسمع إله محمد. المناسبة: بعد وعيد الكفار بعذاب النار، ذكر الله تعالى للمقابلة وعد المؤمنين بالمغفرة والأجر الكبير، ثم عاد إلى تهديد الكافرين والناس جميعا بأنه عليم بكل ما يصدر عنهم في السر والعلن، وأقام الدليل على ذلك بأنه هو الخالق والقادر الذي ذلّل الأرض للعالم، وأذن لهم بالانتفاع بما فيها من خيرات وكنوز ظاهرة وباطنة كالزروع والثمار والمعادن. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي إن الذين يخافون عذاب ربهم ولم يروه، فيؤمنون به خوفا من عذابه، ويخافون الله في السر والعلن، فيخشون ربهم إذا كانوا غائبين عن الناس، بالكف عن المعاصي والقيام بالطاعات، حيث لا يراهم أحد إلا الله تعالى، هؤلاء لهم مغفرة عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم، وثواب جزيل، وهو الجنة. ثبت في الصحيحين: «سبعة يظلّهم الله تعالى في ظل عرشه، يوم لا ظل

стр. 8567

إلا ظله.. منهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». ثم نبّه الله تعالى على أنه مطّلع على الضمائر والسرائر، فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي سواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم به، فالله عليم به، يعلم بما يخطر في القلوب وما تكنّه الضمائر، لا يخفى عليه منه خافية، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالله عليم به، فاحذروا من المعاصي سرا كما تحترزون عنها جهرا، فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله تعالى. وقدّم السر على الجهر؛ لأنه مقدم عليه عادة، فما من أمر إلا وهو يبدأ أولا في النفس ثم يجهر به، وللتحذير من التكتم والسر الذي قد يظن عدم العلم به. وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ كالعلّة لما قبله. والآية خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، وتشمل ما كانوا يسرون به من الكلام في أمر رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله ﷺ ، فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ لئلا يسمع إله محمد، فأنزل الله هذه الآية. ثم أقام الله تعالى الأدلة على سعة علمه، فقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أي ألا يعلم الخالق الذي خلق الإنسان وأوجده السرّ ومضمرات القلوب؟ فهو تعالى الذي خلق الإنسان بيده، وأعلم شيء بالمصنوع صانعه، وهو العليم بدقائق الأمور، وما في القلوب، والخبير بما تسرّه وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية. والمراد: ألا يعلم السّر من خلق السّر. وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟ قال ابن كثير: والأول (أي ألا يعلم الخالق) أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. والواقع أن كلا المعنيين محتمل،

стр. 8568

فيمكن جعل ﴿مَنْ﴾ اسما للخالق جل وعز، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالق خلقه، كما يمكن جعلها اسما للمخلوق، ويكون المعنى: ألا يعلم الله من خلق. ولا بد من أن يكون الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه. ثم أقام الله تعالى الدليل على قدرته، ونبّه إلى تمام نعمته، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي إن الله هو الذي سخّر لكم الأرض وذلّلها لكم، وجعلها سهلة لينة قابلة للاستقرار عليها، لا تميد ولا تضطرب، بما جعل فيها من الجبال، وفجّر فيها الينابيع، وشقّ الطرق، وهيّأ المنافع، وأنبت فيها الزروع وأخرج الثمار، فسيروا في جوانبها وأقطارها وأرجائها حيث شئتم بحثا عن المكاسب والتجارات والأرزاق، ولا يغني السعي شيئا عن تيسير الله، لذا قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض، ومكّنكم من الانتفاع بها، وأعطاكم القدرات على تحصيل خيراتها، ثم اعلموا أنكم في النهاية صائرون إليه، فإليه النشور، أي البعث من قبوركم، لا إلى غيره، وإليه المرجع يوم القيامة، فاحذروا الكفر والمعاصي في السر والعلن. والآية دليل على قدرة الله ومزيد إنعامه على خلقه، وعلى أن السعي واتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل على الله، وعلى أن الاتجار والتكسب مندوب إليه. أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا» فأثبت لها غدوّا ورواحا، لطلب الرزق، مع توكلها على الله ، وهو المسخّر المسيّر المسبّب. وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرّة قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵁ بقوم، فقال: من أنتم؟ فقالوا: المتوكلون، قال: بل أنتم

