← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

المفردات اللغوية: ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ الداهية العظمى وهي القيامة، التي تطمّ، أي تعلو على سائر الدواهي، والتي هي أكبر الطامات، أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث، أو ساعة سوق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ بأن يراه مدونا في صحيفته، وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة، والمراد: كل ما عمل في الدنيا من خير أو شر. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أظهرت. ﴿الْجَحِيمُ﴾ النار المحرقة. ﴿لِمَنْ يَرى﴾ لكل راء، بحيث لا تخفى على أحد. ﴿طَغى﴾ تكبر وتجاوز الحد، حتى كفر. ﴿وَآثَرَ﴾ قدّم وفضل. ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ باتباع الشهوات، ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس. ﴿الْمَأْوى﴾ المستقر، أي مأواه، واللام فيه سادّة مسدّ الإضافة، للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي. ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ مقامه بين يدي ربّه لعلمه بالمبدأ والمعاد، أو جلاله وعظمته. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ زجرها وكفّها عن هواها المردي باتباع الشهوات. ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ ليس له سواها مأوى. والحاصل أن العاصي في النار والمطيع في الجنة. ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أي كفار مكة. ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ متى إرساؤها أي وقوعها وقيامها. ﴿فِيمَ﴾ أي في أي شيء. ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ أي ما أنت من ذكراها لهم، والمراد: ليس عندك علمها حتى تذكرها. ﴿مُنْتَهاها﴾ منتهى علمها، لا يعلمه غيره. ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ إنما ينفع إنذارك. ﴿مَنْ يَخْشاها﴾ يخافها، أي إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت. وأما تخصيص (من يخشى) فلأنه المنتفع بالإنذار. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا أو في القبور. ﴿إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ أي عشية يوم أو ضحاه، كقوله تعالى: ﴿إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦]. وإنما أضاف الضحى إلى العشية؛ لأنهما من يوم واحد. سبب النزول: نزول الآية (٤٢): ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ.﴾.: أخرج الحاكم وابن جرير عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يسأل عن الساعة، حتى أنزل عليه: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن مشركي أهل مكة سألوا

стр. 8927

النبي ﷺ ، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ استهزاء منهم، فأنزل الله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ إلى آخر السورة. وأخرج الطبراني وابن جرير عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر ذكر الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة مثله (١). المناسبة: بعد بيان أدلة القدرة الإلهية على البعث والحشر والنشر، من خلق السماء والأرض، وإثبات إمكان الحشر عقلا، أخبر الله تعالى بعد ذلك عن وقوعه فعلا، وما يصحبه من أهوال، وما يترتب عليه من انقسام الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. وبعد بيان البرهان العقلي على إمكان القيامة، والإخبار عن وقوعها، وذكر أحوالها العامة وأحوال الأشقياء والسعداء فيها، أجاب الله تعالى عن تساؤل المشركين استهزاء وعنادا عن وقت حدوثها، وأوضح أن علمها مفوض إلى الله تعالى، وأن النبي ﷺ مبعوث للإنذار فقط، وأن ما أنكروه سيرونه، حتى كأنهم أبدا فيه، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، ثم مضت. التفسير والبيان: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ أي إذا حان وقت مجيئ الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات، وهي يوم القيامة أو النفخة الثانية التي يكون معها البعث أو تسليم أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وينسى الإنسان كل شيء قبلها في

стр. 8928

جنبها، فصل الله تعالى بين الخلائق، فمنهم شقي وسعيد، فجواب (إذا) محذوف وهو: فصل الله.. ولذلك اليوم صفتان: إنه حين يتذكر الإنسان جميع ما عمله من خير أو شر؛ لأنه يشاهده مدونا في صحائف عمله، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر ٢٣/ ٨٩] وقال سبحانه: ﴿أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة ٦/ ٥٨]. وفيه تظهر نار جهنم المحرقة إظهارا لا يخفى على أحد. سواء أكان مؤمنا أم كافرا، كما قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء ٩١/ ٢٦]. قال مقاتل: «يكشف عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق» فأما المؤمن: فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما الكافر: فيزداد غما إلى غمه، وحسرة إلى حسرته. ثم فصّل الله تعالى ما يحكم به بين الخلائق، فقال: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (١) أي فأما من تكبر وتمرد، وتجاوز الحد في الكفر والمعاصي، وقدّم الحياة الدنيا على أمر الدين والآخرة، ولم يستعد لها، ولا عمل عملها، فالنار المحرقة هي مأواه ومثواه ومستقره؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. قيل: نزلت الآية في النضر وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي وأما من خاف القيام بين يدي الله وخاف حكم الله فيه يوم القيامة، وأدرك عظمة الله وجلاله، ونهى نفسه عن هواها، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها، وردها إلى طاعة مولاها، فالجنة مكانه الذي يأوي

стр. 8929

إليه، ومستقره ومقامه، لا غيرها. والآية نزلت في مصعب بن عمير وأخيه عمار بن عمير، وهي عامة في كل مؤمن خاف الله، ولم يتبع هواه. وهذان الوصفان مضادان للوصفين اللذين وصف الله بهما أهل النار، فقوله: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ ضد ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى﴾ وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ ضد قوله: ﴿وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾. والخوف من الله لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم بالله، على ما قال الله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر ٢٨/ ٣٥]. ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى، لذا قدمه على قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ (١). ثم ذكر الله تعالى تساؤل المشركين على سبيل الاستهزاء عن ميعاد القيامة، فقال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ أي يسألك أيها النبي المشركون المكذّبون بالبعث عن وقت إرساء القيامة وميعاد وقوعها، متى يقيمها الله ويوجدها، أو ما منتهاها ومستقرها كرسوّ السفينة؟ وذلك حين كانوا يسمعون النبي ﷺ يذكر القيامة بأوصافها الهائلة. مثل الطامة والصاخة والازفة والحاقة والقارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء: ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ أي زمان إرسائها. عن عائشة ﵂ كما تقدم-: لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها، حتى نزلت، فلما نزلت هذه الآية انتهى. وقال ابن عباس: سأل مشركو مكة رسول الله ﷺ متى تكون الساعة، استهزاء؟ فانزل الله الآية.

стр. 8930

﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها، إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي: في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها؟ أو في أي شيء أنت من ذكر تحديدها ووقتها، أي لست من ذلك في شيء (١). وهذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها، حرصا على جوابهم. والمعنى ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها ومنتهى علمها إلى الله ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين، ولا يوجد علمها عند غيره، فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها؟ وهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها. ونظير الآية: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً، يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ [الأعراف ١٨٧/ ٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان ٣٤/ ٣١]. ولهذا لما سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن وقت الساعة قال فيما أخرجه مسلم عن عمر: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟». ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ أي إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، وما أنت إلا مخوّف لمن يخشى قيام الساعة، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتّبعك فأفلح ونجا، ومن كذب بالساعة وخالفك، خسر وخاب، فدع علم ما لم تكلف به، واعمل بما أمرت به من إنذار. وخص الإنذار بأهل الخشية؛ لأنهم المنتفعون بذلك. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ أي إن هذا اليوم الذي يسألون عنه واقع حتما، وكأنهم فيه، فإنهم إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر، ورأوا الساعة (القيامة) استقصروا مدة الحياة الدنيا، ورأوا كأنها ساعة من نهار، أو عشية من يوم أو ضحى من يوم. والمراد تقليل مدة الدنيا في نفوسهم إذا رأوا

