← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

إرسال نوح ﵇ إلى قومه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ الإعراب: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما مفسرة بمعنى (أي) لتضمن الإرسال معنى القول، فلا يكون لها موضع من الإعراب، وإما في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأن أنذر. المفردات اللغوية: ﴿أَنْ أَنْذِرْ﴾ أي بأن أنذر، أو بإنذار. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ﴾ إن لم يؤمنوا. ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم، في الدنيا بالطوفان، وفي الآخرة بنار جهنم. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بيّن الإنذار. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ بأن اعبدوا الله. ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة، فإن الإيمان يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ بلا عذاب. ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أجل مقدر بوقت معلوم لا يتجاوزه، وهو أقصى ما قدر لكم، وهو أجل الموت. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ إن الأجل الذي قدّره. ﴿إِذا جاءَ﴾ على الوجه المقدر به أجلا. ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير. ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك، ولآمنتم. وفيه دلالة على أنهم لانهماكهم في حب الحياة العاجلة، كأنهم شاكون في الموت. التفسير والبيان: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي إنا بعثنا نوحا أول رسول أرسله الله إلى قومه، وقلنا له: أنذر قومك بأس الله قبل أن يأتيهم عذاب شديد الألم، وهو عذاب النار، أو الإغراق بالطوفان، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم.

стр. 8682

﴿قالَ: يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال نوح لقومه: إني منذر من عقاب الله ومخوّف لكم، بيّن الإنذار، واضح الاعلام، أبيّن لكم ما فيه نجاتكم، ومضمون الإنذار: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ، وَاتَّقُوهُ، وَأَطِيعُونِ﴾ أي آمركم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تؤدوا حقوقه، وتمتثلوا أوامره، وتجتنبوا ما يوقعكم في عذابه؛ وتطيعوني فيما آمركم به، فإني رسول إليكم من عند الله ﵎. والتقوى: امتثال الأوامر، واجتناب المحارم والمآثم. والتكليف بهذه الأمور الثلاثة له ثمرتان: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي يستر لكم بعض ذنوبكم، ويسامحكم فيما فرط منكم من الزلاّت، ويمد في أعماركم ويؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدّره الله لكم، إن آمنتم وأطعتم، وهذا وعد على العبادة والطاعة بشيئين: أحدهما-دفع مضار الآخرة: وهو غفران الذنوب، والثاني- تحقيق منافع الدنيا، وهو تأخير الأجل إلى أقصى الإمكان. وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها في العمر حقيقة، كما ورد في الحديث الذي رواه أبو يعلى عن أنس: «صلة الرحم تزيد في العمر». قال الزمخشري: قضى الله مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمّرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم، أهلكهم على رأس تسع مائة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي إلى وقت سماه الله وضربه أمدا تنتهون إليه، لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف (١).

стр. 8683

﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما قدّره لكم إذا جاء، وأنتم باقون على الكفر، لا يؤخر بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة، لو كنتم تعلمون، لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر عن وقته. والمعنى: أن الأجل حتمي لا يؤجل، ولكن له تعلق وارتباط بشيء آخر، ففي حال الإيمان والطاعة يكون الأجل الأطول، ثم لا بد من الموت، وفي حال الكفر والمعصية يكون الأجل الأقصر، ثم يكون الموت. والعاقل هو الذي يبادر إلى الطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر تعالى بالعقاب لا يرد ولا يمانع. وأضاف تعالى الأجل إليه سبحانه؛ لأنه الذي أثبته. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - أرسل الله تعالى رسوله نوحا ﵇ إلى قومه، لينذرهم ويخوفهم إن أصروا على الكفر العذاب المؤلم وهو عذاب النار في الآخرة، وما نزل عليهم من الطوفان في الدنيا. روى قتادة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أول رسول أرسل نوح، وأرسل إلى جميع أهل الأرض». فلذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعا. ٢ - امتثل نوح ﵇ أمر ربه، فبلغ قومه رسالته قائلا: يا قوم إني لكم نذير واضح الإنذار، فمن عصى الله دخل النار، وآمركم أن توحدوا الله وتعبدوه حق العبادة الخالصة له، وأن تخافوه، وأن تطيعوه فيما آمركم به، فإني رسول الله إليكم. والأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب وأفعال الجوارح. والأمر بالتقوى يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات، والطاعة تشمل إطاعة جميع المأمورات والمنهيات.

стр. 8684

فإن التزمتم العبادة والخوف من الله والطاعة لأوامره، غفر لكم بعض الذنوب، وهو ما لا يليق بحقوق المخلوقين، وينسئ في أعماركم. والمعنى: أن الله تعالى كان قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا، بارك في أعمارهم، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. ٣ - إذا جاء الموت المحتم وقوعه لا يؤخر، بعذاب كان أو بغير عذاب. ولو كنتم أيها الناس تعلمون، لعلمتم أن أجل الله إذا جاءكم لم يؤخّر. وهذا زجر لهم عن حب الدنيا، والإعراض عن أحكام الدين أوامره ونواهيه. مناجاة نوح ربه وشكواه إليه ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩) فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠)﴾

стр. 8685

الإعراب: ﴿جِهاراً﴾ منصوب على المصدر ب ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ لأن الجهار أحد نوعي الدعاء، فنصب به، مثل قعدت القرفصاء، أو صفة لمصدر دعا أي دعاء جهارا، أو حال، أي مجاهرا. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾ ﴿يُرْسِلِ﴾: مجزوم لأنه جواب الأمر، بتقدير إن، أي إن تستغفروا ربكم يرسل السماء عليكم مدرارا. و ﴿مِدْراراً﴾: حال من السماء، ولم تؤنث مدرار لأن مفعال في المؤنث يكون بغير تاء، مثل: امرأة معطار ومذكار ومئناث؛ لأنها في معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وحائض وطامث، أي ذات طلاق وحيض وطمث. ﴿أَطْواراً﴾ في موضع الحال. ﴿طِباقاً﴾ إما صفة ل ﴿سَبْعَ﴾ أو منصوب على المصدر. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾ أي في إحداهن. ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ ﴿نَباتاً﴾: منصوب على المصدر، والعامل فيه إما مقدر، تقديره: والله أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا، أو يكون مصدر ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ على حذف الزائد. البلاغة: ﴿لَيْلاً﴾ و ﴿نَهاراً﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿جِهاراً﴾ و ﴿إِسْراراً﴾ وبين ﴿أَعْلَنْتُ﴾ و ﴿أَسْرَرْتُ﴾ وبين ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ و ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾. ﴿جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ مجاز مرسل، إذ المراد رؤوس أصابعهم، من إطلاق الكل وإرادة الجزء. ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ استعارة تبعية في ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ شبه إنشاءهم وخلقهم أطوارا بالنبات الذي ينمو تدريجيا. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً﴾ ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾ ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ ذكر المصدر للتأكيد، وهو ما يسمى بالإطناب. وبين ﴿يُعِيدُكُمْ﴾ و ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ طباق. ﴿مِدْراراً﴾، ﴿أَنْهاراً﴾، ﴿وَقاراً﴾، ﴿أَطْواراً﴾ إلخ سجع مرصع مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ أي إلى الإيمان. ﴿لَيْلاً وَنَهاراً﴾ أي دائما متصلا. ﴿إِلاّ فِراراً﴾ هربا عن الإيمان والطاعة وتفلتا منهما. ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ إلى الإيمان والطاعة. ﴿جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ

стр. 8686

فِي آذانِهِمْ﴾ سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ تغطوا بها لئلا يروني كراهة النظر إلي. والتعبير بصيغة الدعوة أو الطلب للمبالغة. ﴿وَأَصَرُّوا﴾ وأكبوا على الكفر والمعاصي. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان واتباعي. ﴿اِسْتِكْباراً﴾ عظيما. ﴿جِهاراً﴾ بأعلى صوتي. ﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ صوتي. ﴿وَأَسْرَرْتُ﴾ الكلام، أي دعوتهم مرة بعد أخرى، وكرة بعد أولى، على أي وجه أمكنني. وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لتفاوت الوجوه والتفنن في الأسلوب والدعوة. ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ اطلبوا المغفرة من الكفر أو الشرك، بالتوبة من ذلك. ﴿إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ للتائبين. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أي المطر، وكان قد حبس الله عنهم المطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء. ﴿مِدْراراً﴾ غزيرا متتابعا كثير الدور. ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ﴾ لا تخافون أو لا تأملون. ﴿وَقاراً﴾ عظمة وإجلالا وتوقيرا، والمعنى على قوله: «لا تأملون»: مالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب. وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء المشتمل على أدنى الظن مبالغة. ﴿أَطْواراً﴾ جمع طور أي أحوالا وهيئات وعلى مراحل وأدوار في النمو والخلقة، كأنه قال: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال هذه، وهي حال موجبة للإيمان به؟! خلقكم أولا من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم خلق العظام واللحم، ثم أنشأكم خلقا آخر، من طفولة، فشباب، فكهولة. ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ تنظروا. ﴿طِباقاً﴾ متطابقة، بعضها فوق بعض. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾ أي في السموات، وهو في السماء الدنيا. ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ أي كالسراج وهو المصباح المضيء الذي يزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض. ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ أي خلقكم وأنشأكم من الأرض إنشاء، إذ خلق أباكم آدم منها، فاستعير الإنبات للإنشاء؛ لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها﴾ مقبورين. ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ بالبعث والحشر، وأكده بالمصدر، كما أكّد به قوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ للدلالة على أن الإعادة محققة كالبدء، وأنها تكون لا محالة. ﴿بِساطاً﴾ ممهدة منبسطة كالبساط، تتقلبون عليها. ﴿فِجاجاً﴾ واسعة، جمع فج. المناسبة: بعد أن أخبر الله تعالى عن إرسال نوح ﵇ إلى قومه، وامتثاله أمر ربه، ذكر مناجاته لربه وشكواه إليه، أنه دعاهم وأنذرهم، فعصوه وتمردوا عليه، بالرغم من تغيير أساليب الدعوة، والوعد بإنزال الأمطار، والإمداد بالأموال والبنين، وتخصيص الجنات والأنهار، وبالرغم من إقامة الأدلة على عظمة الله

стр. 8687

وقدرته، من خلق الإنسان على أطوار، وخلق السموات السبع الطباق، وتزيينها بالشمس والقمر، وجعل الأرض ممهدة كالبساط. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى أنواع الشكوى من نوح ﵇ على قومه، فقال: - ﴿قالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ أي قال نوح مشتكيا إلى ربه ما لقي من قومه وما صبر عليهم في مدة طويلة هي ألف سنة إلا خمسين عاما: إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان، دعاء دائما متصلا في الليل والنهار، من غير تقصير، امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا عما دعوتهم إليه، وبعدا عنه، أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق، فرّوا منه، وحادوا عنه. ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء: - ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ، جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ، وَأَصَرُّوا، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً﴾ أي وكلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بك، والطاعة لك، سدّوا آذانهم برؤوس أصابعهم، لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه، وغطوا بثيابهم وجوههم لئلا يروني، ولئلا يسمعوا كلامي، واستمروا على الكفر والشرك العظيم، واستكبروا عن قبول الحق استكبارا شديدا، أي استنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له. - ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾ أي إنني نوّعت أساليب الدعوة، فدعوتهم إلى الإيمان والطاعة جهرة بين الناس، أي مجاهرا لهم بها، ثم جمعت في الدعوة بين الإعلان بها والإسرار. والمراد بالآيات أنه كان لدعوته ثلاث مراتب: بدأ بالمناصحة في السر ليلا ونهارا، ففروا منه.

стр. 8688

ثم ثنّى بالمجاهرة؛ لأن النصح بين الملأ تقريع وتغليظ، فلم يؤثر. ثم جمع بين الأمرين: الإسرار والإعلان، كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع. ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الدلالة على تباعد الأحوال، وتفاوت درجة الأسلوب، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. وهذا مشابه لمراحل الدعوة التي قام بها النبي ﷺ في مكة وجزيرة العرب، فكان موقف كفار قريش مماثلا لموقف قوم نوح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت ٢٦/ ٤١]. ثم فسر الدعوة وأبان مضمونها بقوله: ﴿فَقُلْتُ: اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ أي فقلت لهؤلاء القوم: سلوا ربكم غفران ذنوبكم السابقة بإخلاص النية، وتوبوا إلى الله من الكفر والمعاصي، إن ربكم الذي خلقكم وربّاكم كثير المغفرة للمذنبين. وفيه دلالة على أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء، لأن الفقر والقحط والآلام والمخاوف بشؤم المعاصي، فإذا تابوا واستغفروا، زال الشؤم والبلاء، وعاد الخير والنماء. ثم وعدهم على التوبة من الكفر والمعاصي بخمسة أشياء، فقال: ١ - ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ أي إن استغفرتم ربكم يرسل المطر عليكم متتابعا، كثير الدرور والغزارة، فيكثر الخير والخصب والغلال والثمار، ويعم الرخاء والاطمئنان والسعادة والاستقرار، ويمددكم بالأموال الكثيرة ويعطكم الخيرات الوفيرة، ويكثر لكم الذرية والأولاد بسبب الأمن والرفاه والشعور بالاستقرار

стр. 8689

والسعادة، ويجعل لكم البساتين النضرة الخضراء العامرة بالأشجار والثمار والفواكه، ويجعل لكم أنهارا جارية بالماء العذب، التي يكثر بها الزرع والثمر والغلة. وهذا دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، لذا كان مأمورا به في صلاة الاستسقاء، كما أن الآية تدل على أن الإيمان بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة، الخصب والغنى في الدنيا. وبعد الدعوة بالترغيب، وبخهم ولجأ إلى الدعوة بالترهيب قائلا: ٢ - ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ أي مالكم لا تخافون عظمة الله، فتوحدوه وتطيعوه، في حين أنه هو الذي خلقكم على أطوار مختلفة، بدءا من النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام فاللحم، ثم تمام الخلق وإنشاؤكم خلقا آخر، تمرون في دور الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، فكيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة؟ لكن لم يجز الرازي تفسير الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء في اللغة ضد الخوف، ورجح تفسير الزمخشري وهو مالكم لا تأملون لله توقيرا أي تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم. و ﴿لِلّهِ﴾ بيان للموقر. وهذا دليل على وجود الله سبحانه ووحدانيته، معتمد على النظر في النفس الإنسانية، ثم أتبعه بدليل آخر من العالم العلوي، فقال: ٣ - ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً، وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ أي ألم تنظروا فوقكم كيف خلق السموات السبع المتطابقة بعضها فوق بعض، وجعل القمر في السموات، وهو في السماء الدنيا منهن، منوّرا لوجه الأرض، لا حرارة فيه، وجعل الشمس كالمصباح المضيء الذي يزيل ظلمة الليل، وينشر الحرارة والضياء.

