← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

وقال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلن محمدا ﷺ وأصحابه، وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الجنة، لما خرجوا عازمين على الصّرام، فخابوا. ١١ - الأظهر كما قال القرطبي: أن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين كان واجبا عليهم. وقيل: يحتمل أنه كان تطوعا. جزاء المتقين وإنكار التسوية بين المطيع والعاصي ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)﴾ الإعراب: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿ما﴾: في موضع رفع مبتدأ، و ﴿لَكُمْ﴾: خبره، و ﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب على الحال ب ﴿تَحْكُمُونَ﴾. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾: إنما كسرت ﴿إِنَّ﴾ لمكان اللام في ﴿لَما﴾ ولولا دخول اللام في ﴿لَما﴾ لكانت مفتوحة؛ لأنها مفعول ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وهو كقولهم: علمت أن في الدار لزيدا. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿بالِغَةٌ﴾: صفة ل ﴿أَيْمانٌ﴾. وقرئ: بالغة بالنصب على الحال من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾.

стр. 8612

﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ كسرت ﴿أَيْمانٌ﴾ إما لمكان اللام كما كسرت فيما قبله، أو لأن ما قبله قسم، وهي تكسر في جواب القسم. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف منصوب، وعامله إما ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أو فعل مقدر، تقديره: واذكر يوم. ﴿خاشِعَةً.﴾. حال من ضمير ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أو من ضمير ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ و ﴿أَبْصارُهُمْ﴾: مرفوع بفعله. و ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: جملة فعلية إما منصوبة على الحال، وإما مستأنفة لا موضع لها من الإعراب. البلاغة: ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿كَالْمُجْرِمِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾؟ والجمل التي بعدها: تقريع وتوبيخ. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ تشبيه مقلوب ليكون أبلغ وأروع؛ لأن الأصل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين في الأجر والثواب. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ كناية عن شدة الهول يوم القيامة. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.﴾. أي في الآخرة. ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ أي في الدرجة والمنزلة في الجنان، وهو إنكار التسوية في نتيجة الإسلام والاجرام، أي بين أهل الطاعة وأهل المعصية، وهو إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا يقولون: إن صح أنّا نبعث كما يزعم محمد ومن معه، لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم، كما نحن عليه في الدنيا. ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد؟ وهو التفات فيه تعجب من حكمهم، واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي. ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ﴾ منزل من السماء. ﴿تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون، و ﴿أَمْ﴾ أي بل ألكم. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أي لما تختارونه وتشتهونه. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا﴾ عهود مؤكدة بالأيمان. ﴿بالِغَةٌ﴾ متناهية في التوكيد موثّقة. ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي ثابتة لكم علينا إلى هذا اليوم. ﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي تحكمون به لأنفسكم، وهو جواب القسم؛ «لأن معنى ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا﴾: أم أقسمنا لكم. ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي سلهم أيهم كفيل لهم بذلك الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من

стр. 8613

أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أي بل ألهم أي عندهم شركاء موافقون لهم في هذا القول يكفلون لهم به. ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أي فإن كان لهم شركاء كفلاء فليأتوا بشركائهم الكافلين لهم به. ﴿إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دعواهم. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ أي اذكر لهم حين شدة الأمر يوم القيامة للحساب والجزاء، أي يوم يشتد الأمر، يقال: كشفت الحرب عن ساق: إذا اشتد الأمر فيهما. ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ يطلب منهم السجود توبيخا على تركهم السجود. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لذهاب وقته أو زوال القدرة عليه. ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ أي ذليلة لا يرفعون أبصارهم. ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تغشاهم وتلحقهم. ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾ في الدنيا. ﴿وَهُمْ سالِمُونَ﴾ أصحاء متمكنون لا شيء يمنعهم. المناسبة: بعد تخويف الكفار بعذاب الدنيا في قوله تعالى: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذكر الله تعالى أحوال السعداء، وأبان أن للمتقين جنات النعيم، ثم ردّ على الكفار الذين يزعمون المساواة في الآخرة بينهم وبين المسلمين من غير كتاب إلهي، ولا عهد ممنوح مؤكد بالأيمان، ولا كفلاء في يوم شديد الأهوال، عسير الحساب على الصلاة وغيرها. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ إن لكل من اتقى الله وأطاعه، في الدار الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص الذي لا يزول ولا ينقضي، ولا يكدره شيء. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل، فلا أقل من المساواة. ثم أجاب الله تعالى عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾؟ أي كيف نساوي بين الفريقين في

стр. 8614

الجزاء، فنجعل من يلتزم الطاعة كمن هو فاجر مجرم عاص لا يبالي بمعصيته؟ كلا فلا تسوية بين المطيع والعاصي. ثم نفى الله تعالى وجود كل الأدلة العقلية أو النقلية التي تصلح لإثبات التسوية أو تحقيق الدعوى، فقال: ١ - ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؟ أي كيف تظنون ذلك، وتحكمون هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم؟ إن أبسط مبادئ العقل وأصول الرأي يمنع مثل هذا الظن أو الحكم. وهذا نفي الدليل العقلي. ٢ - ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أي بل ألكم أو بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه، يتضمن حكما مؤكدا كما تدعونه، وتقرؤون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي؟! وهل في ذلك الكتاب أن لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون؟ وهذا نفي الدليل النقلي. ٣ - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي بل ألكم أو معكم عهود عند الله موثقة مؤكدة ثابتة إلى يوم القيامة في أن يدخلكم الجنة، ويحصل لكم ما تريدون وتشتهون، وينفّذ لكم الحكم الذي تصدرونه؟ وهذا نفي الوعد الإلهي بما توقعوا وظنوا. ٤ - ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي قل لهم يا محمد موبخا لهم ومقرّعا: من هو المتضمن المتكفل بهذا، أو أيهم بذلك كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها؟ ٥ - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أي بل ألهم شركاء لله بزعمهم من الأصنام والأنداد قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟ فإن كان لهم شركاء، فليأتوا بهم لمناصرتهم إن كانوا صادقين في دعواهم. وهذا نفي التقليد وإبطال جوهر الاعتقاد لدى المشركين.

стр. 8615

والخلاصة: المراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم، ولا نقلي، وهو كتاب يدرسونه، ولا عهد لهم به عند الله، ولا كفيل لهم يتكفل بما يقولون، ولا لهم مؤيد يوافقهم من العقلاء، مما يدل على بطلان دعواهم. ثم تحداهم الله تعالى بالإتيان بالشركاء يوم اشتداد الأمر، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي فليأتوا بشركائهم لإنقاذهم يوم يشتد الأمر ويعظم الخطب في القيامة، وحين يدعى هؤلاء الشركاء وأنصارهم من الكفار والمنافقين إلى السجود توبيخا لهم على تركه في الدنيا، فلا يتمكنون من السجود؛ لأن ظهورهم تيبس وتصبح طبقا واحدا، فلا تلين للسجود. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا». والمراد بقوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ شدة الأمر وعظم الخطب؛ لأن الله تعالى منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحوادث، فليس المراد بالساق الجارحة، وإنما ذلك مؤول بما ذكر. ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، وَهُمْ سالِمُونَ﴾ أي تكون أبصارهم ذليلة خاسئة منكسرة، تغشاهم ذلة شديدة، وحسرة وندامة، وقد كانوا في الدنيا مدعوين إلى الصلاة والسجود لله تعالى، فأبوا وتمردوا وامتنعوا، مع أنهم كانوا سالمين أصحاء، متمكنين من الفعل، لا علل ولا موانع تمنعهم من أداء السجود. قال النخعي والشعبي: المراد بالسجود: الصلوات المفروضة. والخلاصة: أنهم لا يدعون إلى السجود تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا

стр. 8616

وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا، وبما أنهم تكبروا عن السجود في الدنيا مع صحتهم وسلامتهم، عوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب ، فيسجد له المؤمنون، ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا من المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهره طبقا واحدا، كما ثبت في الحديث المتقدم. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن للمتقين الملتزمين أوامر الله المجتنبين نواهيه في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا. ٢ - لا تسوية في الجزاء الأخروي بين المسلمين والكفار، أو بين الطائعين والعصاة، وذلك بحكم الفضل والإحسان، لا من قبيل الاستحقاق على الله شيئا. ٣ - استنكر الله تعالى حكم المشركين الأعوج في المساواة بينهم وبين المسلمين، كأن أمر الجزاء مفوض إليهم، حتى يحكموا بما شاؤوا أن لهم من الخير ما للمسلمين. واستنكر أيضا وجود كتاب سماوي يجدون فيه المطيع كالعاصي، وأن لهم ما يختارون وما يشتهون. ونفى أن يكون لهم عهود ومواثيق مؤكدة بالله تعالى، يستوثقون بها في أن يدخلهم الجنة، فليس الأمر كما يحكمون ويظنون. ٤ - أنكر الله تعالى عليهم كذلك أن يكون لهم كفيل بما زعموا، قائم بالحجة والدعوى، أو أن يكون لهم ناس شركاء، أي شهداء يشهدون على ما زعموا، إن كانوا صادقين في دعواهم. ٥ - من أنواع العذاب في الآخرة للكفار: أنهم يوم يشتد الأمر، ويعظم

стр. 8617

الخطب يوم القيامة، يطالبون تقريعا وتوبيخا بأداء الصلاة والسجود، فلا يتمكنون عقابا لهم بنقيض ما كانوا عليه في الدنيا، وتكون أبصارهم ذليلة خاسئة منكسرة، وتغشاهم الذلة والمهانة، وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم، ووجوههم أشد بياضا من الثلج، وتسودّ وجوه المنافقين والكافرين حتى ترجع أشد سوادا من القار. تخويف الكفار من قدرة الله تعالى وأمر النبي ﷺ بالصبر والتذكير العالمي بالقرآن ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)﴾ الإعراب: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ.﴾. ﴿مَنْ﴾: في موضع نصب؛ لأنه معطوف على ياء المتكلم في ﴿فَذَرْنِي﴾. ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾ قال: ﴿تَدارَكَهُ﴾ بالتذكير؛ لأن تأنيث النعمة غير حقيقي، أو حملا على المعنى؛ لأن النعمة بمعنى النعيم. وقرئ بالتأنيث تداركته نعمة بالتأنيث حملا على اللفظ ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ الجملة حال.

стр. 8618

﴿وَإِنْ يَكادُ﴾ ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة بدليل اللام. ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾ قرئ بضم الياء وفتحها، وهما لغتان، والضم أفضل. المفردات اللغوية: ﴿فَذَرْنِي﴾ دعني واتركني. ﴿وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ اتركه إلي فإني أكفيكه، والحديث: القرآن. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نأخذهم تدريجيا أو قليلا قليلا. والاستدراج: أن تنزل بالمرء درجة درجة إلى حيث تريد لتوريطه فيه، والمراد هنا: سندنيهم من العذاب تدريجيا بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة. ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنه استدراج، وهو الإنعام عليهم؛ لأنهم حسبوه تفضيلا لهم على المؤمنين. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم وأطيل لهم المدة. ﴿كَيْدِي﴾ تدبيري. ﴿مَتِينٌ﴾ شديد لا يطاق، ولا يدفع بشيء. ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ﴾ بل أتسألهم على تبليغ الرسالة. ﴿أَجْراً﴾ أجرة على البلاغ. ﴿مَغْرَمٍ﴾ غرامة مالية يعطونكها. ﴿مُثْقَلُونَ﴾ محمّلون أثقالا، فيعرضون عنك، ولا يؤمنون بك. ﴿الْغَيْبُ﴾ الشيء المغيب الذي استأثر الله بعلمه، أو اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب. ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي يحكمون به ويستغنون به عن علمك، ويكتبون منه ما يقولون. ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ قضاؤه فيهم وإمهالهم وتأخير نصرتك عليهم. ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ وهو يونس ﵇ في الضجر والعجلة. ﴿نادى﴾ دعا ربه في بطن الحوت. ﴿مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظا وغما، مأخوذ من كظم السقاء: إذا ملأه. ﴿تَدارَكَهُ﴾ أدركه. ﴿نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ رحمة من الله وهي التوفيق للتوبة وقبولها. ﴿بِالْعَراءِ﴾ الأرض الخالية عن الأشجار والزروع. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ملوم مطرود عن الرحمة والكرامة. ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه ورد إليه الوحي والنبوة. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ من الأنبياء الكاملين في الصلاح. ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾ ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك ويسقطك من مكانك، والمعنى: إنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرا بحيث يكادون يزلون قدمك ويرمونك. ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ القرآن. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ حسدا وعداوة. ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ بسبب القرآن الذي جاء به، حيرة من أمره وتنفيرا عنه. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ موعظة وتذكير. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ الجن والإنس، فلا يحدث بسببه جنون. قال البيضاوي: لما جننوه لأجل القرآن، بيّن أنه ذكر عام، لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلا، وأمتنهم رأيا.

стр. 8619

المناسبة: بعد تخويف الكفار بأهوال يوم القيامة وشدائدها، خوّفهم تعالى وهددهم بما في قدرته من القهر، ففيه الكفاية بالجزاء لمن يكذب بالقرآن، ثم أمر نبيه ﷺ بالصبر، ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس عليه السالم، ثم أخبر نبيه ﷺ عن حسد قومه، وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبّره وشجعه، ثم أعلم الناس قاطبة أن القرآن عظة للجن والإنس جميعا، يتلقاه أهل العقول والأفهام، وليس المجانين كما زعموا. التفسير والبيان: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي دعني وإياهم، وخلّ بيني وبينهم، واترك أمر هؤلاء المكذبين بالقرآن، فأنا أكفيك أمرهم، وأعلم كيف أجازيهم، فلا تشغل قلبك بشأنهم، فإنا سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة، حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنهم يظنونه إنعاما، ولا يفكرون في عاقبته، وما سيلقون في نهايته. وهذا تهديد شديد، وتسلية للنبي ﷺ . فهم لا يشعرون أن الإنعام استدراج، بل يعتقدون أن ذلك من الله تعالى كرامة، وهو في الأمر نفسه إهانة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؟ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٥/ ٢٣ - ٥٦] وقال سبحانه: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام ٤٤/ ٦]. وقال الله تعالى هنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي أمهلهم وأؤخرهم ليزدادوا إثما، ويتورطوا، فإن تدبيري وكيدي لأهل الكفر قوي شديد، فلا يفوتني شيء لكل

стр. 8620

من خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي. وسمى الله الجزاء كيدا -والكيد احتيال-لكونه في صورته، إذ نفعهم وهو يريد الضرر بهم، لما علم من خبثهم وتماديهم في الكفر. جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢/ ١١]. ثم أخبر الله تعالى عن إزالة كل الموانع التي تمنعهم من قبول الإسلام والحق، فقال: - ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أي بل أتطلب منهم أجرة على الهداية والتعليم وتبليغ رسالتك ودعوتك إياهم إلى الإيمان بالله تعالى؟ فهم من الغرامة المالية التي يتحملونها مثقلون بأدائها، لشحهم ببذل المال. والمراد: هل طلبت منهم أجرا، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب؟ الحقيقة أنك يا محمد تدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجوا ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم مع ذلك يكذبونك فيما جئتهم به من الحق جهلا وكفرا وعنادا. وفي هذا إثبات النبوة؛ لأن النبي ينشد الخير لذاته، لا لمنفعة مادية. - ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي بل أعندهم علم الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن إجابتك وامتثال قولك. والمراد أنه ليس لهم حجة نقلية يعتمدون عليها في الإعراض عن قبول رسالة الإسلام. ولما بالغ الله تعالى في تزييف منهج الكفار، وتفنيد شبهاتهم وإبطالها،