стр. 8931

أهوال القيامة. وقال ابن عباس: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا يوما واحدا. وقيل: لم يلبثوا في قبورهم إلا عشية أو ضحاها، وذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - ليس هناك تصوير أوقع لحال تفاعل النفس وانفعالها بمشهد خطير، مثل هذا التصوير لعلاقة النفس الإنسانية بقيام القيامة. فإنه إذا وقعت الواقعة، وأتت الداهية العظمى، وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث، كما قال ابن عباس، تذكّر الإنسان ما عمل من خير أو شر، وشاهد الجحيم النار المحرقة التي تبرز عيانا لكل إنسان مؤمن أو كافر. قال ابن عباس: «يكشف عنها، فتراها تتلظى كل ذي بصر» يراها الكافر بما فيها من أصناف العذاب، ويراها المؤمن ليعرف قدر النعمة التي أنعم الله بها عليه، ويشاهد الكافر الذي يصلى النار. ٢ - الناس يوم القيامة والبعث فريقان: السعداء والأشقياء. فأما من عتا وتمرد، وتكبر وتجاوز الحد في الكفر والعصيان، وقدّم الحياة الدنيا على الآخرة، فمأواه ومستقرّه النار. وأما من حذر مقامه بين يدي ربه، وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم، فمثواه ومستقره الجنة. قال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة؛ لقوله : ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾. ٣ - أدّى تساؤل المشركين عن وقت قيام الساعة استهزاء إلى كثرة سؤال النبي ﷺ عن ذلك، حرصا على جوابهم. ولكن الله جلّت حكمته اختص بعلم

стр. 8932

الساعة، ولم يطلع أحدا عليها؛ لأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا، فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها، بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقتها كالموت. ٤ - حجب الله نبيه عن السؤال عن الساعة، وأعلمه بأن علمها إلى الله وحده، ووجّهه للعناية والقيام بمهمته الأصلية: وهي الإنذار والتخويف لمن يخشى مقام الله؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذرا لكل مكلف، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس ١١/ ٣٦]. ٥ - كل ما هو في حكم الواقع واقع حتما، فكأن الكفار والمشركين الذين يتساءلون عن القيامة استهزاء وتهكما واقعون فيها، قائمون في ساحاتها، وهم حين يرونها وما فيها من أهوال تشيب لها الولدان، يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، ويقدّرون أنها قدر عشية من ليل أو ضحى من نهار يتبع تلك العشية، والمراد تقليل مدة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦].

стр. 8933

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة عبس مكيّة. وهي اثنتان وأربعون اية. تسميتها: سميت سورة (عبس) لافتتاحها بهذا الوصف البشري المعتاد الذي تقتضيه الجبلّة الإنسانية، ويغلب على الإنسان حينما يكون مشغولا بأمر مهم، ثم يطرأ عليه أمر آخر لصرفه عن الأمر السابق، ومع ذلك عوتب النبي ﷺ على عبوسه تساميا لقدره، وارتفاعا بمنزلته النبوية. مناسبتها لما قبلها: لهذه السورة تعلق بما قبلها وهي النازعات؛ لأنه تعالى ذكر هناك أن النبي ﷺ منذر من يخشى الساعة، وهنا ذكر من ينفعه الإنذار، وهم الذين كان رسول الله ﷺ يناجيهم في أمر الإسلام ويدعوهم إليه وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة. كما أن بينهما تشابها في موضوع الحديث عن يوم القيامة وأهوالها، وإثبات البعث بمخلوقات الله في الإنسان والكون، فهناك وصفت القيامة بقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ [٣٤] وهنا وصفت بقوله سبحانه: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [٣٣] وهما من أسماء يوم القيامة. وهناك أثبت الله البعث بخلق السماء والأرض والجبال، وهنا أثبته بخلق الإنسان والنبات والطعام.

стр. 8934

ما اشتملت عليه السورة: موضوع السورة كسائر موضوعات السور المكية التي تعنى بالعقيدة والرسالة والأخلاق التي قوامها في الإسلام المساواة بين الناس، دون تفرقة بين غني وفقير. ابتدأت السورة بذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم ابن خال خديجة بنت خويلد الذي قدم إلى الرسول ﷺ للتعلم، في وقت كان فيه مشغولا مع جماعة من صناديد قريش يدعوهم إلى الإيمان، فعبس النبي ﷺ وجهه وأعرض عنه، فعاتبه الله بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى.﴾. [الآيات ١ - ١٦] وأبانت أن القرآن ذكرى وموعظة لمن عقل وتدبر. ثم نددت بجحود الإنسان وكفره بنعم ربه وإعراضه عن هداية الله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ.﴾. [الآيات ١٧ - ٢٣]. وأردفت ذلك بإقامة الأدلة على قدرة الله ووحدانيته بخلق الإنسان والنبات وتيسير طعام ابن آدم وشرابه، لإثبات القدرة على البعث: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ.﴾. [الآيات ٢٤ - ٣٢]. وختمت السورة بوصف أهوال يوم القيامة، وفرار الإنسان من أقرب الناس إليه، وبيان حال المؤمنين السعداء والكافرين الأشقياء في هذا اليوم: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ.﴾. [الآيات في ٣٣ - ٤٢]. سبب نزول السورة: نزلت هذه السورة في شأن عبد الله بن أم مكتوم ابن خال خديجة ﵂. ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة، وهذا أشهر وأكثر كما في جامع الأصول، واسم أم مكتوم: عاتكة بنت عامر بن مخزوم. وذلك أنه أتى رسول الله ﷺ ، وعنده صناديد قريش: عبتة وشيبة ابنا

стр. 8935

ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلّمني مما علمك الله، وكرر ذلك، وهو لا يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟». واستخلفه على المدينة واليا مرتين في غزوتين غزاهما (١). قال أنس: فرأيته يوم القادسية راكبا، وعليه درع، ومعه راية سوداء. ويروى: أنه ﷺ ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدّى لغني. وعلّق القرطبي على أسماء الصناديد المذكورين بقوله: وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضرا معه، وكان موتهما كافرين، أحدهما قبل الهجرة، والآخر ببدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا حضر عنده مفردا، ولا مع أحد (٢). ثم علّق أبو حيان على ذلك بقوله: والغلط من القرطبي، كيف ينفي حضور ابن أم مكتوم معهما، وهو وهم منه، وكلهم من قريش، وكان ابن أم مكتوم منها، والسورة كلها مكية بالإجماع، وابن أم مكتوم كان أولا بمكة، ثم هاجر إلى المدينة، وكانوا جميعهم بمكة حين نزول هذه الآية، وابن أم مكتوم، هو عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي القرشي، وأم مكتوم أم أبيه عاتكة، وهو ابن خال خديجة ﵂ (٣). .

стр. 8936

المساواة في الإسلام ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠)﴾ الإعراب: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ ﴿أَنْ جاءَهُ﴾: في موضع نصب؛ لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن جاءه، فحذف اللام فاتصل الفعل به. ومنهم من جعله في موضع جر، بإعمال حرف الجر مع الحذف، لكثرة حذفها معها، وهي وحرف الجر في موضع نصب بالفعل قبلها. ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾: بالنصب على جواب الترجي: (لعل) بالفاء بتقدير (أن). وبالرفع بالعطف على ﴿يَذَّكَّرُ﴾. ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿يَسْعى﴾: حال من فاعل: جاء. ﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ حال من فاعل: يسعى، وهو الأعمى. البلاغة: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى.﴾. ثم قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار، وزيادة في العتاب، وتنبيها للرسول ﷺ إلى العناية بشأن الأعمى، كمن يشكو جانيا بطريق الغيبة، وهو حاضر، ثم يقبل على الجاني مواجها بالتوبيخ. وفي ذكر الأعمى إنكار أيضا؛ لأن العمى يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالبا، لا التولي والعبوس. ﴿يَذَّكَّرُ﴾ و ﴿الذِّكْرى﴾ جناس اشتقاق. ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ سجع مرصع. ﴿تَصَدّى﴾ ﴿تَلَهّى﴾ بينهما طباق.