стр. 8690

وقدر للقمر منازل وبروجا تدل على مضي الشهور وتدل الشمس على مرور السنين كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ، لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ، ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ، يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس ٥/ ١٠]. ثم ذكر الله تعالى دليلا من العالم الأرض السفلي، فقال: ٤ - ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ أي والله أوجد أباكم آدم من التراب، وجعله ينمو ويكبر كالنبات، وجعل نموكم معتمدا على الغذاء من نتاج الأرض، وتحولها إلى نبات أو حيوان، ثم يعيدكم في الأرض، تموتون، وتتحلل أجزاؤكم، حتى تعود ترابا مندمجا في الأرض، ثم يخرجكم أحياء منها بالبعث يوم القيامة، إخراجا دفعة واحدة، لا إنباتا بالتدريج كالمرة الأولى. قال الزمخشري: أستعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث. ٥ - ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ أي ومن نعمه تعالى على الإنسان أنه جعل لكم الأرض ممهدة كالبساط، وثبّتها بالجبال، وجعلكم تتقلبون في أنحائها بحثا عن الرزق، وأوجد لكم طرقا واسعة بين الجبال وفي الوديان والسهول. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - استمر نوح ﵇ في دعوة قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له طوال ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يفتر ولم يكلّ ولم يملّ ليلا ونهارا، سرا وجهرا، امتثالا لأمر الله وابتغاء لطاعته. ولكنهم بالرغم من هذه المدة الطويلة لم تزدهم دعوته للاقتراب من الحق إلا تباعدا عن الإيمان.

стр. 8691

٢ - ذكر الرازي أن آية: ﴿دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً.﴾. من الآيات الدالة على أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره. ٣ - صور الله تعالى نفور قوم نوح من دعوته إلى العبادة والتقوى والطاعة، لأجل أن يغفر الله لهم بصورة مادية محسوسة، وهي أنه كلما دعاهم إلى سبب المغفرة وهو الإيمان بالله والطاعة له، سدّوا منافذ أسماعهم، لئلا يسمعوا دعاءه وطلبه، وغطّوا بثيابهم وجوههم لئلا يروه، واستكبروا عن قبول الحق استكبارا عظيما. وهذا دليل على وجود الحجاب الكثيف والغطرسة النفسية عن سماع دعوة الحق، وتلك مبالغة تتفق مع أوضاعهم، فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم مع ذلك، صار المانع من السماع أقوى. ٤ - سلك نوح ﵇ في دعوة قومه إلى التوحيد وطاعة الله تعالى مراتب ثلاثة: فبدأ بالمناصحة سرا، ثم ثنى بالمجاهرة، ثم جمع بين الإعلان والإسرار، وتلك سياسة ناجحة، وأسلوب ناجع استنفد فيه كل جهوده، إذا توافر التجاوب مع الدعوة، والتفاعل مع كلام الداعية. ٥ - إن الاشتغال بطاعة الله سبب يوجب زيادة البركة والنماء، وانفتاح أبواب الخيرات، وإدرار الأمطار، وزيادة الغلال، ووفرة الثمار، وقد وعدهم الله على الطاعة بخمسة أشياء: إنزال المطر، والإمداد بالأموال، والبنين، وجعل الجنات (البساتين)، وجعل الأنهار. عن الحسن البصري ﵀: أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له بعض القوم: أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا له الآية: ﴿فَقُلْتُ: اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ.﴾.،

стр. 8692

ويلاحظ أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة، لذا أطمعهم نوح بالخيرات في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها: نَصْرٌ مِنَ اللهِ، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣/ ٦١]. ٦ - آية الاستغفار هذه دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار. قال الشعبي: خرج عمر يستسقي، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت بمجاديح (١) السماء التي يستنزل بها المطر؛ ثم قرأ: ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، إِنَّهُ كانَ غَفّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾. ٧ - رغّبهم نوح بالعباد والطاعة، فقال: ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة؟ أي فلا عذر لكم في ترك الخوف من الله، وقد جعل لكم في أنفسكم آية دالة على توحيده. ثم هددهم ووبخهم بالعذاب إن أعروضا عن دعوته، ثم استدل على وجود الله ووجوب طاعته بما يأتي. ٨ - أقام نوح عليه السالم الدليل على وجود الله وتوحيده وقدرته وعظمته بالنظر في النفس البشرية، والعالم العلوي من السموات والشموس والأقمار، والعالم السفلي من التذكير بكنوز الأرض وخيراتها من معادن ونباتات وحيوانات. فالله سبحانه هو الذي خلق الإنسان في الأصل من التراب، ثم جعل سبب بقاء نوع الإنسان بالتزاوج والتوالد، والعناية بالإنسان في أطوار حياته.

стр. 8693

والله هو الذي خلق السموات السبع المتطابقة بعضها فوق بعض، كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب، وجعل القمر نورا منيرا في سماء الدنيا، والشمس مصباحا مضيئا لأهل الأرض، للتمكن من العمل والتصرف من أجل المعايش. وكما خلق آدم من أديم الأرض كلها، وتناسلت ذريته من بعده، يعيد الله الناس إلى الأرض موتى بالدفن في القبور، ثم يخرجهم منها بالنشور للبعث يوم القيامة. والعودة إلى دلائل الأنفس هنا كالتفسير لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾. والله سبحانه جعل لعباده الأرض مبسوطة لسلوك الطرق الواسعة الميسرة فيها. وقد بدأ هنا بدلائل الأنفس؛ لأن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه وقد يبدأ بدلائل الآفاق؛ لأنها أبهر وأعظم. والخلاصة: أورد الله تعالى على لسان نوح ﵇ أربعة أدلة على التوحيد: الأول- ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ والثاني-خلق السموات والشمس والقمر والثالث-الإنبات من الأرض والرابع-جعل الأرض منبسطة ذات طرق واسعة. أنواع من قبائح قوم نوح وأقوالهم وأفعالهم ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً (٢٤) مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً (٢٧) رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً (٢٨)﴾

стр. 8694

الإعراب: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ.﴾. ﴿وَلَدُهُ﴾ مفرد وقرئ: ﴿وَلَدُهُ﴾ بضم الواو وسكون اللام إما جمع «ولد» أو لغة في «ولد» كنحل ونحل وحزن وسقم وسقم. ﴿وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ ممنوعان من الصرف للتعريف ووزن الفعل. ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ ديار: فيعال من (دار يدور) وأصله: (ديوار) فاجتمعت الياء والواو والسابق منهما ساكن فقلبت الواو ياء وجعلتا ياء مشددة ولا يجوز أن يكون (فعّالا) لأنه لو كان (فعّالا) لوجب أن يقال (دوّار) فلما قيل (ديّار) دل على أنه (فيعال) لا (فعّال). البلاغة: ﴿وَقالُوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً.﴾. إلخ فيها ذكر الخاص بعد العام. وعكسه ذكر العام بعد الخاص في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ وكلاهما من باب الإطناب. المفردات اللغوية: ﴿عَصَوْنِي﴾ فيما أمرتهم به. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي مجموع القوم الأدنياء. ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ وهم الرؤساء أو القادة المنعم عليهم بذلك. ﴿خَساراً﴾ خسرانا في الآخرة. ﴿وَمَكَرُوا﴾ أي الرؤساء، عطف على ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ﴾ والضمير لمن وجمعه للمعنى ﴿كُبّاراً﴾ كبيرا في الغاية، عظيما جدا؛ لأنهم كذبوا نوحا وآذوه ومن اتبعه. ﴿وَقالُوا﴾ للأدنياء السفلة. ﴿لا تَذَرُنَّ﴾ لا تتركن. ﴿وَدًّا﴾ صنم لكلب. ﴿وَلا سُواعاً﴾ صنم لهذيل. ﴿وَلا يَغُوثَ﴾ صنم لغطيف بالجرف عند سبأ، أو لمذحج. ﴿وَيَعُوقَ﴾ لهمدان. ﴿وَنَسْراً﴾ صنم لحمير آل ذي الكلاع. ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ الضمير للرؤساء بأن أمروهم بعبادتهم، أو للأصنام. ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ عطف على ﴿قَدْ أَضَلُّوا﴾ أو على ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾.

