← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

وخبره خبر عن المبتدأ الأول. وجواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَ﴾ محذوف دل عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم؟ ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا.﴾. خبر من محذوف دل عليه خبر (من) في الجملة السابقة وهو أهدى. ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً﴾: نعت لمصدر محذوف، و ﴿ما﴾: زائدة، و ﴿تَشْكُرُونَ﴾: مستأنف أو حال مقدرة، أي تشكرون شكرا قليلا. ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ ﴿هذَا﴾: في موضع رفع بالابتداء، و ﴿الْوَعْدُ﴾: صفة له، أو بدل، و ﴿مَتى﴾: خبره، وفيه ضمير يعود على ﴿الْوَعْدُ﴾. البلاغة: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي﴾ استفهام إنكار. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ استعارة تمثيلية، مثّل المؤمن بمن يمشي سويا على صراط مستقيم، ومثّل الكافر بمن يمشي مكبا على وجهه إلى طريق جهنم. ﴿غُرُورٍ﴾، ﴿نُفُورٍ﴾ سجع مرصع لمراعاة رؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿أَمَّنْ هذَا﴾ أي من هذا. ﴿جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أعوان لكم. ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ يدفع العذاب عنكم. ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ أي غيره يدفع عنكم عذابه، أي لا ناصر لكم. ﴿إِنِ الْكافِرُونَ﴾ أي ما الكافرون. ﴿إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ غرّهم الشيطان بأن العذاب لا ينزل بهم، والمراد أنه لا معتمد لهم. ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ من هذا الذي يرزقكم غير الله؟ ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ إن منع عنكم رزقه، بإمساك المطر وسائر أسباب المعيشة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره فمن يرزقكم أي لا رازق لكم غيره. ﴿لَجُّوا﴾ تمادوا واستمروا. ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ أي تكبر وعناد عن قبول الحق. ﴿وَنُفُورٍ﴾ إعراض وتباعد عن الحق. ﴿مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ﴾ واقعا على وجهه من حين لآخر. ﴿سَوِيًّا﴾ معتدلا منتصب القامة. ﴿عَلى صِراطٍ﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ قويم مستوي الأجزاء أو الجهة، والمراد تمثيل المؤمن المتدين والمشرك الكافر. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب والعقول لتتفكروا وتعتبروا.

стр. 8577

﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ باستعمال الحواس فيما خلقت من أجله، وما: مزيدة، والجملة مستأنفة. ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم متكاثرين موزعين. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون للحساب والجزاء. ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ أي الحشر أو إيقاع العذاب من الخسف والحاصب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيه أيها النبي والمؤمنون به. ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ العلم بوقته وبمجيئه. ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطلع عليه غيره. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ رسول منذر بيّن الإنذار. ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ﴾ رأوا الوعد الموعود به. ﴿زُلْفَةً﴾ أي ذا زلفة، أي قريبا منهم. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسودّت وعلتها الكآبة وساءتها رؤية العذاب. ﴿وَقِيلَ﴾ قال لهم الخزنة. ﴿هذَا﴾ العذاب. ﴿تَدَّعُونَ﴾ تطلبون وتستعجلون استهزاء واستنكارا. وهذه حكاية حال ستأتي، عبر عنها بلفظ الماضي للدلالة على تحقق وقوعها. المناسبة: بعد أن أورد الله تعالى البرهان الأول على كمال قدرته وهو تمكين الطيور من الطيران، وبّخ المشركين على عبادة الأصنام، وردّ على اعتقادهم شيئين أو أمرين: وهما القوة في الأعوان، وجلب الخير من الأصنام، ثم أورد تعالى برهانين آخرين على كمال قدرته: وهما خلق الناس وحواسهم، وتكاثر الخلق واستمرارهم وتوزيعهم في الأرض ثم حشرهم إليه. ثم ذكر شيئين قالهما الكفار لمحمد ﷺ لما أمره ربه بتخويفهم بعذاب الله وهما مطالبته بتعيين وقت العذاب، ودعاؤهم عليه وعلى المؤمنين بالهلاك، وهذا الأخير موضع الفقرة التالية. فتكون البراهين الثلاثة على كمال قدرة الله هي الاستدلال أولا بأحوال الطيور من الحيوانات، ثم الاستدلال بصفات الإنسان وهي السمع والبصر والعقل وحدوث ذاته، ثم الاستدلال بضمان تكاثر الخلق وحفظ النوع الإنساني وتوزيعه في أنحاء الأرض والحشر يوم القيامة. التفسير والبيان: يرد الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، يبتغون عندهم النصر

стр. 8578

والرزق، فيقول منكرا عليهم ما اعتقدوه، ومخبرا أنهم لن يحصلوه على ما أمّلوه: ١ - ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ، إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ أي بل من هذا الجند أو العون الذي يعينكم ويمنعكم من عذاب الله إن أراد بكم سوءا؟! الواقع أنه ليس لكم من دون الله من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره، ولهذا فإن الكافرين هم في خداع وغرور عظيم من جهة الشيطان، غرهم بأن العذاب لا ينزل بهم. والتعبير بقوله: ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ إشارة إلى أن بقاء الناس في الأرض مع كفرهم وظلمهم هو برحمة الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء. والآية رد على الكفار الذين كانوا يمتنعون من الإيمان، ويعتمدون في زعمهم واعتقادهم المخطئ على القوة من جهة الإخوة والأعوان، مخبرا إياهم أنه لا ناصر لهم سوى الله سبحانه. ثم رد الله تعالى على ادعائهم وجود رازق غير الله، وأن الأصنام مصدر جميع الخيرات لهم، ودفع كل الآفات عنهم، فقال: ٢ - ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ؟ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي بل من هذا الذي إذا منع الله عنكم رزقه، رزقكم بعده بالأمطار وغيرها؟ والمعنى أنه لا أحد يعطي ويمنع، ويرزق وينصر إلا الله ، وحده لا شريك له، وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره، لذا وصفهم تعالى بقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي بل تمادوا واستمروا في عناد واستكبار عن الحق، ونفور عنه، وتابعوا طريقهم في طغيانهم وإفكهم وضلالهم، ولم يعتبروا ولم يتفكروا. فدلت الآيتان على أنه لا ناصر ينصر من عذاب الله، ولا رازق يرزق غير الله إن حجب رزقه عن مخلوقاته.

стр. 8579

ثم ضرب الله مثلا للمؤمن والكافر أو الموحد والمشرك، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟﴾ أرأيتم حال المؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبّا على وجهه، أي يمشي متعثرا في كل وقت، منحنيا غير مستو، لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب، بل هو تائه حائر ضال. أهذا أهدى أم ذلك المؤمن الذي مثله كمن يسير معتدلا ناظرا أمامه على طريق مستو، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، فهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، سواء في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا إذ يسير على منهج الله يكون على هدى وبصيرة، وفي الآخرة يحشر على طريق مستقيم يؤدي به إلى الجنة. وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سويا على صراط مستقيم أهدى. ثم ذكر الله تعالى البرهان الثاني الدال على كمال قدرته قائلا: ﴿قُلْ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن الله ربكم هو الذي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ به، وحاسة البصر لنظر بدائع خلق الله، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات الله وإدراك حقائق الأشياء، ولكن قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره، وفيما خلقت لأجله من الخير، وذلك هو الشكر الحقيقي لهذه الطاقات، لا مجرد ترداد الشكر باللسان، وملازمة العصيان؛ لأن شكر نعمة الله تعالى: هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه، فإذا لم تستعمل هذه القوى في طلب مرضاة الله، فأنتم ما شكرتم نعمته مطلقا.