стр. 8937

المفردات اللغوية: ﴿عَبَسَ﴾ قطّب وجهه. ﴿وَتَوَلّى﴾ أعرض. ﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ لأجل أن جاءه عبد الله بن أم مكتوم، فقطعه عما هو مشغول به من محاولة هداية أشراف قريش إلى الإسلام. وقد أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول ﷺ ، والأعمى: هو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الزهري. وقد عاتب الله نبيه على عبوسه في وجه الأعمى، حتى لا تنكسر قلوب أهل الصّفّة؛ أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني، وأن النظر إلى المؤمن أولى وأصلح، وإن كان فقيرا، من النظر إلى غيره، وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان فيه نوع من المصلحة أيضا (١). ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أي: أيّ شيء يعلمك ويعرّفك حال هذا الأعمى؟ ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وبما يتعرف عليه من الشرائع، وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ يتعظ، أصله يتذكر، فأدغم التاء في الذال. ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ العظة المسموعة منك. ﴿اِسْتَغْنى﴾ بالمال والجاه والقوة عن سماع القرآن. ﴿تَصَدّى﴾ تقبل وتعرض، وقرئ: ﴿تَصَدّى﴾ وأصله: تتصدى. فأدغم التاء الثانية بالصاد. ﴿أَلاّ يَزَّكّى﴾ يتطهر ويؤمن، أي ليس عليك بأس في ألا يتزكى بالإسلام، حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم، إن عليك إلا البلاغ. ﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ أي يخاف الله، وهو الأعمى. ﴿تَلَهّى﴾ تتشاغل، وأصله تتلهى، فحذفت التاء الأخرى. سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿عَبَسَ﴾: أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت: أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يعرض عنه، ويقبل على الآخر، فيقول له: أترى بما أقول بأسا؟ فيقول: لا، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾. وأخرج أبو يعلى مثله عن أنس.

стр. 8938

التفسير والبيان: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ أي قطب النبي ﷺ وجهه، وأعرض، لأن جاءه الأعمى وقطع كلامه، وهو عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله ﷺ أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، فأعرض عنه، فنزلت. وعذر ابن أم مكتوم أنه لم يدر بتشاغل النبي ﷺ . ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾؟ أي وما يعلمك ويعرفك يا محمد لعل الأعمى يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك، أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ، فتنفعه الموعظة. وفي هذا إيماء إلى أن غير الأعمى ممن تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من المشركين لا يرجى منهم الهداية. وفيه تعظيم من الله سبحانه لابن أم مكتوم. وكان هذا التصرف من النبي ﷺ بمثابة ترك الاحتياط وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنبا البتة، ولا مصادما لمبدأ عصمة الأنبياء، لصدور الفعل عن أمر تابع للجبلّة الإنسانية كالرضا والغضب والضحك والبكاء، والتي رفع عنها التكليف في شريعة الإسلام. وبعد هذا الوصف المؤذن بالعتاب جاء العتاب صريحا في قوله تعالى: ١ - ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أي أما من استغنى بماله وثروته وقوته عما لديك من معارف القرآن والهداية الإلهية، وعن الإيمان والعلم، فأنت تقبل عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به. ﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ أي لا بأس ولا شيء عليك في ألا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان مثل هؤلاء من الكفار.

стр. 8939

٢ - ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى، وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أي وأما من أتى إليك مسرعا في طلب الهداية والإرشاد إلى الخير، والعظة بمواعظ الله، وهو يخاف الله تعالى، فأنت تتشاغل عنه وتعرض وتتغافل. لذا أمر الله تعالى رسوله ﷺ ألا يخص بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والغني والفقير، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم يهدي الله تعالى من يشاء إلى صراط مستقيم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - الآية عتاب من الله تعالى لنبيه ﷺ في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم، حتى لا تنكسر قلوب الفقراء، وليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني. ٢ - بالرغم من أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر؛ لأنه أبى إلا أن يكلم النبي ﷺ حتى يعلّمه، فكان في هذا نوع جفاء منه، بالرغم من هذا عاتب الله تعالى نبيه ﷺ ؛ لأن الأهم مقدم على المهم. ويستحق التأديب أيضا؛ لأنه كان قد أسلم وتعلّم ما كان يحتاج إليه من أمر الدين. أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا، وإسلامهم سبب لإسلام جمع عظيم. ٣ - عذر ابن أم مكتوم: أنه لم يكن عالما بأن النبي ﷺ مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم. ٤ - الآية دليل واضح على وجوب المساواة في الإسلام في شأن الإنذار وتبليغ الدعوة دون تمييز بين فقير وغني. ونظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢/ ٦] وقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ

стр. 8940

يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، وَاتَّبَعَ هَواهُ، وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف ٢٨/ ١٨]. ٥ - أراد الله توفير جهد نبيه ﷺ في دعوة رؤساء قريش إلى الإسلام، وهم في الحقيقة لن يؤمنوا، وكفاهم ما بلّغهم به من دعوته إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأوثان، وليس عليه بأس بعدئذ في ألا يهتدوا ولا يؤمنوا، فإنما هو رسول، ما عليه إلا البلاغ، ولا يصح أن يكون الحرص على إسلامهم مؤديا إلى الإعراض عمن أسلم، للاشتغال بدعوة من لم يسلم. القرآن موعظة وتذكرة ونعم الله في نفس الإنسان ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)﴾ الإعراب: ﴿فِي صُحُفٍ﴾ خبر ثان ل ﴿إِنَّها﴾ وما قبله اعتراض، أو خبر لمبتدأ محذوف. ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ ﴿ما﴾ إما تعجبية، وإما استفهامية. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ السبيل منصوب بفعل يفسره الظاهر، للمبالغة في التيسير. ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ ﴿لَمّا﴾ حرف جزم، معناه النفي لما قرب من الحال. و ﴿ما أَمَرَهُ﴾ تقديره: لما أمر به، فحذف الباء من «به» ثم حذف الهاء العائدة إلى «ما» فصار: لما أمره.

стр. 8941

البلاغة: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ؟﴾ أسلوب التعجب، تعجب من إفراط كفره، مع كثرة إحسان الله إليه. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ إجمال، ثم تفصيل بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ كناية بالسبيل عن خروجه من فرج الأم. ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ إلخ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهو المسمى، بالسجع المرصع. المفردات اللغوية: ﴿كَلاّ﴾ كلمة ردع وزجر، والمراد هنا زجر المخاطب عن المعاتب عليه، أو عن معاودة مثله، أي لا تفعل مثل ذلك. ﴿إِنَّها﴾ أي الهداية أو آيات القرآن. ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ موعظة، وهي في معنى الذكر والوعظ، لذا ذكر الضمير العائد إليها في قوله: ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي اتعظ به، أو حفظه. والمراد أن هذا القرآن، أو هذا التأديب الذي عرّفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة. ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أي إن التذكرة مثبتة كائنة مودعة في صحف شريفة عند الله. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعة القدر في السماء. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ منزهة عن أيدي الشياطين، وعن النقص. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ كتبة من الملائكة ينسخونها من اللوح المحفوظ. ﴿كِرامٍ﴾ إعزاء على الله تعالى. ﴿بَرَرَةٍ﴾ أتقياء مطيعين لله تعالى، وهم الملائكة. ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في كفران النعم أو استفهام توبيخ، أي ما حمله على الكفر؟! ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بيان لما أنعم عليه، والاستفهام للتحقير. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ من مني ثم من علقة ثم من مضغة إلى آخر خلقه. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي أنشأه في أطوار وأحوال مختلفة. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي سهّل له مخرجه من بطن أمه، وهو كناية، أو سهل له طريق الخير والشر. ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ جعله في قبر يستره، ويوارى فيه. ﴿أَنْشَرَهُ﴾ بعثه بعد الموت. ﴿كَلاّ﴾ ردع للإنسان عما هو عليه من الترفع والتكبر. ﴿لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ أي لم يفعل ما أمره الله به بنحو كامل؛ إذ لا يخلو أحد من التقصير في شيء ما.

