← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

وهذه الأمور التسعة نظرا لحدوثها وإمكانها وتجددها تدل على وجود الفاعل المختار، كما يدل ما فيها من الإتقان والإحكام على كمال العلم والحكمة الذاتية، وإذا ثبت كمال الله تعالى في هذه الأوصاف، ثبت قطعا إمكان الحشر دون أي شك، ثم في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليل ظاهر حسي قريب للأذهان على إمكان إخراج الموتى من القبور، وبعثهم بعد الموت أحياء. وفضلا عن ذلك، فإن كل أمر من الأمور التسعة نعمة عظمي، يجب أن تشكر بالتوفر على الطاعة، ولا تكفر بالإقدام على المعصية (١). ٥ - آية ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً وَجَنّاتٍ أَلْفافاً﴾ تشمل كل أنواع النبات الثلاثة التي تنبت من الأرض: وهي ما له أكمام وهو الحب، وما لا يكون له أكمام وهو الحشيش، وهذان النوعان لا ساق لهما، والنوع الثالث: هو ما له ساق وهو الشجر، فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة (٢). أوصاف يوم القيامة وأماراته ونوع عذابه ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً (٣٠)﴾

стр. 8892

الإعراب: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على البدل من يوم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾. ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ ﴿لابِثِينَ﴾ حال مقدر، أي مقدّرين اللبث، و ﴿أَحْقاباً﴾ منصوب على الظرف، وعامله ﴿لابِثِينَ﴾. وذكر ﴿أَحْقاباً﴾ للكثرة، لا لتجديد اللبث، كقولك: أقمت سنين وأعواما. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً، جَزاءً وِفاقاً﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ جملة في موضع نصب صفة ل ﴿لابِثِينَ﴾، أو حال من ضمير ﴿لابِثِينَ﴾. و ﴿حَمِيماً وَغَسّاقاً﴾ بدل منصوب من ﴿بَرْداً وَلا شَراباً﴾. والحميم: يطلق على الحار والبارد من البرودة. فإن كان بمعنى النوم فهو استثناء منقطع، و ﴿جَزاءً﴾ منصوب على المصدر. والخلاصة: ﴿إِلاّ حَمِيماً.﴾. استثناء منقطع في قول من جعل البرد: النوم، ومن جعله من البرودة كان بدلا منه. ﴿كِذّاباً﴾ منصوب على المصدر ل «كذّب» وزيدت الألف في ﴿كِذّاباً﴾ كما زيدت الهمزة في «أحسن إحسانا، وأجمل إجمالا». ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً﴾ ﴿كِتاباً﴾ منصوب على المصدر، وعامله إما ﴿أَحْصَيْناهُ﴾ بمعنى كتبنا، وإما فعل مقدر من لفظه دل عليه. ﴿أَحْصَيْناهُ﴾ أي كتبناه كتابا. البلاغة: ﴿فَكانَتْ أَبْواباً﴾ تشبيه بليغ، أي كالأبواب في التشقق والتصدع، فحذفت الأداة ووجه الشبه. ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ أمر يراد به الإهانة والتحقير، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في التوبيخ. ﴿بَرْداً﴾ و ﴿حَمِيماً﴾ بينهما طباق. ﴿أَفْواجاً﴾ ﴿أَبْواباً﴾ ﴿سَراباً﴾ ﴿مَآباً﴾ ﴿أَحْقاباً﴾ ﴿شَراباً﴾ ﴿حِساباً﴾ سجع مرصع. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ هو يوم القيامة، وسمي بذلك؛ لأن الله يفصل فيه بحكمه بين الخلائق. ﴿كانَ﴾ أي في علم الله، أو في حكمه. ﴿مِيقاتاً﴾ وقتا للثواب والعقاب، وحدا تنتهي عنده الدنيا. ﴿الصُّورِ﴾ البوق الذي ينفخ فيه، فيخرج منه صوت شديد، والنافخ فيه: هو إسرافيل ﵇. ﴿فَتَأْتُونَ﴾ من قبوركم إلى الموقف. ﴿أَفْواجاً﴾ جماعات مختلفة، جمع فوج: أي جماعة.

стр. 8893

﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ شققت وصدّعت. ﴿فَكانَتْ أَبْواباً﴾ ذات أبواب، أو صارت من كثرة الشقوق كأنها أبواب. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ﴾ أزيلت عن أماكنها، وأصبحت في الهواء كالهباء. ﴿سَراباً﴾ مثل السراب، إذ ترى على صورة الجبال وليست جبالا في الحقيقة بل غبارا. ﴿مِرْصاداً﴾ موضع رصد، يرصد فيه خزنة النار الكفار ﴿لِلطّاغِينَ﴾ الكافرين، الذين طغوا بمخالفة أوامر ربهم. ﴿مَآباً﴾ مرجعا ومأوى. ﴿لابِثِينَ﴾ مقيمين. ﴿أَحْقاباً﴾ دهورا لا نهاية لها، جمع حقب، وواحدها حقبة، وهي مدة مبهمة من الزمان. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً﴾ برودة الهواء، ويطلق أيضا على النوم. ﴿وَلا شَراباً﴾ أي ما يشرب تلذذا لتسكين العطش. ﴿إِلاّ حَمِيماً﴾ الحميم: الماء الحارّ الشديد الغليان. ﴿وَغَسّاقاً﴾ قيح وصديد أهل النار الدائم السيلان من أجسادهم. ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ أي جوزوا بذلك جزاء موافقا لأعمالهم وكفرهم، فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار. ﴿لا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون أو لا يتوقعون. ﴿حِساباً﴾ محاسبة على أعمالهم؛ لإنكارهم البعث. ﴿بِآياتِنا﴾ القرآن. ﴿كِذّاباً﴾ تكذيبا كثيرا. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ أي من الأعمال. ﴿أَحْصَيْناهُ﴾ ضبطناه. ﴿كِتاباً﴾ أي ضبطناه بالكتابة. ﴿فَذُوقُوا﴾ أي فيقال لهم في الآخرة عند وقوع العذاب عليهم: ذوقوا جزاءكم. ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ أي فوق عذابكم. المناسبة: بعد إثبات قدرة الله تعالى على تخريب الدنيا، وإيجاد عالم آخر، بإثبات إمكان الحشر وعموم القدرة والعلم، أخبر تعالى عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معلوم لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله ، ثم ذكر علامات ذلك اليوم من نفخ الصور، وتصدع السماء، وتسيير الجبال عن أماكنها وصيرورتها هباء كالهواء، ثم أوضح أن جهنم مرصد للطغاة وهم الكافرون المكذبون بآيات الله، الذين أحصى الله عليهم كل شيء من أعمالهم، وسيلقون جزاء ما صنعوا. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ أي إن يوم القيامة وقت ومجمع وميعاد

стр. 8894

للأولين والآخرين، ينالون فيه ما وعدوا به من الثواب والعقاب. وسمي يوم الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بحكمه بين خلقه. ثم ذكر الله تعالى علامات ثلاثا لهذا اليوم، فقال: ١ - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ أي إن يوم الفصل هو اليوم الذي ينفخ فيه إسرافيل بالبوق أو القرن، فتأتون أيها الخلائق من قبوركم إلى موضع العرض زمرا زمرا، وجماعات جماعات، تأتي فيه كل أمة مع رسولها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء ٧١/ ١٧]. ٢ - ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ أي وتصدعت السماء وشقت، فصارت ذات أبواب كثيرة وطرقا ومسالك لنزول الملائكة، ونظير الآية كثير، مثل: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق ١/ ٨٤]. ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١/ ٨٢]. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ، وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان ٢٥/ ٢٥]. وهذا يعني تبدل نظام الكون، وذهاب التماسك بين أجزائه. ٣ - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ أي وأزيلت الجبال عن أماكنها، وبددت في الهواء، فكانت هباء منبثا، يظن الناظر أنها سراب، وتبدأ أولا بالدكّ كما قال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة ١٤/ ٦٩] ثم تصير كالعهن أو الصوف المنفوش كما قال: ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة ٥/ ١٠١] ثم تتقطع وتتبدد وتصير كالهباء، كما قال: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة ٤/ ٥٦ - ٦] ثم تنسف عن الأرض بالرياح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠] وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل ٨٨/ ٢٧] (١).