стр. 8569

المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبّه في بطن الأرض، وتوكل على الله . ويكون المراد من الآيتين هذه وما قبلها تهديد الكافرين بأن الله عالم بسرهم وجهرهم، وأنه هو المنعم المتفضل عليهم بما يسّر لهم من خيرات الأرض، فاحذروا عقابه، فكأنه تعالى قال: أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم وجهركم، فكونوا خائفين مني، محترزين من عقابي، فقد أسكنتكم في هذه الأرض التي ذلّلتها لكم، وجعلتها سببا لنفعكم ورزقكم، وإني إن شئت خسفت بكم هذه الأرض، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - إن خشية الله، والخوف من عذابه وعقابه، ومجاهدة الشيطان واجب كل إنسان، وإن الذين يخافون الله، ويخافون عذابه الغائب عنهم وهو عذاب يوم القيامة، ويراقبون الله في سرهم وعلنهم، لهم مغفرة لذنوبهم، وثواب كبير وهو الجنة. ٢ - إن الله تعالى عالم على السواء بالجهر وبالسر، وبما في الصدور من خطرات وخفايا وبما في القلوب من الخير والشر. وعليه يكون ما أخفاه المشركون من الكلام في أمر محمد ﷺ ، وما جهروا به معلوما تمام العلم لله . كذلك كل ما يكيد به الناس للإسلام وقرآنه ونبيه ﷺ وأهله في كل عصر، دولا وأفرادا، يعلم به الله، ويعاقب أهل الكيد والمكر والشر والضلال عليه. ٣ - الدليل على كونه تعالى عالما بجميع الأشياء السرية والعلنية أنه هو الخالق للإنسان وأفعاله وأقواله، ومن خلق شيئا لا بد وأن يكون عالما بمخلوقه.

стр. 8570

٤ - إن الأرض وما فيها من خيرات ومنافع وكنوز مسخرة للإنسان هي من نعمة الله وفضله، وهي حقل التجارب، ومرصد السلوك الإنساني، والله الذي ذلّلها ويسّر لعباده الأرزاق فيها قادر أيضا على أن يخسفها بأهلها وسكانها، ويكون المصير والمرجع إليه بعد البعث من القبور للحساب والجزاء، فما على الناس إلا استعمال الأرض في الخير، والبعد عن الشر والمنكرات والكفر والمعاصي. أنواع من الوعيد والتهديد والعبرة بالأمم السابقة ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ﴿أَنْ﴾: في موضع نصب على البدل من ﴿مَنْ فِي السَّماءِ﴾ وهو بدل اشتمال. وكذا قوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾. ﴿صافّاتٍ﴾ حال منصوب؛ لأن المراد بالرؤية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ رؤية العين، لا رؤية القلب. وقوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ عطف على ﴿صافّاتٍ﴾ والجملة في موضع الحال، وتقديره: قابضات، وعطف هنا الفعل المضارع على اسم الفاعل؛ لما بينهما من المشابهة. البلاغة: ﴿صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ بينهما طباق؛ لأن المعنى صافات وقابضات. ﴿نَذِيرِ﴾، ﴿نَكِيرِ﴾، ﴿بَصِيرٌ﴾ سجع مرصّع مراعاة لرؤوس الآيات.