стр. 8621

وزجرهم عليها، أمر رسوله ﷺ بالصبر على أذاهم وعلى تبليغ رسالته، فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ، إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي فاصبر يا محمد على قضاء ربك وحكمه فيك وفي هؤلاء المشركين، وعلى أذى قومك وتكذيبهم، وامض في تبليغ دعوتك، دون توقف أو تعثر بمعارضتهم وإيذائهم، فإن العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة. ولا تكن مثل يونس ﵇ في الضجر والعجلة والغضب، حين ذهب مغاضبا على قومه، فكان من أمره ما كان، من ركوبه البحر، والتقام الحوت له، وشروده في البحار، وندمه على ما فعل، فنادى ربه في الظلمات في بطن الحوت، وهو مملوء غيظا وغما على قومه، إذ لم يؤمنوا لما دعاهم إلى الإيمان، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ، وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١ - ٨٨]. والمعنى: لا يوجد منك ما يوجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، كما قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ، لَنُبِذَ بِالْعَراءِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ أي لولا أن تداركته رحمة من الله ونعمة، بتوفيقه للتوبة وقبولها منه، فتاب الله عليه، لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات، وهو ملوم بالذنب الذي أذنبه، مطرود من الرحمة والكرامة، لذا قال تعالى: ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ، فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي فاصطفاه ربه واستخلصه واختاره للنبوة والوحي، وجعله من الأنبياء المرسلين لقومه الكاملين في الصلاح، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا جميعا. ويلاحظ أن كلمة ﴿لَوْلا﴾ دلت على أن المذمومية لم تحصل.

стр. 8622

ثم حذر الله تعالى نبيه ﷺ من عداوة المشركين، قائلا: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ، وَيَقُولُونَ:﴾ ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي إنهم-كما قال الزمخشري-من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك، أو يهلكونك، وكان هذا النظر يشتد منهم في حال قراءة النبي ﷺ القرآن، لشدة كراهيتهم، وحسدا على ما أوتي من النبوة، ويقولون: إنه مجنون، حيرة في أمره، وتنفيرا عنه، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم. والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن. وقال بعضهم: المراد أنهم يكادون يصيبونك بالعين، روي أن العين كانت في بني أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله، إلا عانة، فأريد بعض العيّانين على أن يقول في رسول الله ﷺ مثل ذلك، فقال: لم أر كاليوم رجلا، فعصمه الله. قال الهروي: أراد ليعتانونك بعيونهم، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه، عداوة لك. ورد ابن قتيبة على ذلك قائلا: ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك. ورأى ابن كثير أن المعنى: يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية-على رأي البعض-دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. منها: ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد، والعين حق» أي بإرادة الله.

стр. 8623

ومنها: ما أخرجه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «قد تدخل الرجل العين في القبر، وتدخل الجمل القدر» وإسناد رجاله كلهم ثقات. ومنها: ما أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العين لتولع الرجل بإذن الله، فيتصاعد حالقا، ثم يتردى منه» وإسناده غريب. ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أي ويقولون عن محمد ﷺ : إنه لمجنون، أي لمجيئه بالقرآن، وما القرآن إلا موعظة وتذكير للجن والإنس، فلا يتحمله إلا من كان أهلا له من العقلاء. وفيه نسبة الجهل إلى من يقول هذا القول، وكيف يجنن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف؟!. قال الحسن البصري: دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. الآية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - كفى بالله مجازيا ومنتقما ممن يكذب بالقرآن العظيم، وإن الله سيأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون، فعذّبوا يوم بدر. وهذا استدراج من الله تعالى، والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج. ٢ - إن الله يمهل ولا يهمل، فهو سبحانه يمهل ويطيل المدة للظالمين والكفار، ثم يعاقبهم، فلا يفوته أحد، وعذاب الله قوي شديد، وتدبيره محكم لا يمكن التفلت منه.

стр. 8624

٣ - ليس للكفار والمشركين علم بالغيب الذي غاب عنهم، فيكون حكمهم لأنفسهم بما يريدون غلطا محضا، وتقوّلا كاذبا. ٤ - الصبر على قضاء الله وحكمه مطلوب شرعا، ولا ينبغي لمؤمن العجلة والتضجر والغضب، كما عجل صاحب الحوت يونس بن متّى ﵇ حين تضجر ثم تاب وندم، ودعا في بطن الحوت وهو مملوء غما، فقال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١]. فقبل الله بفضله ومنّه ورحمته ونعمته دعاءه، واصطفاه ربه واختاره وجعله من الأنبياء الصالحين، بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون هم أهل نينوى، ولولا قبول توبته، لنبذ في الأرض الخالية الفضاء مذموما ملوما. والذم واللوم بسبب ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. ولم يقع الذم بدليل كلمة ﴿لَوْلا﴾. ٥ - اشتدت عداوة الكفار للنبي ﷺ ، فكانوا إذا سمعوه يقرأ القرآن، نظروا إليه نظرة شديدة ملؤها الحقد والعداوة والبغضاء، حتى لتكاد نظراتهم تسقطه وتزلّ قدمه، أو تهلكه. وينسبونه أيضا إلى الجنون إذا رأوه يقرأ القرآن، مع أن القرآن لا يتحمله إلا من كان أهلا له من العقلاء، وهو شرف وتذكير وموعظة للعالمين، شرفوا باتباعه والإيمان به ﷺ ، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن آتيا على يد مجنون؟ وكيف يجنن من جاء بمثله؟

стр. 8625

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحاقة مكيّة، وهي اثنتان وخمسون آية. تسميتها: سميت سورة الحاقة؛ لافتتاحها بالاستفهام عنها، تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد، ولهذا عظم الله أمرها بالسؤال عنها، أو هي الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، التي هي آتية لا ريب فيها. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السورة بما قبلها من وجهين: ١ - وقع في سورة (ن) ذكر يوم القيامة مجملا، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [٤٢] وفي هذه السورة أوضح تعالى نبأ هذا اليوم وشأنه العظيم: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾. ٢ - هدد الله تعالى في السورة السابقة كل من كذب بالقرآن وتوعده بقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ.﴾. [٤٤] وفي هذه السورة ذكر أحوال الأمم التي كذبت الرسل وما عوقبوا به، للعظة والزجر والعبرة للمعاصرين.

стр. 8626

ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة كغيرها من السور المكية التي عنيت بأصول العقيدة، وتحدثت عن أهوال القيامة، وصدق الوحي، وكون القرآن كلام الله، وتبرئة الرسول ﷺ من افتراءات الكفار واتهامات الضالين. بدئت بتفخيم شأن القيامة وتعظيم هولها، وتكذيب الأقوام السابقة بها، مثل ثمود، وعاد، وقوم لوط، وفرعون وأتباعه، وقوم نوح، وإهلاكهم بسبب تكذيبهم بها وتكذيب رسلهم، من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾. ثم وصفت وقائع عذاب الآخرة جزاء على إنكاره في الدنيا في قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ.﴾. إلى ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾. وأردفت ذلك ببيان حال السعداء والأشقياء يوم القيامة: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.﴾. ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ إلى قوله: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾. ثم أقسم رب العزة قسما بليغا على صدق الوحي والقرآن وأنه كلام الله المنزل على قلب رسوله ﷺ ، وأنه ليس بقول شاعر ولا كاهن: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وختمت السورة ببيان البرهان القاطع على صدق الرسول ﷺ ، وأمانته في تبليغ الوحي، وأن القرآن تذكرة وعظة وخبر حق لا مرية فيه، ورحمة للمؤمنين وحسرة على الكافرين: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ.﴾. إلخ السورة.