стр. 8942

سبب النزول: نزول الاية (١٧): ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ.﴾.: أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ قال: نزلت في عتبة بن أبي لهب حين قال: كفرت برب النجم. المناسبة: بعد عتاب الله لنبيه على عبوسه في وجه عبد الله بن أم مكتوم بسبب انشغاله مع رؤساء قريش، سرّى الله عنه بقوله: ﴿كَلاّ﴾ أي لا تفعل مثل ذلك، وعرّفه بأن الهداية لا تحتاج لجهود ومحاولات كثيرة، وأن هذا التأديب الذي أوحى إليه به كان لإجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا، وهذا القرآن مجرد تذكرة لتنبيه الغافلين، فمن رغب فيها، اتعظ بها وحفظها وعمل بموجبها، وهي مودعة في صحف شريفة القدر. وبعد بيان حال القرآن وأنه كتاب الذكرى والموعظة، ذمّ الله الإنسان ووبخه على كفران نعم ربه، وتكبره وتعاظمه عن قبول هداية الله له، وأنه استحق أعظم أنواع العقاب لأجل ارتكابه أعظم أنواع القبائح. التفسير والبيان: ﴿كَلاّ، إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ أي لا تفعل مثل فعلك مع ابن أم مكتوم، من الإعراض عن الفقير، والتصدي للغني مع كونه ليس ممن يتزكى، وإن هذه الآيات أو السورة أو القرآن موعظة، جدير بك وبأمتك أن تتعظ بها وتعمل بموجبها.

стр. 8943

وفي الآية تعظيم شأن القرآن، فسواء قبله الكفرة أم لا، فلا يؤبه بهم، ولا يلتفت إليهم. ثم وصف تلك التذكرة بأمرين: ١ - ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي إن هذه تذكرة بيّنة ظاهرة، مقدور على فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها، فمن رغب فيها اتعظ بها، وحفظها، وعمل بموجبها. ٢ - ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ أي إنها تذكرة مثبتة مودعة كائنة في صحف مكرمة عند الله، لما فيها من العلم والحكمة، ولنزولها من اللوح المحفوظ، رفيعة القدر عند الله، منزّهة لا يمسّها إلا المطهرون، مصانة عن الشياطين والكفار، لا ينالونها، ومنزّهة عن النقص والضلالات، محمولة بأيدي ملائكة سفرة وسائط يسفرون بالوحي بين الله ورسله لتبليغها للناس، من السفارة: وهي السعي بين القوم. وهم كرام على ربهم، كرام عن المعاصي، أتقياء مطيعون لربهم، صادقون في إيمانهم، أي إن الله تعالى وصف الملائكة بصفات ثلاث: هي كونهم سفراء ينزلون بالوحي بين الله وبين رسله، وكرام على ربهم، ومطيعون لله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦/ ٢١] وقال: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦/ ٦٦]. قال ابن جرير الطبري: والصحيح أن السفرة: الملائكة، والسفرة يعني بين الله تعالى وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير. أخرج الجماعة أحمد وأصحاب الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها

стр. 8944

قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو عليه شاق، له أجران. ثم ذم الله تعالى من أنكر البعث والنشور من الناس بقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ أي لعن الإنسان الكافر أو قتل أو عذب ما أشد كفره؟! وهذا دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في الكفر، ودليل على سخط عظيم وذم بليغ، يدل على قبح حاله، وبلوغه حدا من العتو والكبر لا يستحق معه الحياة. وهذا جار على أسلوب العرب عند التعجب من شيء، فيقال: قاتله الله ما أفصحه؟! والمراد بالكلام الملائم في حقه تعالى هنا: إرادة إيصال العقاب الشديد للكافر. ثم ذكّره بخلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أي من أي شيء مهين حقير، خلق الله هذا الكافر بربّه؟ فلا ينبغي له التكبر عن الطاعة، إنه تعالى خلقه من ماء مهين، وقدّره أطوارا وأحوالا، وسوّاه وهيّأه لمصالح نفسه، وأتمّ خلقه وأكمله بأعضائه الملائمة لحاجاته مدة حياته، وزوّده بطاقات العقل والفكر والفهم، والقوى والحواس للاستفادة من نعم الله تعالى، فلا يستعملها فيما يغضب الله، وإنما عليه استعمالها في رضوان الله. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ إما كناية عن خروجه بسهولة من فرج أمه، وإما أنه تعالى يسر له الطريق إلى تحصيل الخير أو الشر، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠] أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر، وقال سبحانه: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ، إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ [الدهر ٣/ ٧٦]. ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي أنه بعد خلقه له وتمكينه من الحياة قبض روحه، وجعله في قبر يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ملقى على

стр. 8945

وجه الأرض تأكله السباع والطير، ثم إذا شاء الله إنشاره أحياه بعد موته، أو بعثه بعد موته، في الوقت الذي يريده الله تعالى. ومنه يقال: البعث والنشور. والإماتة ستر للعيوب بعد الهرم أو المرض، والإقبار تكرمة حيث لم يلق للطير والسباع، والإنشار أي البعث عدل وفضل. ثم لامه على تقصيره، وأكد كفره بالنعم، فقال: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ أي هذا ردع وزجر للإنسان عما هو عليه، فلم يخل إنسان من تقصير قط، فبعض الناس أخل بالكفر، وبعضهم بالعصيان، وبعضهم بارتكاب خلاف الأولى والأفضل لما يليق بمنزلته، وما قضى ما أمره الله إلا القليل. والآية تدل على العجب من حال الإنسان، فإنه قد ينكر خالقه بعد قيام الأدلة على وجوده في نفسه وفي السموات والأرض، وقد يجحد نعمة ربه، فلا يقابلها بالحمد والشكر وعرفان الجميل، وينسبها إلى نفسه، وقد يعصي الله بالرغم من وجود أدلة الهداية والرشد، وإدراكه مخاطر العصيان. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ١ - القرآن الكريم كتاب تذكرة وموعظة وتبصرة للناس جميعا، فمن أراد اتعظ بالقرآن وانتفع به وعمل بموجبه. وهذا دليل على حرية الاختيار. ٢ - القرآن كتاب جليل عند الله، فهو مثبت مودع في صحف مكرمة عند الله، لما فيها من العلم والحكمة، رفيعة القدر عند الله، مطهرة من كل دنس، مصانة عن أن ينالها الكفار، محمولة بأيدي ملائكة جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله، وهم كرام على ربهم، كرام عن المعاصي، يرفعون أنفسهم عنها، مطيعون