стр. 8695

﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ أي من أجل ذنوبهم وآثامهم. ﴿أُغْرِقُوا﴾ أي بالطوفان. ﴿فَأُدْخِلُوا ناراً﴾. وهو عذاب الآخرة أو عذاب القبر. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ أي لم يجدوا غير الله أنصارا يمنعون عنهم العذاب، وهو تعريض لهم باتخاذهم آلهة من دون الله لا تقدر على نصرهم. ﴿دَيّاراً﴾ نازل دار، أي أحدا، وهو مما يستعمل في النفي العام. ﴿إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ من يفجر ويكفر، كان هذا الدعاء بعد الإيحاء إليه. ﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ وكانا مؤمنين. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ منزلي أو مسجدي أو سفينتي إذا كان مؤمنا. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ إلى يوم القيامة. ﴿تَباراً﴾ هلاكا. المناسبة: بعد بيان أنواع الدلائل التي استدل بها نوح ﵇ على توحيد الإله، أعلن نوح عصيان قومه، وحكى عنهم أنواع قبائحهم وأقوالهم وأفعالهم، ومحورها العكوف على عبادة الأصنام والأوثان. ثم ذكر ما يستحقونه من دخول النار في الآخرة، والهلاك في الدنيا بعد دعاء نوح عليهم بذلك، ودعائه بالمغفرة السابغة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات. التفسير والبيان: ﴿قالَ نُوحٌ: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي، وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ أي دعا نوح ﵇ ربه قائلا: يا رب، إن قومي استمروا على عصياني، ولم يجيبوا دعوتي، واتبع الجمهور الرؤساء والكبراء وأهل الثراء، الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة. ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ أي مكروا مكرا عظيما كبيرا، وهو صد الناس عن دعوة نوح إلى الدين الحق وتوحيد الإله، وإغراؤهم السفلة على إيذاء نوح وقتله. ﴿وَقالُوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ

стр. 8696

وَنَسْراً﴾ أي وقال الرؤساء للأتباع للإغراء بمخالفة نوح وعصيان أوامره وأقواله: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وتعبدوا رب نوح، ولا تتركوا بالذات عبادة هذه الأصنام التي انتقلت عبادتها إلى العرب وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر. فكان ودّ لكلب، وسواع لهذيل، ويغوث لغطفان، ويعوق لهمدان، ونسر لحمير آل ذي الكلاع. وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى (١) الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلما ماتوا وجاء آخرون، وسوس إليهم إبليس قائلا: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. وكان عند العرب أصنام أخرى: أهمها اللات لثقيف بالطائف، والعزّى لسليم وغطفان وجشم، ومناة لخزاعة بقديد، وأساف ونائلة وهبل لأهل مكة، وهبل أكبر الأصنام عندهم، فوضع فوق الكعبة. ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً، وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ أي وقد أضل كبراؤهم ورؤساؤهم كثيرا من الناس، وقيل: أضلت الأصنام كثيرا من الناس، فإنه استمرت عبادتها في القرون بين العرب والعجم إلى عهد النبوة، كما قال إبراهيم الخليل في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم ٣٥/ ١٤ - ٣٦]. وناسب ذلك أن يدعو عليهم نوح ﵇ لإضلالهم وضلالهم وكفرهم وعنادهم، فقال: ولا تزد الكافرين إلا حيرة وبعدا عن الصواب، فلا يهتدوا إلى الحق والرشد، وذلك كما دعا موسى ﵇ على فرعون وقومه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٨٨/ ١٠].

стр. 8697

ثم أبان الله تعالى جزاءهم وسبب الجزاء وهو إضلال الناس فقال: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ أي من أجل كثرة سيئاتهم وآثامهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم، أغرقوا بالطوفان، ثم أدخلوا نار الآخرة، فلم يكن أحد يمنعهم من عذاب الله ويدفعه عنهم. ﴿وَقالَ نُوحٌ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ أي لما أيس نوح من إيمانهم، دعا عليهم بعد أن أوحي إليه ذلك، فقال: رب لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا يسكن الديار. ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ أي إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك الذين تخلقهم بعدهم عن طريق الحق، ولا يلدوا إلا كل فاجر في الأعمال بترك طاعتك، كثير الكفران في القلب لنعمتك، لخبرته بهم، ومكثه معهم ألف سنة إلا خمسين عاما. ثم دعا نوح ﵇ لأهل الإيمان، وأعاد الدعاء مرة أخرى على الكفار، قائلا: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ، وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً﴾ أي رب استر علي ذنوبي واستر على والدي المؤمنين برسالتي، واغفر لكل من دخل منزلي وهو مؤمن، ولكل المصدقين بوجودك ووحدانيتك ولكل المصدقات بذلك من الأمم والأجيال القادمة، ولا تزد الذين ظلموا أنفسهم بالكفر إلا هلاكا وخسرانا ودمارا. وقد شمل دعاؤه هذا كل مؤمن وكل ظالم إلى يوم القيامة. روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقى».

стр. 8698

ويستحب مثل دعاء نوح اقتداء به لجميع المؤمنين والمؤمنات من الأحياء والأموات. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لا تجوز الشكوى إلا إلى الله ، ولذا شكى نوح قومه إلى ربه، وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من الإيمان، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، داعيا لهم، وهم على كفرهم وعصيانهم. قال ابن عباس: رجا نوح ﵇ الأبناء بعد الآباء؛ فيأتي بهم الولد بعد الولد، حتى بلغوا سبعة قرون، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا. ٢ - يقلد الناس في العادة قادتهم وكبراءهم، وقد اتبع قوم نوح رؤساءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكا في الآخرة؛ ومكروا مكرا عظيما بصرف الناس الأتباع عن الدين والإيمان، وبإغراء السفلة على قتل نوح ﵇. ٣ - أصرّ قوم نوح على الكفر والعناد والتمرد وعبادة الأصنام، وتواصوا بعبادة الأوثان وترك عبادة الله، ولا سيما عبادة ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهي أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب. ٤ - أكد نوح ﵇ في شكواه أنه أضل كبراء قومه كثيرا من أتباعهم، لذا دعا عليهم بقوله: ولا تزد الظالمين الكافرين إلا عذابا (١) وخسرانا وضلالا عن

стр. 8699

طريق أهل الجنة، أو ضلال مكرهم. وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضبا عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون. ٥ - إن خطايا وذنوب قوم نوح هي السبب في الإغراق بالطوفان ودخول نار جهنم بعد إغراقهم، فلم يجدوا حينئذ أحدا يمنعهم من عذاب الله. ٦ - استدل بعض أهل السنة وهو القشيري بآية ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً﴾ على إثبات عذاب القبر؛ لأن إدخال النار حصل عقيب الإغراق، فلا يحمل على عذاب الآخرة، وإلا بطلت دلالة الفاء على التعقيب، ولأنه قال: ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ على سبيل الإخبار عن الماضي، وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك. ورد الرازي بأن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل؛ لأن المعنى صاروا مستحقين دخول النار، وأما التعبير بقوله: ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ فهو عن المستقبل بلفظ الماضي، لتأكد وقوعه وصحة وجوده (١). ٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ حجة على كل من عول على شيء غير الله تعالى؛ لأن الآية تعريض بالمشركين الذين واظبوا على عبادة الأصنام، لتكون دافعة للآفات عنهم، جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام، وما دفعت عنهم شيئا من عذاب الله. ٨ - دعا نوح على الكفار بالدمار والهلاك بعد أن يئس من اتباعهم إياه، وبعد أن أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود ٣٦/ ١١] فأجاب الله دعوته وأغرق أمته. وهذا كقول النبي ﷺ : «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم». قال ابن العربي: دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي ﷺ على من

стр. 8700

تحزب على المؤمنين وألّب عليهم. وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما؛ لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم، والله أعلم (١). ٩ - دعا نوح أيضا لنفسه ولوالديه، وكانا مؤمنين، ولكل من دخل منزله مؤمنا، أو دخل مسجده ومصلاه مصليا مصدقا بالله تعالى، ولجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات عامّة إلى يوم القيامة. ثم دعا أيضا على الكافرين في مقابلة أهل الإيمان بقوله: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً﴾ أي لا تزد الكافرين إلا هلاكا، وهذا عام في كل كافر ومشرك.