стр. 8627

تعظيم يوم القيامة وإهلاك المكذبين به ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ (٥) وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾ الإعراب: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الأولى: مبتدأ، و ﴿مَا﴾ استفهامية، مبتدأ ثان، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره: خبر عن المبتدأ الأول. وقوله ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ الأصل: الحاقة ما هي؟ أي أيّ شيء هي؟ فوضع الظاهر موضع المضمر للتفخيم والتعظيم، فهو أهول لها. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية مبتدأ، و ﴿مَا﴾ الثانية: مبتدأ ثان، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ خبره، والمبتدأ الثاني وخبره في موضع نصب ب ﴿أَدْراكَ﴾. و ﴿أَدْراكَ﴾ والجملة المتصلة به: في موضع رفع على أنه خبر المبتدأ الأول. و ﴿أَدْراكَ﴾ يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول: الكاف، والجملة بعده في موضع المفعول الثاني. ولم يعمل ﴿أَدْراكَ﴾ في ﴿مَا﴾ الثانية؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ إما مصدر كالعاقبة والعافية، وإما صفة لموصوف محذوف تقديره: بالصيحة الطاغية، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ استئناف أو صفة جيء به لنفي توهم كون الأمور طبيعية. ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ حذفت تاء التأنيث من ﴿سَبْعَ﴾ وأثبتت في ﴿ثَمانِيَةَ﴾

стр. 8628

لأن الليالي جمع مؤنث والأيام جمع مذكر، و ﴿حُسُوماً﴾: إما منصوب على الوصف لقوله: ﴿أَيّامٍ﴾ أو منصوب على المصدر، أي تباعا. و ﴿صَرْعى﴾ حال من ﴿الْقَوْمَ﴾ لأن ﴿فَتَرَى﴾ من رؤية البصر، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ﴾: في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿صَرْعى﴾. وتقديره: مشبهين أعجاز نخل، و ﴿خاوِيَةٍ﴾: صفة لنخل، وقال ﴿خاوِيَةٍ﴾ بالتأنيث؛ لأن النخل يجوز فيه التأنيث والتذكير مثل ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ يقرأ بالإدغام، لقرب التاء من مخرج اللام. البلاغة: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ إطناب بتكرار الاسم للتهويل والتعظيم. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ﴾ ثم قال: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ﴾ ﴿وَأَمّا عادٌ﴾ تفصيل بعد إجمال، وفيه لف ونشر مرتب. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل، فيه الأداة، وحذف وجه الشبه. ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ استعارة، شبه ارتفاع الماء بطغيان الإنسان على الإنسان. المفردات اللغوية: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ أي الساعة الثابتة المجيء، الواجبة الوقوع، وهي القيامة، التي يحق، أي يثبت ويجب حدوثها وما اشتملت عليه من البعث والحساب والجزاء الذي أنكره المنكرون. ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي أي شيء هي؟ وضع الظاهر فيها موضع الضمير، تفخيما لشأنها، وتعظيما لهولها. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي وأيّ أعلمك ما هي؟ أي إنك لا تعلم كنهها، فإنها أعظم من أن يدري بها أحد، والجملة زيادة تعظيم لشأنها. ﴿بِالْقارِعَةِ﴾ القيامة التي تقرع القلوب بالإفزاع، وتهز النفوس بأهوالها، والمواد بالانفطار والانتثار، وإنما وضعت موضع ضمير ﴿الْحَاقَّةُ﴾ زيادة في وصف شدتها. ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ الواقعة التي جاوزت الحد في الشدة والقوة، وهي الصيحة أو الرجفة، أي الصاعقة، وسبب إهلاكهم: تكذيبهم بالقارعة، وطغيانهم بالكفر والمعاصي. ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شديدة الصوت والبرد، من الصّرّة أي الصيحة، أو من الصّر أي البرد الذي يضرب النبات والحرث. ﴿عاتِيَةٍ﴾ شديدة القوة والعصف. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ سلّطها عليهم بقدرته. ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ﴾ قال المحلي: أولها من صبح الأربعاء لثمان بقين من شوال، وكانت في عجز الشتاء وهي أيام العجوز أو العجائز، سميت عجوزا؛ لأنها عجز للشتاء. ﴿حُسُوماً﴾ متتابعات، أو من الحسم: وهو القطع والاستئصال.

стр. 8629

﴿فَتَرَى الْقَوْمَ﴾ إن كنت حاضرا في مهابها أو في الليالي والأيام. ﴿صَرْعى﴾ موتى مطروحين هالكين، جمع صريع. ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ﴾ أصول نخل. ﴿خاوِيَةٍ﴾ ساقطة فارغة. ﴿مِنْ باقِيَةٍ﴾ أي من نفس باقية. أو بقاء، أو بقية أو باق، والتاء للمبالغة. ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ من تقدّمه من الأمم الكافرة، وقرئ: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي أتباعه وجنوده. ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ﴾ المنقلبات وهي قرى قوم لوط، والمراد: أهلها. ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ بالخطإ، أو بالفعلة ذات الخطأ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ عصى كل أمة رسولها. ﴿رابِيَةً﴾ زائدة في الشدة، زيادة أعمالهم في القبح، من ربا الشيء: زاد. ﴿طَغَى الْماءُ﴾ جاوز حده المعتاد، وارتفع وعلا فوق كل شيء من الجبال وغيرها زمن الطوفان. ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم. ﴿الْجارِيَةِ﴾ السفينة التي تجري في الماء، وهي التي صنعها نوح عليه السلاح بإلهام الله وتعليمه، ونجا بها هو ومن كان معه مؤمنا، وغرق الآخرون. ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ﴾ لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك وإغراق الكافرين. ﴿تَذْكِرَةً﴾ عظة. ﴿وَتَعِيَها﴾ وتحفظها. ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ حافظة لما تسمع، أي من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه لتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه. وتنكير كلمة ﴿أُذُنٌ﴾ للدلالة على قلتها. التفسير والبيان: افتتح الله سورة الحاقة بما يدل على تعظيم شأنها، وتفخيم أمرها، وتهويل يومها فقال: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ هي القيامة، سميت بذلك؛ لأن الأمور تحقّ فيها، وتثبت وتقع من غير شك ولا ريب، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ يوم الحق؛ لأنها تظهر فيها الحقائق. والمعنى: القيامة التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، والساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، أيّ شيء هي في حالها وصفاتها؟ فهي عظيمة الشأن، شديدة الهول، لا يدرك حقيقتها ولا يتصور أوصافها غير الله . وأي شيء أعلمك بها أيها النبي الرسول؟ فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقين، لعظم شأنها، وشدة هولها.

стр. 8630

قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يخبر به. ثم ذكر الله تعالى نوع العقاب الذي أوقعه بالأمم السابقة التي كذبت بالقيامة تخويفا لأهل مكة وغيرهم، فقال: - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ﴾ أي كذبت قبيلة ثمود قوم صالح، وقبيلة عاد قوم هود بالقيامة وهي القارعة التي تقرع الناس بأهوالها، والمواد بالانفجار والانتثار. ثم فصل الله تعالى أنواع العقاب ونتائجه فقال: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ أي فأما جماعة ثمود قوم صالح ﵇، فأهلكوا هلاكا تاما بالطاغية: وهي الصيحة أو الصاعقة أو الرجفة التي جاوزت الحد في الشدّة، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود ٦٧/ ١١] أي الصاعقة، وقال سبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف ٩١، ٧٨/ ٧] أي الزلزلة، فالألفاظ مختلفة، ولكن معانيها واحدة. ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ وأما قبيلة عاد قوم هود ﵇، فأهلكوا هلاكا ساحقا بريح شديدة الصوت، شديدة البرد، قاسية شديدة الهبوب، جاوزت الحد لشدة هولها، وطول زمنها وشدة بردها، عتت عليهم بغير رحمة ولا شفقة، وسلطها الله وأرسلها عليهم طوال مدة مستمرة هي سبع ليال وثمانية أيام لا تنقطع ولا تهدأ، وكانت تقتلهم بالحصباء، متتابعات، تحسمهم حسوما، أي تفنيهم وتذهبهم.