стр. 8946

لله، صادقون لله في أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٧/ ٥٦ - ٧٩]. ٣ - لعن الإنسان حيث كفر بالقرآن، وما أظلمه حيث أنكر البعث والنشور، فالله قادر على إعادته كما قدر على بدء خلقه، فإنه خلقه من ماء يسير مهين، ثم جعله يمر بأطوار بعد كونه نطفة، إلى وقت إنشائه خلقا آخر، وبأحوال من كونه ذكرا أو أنثى أو شقيا أو سعيدا، حسنا أو دميما، قصيرا أو طويلا، فكيف يليق به التكبر والتجبر عن أوامر الله؟ ثم يسر له سلوك طريق الخير والشر، أي بيّن له ذلك، كما قال: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الدهر ٣/ ٧٦] وقال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد ١٠/ ٩٠]. ثم جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والسباع. وهذا دليل على أن الله سبحانه أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم، سواء أكانوا مؤمنين أم كفارا، دون أن يطرحوا على وجه الأرض، طعمة للسباع، كسائر الحيوان. ثم إذا شاء الله أنشره، أي أحياه بعد موته. وكل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه إذا شاء أن ينشر الإنسان ببعثه من قبره أنشره. وهذه الانتقالات أو المراتب ثلاث: الأولى-بداية خلقه من ماء مهين، وهذا دليل على زيادة التقرير في التحقير، والثانية المتوسطة-التمييز بين الخير والشر، والثالثة الأخيرة-الإماتة والإقبار، والإنشار، أي الإحياء بعد البعث. ٤ - كل إنسان إلا القليل مقصر في حق الله، فلا يقضي أحد ما أمر به، من الإيمان والطاعة، والتأمل في دلائل الله، والتدبر في عجائب خلق الله وبينات حكمته.

стр. 8947

نعم الله فيما يحتاج إليه الإنسان ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)﴾ الإعراب: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ، أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ ﴿أَنّا﴾ إما بدل من ﴿طَعامِهِ﴾ بدل اشتمال؛ لأن هذه الأشياء تشتمل على الطعام، وإما على تقدير اللام، أي لأنا صببنا. وتقرأ بالكسر ﴿أَنّا﴾ على الابتداء والاستئناف. المفردات اللغوية: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ﴾ نظر تأمل واعتبار. ﴿إِلى طَعامِهِ﴾ كيف أوجد وقدر ودبر له والظاهر أن الطعام هو المطعوم. ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا﴾ أي أنزلناه بسخاء وكثرة من السحاب، وهو بيان لكيفية إحداث الطعام. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ أي شققناه بالنبات، وإسناد الصب والشق إلى الله نفسه إسناد الفعل إلى السبب. ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ كالحنطة والشعير. ﴿وَقَضْباً﴾ هو القت الرطب أو البرسيم، سمي قضبا لأنه يقضب، أي يقطع مرة بعد أخرى. ﴿وَحَدائِقَ غُلْباً﴾ بساتين ضخاما عظاما، كثيرة الأشجار، جمع غلباء، وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها. ﴿وَأَبًّا﴾ الأب: العشب أو ما ترعاه البهائم، سمي أبّا؛ لأنه يؤبّ، أي يؤم وينتجع. ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ متعة أو تمتيعا، أي أنبتناه لكم لتتمتعوا وتنتفع أنعامكم، فبعض الأنواع المذكورة طعام وبعضها علف. المناسبة: بعد بيان الدلائل على قدرة الله تعالى وتعداد نعمه في الأنفس البشرية أو الذوات، ذكر الله دلائل الآفاق، وعدّد النعم التي يحتاج إليها الإنسان لقوام حياته.

стр. 8948

التفسير والبيان: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ أي فليتأمل الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي يعيش به، ويكون سببا لحياته، وكيف دبره وهيأه له. وفي هذا امتنان بهذه النعمة، واستدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظاما بالية. ثم أوضح كيفية إيجاد الطعام، فقال: ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ أننا أنزلنا الماء من السماء أو سحاب على الأرض بغزارة وكثرة، فصب الماء هو المطر، ثم أسكناه في الأرض، ثم روينا البذر المودع فيها، ثم شققناها بالنبات الخارج منها، فارتفع وظهر على وجهها، فكان هناك أنواع مختلفة من النباتات في الصغر والكبر، والهيئة والشكل، واللون والطعم، والأغراض المتنوعة كالغذاء والدواء والمرعى، لذا ذكر تعالى بعدئذ ثمانية أنواع من النبات بقوله: ١ - ٣ - ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً﴾ أي فأنبتنا في الأرض الحبوب التي يتغذى بها كالحنطة والشعير والذرة، والأعناب المتنوعة، والرطبة أو القت أو البرسيم أو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. والمعنى أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبا وعنبا وقضبا. وقيل: القضب: العلف. ٤ - ٥ - ﴿وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً﴾ أي وأنبتنا أيضا شجر الزيتون والنخيل، وثمرتهما معروفة. ٦ - ٨ - ﴿وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً، وَأَبًّا﴾ أي بساتين ذات أشجار ضخمة ومتكاثفة كثيرة، وفاكهة وهي كل ما يتفكه به من الثمار، أي يستمتع به، كالتفاح والكمثّرى والموز والخوخ والتين ونحوها، وعشبا أو حشيشا مرعى

стр. 8949

للدواب، فالأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع المرعى للحيوان. ثم ذكر وجه النعمة أو الحكمة في خلق هذه النباتات، فقال: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي جعلنا ذلك متعة أو عيشة لكم ولأنعامكم، لتنتفعوا بها وتأكلها بهائمكم، والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - أمر الله تعالى بالنظر والاستدلال والتدبر إلى الطعام الذي يتناوله الإنسان، ويعيش به، كيف دبّر الله أمره، من إنزال الماء من السماء، ثم شق الأرض بالنبات أو بالحراثة على الدواب أو بالآلات، وإخراج أنواع النبات المختلفة. ٢ - ذكر الله تعالى ثمانية أنواع من النبات: وهي الحب: وهو كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما، وقدّم لأنه كالأصل في الغذاء، والعنب، وذكر بعد الحب، لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه آخر، والقضب عند أهل مكة واليمن: وهو الرطبة المسماة بالقت، والزيتون والنخيل، والحدائق ذات الأشجار الضخمة الكثيرة، والفاكهة: وهي ما يأكله الناس من الثمار، وقد ذكرها مجملة ليعم جميع أنواعها، والأب: وهو المرعى الذي يؤبّ أي يؤم وينتجع، وهو ما تأكله البهائم من العشب. ٣ - الغاية من خلق هذه النباتات التي تشمل ما يتغذي به الإنسان والحيوان: هي الانتفاع بها، سواء بالنسبة للناس أو للدواب؛ لأن إنبات هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات.

стр. 8950

٤ - القصد من إيراد هذه الأشياء: ضرب المثل من الله تعالى، لبعث الموتى من قبورهم، والامتنان من الله على عباده بما أنعم به عليهم. والخلاصة: أن المقصود من هذه الأشياء أمور ثلاثة: أولها-إيراد الدلائل الدالة على التوحيد. وثانيها-إيراد الدلائل الدالة على القدرة على المعاد. وثالثها-الترغيب بالإيمان والطاعة؛ فإنه لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعة الإله الذي أحسن إلى عباده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان. أهوال القيامة ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ الإعراب: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ جواب إذا: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي استقر لكل امرئ منهم. البلاغة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ بينهما مقابلة، قابل فيها بين وجوه السعداء ووجوه الأشقياء.