стр. 8895

ثم ذكر الله تعالى ما يلاقيه المكذبون الضالون الأشقياء يومئذ بقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً، لِلطّاغِينَ مَآباً، لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ أي إن نار جهنم كانت في حكم الله وقضائه مرصدة معدّة للطغاة المتجبرين المتكبرين وهم المردة العصاة المخالفون للرسل، ومرجعا ومصيرا ونزلا لهم، حالة كونهم ماكثين فيها ما دامت الدهور. والأحقاب جمع حقب ومفردها حقبة: وهي المدة الطويلة من الزمان، إذا مضى حقب دخل آخر، وهكذا إلى الأبد. والمرصاد: إما اسم للمكان الذي يرصد فيه، وإما صفة بمعنى أنها ترصد أعداء الله. والآية دليل على أن جهنم كانت مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿مِرْصاداً﴾ أي معدّة، ومثلها الجنة أيضا إذ لا فرق بينهما. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلاّ حَمِيماً ١ وَغَسّاقاً، جَزاءً وِفاقاً﴾ أي لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب بردا ينفعهم من حرها، ولا شرابا ينفعهم من عطشها إلا الحميم: وهو الماء الحار الشديد الغليان، والغساق: وهو صديد أهل النار، وهذا العذاب موافق الذنب العظيم الذي ارتكبوه نوعا ومقدارا، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار، وقد كانت أعمالهم سيئة، فجوزوا بمثلها، كما قال تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى ٤٠/ ٤٢]. وقيل: البرد: النعاس والنوم. ويلاحظ أنه تعالى بعد أن شرح أنواع عقوبة الكفار، بين أنه جزاء حق وعدل موافق لأعمالهم. ثم عدد الله تعالى أنواع جرائمهم، فقال:

стр. 8896

﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً، وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ أي إنهم اقترفوا الأعمال السيئة والقبائح المنكرة؛ لأنهم لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من حساب؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. فقوله: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً﴾ أي لا يخافون أو لا يتوقعون حسابا: علة التأبيد في العذاب. وكذبوا بالآيات القرآنية وبالبراهين الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد تكذيبا شديدا. وهذا إشارة إلى فساد عقائدهم، حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل. ثم أخبر الله تعالى عن إحصاء جميع أعمالهم بقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً﴾ أي إننا علمنا جميع أعمال العباد، وكتبناها عليهم، وكتبها الحفظة كتابة تامة شاملة، وسنجزيهم على ذلك، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقوله ﴿كِتاباً﴾ مصدر في موضع إحصاء، أو أن «أحصينا» في معنى كتبنا، لالتقاء الإحصاء والكتابة في معنى الضبط والتحصيل (١). ثم ذكر ما يقال لهم في التعذيب تقريعا وتوبيخا لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ أي يقال لأهل النار لكفرهم، وتكذيبهم بالآيات، وقبح أفعالهم: ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه. قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ فهم في مزيد من العذاب أبدا.

стр. 8897

فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي: ١ - إن يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الخلائق وقت، ومجمع، وميعاد للأولين والآخرين، لما وعد الله من الجزاء والثواب. ٢ - تحدث في بداية يوم القيامة ظواهر خطيرة ثلاث: هي نفخ إسرافيل في الصور (القرن) فيأتي الناس من قبورهم زمرا وجماعات، وتفتّح وتشقّق أو تفطر السماء، فتصير كلها كأنها أبواب، وتسيير الجبال وإزالتها من أماكنها الأصلية. ٣ - أخبر الله تعالى عن حال الأشقياء، وقدم ذكرهم على السعداء؛ لأن الكلام في السورة بنى على التهديد، وهو أن جهنم تكون مكانا مرصدا للطغاة الذين طغوا في دينهم بالكفر، وفي الدنيا بالظلم، أو أنها ترصد أعداء الله وتراقبهم حتى ينزلوا فيها، وتكون المرجع الذي يرجعون فيه إليها. ٤ - كيفية استقرارهم في النار: هي أنهم يكونون ماكثين في نار جهنم إلى الأبد ما دامت الأحقاب تتوالى، وهي لا تنقطع، فكلما مضى حقب جاء حقب، والحقب: الدهر، والأحقاب: الدهور، والحقبة: السنة. ٥ - لا يذوق الطغاة في جهنم أو في الأحقاب بردا يخفف الحر أو نوما، ولا شرابا يروي من العطش إلا الماء الحار والغساق: صديد أهل النار. ٦ - لا ظلم في هذا الجزاء، وإنما هو موافق لأعمالهم، فإنهم كانوا لا يخافون محاسبة على أعمالهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، وكذّبوا بما جاءت به الأنبياء تكذيبا شديدا. وهذا دليل على أنهم كذبوا بجميع دلائل الله تعالى في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن.

стр. 8898

وهو جزاء دقيق عادل؛ فإن الله تعالى عالم بأفعالهم علما لا يزول ولا يتبدل، وقد أحصاها عليهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة، كما أن الحفظة الملائكة الموكلين بأمر العباد كتبوا كل شيء عليهم بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار ١٠/ ٨٢ - ١١] وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ﴾ دليل على كونه تعالى عالما بالجزئيات. ٧ - في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ أظهر الله تعالى غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن العقاب سبب عن كفرهم بالحسنات، وتكذيبهم بالآيات. وزيادة العذاب: إما لازدياد كفرهم وعتوهم حينا بعد حين، كقوله تعالى: ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٥/ ٩] وإما لأن زيادة العذاب عبارة عن استمراره نفسه؛ لأنه يتزايد بمرور الزمان. والمراد: إنا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه، وإن عذاب أهل النار دائم غير متناه، وإنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدا. وهذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه: أحدها-قوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ وكلمة «لن» للتأكيد في النفي. وثانيها-أنه في قوله: ﴿كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً﴾ ذكرهم بالغيبة، وفي قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ ذكرهم على سبيل المشافهة، وهذا يدل على كمال الغضب، كما ذكرت. وثالثها-أنه تعالى عدد وجوه العقاب، ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم، ثم عدد فضائحهم، ثم قال: ﴿فَذُوقُوا﴾ فكأنه تعالى أفتى، وأقام الدلائل، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب (١).

стр. 8899

أحوال السعداء ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦)﴾ الإعراب: ﴿حَدائِقَ﴾ بدل من ﴿مَفازاً﴾ أو عطف بيان له. ﴿وَأَعْناباً﴾ عطف على ﴿مَفازاً﴾. ﴿عَطاءً﴾ بدل من ﴿جَزاءً﴾ و ﴿جَزاءً﴾ و ﴿عَطاءً﴾ و ﴿حِساباً﴾ منصوبات على المصدر. المفردات اللغوية: ﴿مَفازاً﴾ فوزا وظفرا، أو مكان فوز في الجنة. ﴿حَدائِقَ﴾ بساتين مثمرة ومشجرة. ﴿وَكَواعِبَ﴾ جواري في مقتبل العمر، جمع كاعب: وهي الفتاة التي تكعّب واستدار ثديها. ﴿أَتْراباً﴾ من كن في سن واحدة كاللّدات، جمع ترب: وهي التي تماثل في سنها سن صاحبتها. ﴿وَكَأْساً﴾ إناء من الزجاج للشرب فيه. ﴿دِهاقاً﴾ ممتلئة. والمراد خمرا مالئة الأوعية. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ في الجنة عند شرب الخمر وغيرها من الأحوال. ﴿لَغْواً﴾ باطلا من القول أو الكلام. ﴿كِذّاباً﴾ تكذيبا لبعضهم بعضا، خلافا لما يحدث في مجالس شرب الخمر في الدنيا. ويقرأ بالتخفيف ﴿كِذّاباً﴾ أي كذبا. ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي جزاهم الله بذلك جزاء، بمقتضى وعده. ﴿عَطاءً﴾ فضلا منه وإحسانا. ﴿حِساباً﴾ كافيا لهم، تقول: أعطاني فأحسبني، أي أكثر علي، حتى قلت: حسبي، أي كفاني. ومنه قول الله تعالى: ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ أي الله كافيّ. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى شيئا من أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر ما لأهل الجنة السعداء من موضع فوز وظفر، حيث زحزحوا عن النار، وأدخلوا الجنة، وأبان أن ذلك تفضل من الله وإحسان، وفي إيراد أحوال الأسعداء والأشقياء مجال للتأمل والمقارنة، وترغيب بالطاعة، المؤدية إلى الجنة، وترهيب من