стр. 8631

وكانت عادة القرآن تقديم قصة عاد على ثمود، إلا أنه قلب هاهنا؛ لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار، ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر. ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾؟ أي فتشاهد إن كنت حاضرا أولئك القوم في ديارهم أو في تلك الأيام والليالي مصروعين بالأرض موتى، كأنهم أصول نخل ساقطة أو بالية، لم يبق منهم أحد، فهل تحس منهم من أحد من بقاياهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفا، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥/ ٤٦]. وثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور». ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ أي وأتى الطاغية فرعون ومن تقدمه من الأمم الكافرة وأهل المنقلبات قرى قوم لوط بالفعلة الخاطئة، وهي الشرك والمعاصي. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ، فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ أي فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها، فأهلكهم الله ودمّرهم، وأخذهم أخذة أليمة شديدة زائدة على عقوبات سائر الكفار والأمم. ونظير مطلع الآية قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ، فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص ١٤/ ٣٨] وقوله سبحانه: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ، فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق ١٤/ ٥٠] ومن كذب برسول فقد كذّب الجميع، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥/ ٢٦] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٢٣/ ٢٦] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٤١/ ٢٦] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٦٠/ ٢٦].

стр. 8632

﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً، وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أي إننا لما تجاوز الماء حده وارتفع بإذن الله، وجاء الطوفان في زمن نوح ﵇، حملنا آباءكم المؤمنين وأنتم في أصلابهم، في السفينة التي تجري في الماء، لينجوا من الغرق، ولنجعل نجاة المؤمنين، وإغراق الكافرين عبرة وعظة، تستدلون بها على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، وشدة انتقامه، ولتفهمها وتحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت. فقوله: ﴿لِنَجْعَلَها﴾ .. ﴿وَتَعِيَها﴾ عائد إلى الواقعة المعلومة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة. روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن مكحول مرسلا قال: لما نزل على رسول الله ﷺ : ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي أن يجعلها أذن علي» قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط، فنسيته. وأما خبر بريدة في أن الآية نزلت بسبب علي ﵁ فهو غير صحيح. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يلي: ١ - تفخيم شأن القيامة، وتعظيم أمرها، والتخويف من أهوالها، ولا شك أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدكّ، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك. ٢ - وجوب الاتعاظ والاعتبار بمصير الأمم السابقة التي كذبت رسلها، وقد ذكرت الآيات هنا ثلاث قصص: قصة عاد وثمود الذين كذبوا بالقارعة وهي القيامة التي تقرع الناس بأهوالها، وقصة فرعون ومن تقدمه وقوم لوط، وقصة نوح ﵇ مع قومه.

стр. 8633

أما ثمود فأهلكوا بالصيحة الطاغية، أي المجاوزة للحدّ، حد الصيحات من الهول، وأما ثمود فأهلكوا بريح باردة تحرق ببردها كإحراق النار، شديدة الهبوب، غضبت لغضب الله ، أرسلها وسلطها الله تعالى عليهم سبع ليال وثمانية متتابعة، لا تفتر ولا تنقطع، فصار القوم في تلك الليالي والأيام موتى هالكين، كأصول نخل بالية متآكلة الأجواف لا شيء فيها. وأما فرعون وجنوده فأهلكوا بالإغراق في البحر، وأما المؤتفكات أهل قرى لوط، فدمروا بالريح التي ترميهم بالحصباء تدميرا شاملا بعقوبة زائدة في الشدة على عقوبات سائر الكفار، كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار، وهي الكفر والفواحش. وأما قوم نوح فأغرقوا بالطوفان، ونجّى الله نوحا ومن آمن معه بركوبهم في السفينة التي صنعها نوح بإلهام من الله تعالى، ليجعل الله ذلك تذكرة وعظة لهذه الأمة، وتحفظها وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله. بعض أهوال القيامة ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)﴾ الإعراب: ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ نائب فاعل، ووصف ﴿نَفْخَةٌ﴾ ب ﴿واحِدَةٌ﴾ وإن كانت النفخة لا تكون إلا واحدة، على سبيل التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَقالَ اللهُ: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾

стр. 8634

[النحل ٥١/ ١٦] وإن كان الإلهان لا يكونان إلا اثنين للتأكيد. وجاء تذكير ﴿نُفِخَ﴾ لأن تأنيث النفخة غير حقيقي. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ.﴾. يومئذ: ظرف منصوب متعلق ب ﴿وَقَعَتِ﴾، وكذلك ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثانية يتعلق ب ﴿واهِيَةٌ﴾ وكذلك يومئذ في ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ يتعلق ب ﴿تُعْرَضُونَ﴾. البلاغة: ﴿وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ بينهما جناس اشتقاق، وكذلك مثله ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾. المفردات اللغوية: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ هي النفخة الأولى التي عندها خراب العالم، والصور: البوق. ﴿حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ رفعت من أماكنها. ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ دقتا وضرب بعضها ببعض، فصارت أرضا مستوية لا عوج فيها، وكتلة واحدة. والدك والدق متقاربان في المعنى، غير أن الدك أبلغ. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي فحينئذ قامت القيامة، والواقعة: النازلة. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ تصدعت وتشققت وتبددت. ﴿واهِيَةٌ﴾ مختلة ضعيفة مسترخية لا تماسك بين أجزائها. ﴿وَالْمَلَكُ﴾ الملائكة، فالمراد به الجنس. ﴿عَلى أَرْجائِها﴾ جوانب السماء وأطرافها، جمع رجا أي جانب. ﴿فَوْقَهُمْ﴾ فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء. ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ ثمانية أملاك. ﴿تُعْرَضُونَ﴾ للحساب. ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ لا تخفى سريرة من السرائر. المناسبة: بعد أن بالغ الله تعالى في تهويل القيامة، وذكر القصص الثلاث لبيان مآل المكذبين بها، تفخيما لشأنها، وتنبيها على إمكانها، شرع سبحانه في بيان تفاصيل أحوال القيامة وأهوالها، وابتدأ بمقدماتها. التفسير والبيان: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أي فإذا نفخ إسرافيل النفخة الأولى التي يكون عندها خراب العالم. وهذا إخبار عن أهوال يوم القيامة.