стр. 8951

المفردات اللغوية: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ هي القارعة أو الطامة الكبرى أو القيامة، وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث، والمراد بها الصيحة التي تصم الآذان لشدتها، وصفت بها مجازا؛ لأن الناس يصخون لها، والصخ: الضرب بالحديد على الحديد أو بالعصا على شيء، فيسمع صوت شديد. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنهم لا ينفعونه. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ شغل أو حال يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن شأن غيره، أي اشتغل كل واحد بنفسه، مما يدل على الرهبة والخوف الشديد، و ﴿يُغْنِيهِ﴾ يصرفه عن غيره. ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ مضيئة متهللة مشرقة من البشر، يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء. ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ فرحة بما ترى من النعيم، وهم المؤمنون. ﴿غَبَرَةٌ﴾ غبار وكدورة، وهم الكافرون. ﴿تَرْهَقُها﴾ تغشاها. ﴿قَتَرَةٌ﴾ سواد وظلمة كالدخان. ﴿أُولئِكَ﴾ أصحاب هذه الحالة. ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ الجامعون بين أنواع الكفر: (إنكار وجود الله أو إنكار وحدانيته) والفجور: العصيان والخروج عن حدود الله. المناسبة: بعد بيان نعم الله تعالى في نفس الإنسان وفي الآفاق، وإقامة الأدلة والبراهين بها على كمال قدرة الله على البعث وكل شيء، أبان الله تعالى بعض أهوال القيامة وأحوالها التي تملأ النفس خوفا ورهبة، ليكون ذلك مدعاة إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، وإلى ترك التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد. والناس في ذلك الموقف فريقان: سعداء وأشقياء، والفريق الأول ضاحك مستبشر: وهو من امن بالله ورسله وأطاع ما أمر الله به. والفريق الثاني عابس متكدر، تعلو وجهه الغبرة وترهقه القترة: وهو الذي أنكر وجود الله وتوحيده، وأعرض عن قبول ما جاءت به رسل الله. قال القرطبي: لما ذكر أمر المعاش، ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما امتنّ به عليهم.

стр. 8952

التفسير والبيان: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ أي إذا جاءت القيامة أو صيحة يوم القيامة التي تصخ الأذن، أي تصمها فلا تسمع. والصاخّة: اسم من أسماء القيامة، عظّمه الله وحذّر عباده. قال البغوي: الصاخة: يعني صيحة يوم القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تصخّ الأسماع وتصمّ الآذان لشدتها، أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمّها. وقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي إذا جاءت الصاخة حين يرى المرء أعز أقاربه وأخصهم لديه، وأولاهم بالحنو والرأفة والعطف، من أخ وأم وأب وزوجة وولد، ويفر منهم ويبتعد عنهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل، ولكل امرئ منهم يومئذ حال أو شغل يشغله عن الأقرباء ويصرفه منهم، ويفرّ عنهم، حذرا من مطالبتهم إياه بشيء يهمهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان ٤١/ ٤٤] وقوله سبحانه: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج ١٠/ ٧٠]. والمراد: أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، فإنه يفر منهم في دار الآخرة. وفائدة الترتيب واضحة، وهي الفرار من الأبعد وهو الأخ، ثم من الأبوين، ثم من الزوجة والولد، من قبيل الترقي إلى الأحب عادة والأقرب، قال الزمخشري: بدأ بالأخ، ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه، ثم الصاحبة والبنين؛ لأنهم أقرب وأحب، كأنه قال: يفر من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه. وأيده الرازي في هذا. وعقب النظام النيسابوري في غرائب القرآن على ذلك فقال: هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين، ولعله خلاف العقل

стр. 8953

والشرع. والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود؛ لأن تقديم الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أولا في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ في الأول والصاحبة في الثاني. على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة، فكانت بالتقديم أولى (١). والأظهر أن الفرار المعنى: هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء، بدليل قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي يصرفه ويصدّه عن قرابته (٢). روى ابن أبي حاتم والنسائي والترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «تحشرون حفاة عراة مشاة غرلا، أي غير مختونين، قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾» أو قال: «ما أشغله عن النظر!!». ثم ذكر الله تعالى أحوال الناس حينئذ وانقسامهم في ذلك اليوم إلى سعداء وأشقياء، فقال واصفا السعداء أولا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي يكون الناس هنالك فريقين: وجوه متهللة مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين أهل الجنة؛ لأنهم قد علموا إذ ذاك ما لهم من النعيم والكرامة. ثم وصف الأشقياء بقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ، أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ أي ووجوه أخرى في القيامة عليها غبار وكدورة، لما تراه مما أعدّه الله لها من

стр. 8954

العذاب، يغشاها سواد وكسوف، وذلّة وشدة، وأصحاب تلك الوجوه المغبّرة هم الذين كفروا بالله فلم يؤمنوا به، ولا بما جاء به أنبياؤه ورسله، واقترفوا السيئات، فهم الفاسقون الكاذبون الذين جمعوا بين الكفر والفجور، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ [نوح ٢٧/ ٧١]. ولا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر، بدليل هذه الآية: ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ فالكفار هم الفجار لا غيرهم. ووجود هذين الفريقين في هذه الآية ونحوها لا يقتضي نفي وجود فريق ثالث وهم المؤمنون العصاة أو الفساق، كما قال الرازي (١). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - إذا جاءت صيحة القيامة وهي النفخة الثانية أو الأخيرة، والتي يهرب في يومها الأخ من أخيه، والولد من والديه، والزوج من زوجته وأولاده، لاشتغاله بنفسه، يكون لكل إنسان يومئذ حال أو شغل يشغله عن غيره. جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض». ولفظ رواية الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «يحشرون حفاة عراة غرلا، فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟

стр. 8955

قال: يا فلانة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾» قال: حديث حسن صحيح. ٢ - يكون الناس يوم القيامة فريقين: فريق وجوههم مشرقة مضيئة، مسرورة فرحة مستبشرة بما آتاها الله من الكرامة، قد علمت ما لها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. وفريق وجوههم يعلوها غبار ودخان تغشاها ظلمة وسواد، وهي وجوه الكافرين بالله وبرسله، العاصين الكاذبين المفترين على الله تعالى.

стр. 8956

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة التكوير مكيّة، وهي تسع وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة التكوير، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أي جمع بعضها إلى بعض، ثم لفّت، فرمى بها، ومحى ضوؤها. مناسبتها لما قبلها: توضح كل من السورتين أهوال القيامة وشدائدها، ففي سورة عبس قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ.﴾. [٣٣ - ٤٢] وفي هذه السورة قال سبحانه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ.﴾. إلخ، فلما ذكر سبحانه الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين، أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة كغيرها من السور المكية تتعلق بالعقيدة، فهي تقرر ما يوجد في يوم القيامة من أحوال، وتثبت أن القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى. وقد ابتدأت ببيان أهوال القيامة، وما يصحبها من تغيرات كونية غريبة، تشمل كل ما يشاهده الإنسان في الدنيا من السماء وكواكبها، والأرض وجبالها وبحارها ووحوشها، والنفوس البشرية ومظالمها، وتبرز بعدئذ الجحيم ونيرانها، والجنة ونعيمها: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ.﴾. [الآيات: ١ - ١٤].