стр. 8701

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الجن مكيّة، وهي ثمان وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة الجن؛ لتعلقها بأحوالهم فإنهم لما سمعوا القرآن، آمنوا به، ثم أبانوا علاقتهم بالإنس، ومحاولتهم استراق السمع، ورميهم بالشهب المحرقة، وغير ذلك من حديث الجن العجيب الذين منهم المؤمن ومنهم الكافر، والجن عالم لا نراه ولا طريق لمعرفة شيء عنه إلا بالوحي الإلهي. ويلاحظ أن تسميات السور تبعث على النظر والتفكير. مناسبتها لما قبلها: ترتبط بالسورة بما قبلها من وجهين: ١ - قال الله سبحانه في سورة نوح: ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾ [١٠ - ١١] وقال تعالى في هذه السورة لكفار مكة: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ [١٦]. ٢ - ذكر في السورتين شيء يتعلق بالسماء، كما ذكر فيهما عذاب العصاة، فقال تعالى في سورة نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [١٥] وقال هنا: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها..﴾. [٨] وقال في السورة المتقدمة: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.﴾. [٢٥] وقال هنا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ [٢٣].

стр. 8702

ما اشتملت عليه السورة: هناك موضوعان بارزان في السورة هما: الإخبار عن حقائق تتعلق بالجن، وتوجيهات للنبي ﷺ في تبليغه الدعوة إلى الناس. افتتحت السورة بالإخبار عن إيمان فريق من الجن بالقرآن العظيم حين سمعوا تلاوته من النبي ﷺ في صلاته في منى بعد عودته من الطائف قبيل الإسراء والمعراج: ﴿قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ.﴾. [الآيات: ١ - ٢] فهو كما قالوا كتاب يهدي إلى الرشد. ثم أبانت تمجيدهم الله وإفرادهم له بالعبادة وتنزيههم له عن اتخاذ الصاحبة والولد، وتسفيههم من جعل لله ولدا وعلاقة الجن بالإنس: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا.﴾. [الآيات: ٣ - ٧]. وأعقبت ذلك بالإخبار عن محاولات الجن استراق السمع من السماء، للتعرف على خبر العالم العلوي، ومنعهم منه لإحاطة السماء بالحرس الملائكي، وإحراقهم بالشهب النارية بعد بعثة النبي ﷺ ، وتعجبهم من هذا الحديث السماوي، وتساؤلهم: هل يراد به تعذيب أهل الأرض: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ.﴾. [الآيات: ٨ - ١٠]. وصرح الجن بعدئذ بانقسامهم إلى فريقين: مؤمنين وكفار، مع تبشير المؤمنين بخير الدنيا والآخرة وعزمها، وإنذار الكافرين المعرضين عن هدي الله وكتابه بالعذاب الشديد: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ﴾ ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ.﴾. [الآيات: ١١ - ١٨]. ووصفوا تجمعهم حول النبي ﷺ حين سمعوه يتلو القرآن: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ.﴾. [الآية: ١٩].

стр. 8703

واشتمل القسم الثاني من السورة على توجيهات للنبي ﷺ بأمره بتبليغ دعوته إلى الناس وإخلاص العمل لله وكونه لا يشرك بربه أحدا، وإعلامه بأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وأنه لا ينجيه أحد من الله إن عصاه، وأنه لا يدري بوقت العذاب: ﴿قُلْ: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.﴾. [الآيات: ٢٠ - ٢٥]. وختمت السورة ببيان استئثار الله واختصاصه بمعرفة علم الغيب، وإحاطته بجميع ما لدى الخلائق وإحصاء أعدادهم: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً.﴾. [٢٦ - ٢٨]. إيمان الجن بالقرآن وبالله تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧)﴾ الإعراب: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ في موضع رفع، نائب فاعل ل ﴿أُوحِيَ﴾ وعطف عليها جميع ما ذكر بعدها وهو اثنا عشر موضعا من لفظ «أنّ» فهو عطف على الموحى به، ويصح الكسر في الجميع عطفا على المقول. ﴿كَذِباً﴾ منصوب على المصدر؛ لأنه نوع من القول، أو صفة لمحذوف أي قولا مكذوبا فيه.

стр. 8704

﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي أنه. وكذا ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ﴾ مخففة من الثقيلة. ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً﴾ سدّ مسدّ مفعولي ﴿ظَنُّوا﴾. البلاغة: ﴿قُرْآناً عَجَباً﴾ وصف بالمصدر للمبالغة، أي عجيبا في إيجازه وإعجازه. ﴿فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ بينهما طباق السلب؛ لأن الإيمان ضدّ الشرك ونفي له. ﴿الْإِنْسُ﴾ و ﴿الْجِنُّ﴾ بينهما طباق. ﴿أَحَداً﴾، ﴿وَلَداً﴾، ﴿رَصَداً﴾، ﴿رَشَداً﴾، ﴿قِدَداً﴾، ﴿صَعَداً﴾، ﴿عَدَداً﴾ إلخ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهو ما يسمى في علم البديع بالسجع المرصع. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ﴾ أيها النبي للناس. ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أخبرني الله تعالى بالوحي. ﴿أَنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن. ﴿اِسْتَمَعَ﴾ لقراءتي القرآن. ﴿نَفَرٌ﴾ النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة. ﴿الْجِنِّ﴾ أجسام عاقلة خفية مخلوقة من النار، والمقصود بهم هنا جن نصيبين، وذلك في صلاة الصبح ببطن نخل: موضع بين مكة والطائف، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية [الأحقاف ٢٩/ ٤٦]. ﴿فَقالُوا﴾ لقومهم لما رجعوا إليهم. ﴿قُرْآناً﴾ كتابا. ﴿عَجَباً﴾ بديعا في حسن نظمه ودقة معناه، يتعجب منه من فصاحته وغزارة معانيه، مباين لكلام الناس. و ﴿عَجَباً﴾: مصدر وصف به القرآن للمبالغة. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ الإيمان والحق والصواب. ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ بالقرآن. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ لما نطق به من الأدلة القاطعة الدالة على التوحيد. ﴿وَأَنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن. ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه من الصاحبة والولد، والمعنى: وصف بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته. والجدّ: العظمة. وقرئ: جدّا بالتمييز، وجدّ بالكسر، أي صدق ربوبيته، كأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقدوه من الشرك واتخاذ الصاحبة والولد. ﴿صاحِبَةً﴾ زوجة. ويحتمل أن يكون المراد من الجدّ: الملك والسلطان أو الغنى، جاء في الحديث: «لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه. ﴿سَفِيهُنا﴾ السفيه: الجاهل ومن عنده خفة وطيش تنشأ عن حمق وجهل. ﴿شَطَطاً﴾ غلوّا في الكذب وتجاوزا حدّ العدل والحق بنسبة الصاحبة والولد إليه. ﴿كَذِباً﴾ بوصفه بذلك، حتى تبينا كذبهم فيما قالوا. ﴿يَعُوذُونَ﴾ يستعيذون أو يطلبون النجاة والعون. ﴿بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ كان الرجل

стр. 8705

إذا أمسى بأرض قفر قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه. ﴿فَزادُوهُمْ﴾ زادوا الجنّ باستعاذتهم بهم. ﴿رَهَقاً﴾ طغيانا وكبرا وعتوا، وأصل الرهق: الإثم وارتكاب المعاصي. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ أي الإنس. ﴿ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيها الجن. ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً﴾ بعد موته. سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿قُلْ: أُوحِيَ..﴾.: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، ولكنه انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: ما هذا إلا لشيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا هذا الذي حدث، فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامة، إلى رسول الله ﷺ ، وهو بنخلة، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، فأنزل الله على نبيّه: ﴿قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن. نزول الآية (٦): ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ.﴾.: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حيان في العظمة عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل، جاء ذئب، فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي، فقال: عامر الوادي، جارك، فنادى مناد، لا نراه يا سرحان، فأتى الحمل