стр. 8900

المعصية والكفر وتكذيب الرسل المؤدي إلى النار. والخلاصة: أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار، أتبعه بوعد الأخيار. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن السعداء وما أعد لهم من الكرامة والنعيم المقيم، فيقول: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً، حَدائِقَ وَأَعْناباً، وَكَواعِبَ أَتْراباً، وَكَأْساً دِهاقاً﴾ أي إن للذين اتقوا ربهم بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه فوزا وظفرا بالمطلوب، ونجاة من النار، بالاستمتاع بالبساتين ذات الأشجار والأثمار والأعناب اللذيذة الطعم، وبالنساء الحور الكواعب ذوات الأثداء القائمة على صدورهن لم تتكسر ولم تتدلّ، المتساويات في السن، وبتناول الكؤوس المترعة المملوءة بالخمر غير المسكرة. وعطف الأعناب على الحدائق من عطف الخاص على العام، الذي يدل على تعظيم حال تلك الأعناب. وفسر ابن عباس ﴿مَفازاً﴾ بقوله: متنزها، ورجحه ابن كثير؛ لأنه تعالى قال بعده: ﴿حَدائِقَ﴾ والحدائق: البساتين من النخيل وغيرها. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً﴾ أي لا يسمعون في الجنة الباطل من الكلام، ولا يكذب بعضهم بعضا كقوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٣/ ٥٢]، وهذا دليل على نظافة البيئة وسموها الأدبي، مما ترتاح له النفوس، خلافا لحال الدنيا حيث يسمع فيها الإنسان المؤمن ما يجرح الشعور ويؤلم النفس، فليس في الجنة كلام لاغ ساقط عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص. ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً﴾ أي جازاهم الله تعالى على إيمانهم وصالح أعمالهم، وأعطاهم ذلك عطاء تفضلا منه وإحسانا، كافيا وافيا شاملا كثيرا، حسبما وعدهم به من مضاعفة أجر الحسنات وتكفير السيئات.

стр. 8901

فقه الحياة أو الأحكام: وعد الله تعالى المتقين الذين اتقوا مخالفة أمر الله بخمسة أمور: ١ - الفوز والنجاة والخلاص مما فيه أهل النار. ٢ - التمتع بالرياض الغناء والحدائق أو البساتين المتنوعة الأشجار والأثمار، وهذا هو الأمن الغذائي. ٣ - الاستمتاع بالحور الكواعب ذوات النواهد التي تكعبت أثداؤهن، اللدات الأقران في السن، وهذا هو الإشباع الجنسي أو الغريزي. ٤ - تناول الكؤوس المترعة الملأى بالخمور غير المسكرة، كما وصفها الله تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة ١٩/ ٥٦]. وهذه متعة اللهو المباح. ٥ - الأمن النفسي في الجنة، حيث لا يسمع أهلها باطلا من الكلام، ولا تكذيبا لبعضهم بعضا في مجالس الشراب والمتعة؛ لأن أهل الشراب في الدنيا يسكرون ويتكلمون بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا بلغو. وبعد تعداد أنواع نعيم أهل الجنة، توّجوا بالمنحة الربانية، وأخبروا بأن الله جزاهم بما تقدم جزاء منه، وأعطاهم عطاء كثيرا كافيا وافيا.

стр. 8902

عظمة الله ورحمته وتأكيد وقوع يوم القيامة وتهديد الكافرين المعاندين ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)﴾ الإعراب: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ بالجر: بدل من ﴿رَبِّكَ﴾ المتقدم، وبالرفع: على تقدير مبتدأ محذوف، تقديره: هو رب السموات. و ﴿الرَّحْمنِ﴾ بالجر صفة ﴿رَبِّ﴾ وبالرفع: إما مبتدأ، و ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ﴾ الخبر، وذلك حسن لوجود الهاء في ﴿مِنْهُ﴾ وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو الرحمن. ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ يوم ظرف لقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾. ﴿صَفًّا﴾ حال، أي: مصطفين. ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على البدل من واو ﴿يَتَكَلَّمُونَ﴾ ويجوز أن يكون في موضع نصب على الأصل في الاستثناء. والرفع على البدل أوجه. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لقوله: ﴿عَذاباً﴾. البلاغة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ عطف عام على خاص؛ لأن الروح هو جبريل ﵇، وهو من الملائكة، وأفرد بالذكر تنويها بقدره. المفردات اللغوية: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أي العباد. ﴿مِنْهُ﴾ من الله تعالى. ﴿خِطاباً﴾ مخاطبة ومكالمة، أي لا يقدر أحد أن يخاطبه خوفا منه. ﴿الرُّوحُ﴾ جبريل ﵇. ﴿صَفًّا﴾ مصطفين.

стр. 8903

﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أي العباد، وهو تقرير وتوكيد لقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ قال البيضاوي: فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم إلى الله، إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا، كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه، فكيف يملكه غيرهم؟ ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ في الكلام. ﴿وَقالَ صَواباً﴾ أي وقال قولا صائبا من المؤمنين والملائكة، كأن يشفعوا لمن ارتضى. ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الثابت وقوعه، الكائن لا محالة، وهو يوم القيامة. ﴿إِلى رَبِّهِ﴾ إلى ثوابه. ﴿مَآباً﴾ مرجعا، أي رجع إلى الله بالإيمان والطاعة، ليسلم من العذاب فيه. ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ﴾ يا كفار مكة وأمثالكم، والإنذار: التحذير من المكروه قبل وقوعه. ﴿عَذاباً قَرِيباً﴾ عذاب يوم القيامة الآتي، وكل آت قريب. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ حين يرى كل امرئ ما قدمه من خير أو شر، والمرء عام، يشمل الذكر والأنثى، والمؤمن والكافر. ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ أي فلا أعذب، يقول ذلك عند ما يحشر الله البهائم للاقتصاص من بعضها لبعض، ثم تردّ ترابا، فيود الكافر حالها. المناسبة: بعد أن وصف الله تعالى وعيد الكفار ووعد المتقين، ختم الكلام بالإخبار عن عظمته وجلاله وشمول رحمته وعلى التخصيص يوم القيامة، وأردفه ببيان أن هذا اليوم حق لا ريب فيه، وأن الناس فيه فريقان: فريق بعيد من الله، ومصيره إلى النار، وفريق قريب من الله، وتكريمه وثوابه، ومرجعه إلى الجنة، ثم عاد إلى تهديد الكفار المعاندين وتحذيرهم من عاقبة عنادهم وكفرهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وشمول رحمته كل شيء، فيقول: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ، لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ أي إن الجزاء الحسن والعطاء الكافي الوافي لأهل الإيمان والطاعة هو ممن اتصف بالعظمة والجلال، ورب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، والرحمن الذي شملت رحمته كل شيء، والذي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، لهيبته وتعاليه، ثم أكد هذا وقرره بقوله:

стр. 8904

﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ أي إن عظمة الله تتجلى في يوم القيامة وتظهر عيانا للخلائق، حتى إن جبريل ﵇ وجميع الملائكة المصطفين، مع رفعة أقدارهم ودرجاتهم؛ لأنهم أعظم المخلوقات قدرا ورتبة لا يتكلمون في يوم القيامة الرهيب إلا بشرطين: أحدهما-الإذن من الله بالشفاعة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود ١٠٥/ ١١] وقوله : ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه ١٠٩/ ٢٠]. والثاني-أن يقول صوابا: أي أن يقول حقا وصدقا إذا كان الإذن للشافع، وأن يكون ذلك الشخص المشفوع له ممن قال في الدنيا صوابا، أي شهد بالتوحيد بأن قال: لا إله إلا الله، إذا كان الإذن للمشفوع. والروح: هو جبريل ﵇ في رأي الأكثرين؛ لقوله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩٣/ ٢٦ - ١٩٤]. وقال ابن عباس: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا. وقال ابن مسعود: إنه ملك أعظم من السموات والأرض. وفي الآية دلالة على أن الملائكة وجبريل ﵈ أعظم المخلوقات قدرا ومكانة، وعلى عظمة يوم القيامة ورهبته. ثم أخبر الله تعالى بأن يوم القيامة حق لا ريب فيه، فقال: ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً﴾ أي إن ذلك اليوم الذي تقوم فيه الملائكة على تلك الصفة هو اليوم الثابت، الكائن الواقع المتحقق الذي لا ريب فيه، فمن أراد النجاة فيه، اتخذ إلى ثواب ربّه مرجعا وطريقا يهتدي