стр. 8957

ثم تحدثت عن القرآن وتنزيله من الله بواسطة جبريل الأمين على قلب النبي المصطفى ﷺ ، وإثبات نبوته ورسالته وأمانته في تبليغ الوحي وأهليته العالية لتلقي الوحي، ورؤيته جبريل ﵇ على صورته الحقيقية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ.﴾. [الآيات: ١٥ - ٢٥]. وختمت السورة ببيان ضلال المشركين، وأن القرآن عظة وذكرى لجميع العالمين من الإنس والجن ممن أراد الهداية وأقبل على الخير، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، فلا يستطيع الاستقلال بعمل ما دون إرادة الله. فضلها: أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي عين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾. أحوال القيامة وأهوالها ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)﴾

стр. 8958

الإعراب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿إِذَا﴾ ظرف، والعامل فيه وفي كل ﴿إِذَا﴾ بعدها قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾. و ﴿الشَّمْسُ﴾ فاعل لفعل مضمر يفسره ﴿كُوِّرَتْ﴾ كما ذكر الزمخشري؛ لأن ﴿إِذَا﴾ لا تدخل إلا على فعل، لما فيها من معنى الشرط. البلاغة: ﴿كُوِّرَتْ﴾ ﴿اِنْكَدَرَتْ﴾ ﴿عُطِّلَتْ﴾ ﴿حُشِرَتْ﴾ ﴿سُجِّرَتْ﴾ ﴿زُوِّجَتْ﴾ ﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿قُتِلَتْ﴾ ﴿نُشِرَتْ﴾ ﴿كُشِطَتْ﴾ ﴿سُعِّرَتْ﴾ ﴿أُزْلِفَتْ﴾ ﴿أَحْضَرَتْ﴾ سجع مرصع وهو توافق الفواصل رعاية لرؤوس الآيات. ﴿الْجَحِيمُ﴾ و ﴿الْجَنَّةُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿كُوِّرَتْ﴾ لفّت وطويت وأزيل ضياؤها ونورها. ﴿اِنْكَدَرَتْ﴾ تساقطت وتهاوت على الأرض ومحي ضوؤها. ﴿سُيِّرَتْ﴾ أزيلت عن مواضعها بزلزلة الأرض، وبددت في الجو، فصارت هباء منبثا. ﴿الْعِشارُ﴾ النوق الحوامل التي مضى على حملها عشرة أشهر، وهي كرائم أموال العرب جمع عشراء. ﴿عُطِّلَتْ﴾ تركت مهملة بلا راع وبلا حلب، لما دهاهم من الأمر. ﴿الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ جمعت بعد البعث للاقتصاص من بعضها لبعض، ثم تصير ترابا. ﴿سُجِّرَتْ﴾ أوقدت، فصارت نارا تحترق، بالبركان والزلزال. ﴿زُوِّجَتْ﴾ قرنت الأرواح بالأجساد. ﴿الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ البنت التي تدفن حية خوف العار والحاجة، وكان هذا عادة بعض العرب في الجاهلية. سئلت تبكيتا لقاتلها أو وائدها، كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة ١١٦/ ٥]. ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ حكاية لما تخاطب به، وجوابها أن تقول: قتلت بلا ذنب. ﴿الصُّحُفُ﴾ صحف الأعمال. ﴿نُشِرَتْ﴾ فتحت وبسطت، فهي تطوى عند الموت، وتنشر وقت الحساب. ﴿كُشِطَتْ﴾ قلعت كما يقلع السقف، وأزيلت عن أماكنها كما ينزع الجلد من الشاة. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ﴾ النار. ﴿سُعِّرَتْ﴾ أججت وأوقدت إيقادا شديدا. ﴿أُزْلِفَتْ﴾ قرّبت وأدنيت لأهلها المتقين. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ جواب أول السورة، وما عطف عليها وهو اثنتا عشرة خصلة، ست منها في بدء قيام الساعة قبل فناء الدنيا، وست بعده أي يوم القيامة. وكلمة ﴿نَفْسٌ﴾ في معنى العموم أي كل نفس، و ﴿ما أَحْضَرَتْ﴾ أي ما قدمت من خير أو شر.

стр. 8959

التفسير والبيان: هذه أوصاف القيامة وأحداثها الجسام، لتعظيمها وتخويف الناس بها: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أي إذا لفّت الشمس، وجمعت، بعضها على بعض كتكوير العمامة، وجمع الثياب مع بعضها، ثم رمى بها، وذهب بضوئها، إيذانا بخراب العالم؛ وإذا انقضّت النجوم وتساقطت وتناثرت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار ٢/ ٨٢]؛ وإذا قلعت الجبال عن الأرض، وسيّرت في الهواء حين زلزلة الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ [السبأ ٢٠/ ٧٨] وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف ٤٧/ ١٨]. ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أي وإذا النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، وهي أنفس مال عند العرب وأعزّة عندهم، تركت مهملة بلا راع، لشدة الخطب، وعظمة الهول؛ وإذا الوحوش الدواب البرية غير الإنسانية بعثت حتى يقتص لبعضها من بعض، وقيل: حشرها: موتها وهلاكها؛ وإذا البحار أوقدت بالبراكين والزلازل فصارت نارا تضطرم، بعد أن فاض بعضها إلى بعض، وصارت شيئا واحدا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار ٣/ ٨٢] وقال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ٦/ ٥٢] وحينئذ تصير البحار والأرض شيئا واحدا في غاية الحرارة والإحراق. قال أبيّ بن كعب ﵁: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض. وقال

стр. 8960

ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة. والستة الأولى بيناها بقول أبي بن كعب، والستة الأخرى في الآيات التالية. لذا ذكر الله تعالى ما يحدث بعدئذ من البعث، فقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾ أي وإذا قرنت الأرواح بأجسادها حين النشأة الآخرة، وإذا الفتاة المدفونة حية خوف العار أو الحاجة، كما كان بعض قبائل العرب يفعل في الجاهلية، سئلت لتوبيخ قاتلها أو وائدها؛ لأنها قتلت بغير ذنب فعلته. فقد كان بعض أهل الجاهلية يدسونها في التراب، كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم، فما ظن الظالم إذن؟! وقال ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾: سألت. والوأد جريمة عظمي. وهذا السؤال للموءودة لتوبيخ الفاعلين للوأد؛ لأن سؤالها يؤول إلى سؤال الفاعلين (١). أخرج الإمام أحمد عن خنساء ابنة معاوية الصريمية عن عمها قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة». ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أي إذا عرضت ونشرت للحساب صحائف الأعمال، في موقف الحساب، فكل إنسان يعطى صحيفته بيمينه أو بشماله، وإذا تشققت السماء وأزيلت، فلم يبق لها وجود. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أي وإذا أوقدت النار لأعداء

стр. 8961

الله إيقادا شديدا، قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [البقرة ٢٤/ ٢] وإذا قربت الجنة وأدنيت لأهلها المتقين، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق ٣١/ ٥٠]. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ جواب إذا وما عطف عليها، أي إذا حصل كل ما تقدم من الأحداث، ووقعت هذه الأمور، علمت كل نفس ما أحضرته عند نشر الصحف، وما عملت من خير أو شر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران ٣٠/ ٣] وقال سبحانه: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]. والآيات من أول السورة إلى هنا شرط، وجوابه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾. وقال الحسن البصري: هذا قسم وجواب له. قال القرطبي: والقول الأول أصح. فقه الحياة أو الأحكام: هذه ظواهر تحدث قبل أو بعد البعث يوم القيامة، فتملأ النفس رهبة، وتثير الخوف والذعر بين الناس، لتبدّل ما كانوا يألفون ويشاهدون، والقصد من تعدادها تخويف البشر والإعداد ليوم القيامة بما يحقق لهم النجاة والأمن والسلامة. فهو إنذار مسبق، ولقد أعذر من أنذر، ولقد تضمن الإنذار مواجهة اثنتى عشرة علامة للقيامة: وهي تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، وتعطيل العشار، وحشر الوحوش، وتسجير البحار، وتزويج النفوس، وسؤال الموءودة، ونشر صحف الأعمال، وكشط السماء كما يكشف الإهاب (الجلد) عن الذبيحة، وتسعير الجحيم (إيقادها) وإزلاف الجنة (إدناؤها). وأي رهبة تحدث حينما يذهب ضوء الشمس، فيظلم الكون، وتتهافت النجوم وتتساقط