стр. 8580

فقوله تعالى: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم هذه القوى العظيمة، ولكنهم ضيّعوها في غير ما خلقت لأجله. وإنما خصت هذه الجوارح بالذكر؛ لأنها أداة العلم والفهم. ثم ذكر الله تعالى البرهان الثالث على كمال قدرته، فقال: ﴿قُلْ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي وقل لهم أيضا: إن الله هو خلقكم وبثكم ووزعكم في أنحاء الأرض، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم، واختلاف ألوانكم وأشكالكم، ثم إليه تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، فهو يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم للحساب والجزاء. وبعد أمر الله محمدا ﷺ بتخويف الكفار بعذاب الله، ذكر مقالة الكفار ومطالبتهم بتعيين وقت البعث استهزاء واستنكارا، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟﴾ أي ويقول المشركون لمحمد والمؤمنين تهكما واستهزاء: متى يقع ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة، والخسف والحاصب في الدنيا، إن كنتم يا محمد والمؤمنون به صادقين فيما تدعونه؟ فأخبرونا به، أو فبيّنوه لنا. فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي قل لهم أيها النبي: إنما علم ذلك عند الله، فلا يعلم وقت الساعة والعذاب على التعيين إلا الله ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة، فاحذروه، وإنما أنا منذر لكم، أنذركم وأخوّفكم عاقبة كفركم، فعليّ البلاغ وقد أديته لكم. ثم وصف تعالى حال أولئك الكفار عند رؤية العذاب، فقال:

стр. 8581

﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَقِيلَ: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي فلما رأوا العذاب الموعود به قريبا في الدنيا، وقامت القيامة وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريبا؛ لأن كل ما هو آت قريب وإن طال زمنه، اسودّت وجوههم، وعلتها الكآبة، وغشيتها الذلة والمهانة، وقالت لهم ملائكة العذاب الخزنة على وجه التقريع والتوبيخ: هذا الذي كنتم في الدنيا تطلبونه وتستعجلون به استهزاء، في قولكم لرسول الله ﷺ : ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف ٢٢/ ٤٦]. ونظير الآية: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الزمر ٤٧/ ٣٩ - ٤٨]. فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: ١ - لا ناصر ولا رازق للمؤمن والكافر في الحقيقة والواقع إلا الله ، ولكن الكافرين في غرور من الشياطين تغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب، وفي تماد واستمرار في طغيانهم وضلالهم ونفورهم عن الحق. ٢ - مثل الكافر في ضلاله وحيرته كالرجل المنكّس الرأس الذي لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، والذي لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه، ومثل المؤمن في هدايته وتبصره كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المستقيم المهتدي له. ولا شك بأن الثاني أهدى من الأول. ٣ - هناك براهين ثلاثة على كمال قدرة الله تعالى: وهي تمكين الطيور من الطيران في الهواء، وخلق الإنسان وتزويده بطاقات السمع والبصر والفؤاد أو العقل، وخلق الناس موزعين مفرقين على ظهر الأرض ثم حشر الناس يوم القيامة، لمجازاة كلّ بعمله؛ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة.

стр. 8582

٤ - غالب الناس لا يشكرون نعم الله باستعمال حواسهم فيما خلقت لأجله، ولا يوحدون الله تعالى. ٥ - طالب الكفار بعد تخويفهم بعذاب الله بتعيين الوقت الموعود به استهزاء وإنكارا. ٦ - الجواب عن تساؤلهم واستعجالهم: أن علم وقت قيام الساعة عند الله وحده، فلا يعلمه غيره. وما مهمة الرسول إلا البلاغ المبين والإنذار والتخويف البيّن من العذاب. دعاء كفار مكة على النبي ﷺ والمؤمنين بالهلاك ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ الإعراب: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ﴾ .. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ﴾ إنما جاءت الفاء في قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ﴾ جوابا للجملة؛ لأن معنى ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ انتبهوا، وتقديره: انتبهوا فمن يجير، كما تقول: اجلس فزيد جالس، وليست جوابا للشرط. وجواب الشرط ما دل عليه ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ويجوز أن تكون الفاء زائدة، ويكون الاستفهام قائما مقام مفعول. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ مثل: أرأيت زيدا ما صنع. وهكذا الكلام على الفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾. ومنهم من قال: الفاء جواب الشرط. ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي غائرا، وهو خبر ﴿أَصْبَحَ﴾. وقوله: ﴿مَعِينٍ﴾ إما فعيل من (معن) الماء: إذا كثر، فتكون الميم أصلية، أو يكون مفعولا من (العين) وأصله (معيون) فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فبقيت الياء ساكنة، والواو ساكنة، فحذفت الواو لسكونها وسكون ما قبلها، وكسر ما قبل الياء مناسبة لها؛ لأنه ليس في كلامهم ياء قبلها ضمة.

стр. 8583

المفردات اللغوية: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿أَهْلَكَنِيَ﴾ أماتني. ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين. ﴿أَوْ رَحِمَنا﴾ بتأخير آجالنا. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي لا ينجيهم أحد من العذاب، و ﴿يُجِيرُ﴾ ينجي أو يمنع. ﴿غَوْراً﴾ غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الدلاء ونحوها. ﴿مَعِينٍ﴾ جار كثير، سهل التناول. والمراد: لا يأتي به إلا الله تعالى، فكيف تنكرون أن يبعثكم؟! ويستحب أن يقول القارئ عقب قوله ﴿مَعِينٍ﴾: الله رب العالمين، كما ورد في الحديث. سبب النزول: روي أن كفار مكة كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فنزلت الآية. المناسبة: هذا هو الأمر الثاني الذي حكاه الله عن الكفار بعد تخويفهم بعذاب الله، فطالبوا أولا بتعيين وقت الحشر والبعث والعذاب، ثم دعوا على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور ٣٠/ ٥٢] وقال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ [الفتح ١٢/ ٤٨]. التفسير والبيان: أجاب الحق عن دعاء الكافرين بهلاك النبي ﷺ والمؤمنين من وجهين: الوجه الأول- ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا، فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله، الجاحدين لنعمه: أخبروني عن أي فائدة أو منفعة لكم، أو راحة فيما إذا أهلكني الله بالإماتة أو رحمني بتأخير الأجل، أنا ومن معي من المؤمنين، فلو فرض أنه وقع بنا

стр. 8584

ذلك، فلا ينجي الكافرين أحد من عذاب الله، سواء أهلك الله تعالى رسوله ﷺ والمؤمنين معه، كما كان الكفار يتمنونه أو ينتظرونه، أو أمهلهم. والمراد بالآية تنبيه الكفار وحثهم على طلب النجاة والإنقاذ بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله بالإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة والبعث، وإعلامهم بأنه لا ينفعهم وقوع ما يتمنون للنبي ﷺ والمؤمنين من العذاب والنكال، فسواء عذبهم الله أو رحمهم، فلا مناص لهم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بهم. الوجه الثاني- ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي قل لهم: إنه الله الرحمن الذي آمنا به وحده، لا نشرك به شيئا، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، لا على غيره. والتوكل: تفويض الأمور إليه ، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣/ ١١]. ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ستدركون من هو في خطأ واضح منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة. وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال. وإذا كان هذا حالهم فكيف يقبل الله دعاءهم على المؤمنين؟ ثم ذكر الله تعالى الدليل على وجوب التوكل عليه لا على غيره، فقال مظهرا الرحمة في خلقه: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أي قل لهم يا محمد: أخبروني إن صار ماؤكم الذي جعله الله لكم في العيون والآبار والأنهار لمنافعكم المتعددة غائرا ذاهبا في الأرض إلى أسفل بحيث لا ينال بالدلاء وغيرها، فمن الذي يأتيكم بماء كثير جار لا ينقطع، أي لا يأتيكم به أحد إلا الله تعالى، وذلك بالأمطار والثلوج والأنهار، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض لتحقيق حاجة الناس قلة وكثرة.