стр. 8905

إليه، ويقرّبه منه، ويدنيه من كرامته، ويباعده عن عقابه، بالإيمان الحق والعمل الصالح. ثم عاد الله تعالى إلى تهديد الكفار وتحذيرهم وتخويفهم من ذلك اليوم، فقال: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ أي إننا يا أهل مكة وأمثالكم من الكفار حذّرناكم وخوّفناكم عذابا قريب الوقوع وهو يوم القيامة؛ فإنه لتأكد وقوعه صار قريبا، ولأن كل ما هو آت قريب، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [النازعات ٤٦/ ٧٩]. وفي هذا اليوم القريب ينظر كل امرئ ما قدّم من خير أو شرّ في حياته الأولى في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران ٣٠/ ٣]. ويقول الكافر من شدة ما يعانيه من أنواع الأهوال والعذاب، مثل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط وأبي جهل وأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي: ليتني كنت ترابا، فهو يتمنى إن لم يكن إنسانا يبعث، وإنما كان ترابا، ويتمنى أن يصير ترابا كالحيوانات بعد الاقتصاص من بعضها لبعض، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما، كما ذكر ابن كثير، ومضمون تلك الأخبار: أن البهائم تحشر، فيقتصّ للجمّاء من القرناء، ثم تردّ ترابا، فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب. والآيتان الأخيرتان تدلان على أن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: فريق المؤمنين المقربين من ثواب الله وكرامته ورضاه، وفريق الكافرين الجاحدين البعيدين من رحمة الله، الواقعين في صنوف العذاب.

стр. 8906

فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - لله تعالى في الدنيا والآخرة صفتان عظيمتان: هما العظمة والجلال فهو ربّ السموات والأرض والكون، والرحمة الشاملة لكل شيء، فهو الرحمن الرحيم. ٢ - اقتضت عظمة الله ألا يقدر أحد على مخاطبته يوم القيامة إلا لمن أذن له بالشفاعة. ٣ - لا يتكلم جبريل والملائكة في موقف القيامة إجلالا لربّهم وخوفا منه وخضوعا له، فكيف يكون حال غيرهم؟ ٤ - إن يوم القيامة كائن واقع حتما لا شك فيه، فالسعيد من اتّخذ فيه إلى ربّه مرجعا بالإيمان والعمل الصالح. ٥ - إن يوم القيامة وما فيه من العذاب قريب الوقوع؛ لأن كل آت قريب، وفيه يجد كل إنسان ما قدم من خير أو شر. ٦ - يتمنى الكافر يوم القيامة لما يرى من أنواع العذاب أن يكون ترابا أو حيوانا غير مكلف بشيء.

стр. 8907

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النازعات مكيّة، وهي ست وأربعون آية. تسميتها: سميت سورة النازعات؛ لافتتاحها بالقسم الإلهي بالنازعات وهم الملائكة الذين ينزعون أرواح بني آدم، إما بيسر وسهولة وهم المؤمنون، وإما بعسر وشدة وهم الكفار. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السورة بما قبلها من وجهين: ١ - تشابه الموضوع: فكلتا السورتين تتحدثان عن القيامة وأحوالها، وعن مآل المتقين، ومرجع المجرمين. ٢ - تشابه المطلع والخاتمة: فإن مطلع السورتين في الحديث عن البعث والقيامة، الأولى تؤكد وجود البعث وما فيه من أهوال وحساب وجزاء، والثانية افتتحت بالقسم على وقوع القيامة لتحقيق ما في آخر عم. والأولى اختتمت بالإنذار بالعذاب القريب يوم القيامة، والثانية ختمت بالكلام عما في أولها من إثبات الحشر والبعث، وتأكد حدوث القيامة، فكان ذلك كالدليل والبرهان على مجيء القيامة وأهوالها.

стр. 8908

ما اشتملت عليه السورة: موضوع السورة كما أشرنا كسائر موضوعات السور المكية، التي تهتم بأصول العقيدة من التوحيد، والنبوة، والبعث. شرعت السورة بالقسم بالملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد لإثبات البعث: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً.﴾. [الآيات: ١ - ٥] والمقسم عليه محذوف وهو «لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وهو: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ [٦ - ٧]، أو بدليل إنكارهم للبعث في قوله تعالى: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ [١٠]. ثم وصفت أحوال المشركين المنكرين البعث، فصوّرت مدى الذعر الشديد والاضطراب الذي يكونون عليه يوم القيامة، وذكرت مقالتهم في إنكار البعث والردّ عليهم: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ.﴾. [الآيات: ٨ - ١٤]. وناسب ذلك إيراد قصة موسى ﵇ مع فرعون الطاغية الجبار الذي ادّعى الربوبية، ثم أهلكه الله وجنوده بالغرق في البحر، للعظة والعبرة، والدلالة على كمال القدرة الإلهية، بإفهامهم أن الكرّة والإعادة ليست صعبة على الله، فما هي إلا زجرة أو صيحة واحدة: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى.﴾. [الآيات: ١٥ - ٢٦]. ثم خاطب الله منكري البعث خطابا يتضمن إثبات البعث بالبرهان الحسي، متحديا طغيانهم وتمردهم على رسول الله ﷺ ، ومذكرا إياهم أنهم أضعف من خلق السموات والأرض والجبال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها.﴾. [الآيات: ٢٧ - ٣٢]. وختمت السورة ببيان أهوال يوم القيامة، وانقسام الناس فيه فريقين:

стр. 8909

سعداء وأشقياء، وسؤال المشركين عن ميقات الساعة، وتفويض أمرها إلى الله تعالى، لا إلى أحد حتى الرسول ﷺ ، وتأكيد حدوثها، وذهول المشركين من شدة هولها، ومعرفتهم أن مكثهم في الدنيا كمقدار العشي أو الضحى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى.﴾. [الآيات: ٣٤ - ٤٦]. الحلف على وقوع البعث وأحوال المشركين فيه والرد على إنكارهم إياه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. وَالنّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ (١٤)﴾ الإعراب: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ ﴿غَرْقاً﴾ منصوب على المصدر، وكذلك ﴿نَشْطاً﴾ و ﴿سَبْحاً﴾ و ﴿سَبْقاً﴾ كلها منصوبات على المصدر. ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ ﴿أَمْراً﴾ منصوب إما لأنه مفعول به ل ﴿فَالْمُدَبِّراتِ﴾ أو بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: والمدبرات بأمر؛ لأن التقدير ليس إلى الملائكة، وإنما هو إلى الله تعالى، فهي مرسلة بما يأمرها به. وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن، بدليل إنكارهم للبعث في قوله تعالى: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أو الجواب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ على تقدير حذف اللام، أي ليوم ترجف، وهذا ضعيف، أو الجواب: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً﴾. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: إما منصوب بفعل دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ

стр. 8910

يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أي وجفت قلوبهم، فيكون يومئذ بدلا من ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ أو بتقدير: اذكر يوم ترجف، والجملة حال. البلاغة: ﴿تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ أقسم الله بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا بشدة وألم. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ الملائكة التي تخرج أرواح المؤمنين برفق وسهولة. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ الملائكة التي تسبح من السماء، أي تنزل مسرعة بأمره تعالى. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ الملائكة تسبق بالأرواح إلى مستقرها. ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ تنزل بتدبير ما أمرت به. فهذه كلها صفات الملائكة، وقيل: إنها الكواكب الجارية على نظام معين في سيرها، ﴿غَرْقاً﴾ مسرعة في جريها. ﴿نَشْطاً﴾ خارجة من برج إلى برج. ﴿سَبْحاً﴾ سائرة في أفلاكها بهدوء. ﴿سَبْقاً﴾ مسرعة قبل غيرها في سبحها. ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ تدبر أمرا نيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات. ﴿تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ تضطرب الأرض والجبال وتتحرك، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ [المزمل ١٤/ ٧٣]. ﴿تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ تلحق بها السماء والكواكب، فتنشق وتنتثر، وقيل: ﴿الرّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى، و ﴿الرّادِفَةُ﴾: النفخة الثانية. ﴿واجِفَةٌ﴾ خائفة قلقة شديدة الاضطراب، من الوجيف: وهي صفة القلوب. ﴿خاشِعَةٌ﴾ ذليلة، لهول ما ترى، أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي أصحاب القلوب والأبصار استهزاء وإنكارا للبعث. ﴿لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أي أنرد بعد الموت إلى الحياة؟ و ﴿الْحافِرَةِ﴾ الحياة الأولى، يقال: فلان رجع في حافرته، أي طريقته التي جاء فيها، فيرجع من حيث جاء. ﴿نَخِرَةً﴾ بالية متفتتة. ﴿قالُوا: تِلْكَ﴾ أي رجعتنا إلى الحياة. ﴿إِذا﴾ إن صحت. ﴿كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ رجعة ذات خسران يخسر أصحابها. ﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة وهي النفخة الثانية لبعث الأموات. ﴿فَإِذا هُمْ﴾ كل الخلائق. ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ أي فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعد أن كانوا ببطنها أمواتا.