стр. 8962

وتتناثر، فتزول معالم الجمال، وتقلع الجبال من الأرض وتسير في الهواء، فتكون كثيبا مهيلا، أي رملا سائلا، وتصبح كالعهن، وتكون هباء منثورا، وسرابا لا حقيقة ولا وجود له، كالسراب الذي ليس بشيء، وتعود الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، أي ارتفاعا، فتزول المتعة بها في عين الرائي. وتهمل النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، بعد العناية بها؛ لأنها أعز ما تكون على العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل، أن هول يوم القيامة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. وتحشر الوحوش، أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتصّ للجمّاء من القرناء، ثم يقال لها: كوني ترابا، وهذا هو المعنى الأصح، وقيل: حشرها: موتها وهلاكها، وعلى كل حال، تتعاظم المخاوف من رؤية ما يحدث. وتسجّر البحار، أي توقد إيقادا شديدا، وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا، بأن يملأ مكان البحار بتراب الجبال، فتزول صورة جمال البحر في مشهد الطبيعة. ويحدث البعث، فتقرن الأرواح بالأجساد، وتسأل البنت المدفونة حية عن سبب وأدها وقتلها، لتوبيخ الفاعل، ولومه على فعله مخافة الحاجة والإملاق (الفقر) أو السبي والاسترقاق ولإلحاق البنات بالملائكة؛ لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وكل ذلك غير مقبول، فإنها قتلت بغير ذنب، وعقاب القاتل النار. وتنشر صحائف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشرّ، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته،

стр. 8963

فيعلم ما فيها، فيقول: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف ٤٩/ ١٨]. وتكشط السماء كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره، وفي هذا غاية الرهبة. وتوقد النار للكفار ويزداد في إحمائها، وتدنى الجنة وتقرب من المتقين، فيتحدد مصير الخلائق. حين حدوث هذه الوقائع الجسام، تعلم كل نفس علم اليقين ما عملت من خير وشرّ، وتعرف مصيرها. جاء في الصحيحين عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وسيكلّمه الله، ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدّم بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتّقي النار، ولو بشقّ تمرة، فليفعل». الحلف لإثبات صدق الوحي القرآني ونبوة الرسول ﷺ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾ الإعراب: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ جواب القسم؛ لأن معنى ﴿فَلا أُقْسِمُ.﴾. أقسم.

стр. 8964

﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ عطف على جواب القسم. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿عِنْدَ﴾: متعلق ب ﴿مَكِينٍ﴾. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ عطف أيضا على جواب القسم. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ تقديره: إلى أين تذهبون؟ إلا أنه حذف حرف الجر كما حذف من قولهم: ذهبت الشام، أي إلى الشام. ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿لِمَنْ﴾: بدل من قوله ﴿الْعالَمِينَ﴾ بدل بعض من كل. ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي ببخيل، وقرئ «بظنين» بالظاء، أي بمتهم. البلاغة: ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ و ﴿الْكُنَّسِ﴾ بينهما جناس ناقص. ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ استعارة تصريحية، شبه إقبال النهار وانتشار الضياء بنسمات الهواء العليل، واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس. ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كناية، كنى عن محمد ﷺ بلفظ ﴿صاحِبُكُمْ﴾. ﴿أَمِينٍ﴾ و ﴿مَكِينٍ﴾ بينهما جناس ناقص غير تام. ﴿بِالْخُنَّسِ﴾، و ﴿الْكُنَّسِ﴾، و ﴿عَسْعَسَ﴾، و ﴿تَنَفَّسَ﴾ إلخ سجع مرصع وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم، و ﴿فَلا﴾: لتأكيد الخبر. ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ بالكواكب الرواجع، من خنس يخنس: إذا تأخر، وواحدها: خانس: أي منقبض مستخفي، فهي التي ترجع في مجراها وراء الشمس، وهي عند الجمهور: الكواكب السيارة كالشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري. الجواري السيارة التي تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى مع ضوء الشمس. ﴿الْكُنَّسِ﴾ التي تكنس في أبراجها، أي تستتر، فهي تختفي تحت ضوء الشمس، من كنس الظبي أو الوحش: إذا دخل كناسة، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر، وقيل: المراد الكواكب الخمسة السيارة، فخنوسها: رجوعها إلى أول البرج، وكنوسها: اختفاؤها نهارا تحت ضوء الشمس، وغيبتها في المواضع التي تغيب فيها عن البصر نهارا ثم تظهر ليلا. والخلاصة: أن ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ على الأرجح: هي جميع الكواكب، كما جاء في الصحاح؛ لأنها تخنس (تختفي) نهارا، وتختفي عن البصر في المغيب، وتظهر ليلا، ثم تكنس وتستتر في مغيبها تحت الأفق، كما تكنس

стр. 8965

الظباء في المغار، فكل من ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ و ﴿الْكُنَّسِ﴾ يختفي بعد ظهوره. والأصح أن معناها النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا. ﴿عَسْعَسَ﴾ أقبل بظلامه، أو أدبر، فهو من ألفاظ الأضداد. ﴿تَنَفَّسَ﴾ أضاء وظهر نوره. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي إن هذا المقسم عليه وهو القرآن لقول منقول نازل من رسول كريم عزيز على الله تعالى وهو جبريل ﵇، أضيف القول إليه، لنزوله به، وقوله عن الله تعالى. ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ شديد القوى، حافظ. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ الله تعالى. ﴿مَكِينٍ﴾ ذي مكانة وجاه عند ربّه، يعطيه ما سأل. ﴿مُطاعٍ﴾ تطيعه ملائكة السماء. ﴿ثَمَّ﴾ هنالك. ﴿أَمِينٍ﴾ على الوحي والرسالة. ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ محمد ﷺ ، ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كما زعمتم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ رأي محمد ﷺ جبريل على صورته التي خلق عليها. ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ الأفق الواضح، وهو مطلع الشمس الأعلى. ﴿وَما هُوَ﴾ محمد ﷺ . ﴿الْغَيْبِ﴾ الوحي وخبر السماء. ﴿بِضَنِينٍ﴾ ببخيل مقصر بالتعليم والتبليغ، فينتقص منه شيئا، وقرئ: «بظنين»، أي بمتهم. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ﴾ أي القرآن. ﴿شَيْطانٍ﴾ مسترق السمع. ﴿رَجِيمٍ﴾ مرجوم ملعون مطرود من رحمة الله. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أيّ طريق تسلكون بعد إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه، وقد قامت الحجة عليكم؟ ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ عظة وعبرة. ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ الإنس والجن. ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ على الطريق الواضح باتباع الحق. ﴿وَما تَشاؤُنَ﴾ الاستقامة على الحق. ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ إلا وقت أن يشاء الله استقامتكم. ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ مالك الخلق كلهم. سبب النزول: نزول الآية (٢٩): ﴿وَما تَشاؤُنَ.﴾.: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى قال: لما أنزلت ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ قال أبو جهل: ذاك إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾. التفسير والبيان: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ أي أقسم بجميع الكواكب التي
следующие страницы →