стр. 8585

والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه، ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر. فإذا كان لا بد وأن يقولوا: هو الله، فيقال لهم حينئذ: فلم لا تجعلون من لا يقدر على شيء أصلا شريكا له في المعبودية؟ والآية دليل على وجوب الاعتماد على الله تعالى في كل حاجة، مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته، وإشارة إلى أن الفتوح العقلي لا يتيسر إلا بإعانة الله تعالى. ونظير الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨/ ٥٦ - ٦٩]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لا فائدة ولا جدوى من دعاء الكفار على النبي ﷺ والمؤمنين؛ لأنه لا يستجاب دعاؤهم، ولأنه إن مات المؤمنون أو رحموا فأخر الله تعالى آجالهم، فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟ فلا حاجة بهم إلى توقع السوء وانتظاره بمن آمنوا، ولا إلى استعجال قيام الساعة، وما عليهم لتخليص نفوسهم من العذاب إلا إعلان الإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة والبعث. ٢ - يجب الاعتماد والتوكل على الله تعالى في كل حاجة، بعد اتخاذ الأسباب والوسائل المقدورة للبشر، وشأن المؤمنين أن يتكلوا على الله سبحانه، أما الكفار فيتكلون على رجالهم وأموالهم. ٣ - إن الله تعالى هو القادر على إمداد خلقه بالأرزاق والأمطار والمياه النابعة، ولا أحد غير الله يقدر على ذلك، والله برحمته وفضله ومنّه وكرمه يمدّ عباده بما يحتاجون، وإن كفروا وجحدوا به.

стр. 8586

يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية: ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً.﴾. عنده، فقال: تأتينا به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينيه. وهذا من الإعجاز.

стр. 8587

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة القلم مكيّة، وهي اثنتان وخمسون آية. تسميتها: سميت سورة القلم لافتتاحها بما أقسم الله تعالى به وهو ﴿ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ وأقسم بالقلم تعظيما له؛ لما له في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة؛ ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف، كما قال صاحب الكشاف. والمراد بالقلم عند الأكثرين: الجنس، أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض. وقيل: سورة ﴿ن﴾. مناسبتها لما قبلها: هناك وجهان لتعلق السورة بما قبلها: ١ - ذكر الله تعالى في آخر سورة تبارك الملك تهديد المشركين بتغوير الماء، وذكر في هذه السورة دليلا على ذلك وهو إذهاب ثمر البستان في ليلية بطائف طاف عليه، وهو نار من السماء أحرقته، وهم نائمون، فلم يجدوا له أثرا. ٢ - ذكر الله تعالى في سورة الملك أدلة قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأثبت البعث، وهدد المشركين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وحثهم على الإيمان

стр. 8588

بالله وحده لا شريك له وبالبعث وبالرسول محمد ﷺ ، ثم برّأ الله نبيّه ﷺ في مطلع هذه السورة من أباطيل المشركين ونسبتهم رسول الله ﷺ إلى السحر أو الشعر أو الجنون، وأثنى عليه بالخلق العظيم. ما اشتملت عليه السورة: عنيت هذه السورة المكية كسابقتها بأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة وهي هنا إثبات النبوة والرسالة، والبعث والآخرة، وبيان مصير المسلمين والمجرمين في القيامة. بدئت السورة بالقسم بالقلم تعظيما له لنفي تهم المشركين ومزاعمهم الباطلة، ووصف النبي ﷺ بالخلق العظيم: ﴿ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وأردفت ذلك ببيان سوء أخلاق بعض الكفار وافترائهم على الرسول ﷺ وتهديدهم بما أعدّ الله لهم من العذاب الأليم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. ثم ضربت المثل لكفار مكة بأصحاب الجنة (البستان) بإحراقه وإتلافه، بسبب كفرهم وجحودهم نعمة الله، وعزمهم على منع حقوق الفقراء والمساكين: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ.﴾. إلى قوله: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقارنت بين المؤمنين والمجرمين، ووبخت المشركين على أحكامهم الفاسدة، وفنّدت دعاويهم، وأقامت الحجج عليهم، وأبانت أحوالهم في الآخرة وموقفهم المخزي: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.﴾. إلى قوله: ﴿وَهُمْ سالِمُونَ﴾. ثم هددت المشركين المكذبين بالقرآن: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ.﴾ ..

стр. 8589

وختمت السورة بأمر النبي ﷺ بالصبر على أذى المشركين، وحذرته من التبرم والتضجر في تبليغ دعوته، حتى لا يكون مثل يونس ﵇: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ.﴾. وأعلنت حمايته من أذاهم، ودحضت افتراءهم بأنه مجنون، وردت عليهم بأن القرآن عظة وعبرة للعالمين، فكيف يكون المنزل عليه مجنونا: ﴿وَإِنْ يَكادُ.﴾. إلى آخر السورة. فضلها: هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن بمكة، فقد نزلت على ما روي عن ابن عباس: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثم هذه، ثم المزمل، ثم المدثر. كمال الدين والخلق عند النبي ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ الإعراب: ﴿ن﴾ في موضع نصب إما بتقدير: اقرأ نون، أو بتقدير: أقسم بنون، فحذف حرف القسم، فاتصل الفعل به، فنصبه، وعلى هذا يكون: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جواب القسم. وقال أبو حيان: ﴿ن﴾ من حروف المعجم، نحو ﴿ص﴾ و ﴿ق﴾، وهو غير معرب كبعض الحروف التي جاءت مع غيرها مهملة من العوامل، والحكم على موضعها بالإعراب تخرص. ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي بأيكم الفتنة، كما يقال: ماله معقول، أي عقل، وقيل: الباء في ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ زائدة، وتقديره: أيكم المفتون، أي المجنون.

стр. 8590

البلاغة: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿مَمْنُونٍ﴾ جناس ناقص بينهما لاختلاف الحرف الثاني. ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وعيد وتهديد، وحذف المفعول للتهويل. ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿مَمْنُونٍ﴾ ﴿الْمَفْتُونُ﴾ إلخ سجع مرصع. ﴿ضَلَّ﴾ و ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿ن﴾ إما اسم للسورة، أو الغرض منه التحدي، مثل: ق، وص بأن يأتوا بمثل القرآن أو بعضه، ما دام مكونا من حروف اللغة العربية التي بها ينطقون ويكتبون وينظمون الشعر، ويدبّجون الخطب البليغة ﴿وَالْقَلَمِ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد به جنس القلم الذي يكتب به، أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض. ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ يكتبون، فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة. ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي ما أنت يا محمد في حالة جنون بسبب إنعام ربك عليك بالنبوة وغيرها، وهذا رد لقول مشركي قريش: إنه مجنون ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ إذ تحتمل من قومك مالا يحتمله أمثالك ﴿الْمَفْتُونُ﴾ المجنون، أو الفتون أي الجنون، أي أبك أم بهم، من فتن: إذا أصيب بفتنة، أي محنة أو بلاء من ذهاب عقل أو مال أو موت ولد، فابتلي بالجنون. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أعلم بمعنى عالم، فالله عالم بهم، وهم المجانين على الحقيقة. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ الفائزين بكمال العقل. سبب النزول: نزول الآية (٢) ﴿ما أَنْتَ .﴾.: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنّبي ﷺ : إنه مجنون، ثم شيطان، فنزلت: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. نزول الآية (٤) ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: سئلت عائشة ﵂ عن خلقه، فقالت: كان خلقه القرآن ألست تقرأ القرآن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى عشر آيات [المؤمنون ١/ ٢٣ - ١٠].