стр. 8911

سبب النزول: نزول الآية (١٢، ١٠): أخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال: لما نزل قوله: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ؟﴾ قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنخسرن، فنزلت: ﴿قالُوا: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾. التفسير والبيان: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً، وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً؛ وَالسّابِحاتِ سَبْحاً، فَالسّابِقاتِ سَبْقاً، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ (١) أقسم الله سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار من أجسادهم بشدة وعنف وإغراق في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، وتخرج أرواح المؤمنين بسرعة ولطف وسهولة، وبالملائكة الذين ينزلون من السماء مسرعين، لأمر الله تعالى، والملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وتدبر الأمر بأن تنزل بالحلال والحرام وتفصيلهما، وتدبر أهل الأرض بالرياح والأمطار وغير ذلك. قيل: إن تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل: فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر عليهم. وقال الحسن البصري: المراد بالكلمات الخمس: النجوم والكواكب في جريها وتنقلها بين الأبراج وسيرها في أفلاكها هادئة أو مسرعة أو مدبرة أمرا بأمر الله تعالى.

стр. 8912

وإنما قال: ﴿أَمْراً﴾، لا أمورا؛ لأن المراد به الجنس، فيقوم مقام الجمع، وتدبير الأمر في الحقيقة لله تعالى، وإنما أضيف إلى الملائكة لإتيانها به، ولأنها من أسبابه. وجواب القسم محذوف، أي لتبعثن بعد الموت، بدليل إنكارهم البعث كما حكى الله عنهم فيما بعد بقوله: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً﴾ [١١] أي انبعث بعد نخر العظام؟ وإنما عطف الثلاثة الأولى بالواو، والباقيتين بالفاء؛ لأن هاتين مسببتان عن التي قبلها، كما قال الزمخشري. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ أي حين تتحرك الأرض وتضطرب الجبال، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ [المزمل ١٤/ ٧٣] ثم تتلوها السماء، فتنشق بما فيها من الكواكب وتنتثر. وقيل: ﴿الرّاجِفَةُ﴾: هي النفحة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، وتليها النفخة الثانية التي يكون عندها البعث. أخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي بن كعب ﵁، واللفظ للترمذي، قال: «إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: يا أيها الناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» زاد أحمد: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك». ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ أي هناك قلوب تكون يوم القيامة خائفة مضطربة قلقة، لما عاينت من أهوال يوم القيامة، وهي قلوب الكفار، وأبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال، بسبب موتهم على غير الإسلام، وإنكارهم البعث، وهذه هي أقوالهم:

стр. 8913

﴿يَقُولُونَ: أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ، أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً، قالُوا: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أي يقول مشركو قريش وأمثالهم المنكرون المعاد، المستبعدون وقوع البعث إذا قيل لهم: إنكم تبعثون، هل نردّ إلى حياتنا الأولى وابتداء أمرنا قبل الموت، فنصير أحياء بعد موتنا، وبعد المصير إلى الحافرة وهي القبور؟ وهو كقولهم: ﴿أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء ٩٨/ ١٧]. وكيف يتصور أن نرد إلى الحياة بعد تمزق أجسادنا وتفتت عظامنا، وصيرورتها عظاما بالية ناخرة؟ إن رددنا بعد الموت وصحّ أن بعثنا يوم القيامة لنخسرنّ أو تكون رجعة ذات خسران؛ لتكذيبنا بما أخبر به محمد، وسيصيبنا ما يقوله هذا النبي. وهذا القول صادر منهم على سبيل الاستهزاء والتهكم، لاعتقادهم ألا بعث. ثم ردّ الله تعالى عليهم وأفحمهم قائلا: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ أي لا تستبعدوا ذلك، فإنما الأمر يسير، ولا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله، وما هي إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية التي يبعث الله بها الموتى من القبور، فإذا هم على وجه الأرض أحياء، وحينئذ يحاسب الخلائق. والساهرة على الصحيح هي أرض الآخرة، وهي أرض بيضاء مستوية، والمراد بها هنا: وجهها الأعلى، وسطحها الظاهر. وإنما قيل لها ساهرة؛ لأنهم لا ينامون عليها حينئذ، وقيل: هي أرض بالشام. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - أقسم الله سبحانه بأنواع خمسة من الملائكة ذوي مهام متنوعة على أن القيامة حق. والقسم بها تعظيم لها وتنويه بها. ولله أن يقسم على ما يشاء في أي وقت يشاء،

стр. 8914

ولإثبات أو نفي ما يشاء، كالتوحيد وأن القرآن حق والرسول حق والبعث حق. والمقسم به من المخلوقات في القرآن الكريم أحد نوعين: الأول-أن تكون المخلوقات معظمة عند بعض الناس، كالشمس والقمر. الثاني-أن تكون المخلوقات مهملة مذهول عنها في أنظار الناس، كمواقع النجوم والرياح والملائكة. ٢ - في يوم القيامة الرهيب ترجف الأرض والجبال، وتتحرك وتضطرب، وتتبعها السماء، فتنشق وتنتثر، والأرض: هي الراجفة، والسماء: هي الرادفة، وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي النفخة الثانية. والظاهر المعنى الأول، قال مجاهد: الرادفة حين تنشق السماء، وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة. ٣ - تكون قلوب الكفار الذين ماتوا على غير دين الإسلام خائفة وجلة، وأبصار أصحابها منكسرة ذليلة من هول ما ترى. ٤ - أثبت المشركون المكذبون منكرو البعث على أنفسهم إنكار المعاد والبعث بأقوال ثلاثة، فإذا قيل لهم: إنكم تبعثون، قالوا منكرين متعجبين: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ ولا نتصور أن نعود كما كنا بعد أن نصير عظاما نخرة، أي بالية متفتّتة. وزادوا في الاستهزاء والتهكم، فقالوا: إننا إذا بعثنا فتلك رجعة خائبة، كاذبة باطلة. ٥ - ردّ الله تعالى عليهم وأفحمهم فقال: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله، فما هي إلا صيحة واحدة، فإذا هم بالساهرة أي على وجه الأرض أو سطحها، بعد أن كانوا في بطونها. قال الثوري: الساهرة: أرض الشام.