стр. 8571

المفردات اللغوية: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين، أو بقلب الهمزة الأولى واوا، أو بتسهيل الثانية مع الفصل، أو بلا فصل، أو مع إدخال ألف بينهما، أو بإبدال الثانية ألفا، والأمن: ضد الخوف. ﴿مَنْ فِي السَّماءِ﴾ هو الله، على زعم العرب أنه تعالى في السماء. ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ أن يغوّر بكم الأرض، ويغيبكم فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص ٨١/ ٢٨]. ﴿تَمُورُ﴾ ترتجّ وتتحرك وتضطرب. ﴿حاصِباً﴾ ريحا شديدة فيها حصباء ترميكم بها وتهلككم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عند معاينة العذاب. ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي إنذاري بالعذاب أنه حق، وتخويفي به. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم. ﴿نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بإنزال العذاب، وهو تسلية للرسول ﷺ ، وتهديد لقومه المشركين. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا. ﴿فَوْقَهُمْ﴾ في الهواء. ﴿صافّاتٍ﴾ باسطات أجنحها في الجو عند طيرانها. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي وقابضات يضمنها تارة أخرى. ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ عن الوقوع في حال البسط والقبض. ﴿إِلاَّ الرَّحْمنُ﴾ بقدرته، الشامل رحمته كل شيء. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب. والمعنى: ألم يستدلوا بطيران الطير في الهواء على قدرتنا أن نعذبهم كما عذبنا الأمم المتقدمة؟ المناسبة: بعد بيان الأدلة على علم الله وقدرته لترهيب الكافرين وتخويفهم، أورد تعالى أدلة أخرى بقصد الوعيد والتهديد، من إمكان الخسف العاجل بأهل الأرض، أو إرسال الريح الحاصب التي تدمر كل شيء، مع التذكير بإهلاك الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم نوح وفرعون وجنوده، وإقدار الطير على الطيران في جو السماء. التفسير والبيان: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ، فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ أي هل تأمنون أن يخسف أو يغور ويقلع الله بكم الأرض، كما خسف بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون في مناكبها، فإذا هي تضطرب وتتحرك وتموج بكم؟

стр. 8572

والمراد بهذا الاستفهام الوعيد والإخبار بأنه تعالى قادر على تعذيب من كفر بالله وأشرك معه إلها آخر. قال ابن عباس: أأمنتم من في السماء إن عصيتموه. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام ٦٥/ ٦]. ولكن من لطفه ورحمته تعالى بخلقه أنه يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجّل كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ، وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ، فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ [فاطر ٤٥/ ٣٥]. ثم أتبع الله تعالى ذلك بوعيد آخر: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي بل هل أمنتم ربكم الله الذي هو في السماء كما تزعمون، وهل أمنتم سلطانه وملكوته وقهره أن يرسل عليكم ريحا مصحوبة بحجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل في مكة، وحينئذ تعلمون إذا عاينتم العذاب كيفية إنذاري وعقابي لمن خالف وكذب به، ولكن لا ينفعكم هذا العلم؟! ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ، أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ [الإسراء ٧٨/ ١٧]. ثم ذكّر الله تعالى بعذاب الأمم المتقدمة مؤكدا تخويف الكفار بالمثال والبرهان، أما المثال فهو: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي إن الكفار الذين كانوا قبلهم، والذين كذبوا الرسل، شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم، كعاد وثمود وكفار الأمم، فحاق بهم سوء العذاب، وانظروا كيف كان إنكاري عليهم بما أوقعته بهم من العذاب الشديد؟

стр. 8573

وأما البرهان فقد ذكر تعالى عدة براهين على كمال قدرته، مما يدل على كونه تعالى قادرا على إيقاع جميع أنواع العذاب بالكفار. وهذا هو البرهان الأول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ أي أولم ينظروا إلى الطير فوقهم في الجو أو الهواء، وهن باسطات أجنحتها تارة، وقابضات ضامات لها تارة أخرى، ما يمسكهن في الهواء عند الطيران والقبض والبسط إلا الإله الرحمن القادر على كل شيء، بما سخّر لهن من الهواء برحمته ولطفه، إنه سبحانه عليم بصير بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء من دقائق الأمور وعظائمها. ونظير الآية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل ٧٩/ ١٦]. قالوا: وفي الآية دليل على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى؛ لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري لها، وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: ١ - الله تعالى هو القادر على أن يخسف بالكافرين والظالمين الأرض، عقوبة على كفرهم، كما خسف بقارون وبداره الأرض، فإذا الأرض تذهب وتجيء وتغور بهم وتبتلعهم. وإنما خص الله تعالى السماء في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء، لا من يعظمونه في الأرض، علما بأنه تعالى