стр. 8635

﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أي رفعت من أماكنها، وأزيلت من مواقعها بالقدرة الإلهية، فضرب بعضها ببعض ضربة واحدة، حتى صارت كتلة واحدة، ورجعت كثيبا مهيلا منثورا، وتبددت وتغيرت عما هو معروف، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ.﴾. [إبراهيم ٤٨/ ١٤]. والدك أبلغ من الدق. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ فحينئذ قامت القيامة، ووقعت النازلة. ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ، فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أي وتصدعت السماء، فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية غير متماسكة الأجزاء بعد أن كانت قوية محكمة البناء. ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أي وتكون الملائكة على جوانب السماء وحافاتها على أهبة الاستعداد لتنفيذ ما يأمرهم به الله ، ويحمل عرش ربك فوق رؤوس الملائكة الذين هم على الأرجاء ثمانية أملاك، وقيل: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عددهم إلا الله . والعرش: أعظم المخلوقات. وحمل العرش مجاز؛ لأن حمل الإله محال، فلا بد من التأويل، وهو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفون، وعلى سبيل الرمز، كإيجاد البيت (الكعبة) وجعل الحفظة على العباد، لا للسكنى في البيت، ولا بسبب احتمال النسيان. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ أي في ذلك اليوم يعرض العباد على الله لحسابهم، فلا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم وأقوالكم وأفعالكم وأموركم خافية كائنة ما كانت، فهو يعلم السرّ وأخفى، ويعلم بالظواهر والسرائر والضمائر، وتعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا، ليكتمل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين. والعرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة، شبه ذلك بعرض السلطان

стр. 8636

العسكر، لتعرف أحواله، وقد صور الله تعالى تلك الصورة المهيبة، لا لأنه يقعد على السرير. وفي هذا تهديد شديد، ووعيد وزجر أكيد، وإخبار بخطورة الحساب العسير. روى ابن أبي الدنيا عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيّنوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾». وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطّيّر الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله» لكن الترمذي رواه عن أبي هريرة. ورواه ابن جرير أيضا عن عبد الله بن مسعود. فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيات على ما يأتي: ١ - من مقدمات القيامة: نفخة إسرافيل في الصور (البوق). والمراد النفخة الأولى، قال ابن عباس: هي النفخة الأولى لقيام الساعة، فلم يبق أحد إلا مات. ٢ - من أهوال القيامة ومخاوفها: صيرورة الأرض والجبال كالجملة الواحدة متفتتة متكسرة إما بقدرة الله من غير واسطة، وإما بالزلزلة التي تكون في

стр. 8637

القيامة، وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال، أو بملك من الملائكة. ٣ - بعد النفخة الأولى في الصور وتفتت الأرض والجبال تقوم القيامة، وتتصدع السماء وتتفطّر، وتصبح ضعيفة واهية غير متماسكة الأجزاء، إيذانا بزوالها وتبدلها وخرابها، بعد ما كانت محكمة شديدة. ٤ - تكون الملائكة حين انشقاق السماء على أطرافها، بعد أن كانت السماء مكانهم، فإذا انشقت صاروا في أطرافها، ينتظرون ما يؤمرون به في أهل النار من السّوق إليها، وفي أهل الجنة من التحية والكرامة. ٥ - يكون فوق أولئك الملائكة ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله يحملون العرش الذي أراده الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [المؤمن ٧/ ٤٠] وقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر ٧٥/ ٣٩]. ذكر الثعلبي عن النبي ﷺ : «أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله تعالى بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية». وخرجه الماوردي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يحمله اليوم أربعة، وهم يوم القيامة ثمانية». ٦ - في يوم القيامة الرهيب يعرض العباد على الله للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف ٤٨/ ١٨] وليس ذلك عرضا يعلم به ما لم يكن عالما به، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة، فلا يخفى على الله من أمورهم شيء، فالله عالم بكل شيء من الأعمال. وكل من الحمل والعرض لا يعني التجسيم والتشبيه بالمخلوقات، وإنما للتصوير والرمز والتقريب إلى الأذهان.

стр. 8638

حال الأبرار الناجين بعد الحساب ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)﴾ الإعراب: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ ﴿هاؤُمُ﴾: اسم فعل أمر بمعنى خذوا، و ﴿كِتابِيَهْ﴾: مفعول منصوب ل ﴿اِقْرَؤُا﴾ وفيه دليل على إعمال الفعل الثاني، ولو أعمل الأول لقال: «اقرؤوه» ففيه تنازع بين ﴿هاؤُمُ﴾ و ﴿اِقْرَؤُا﴾. ﴿هَنِيئاً﴾ حال، أي متهنئين. ﴿كُلُوا﴾ إنما جمع الخطاب في ﴿كُلُوا﴾ بعد قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ﴾ لقوله: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ﴾ و ﴿مَنْ﴾ مضمّن معنى الجمع. البلاغة: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ مقابلة مع ما بعده: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ.﴾ .. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ ... ﴿الْخالِيَةِ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، ويسمى في علم البديع السجع المرصع. المفردات اللغوية: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تفصيل للعرض على الله. ﴿فَيَقُولُ﴾ تفاخرا. ﴿هاؤُمُ﴾ خذوا. ﴿ظَنَنْتُ﴾ تيقنت أو علمت. ﴿مُلاقٍ﴾ معاين. ﴿راضِيَةٍ﴾ ذات رضا، يرضى بها أصحابها. ﴿عالِيَةٍ﴾ مرتفعة المكان والدرجات. ﴿قُطُوفُها﴾ ثمارها، أي ما يجتني من الثمر، جمع قطف: وهو ما يجتنى بسرعة، والقطف بالفتح: المصدر. ﴿دانِيَةٌ﴾ قريبة، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع.

стр. 8639

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ أي يقال لهم: أكلا وشربا هنيئا، أو هنئتم هنيئا، أو متهنئين. ﴿فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ الماضية في الدنيا. المناسبة: بعد الإخبار بأن جميع العباد يعرضون على الله للحساب والجزاء دون أن يخفى عليه شيء من أمورهم، أخذ في تفصيل عرض الكتب، ومردودها على أصحابها، مبتدئا بأهل اليمين، ثم بأهل الشمال. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه بيمينه يوم القيامة وفرحه بذلك، فقال: ﴿فَأَمّا ١ مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَقُولُ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ أي فأما من أعطي كتابه الذي كتبته الحفظة عليه من أعماله بيمينه، فيقول من شدة فرحه وابتهاجه لكل من لقيه: خذوا هذا الكتاب فاقرؤوا ما فيه، لعلمه أنه صار من الناجين، بعد أن كان خائفا مضطربا شأن أهل المحشر، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أي غلب على ظني أني ألاقي حسابي، فيؤاخذني الله بسيئاتي، ولكنه تعالى تفضل علي بالعفو، ولم يؤاخذني بها. والمعنى عند أكثر المفسرين: علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة، وأن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦/ ٢]. قال الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك.

стр. 8640

قال الزمخشري: وإنما أجري الظن مجرى العلم (اليقين) لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام، يقال: أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت. ويؤيد المعنى الأول للآية ما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرّره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك، قال الله تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود ١٨/ ١١]». ثم أبان الله تعالى مصير المؤمن التقي البار أو عاقبة أمره، فقال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أي فهو في عيشة مرضية خالية من المكدّرات، غير مكروهة، في جنة مرتفعة المكان، رفيعة القدر، عالية المنازل، نعيمة الدور، دائمة الحبور، ثمارها قريبة التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع. روى الطبراني عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية». ورواه الضياء بلفظ: «يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان، أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية». ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ أي ويقال لهم: كلوا يا أيها المتقون الأبرار في الجنة من طيباتها وثمارها، واشربوا من أشربتها أكلا وشربا

стр. 8641

هنيئا، أي لا تكدير فيه ولا تنغيص، جزاء لما عملتم، وبسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. وهذا تفضل من الله عليهم وامتنان وإنعام وإحسان؛ لما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسدّدوا وقاربوا، واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل». فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إن إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة، فيقول المؤمن الناجي ثقة بالإسلام وسرورا بنجاته لكل من يلقاه من جماعته: هلموا وخذوا واقرؤوا كتابي هذا، إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي ويعذبني، ولكنه تفضل علي بعفوه ولم يؤاخذني بها. وقال ابن عباس وغيره عن قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ أي أيقنت وعلمت أني ملاق حسابي في الآخرة، ولم أنكر البعث، يعني أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب؛ لأنه تيقن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة. ذكر الثعلبي عن ابن عباس قال: أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس، قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال: هيهات هيهات!! زفّته الملائكة إلى الجنة. ٢ - يكون الناجي في عيش يرضاه لا مكروه فيه، أو في عيشة مرضية، في جنة عالية، أي عظيمة في النفوس، ثمارها قريبة التناول، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع. جاء في الصحيح عن النبي ﷺ : «أنهم يعيشون، فلا يموتون أبدا،