стр. 8915

التهديد بقصة موسى ﵇ مع فرعون ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)﴾ الإعراب: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور خبر مبتدأ محذوف، أي هل لك ميل أو رغبة؟ وهو استفهام معناه العرض، وهو لطف في الاستدعاء؛ لأن كل عاقل يجيب مثل هذا السؤال بنعم، فهو كلام محمول على «ادعوا» فكأنه قال: ادعوا إلى التزكي: وهو التحلي بالفضائل والتطهر من الرذائل. و ﴿تَزَكّى﴾ أصله: تتزكى، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، ومنهم من أبدل من التاء الثانية زايا، وأدغم التاء في الزاي، ولم يدغم الزاي في التاء؛ لأن في الزاي زيادة صوت. ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ ﴿نَكالَ﴾: إما مفعول لأجله، أو منصوب على أنه مصدر، فهو مصدر مؤكد، كوعد الله وصبغة الله، كأنه نكل الله به نكال الآخرة والأولى، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم، والمراد الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. البلاغة: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ أسلوب التشويق إلى معرفة القصة. المفردات اللغوية: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾؟ خطاب للنبي ﷺ بقصد تسليته على تكذيب قومه، وتهديدهم عليه بأن يصيبهم مثلما أصاب من هو أعظم منهم. ﴿الْمُقَدَّسِ﴾ المبارك المطهر، والوادي المقدس واد بأسفل جبل طور سيناء. ﴿طُوىً﴾ واد بين أيلة ومصر. ﴿اِذْهَبْ

стр. 8916

إِلى فِرْعَوْنَ﴾ على إرادة القول، أي وقال له. ﴿طَغى﴾ تجاوز الحد في الكفر. ﴿هَلْ لَكَ﴾ أدعوك أو هل ترغب فيه؟ ﴿إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والمراد: هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر أو الشرك والطغيان بأن تشهد أن لا إله إلا الله؟ وقرئ: تزكّى بتشديد الزاي بإدغام التاء الثانية في الزاي. والتزكي في الأصل: التطهر من العيوب. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ﴾ أرشدك إلى معرفته، أو أدلك على معرفته. ﴿فَتَخْشى﴾ فتخاف بأداء الواجبات وترك المحرمات. ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ أي فذهب وبلغ، فأراه المعجزة الكبرى والعلامة الدالة على صدقه في دعوى النبوة، وهي انقلاب العصا حية، أو اليد تخرج بيضاء. ﴿فَكَذَّبَ﴾ فرعون موسى. ﴿وَعَصى﴾ الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقق أمر النبوة. ﴿أَدْبَرَ﴾ ترك موسى وأعرض عن الإيمان والطاعة. ﴿يَسْعى﴾ في الأرض بالفساد وفي إبطال أمر موسى ومكايدته. ﴿فَحَشَرَ﴾ جمع السحرة وجنده. ﴿فَنادى﴾ في الجمع بنفسه أو بمناد. ﴿فَقالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ في ولاية أمركم، لا ربّ فوقي. ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ﴾ أهلكه بالغرق. ﴿نَكالَ﴾ عقوبة أو عذاب. ﴿الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ القيامة والدنيا، أي أخذه منكلا به في الآخرة بالإحراق في جهنم، وفي الدنيا بالإغراق. وقيل: المراد كلمته الآخرة وهي هذه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ وكلمته الأولى قبلها، وهي قوله: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨/ ٢٨] وكان بينهما أربعون سنة. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَعِبْرَةً﴾ لعظة. ﴿لِمَنْ يَخْشى﴾ لمن شأنه الخشية من الله تعالى. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث، واستهزاءهم في قولهم: ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وكان ذلك يشق على النبي محمد ﷺ ، ذكر له قصة موسى ﵇ مع فرعون الطاغية، حيث تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون، ليكون ذلك كالتسلية للرسول ﷺ عن تكذيب قومه وشدة عنادهم وإعراضهم عن دعوته. كما يكون ذلك تهديدا للكفار بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أقوى وأعتى وأشد شوكة وأكثر جمعا، فإن أصروا على كفرهم، واستمروا في تمردهم أخذهم الله، وجعلهم نكالا وعبرة، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ، قالُوا: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً، فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [فصّلت ١٣/ ٤١ - ١٤].

стр. 8917

التفسير والبيان: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى، إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ أي ألم يبلغك قصة موسى ﵇ مع فرعون، حيث ابتعثه الله إليه، وأيّده بالمعجزات، حين ناداه ربّه ليلا، مكلما إياه، مكلفا له بالنبوة والرسالة في الوادي المبارك المطهّر وهو طوى: وهو الوادي في جبل سيناء الذي نادى الرّب فيه موسى. وإنما ذكّر الله بقصة موسى ﵇؛ لأنه أبهر الأنبياء المتقدمين معجزة، ولأن فيها تسلية للنبي ﷺ عما يلاقيه من إعراض قومه، ولتهديد كفار قريش بإنزال عذاب مشابه لما أنزل بفرعون وجنوده، مع أنه كان أكثر جمعا وأشد قوة منهم. ثم أبان الله تعالى مهمة موسى ﵇ بقوله: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي قال الله له: اذهب إلى فرعون طاغية مصر، فإنه جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر بالله، حيث ادّعى الربوبية، وتجبر على بني إسرائيل، واستعبد قومه. ثم علّمه أسلوب الدعوة فقال: ﴿فَقُلْ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ أي فقل لفرعون بعد وصولك إليه: هل لك رغبة في التطهر من الشرك والعيوب؟ وإني أرشدك إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته، فتخاف عقابه، بأداء ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. والخشية لا تكون إلا من مهتد راشد. وإنما أمره الله بلين القول، ليكون أنجع في الدعوة؛ لأن دعوة الجبابرة تتطلب عادة التلطف والرفق والمداراة، لتخفيف غلوائهم، واستنزال شيء من

стр. 8918

عتوهم وتجبرهم. وقد تكرر الأمر باللين في هذه القصة في القرآن الكريم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ [طه ٤٤/ ٢٠]. والآية دليل على أن المقصود الأعظم من بعثة الرسل هداية الناس إلى معرفة الله، وأن معرفة الله تستفاد من الهادي. ثم أبان الله تعالى أن موسى أظهر لفرعون معجزته، فقال: ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ أي فأظهر له العلامة والمعجزة الكبرى الدالة على صدق نبوته، وهي انقلاب العصا حية أو اليد، ومع ذلك كذّب وخالف، كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى﴾ أي فكذب فرعون بموسى وبما جاء به وبالحق، وعصى الله فلم يطعه، وتولى وأعرض عن الإيمان، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض، ويجتهد في مكايدة موسى ومعارضة ما جاء به. والجمع بين ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى﴾ للدلالة على أنه كذب بالقلب واللسان، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر. ﴿فَحَشَرَ فَنادى، فَقالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أي فجمع جنوده للتشاور أو جمع السحرة للمعارضة، ثم نادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو أمر مناديا ينادي قائلا: أنا الرّب الأعلى، وصاحب السلطان المطلق، الذي ليس لأحد سواي ولاية أمركم، ولا ربّ فوقي، فكان جزاؤه الإغراق مع جنوده، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ أي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وانتقم منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله المتمردين في الدنيا، ونكّل به نكال الآخرة وهو عذاب النار، ونكال الأولى وهو

стр. 8919

عذاب الدنيا بالغرق، ليتعظ به من يسمع خبره، وإن فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه ويتعظ وينزجر، فينظر في أحداث الماضي، ويقيس بها أحوال الحاضر والمستقبل. فقوله: ﴿الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ أي الدنيا والآخرة، وهو الصحيح في معنى الآية كما قال ابن كثير. فقه الحياة أو الأحكام: إن قصة موسى ﵇ مع فرعون وجنوده عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ، فقد أرسله الله إليه، وأيّده بالمعجزات، ومع هذا استمر فرعون في كفره وطغيانه، فانتقم الله منه انتقاما شديدا، وأغرقه وجنوده في البحر الأحمر. وفي القصة تسلية للنبي ﷺ عما يلاقيه من صدود قومه، وتحذير للكفار المتمردين والعتاة المتجبرين بإنزال عقاب مماثل إن استمروا في كفرهم وعتوهم وإعراضهم عن قبول دعوة الإسلام. فلقد كان فرعون أقوى من كفار أي عصر، فإنه تجاوز الحدّ في العصيان، وأبى قبول دعوة موسى إلى تطهير نفسه من الذنوب والمآثم والكفر، ولم يقبل ما أرشده إليه من طاعة ربّه، ولم يصدّق بمعجزته وهي انقلاب العصا حية، أو اليد البيضاء تبرق كالشمس، وكذّب نبوته وعصى ربّه ، وولّى مدبرا معرضا عن الإيمان، ساعيا في الأرض بالفساد، وقال لقومه بصوت عال: أنا ربّكم الأعلى، أي لا ربّ لكم فوقي. ولكنه مع كل هذا لم يعجز الله القوي القادر القاهر، فأهلكه الله في الدنيا مع جنوده بالغرق، وسيعذبه في الآخرة بنار جهنم. إن في هذه القصة، وما أحل الله بفرعون من الخزي، وتحقيق العلو والنصر لموسى ﵇، لاعتبارا وعظة لمن يخاف الله ، ففيها بيان العقاب العادل وأسبابه ومسوغاته، وبها يتبين لكل عاقل ضرورة أن يدع التمرد على

стр. 8920

الله تعالى، والتكذيب لأنبيائه، خوفا من أن ينزل به ما نزل بفرعون وجنوده. كما عليه أن يعلم بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله. فمن ارتكب ما يوجب العقاب من مثل ذلك قولا وفعلا، اشترك في العقاب نفسه في الدنيا والآخرة. إثبات البعث بخلق السموات والأرض والجبال ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)﴾ الإعراب: ﴿بَناها﴾ الجملة صفة للسماء. ﴿أَخْرَجَ مِنْها﴾ الجملة حال بإضمار (قد) أي مخرجا. ﴿مَتاعاً لَكُمْ﴾ مفعول لأجله، لفعل مقدر، أي فعل ذلك متعة، أو منصوب على المصدر، أي تميعا. البلاغة: ﴿أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ بينهما مقابلة. ﴿السَّماءُ﴾ و ﴿الْأَرْضَ﴾ بينهما طباق. ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ استعارة تصريحية في كلمة ﴿مَرْعاها﴾ أي نباتها، شبه أكل الناس برعي الأنعام، وأستعير الرعي للإنسان، بجامع الأكل. فإطلاق المرعى على ما يأكله الناس استعارة.