стр. 8591

التفسير والبيان: ﴿ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿ن﴾: من الحروف المقطعة مثل: ﴿ص﴾، ﴿ق﴾ التي يبدأ بها في بعض السور للتنبيه والتحدي. ومعنى الآية: أقسم بالقلم الذي يكتب به، وبما يكتبه الناس بالقلم من العلوم والمعارف، إنك يا محمد، لست بسبب النعمة أو بواسطة النعمة التي أنعم الله بها عليك وهي النبوة والإيمان والحصافة والخلق بالمجنون، كما يزعمون. وهذا رد على افتراء وزعم أهل مكة أنه مجنون، فهو استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدا، وأنه ذو منزلة عالية ومكانة رفيعة من إنعام الله عليه بحصافة العقل وسائر الأخلاق الفاضلة المؤهلة للنبوة. فقوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ هو المقسم عليه. والقسم بالقلم وما يكتب به إشارة إلى عظم النعمة بهما، وأنهما من أجلّ النعم على الإنسان بعد النطق والبيان، فهما طريق التثقيف وانتشار العلوم والمعارف بين الجماعات والأمم والأفراد، ودليل على ما تقدم الأمم والشعوب ونبوغها. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون» أي الدواة. وروى ابن عساكر عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهو الدواة، ثم قال: اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل، فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة، ثم ختم على القلم، فلم يتكلم إلى يوم القيامة». وروى الطبراني مرفوعا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن

стр. 8592

أول ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة» ثم قرأ ﴿ن، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾. ثم ذكر تتمة المقسم عليه، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي وإن لك لثوابا عظيما على ما تحملت من مهام النبوة، وقاسيت في إبلاغ الدعوة من أنواع الشدائد، وذلك الثواب غير مقطوع وإنما هو مستمر، أو لا يمنّ به عليك من جهة الناس. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ أي وإنك لصاحب الخلق العظيم الذي أمرك الله به في القرآن، لما تحملت من قومك ما لم يتحمله أمثالك، ففيك الأدب الجمّ والحياء والجود والشجاعة والحلم والصفح وغير ذلك من محاسن الأخلاق. وقد امتثلت تأديب الله تعالى إياك في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف ١٩٩/ ٧]. روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة: أنها سئلت عن خلق النبي ﷺ ، فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن. أو كان خلقه القرآن، أما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يدل عليه قوله ﷺ : «إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق» (١) ومكارم الأخلاق: هي صلاح الدنيا والدين والمعاد. وروي عنه ﷺ أنه قال فيما رواه ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» إذ قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف ١٩٩/ ٧] فلما قبلت ذلك منه، قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

стр. 8593

وثبت في الصحيحين عن أنس قال: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟». وأخرج أحمد عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين شيئين قط، إلا كان أحبّهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثما، فإذا كان إثما، كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله ». وبعد وصفه بأنه على خلق عظيم أوعد الله تعالى المشركين وهددهم بقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي ستعلم يا محمد، وسيعلم الكفار المشركون مخالفوك ومكذبوك في الدنيا ويوم القيامة من المفتون المجنون الضالّ منكم ومنهم؟ وهذا ردّ على زعمهم أن محمدا ﷺ كان مفتونا ضالاّ. فالمراد بالمفتون: الذي فتن بالجنون. وهو أسلوب رفيع من الخطاب، فيه البعد عن الإثارة، ولفت النظر والعقل. وهذا التهديد كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر ٢٦/ ٥٤]. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤/ ٣٤]. ثم أكّد الله تعالى الوعيد والوعد بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي إن الله ربّك يعلم من هو في الحقيقة الضالّ، أنت أم من اتّهمك بالضلال، ومن هو المهتدي من الفريقين منكم ومنهم، هداية موصلة إلى السعادة العاجلة والآجلة؟

стр. 8594

والمعنى: بل هم الضالون، لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم، وسيجازي الله كل فريق بما يستحق من العقاب والثواب. والمراد بالضلال: ضلال الدين والعقيدة، وبالاهتداء: الهداية إلى الدين. وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأمثالهما. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على ما يأتي: ١ - القسم بالقلم وبالمكتوب إشارة إلى خطرهما، وعظيم أثرهما ونفعهما في ميادين العلم والمعرفة والتقدم والحضارة. ٢ - المقسم عليه ثلاثة أمور: نفي الجنون عن النبي ﷺ كما زعم الكفار، واستمرار الثواب الجزيل والعطاء العظيم له، وكونه صاحب الخلق العظيم، وهو خلق القرآن، وهو أصح الأقوال كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عائشة. ووجود هذه النعم الكثيرة على النبي ﷺ من الله ، وظهورها في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل مكرمة، ينافي حصول الجنون، وكلام الأعداء نوع من الهذيان. والخلق: ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بسهولة، فإذا وصف بالعظم وهو كونه على النهج الأفضل، لم يكن خلق أحسن منه. روى الترمذي عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، و روى أيضا عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء».

стр. 8595

وروى أيضا عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج». ٣ - هدد الله تعالى وأوعد الكفار بأنهم سيعلمون حين يتبين الحق والباطل في الدنيا والآخرة من هو الذي فتن بالجنون، ومن الذي يتبين رجحان عقله، وسلامة منهجه، وصحة دينه واعتقاده؟ ويؤكد ذلك أن الله تعالى هو العالم بمن حاد عن دينه، والذين هم على الهدى والصواب والحق، فيجازي كلاّ يوم القيامة بعمله. الأخلاق الذميمة عند الكفار ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ ﴿أَنْ كانَ﴾: مفعول لأجله، تقديره: لأن كان ذا مال وبنين، واللام تتعلق بفعل محذوف، تقديره: أيكفر أن كان ذا مال. ولا يجوز أن تتعلق ب ﴿تُتْلى﴾ لأن ﴿إِذا﴾ مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا فيما قبل المضاف، كما لا يجوز أن تتعلق ب ﴿قالَ﴾ لأنه جواب الشرط، وجواب الشرط لا يعمل فيما قبله. ﴿قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿أَساطِيرُ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه أساطير الأولين.

