← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

١١ - ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ، وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ أي وأننا علمنا أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نفلت من قدرة الله ولا نفوته إن طلبنا وأراد بنا أمرا، سواء كنا كائنين في الأرض أو هاربين منه إلى السماء، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا. ١٢ - ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ، فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ أي وأننا لما سمعنا القرآن، صدقنا أنه من عند الله، ولم نكذب به، كما كذبت به كفرة الإنس، فمن يصدق بربه وبما أنزله على رسله، فلا يخاف نقصانا من حسناته، ولا عدوانا وظلما وطغيانا بالزيادة في سيئاته. ١٣ - ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ، فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ أي وأن بعضنا مؤمنون مطيعون لربّهم يعملون الصالحات، وبعضنا جائرون ظالمون حادوا عن طريق الحق والخير ومنهج الإيمان الواجب، فمن آمن بالله وأسلم وجهه لله بطاعة شريعته، فأولئك قصدوا وتوخوا الطريق الموصل للسعادة، وطلبوا لأنفسهم النجاة من العذاب، وهذا ثواب المؤمنين. ويلاحظ أن القاسط: الجائر عن الحق الناكب عنه؛ لأنه عادل عن الحق، بخلاف المقسط وهو العادل؛ لأنه عادل إلى الحق، والقاسطون: الكافرون الجائرون عن طريق الحق، من قسط أي جار، والمقسط: القائم بالعدل، من أقسط، أي عدل. ثم ذم الجن الكافرين بقولهم: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ أي وأما الجائرون الحائدون عن منهج الإسلام فكانوا وقودا للنار توقد أو تسعر بهم، كما توقد بكفرة الإنس. وبعد بيان النوع الأول من الموحى به إلى رسوله، ذكر تعالى النوع الثاني الموحى به إليه، فقال:

стр. 8717

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي وأوحي إلي أنه لو استقام الجن والإنس على طريقة الإسلام لأسقيناهم ماء كثيرا، ولآتيناهم خيرا كثيرا واسعا، لنختبرهم أي لنعاملهم معاملة المختبر، فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم، فإن أطاعوا ربّهم أثبناهم، وإن عصوه عاقبناهم في الآخرة، وسلبناهم النعمة، أو أمهلناهم ثم أهلكناهم، كما أبانت الآية التالية: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ أي ومن يعرض عن القرآن أو عن الموعظة، فلا يأتمر بالأوامر ولا ينتهي عن النواهي، يدخله عذابا شاقا صعبا لا راحة فيه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - تغير الحال بعد البعثة النبوية عن الجن، فإنهم كعادتهم طلبوا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، فوجدوها ملئت حفظة، أي ملائكة، ورموا بالشهب: وهي الكواكب المحرقة لهم، منعا من استراق السمع. قال الرازي: والأقرب إلى الصواب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث، إلا أنها زيدت بعد المبعث، وجعلت أكمل وأقوى، وهذا هو الذي يدل عليه لفظ القرآن؛ لأنه قال: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهذا يدل على أن الحادث هو الملء والكثرة، وكذلك قوله: ﴿نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ﴾ أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها (١). ٢ - لم يفهم الجن القصد من تشديد الحراسة على أخبار السماء، فهل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا، أو يرسل إليهم رسولا؟ وهل المقصود من المنع من الاستراق هو إرادة الشر بأهل الأرض، أم الصلاح والخير؟!

стр. 8718

٣ - أخبر الجن عن حقيقتهم قبل البعثة النبوية، فقال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ : إنا كنا قبل استماع القرآن من الصالحون ومنا الكافرون، فكنا فرقا شتى، وأديانا مختلفة، وأهواء متباينة. والمعنى: لم يكن كل الجن كفارا، بل كانوا مختلفين: منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. قال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا. ٤ - علم الجن وأيقنوا أنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه أو يفلتوا منه، سواء أكانوا في الأرض أينما وجدوا فيها، أم صاروا هاربين منها إلى السماء. ٥ - بادر الجن عند سماع القرآن إلى الإيمان بالله تعالى، والتصديق بمحمد ﷺ على رسالته. وهذا دليل على أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الإنس والجن. قال الحسن البصري: بعث الله محمدا ﷺ إلى الإنس والجنّ، ولم يبعث الله تعالى قطّ رسولا من الجنّ، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف ١٠٩/ ١٢]. و في الصحيح: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١) أي الإنس والجن. وجزاء الإيمان: أنه لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته. ٦ - كذلك كان الجن بعد استماع القرآن مختلفين، فمنهم من أسلم، ومنهم من كفر، فمن أسلم، فقد طلبوا لأنفسهم النجاة، وقصدوا طريق الحق وتوخّوه، ومن جار عن طريق الحق والإيمان، فإنهم في علم الله تعالى وقود جهنم.

стр. 8719

أنواع أخرى من الموحى به إلى النبي ﷺ وبيان أصول رسالته ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)﴾ الإعراب: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ ﴿أَنَّ﴾: إما في موضع رفع عطفا على قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ أو في موضع جرّ، بتقدير حذف حرف الجر، وإعماله بعد الحذف، أي فلا تدعوا مع الله أحدا؛ لأن المساجد لله، أو في موضع نصب، بتقدير حذف حرف الجر، فلما حذف اتصل الفعل به، فنصبه. ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ ﴿أَنَّ﴾: إما بالفتح عطفا على «أن» المفتوحة ب ﴿أُوحِيَ﴾ أو بالكسر عطفا على «إن» المكسورة بعد «قالوا» والضمير للشأن. ﴿إِلاّ بَلاغاً﴾ إما منصوب على المصدر، ويكون الاستثناء متصلا، وتقديره: إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجد من دونه ملتحدا، إن لم أبلغ رسالات ربي بلاغا. وإما منصوب؛ لأنه استثناء منقطع. أي لن يجيرني أحد، لكن إن بلغت، رحمني بذلك. ﴿خالِدِينَ﴾ حال من ضمير ﴿مِنَ﴾ في قوله ﴿اللهِ﴾ رعاية للمعنى. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً﴾ ﴿مِنَ﴾: إما استفهامية في موضع رفع مبتدأ، و ﴿أَضْعَفُ﴾: خبره، و ﴿ناصِراً﴾: تمييز منصوب، وإما بمعنى الذي، في موضع نصب على أنها مفعول ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ و ﴿أَضْعَفُ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: من هو أضعف.

стр. 8720

البلاغة: ﴿ضَرًّا﴾ و ﴿رَشَداً﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ مواضع الصلاة مختصة بالله. ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ فلا تعبدوا فيها غيره، بأن تشركوا كما يفعل اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم. ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ هو محمد ﷺ باتفاق الجميع. ﴿يَدْعُوهُ﴾ يعبده ببطن نخلة. ﴿كادُوا﴾ كاد الجن المستمعون لقراءته. ﴿لِبَداً﴾ جماعات، جمع لبدة: والمراد أنهم صاروا متزاحمين حرصا على سماع القرآن. يقال: تلبد القوم: إذا تجمعوا، ومنه قولهم: لبدة الأسد للشعر المتراكم حول عنقه. ﴿قُلْ: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ أعبد ربي إلها واحدا من غير إشراك، فلا داعي للإنكار أو التعجب. ﴿ضَرًّا وَلا رَشَداً﴾ غيا وضررا، ولا نفعا وخيرا. ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ﴾ لن ينفعني ويدفع عني من عذابه شيء إن عصيته. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من غيره. ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملتجأ أو ملجأ ألتجئ إليه. ﴿إِلاّ بَلاغاً﴾ تبليغا لرسالاته، وهو استثناء من مفعول ﴿أَمْلِكُ﴾ أي لا أملك لكم إلا البلاغ إليكم أي التبليغ والرسالات، وما بين المستثنى منه والاستثناء اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة، أو مستثنى من قوله ﴿مُلْتَحَداً﴾ أي إن لم أبلغ بلاغا لا أجد ملجأ ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي عن الله. ﴿وَرِسالاتِهِ﴾ معطوف على ﴿بَلاغاً﴾. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي في توحيد الله، فلم يؤمن؛ لأن الكلام فيه. ﴿فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أي يدخلونها مقدار خلودهم فيها، وجمع كلمة ﴿خالِدِينَ﴾ رعاية لمعنى الجمع في ﴿مَنْ يَعْصِ﴾. وقوله ﴿اللهِ﴾ مراعاة للفظ ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ أي ما يوعدون به من العقاب في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة بعذاب النار و ﴿حَتّى﴾ ابتدائية فيها معنى الغاية لشيء مقدر قبلها، أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا، أو أنها متعلقة بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره. ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند حلول العذاب بهم يوم بدر أو يوم القيامة ﴿مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ من أضعف أعوانا وأقل أعدادا، هو أم هم. سبب النزول: نزول الآية (١٨): ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت

стр. 8721

الجن: يا رسول الله، ائذن لنا، فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ، فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾. وروي ذلك أيضا عن الأعمش. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: قالت الجن للنبي ﷺ : كيف لنا أن نأتي المسجد، ونحن ناؤون عنك أي بعيدون عنك أو كيف نشهد الصلاة، ونحن ناؤون عنك، فنزلت: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ الآية. نزول الآية (٢٠): ﴿قُلْ: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي﴾: سبب نزولها كما ذكر الشوكاني: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : إنك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا فنحن نجيرك. نزول الآية (٢٢): ﴿قُلْ: إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي.﴾.: أخرج ابن جرير عن حضرمي أنه ذكر أن جنيا من الجن من أشرافهم ذا تبع قال: إنما يريد محمد أن يجيره الله، وأنا أجيره، فأنزل الله: ﴿قُلْ: إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ﴾ الآية. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن النوع الثالث في هذه السورة من جملة الموحى به، فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ، فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ أي وأوحي إلي أن المساجد مختصة بالله، فلا تعبدوا فيها غير الله أحدا، ولا تشركوا به فيها شيئا. قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم. أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده. وقوله ﴿لِلّهِ﴾ إضافة تشريف

стр. 8722

وتكريم فإن نسبت المساجد لغير الله، فتنسب إليه تعريفا، فيقال: مسجد فلان. وهذا دليل على أن الله تعالى أمر عباده أن يوحدوه في أماكن عبادته، ولا يدعى معه أحد، ولا يشرك به. وقال الحسن البصري: أراد بالمساجد البقاع كلها، قال ﷺ فيما رواه الشيخان والنسائي عن جابر: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا كأنه تعالى قال: الأرض كلها مخلوقة لله تعالى، فلا تسجدوا عليها لغير خالقها. وقال أيضا: من السنة إذا دخل الرجل المسجد أن يقول: لا إله إلا الله؛ لأن قوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ في ضمنه أمر بذكر الله وبدعائه. ثم ذكر الله تعالى النوع الرابع من جملة الموحى فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي وأنه لما قام النبي محمد ﷺ يدعو الله ويعبده، كاد الجن يكونون عليه جماعات متراكمين من الازدحام عليه، لسماع القرآن منه، وتعجبا مما رأوا من عبادته؛ لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله، فالضمير في ﴿كادُوا﴾ للجن، وقيل: الضمير للمشركين. وقال جماعة (١): لما قام رسول الله ﷺ يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم، كادت الإنس من العرب الكفار والجن يتزاحمون عليه متراكمين جماعات ليطفئوا نور الله، ويبطلوا هذا الأمر، فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره ويظهره على من ناوأه، فالضمير في ﴿كادُوا﴾ للإنس والجن. وهذا اختيار ابن جرير وقول قتادة. والأظهر كما ذكر ابن كثير، لقوله تعالى بعده:

стр. 8723

﴿قُلْ: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الذين تجمعوا عليك لإبطال دينك: إنما أدعو ربي، وأعبده وحده لا شريك له، وأستجير به، وأتوكل عليه، ولا أشرك في العبادة معه أحدا. ثم فوض أمر هدايتهم إلى الله، فقال تعالى: ﴿قُلْ: إِنِّي، لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً﴾ أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضررا، ولا أجلب لكم نفعا في الدنيا أو الدين، إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، ليس لي من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله . وفي هذا بيان وجوب التوكل على الله تعالى، والمضي في التبليغ دون مبالاة لتظاهرهم عليه، وتهديده لهم إن لم يؤمنوا به. وأكد الله تعالى ذلك المعنى وهو عجز نبيه عن هدايتهم بإعلان عجزه عن شؤونه وقضاياه، فقال: ﴿قُلْ: إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء القوم: لا يدفع عني أحد عذاب الله إن أنزله بي، ولا نصير ولا ملجأ لي من غير الله أحد، ولا يجيرني من الله ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، فأبلّغ عن الله، وأعمل برسالاته، أمرا ونهيا، فإن فعلت ذلك نجوت، وإلا هلكت، وهذا كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [٦٧/ ٥]. ويصح كون الاستثناء: ﴿إِلاّ بَلاغاً.﴾. من قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً﴾ أي لا أملك لكم إلا البلاغ إليكم. ثم ذكر جزاء العاصين الذين لا يمتثلون موجب التبليغ عن الله،

стр. 8724

فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ أي أنا أبلّغكم رسالة الله، فمن يعص بعد ذلك، فله جزاء خطير، وهو نار جهنم، ماكثين فيها أبدا على الدوام، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وقوله: ﴿أَبَداً﴾ دليل على أن العصيان هنا هو الشرك. ثم هدد الله تعالى المشركين الذين كانوا أقصر نظرا من الجن في عدم الإيمان، بالهزيمة والمذلة، فقال: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ أي ما يزالون على كفرهم، حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرا، أي جندا ينتصر به، وأقل عددا، أهم، أم المؤمنون الموحدون لله تعالى؟ أي بل المشركون لا ناصر لهم إطلاقا، وهم أقل عددا من جنود الله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: ١ - إن المساجد أو مواضع الصلاة وذكر الله، ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين يجب أن تتميز بإخلاص العبادة فيها لله، وبالتوحيد، لذا وبخ الله المشركين بقوله: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام، والتوبيخ يشمل كل من أشرك مع الله غيره. قال مجاهد: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين أن يخلصوا لله سبحانه الدعوة، إذا دخلوا المساجد كلها. وروى ابن عباس عن النبي ﷺ : كان إذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى، وقال: «وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ اللهم أنا عبدك وزائرك،

стр. 8725

وعلى كل مزور حق، وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار». فإذا خرج من المسجد قدّم رجله اليسرى؛ وقال: «اللهم صبّ علي الخير صبّا، ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا، ولا تجعل معيشتي كدّا، واجعل لي في الأرض جدّا» أي غنى. ٢ - لما قام النبي ﷺ داعيا إلى الله تعالى، وعابدا ناسكا، كاد الجن يركب بعضهم بعضا ازدحاما، حرصا على سماع القرآن. وكاد المشركون من العرب يركبون بعضهم بعضا تظاهرا على النبي ﷺ وعلى عداوته، واجتمعوا وتظاهروا على إطفاء النور الذي جاء به. ٣ - قصر النبي ﷺ أصول دعوته على ثلاثة أمور: الأول-عبادة الله وحده دون إشراك أحد معه. الثاني-تفويض أمر الهداية إلى الله تعالى، وإعلان كونه عاجزا عن دفع ضرر عن قومه، أو جلب خير لهم، فلا يملك الكفر والإيمان، ومرد ذلك كله إلى الله تعالى. الثالث-كونه لا مجير له من عذاب الله إن استحقه، ولا ملجأ يلجأ إليه ولا نصير له إن عصى ربه. ٤ - إن طريق الأمان والنجاة للنبي ﷺ هو تبليغ وحي الله، وما أرسل به إلى الناس. ٥ - إن جزاء العاصين لله تعالى ورسوله ﷺ في التوحيد والعبادة هو نار جهنم خالدين فيها أبدا على الدوام. والعصيان: هو الشرك، لقوله تعالى: ﴿أَبَداً﴾.