стр. 8706

يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ الآية. وأخرج ابن سعد عن أبي رجاء العطاردي من بني تميم قال: بعث رسول الله ﷺ ، وقد رعيت على أهلي، وكفيت مهنتهم، فلما بعث النبي ﷺ خرجنا هرابا، فأتينا على فلاة من الأرض، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا: إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، من أقرّ بها، أمن على دمه وماله، فرجعنا فدخلنا في الإسلام، قال أبو رجاء: إني لأرى هذه الآية نزلت فيّ وفي أصحابي: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ، فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾. التفسير والبيان: حكى الله عن الجن ستة أشياء وهي: ١ - ﴿قُلْ: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقالُوا: إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ أي قل يا محمد مخبرا أمتك وقومك بأن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدّقوه وانقادوا له، فقد أوحى الله إلي على لسان جبريل ﵇ أنه استمع عدد من الجن إلى قراءتي للقرآن، وهي سورة ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقالوا لقومهم لما رجعوا إليهم: سمعنا كلاما مقروءا مثيرا للعجب في فصاحته وبلاغته، ومواعظه وبركاته. والإيحاء: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، كالإلهام وإنزال الملك، ويكون ذلك في سرعة. والجنّ عالم مستتر عنا، لا نعرف عنه إلا ما أخبر به الوحي، فهم مخلوقون من النار: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر ٢٧/ ١٥]، ولم

стр. 8707

يرسل الله إليهم رسلا منهم، بل الرسل جميعا من البشر، وهم كالبشر منهم المؤمن المثاب، ومنهم الكافر المعاقب. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ.﴾. الآية [الأحقاف ٢٩/ ٤٦]. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ أي إن هذا القرآن يرشد إلى الحق والصواب ومعرفة الله تعالى، فصدقنا به أنه من عند الله، ولن نشرك مع الله إلها آخر من خلقه، ولا نتخذ إلها آخر، وهذا إعلان منهم للإيمان أمام قومهم حين رجعوا إليهم، كما جاء في تتمة آية الأحقاف السابقة: ﴿قالُوا:﴾ ﴿أَنْصِتُوا، فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾. وفي الآية دلالة أن أعظم ما في دعوة محمد ﷺ : توحيد الله تعالى، وخلع الشرك وأهله. وقد آمنت الجن أن القرآن كلام الله، بسماعه مرة واحدة، ولم ينتفع كفار قريش، لا سيما رؤساؤهم، بسماعه مرات، مع كون الرسول ﷺ منهم يتلوه عليهم بلسانهم. ٢ - ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ وأنه ارتفع عظمة ربّنا وجلاله، أو فعله وأمره وقدرته، وأنه تعاظم عن اتّخاذ الصاحبة والولد، كما يقول الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد. والمعنى أنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله، نزهوا الرّب ﷻ حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتّخاذ الصاحبة والولد. وبذلك أثبتوا وحدانية الله وامتناع وجود شريك له ثم أثبتوا له القوة والعظمة، ونزهوه عن الحاجة والضعف باتخاذ الصاحبة والولد، شأن العباد الذين يتعاونون على أمور الحياة بالزوجة للسّكن والألفة، وبالولد للمؤازرة والتكاثر والأنس. ٣ - ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً﴾ أي وإن مشركي الجن

стр. 8708

وجهالهم كانوا قبل إسلامهم يقولون قولا متجاوزا الحدّ، بعيدا عن الصواب، غاليا في الكفر، فهم يكذبون على الله بدعوى الصاحبة والولد وغير ذلك. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم والكفر وغيره من الباطل والزور. ٤ - ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي وأنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله، حينما قالوا بأن له شريكا وصاحبة وولدا، فصدقناهم في ذلك، فلما سمعنا القرآن علمنا بطلان قولهم وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وعرفنا أنهم كانوا كاذبين. وهذا-كما ذكر الرازي-إقرار منهم بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالات بسبب التقليد، وأنهم إنما تخلصوا منها بالاستدلال والاحتجاج. ٥ - ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ أي كنا نرى أن لهم فضلا علينا، فكان بعض الإنس يستعيذ في القفار ببعض الجن، فزادوا رجال الجن طغيانا وسفها وغيّا وضلالا وإثما. وذلك أنه كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح. وقد أدى هذا إلى اجتراء الجن على الإنس وظلمهم. ونظير الآية: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا.﴾. [الأنعام ١٢٨/ ٦]. ٦ - ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً﴾ أي وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن أنه لا بعث ولا جزاء، أو أنه لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا يدعو إلى التوحيد والإيمان بالله ورسله واليوم الآخر.

стр. 8709

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي: ١ - الإخبار عن قصص الجن له فوائد كثيرة أهمها بيان أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية كالإنس، وأن المؤمن منهم يدعو الكافر إلى الإيمان، وأن النبي ﷺ مبعوث إلى العالمين: الإنس والجن وإلى الملائكة تشريفا، وأن يكون إيمانهم بالقرآن باعثا كفار قريش وغيرهم إلى الإيمان به، وأنهم يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا. لكن ظاهر القرآن يدل على أن النّبي ﷺ ما رآهم؛ لقوله تعالى: ﴿اِسْتَمَعَ﴾. وفي صحيح البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجنّ وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ.. إلخ ما ذكر في سبب النزول المتقدم. ففي هذا الحديث دليل على أنه ﷺ لم ير الجن، ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه دليل على أن الجنّ كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر، بسبب الشياطين لما رموا بالشهب، وكان المرميون بالشهب من الجنّ أيضا، لقوله ﷺ في الحديث: «وأرسلت عليهم الشّهب». ومذهب ابن مسعود أنه أمر النبي ﷺ بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم، ويدعوهم إلى الإسلام، وأن النّبي ﷺ رأى الجن قال القرطبي: وهو أثبت؛ روى عامر الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشّعاب، فقلت استطير (١) أو اغتيل، قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجيء

стр. 8710

من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك وطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فقال: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن» فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد وكانوا من جنّ الجزيرة؛ فقال: «لكم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكلّ بعرة علف لدوابكم» فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما، فإنها طعام إخوانكم الجن». قال ابن العربي: وابن مسعود أعرف من ابن عباس؛ لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة (١). وأصل الجن كما قال الحسن البصري: أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا، فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. ٢ - حكى الله عن الجن أشياء: أولا-أنهم لما سمعوا القرآن العجيب في فصاحة كلامه وبليغ مواعظه الهادي إلى مراشد الأمور، قالوا: اهتدينا به وصدّقنا أنه من عند الله، ولن نشرك بربّنا أحدا، أي ولن نعود إلى ما كنّا عليه من الإشراك به. ثانيا-أنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك، نزّهوا ربهم عن الصاحبة والولد، لذا قالوا: عظم الله سبحانه عن أن يكون له صاحبة أو ولد. ثالثا-استنكروا ما كان يقول إبليس والجن قبل إسلامهم من الكذب والغلو في الكفر ومجاوزة الحدّ في الظلم.

стр. 8711

رابعا-حسبوا أن لن يكذب الإنس والجن على الله، فلذلك صدقناهم فيما سلف في أن لله صاحبة وولدا، فلما سمعنا القرآن تبيّنا به الحقّ. خامسا-كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح، فزاد الإنس الجنّ طغيانا وعتوا بهذا التعوذ، حتى قالت الجن: سدنا الإنس والجن. وقيل: ازداد الإنس بهذا فرقا وخوفا من الجن، وقيل: زاد الجنّ الإنس رهقا أي خطيئة وإثما. ويقال بدلا من هذه الاستعاذة: ما جاء في حديث أخرجه أبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن عباس، وقال: غريب جدا: أنه ﷺ قال: إذا أصاب أحد منكم وحشة أو نزل بأرض مجنّة (١)، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها برّ ولا فاجر من شرّ ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن فتن النهار، ومن طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير. سادسا-ظن الإنس كما ظن الجن أن لن يبعث الله الخلق، أو ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة، وكل هذا توكيد للحجة على قريش، فإذا آمن هؤلاء الجن بمحمد، فأنتم أحق بذلك. وعلى هذا يكون الكلام كلام الجن، وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون الكلام من قول الله تعالى للإنس، والمعنى: وأن الجن ظنوا كما ظننتم يا كفار قريش. وعلى كلا التقديرين: دلت الآية على أن الجن كما كان فيهم مشرك ويهودي ونصراني، فيهم من ينكر البعث.