стр. 8596

البلاغة: ﴿حَلاّفٍ﴾، ﴿هَمّازٍ﴾، ﴿مَشّاءٍ﴾، ﴿مَنّاعٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعّال، وكذلك ﴿أَثِيمٍ﴾، ﴿زَنِيمٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل. ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ استعارة، استعار خرطوم الفيل لأنف الإنسان، للاستهانة والاستخفاف. المفردات اللغوية: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ تهييج للتصميم على مخالفتهم. ﴿وَدُّوا لَوْ﴾ تمنوا، و ﴿لَوْ﴾: مصدرية. ﴿تُدْهِنُ﴾ تلين لهم بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانا، من الادّهان: وهو المداهنة واللين والمصانعة. ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فيلينون لك بترك الطعن والموافقة، والفاء للعطف على ﴿تُدْهِنُ﴾ أي تمنوا الملاينة، ولكنهم أخروا ذلك حتى تلين، أو للسببية، أي ودّوا لو تدهن، فهم يدهنون حينئذ. وفي بعض المصاحف: فيدهنوا على أنه جواب التمني المفهوم من ﴿وَدُّوا﴾. وعلى قراءة يدهنون يقدر قبله بعد الفاء: هم. ﴿حَلاّفٍ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل. ﴿مَهِينٍ﴾ حقير الرأي. ﴿هَمّازٍ﴾ عيّاب طعّان مغتاب. ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يمشي بين الناس بالنميمة والسعاية للإفساد بينهم. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ بخيل بالمال، ويمنع الناس من الإيمان والإنفاق والعمل الصالح. ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم، يتجاوز الحق إلى الباطل. ﴿أَثِيمٍ﴾ آثم، أو كثير الإثم والذنب. ﴿عُتُلٍّ﴾ غليظ جاف. ﴿زَنِيمٍ﴾ دعي في قريش، أي يلحق بهم في النسب وليس منهم، وهو الوليد بن المغيرة، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة، قال ابن عباس: لا نعلم أن الله وصف أحدا بما وصفه به من العيوب، فألحق به عارا لا يفارقه أبدا. وقيل: هو الذي يعرف بالشر واللؤم. ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ أي لأن كان، والمعنى: أيكفر لأن كان ذا مال. ﴿آياتُنا﴾ القرآن. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هي خرافات وأباطيل الأقدمين. ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنجعل على أنفه سمة وعلامة يتميز بها ما عاش، فخطم أنفه بالسيف يوم بدر، أي أصيب أنف الوليد بجراحة يوم بدر، فبقي أثرها. والوسم: وضع علامة على الشيء لتمييزه بها عن غيره. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي في قوله: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ قال: نزلت في الأخنس بن شريق، وأخرج ابن المنذر عن الكلبي مثله وهو قول

стр. 8597

الشعبي وابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت في الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود. والمشهور أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت على النّبي ﷺ : ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ، هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ فلم نعرفه، حتى نزل عليه بعد ذلك: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة (١). المناسبة: بعد بيان ما عليه الرسول ﷺ من كمال الدين والخلق، بيّن ما عليه الكفار من الأخلاق الذميمة، والدعوة إلى التشدد معهم ومخالفتهم، مع قلة عدد المؤمنين، وكثرة الكفار. التفسير والبيان: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي داوم على مخالفة الكفار المكذبين لرسالتك، وتشدد في ذلك. وهذا نهي صريح من الله سبحانه عن ملاينة المشركين رؤساء مكة؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم أو مجاملتهم في شيء من العقيدة بقصد ترغيبهم في الإسلام. والمراد من النهي: التحميس والتهييج والتشدد في مخالفتهم. قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي ﷺ أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة، وهم يعبدون الله مدة، وآلهتهم مدة، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي تمنوا لو تلين لهم، فيلينون لك، بأن تركن إلى آلهتهم، وتقربها، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيعترفون بعبادة إلهك.

стр. 8598

ونظير الآية: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ، لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً﴾ [الإسراء ٧٤/ ١٧ - ٧٥]. ثم خصص تعالى من جميع المكذبين الكفار من اتصف بالأوصاف المذمومة العشرة التالي، غير الكفر، فقال: ١ - ٢: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ أي ولا تطع كل شخص كثير الحلف بالباطل حقير الرأي والفكر. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٤/ ٢]. وفيه إشارة إلى أن عزّة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سرّ الربوبية، وأيضا الحلاف يكذب كثيرا، والكذاب حقير عند الناس. ٣ - ٤: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي عيّاب طعّان يذكر الناس بالشرّ في وجوههم، يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. أما اللمّاز: فهو الذي يذكر الناس في مغيبهم. روى الجماعة إلا ابن ماجه عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتّات» أي نمام. ٥ - ٦: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ، مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ﴾ أي بخيل: يمنع الخير عن الناس من الإيمان والإنفاق والعمل الصالح، ظالم متجاوز الحق وحدود الله من أمر ونهي، كثير الآثام والذنوب. كان للوليد بن المغيرة عشرة بنين، وكان يقول لهم ولمن قاربهم: لئن تبع دين محمد منكم أحد، لا أنفعه بشيء أبدا. فمنعهم الإسلام، وهو الخير الذي منعهم. ٧ - ٨: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ، زَنِيمٍ﴾ أي هو بعد ما ذكر من معايبه غليظ جاف فظّ، شديد الخلق، فاحش الخلق، دعي في قريش ملصق بالقوم وليس هو منهم، مشهور بالشر والسوء.

стр. 8599

أخرج الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا أبا داود عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأهل الجنة كل ضعيف متضعّف (١)، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أنبئكم بأهل النار كل عتلّ جوّاظ (٢) مستكبر». ثم ذكر الله تعالى بعض دوافع ومظاهر كبره وكفره، فقال: ٩ - ١٠: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ أي أيكفر بالله تعالى ورسوله ﷺ لأن الله أنعم عليه بالأموال والبنين، حيث جعل جزاء النعم الكفر والجحود؟ فذلك لا ينفعه عند ربّه. وهذا تقريع وتوبيخ على مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين بالكفر بآيات الله تعالى والإعراض عنها. وقال الزمخشري: متعلق بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ﴾، يعني: ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال، أي ليساره وحظه من الدنيا. ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي وإنه إذا تليت عليه آيات القرآن، زعم أنها كذب مأخوذ من قصص وأباطيل القدماء، وليس هو من عند الله تعالى. وهذا كقوله تعالى حكاية عن هذا الطاغية الجبار: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلاّ، إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقالَ: إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر ١١/ ٧٤ - ٢٥].

стр. 8600

ثم ذكر الله تعالى عقابه في الدنيا أو الآخرة، فقال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ أي سنجعل له وسما بالسواد على أنفه، فإنه قاتل يوم بدر، فخطم بالسيف في القتال، قال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف. وعبر به إذلالا له واستخفافا به وإهانة له؛ لأن السمة على الوجه أو الأنف شين. وقال جماعة: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سمة أهل النار، يعني نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم، فيسود وجهه بالنار قبل دخولها، فيكون له عليه أو على أنفه علامة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - نهى الله تعالى نبيّه-والنهي يقتضي التحريم-ومثله المؤمنون، عن ممايلة المشركين المكذبين لرسالته، وكانوا يدعونه إلى أن يكفّ عنهم ليكفّوا عنه، فبيّن الله تعالى أن مما يلتهم كفر. ٢ - تمنى الكفار ملاينة النبي ﷺ ومصانعتهم ومجاملتهم في أديانهم، فيلينون له في دينه، فإنهم طلبوا أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا إلهه مدة، ولكن الله نهاه عن ذلك. ٣ - خصص الله من بين المكذبين النهي عمن اتصف بصفات عشر: هي الحلاف: الكثير الحلف، المهين: الحقير الرأي والتمييز والتفكير، الهمّاز: الذي يذكر الناس في وجوههم، وهو غير اللماز: الذي يذمهم في مغيبهم، النمام: الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، المناع للخير: للمال أن ينفق في وجوهه، ويمنع الناس عن الإسلام، المعتدي: أي الظالم، المتجاوز الحد، صاحب الباطل، الأثيم: الكثير الإثم والذنوب، العتلّ: الغليظ الجافي الشديد في كفره،