стр. 8921

﴿ضُحاها﴾، ﴿دَحاها﴾، ﴿مَرْعاها﴾، ﴿أَرْساها﴾ سجع مرصع وهو توافق الفواصل في الحرف الأخير. المفردات اللغوية: ﴿أَشَدُّ خَلْقاً﴾ أصعب خلقا. ﴿أَمِ السَّماءُ﴾ أشد خلقا. ﴿بَناها﴾ بيان لكيفية خلقها، والمسؤول يجيب، ولا بد أن يكون الجواب: السماء، لما يرى من ديمومة بقائها وعدم تأثرها. ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ تفسير لكيفية البناء، والسمك أو السمت: مقدار الارتفاع من الأسفل إلى الأعلى، والمعنى: جعل الله مقدار ارتفاعها من الأرض وسماكتها باتجاه العلو رفيعا ثخينا. ﴿فَسَوّاها﴾ جعلها مستوية الخلق معدلة محكمة بلا عيب، بحيث جعل كل جزء في موضعه. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها﴾ أظلمه. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أبرز نور شمسها، والمراد بالضحى: النهار، كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ أي النهار. ﴿دَحاها﴾ بسطها ومهّدها للإنسان، وجعلها كالبيضة ليست تامة الكروية، كما هو معروف، فهي مفلطحة من جانبها. ﴿أَخْرَجَ مِنْها﴾ أي أخرج مخرجا منها. ﴿ماءَها﴾ بتفجير العيون. ﴿وَمَرْعاها﴾ نباتها، وهو يشمل ما ترعاه الأنعام من الشجر والعشب، وما يأكله الناس من الأقوات والثمار. ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم، أو تمتيعا لكم ولمواشيكم، والأنعام: جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم. المناسبة: بعد بيان قصة موسى وفرعون، عاد إلى مخاطبة منكري البعث محتجا عليهم ببدء الخلق على إعادته، فإنه تعالى خلق السموات البديعة، والأرض الوسيعة المعدّة للاستقرار والحياة عليها بإعداد وسائل المعيشة فيها، وخلق الجبال الرواسي لإرساء الأرض وتثبيتها. التفسير والبيان: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها؟﴾ أي هل أنتم أيها الناس أصعب خلقا بعد الموت، وبعثكم أشدّ عندكم وفي تقديركم من خلق السماء؟ لا شك بأن السماء أشدّ خلقا، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ

стр. 8922

وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١/ ٣٦]. فمن قدر على خلق السماء ذات الأجرام العظيمة التي يتحدث عنها علماء الفلك والفضاء بدهشة، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو واضح، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة؟! ثم بيّن الله تعالى صفة خلق السموات، وأنه بناها بضم أجزائها بعضها إلى بعض، مع ربطها بما يمسكها حتى صارت بناء واحدا، ورفع ثخانتها في الجو، وجعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض بدون أعمدة، وجعلها عالية البناء، مستوية الخلق، معدّلة الشكل، لا تفاوت فيها ولا اعوجاج، ولا فطور ولا شقوق، بان أبدع في خلق الكواكب العديدة التي تفوق الملايين، وجعل لكل كوكب حجما معينا، ومدارا يسير فيه دون تصادم مع غيره، حتى صار من مجموعها ما يسمى بالسماء، وما يشبه البناء. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي جعل ليل السماء مظلما، وأبرز وأنار نهارها المضيء بإضاءة الشمس، وجعل تعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول مناخا صالحا للعيش والسكنى. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ أي بسط الأرض ومهدها وجعلها مفلطحة كالبيضة بعد خلق السماء، إلا أنها كانت مخلوقة غير مدحوة قبل خلق السماء، ثم دحيت بعد خلق السماء، كما جاء في سورة السجدة (فصّلت): ﴿قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها، وَبارَكَ فِيها، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ، سَواءً لِلسّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [٩ - ١١] فهذه الآية دليل على أن خلق السموات كان بعد خلق الأرض، إلا أن دحو الأرض وتمهيدها كان بعد خلق السموات (١).

стр. 8923

ثم أوضح ما تم في أثناء الدحو من إعداد وسائل الحياة والعيش، فقال: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، وَالْجِبالَ أَرْساها، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي فجّر من الأرض الأنهار والبحار والعيون والينابيع، وأنبت فيها النبات لبني آدم قوتا كالحبوب والثمار، وللأنعام مرعى كالأعشاب والحشائش، وجعل الجبال كالأوتاد للأرض لئلا تميد بأهلها، وقررها وثبّتها في أماكنها. وجعل تعالى كل ذلك منفعة وفائدة أو تمتيعا لكم أيها الناس، ولأنعامكم أكلا وركوبا وهي الإبل والبقر والغنم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل ١٠/ ١٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - أثبت الله تعالى لمنكري البعث قدرته على إعادة الخلق والمعاد، بقدرته على بدء الخلق، وقدرته على خلق السموات العظيمة، المحكمة البناء، والتي جعل فيها الليل والنهار، وخلق الأرض التي دحاها وبسطها ومهدها بعد خلق السموات، وفجر منها الأنهار والينابيع، وأرسى الجبال في أماكنها، كل ذلك لتحقيق المنفعة للإنسان ودوابه التي يأكل منها ويركب عليها. ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ. فمن قدر على السماء قدر على الإعادة، وإذا كان الله قادرا على إنشاء العالم الأكبر، يكون على خلق العالم الأصغر، بل على إعادته أقدر. ٢ - نبّه الله تعالى بهذا الدليل على أمر معلوم بالمشاهدة، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة. ٣ - أشار الله تعالى إلى كيفية خلق السماء بقوله: ﴿بَناها﴾ وفيه تصوير

стр. 8924

للأمر المعقول، وهو الإبداع والاختراع، بالأمر المحسوس وهو البناء. ثم ذكر هيئة البناء بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ وهو الامتداد القائم من السفل إلى العلو، وعكسه يسمى عمقا. ٤ - دل قوله تعالى: ﴿فَسَوّاها﴾ على أن الأرض كروية، كما دل قوله تعالى: ﴿دَحاها﴾ على أن كروية الأرض ليست تامة، بل هي مفلطحة كالبيضة. ودحو الأرض لا ينافي تقدم خلق الأرض على السماء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ [البقرة ٢٩/ ٢]. ٥ - إنما نسب الله تعالى الليل والنهار إلى السماء؛ لأنهما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهذان إنما يحصلان بسبب حركة الفلك. ٦ - وصف الله تعالى كيفية خلق الأرض بعد وصف كيفية خلق السماء، وذكر صفات ثلاثا: هي دحو الأرض، أي بسطها وتمهيدها الذي حصل بعد خلق السماء، وإخراج الماء والمرعى من الأرض، والمرعى: يشمل جميع ما يأكله الناس والأنعام، وإرساء الجبال وتثبيتها في أماكنها. قال القتبي: دل الماء والمرعى على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء. ٧ - امتن الله تعالى على خلقه بأنه إنما خلق هذه الأشياء في السماء والأرض متعة ومنفعة لهم ولأنعامهم، أو تمتيعا لهم ولأنعامهم. ٨ - دل مجموع الآيات هنا، وفي سورة السجدة (فصلت) وسورة البقرة وغيرها، على أن الله تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بعد ذلك ثالثا؛ لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها.