стр. 8726

٦ - إذا شاهد المشركون ما أوعدهم الله من عذاب الدنيا، وهو في الماضي القتل ببدر، أو عذاب الآخرة وهو نار جهنم، فسيعلمون حينئذ من أهل الجند الأضعف نصرة وأقل عددا، أهم أم المؤمنون؟ علم تعيين الساعة مختص بالله عالم الغيب ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)﴾ الإعراب: ﴿أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ ﴿قَرِيبٌ﴾ مبتدأ، و ﴿ما﴾ فاعل ﴿قَرِيبٌ﴾ بمعنى الذي، وقد سدت مسد خبر المبتدأ، كقولهم: أقائم أخوك، وأ ذاهب الزيدان، وعائد ﴿ما﴾ محذوف، تقديره: أقريب ما توعدونه، ولكن حذف الهاء. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، فلا عائد لها. ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ ﴿مَنِ﴾: إما في موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ وإما في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، أي أنه. ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ ﴿عَدَداً﴾: منصوب على التمييز، وليس بمصدر؛ لأنه لو كان مصدرا، لكان مدغما: (عدّا). وأجاز القرطبي نصبه على المصدر، أي أحصى وعدّ كل شيء عددا، أو نصبه على الحال، أي أحصى كل شيء في حال العدد. المفردات اللغوية: ﴿إِنْ أَدْرِي﴾ أي ما أدري. ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ من العذاب. ﴿أَمَداً﴾ غاية وأجلا لا يعلمه

стр. 8727

إلا هو، والأمد: الزمن البعيد. ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن العباد. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ لا يطلع. ﴿عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ على الغيب المخصوص به علمه. ﴿إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ أي إن الرسول يطلعه الله على بعض الغيب معجزة له. ﴿يَسْلُكُ﴾ يجعل ويقيم. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من بين يدي المرتضى الرسول. ﴿رَصَداً﴾ حراسا وحفظة من الملائكة يحفظونه حتى يبلغه مع بقية الوحي. وأما كرامات الأولياء في المغيبات فتكون تلقيا من الملائكة. ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، أو ليعلم محمد النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبريل والملائكة معه الوحي بلا تحريف وتغيير، و ﴿أَبْلَغُوا﴾ على المعنى الأول: هم الرسول، وعلى الثاني هم الملائكة وروعي بجمع الضمير معنى من (١). ﴿رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ أبلغوا رسالات الله كما هي من غير تغيير. ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أحاط علما بما عند الرسل، وهو عطف على مقدر، أي فعلم ذلك. ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي أحصى عدد كل شيء. سبب النزول: قال مقاتل: إن المشركين لما سمعوا قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ قال النضر بن الحارث: متى يكون هذا اليوم الذي توعدنا به؟ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ: إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآيات. التفسير والبيان: ﴿قُلْ: إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ أي قل أيها الرسول: لست أعلم قرب العذاب الذي يعدكم الله به، فما أدري أقريب وقت الساعة أم بعيد، وهل جعل الله له غاية ومدة؟ فلا يعرف متى يوم القيامة إلا الله وحده. ومضمون الآية أمر من الله تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للناس: إنه لا علم له بوقت الساعة، أي تفويض علم تعيين الساعة إلى الله؛ لأنه عالم الغيب.

стр. 8728

ويؤكده ما جاء في حديث مسلم عن عمر حينما سأل جبريل ﵇ النبي ﷺ قائلا: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ، فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ أي إن الله وحده هو العالم بالمغيبات، فلا يطلع على الغيب (وهو ما غاب عن العباد) أحدا منهم، إلا من ارتضى من الرسل، فإنه يطلعهم على بعض المغيبات، ليكون معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم. وهذا يشمل الرسول الملكي والبشري، كقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢]. ومن أمثلة إخبار الرسل عن المغيبات قول عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران ٤٩/ ٣]. ثم إن الله تعالى يجعل بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا وحفظة من الملائكة، يحرسونه من تعرّض الشياطين لما أظهره الله عليه من الغيب، لضبط الوحي، ويمنعون الشياطين من استراق الغيب، لإلقائه إلى الكهنة. وفي الكلام إضمار وتقدير: إلا من ارتضى من رسول، فإنه يطلعه على غيبه بطريق الوحي، ثم يجعل بين يديه ومن خلفه حرسا من الملائكة أي الرصد. والرصد: الحفظة يحفظون كل رسول من تعرض الجنّ والشياطين. والآية دليل على إبطال الكهانة والتنجيم والسحر؛ لأن أصحابها يدّعون علم الغيب من غير دليل، وهي دليل أيضا على أن الإنسان المرتضى للنبوة قد يطلعه الله تعالى على بعض غيوبه، أما علم الكهنة والمنجمين فهو ظن وتخمين، فلا يدخل في علم الغيب. وأما علم الأولياء وظهور الكرامات على أيديهم فهو إلهامي متلقى من الملائكة، لا يرقى إلى درجة علوم الأنبياء. وتأول الرازي الآية بأنه لا أدري وقت وقوع القيامة، والله عالم الغيب،

стр. 8729

فلا يطلع أحدا على وقت وقوع القيامة، فهو من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد، ثم قال الرازي: لا بد من القطع بأنه ليس مراد الله من هذه الآية ألا يطلع أحدا على شيء من المغيبات إلا الرسل، للأدلة الآتية: أحدها-أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين يخبران بظهور نبينا محمد ﷺ قبل زمان ظهوره، وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم، حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا محمد ﷺ ، فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من الغيب. والثاني-أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة علم التعبير، وأن المعبّر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية في المستقبل، ويكون صادقا فيه. والثالث-أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من بغداد إلى خراسان، وسألها عن الأحوال الآتية في المستقبل، فذكرت أشياء، ثم وقعت على وفق كلامها. والرابع-أنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وليس هذا مختصا بالأولياء، بل قد يوجد في السحرة أيضا من يكون صادقا في أخباره، وإن كان يكذب في أكثر الأخبار، وقد تطابق الأحكام النجومية الواقع وتوافق الأمور. وإذا كان ذلك مشاهدا محسوسا، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه، مما يجر إلى الطعن في القرآن الكريم، وذلك باطل، فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرنا (١). وفي رأيي أن علم الغيب الشامل مقصور على الله ، حتى إن الملائكة كما في سورة البقرة في بدء الخلق، والجن كما في سورة سبأ، والإنس كما في أواخر

стр. 8730

سورة لقمان جردوا من علم الغيب واعترفوا بعدم علمهم بالغيب، وأما هذه الوقائع التي أوردها الرازي فقد تقع بالإلهام سواء للصالح أو غير الصالح. ثم ذكر الله تعالى علة حفظه الرسل، فقال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي إنه تعالى يحفظ رسله بالملائكة، ليعلم الله علم ظهور وانكشاف في الواقع القائم أن هؤلاء الرسل قد بلغوا الرسالات الإلهية كما هي دون زيادة ولا نقصان. ويصح أن يكون المعنى: ليعلم نبي الله أن جبريل ومن معه من الملائكة قد بلّغت عن الله الوحي تماما من غير تغيير ولا تبديل، وأن الملائكة حفظوا الوحي حتى أوصلوه تاما إلى الرسل من البشر. ويكون المراد بالمعنى الأول أن الله يحفظ رسله بملائكته، ليتمكنوا من أداء رسالاته ويحفظ ما ينزله إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢] وكقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت ١١/ ٢٩] إلى أمثال ذلك من العلم، بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة، فيكون القصد بما جاء في القرآن من تعليل لعلم الله، إنما هو علم ظهور لا علم بداء، فإنه تعالى عالم بالأشياء أزلا، وإنما يظهر علمه لعباده (١). لذا أكد تعالى هذا المعنى بقوله: ﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ، وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي إنه تعالى أحاط علما بما عند الرصد من الملائكة، أو بما عند الرسل المبلغين لرسالاته، وبما لديهم من الأحوال، فهو عالم بكل شيء كان أو سيكون، وعالم بكل الأحكام والشرائع، ثم عمم العلم بقوله: ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ أي ضبط كل شيء معدودا محصورا، دون مشاركة أحد من الملائكة وسائط العلم.