стр. 8642

ويصحّون فلا يمرضون أبدا، وينعمون فلا يرون بأسا أبدا، ويشبّون فلا يهرمون أبدا». ٣ - يقال للناجين من قبل ربهم، أو بواسطة الملائكة خزنة الجنة: كلوا واشربوا في الجنة أكلا وشربا هنيئا لا تكدير فيه ولا تنغيص، بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة. والآيات تعم جميع أهل السعادة، كما أن الآيات التالية تعم جميع أهل الشقاوة. حال الأشقياء يوم القيامة ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)﴾ الإعراب: ﴿يا لَيْتَنِي﴾ يا: للتنبيه. ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿ما﴾ إما استفهامية على سبيل الإنكار في موضع نصب؛ لأنها مفعول ﴿أَغْنى﴾. ﴿مالِيَهْ﴾ فاعله، وتقديره: أي شيء أغنى عنّي ماليه؟ أو أن تكون ﴿ما﴾ نافية، ويكون مفعول ﴿أَغْنى﴾ محذوفا، وتقديره: ما أغنى ماليه شيئا، فحذفه. والهاء في ﴿مالِيَهْ﴾ للسكت، وإنما أدخلت صيانة للحركة عن الحذف، وتثبت وقفا ووصلا اتباعا لمصحف الإمام والنقل المتواتر.

стр. 8643

﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿حَمِيمٌ﴾ اسم ليس، وخبرها الجار والمجرور، وهو ﴿لَهُ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿الْيَوْمَ﴾ هو الخبر؛ لأن ﴿حَمِيمٌ﴾ جثة، واليوم ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث، وإنما تدل على وجود حدث بعدها. البلاغة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ توافق الفواصل، مراعاة لرؤوس الآيات، ويسمى في علم البديع كما تقدم السجع المرصّع. المفردات اللغوية: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ يقول لما يرى من قبح العمل وسوء العاقبة. ﴿يا لَيْتَها﴾ يا ليت الموتة التي متها في الدنيا. ﴿كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ القاطعة لأمري وحياتي، فلم أبعث بعدها. ﴿مالِيَهْ﴾ مالي من المال. ﴿سُلْطانِيَهْ﴾ حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا، أو ملكي وسلطاني على الناس. ﴿خُذُوهُ﴾ خطاب لخزنة جهنم. ﴿فَغُلُّوهُ﴾ شدّوه في الأغلال، واجمعوا يديه إلى عنقه في الغلّ: وهو ما يكبل به الأسير أو المتهم من القيود والسلاسل. ﴿الْجَحِيمَ﴾ النار المحرقة. ﴿صَلُّوهُ﴾ أدخلوه وأوردوه إياها، يصلى نارها ويحترق بها. ﴿ذَرْعُها﴾ طولها. ﴿سَبْعُونَ ذِراعاً﴾ المراد أنها سلسلة طويلة، والمراد ذراع الملك. ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أدخلوه فيها بعد إدخاله في النار، بأن تلفّوها على جسده كيلا يتحرك فيها. وتقديم الجحيم والسلسلة للدلالة على التخصيص، والاهتمام بذكر أنواع ما يعذب به، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لتفاوت ما بينهما في الشدة. ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ﴾ تعليل على طريقة الاستئناف للمبالغة، وذكر صفة ﴿الْعَظِيمِ﴾ للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة، فيجب الإيمان به. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ لا يحث على إطعامه، فضلا عن أن يبذل من ماله. ﴿حَمِيمٌ﴾ قريب مشفق يحميه أو صديق ينتفع به. ﴿غِسْلِينٍ﴾ صديد أهل النار وما يسيل منهم من قيح أو دم. ﴿الْخاطِؤُنَ﴾ الآثمون، أصحاب الخطايا، من خطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، لا من الخطأ المضاد للصواب. المناسبة: بعد بيان حال السعداء في معايشهم وسكناهم في الجنة، بيّن الله تعالى للموازنة والمقارنة والعبرة حال الأشقياء الكفار في الآخرة، وتعرضهم لألوان

стр. 8644

العذاب في نار جهنم، مع بيان سبب ذلك: وهو عدم الإيمان بالله العظيم، والإعراض عن مساعدة المساكين البائسين. التفسير والبيان: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ أي وأما الشقي الذي يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فيقول حزنا وكربا، وألما وندما لما رأى فيه من سيئاته وقبيح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي. وهذا دليل على وجود العذاب النفسي قبل العذاب الجسدي. ﴿وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ، يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ أي ولم أعلم أيّ شيء حسابي الذي أحاسب به؛ لأن كله وبال علي، ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاطعة نهاية الحياة، ولم أحي بعدها، فهو يتمنى دوام الموت وعدم البعث، لما شاهد من سوء عمله، وما يصير إليه من العذاب. قال قتادة: تمني الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه. ونظير الآية: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ ٤٠/ ٧٨]. ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أي ما أفادني ما لي شيئا، ولم يدفع عني شيئا من عذاب الله، وفقدت حجتي، وذهب منصبي وجاهي وملكي، فلم يدفع عني العذاب، بل خلص الأمر إلي وحدي، فلا معين لي ولا مجير. قال أبو حيان: الراجح قول ابن عباس ومن ذكر معه أن السلطان هنا هو الحجة التي كان يحتج بها في الدنيا؛ لأن من أوتي كتابه بشماله ليس مختصا بالملوك، بل هو عام في جميع أهل الشقاوة (١). وحينئذ يقول الله مبينا مصيره وعاقبة أمره:

стр. 8645

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ أي يأمر الله الزبانية قائلا: خذوه مكبّلا بالقيود والأغلال، بجمع يده إلى عنقه في الغلّ، ثم أدخلوه الجحيم ليصلى حرها، ثم أدخلوه في سلسلة (حلق منتظمة) طولها سبعون ذراعا تلفّ على جسمه، لئلا يتحرك. ثم بيّن الله تعالى سبب وعيده الشديد وعذابه قائلا: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ، وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي إنه كان كافرا جاحدا لا يصدق بالله صاحب العظمة والسلطان، ولا يحث على إطعام الفقير والمسكين البائس، فضلا عن عدم بذله المال للبائسين، والمعنى أنه لا يؤدي حقوق الله من توحيده وعبادته وعدم الشرك به، ولا يؤدي حقوق العباد من الإحسان والمعاونة على البر والتقوى. وفي ذكر الحض دون الفعل تشنيع، يفيد أن تارك الحض كتارك الفعل. وفي الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. والعذاب متعين لازم له، كما قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أي ليس له يوم القيامة قريب ينفعه، أو صديق يشفع له، أو ينقذه من عذاب الله تعالى، كما جاء في آية أخرى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر ١٨/ ٤٠]. وقوله: ﴿هاهُنا﴾ إشارة إلى مكان عذابهم. وطعامه ما وصف تعالى: ﴿وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ، لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ أي وليس له طعام إلا ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ودم وقيح، لا يأكله إلا أصحاب الخطايا والذنوب. قال قتادة عن الغسلين: هو شر طعام أهل النار. والطعام: اسم بمعنى الإطعام، كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.