стр. 8925

جزاء فريقي الناس في الآخرة وتفويض علم الساعة لله تعالى وقصر مدة الدنيا ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾ الإعراب: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل من قوله: ﴿فَإِذا جاءَتِ.﴾. وما: موصولة أو مصدرية. ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى.﴾. الفاء في ﴿فَأَمّا﴾: جواب إذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ وهي المأوى له؛ لأنه لا بد من ضمير يعود من الجملة إلى المبتدأ. وذهب الكوفيون إلى أن الألف واللام عوض عن الضمير العائد، والتقدير فيه: مأواه. ويصح أن يكون جواب ﴿فَإِذا جاءَتِ﴾ محذوفا، دل عليه: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ أو ما بعده من التفصيل. ﴿هِيَ الْمَأْوى﴾ هي إما ضمير فصل أو مبتدأ. البلاغة: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا.﴾. ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى.﴾. بينهما مقابلة. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ تشبيه مرسل مجمل. ﴿عَشِيَّةً﴾ و ﴿ضُحاها﴾ بينهما طباق.

стр. 8926

المفردات اللغوية: ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ الداهية العظمى وهي القيامة، التي تطمّ، أي تعلو على سائر الدواهي، والتي هي أكبر الطامات، أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث، أو ساعة سوق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ بأن يراه مدونا في صحيفته، وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة، والمراد: كل ما عمل في الدنيا من خير أو شر. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أظهرت. ﴿الْجَحِيمُ﴾ النار المحرقة. ﴿لِمَنْ يَرى﴾ لكل راء، بحيث لا تخفى على أحد. ﴿طَغى﴾ تكبر وتجاوز الحد، حتى كفر. ﴿وَآثَرَ﴾ قدّم وفضل. ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ باتباع الشهوات، ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس. ﴿الْمَأْوى﴾ المستقر، أي مأواه، واللام فيه سادّة مسدّ الإضافة، للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي. ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مقامه بين يدي ربّه لعلمه بالمبدأ والمعاد، أو جلاله وعظمته. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ زجرها وكفّها عن هواها المردي باتباع الشهوات. ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ ليس له سواها مأوى. والحاصل أن العاصي في النار والمطيع في الجنة. ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أي كفار مكة. ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ متى إرساؤها أي وقوعها وقيامها. ﴿فِيمَ﴾ أي في أي شيء. ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ أي ما أنت من ذكراها لهم، والمراد: ليس عندك علمها حتى تذكرها. ﴿مُنْتَهاها﴾ منتهى علمها، لا يعلمه غيره. ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ إنما ينفع إنذارك. ﴿مَنْ يَخْشاها﴾ يخافها، أي إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت. وأما تخصيص (من يخشى) فلأنه المنتفع بالإنذار. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا أو في القبور. ﴿إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ أي عشية يوم أو ضحاه، كقوله تعالى: ﴿إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦]. وإنما أضاف الضحى إلى العشية؛ لأنهما من يوم واحد. سبب النزول: نزول الآية (٤٢): ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ.﴾.: أخرج الحاكم وابن جرير عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يسأل عن الساعة، حتى أنزل عليه: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن مشركي أهل مكة سألوا

стр. 8927

النبي ﷺ ، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ استهزاء منهم، فأنزل الله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ إلى آخر السورة. وأخرج الطبراني وابن جرير عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر ذكر الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة مثله (١). المناسبة: بعد بيان أدلة القدرة الإلهية على البعث والحشر والنشر، من خلق السماء والأرض، وإثبات إمكان الحشر عقلا، أخبر الله تعالى بعد ذلك عن وقوعه فعلا، وما يصحبه من أهوال، وما يترتب عليه من انقسام الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وبعد بيان البرهان العقلي على إمكان القيامة، والإخبار عن وقوعها، وذكر أحوالها العامة وأحوال الأشقياء والسعداء فيها، أجاب الله تعالى عن تساؤل المشركين استهزاء وعنادا عن وقت حدوثها، وأوضح أن علمها مفوض إلى الله تعالى، وأن النبي ﷺ مبعوث للإنذار فقط، وأن ما أنكروه سيرونه، حتى كأنهم أبدا فيه، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، ثم مضت. التفسير والبيان: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ أي إذا حان وقت مجيئ الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات، وهي يوم القيامة أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث أو تسليم أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وينسى الإنسان كل شيء قبلها في

стр. 8928

جنبها، فصل الله تعالى بين الخلائق، فمنهم شقي وسعيد، فجواب (إذا) محذوف وهو: فصل الله.. ولذلك اليوم صفتان: إنه حين يتذكر الإنسان جميع ما عمله من خير أو شر؛ لأنه يشاهده مدونا في صحائف عمله، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر ٢٣/ ٨٩] وقال سبحانه: ﴿أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة ٦/ ٥٨]. وفيه تظهر نار جهنم المحرقة إظهارا لا يخفى على أحد. سواء أكان مؤمنا أم كافرا، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء ٩١/ ٢٦]. قال مقاتل: «يكشف عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق» فأما المؤمن: فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما الكافر: فيزداد غما إلى غمه، وحسرة إلى حسرته. ثم فصّل الله تعالى ما يحكم به بين الخلائق، فقال: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (١) أي فأما من تكبر وتمرد، وتجاوز الحد في الكفر والمعاصي، وقدّم الحياة الدنيا على أمر الدين والآخرة، ولم يستعد لها، ولا عمل عملها، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. قيل: نزلت الآية في النضر وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي وأما من خاف القيام بين يدي الله وخاف حكم الله فيه يوم القيامة، وأدرك عظمة الله وجلاله، ونهى نفسه عن هواها، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها، وردها إلى طاعة مولاها، فالجنة مكانه الذي يأوي

стр. 8929

إليه، ومستقره ومقامه، لا غيرها. والآية نزلت في مصعب بن عمير وأخيه عمار بن عمير، وهي عامة في كل مؤمن خاف الله، ولم يتبع هواه. وهذان الوصفان مضادان للوصفين اللذين وصف الله بهما أهل النار، فقوله: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ضد ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى﴾ وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ ضد قوله: ﴿وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾. والخوف من الله لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم بالله، على ما قال الله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر ٢٨/ ٣٥]. ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى، لذا قدمه على قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ (١). ثم ذكر الله تعالى تساؤل المشركين على سبيل الاستهزاء عن ميعاد القيامة، فقال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ أي يسألك أيها النبي المشركون المكذّبون بالبعث عن وقت إرساء القيامة وميعاد وقوعها، متى يقيمها الله ويوجدها، أو ما منتهاها ومستقرها كرسوّ السفينة؟ وذلك حين كانوا يسمعون النبي ﷺ يذكر القيامة بأوصافها الهائلة. مثل الطامة والصاخة والازفة والحاقة والقارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء: ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ أي زمان إرسائها. عن عائشة ﵂ كما تقدم-: لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها، حتى نزلت، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقال ابن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله ﷺ متى تكون الساعة، استهزاء؟ فانزل الله الآية.

стр. 8930

﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي: في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها؟ أو في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها، أي لست من ذلك في شيء (١). وهذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها، حرصا على جوابهم. والمعنى ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها ومنتهى علمها إلى الله ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، ولا يوجد علمها عند غيره، فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها؟ وهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. ونظير الآية: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان ٣٤/ ٣١]. ولهذا لما سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن وقت الساعة قال فيما أخرجه مسلم عن عمر: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟». ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ أي إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، وما أنت إلا مخوّف لمن يخشى قيام الساعة، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتّبعك فأفلح ونجا، ومن كذب بالساعة وخالفك، خسر وخاب، فدع علم ما لم تكلف به، واعمل بما أمرت به من إنذار. وخص الإنذار بأهل الخشية؛ لأنهم المنتفعون بذلك. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ أي إن هذا اليوم الذي يسألون عنه واقع حتما، وكأنهم فيه، فإنهم إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر، ورأوا الساعة (القيامة) استقصروا مدة الحياة الدنيا، ورأوا كأنها ساعة من نهار، أو عشية من يوم أو ضحى من يوم. والمراد تقليل مدة الدنيا في نفوسهم إذا رأوا
следующие страницы →