стр. 8601

الشديد الخصومة بالباطل، الزنيم: الملصق بالقوم الدّعي، وكان الوليد بن المغيرة المخزومي دعيّا في قريش، ليس من أصلهم، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، كما تقدم، [الطاغية المفتري]. ٤ - وبّخ الله الوليد على مقابلته الإحسان والنعمة بالإساءة، فقد أنعم الله عليه بالمال والبنين، فكفر واستكبر. ويكون تقدير الآية: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾: ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر؟ ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين يقول: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ٥ - هدد الله الوليد بالوسم على أنفه في الدنيا، وبالعلامة الظاهرة على أنفه في الآخرة. قال ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ﴾: سنخطمه بالسيف، وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران ١٠٦/ ٣] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه ١٠٢/ ٢٠]، وهذه علامة أخرى ظاهرة. فأفادت هذه الآية: ﴿سَنَسِمُهُ.﴾. علامة ثالثة وهي الوسم على الأنف بالنار. والراجح لدي أن هذا الوسم كان في الدارين. وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه؛ فألحقه به عارا، لا يفارقه في الدنيا والآخرة؛ كالوسم على الخرطوم (١). قال ابن العربي بمناسبة قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ﴾: كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديما عند الناس، حتى إنه روي أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني،

стр. 8602

اعتاضوا عنه بالضرب وتحميم الوجه (١)، وهذا وضع باطل. ومن الوسم الصحيح في الوجه: ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور علامة على قبح المعصية، وتشديدا لمن يتعاطاها لغيره، ممّن يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته. وقد كان عزيزا بقول الحق، وصار مهينا بالمعصية، وأعظم الإهانة: إهانة الوجه، وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سببا لحياة الأبد، والتحريم له على النار؛ فإن الله قد حرّم على النّار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود حسبما ثبت في الصحيح (٢). قصة أصحاب الجنة ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾

стр. 8603

الإعراب: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ كالشيء المصروم، وهو فعيل بمعنى مفعول، مثل عين كحيل، وكف خضيب، ولحية دهين، أي عين مكحولة، وكفّ مخضوبة، ولحية مدهونة. ﴿أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ تفسير ل ﴿فَتَنادَوْا﴾ أو ﴿أَنِ﴾ مصدرية، أي بأن. وكذا قوله: ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا﴾. ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ ﴿عَلى حَرْدٍ﴾: جار ومجرور، في موضع نصب على الحال، وتقديره: وغدوا حاردين قادرين. البلاغة: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ..﴾. بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿بَلَوْناهُمْ﴾ امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع وغيرهما من ألوان البلاء والآفات، أي عاملناهم معاملة المختبر. ﴿الْجَنَّةِ﴾ البستان، كان دون صنعاء بفرسخين، وكان لرجل صالح، ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأه المنجل وألقته الريح، أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة، فيجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا، ضاق علينا، فحلفوا ليصرمنها وقت الصباح خفية عن المساكين. ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ يقطعون ثمرتها. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الصباح كيلا يشعر بهم المساكين، فلا يعطون منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها. ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ لا يقولون في يمينهم إن شاء الله، وإنما سمّاه استثناء؛ لأن معنى: لا أخرج إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله، واحد، والجملة مستأنفة، أي وشأنهم ذلك. ﴿فَطافَ عَلَيْها﴾ على الجنة. ﴿طائِفٌ﴾ أي أصابها بلاء طارق أو نازل من عذاب ربّك، وهو نار أحرقتها. ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء، أو كالليل في السواد بعد أن احترقت، أي سوداء. ﴿فَتَنادَوْا﴾ نادى بعضهم بعضا. ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ اخرجوا في الغدوة مبكّرين. ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ بستاتكم أو غلتكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ مريدين قطع ثماره، وجواب الشرط دل عليه ما قبله. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يتسارّون فيما بينهم ويتناجون حتى لا يسمعهم أحد. ﴿اُغْدُوا﴾ ساروا غدوة إلى حرثهم. ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ أي على منع للفقراء، وقيل: الحرد: القصد والسرعة. ﴿قادِرِينَ﴾ على الصرم في ظنهم.

стр. 8604

﴿فَلَمّا رَأَوْها﴾ رأوا الجنة سوداء محترقة. ﴿لَضَالُّونَ﴾ تائهون عنها، أي ليست هذه. ﴿مَحْرُومُونَ﴾ ممنوعون ثمرتها بمنعنا الفقراء منها. ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ خيرهم وأرجحهم رأيا. ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ هلا تذكرون الله وتستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث نيتكم. ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ بمنع الفقراء حقهم. ﴿يَتَلاوَمُونَ﴾ يلوم بعضهم بعضا على قصدهم وإصرارهم على منع المساكين. ﴿يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا، و ﴿يا﴾: للتنبيه. ﴿طاغِينَ﴾ متجاوزين حدود الله. ﴿أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها﴾ ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة، وقد روي أنهم بدّلوا خيرا منها. ﴿إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ طالبون منه العفو والخير. ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي مثل ذلك العذاب لهؤلاء أصحاب الجنة عذاب الدنيا. ﴿الْعَذابُ﴾ لمن خالف أمرنا من أهل مكة وغيرهم. ﴿أَكْبَرُ﴾ أعظم منه. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لو علموا عذابها لاحترزوا عما يؤدّيهم إلى العذاب. سبب النزول: نزول الآية (١٧): ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ.﴾.: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذا، فاربطوهم في الحبال، ولا تقتلوا منهم أحدا، فنزلت: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ أي في قدرة أهل مكة على المؤمنين، كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى عن الوليد بن المغيرة أو غيره أنه لأجل كونه ذا مال وبنين، جحد وكفر وعصى وتمرد، بطريق الاستفهام على سبيل الإنكار، بيّن في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان، ليعرف هل يصرفه في طاعة الله ويشكر نعم الله، فيزيده من النعمة، أم يكفر بها فيقطعها عنه، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات؟ ومثله في هذا ومثل أهل

стр. 8605

مكة كمثل أصحاب الجنة ذات الثمار، كلّفوا أن يشكروا النعم ويعطوا الفقراء حقوقهم، فلما جحدوا النعمة وحرموا المساكين، حرمهم الله الثمار كلها. روي أن واحدا من ثقيف، وكان مسلما، كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع بقرب صنعاء، وكان يجعل من ناتجها عند الحصاد نصيبا وافرا للفقراء، فلما مات، ورثها منه بنوه، ثم قالوا: عيالنا كثير، والمال قليل، ولا يمكننا أن نعطي المساكين، مثلما كان يفعل أبونا، فأحرق الله جنتهم. التفسير والبيان: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي إنا اختبرنا كفار مكة وامتحناهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله ﷺ ، كما اختبرنا أصحاب البستان المعروف خبرهم عند قريش، حين حلفوا أنهم سيقطعون ثمر الجنة (البستان) عند الصباح، حتى لا يعلم بهم الفقراء، فيأخذون ما كانوا يأخذونه، طمعا في اقتناء كامل الغلة والزرع، ولم يقولوا: إن شاء الله، فالأكثرون أنهم إنما لم يستثنوا فيما حلفوا به بمشيئة الله تعالى؛ لأنهم كانوا كالواثقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة. وقال آخرون: بل المراد أنهم يصرمون كل الزرع، ولا يستثنون للمساكين نصيبهم أو القدر الذي كان أبوهم يدفعه إليهم. والمقصود اختبار أهل مكة، لمعرفة حالهم، أيشكرون نعم الله عليهم، فيؤمنون بالرسول ﷺ الذي أرسله الله إليهم مبشرا ونذيرا، أم يكذبونه ويكفرون برسالته، ويجحدون حق الله عليهم؟ فيجازوا بما يستحقونه، كما جوزي أصحاب الجنة، وهو ما أخبر عنه في قوله تعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي طاف على تلك الجنة من عند الله نار أحرقتها، أي أصابتها آفة سماوية، حتى

стр. 8606

صارت سوداء كالليل الأسود المظلم. ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها، أو لم يبق منها شيء. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقا قد كان هيئ له، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ، وَهُمْ نائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم». ولكنهم لم يدروا بما حدث، وانطلقوا مصمّمين على ما أرادوا، فقال تعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أي فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح، ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع: أن اخرجوا مبكرين في الصباح إلى الثمار والزرع، إن كنتم قاصدين للصرام أي القطع. قال مجاهد: كان حرثهم عنبا. ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي فبادروا مسرعين إلى حرثهم، وهم يتسارون ويتناجون ويقول بعضهم لبعض: لا تمكّنوا اليوم فقيرا يدخل عليكم، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم. ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ أي وذهبوا في الغداة مبكرين، زاعمين أنهم قادرون على الصرام ومنع المساكين وحرمانهم. فقوله: ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ على قصد المنع، وقيل: الحرد: القصد والجدّ والسرعة. وقوله: ﴿قادِرِينَ﴾ من باب عكس الكلام للتهكم. وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء، فعورضوا بنقيض مقصودهم. ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا: إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي فلما وصلوا إليها وشاهدوها وهي على الحالة المؤلمة من الاحتراق والسواد، قال بعضهم لبعض: قد أخطأنا وتهنا طريق جنتنا، وليست هذه.