стр. 8574

إله في السماء وفي الأرض، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ، وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٨٤/ ٤٣]. وقد احتج المشبّهة على إثبات المكان لله تعالى بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ وأجابهم الرازي بأن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين؛ لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطا به من جميع الجوانب، فيكون أصغر من السماء، والسماء أصغر من العرش بكثير، فيلزم أن يكون الله تعالى شيئا أصغر من العرش، وذلك محال باتفاق أهل الإسلام؛ لأن العرش أكبر المخلوقات في السماء والأرض. ولأنه تعالى قال: ﴿قُلْ: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ: لِلّهِ﴾ [الأنعام ١٢/ ٦] فوجب صرف الآية عن ظاهرها إلى التأويل. وللتأويل وجوه أولاها: تقدير الآية: أأمنتم من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣/ ٦] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين (١). ٢ - إن الله تعالى هو الذي أنعم على عباده بتذليل الأرض، وجعلها سهلة للاستقرار عليها، وامتن عليهم، فأباح لهم السير في نواحيها وأقطارها وآكامها وجبالها بحثا عن الرزق وللاتجار والتكسب، وأذن لهم بالأكل مما أحله لهم، ثم هم في النهاية مرجعهم إلى الله، فإن الذي خلق السماء لا تفاوت فيها، والأرض ذلولا، قادر على أن يبعثهم وينشرهم من قبورهم أحياء. ٣ - إن الله هو القادر أيضا على تعذيب الكفار بإرسال حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وحين وقوع العذاب يعلمون كيف إنذار الله بالعذاب أنه حق.

стр. 8575

٤ - أكد الله تعالى تخويفات الكفار بضرب المثل بمن كانوا قبلهم، فإنهم شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم، وكفار هذه الأمم المتقدمة، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وأصحاب الرّسّ وقوم فرعون. ٥ - من البراهين الدالة على قدرته تعالى: أنه كما ذلّل الأرض للإنسان، ذلل الهواء للطيور، وما يمسك الطير في الجو وهي تطير إلا الله ، وهو عليم بصير بكل شيء وبما يصلح كل شيء من مخلوقاته. توبيخ المشركين على عبادة الأصنام وإثبات قدرة الله واختصاصه بعلم البعث ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ الإعراب: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ أم: حرف عطف، ومن: في موضع رفع بالابتداء، و ﴿هذَا﴾: مبتدأ ثان، و ﴿الَّذِي﴾: خبره. و ﴿هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾: صلته. و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾: جملة فعلية في موضع رفع صفة ل ﴿جُنْدٌ﴾. والجملة من المبتدأ الثاني

стр. 8576

وخبره خبر عن المبتدأ الأول. وجواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَ﴾ محذوف دل عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم؟ ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا.﴾. خبر من محذوف دل عليه خبر (من) في الجملة السابقة وهو أهدى. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً﴾: نعت لمصدر محذوف، و ﴿ما﴾: زائدة، و ﴿تَشْكُرُونَ﴾: مستأنف أو حال مقدرة، أي تشكرون شكرا قليلا. ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ ﴿هذَا﴾: في موضع رفع بالابتداء، و ﴿الْوَعْدُ﴾: صفة له، أو بدل، و ﴿مَتى﴾: خبره، وفيه ضمير يعود على ﴿الْوَعْدُ﴾. البلاغة: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي﴾ استفهام إنكار. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ استعارة تمثيلية، مثّل المؤمن بمن يمشي سويا على صراط مستقيم، ومثّل الكافر بمن يمشي مكبا على وجهه إلى طريق جهنم. ﴿غُرُورٍ﴾، ﴿نُفُورٍ﴾ سجع مرصع لمراعاة رؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿أَمَّنْ هذَا﴾ أي من هذا. ﴿جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أعوان لكم. ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ يدفع العذاب عنكم. ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ أي غيره يدفع عنكم عذابه، أي لا ناصر لكم. ﴿إِنِ الْكافِرُونَ﴾ أي ما الكافرون. ﴿إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ غرّهم الشيطان بأن العذاب لا ينزل بهم، والمراد أنه لا معتمد لهم. ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ من هذا الذي يرزقكم غير الله؟ ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ إن منع عنكم رزقه، بإمساك المطر وسائر أسباب المعيشة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره فمن يرزقكم أي لا رازق لكم غيره. ﴿لَجُّوا﴾ تمادوا واستمروا. ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ أي تكبر وعناد عن قبول الحق. ﴿وَنُفُورٍ﴾ إعراض وتباعد عن الحق. ﴿مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ﴾ واقعا على وجهه من حين لآخر. ﴿سَوِيًّا﴾ معتدلا منتصب القامة. ﴿عَلى صِراطٍ﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ قويم مستوي الأجزاء أو الجهة، والمراد تمثيل المؤمن المتدين والمشرك الكافر. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب والعقول لتتفكروا وتعتبروا.