стр. 8731

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - لا يعلم الغيب أحد سوى الله تعالى، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأطلعهم الله على ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم ممن ارتضاه من رسول. أما المنجم ونحوه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير، فهو كافر بالله، مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. لكن قد يصادف الواقع إخبار هؤلاء المنجمين ونحوهم عن بعض الوقائع في المستقبل، اعتمادا على بعض الدلالات والقرائن والحسابات، ولكن هذا لا يصلح قاعدة عامة، ولا مبدأ مطردا لا يخطئ؛ فإن العلم بالغيب المختص بالله هو العلم الشامل الصادق في كل الأحيان. كما أن الله تعالى يظهر أحيانا بعض الكرامات بالإلهام على يد بعض أوليائه المخلصين، فيخبرون عن وقوع بعض الوقائع في المستقبل. وهذا ثابت بالأمثلة الكثيرة قديما وحديثا، وأيده العلم الحديث، ولكن لا يصح اعتبار ذلك صنعة أو حرفة أو حكما في الأمور؛ لأن مرجع ذلك كله إلى الله تعالى ومشيئته ومراده، لا إلى خبرة ثابتة أو إلى تصرف الإنسان حسبما يريد. ٢ - يحفظ الله رسله ووحيه من استراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة، قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا: هذا شيطان فاحذره. وإن جاءه الملك قالوا: هذا رسول ربّك. ٣ - لقد أخبر الله تعالى نبيه محمدا بحفظه الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا

стр. 8732

على مثل حالته من التبليغ بالحق والصدق، أو ليعلم أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه. وقال الزجاج: أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [التوبة ١٦/ ٩] أي ليعلم الله ذلك علم مشاهدة، كما علمه غيبا. ٤ - أحاط علم الله سبحانه بما عند الرسل وما عند الملائكة، وأحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه، فلم يخف عليه منه شيء، فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء.

стр. 8733

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المزمل مكيّة، وهي عشرون آية. تسميتها: سميت سورة المزمّل أي المتلفف بثيابه؛ لأنها تتحدث عن النبي ﷺ في بدء الوحي، ولأنها بدئت بأمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يترك التزمل: وهو التغطي في الليل، وينهض إلى تبليغ رسالة ربه . مناسبتها لما قبلها: يظهر تعلق السورة بما قبلها من وجهين: ١ - ختمت سورة الجن ببيان تبليغ الرسل رسالات ربهم، وافتتحت هذه السورة بأمر خاتمهم بالتبليغ والإنذار، وهجر الراحة في الليالي. ٢ - أخبر الله تعالى في السورة المتقدمة عن ردود فعل دعوة النبي ﷺ بين قومه والجن في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ ثم أمره الله تعالى في مطلع هذه السورة بالدعوة في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾. ما اشتملت عليه السورة: تتناول السورة الإرشادات الإلهية الموجهة للنبي ﷺ في مسيرته أثناء تبليغ دعوته، وتهديد المشركين المعرضين عن قبول تلك الدعوة.

стр. 8734

وقد ابتدأت بأمره ﷺ بقيام الليل إلا قليلا منه، وبترتيل القرآن لتقوية روحه: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [١ - ٤] فكان ذلك بيانا لمقدار ما يقوم به في تهجده الذي أمره الله به بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧]. ثم أخبرت عن ثقل الوحي وتبعة رسالته العظمى التي كلّف بها، وأمره بذكر ربه ليلا ونهارا، وإعلان توحيده، واتخاذه وكيلا في كل أموره: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [الآيات ٥ - ٩]. وأردفت ذلك بالأمر بالصبر على أذى المشركين، من القول فيه بأنه ساحر أو شاعر، أو في ربه بأن له صاحبة وولدا، وبالهجر الجميل إلى أن ينتصر عليهم وبتهديدهم بسوء العاقبة: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ.﴾. [الآيات ١٠ - ١٩]. وختمت السورة بإعلان تخفيف القيام لصلاة الليل عن الرسول ﷺ إلى مقدار الثلث وجعله الحد الأدنى رحمة به وبأمته ليتمكن هو وأصحابه من الراحة والتفرغ في النهار لشؤون الدعوة والتبليغ، والاكتفاء بتلاوة ما تيسر من القرآن، وأداء الصلاة المفروضة، وإيتاء الزكاة، ومداومة الاستغفار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ.﴾. [الآية ٢٠]. إرشاد النبي ﷺ في بدء الدعوة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠)﴾

стр. 8735

الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أصله (المتزمل) إلا أنه أبدلت التاء زايا، وأدغمت الزاي في الزاي، وذلك أولى من إبدالها تاء؛ لأن الزاي فيها زيادة صوت، وهي من حروف الصفير، وهي أبدا يدغمون الأنقص في الأزيد. ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ.﴾. الليل في رأي الكوفيين مفعول به، وفي رأي البصريين: ظرف لفعل القيام، ولو استغرقه الحدث، أي إرادة جميع أجزاء الليل حتى يصح الاستثناء بقوله: ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ فإن الاستثناء معيار العموم، و ﴿نِصْفَهُ﴾: بدل من الليل، أو ظرف آخر، و ﴿قَلِيلاً﴾: استثناء منه، وقد قدّم المستثنى على المستثنى منه، وهو قليل، وتقديره: قم الليل نصفه إلا قليلا. ﴿أَشَدُّ وَطْئاً﴾ تمييز منصوب. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ﴿تَبْتِيلاً﴾: منصوب على المصدر من غير فعله؛ لأن ﴿تَبْتِيلاً﴾ تفعيل إنما تجيء في مصدر فعّل، مثل رتّل ترتيلا، وقتّل تقتيلا، وهنا جاء ل (تفعّل) وقياسه أن يجيء على وزن التفعل وهو التبتل، إلا أنهم قد يجرون المصدر على غير فعله، لمناسبة بينهما. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ﴿رَبُّ﴾: يقرأ بالجر على البدل من ﴿رَبِّكَ﴾ وبالرفع على تقدير مبتدأ محذوف تقديره: هو رب المشرق. البلاغة: ﴿اُنْقُصْ﴾ .. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿النَّهارِ﴾ و ﴿اللَّيْلَ﴾ وبين ﴿الْمَشْرِقِ﴾ و ﴿الْمَغْرِبِ﴾. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ فيهما تأكيد الفعل بالمصدر.