стр. 8607

ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل في الحقيقة والواقع حرمنا الله ثمر جنتنا، بسبب عزمنا على منع المساكين وحرمانهم من خيرها، فلا حظ لنا ولا نصيب، ونحن نادمون على ما فعلنا، كما أخبر تعالى فيما يأتي: ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي قال أمثلهم وأعقلهم وأعدلهم وخيرهم رأيا وتدينا: هلا تسبّحون الله وتذكرونه وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم، وتستغفرون الله من فعلكم وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها. ولما صدموا بالحقيقة المرة ذكروا الله واعترفوا بذنبهم قائلين: ﴿قالُوا: سُبْحانَ رَبِّنا، إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أي قالوا: تنزيها لله عن أن يكون ظالما فيما صنع بجنتنا، فإنا كنا ظالمين أنفسنا في حرماننا المساكين حقوقهم. ولكنهم أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع الندم. ثم لام بعضهم بعضا كما قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أي ثم أخذ بعضهم يلوم بعضا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ أي القطاف، ولم يجدوا سبيلا إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب، والدعاء على أنفسهم بالهلاك، فقال تعالى: ﴿قالُوا: يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أي قالوا: يا هلاكنا أقبل، فإنا كنا معتدين متجاوزين الحد، حتى أصابنا ما أصابنا.

стр. 8608

ثم دعوا ربهم أن يعوضهم عما حلّ بهم، فقالوا: ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها، إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أي لعل الله ربّنا أن يعطينا بدلا خيرا من جنتنا، فإنا راجون العفو والخير منه. قال مجاهد: إنهم تابوا فأبدلوا خيرا منها. ثم ذكر الله تعالى العبرة من القصة، فقال: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل الجنة من الحرمان، وأهل مكة من القحط والقتل عذاب الدنيا، وهو عذاب كل من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير، وإن عذاب الآخرة أشد وأعظم وأشق من عذاب الدنيا، فلو كان المشركون يعلمون ذلك، لعادوا إلى رشدهم، وبادروا إلى الإيمان بدعوة النبي المصطفى ﷺ ، وأقلعوا عن الغي والضلال، ولكنهم لا يعلمون. وهذا دليل على غفلتهم وجهلهم وبعدهم عن الحق والصواب. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت قصة أصحاب الجنة على ما يأتي: ١ - الدنيا دار ابتلاء واختبار، فقد ابتلى الله تعالى أصحاب الجنة (البستان) وابتلى أهل مكة، بأن أعطاهم ربّهم أموالا ليشكروا، لا ليبطروا، فلما بطروا، وعادى المشركون محمدا ﷺ ، ابتلاهم بالجوع والقحط، كما ابتلى (اختبر) أهل الجنة المعروف خبرها عندهم؛ لأنهم من أهل اليمن القريبة منهم، على بعد ستة أميال من صنعاء. ٢ - قال بعض العلماء: على من حصد زرعا أو جدّ ثمرة أن يواسي منها من حضره، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١/ ٦]

стр. 8609

وأنه غير الزكاة، لذا نهي عن الحصاد في الليل، لا خشية الحيّات وهوّام الأرض؛ لأن عقوبة أصحاب الجنة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين، كما ذكر الله تعالى. ٣ - دلّ قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ، نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥/ ٢٢]. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه». ٤ - إن الإنسان ضعيف القوة والتدبير والرأي، فلقد أحكم أصحاب الجنة الخطّة، وصمموا على صرام الزرع والثمر أو العنب في الصباح الباكر قبل أن ينتشر المساكين في البساتين، وذهبوا جادين مسرعين، متسارّين، أي يخفون كلامهم ويسرّونه لئلا يعلم بهم أحد قائلين: لا يدخل علينا مسكين، أي لا تمكنوه من الدخول، وعزموا على حرمان المساكين، مع كونهم قادرين على نفعهم، وهم يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، ففوجئوا بتدمير الله وإحراقه الحرث وإتلافه الغلة والثمر. ٥ - ولما رأوا الجنة محترقة لا شيء فيها، قد صارت كالليل الأسود وأضحت كالرماد، شكوا فيها، وقالوا: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تيقنوا منها قالوا: بل نحن محرومون، أي حرمنا جنتنا بما صنعنا. وهذا دليل على أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. ٦ - كان أوسطهم، أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم قد أمرهم بالاستثناء وهو سبحان الله أي تنزيها لله ، فقال لهم: هلاّ تسبّحون الله؛ أي تقولون:

стр. 8610

سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم، وتعلقون الأمر بمشيئة الله، وتتوبون إليه من خبث نيّتكم، فإن الله ينتقم من المجرمين، ولكنهم لم يطيعوه. ثم تذكروا قوله، واعترفوا بالمعصية، ونزّهوا الله عن أن يكون ظالما فيما فعل، وإنما هم الظالمون أنفسهم في منعهم المساكين. ٧ - لام بعضهم بعضا في تدبير الخطة، كشأن كل جماعة تخيب في أمرها، فقال أحدهم لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، وقال الآخر: أنت خوّفتنا بالفقر، وقال الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال. ٨ - أكد أصحاب الجنة اعترافهم بالمعصية، فقالوا: ﴿يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أي عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء، وكان استثناؤهم تسبيحا كما قال مجاهد وغيره، وهو في موضع: «إن شاء الله» لأن المعنى تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. والخلاصة في رأي الأكثرين أن معنى قوله: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ هلا تستثنون، فتقولون: إن شاء الله. ٩ - أعلن أصحاب الجنة توبتهم وأخلصوا نيّتهم في رأي الأكثرين، حين قالوا: ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ فإنهم تعاقدوا وتعاهدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا، فدعوا الله وتضرعوا، فأبدلهم الله، من ليلتهم تلك، ما هو خير منها. والإبدال: رفع الشيء ووضع آخر مكانه. قال مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم، فأبدلوا خيرا منها. ١٠ - هدد الله المكلفين من أهل مكة وغيرهم بقوله: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال، والمعنى: مثلما فعلنا بهؤلاء أصحاب الجنة، نفعل بمن تعدّى حدودنا في الدنيا. ثم خوّف تعالى الكفار بعذاب أشد وهو عذاب الآخرة في قوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 8611

وقال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا ليقتلن محمدا ﷺ وأصحابه، وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الجنة، لما خرجوا عازمين على الصّرام، فخابوا. ١١ - الأظهر كما قال القرطبي: أن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين كان واجبا عليهم. وقيل: يحتمل أنه كان تطوعا. جزاء المتقين وإنكار التسوية بين المطيع والعاصي ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)﴾ الإعراب: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿ما﴾: في موضع رفع مبتدأ، و ﴿لَكُمْ﴾: خبره، و ﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب على الحال ب ﴿تَحْكُمُونَ﴾. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾: إنما كسرت ﴿إِنَّ﴾ لمكان اللام في ﴿لَما﴾ ولولا دخول اللام في ﴿لَما﴾ لكانت مفتوحة؛ لأنها مفعول ﴿تَدْرُسُونَ﴾ وهو كقولهم: علمت أن في الدار لزيدا. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿بالِغَةٌ﴾: صفة ل ﴿أَيْمانٌ﴾. وقرئ: بالغة بالنصب على الحال من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾.