стр. 8577

﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ باستعمال الحواس فيما خلقت من أجله، وما: مزيدة، والجملة مستأنفة. ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم متكاثرين موزعين. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون للحساب والجزاء. ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي الحشر أو إيقاع العذاب من الخسف والحاصب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيه أيها النبي والمؤمنون به. ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ العلم بوقته وبمجيئه. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه غيره. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ رسول منذر بيّن الإنذار. ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ﴾ رأوا الوعد الموعود به. ﴿زُلْفَةً﴾ أي ذا زلفة، أي قريبا منهم. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسودّت وعلتها الكآبة وساءتها رؤية العذاب. ﴿وَقِيلَ﴾ قال لهم الخزنة. ﴿هذَا﴾ العذاب. ﴿تَدَّعُونَ﴾ تطلبون وتستعجلون استهزاء واستنكارا. وهذه حكاية حال ستأتي، عبر عنها بلفظ الماضي للدلالة على تحقق وقوعها. المناسبة: بعد أن أورد الله تعالى البرهان الأول على كمال قدرته وهو تمكين الطيور من الطيران، وبّخ المشركين على عبادة الأصنام، وردّ على اعتقادهم شيئين أو أمرين: وهما القوة في الأعوان، وجلب الخير من الأصنام، ثم أورد تعالى برهانين آخرين على كمال قدرته: وهما خلق الناس وحواسهم، وتكاثر الخلق واستمرارهم وتوزيعهم في الأرض ثم حشرهم إليه. ثم ذكر شيئين قالهما الكفار لمحمد ﷺ لما أمره ربه بتخويفهم بعذاب الله وهما مطالبته بتعيين وقت العذاب، ودعاؤهم عليه وعلى المؤمنين بالهلاك، وهذا الأخير موضع الفقرة التالية. فتكون البراهين الثلاثة على كمال قدرة الله هي الاستدلال أولا بأحوال الطيور من الحيوانات، ثم الاستدلال بصفات الإنسان وهي السمع والبصر والعقل وحدوث ذاته، ثم الاستدلال بضمان تكاثر الخلق وحفظ النوع الإنساني وتوزيعه في أنحاء الأرض والحشر يوم القيامة. التفسير والبيان: يرد الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، يبتغون عندهم النصر