стр. 8712

حكاية أشياء أخرى عن الجن ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧)﴾ الإعراب: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً﴾ ﴿فَوَجَدْناها﴾: فعل وفاعل ومفعول، وإما أن تجعل «وجد» متعدية إلى مفعولين، بمعنى علمناها، وإلها: المفعول الأول، وجملة ﴿مُلِئَتْ﴾ المفعول الثاني، وإما أن تجعل متعدية إلى مفعول واحد، بمعنى أصبناها، وتجعل ﴿مُلِئَتْ﴾ في موضع الحال، بتقدير «قد»، و ﴿حَرَساً﴾: تمييز منصوب. ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة: أنه. ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ ﴿هَرَباً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال، تقديره: ولن نعجزه هاربين. ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ بالعطف على هاء ﴿آمَنّا بِهِ﴾ على تقدير حذف حرف الجر، لكثرة حذفه مع «أنّ» علما بأن العطف على الضمير المجرور لا يجوز. وبكسر إنا بالعطف على قوله:

стр. 8713

﴿فَقالُوا﴾ وما بعده في تقدير الابتداء والاستئناف، قال ابن بحر: كل ما في هذه السورة من «إن» المكسورة المثقلة، فهي حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من «أن» المفتوحة، فهي وحي إلى رسول الله ﷺ . ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي وأنهم. ﴿يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ ﴿عَذاباً﴾ منصوب بتقدير حذف حرف الجر، تقديره: يسلكه في عذاب، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، فنصبه. و ﴿صَعَداً﴾: مصدر وصف به العذاب. البلاغة: ﴿نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ بينهما جناس الاشتقاق. ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ تأدب مع الله بنسبة الخير إلى الله، دون الشر، وبين لفظ «الشر» و «الرشد» طباق في المعنى. ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ استعارة، استعار الطرق للمذاهب المختلفة. ﴿الْمُسْلِمُونَ﴾ و ﴿الْقاسِطُونَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ طلبنا بلوغها واستماع أخبارها. ﴿حَرَساً﴾ حرّاسا من الملائكة، وهو اسم. جمع كالخدم، مفرده حارس. ﴿شَدِيداً﴾ قويا. ﴿وَشُهُباً﴾ نجوما محرقة، جمع شهاب: وهو الشعلة من نار ساطعة. ﴿نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ أي نحاول الاستماع والترصد. ﴿رَصَداً﴾ أي أرصد وهيئ له ليرمي به. ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ بعد استراق السمع. ﴿بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ بحراسة السماء. ﴿رَشَداً﴾ خيرا وصلاحا. ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ﴾ المؤمنون الأبرار بعد استماع القرآن. ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ أي ومنا قوم دون ذلك، أي غير صالحين، فحذف الموصوف. ﴿كُنّا طَرائِقَ﴾ ذوي طرائق، أي مذاهب. ﴿قِدَداً﴾ متفرقة مختلفة، مسلمين وكافرين، جمع قدة، من قدّ: إذا قطع. ﴿ظَنَنّا﴾ علمنا. ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ، فِي الْأَرْضِ، وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ لا نفوته ولا نفلت منه كائنين في الأرض، أينما كنا فيها، أو هاربين منها في السماء، إن طلبنا. ﴿الْهُدى﴾ القرآن. ﴿فَلا يَخافُ﴾ أي فهو لا يخاف. ﴿بَخْساً﴾ نقصا من حسناته. ﴿وَلا رَهَقاً﴾ ظلما بالزيادة في سيئاته. ﴿الْقاسِطُونَ﴾ الجائرون عن طريق الحق وهو الإيمان والطاعة. ﴿تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ قصدوا وتوخوا طريق الحق والهداية ليبلغهم إلى دار الثواب. ﴿حَطَباً﴾ وقودا للنار. ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾

стр. 8714

هي طريق الإسلام. ﴿ماءً غَدَقاً﴾ كثيرا. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنختبرهم فيه كيف يشكرونه. ﴿ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ تذكيره وهو الوحي أو القرآن، أو مواعظه. ﴿يَسْلُكْهُ﴾ ندخله. ﴿عَذاباً صَعَداً﴾ شاقا يعلو المعذّب ويغلبه. سبب النزول: نزول الآية (١٦): ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾: أخرج الخرائطي عن مقاتل في قوله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ قال: نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين. التفسير والبيان: يتابع الحق حكاية أشياء أخرى وهي سبعة أنواع بالإضافة إلى الأنواع الستة المتقدمة، فيصير المجموع ثلاثة عشر نوعا، والأنواع السبعة هي: ٧ - ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ، فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ أي لما بعث النبي ﷺ وأنزل عليه القرآن، طلبنا خبر السماء كما جرت به عادتنا فوجدناها-ملئت حرّاسا أقوياء من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع، ووجدنا أيضا نيرانا من الكواكب تحرق وتمنع من أراد استراق السمع كما كنا نفعل، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧]. فالشهب: انقضاض الكواكب المحرقة للجن عن استراق السمع. أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زاد فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا

стр. 8715

رسول الله ﷺ قائما يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض. والخلاصة: أن الشياطين منعت بعد بعثة النّبي ﷺ من استراق السمع لئلا يسترقوا شيئا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق. ٨ - ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ أي أننا كنا نقعد في السماء مقاعد لاستراق السمع، وسماع أخبار السماء من الملائكة لإلقائها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه عند بعثة رسول الله ﷺ بالشهب المحرقة، فمن يروم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابا مرصدا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه. ٩ - ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ أي وأننا لا نعلم بسبب هذه الحراسة للسماء، أشرّ أو عذاب أراده الله أن ينزله على أهل الأرض، أم أراد بهم ربهم خيرا وصلاحا، بإرسال نبي مصلح. وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل والخير أضافوه إلى الله . وقد ورد في الصحيح: «والشر ليس إليك». ١٠ - ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ أي أخبر تعالى عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم، لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ : كنا قبل استماع القرآن: منّا المؤمنون الأبرار الموصوفون بالصلاح، ومنّا قوم دون ذلك، أي غير صالحين أو كافرين، كنا جماعات متفرقة، وأصنافا مختلفة، وأهواء متباينة. والمراد أنهم كانوا أقساما، فمنهم المؤمن ومنهم الفاسق ومنهم الكافر، كما هي حال الإنس. قال سعيد بن المسيب: كانوا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا.