стр. 8612

﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ كسرت ﴿أَيْمانٌ﴾ إما لمكان اللام كما كسرت فيما قبله، أو لأن ما قبله قسم، وهي تكسر في جواب القسم. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف منصوب، وعامله إما ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أو فعل مقدر، تقديره: واذكر يوم. ﴿خاشِعَةً.﴾. حال من ضمير ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أو من ضمير ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ و ﴿أَبْصارُهُمْ﴾: مرفوع بفعله. و ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: جملة فعلية إما منصوبة على الحال، وإما مستأنفة لا موضع لها من الإعراب. البلاغة: ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿كَالْمُجْرِمِينَ﴾ بينهما طباق. ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾؟ والجمل التي بعدها: تقريع وتوبيخ. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ تشبيه مقلوب ليكون أبلغ وأروع؛ لأن الأصل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين في الأجر والثواب. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ كناية عن شدة الهول يوم القيامة. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.﴾. أي في الآخرة. ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ أي في الدرجة والمنزلة في الجنان، وهو إنكار التسوية في نتيجة الإسلام والاجرام، أي بين أهل الطاعة وأهل المعصية، وهو إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا يقولون: إن صح أنّا نبعث كما يزعم محمد ومن معه، لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم، كما نحن عليه في الدنيا. ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد؟ وهو التفات فيه تعجب من حكمهم، واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي. ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ﴾ منزل من السماء. ﴿تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون، و ﴿أَمْ﴾ أي بل ألكم. ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أي لما تختارونه وتشتهونه. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا﴾ عهود مؤكدة بالأيمان. ﴿بالِغَةٌ﴾ متناهية في التوكيد موثّقة. ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي ثابتة لكم علينا إلى هذا اليوم. ﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي تحكمون به لأنفسكم، وهو جواب القسم؛ «لأن معنى ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا﴾: أم أقسمنا لكم. ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي سلهم أيهم كفيل لهم بذلك الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم من

стр. 8613

أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أي بل ألهم أي عندهم شركاء موافقون لهم في هذا القول يكفلون لهم به. ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أي فإن كان لهم شركاء كفلاء فليأتوا بشركائهم الكافلين لهم به. ﴿إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دعواهم. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ أي اذكر لهم حين شدة الأمر يوم القيامة للحساب والجزاء، أي يوم يشتد الأمر، يقال: كشفت الحرب عن ساق: إذا اشتد الأمر فيهما. ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ يطلب منهم السجود توبيخا على تركهم السجود. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لذهاب وقته أو زوال القدرة عليه. ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ أي ذليلة لا يرفعون أبصارهم. ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تغشاهم وتلحقهم. ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾ في الدنيا. ﴿وَهُمْ سالِمُونَ﴾ أصحاء متمكنون لا شيء يمنعهم. المناسبة: بعد تخويف الكفار بعذاب الدنيا في قوله تعالى: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذكر الله تعالى أحوال السعداء، وأبان أن للمتقين جنات النعيم، ثم ردّ على الكفار الذين يزعمون المساواة في الآخرة بينهم وبين المسلمين من غير كتاب إلهي، ولا عهد ممنوح مؤكد بالأيمان، ولا كفلاء في يوم شديد الأهوال، عسير الحساب على الصلاة وغيرها. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ إن لكل من اتقى الله وأطاعه، في الدار الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص الذي لا يزول ولا ينقضي، ولا يكدره شيء. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل، فلا أقل من المساواة. ثم أجاب الله تعالى عن هذا الكلام بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾؟ أي كيف نساوي بين الفريقين في

стр. 8614

الجزاء، فنجعل من يلتزم الطاعة كمن هو فاجر مجرم عاص لا يبالي بمعصيته؟ كلا فلا تسوية بين المطيع والعاصي. ثم نفى الله تعالى وجود كل الأدلة العقلية أو النقلية التي تصلح لإثبات التسوية أو تحقيق الدعوى، فقال: ١ - ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؟ أي كيف تظنون ذلك، وتحكمون هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم؟ إن أبسط مبادئ العقل وأصول الرأي يمنع مثل هذا الظن أو الحكم. وهذا نفي الدليل العقلي. ٢ - ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أي بل ألكم أو بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه، يتضمن حكما مؤكدا كما تدعونه، وتقرؤون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي؟! وهل في ذلك الكتاب أن لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون؟ وهذا نفي الدليل النقلي. ٣ - ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي بل ألكم أو معكم عهود عند الله موثقة مؤكدة ثابتة إلى يوم القيامة في أن يدخلكم الجنة، ويحصل لكم ما تريدون وتشتهون، وينفّذ لكم الحكم الذي تصدرونه؟ وهذا نفي الوعد الإلهي بما توقعوا وظنوا. ٤ - ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي قل لهم يا محمد موبخا لهم ومقرّعا: من هو المتضمن المتكفل بهذا، أو أيهم بذلك كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها؟ ٥ - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ أي بل ألهم شركاء لله بزعمهم من الأصنام والأنداد قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟ فإن كان لهم شركاء، فليأتوا بهم لمناصرتهم إن كانوا صادقين في دعواهم. وهذا نفي التقليد وإبطال جوهر الاعتقاد لدى المشركين.

стр. 8615

والخلاصة: المراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم، ولا نقلي، وهو كتاب يدرسونه، ولا عهد لهم به عند الله، ولا كفيل لهم يتكفل بما يقولون، ولا لهم مؤيد يوافقهم من العقلاء، مما يدل على بطلان دعواهم. ثم تحداهم الله تعالى بالإتيان بالشركاء يوم اشتداد الأمر، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي فليأتوا بشركائهم لإنقاذهم يوم يشتد الأمر ويعظم الخطب في القيامة، وحين يدعى هؤلاء الشركاء وأنصارهم من الكفار والمنافقين إلى السجود توبيخا لهم على تركه في الدنيا، فلا يتمكنون من السجود؛ لأن ظهورهم تيبس وتصبح طبقا واحدا، فلا تلين للسجود. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا». والمراد بقوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ شدة الأمر وعظم الخطب؛ لأن الله تعالى منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحوادث، فليس المراد بالساق الجارحة، وإنما ذلك مؤول بما ذكر. ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، وَهُمْ سالِمُونَ﴾ أي تكون أبصارهم ذليلة خاسئة منكسرة، تغشاهم ذلة شديدة، وحسرة وندامة، وقد كانوا في الدنيا مدعوين إلى الصلاة والسجود لله تعالى، فأبوا وتمردوا وامتنعوا، مع أنهم كانوا سالمين أصحاء، متمكنين من الفعل، لا علل ولا موانع تمنعهم من أداء السجود. قال النخعي والشعبي: المراد بالسجود: الصلوات المفروضة. والخلاصة: أنهم لا يدعون إلى السجود تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا
следующие страницы →