стр. 8578

والرزق، فيقول منكرا عليهم ما اعتقدوه، ومخبرا أنهم لن يحصلوه على ما أمّلوه: ١ - ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ، إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ أي بل من هذا الجند أو العون الذي يعينكم ويمنعكم من عذاب الله إن أراد بكم سوءا؟! الواقع أنه ليس لكم من دون الله من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره، ولهذا فإن الكافرين هم في خداع وغرور عظيم من جهة الشيطان، غرهم بأن العذاب لا ينزل بهم. والتعبير بقوله: ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ إشارة إلى أن بقاء الناس في الأرض مع كفرهم وظلمهم هو برحمة الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء. والآية رد على الكفار الذين كانوا يمتنعون من الإيمان، ويعتمدون في زعمهم واعتقادهم المخطئ على القوة من جهة الإخوة والأعوان، مخبرا إياهم أنه لا ناصر لهم سوى الله سبحانه. ثم رد الله تعالى على ادعائهم وجود رازق غير الله، وأن الأصنام مصدر جميع الخيرات لهم، ودفع كل الآفات عنهم، فقال: ٢ - ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ؟ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي بل من هذا الذي إذا منع الله عنكم رزقه، رزقكم بعده بالأمطار وغيرها؟ والمعنى أنه لا أحد يعطي ويمنع، ويرزق وينصر إلا الله ، وحده لا شريك له، وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره، لذا وصفهم تعالى بقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي بل تمادوا واستمروا في عناد واستكبار عن الحق، ونفور عنه، وتابعوا طريقهم في طغيانهم وإفكهم وضلالهم، ولم يعتبروا ولم يتفكروا. فدلت الآيتان على أنه لا ناصر ينصر من عذاب الله، ولا رازق يرزق غير الله إن حجب رزقه عن مخلوقاته.

стр. 8579

ثم ضرب الله مثلا للمؤمن والكافر أو الموحد والمشرك، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟﴾ أرأيتم حال المؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبّا على وجهه، أي يمشي متعثرا في كل وقت، منحنيا غير مستو، لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب، بل هو تائه حائر ضال. أهذا أهدى أم ذلك المؤمن الذي مثله كمن يسير معتدلا ناظرا أمامه على طريق مستو، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، فهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، سواء في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا إذ يسير على منهج الله يكون على هدى وبصيرة، وفي الآخرة يحشر على طريق مستقيم يؤدي به إلى الجنة. وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سويا على صراط مستقيم أهدى. ثم ذكر الله تعالى البرهان الثاني الدال على كمال قدرته قائلا: ﴿قُلْ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن الله ربكم هو الذي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ به، وحاسة البصر لنظر بدائع خلق الله، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات الله وإدراك حقائق الأشياء، ولكن قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره، وفيما خلقت لأجله من الخير، وذلك هو الشكر الحقيقي لهذه الطاقات، لا مجرد ترداد الشكر باللسان، وملازمة العصيان؛ لأن شكر نعمة الله تعالى: هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه، فإذا لم تستعمل هذه القوى في طلب مرضاة الله، فأنتم ما شكرتم نعمته مطلقا.

стр. 8580

فقوله تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم هذه القوى العظيمة، ولكنهم ضيّعوها في غير ما خلقت لأجله. وإنما خصت هذه الجوارح بالذكر؛ لأنها أداة العلم والفهم. ثم ذكر الله تعالى البرهان الثالث على كمال قدرته، فقال: ﴿قُلْ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وقل لهم أيضا: إن الله هو خلقكم وبثكم ووزعكم في أنحاء الأرض، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم، واختلاف ألوانكم وأشكالكم، ثم إليه تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، فهو يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم للحساب والجزاء. وبعد أمر الله محمدا ﷺ بتخويف الكفار بعذاب الله، ذكر مقالة الكفار ومطالبتهم بتعيين وقت البعث استهزاء واستنكارا، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟﴾ أي ويقول المشركون لمحمد والمؤمنين تهكما واستهزاء: متى يقع ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة، والخسف والحاصب في الدنيا، إن كنتم يا محمد والمؤمنون به صادقين فيما تدعونه؟ فأخبرونا به، أو فبيّنوه لنا. فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي قل لهم أيها النبي: إنما علم ذلك عند الله، فلا يعلم وقت الساعة والعذاب على التعيين إلا الله ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة، فاحذروه، وإنما أنا منذر لكم، أنذركم وأخوّفكم عاقبة كفركم، فعليّ البلاغ وقد أديته لكم. ثم وصف تعالى حال أولئك الكفار عند رؤية العذاب، فقال:
следующие страницы →