стр. 8716

١١ - ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ، وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ أي وأننا علمنا أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نفلت من قدرة الله ولا نفوته إن طلبنا وأراد بنا أمرا، سواء كنا كائنين في الأرض أو هاربين منه إلى السماء، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا. ١٢ - ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ، فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ أي وأننا لما سمعنا القرآن، صدقنا أنه من عند الله، ولم نكذب به، كما كذبت به كفرة الإنس، فمن يصدق بربه وبما أنزله على رسله، فلا يخاف نقصانا من حسناته، ولا عدوانا وظلما وطغيانا بالزيادة في سيئاته. ١٣ - ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ، فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ أي وأن بعضنا مؤمنون مطيعون لربّهم يعملون الصالحات، وبعضنا جائرون ظالمون حادوا عن طريق الحق والخير ومنهج الإيمان الواجب، فمن آمن بالله وأسلم وجهه لله بطاعة شريعته، فأولئك قصدوا وتوخوا الطريق الموصل للسعادة، وطلبوا لأنفسهم النجاة من العذاب، وهذا ثواب المؤمنين. ويلاحظ أن القاسط: الجائر عن الحق الناكب عنه؛ لأنه عادل عن الحق، بخلاف المقسط وهو العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، والقاسطون: الكافرون الجائرون عن طريق الحق، من قسط أي جار، والمقسط: القائم بالعدل، من أقسط، أي عدل. ثم ذم الجن الكافرين بقولهم: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ أي وأما الجائرون الحائدون عن منهج الإسلام فكانوا وقودا للنار توقد أو تسعر بهم، كما توقد بكفرة الإنس. وبعد بيان النوع الأول من الموحى به إلى رسوله، ذكر تعالى النوع الثاني الموحى به إليه، فقال:

стр. 8717

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي وأوحي إلي أنه لو استقام الجن والإنس على طريقة الإسلام لأسقيناهم ماء كثيرا، ولآتيناهم خيرا كثيرا واسعا، لنختبرهم أي لنعاملهم معاملة المختبر، فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم، فإن أطاعوا ربّهم أثبناهم، وإن عصوه عاقبناهم في الآخرة، وسلبناهم النعمة، أو أمهلناهم ثم أهلكناهم، كما أبانت الآية التالية: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ أي ومن يعرض عن القرآن أو عن الموعظة، فلا يأتمر بالأوامر ولا ينتهي عن النواهي، يدخله عذابا شاقا صعبا لا راحة فيه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - تغير الحال بعد البعثة النبوية عن الجن، فإنهم كعادتهم طلبوا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، فوجدوها ملئت حفظة، أي ملائكة، ورموا بالشهب: وهي الكواكب المحرقة لهم، منعا من استراق السمع. قال الرازي: والأقرب إلى الصواب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث، إلا أنها زيدت بعد المبعث، وجعلت أكمل وأقوى، وهذا هو الذي يدل عليه لفظ القرآن؛ لأنه قال: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهذا يدل على أن الحادث هو الملء والكثرة، وكذلك قوله: ﴿نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ﴾ أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها (١). ٢ - لم يفهم الجن القصد من تشديد الحراسة على أخبار السماء، فهل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا، أو يرسل إليهم رسولا؟ وهل المقصود من المنع من الاستراق هو إرادة الشر بأهل الأرض، أم الصلاح والخير؟!

стр. 8718

٣ - أخبر الجن عن حقيقتهم قبل البعثة النبوية، فقال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ : إنا كنا قبل استماع القرآن من الصالحون ومنا الكافرون، فكنا فرقا شتى، وأديانا مختلفة، وأهواء متباينة. والمعنى: لم يكن كل الجن كفارا، بل كانوا مختلفين: منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. قال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا. ٤ - علم الجن وأيقنوا أنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه أو يفلتوا منه، سواء أكانوا في الأرض أينما وجدوا فيها، أم صاروا هاربين منها إلى السماء. ٥ - بادر الجن عند سماع القرآن إلى الإيمان بالله تعالى، والتصديق بمحمد ﷺ على رسالته. وهذا دليل على أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن البصري: بعث الله محمدا ﷺ إلى الإنس والجنّ، ولم يبعث الله تعالى قطّ رسولا من الجنّ، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف ١٠٩/ ١٢]. و في الصحيح: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١) أي الإنس والجن. وجزاء الإيمان: أنه لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته. ٦ - كذلك كان الجن بعد استماع القرآن مختلفين، فمنهم من أسلم، ومنهم من كفر، فمن أسلم، فقد طلبوا لأنفسهم النجاة، وقصدوا طريق الحق وتوخّوه، ومن جار عن طريق الحق والإيمان، فإنهم في علم الله تعالى وقود جهنم.

стр. 8719

أنواع أخرى من الموحى به إلى النبي ﷺ وبيان أصول رسالته ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)﴾ الإعراب: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ ﴿أَنَّ﴾: إما في موضع رفع عطفا على قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ أو في موضع جرّ، بتقدير حذف حرف الجر، وإعماله بعد الحذف، أي فلا تدعوا مع الله أحدا؛ لأن المساجد لله، أو في موضع نصب، بتقدير حذف حرف الجر، فلما حذف اتصل الفعل به، فنصبه. ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ ﴿أَنَّ﴾: إما بالفتح عطفا على «أن» المفتوحة ب ﴿أُوحِيَ﴾ أو بالكسر عطفا على «إن» المكسورة بعد «قالوا» والضمير للشأن. ﴿إِلاّ بَلاغاً﴾ إما منصوب على المصدر، ويكون الاستثناء متصلا، وتقديره: إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملتحدا، إن لم أبلغ رسالات ربي بلاغا. وإما منصوب؛ لأنه استثناء منقطع. أي لن يجيرني أحد، لكن إن بلغت، رحمني بذلك. ﴿خالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿مِنَ﴾ في قوله ﴿اللهِ﴾ رعاية للمعنى. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً﴾ ﴿مِنَ﴾: إما استفهامية في موضع رفع مبتدأ، و ﴿أَضْعَفُ﴾: خبره، و ﴿ناصِراً﴾: تمييز منصوب، وإما بمعنى الذي، في موضع نصب على أنها مفعول ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ و ﴿أَضْعَفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: من هو أضعف.

стр. 8720

البلاغة: ﴿ضَرًّا﴾ و ﴿رَشَداً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ مواضع الصلاة مختصة بالله. ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ فلا تعبدوا فيها غيره، بأن تشركوا كما يفعل اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم. ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ هو محمد ﷺ باتفاق الجميع. ﴿يَدْعُوهُ﴾ يعبده ببطن نخلة. ﴿كادُوا﴾ كاد الجن المستمعون لقراءته. ﴿لِبَداً﴾ جماعات، جمع لبدة: والمراد أنهم صاروا متزاحمين حرصا على سماع القرآن. يقال: تلبد القوم: إذا تجمعوا، ومنه قولهم: لبدة الأسد للشعر المتراكم حول عنقه. ﴿قُلْ: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ أعبد ربي إلها واحدا من غير إشراك، فلا داعي للإنكار أو التعجب. ﴿ضَرًّا وَلا رَشَداً﴾ غيا وضررا، ولا نفعا وخيرا. ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ﴾ لن ينفعني ويدفع عني من عذابه شيء إن عصيته. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غيره. ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملتجأ أو ملجأ ألتجئ إليه. ﴿إِلاّ بَلاغاً﴾ تبليغا لرسالاته، وهو استثناء من مفعول ﴿أَمْلِكُ﴾ أي لا أملك لكم إلا البلاغ إليكم أي التبليغ والرسالات، وما بين المستثنى منه والاستثناء اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة، أو مستثنى من قوله ﴿مُلْتَحَداً﴾ أي إن لم أبلغ بلاغا لا أجد ملجأ ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي عن الله. ﴿وَرِسالاتِهِ﴾ معطوف على ﴿بَلاغاً﴾. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي في توحيد الله، فلم يؤمن؛ لأن الكلام فيه. ﴿فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي يدخلونها مقدار خلودهم فيها، وجمع كلمة ﴿خالِدِينَ﴾ رعاية لمعنى الجمع في ﴿مَنْ يَعْصِ﴾. وقوله ﴿اللهِ﴾ مراعاة للفظ ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ أي ما يوعدون به من العقاب في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة بعذاب النار و ﴿حَتّى﴾ ابتدائية فيها معنى الغاية لشيء مقدر قبلها، أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا، أو أنها متعلقة بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند حلول العذاب بهم يوم بدر أو يوم القيامة ﴿مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ من أضعف أعوانا وأقل أعدادا، هو أم هم. سبب النزول: نزول الآية (١٨): ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت
следующие страницы →