стр. 8736

المفردات اللغوية: ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ المتزمل: المتلفف بثيابه. ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ أي قم إلى الصلاة، أو داوم عليها. ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ أي انقص من النصف قليلا إلى الثلث، والمراد به التخيير بين قيام النصف والناقص منه والزائد عليه. ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ إلى الثلثين، و ﴿أَوْ﴾ للتخيير. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ اقرأه على تؤده وتثبت في تلاوته، مع تبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدّها. ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ قرآنا شاقا شديدا أو مهيبا، لما فيه من التكاليف الشاقة، لكن مشقة معتادة مألوفة، لا مشقة زائدة غير معتادة. ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ما ينشأ فيه ويحدث ويتجدد، وهو القيام إلى الصلاة بعد النوم. ﴿أَشَدُّ وَطْئاً﴾ أي مواطأة وموافقة، يوافق السمع فيها القلب على تفهم القرآن. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أبين وأسد مقالا، أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات. ﴿سَبْحاً طَوِيلاً﴾ تقلبا في مهامك واشتغالا بها، فعليك بالتهجد؛ لأن مناجاة الحق تستدعي فراغا، ولا تفرغ في أثناء النهار لتلاوة القرآن والعبادة. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي دم على ذكره ليلا ونهارا، وذكر الله يتناول كل ما يذكر به من تسبيح وتهليل وتمجيد وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي انقطع إلى الله بالعبادة، وجرّد نفسك عما سواه. ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ فوض كل أمورك إليه. ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ اصبر على أذى كفار مكة. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ بأن بجانبهم وتداريهم ولا تعاتبهم وفوض أمرهم إلى الله، فالهجر الجميل: هو ما لا عتاب معه. سبب النزول: نزول الآية (١ - ٢): ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾: أخرج الحاكم عن عائشة قالت: لما أنزلت ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ قاموا سنة حتى ورمت أقدامهم، فأنزلت: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وأخرج ابن جرير مثله عن ابن عباس غيره. وقال ابن عباس: كان هذا في ابتداء الوحي إليه، فإنه لما سمع قول الملك ونظر إليه، أخذته الرّعدة، فأتى أهله، فقال: «زمّلوني زمّلوني».

стр. 8737

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي، فلم أر شيئا، فرفعت رأسي، فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت (فزعت) منه رعبا، فرجعت فقلت: دثّروني دثّروني». وفي رواية: «فجئت أهلي، فقلت: زمّلوني زمّلوني»، فأنزل الله: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ وقال جمهور العلماء: وعلى إثرها نزلت ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾. وعلى هذا يكون سبب النزول هو ما عراه ﷺ من الرعب والفزع عند رؤية الملك، وتكون حادثة التزمل هي حادثة التدثر بعينها. وقيل: إن تزمله ﷺ كان لأسفه وحزنه، لمّا بلغه ما كان من المشركين وما دبروه من القول السيء يدفعون به دعوته، فقد أخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر ﵁ قال: اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا: سمّوا هذا الرجل اسما تصدر الناس عنه، فقالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر، قالوا: يفرق بين الحبيب وحبيبه، فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل ﵇، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. التفسير والبيان: خاطب الله تعالى النبي ﷺ بالآيات التالية حينما كان يتزمل بثيابه أول ما جاءه جبريل بالوحي خوفا منه، فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: «زمنوني، دثّروني» ثم بعد ذلك خوطب بالنبوة والرسالة وأنس بجبريل.

стр. 8738

﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي يا أيها النبي المتزمل المتلفف بثيابه انقض لصلاة الليل وهي صلاة التهجد بمقدار نصف الليل، بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. وهذا تخيير بين الثلث والنصف والثلثين. والليل: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وفيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين. أخرج أحمد ومسلم عن سعد بن هشام قال: «قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ هذه السورة: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ ، وأصحابه حولا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خلقتها في السماء اثني عشر شهرا، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضه». وبعد الأمر بقيام الليل أمره تعالى بترتيل القرآن قائلا: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي اقرأ القرآن على تمهل، مع تبيين الحروف، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وقوله: ﴿تَرْتِيلاً﴾ تأكيد في الإيجاب، وأنه لا بد للقارئ منه، ليستحضر المعاني. والترتيل: هو أن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع. وكذلك كان صلوات الله وسلامه عليه يقرأ، قالت عائشة ﵂: كان يقرأ السورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ ، فقال: كانت مدا، ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. ووردت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، منها ما رواه الحاكم وغيره عن البراء: «زيّنوا القرآن بأصواتكم»

стр. 8739

وحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وحديث البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى «لقد أعطيت هذا مزمارا من مزامير آل داود» يعني أبا موسى الأشعري ﵁، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبّرته لك تحبيرا. وروى البغوي عن ابن مسعود قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذّوه (لا تسرعوا به) هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة. وروى العسكري في كتابه المواعظ عن علي كرم الله وجهه مثل هذه العبارة. وسئلت عائشة عن قراءة النبي ﷺ فقالت: لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها (١). ثم نبّه الله تعالى إلى عظمة القرآن وما جاء فيه من تكاليف لتأكيد الأمر بالترتيل، فقال: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ أي إننا سنوحي إليك القرآن وسننزله عليك، وفيه التكاليف الشاقة على البشر، والأوامر والنواهي الصعبة على النفس، من الفرائض والحدود، والحلال والحرام، وهو قول ثقيل يثقل العمل بشرائعه. قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقال الحسين بن الفضل: ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزيّنة بالتوحيد. وقد يراد أنه ثقيل في الوحي، ففي الموطأ والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة أنه ﷺ سئل: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا.

стр. 8740

ثم أبان الله تعالى علة الأمر بقيام الليل (التهجد) فقال: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي إن قيام الليل، وهو الذي يقال له: ناشئة إذا كان بعد نوم، أشد موافقة ومصادفة للخشوع والإخلاص وتوافق القلب واللسان، فذلك يتجلى في هدوء الليل أكثر من أي وقت آخر، وهو أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها، وأسدّ مقالا وأثبت قراءة، لحضور القلب فيها وأكثر اعتدالا واستقامة على نهج الحق والصواب؛ لأن الأصوات فيها هادئة، والدنيا ساكنة، أما النهار فهو وقت الانشغال بالأعمال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ أي إن لك في وقت النهار تقلبا وتصرفا في حوائجك ومصالح الحياة، فلا تتفرغ فيه للعبادة، فصل بالليل. ولكن لا ينبغي الانشغال عن ذكر الله بأي حال نهارا أو ليلا، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي أكثر من ذكر الله، وداوم عليه إن استطعت ليلا ونهارا، وأخلص العبادة لربك، وانقطع إلى الله انقطاعا بالاشتغال بعبادته، والتماس ما عنده إذا فرغت من أشغالك وحوائجك الدنيوية، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح ٧/ ٩٤ - ٨] أي إذا فرغت من أشغالك فأتعب نفسك في طاعة ربك وعبادته، لتكون فارغ البال، واجعل رغبتك إلى الله وحده. ثم أبان الله تعالى سبب الأمر بالعبادة، والباعث على التبتل، فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ أي إن ربك الذي تذكره، وتتفرغ لعبادته هو الجدير بالعبادة، فهو المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة، فأفرده بالتوكل، واجعله وكيلا لك في جميع الأمور، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

стр. 8741

هود ١٢٣/ ١١ وقال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥/ ١]. وقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ إشارة إلى كماله تعالى في ذاته، والكمال محبوب لذاته. وفيه دليل على أن من لم يفوض كل الأمور إلى ربه لم يكن راضيا بألوهيته، ولا معترفا بربوبيته. وفيه تسلية للنبي ﷺ أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين. ثم أمره ربه بالصبر على الأذى فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ، وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ أي اصبر أيها الرسول على أذى قومك وما ينالك من السب والاستهزاء، ولا تجزع من ذلك، ولا تتعرض لهم ولا تعاتبهم ودارهم، كما جاء في آيات أخرى منها: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم ٢٩/ ٥٣]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - فرضية التهجد: يدل ظاهر توجيه الخطاب إلى النبي ﷺ خاصة، وأمره بقيام الليل، ووصفه بالتزمل أن التهجد كان فريضة عليه، وأن فرضيته كانت خاصة به. وهذا رأي أكثر العلماء؛ لأن الندب والحضّ لا يقع على بعض الليل دون بعض؛ لأن قيامه ليس مخصوصا به وقتا دون وقت. وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧] فإن قوله: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه ﷺ . وليس معنى النافلة في هذه الآية: التطوع، فإنه لا يكون خاصا به ﵊، بل معناه أنه شيء زائد على ما هو مفروض على غيره من الأمة.