стр. 8646

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - إذا كان المؤمن يفاخر بكتابه ابتهاجا وفرحا، فإن الكافر الشقي يتمنى الموت، ويكره البعث والعودة إلى الحياة مرة أخرى. قال القفّال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوء المنقلب ما هو أشدّ وأشنع من الموت. ٢ - ذكر الله تعالى سرور السعداء أولا، ثم ذكر أحوالهم في العيش الطيب وفي الأكل والشرب، ثم ذكر هنا غم الأشقياء وحزنهم، ثم ذكر أحوالهم حينما يزج بهم في نار جهنم في الغلّ والقيد، وتناول طعام الغسلين، والتصلية (١) في الجحيم (وهي النار العظمى) وإدخاله في سلسلة طولها سبعون ذراعا بذراع الملك. ٣ - سبب الظفر بالجنة للمؤمنين السعداء الإيمان والأعمال الصالحة في الدنيا، وسبب العذاب والوعيد الشديد للأشقياء: هو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين. ٤ - دلت آية ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ على أن الكفار يعاقبون على ترك الصلاة والزكاة. وهو المراد من قول جمهور الأصوليين: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. عن أبي الدرداء: أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع النصف الباقي! ٥ - ليس للشقي في الآخرة حميم، أي قريب يدفع عنه العذاب، ويحزن عليه؛ لأنهم يتحامون ويفرّون منه، كقوله: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج ١٠/ ٧٠] وقوله: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر ١٨/ ٤٠].

стр. 8647

٦ - طعام أهل النار الخاطئين (المذنبين): الغسلين: وهو صديد أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم، قال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه، وفي آية أخرى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية ٦/ ٨٨] والضريع: شيء في النار كالشوك مرّ منتن. تعظيم القرآن وإثبات نزوله بالوحي ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ الإعراب: ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ صفة للمفعول المطلق ل ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ أي تصدقون تصديقا قليلا، و ﴿ما﴾ مزيدة للتأكيد. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو تنزيل. ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ في موضع رفع، لأنه اسم ﴿فَما﴾ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد النفي، و ﴿مِنْكُمْ﴾ حال ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾، و ﴿حاجِزِينَ﴾ خبر. ﴿فَما﴾. و ﴿عَنْهُ﴾ في موضع نصب لأنه يتعلق ب ﴿حاجِزِينَ﴾ التقدير: فما منكم أحد حاجزين عنه. وجمع ﴿حاجِزِينَ﴾ وإن كان وصفا ل ﴿أَحَدٍ﴾ لأنه في معنى الجمع، فجمع حملا على المعنى، فإنه عام والخطاب للناس، ولأن أحدا في سياق النفي بمعنى الجمع، مثل ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥/ ٢]. ولم يبطل ﴿مِنْكُمْ﴾ عمل ﴿فَما﴾ لأن الفصل بالجار والمجرور والظرف لا يؤثر.

стр. 8648

البلاغة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ، وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ بينهما طباق السلب. المفردات اللغوية: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ لا حاجة للقسم لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم، أو أن المراد بهذه الصيغة القسم، أي فأقسم، وهو مستأنف، ولا: زائدة. ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ من المشاهدات والمخلوقات. ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ أي بما غاب عنكم، فهذا قسم بالمشاهدات والمغيبات، وذلك يتناول الخالق والمخلوقات بأسرها. ﴿إِنَّهُ﴾ أي القرآن. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي لقول جبرائيل أو محمد ﵉، رسول كريم على الله، يبلغه عن الله تعالى، فإن الرسول لا يقول عن نفسه، والمراد به هنا النبي ﷺ في قول الأكثرين. وأما المراد به في سورة التكوير فهو جبريل ﵇ في قول الأكثرين. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كما يزعمون؛ لأن الرسول ليس بشاعر. ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كما يزعمون تارة أخرى، والكاهن: من يدعي معرفة الغيب. ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ أي تصدقون تصديقا قليلا، والقلة بمعناها الظاهر، وحمل الزمخشري القلة على العدم والنفي، أي لا تؤمنون البتة، وقال أبو حيان: لا يراد ب ﴿قَلِيلاً﴾ هنا النفي المحض كما زعم الزمخشري، فإن هذا لا يكون في حال النصب، وإنما في حال الرفع ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ تتذكرون، وقرئ: يذكرون بالياء، و ﴿ما﴾ مزيدة للتأكيد. والخلاصة: أنهم آمنوا بأشياء يسيرة، وتذكّروها، مما أتى به النبي ﷺ من الخير والصلة والعفاف، فلم تغن عنهم شيئا. ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بل هو تنزيل. ﴿تَقَوَّلَ﴾ أي النبي، سمى الافتراء تقولا؛ لأنه قول متكلّف، والأقوال المفتراة أقاويل، تحقيرا بها. ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ لنلنا منه عقابا بالقوة والقدرة. ﴿الْوَتِينَ﴾ نياط القلب، وهو عرق متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه. ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ أي لا أحد عن القتل أو عن النبي. ﴿حاجِزِينَ﴾ مانعين أو دافعين، والمراد: لا مانع لنا عنه من حيث العقاب. ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي وإن القرآن لموعظة لأهل التقوى؛ لأنهم المنتفعون به. ﴿أَنَّ مِنْكُمْ﴾ أيها الناس. ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ بالقرآن، ومنكم مصدّقين. ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾، وإن القرآن لحسرة عليهم إذا رأوا ثواب المؤمنين المصدقين به، وعقاب المكذبين به. ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ وإن القرآن اليقين الحق الذي لا ريب فيه. ﴿فَسَبِّحْ﴾ نزّه الله بذكر اسمه العظيم تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه، وشكرا على ما أوحى إليك. وباء ﴿بِاسْمِ﴾ زائدة.

стр. 8649

سبب النزول: نزول الآيات (٣٨ - ٤٠): ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾: قال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمدا ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال عقبة: كاهن، فقال الله : ﴿فَلا أُقْسِمُ.﴾. أي أقسم. المناسبة: بعد الإخبار عن إمكان القيامة ووقوعها، وبيان أحوال السعداء والأشقياء فيها، ختم الكلام بتعظيم القرآن وإثبات كونه كلام الله تعالى المنزّل على قلب رسوله محمد ﷺ . التفسير والبيان: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي أقسم لخلقي بما تشاهدون من المخلوقات الدالة على كمالي في أسمائي وصفاتي، وبما غاب عنكم من المغيبات، أو أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وإنه لتلاوة رسول كريم، وقول يبلّغه رسول كريم، مؤدى عن الله بطريق الرسالة. وإنما أضافه إلى الرسول على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلّغ عن المرسل. وفي ذكر «الرسول» إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه، وإنما هو قوله المؤدى عن الله بطريق الرسالة. وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته، وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعا في أغراض الدنيا الخسيسة. والأكثرون على أن الرسول الكريم هنا هو محمد ﷺ ؛ لأنه ذكر بعده أنه

стр. 8650

ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالشعر والكهانة، وإنما يصفون محمدا ﷺ . وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل ﵇، لأن الأوصاف التي بعده تناسبه، كما سيأتي. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ أي ليس القرآن بقول شاعر، كما تزعمون؛ لأن محمدا ﷺ ليس بشاعر، ولأن آيات القرآن ليست من أصناف الشعر، وأنتم تؤمنون إيمانا قليلا، وتصدقون تصديقا يسيرا. والقلة على ظاهرها وهي إقرارهم إذا سئلوا: من خلقكم؟ قالوا: الله. ويحتمل أن يكون المتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئا؛ إذ كانوا يصدّقون أن الخير والصلة والعفاف ونحوه الذي كان يأمر به رسول الله ﷺ هو حق صواب. وإنما قال عند نفي الشعر عنه: ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ وعند نفي الكهانة: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبيّن المحسوس. أما من حيث اللفظ فظاهر؛ لأن الشعر كلام موزون مقفّى؛ وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا النادر غير المتعمد. وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق والبراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدّق ولا يعاند. وانتفاء الكهانة عنه يحتاج إلى تأمل، فإن كلام الكهان أسجاع لا معاني لها، وأوضاع تنبو عنها الطباع، وأيضا في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم، والكهان إخوان الشياطين، فكيف رضوا بإظهار قبائحهم (١).
следующие страницы →