стр. 8742

وقيل: كان التهجد فرضا على النبي ﷺ وعلى أمته، ثم نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج. وقيل: إن التهجد كان نافلة، لا مفروضا، لقوله تعالى: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ ولأن حمل الأمر: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ على الندب أولى؛ لأنه متيقن، فإن أوامر الشريعة تارة تفيد الوجوب، وتارة تفيد الندب، فلا بد من دليل آخر على الوجوب كالتوعد على الترك ونحوه، وليس هذا متوفرا هنا. ويرد عليه بأن المختار في علم الأصول في الأوامر حملها على الوجوب أو الإلزام إلا بقرينة تصرفه عن ذلك إلى الندب أو الإباحة. ولأنه تعالى ترك تقدير قيام الليل إلى النبي ﷺ وخيره بين النصف أو أقل منه أو أكثر، ومثل هذا لا يكون في الواجبات. ويرد عليه بأنه قد يكون الواجب مخيرا بين أمور ثلاثة كالكفارة. والراجح هو أن التهجد نسخ عن الأمة وحدها، وبقي وجوبه على النبي ﷺ ، بدليل آية الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾. وربما كان العمل بحديث سعد بن هشام بن عامر السابق صحيحا: وهو نسخ الوجوب مطلقا وصيرورة التهجد (أو قيام الليل) تطوعا، تخفيفا وتيسيرا، والناسخ هو الصلوات الخمس، وأما آخر سورة المزمل الذي نزل بعد أولها بنحو عام كما في بعض الآثار، فقد نسخ المقدار الذي بيّن في أولها، دون نسخ أصل وجوب التهجد. والمقدار المذكور في أول السورة: هو نصف الليل أو أنقص منه قليلا إلى الثلث، أو الزيادة عليه إلى الثلثين. ٢ - وجوب ترتيل القرآن: لا خلاف في أنه يقرأ القرآن بترتيل على مهل، وتبيين حروف، وتحسين مخارج، وإظهار مقاطع، مع تدبر المعاني. والترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام.

стр. 8743

والخلاف في التغني به وتلحينه فقال بكراهته جماعة منهم الإمامان مالك وأحمد، وأجازه جماعة آخرون منهم الإمامان أبو حنيفة والشافعي، ولكل فريق أدلة (١). استدل المجيزون بما يأتي. أولا- ما أخرجه أبو داود والنسائي عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم». ثانيا- ما أخرجه مسلم من قوله ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». ثالثا- ما رواه البخاري عن عبد الله بن مغفّل قال: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجّع في قراءته. رابعا-ما روي أن رسول الله ﷺ استمع لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبّرته لك تحبيرا. وقال النبي ﷺ لما سمعه: «إن هذا أعطي مزمارا من مزامير داود». خامسا- ما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما أذن الله لشيء كإذنه-استماعه (٢) -لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن». سادسا-إن الترنم بالقرآن من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء، وهو أوقع في النفس وأبلغ في التأثير. واحتج المانعون بما يأتي: أولا- ما رواه الترمذي في نوادر الأصول عن حذيفة بن اليمان عن

стр. 8744

رسول الله ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق، فإنه يجيء من بعدي أقوام يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» فهذا نعي على الترجيع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح. ثانيا- ما روي عنه ﷺ أنه ذكر أشراط الساعة، وذكر أشياء، منها: أن يتخذ القرآن مزامير، وقال: «يقدّمون أحدهم، ليس بأقرئهم ولا أفضلهم ليغنيهم غناء». ثالثا- أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب، فقال النبي ﷺ : «إن الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلا سمحا، وإلا فلا تؤذن» فقد كره النبي ﷺ أن يطرب المؤذن في أذانه، مما يدل على كراهة التطريب في القراءة بالأولى. رابعا-أنكر أنس بن مالك على زياد النميري حينما قرأ ورفع صوته وطرب، وقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون. خامسا-إن التغني والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه؛ لأنه يقتضي مد ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف الواحد حروفا كثيرة، وهو لا يجوز. كما أن التلحين يلهي النفس بنغمات الصوت، ويصرفها عن تدبر معاني القرآن. والحق التوسط في الأمر، فإذا كان التلحين والتطريب يغير من ألفاظ القرآن، ويخل بطرق الأداء، أو كان تكلّفا وتصنعا يشبه توقيعات الموسيقى، فهو ممنوع وحرام. أما إذا كان تحبيرا وترقيقا وتحزينا يؤدي إلى اتعاظ القارئ، وكمال تأثره بمعاني القرآن، فلا دليل على المنع، بل الأدلة تجيزه.

стр. 8745

٣ - ثقل القرآن والوحي: القرآن ثقيل شديد بما اشتمل عليه من تكاليف شاقة على النفس، وفرائض وحدود صعبة على الإنسان. والوحي أيضا ذو تأثير كبير على القلب والنفس، كما جاء في خبر عائشة ﵂ المتقدم، وأخرج أحمد وابن جرير وغيرهما عن عائشة أيضا: «أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها-يعني صدرها-على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرّى عنه» أي الوحي. ٤ - ناشئة الليل: إن أوقات الليل وساعاته أو العبادة الناشئة في الليل، أو النفس الناشئة في الليل الناقضة من مضاجعها للعبادة أشد وطأ، أي أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب واللسان، وأكثر مصادفة للخشوع والإخلاص وأسدّ مقالا وأثبت قراءة، بسبب سكون الليل، وراحة النفس من الضوضاء والعناء، والبعد عن الرياء والمباهاة، أو حبّ اطلاع الآخرين على الطاعة والعبادة، وشدة الاستقامة والاستمرار على الصواب؛ لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلّي ما يقرؤه. ٥ - مشاغل النهار: الإنسان مشغول عادة بحاجاته ومصالحه المعيشية في النهار، فلا يتفرغ عادة للعبادة، وإنما الفراغ موجود في الليل. ٦ - ذكر الله والتبتل: المؤمن مأمور بالاستكثار من ذكر الله وأسمائه الحسنى، وبالمداومة على التسبيح والتحميد والتهليل وقراءة القرآن، دون أن يشغله شاغل في الليل والنهار، وهو مطالب أيضا بأن يجعل همه كله في إرضاء ربه، وتجريد نفسه عن التعلق بغيره، والاستغراق في مراقبته في جميع أعماله. ويكون أشرف الأعمال عند قيام الليل: ذكر اسم الرب، والتبتل إليه، وهو الانقطاع إلى الله بالكلية.

стр. 8746

وليس المراد الانقطاع عن أعمال النهار، والعكوف على الذكر والعبادة، فهذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ بل المراد التنبيه إلى أنه ينبغي ألا يشغله السّبح في أعمال النهار عن ذكر الله تعالى. والتبتل: الانقطاع إلى عبادة الله ، أي انقطاع الإنسان بعبادته إلى ربه، دون أن يشرك به غيره، وليس المعنى الانقطاع عن مشاغل الحياة لكسب المعيشة من طرق عزيزة كريمة، لا يكون فيها الإنسان عالة على غيره. فقد ورد في الحديث النهي عن التبتل بمعنى الانقطاع عن الناس والجماعات. وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٨٧/ ٥] وهذا يدل على كراهة من تبتّل، وانقطع عن الناس، وسلك سبيل الرهبانية. والخلاصة: التبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة؛ كما قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيّنة ٥/ ٩٨]. والتبتل المنهي عنه: هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع. ٧ - إفراد الله بالتوكل عليه: كما أن المؤمن مطالب بإفراد الله بالعبادة، مطالب أيضا بإفراده بالتوكل عليه، فمن علم أن الله رب المشارق والمغارب، انقطع بعمله وأمله إليه، وفوّض جميع أموره إليه، فهو القائم بأمور العباد، الكفيل بما وعد. ٨ - الصبر على الأذى في سبيل الدعوة: أمر الله نبيه بأن يصبر من أجل دعوته على الأذى والسب والاستهزاء من سفهاء قومه الذين كذبوه، وبألا يتعرض لهم، ولا يعاتبهم ويداريهم. قال قتادة وغيره: وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد بقتالهم وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك. وأرى أن هذا من منهج الدعوة الدائم وسياستها الثابتة التي يحتاج إليها الدعاة في

стр. 8747

كل عصر. قال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام، ونضحك إليهم، وإن قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم. تهديد الكفار وتوعدهم ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨)﴾ الإعراب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ.﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ما في ﴿لَدَيْنا﴾ من معنى الاستقرار، كما تقول: إن خلفك زيدا غدا، والعامل في (غدا) الاستقرار الذي دل عليه (خلفك). ﴿كَثِيباً مَهِيلاً﴾ ﴿مَهِيلاً﴾: أصله (مهيولا) على وزن مفعول، من (هلت) فاستثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى الهاء قبلها، فبقيت الياء ساكنة والواو ساكنة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكسرت الهاء لتصحيح الياء. ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾ ﴿يَوْماً﴾: مفعول ﴿تَتَّقُونَ﴾ وليس منصوبا على الظرف، و ﴿يَجْعَلُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب؛ لأنه صفة ﴿يَوْماً﴾. ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ إنما قال ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ من غير تاء لثلاثة أوجه: إما بمعنى النسب، أي ذات انفطار، أو بجعل السماء في معنى السقف، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ [الأنبياء ٣٢/ ٢١]، أو لأن السماء يجوز فيها التذكير والتأنيث، فيقال: ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ على التذكير، وهو قول الفراء.

стр. 8748

البلاغة: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ، وَعَذاباً أَلِيماً.﴾. إلخ: سجع مرصع. ﴿أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ جناس اشتقاق. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للتقريع والتوبيخ على عدم الإيمان، والأصل أن يقال: إنا أرسلنا إليهم. ﴿فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ تأكيد الفعل بالمصدر. المفردات اللغوية: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ اتركني وإياهم، فإني قدير على مجازاتهم. ﴿النَّعْمَةِ﴾ بفتح النون: التنعم والترفه، وبكسر النون: الإنعام أو اسم الشيء المنعم به. ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ اتركهم زمانا قليلا برفق وتأنّ، أو أمهلهم إمهالا. ﴿أَنْكالاً﴾ قيودا ثقيلة، جمع نكل بكسر النون وفتحها: وهو القيد الثقيل. ﴿وَجَحِيماً﴾ نار محرقة شديدة الإيقاد. ﴿ذا غُصَّةٍ﴾ يغص به فلا يستساغ في الحلق، كالضريع والزقّوم والغسلين والشوك من نار، فلا يخرج ولا ينزل. ﴿وَعَذاباً أَلِيماً﴾ مؤلما لا يعرف كنهه إلا الله، زيادة على ما ذكر. ﴿تَرْجُفُ﴾ تضطرب وتتزلزل. ﴿كَثِيباً﴾ رملا متجمعا بتأثير الريح. ﴿مَهِيلاً﴾ رخوا ليّنا تغوص الأقدام فيه. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ﴾ أرسلنا إليكم يا أهل مكة. ﴿رَسُولاً﴾ هو محمد ﷺ . ﴿شاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ يشهد عليكم يوم القيامة بالعصيان أو الإجابة للدعوة. ﴿وَبِيلاً﴾ ثقيلا شديدا، ومنه طعام وبيل: لا يستمرأ لثقله، ووابل: وهو المطر العظيم. ﴿تَتَّقُونَ﴾ تقون أنفسكم. ﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ بقيتم على الكفر في الدنيا. ﴿يَوْماً﴾ عذاب يوم أي بأي حصن تتحصنون من عذاب يوم القيامة. ﴿شِيباً﴾ جمع أشيب، وجعلهم شيبا لشدة هوله، يقال لليوم الشديد: يوم يشيب الأطفال، وهو مجاز، أصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع بالشّيب. ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ منشق متصدع. ﴿كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ أي إن وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كائن لا محالة. سبب النزول: نزول الآية (١١): ﴿وَذَرْنِي﴾: روي أنها نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين.

стр. 8749

المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى إرشاداته لنبيه ﷺ في دعوته، هدد المشركين وأوعدهم على الإعراض عن قبول تلك الدعوة، وخوفهم عذاب يوم القيامة وكيفيته وأهواله، وعذاب الدنيا ومخاطره، ثم عاد إلى وصف عذاب الآخرة وتخويفهم به لشدته التي بلغت حدا تشيب الولدان، وتتشقق السموات منه. التفسير والبيان: هدد الله تعالى كفار مكة وأمثالهم وتوعدهم، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء، فقال: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي دعني وأولئك المكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإني أكفيك أمرهم، وأنتقم لك منهم، فلا تهتم بكونهم أرباب الغنى والسعة والترفّه في الدنيا، وتمهل عليهم رويدا وزمنا قليلا، أو تمهلا قليلا إلى انقضاء آجالهم، كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان ٢٤/ ٣١]. وقد أهلك زعماؤهم في موقعة بدر، قالت عائشة: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر. ثم ذكر الله تعالى أنواعا أربعة من عذابهم، فقال: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً، وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ، وَعَذاباً أَلِيماً﴾ أي إن عندنا القيود والأغلال لهؤلاء المكذبين بآياتنا وبرسولنا، ونارا مؤججة مضطرمة، وطعاما لا يستساغ، ينشب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج كالزقوم والضريع، ونوعا آخر من العذاب المؤلم الشديد، لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وتنكير قوله ﴿عَذاباً﴾ يدل على أن هذا العذاب أشد مما تقدم وأكمل. وبعد وصف العذاب، أخبر تعالى عن زمانه متى يكون فقال:

стр. 8750

﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ أي إن ذلك العذاب الذي يعذب به الكفار هو في يوم تضطرب في الأرض والجبال وتتزلزل بمن عليها، والرجفة: الزلزلة الشديدة، وتصير الجبال كالكثيب المهيل، أي الرمل المجتمع السائل الذي يسيح فيه الإنسان والحيوان، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم تنسف نسفا، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب. والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة، والمهيل: هو الذي إذا وطئته القدم زلّ ما تحتها، وإذا وصلت أسفله انهال. وبعد تخويف أهل مكة وأمثالهم بأهوال القيامة، هددهم وخوفهم تعالى بأهوال الدنيا التي تعرضت لها الأمم المكذبة المتقدمة، فقال: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ، كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً، فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ أي يخاطب الله تعالى كفار قريش، والمراد سائر الناس، فيقول لهم: إنا أرسلنا إليكم رسولا هو محمد بن عبد الله ﷺ يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم وبما يصدر عنكم من إجابة وامتناع، وطاعة وعصيان، كما أرسلنا موسى ﵇ إلى الطاغية فرعون يدعوه إلى الحق والإيمان، فعصى فرعون الرسول المرسل إليه، وكذّبه ولم يؤمن بما جاء به، فأخذناه أخذا شديدا ثقيلا غليظا، أي عاقبناه عقوبة شديدة وأهلكناه ومن معه بالغرق في البحر، فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم الذي هو أشرف وأعظم من موسى بن عمران ﵇. وإنما عرّف كلمة الرسول ثانيا؛ لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر. ثم عاد الله تعالى إلى تخويفهم بعذاب الآخرة ذاكرا هو له من وجهين، فقال: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً، السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ،

стр. 8751

كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ أي كيف تقون أنفسكم وتنعمون بالأمان والاطمئنان إن بقيتم على الكفر، من عذاب يوم يجعل الأطفال شيبا بيض الشعور، لشدة هوله، وهذا كناية عن شدة الخوف، وتصير السماء متشققة به متصدعة؛ لشدته وعظيم هوله، وكان وعد الله بمجيء ذلك اليوم كائنا واقعا لا محالة ولا محيد عنه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - هدد الله صناديد قريش وأمثالهم من المستهزئين والمترفين الطغاة والمكذبين بآيات الله والكفر برسالة نبيه ﷺ ، وتوعدهم بأشد العذاب في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فعوقب رؤساء مكة في موقعة بدر، وأما في الآخرة فنار جهنم تنتظرهم. ٢ - إن أنواع العذاب الشديد في الآخرة هي الأنكال أي القيود، والنار المؤججة، والطعام الذي لا يستساغ، فلا هو نازل ولا هو خارج، وهو الغسلين والزّقوم والضريع وهو شوك كالعوسج. ٣ - زمان هذا العذاب هو يوم القيامة، الذي تضطرب وتحرك فيه الأرض والجبال بمن عليها، وتصبح الجبال فيه رملا مجتمعا سائلا متناثرا غير متماسك. ٤ - التشابه في الجريمة والعقاب: اشترك أهل مكة في تكذيب النبي محمد ﷺ والاستخفاف به، مع فرعون وقومه الذين كذبوا موسى ﵇، قال مقاتل: ذكر-أي الله-موسى وفرعون؛ لأن أهل مكة ازدروا محمدا ﷺ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرى موسى؛ لأنه ربّاه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً﴾ [الشعراء ١٨/ ٢٦] فكان التشابه في الأحوال سببا لذكر قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر الرسل والأمم.

стр. 8752

لذا عوقب فرعون وأتباعه بالعقاب الثقيل الشديد وهو الغرق في البحر، وعوقب كفار مكة بالهلاك يوم بدر. ويكون الرسول ﷺ شاهدا على قومه يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم. ٥ - وبخ الله تعالى الكفار وقرعهم على كفرهم بطريق التساؤل بقوله: كيف تتقون عذاب يوم يجعل الولدان شيبا إن كفرتم، وتتفطر فيه السماء؟ وهذا وصف لهول يوم القيامة بأمرين: الأول-يجعل الولدان شيبا، وهذا مثل في الشدة. والثاني-تتصدع فيه السماء. وكلاهما وصف لليوم بالشدة الشديدة، فهو يوم يشيّب نواصي الأطفال، والسماء على عظمتها وقوتها تتفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ ٦ - إن وعد الله تعالى بالقيامة والحساب والجزاء كائن لا شك فيه ولا خلف. ٧ - دلت آية: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً.﴾. على أن القياس حجة؛ لأنه استقر عند العقلاء وعند المشركين في مكة وغيرهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنا، يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام على هذه الصورة. تذكير وإرشاد بأنواع الهداية ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾

стр. 8753

الإعراب: ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ طائفة مرفوع عطفا على الضمير المرفوع في ﴿تَقُومُ﴾. وإنما جاز العطف على الضمير المرفوع المستكن في ﴿تَقُومُ﴾ لوجود الفصل، والفصل يقوم مقام التوكيد في تجويز العطف. ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ بالجر عطفا على ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ وبالنصب عطفا على ﴿أَدْنى﴾. ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى﴾ ﴿إِنَّ﴾ مخففة من الثقيلة، والسين عوض عن التشديد، وقد يقع التعويض بسوف وقد وحرف النفي، كما يعوض بالسين جبرا لما دخل الحرف من النقص. ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً.﴾. ﴿خَيْراً﴾ مفعول ثان ل ﴿تَجِدُوهُ﴾ والهاء: هي المفعول الأول، وهو ضمير فصل على قول البصريين، ولا موضع له من الإعراب: ويسميه الكوفيون عمادا، وله موضع من الإعراب. البلاغة: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ استعارة، حيث شبه الترخيص بقبول التوبة في رفع التبعة. ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ مجاز مرسل، أراد به الصلاة، من إطلاق الجزء وهو القراءة على الكل وهو الصلاة. ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ عام بعد خاص، عمم بعد ذكر الصلاة والزكاة والإنفاق، ليشمل جميع أعمال الخير والصلاح. ﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ استعارة تبعية، شبه التصدق على المحتاجين بإقراض الله تعالى؛ لأنه هو الذي يعطي الثواب المقابل. ﴿هُوَ خَيْراً﴾ قال ذلك للتأكيد والمبالغة.

стр. 8754

المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ الآيات الموعدة أو المخوفة. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظة. ﴿فَمَنْ شاءَ﴾ أن يتعظ. ﴿اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ طريقا يتقرب به إلى الجنة، بالتزام الإيمان والطاعة أو التقوى والاحتراز عن المعصية. ﴿أَدْنى﴾ أقل منه. ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ يعلم مقادير ساعاتهما. ﴿أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي لن تستطيعوا تقدير الأوقات وضبط الساعات لتقوموا قيام الليل، فيحصل قيام الكل وهو أمر شاق عليكم. ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ بالتيسير والتخفيف والترخيص في ترك القيام. ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي فصلّوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقراءة. ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يسافرون للتجارة. ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ يطلبون من فضله ورزقه بالتجارة وغيرها. ﴿وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يجاهدون، وكل من الفئات الثلاث يشق عليهم قيام الليل، فخفف عنهم بقيام ما تيسر منه، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ الواجبة. ﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أنفقوا في سبيل الخيرات فيما عدا المفروض من المال، عن طيب نفس. ﴿هُوَ خَيْراً﴾ أفضل مما أنفقتم. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ في جميع أحوالكم ومجالسكم، فإن الإنسان لا يخلو من تفريط. المناسبة: بعد بيان أحوال المؤمنين السعداء وترغيبهم، وأحوال الأشقياء وتهديدهم بأنواع العذاب في الآخرة، ختمت السورة بتذكيرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد، فمن أراد الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية، فليفعل، ثم خفف عن المؤمنين مقدار قيام الليل لما يطرأ لهم من أعذار المرض، أو السفر للتجارة ونحوها، أو الجهاد في سبيل الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي إن ما تقدم في هذه السورة من الآيات المخوفة موعظة لأولي الألباب، فمن أراد اتعظ بها واتخذ الطاعة طريقا توصله إلى رضوان الله في الجنة. وبعد نزول أوائل السورة استعد النبي ﷺ لقيام الليل، وترك الرقاد، ثم خفف الله عنهم قائلا:

стр. 8755

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ، وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أي إن الله يعلم أنك أيها الرسول تقوم ممتثلا أمر ربك أقلّ من ثلثي الليل أحيانا، أو تقوم نصفه أو ثلثه، وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك، والله سيجازيكم على ذلك أحسن الجزاء. ﴿وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يعلم الله مقادير الليل والنهار حقيقة، ويعلم القدر الذي تقومونه من الليل، ولكن الله علم أنكم لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام به، ولن تتمكنوا ضبط مقادير الليل والنهار ولا إحصاء الساعات، أو علم الله أنكم لن تطيقوا قيام الليل أو الفرض الذي أوجبه عليكم، فعاد عليكم بالعفو والترخيص في ترك القيام إذ عجزتم، ورجع بكم من العسر إلى اليسر. وأصل التوبة: الرجوع. قال مقاتل: لما نزلت ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ شقّ ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ، فانتفخت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم، فقال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١). والمراد بقوله: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي لن تطيقوه: لصعوبة الأمر، لا أنهم لا يقدرون عليه. ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، فالمراد بالقراءة الصلاة، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما تقدم بيانه. وهذه الآية نسخت قيام الليل، ويؤكده الحديث الصحيح عند مسلم والنسائي والترمذي واللفظ له عن أنس بن مالك الذي فيه قال السائل لرسول الله ﷺ : هل عليّ غيرها؟ يعني الصلوات الخمس، فقال: «لا، إلا أن تطوّع» فهو يدل على عدم وجوب غير تلك الصلوات المفروضة، فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة.
следующие страницы →