بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفلق
مكيّة، وهي خمس آيات.
مكيتها أو مدنيتها:
هذه السورة وسورة الناس مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر وهو رأي الأكثرين، ومدنية في رواية عن ابن عباس وقتادة وجماعة، قيل: وهو الصحيح.
تسميتها:
سميت هذه السورة سورة الفلق، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿الْفَلَقِ﴾ الشق وفصل الشيء عن بعضه، وهو يشمل كل ما انفلق من حب ونوى ونبات عن الأرض، وعيون ماء عن الجبال، ومطر عن السحاب، وولد عن الأرحام، ومنه: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، و ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ [الأنعام ٩٥/ ٦].
مناسبتها لما قبلها:
لما أبان الله تعالى أمر الألوهية في سورة الإخلاص لتنزيه الله عما لا يليق به في ذاته وصفاته، أبان في هذه السورة وما بعدها وهما المعوذتان ما يستعاذ منه بالله من الشر الذي في العالم، ومراتب مخلوقاته الذين يصدون عن توحيد الله، كالمشركين وسائر شياطين الإنس والجن، وقد ابتدأ في هذه السورة بالاستعاذة من
стр. 9347
شر المخلوقات، وظلمة الليل، والسحرة، والحسّاد، ثم ذكر في سورة الناس الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن؛ لذا سميت السور الثلاثة (الإخلاص وما بعدها) في الحديث بالمعوّذات. وقدمت الفلق على الناس لمناسبة الوزان في اللفظ لفواصل الإخلاص مع مقطع ﴿تَبَّتْ﴾.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة الاستعاذة من شر المخلوقات، وبخاصة ظلمة الليل، والسواحر والنمامين، والحسدة، وهي درس بليغ وتعليم نافع عظيم لحماية الناس بعضهم من بعض بسبب أمراض النفوس، وحمايتهم من شر ذوات السموم، وشر الليل إذا أظلم، لما فيه من مخاوف ومفاجات، وبخاصة في البراري والكهوف.
فضل المعوذتين:
روى مسلم في صحيحة وأحمد والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال:
قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ:﴾
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾».
وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذات في دبر كل صلاة».
وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال: «بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب! قال:
فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنية ثم ركب، ثم قال: يا عقب (١)، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قلت:
بلى، يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾
стр. 9348
ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ ، فقرأ بهما ثم مرّ بي، فقال:
كيف رأيت يا عقب، اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت».
وروى النسائي عن أبي عبد الله بن عابس الجهني: أن النبي ﷺ قال له:
«يا ابن عابس ألا أدلك-أو ألا أخبرك-بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ قال:
بلى يا رسول الله، قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتان السورتان».
وأورد ابن كثير أحاديث كثيرة في معناها ثم قال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.
وفي حديث صديّ بن عجلان: «ألا أعلمك ثلاث سور، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلهن: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾».
وروى البخاري وأهل السنن في الاستشفاء بهذه السور الثلاث (المعوذات) عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
سبب نزول المعوذتين:
السبب: قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله ﷺ كما
جاء في الصحيحين عن عائشة، فإنه سحره في جفّ (قشر الطلع) فيه مشاطة رأسه ﷺ ، وأسنان مشطه، ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروز بالإبر، فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد ﷺ في نفسه
стр. 9349
خفّة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام، فكأنما نشط من عقال (١). وجعل جبريل يرقى رسول الله ﷺ ، فيقول: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك».
الاستعاذة من شرّ المخلوقات
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾
الإعراب:
﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ﴿أَعُوذُ﴾: فعل معتل، ويسمى «أجوف» وأصله: أعوذ على وزن أفعل، إلا أنه استثقلت الضمة على الواو لأنه حرف علة، فنقلت من العين التي هي الواو إلى ما قبلها.
﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿شَرِّ﴾ بعير تنوين على الإضافة في القراءة المشهورة، و ﴿ما﴾:
مصدرية، وتقديره: من شرّ خلقه. وقرئ «من شرّ ما خلق» بتنوين ﴿شَرِّ﴾ وهي قراءة مروية عن أبي حنيفة، و ﴿ما﴾: فيها أيضا مصدرية، في موضع جر على البدل من ﴿شَرِّ﴾ أي من خلقه.
البلاغة:
﴿الْفَلَقِ﴾ و ﴿خَلَقَ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ﴾ تكرار كلمة ﴿شَرِّ﴾ مرات إطناب، للتنبيه على قبح وشناعة هذه الأوصاف.
﴿شَرِّ غاسِقٍ﴾ ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ﴾ ﴿شَرِّ حاسِدٍ﴾ خاص بعد عام وهو ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾.
﴿حاسِدٍ﴾ و ﴿حَسَدَ﴾ جناس اشتقاق.
стр. 9350
﴿الْفَلَقِ﴾ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿الْعُقَدِ﴾ ﴿حَسَدَ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿أَعُوذُ﴾ ألجأ. ﴿الْفَلَقِ﴾ شق الشيء وفصل بعضه عن بعض، ومنه ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، و ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ [الأنعام ٩٥/ ٦]، و ﴿الْفَلَقِ﴾ يشمل كل ما يفلقه الله عن غيره، كفلق ظلمة الليل بالصبح، وفلق العيون والأمطار والنبات والأولاد، ويخص الفلق عرفا بالصبح، ولذلك فسّر به، وتخصيصه لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ إليه ما يخافه. ولفظ الرب هنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعاذة من المضارّ تربية وعناية.
﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ من شرّ المخلوقات كلها، وخصّ عالم الخلق بالاستعاذة منه لانحصار الشرّ فيه، وهو يشمل الحيوان والإنسان والجماد كالسم وغيره. ﴿غاسِقٍ﴾ ليل اشتد ظلامه. ﴿وَقَبَ﴾ دخل ظلامه وتخصيصه لأن المضار تكثر فيه ويعسر الدفع. ﴿النَّفّاثاتِ﴾ السواحر من النفوس أو النساء تنفث. ﴿فِي الْعُقَدِ﴾ التي تعقدها في الخيط، والنفث: النفخ مع ريق يخرج من الفم، و ﴿الْعُقَدِ﴾ جمع عقدة: وهي ما يعقد من حبل أو خيط ونحوهما. ﴿حاسِدٍ﴾ هو الذي يتمنى زوال نعمة المحسود. وخصّ الحاسد بالذكر؛ لأنه العمدة في الظاهر والسبب في إضرار الإنسان والحيوان وغيرهما. وذكر هذه الأصناف الثلاثة بعد التعميم الشامل لها ﴿ما خَلَقَ﴾ لشدة شرّها.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أي قل أيها النبي: ألجأ إلى الله، وأستعيذ بربّ الصبح؛ لأن الليل ينفلق عنه، أو بربّ كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله، من الحيوان، والصبح، والحبّ، والنوى، وكل شيء من نبات وغيره، أعوذ بالله خالق الكائنات من شرّ كل ما خلقه الله سبحانه من جميع مخلوقاته. وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد.
أخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من عين الجان، ومن عين الإنس، فلما نزلت سورتا المعوذتين، أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك».
стр. 9351
وأخرج مالك في الموطأ عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه، كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده عليه، رجاء بركتهما».
وبعد أن عمم الاستعاذة من جميع المخلوقات، خصص بالذكر ثلاثة أصناف تنبيها على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ منه، وهي:
١ - ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ﴾ أي وأعوذ بالله من شرّ الليل إذا أقبل؛ لأن في الليل مخاوف ومخاطر من سباع البهائم، وهوام الأرض، وأهل الشرّ والفسق والفساد.
٢ - ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أي وأعوذ بالله من شرّ النفوس أو النساء الساحرات؛ لأنهن كنّ ينفثن (أي ينفخن مع ريق الفم) في عقد الخيوط، حين يسحرن بها. والنّفث: النفخ بريق، وقيل: النفخ فقط. قال أبو عبيدة: إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن النّبي ﷺ .
٣ - ﴿وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ﴾ أي وأعوذ بالله من شرّ كل حاسد إذا حسد: وهو الذي يتمنى زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - دلت السورة الكريمة على تعليم الناس كيفية الاستعاذة من كل شرّ في الدنيا والآخرة، من شر الإنس والجن والشياطين وشرّ السباع والهوام وشرّ النار وشرّ الذنوب، والهوى، وشرّ العمل، وغير ذلك من سائر المخلوقات، حتى المستعيذ نفسه.
٢ - لا مانع يمنع من نزول السورة ليستعيذ بها رسول الله ﷺ ، والحديث صحيح، ولا يتنافى مع النص القرآني، واقتصر فعل السحر بالنّبي ﷺ على مجرد
стр. 9352
كونه قد صار في بعض أمور الدنيا في حالة صداع خفيف، وهو معنى التخيل في الحديث، وقد يحدث تخيل في اليقظة كالمنام، ولم يؤثر في ملكاته العقلية على الإطلاق، كما لم يؤثر فيما يتعلق بالوحي والرسالة؛ لأن الله عصمه من أي سوء، أو اختلاط فكري، أو اضطراب عصبي، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة ٦٧/ ٥] (١).
٣ - خصص الله تعالى في إرشادنا وتعليمنا الاستعاذة من أصناف ثلاثة: هي أولا الليل إذا عظم ظلامه؛ لأن في الليل كما ذكر الرازي تخرج السباع من آجامها، والهوام من مكانها، ويهجم السارق والمكابر، ويقع الحريق، ويقل فيه الغوث، وينبعث أهل الشرّ على الفساد.
وثانيا-الساحرات اللائي ينفثن (ينفخن) في عقد الخيط حين يرقين عليها، شبه النفخ كما يعمل من يرقي.
وثالثا-الحاسد الذي يحسد غيره، أي يتمنى زوال نعمة المحسود، وإن لم يصرّ للحاسد مثلها. وهذا مذموم، أما الغبطة أو المنافسة فهي مباحة؛ لأنها تمني مثل النعمة وإن لم تزل عن صاحبها؛
روي أن النّبي ﷺ قال: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد» (٢).
وفي الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين» أي لا غبطة.
قال العلماء: الحاسد لا يضرّ إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشرّ بالمحسود، فيتبع مساوئه، ويطلب عثراته. والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل. والحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون.
وقال العلماء أيضا: لا يضرّ السحر والعين والحسد ونحو ذلك بذاته، وإنما
стр. 9353
بفعل الله وتأثيره، وينسب الأثر إلى هذه الأشياء في الظاهر فقط، قال الله تعالى عن السحر: ﴿وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [البقرة ١٠٢/ ٢]، وبالرغم من انعدام تأثير هذه الأشياء في الحقيقة ومنها الأمراض المعدية كالطاعون والسل، فإنه يطلب شرعا الحذر والاحتياط وتجنب هذه الأسباب الظاهرية بقدر الإمكان، عملا بفعل عمر والصحابة في طاعون عمواس، والأمر باتقاء العين، والفرار من المجذوم.
٤ - أجاز أكثر العلماء الاستعانة بالرّقى أو الرّقية؛ لأن
النّبي ﷺ اشتكى، فرقاه جبريل ﵇، وقال: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، والله يشفيك» كما تقدم.
وقال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء: «بسم الله الكريم، أعوذ بالله العظيم من شرّ كل عرق نعار، ومن شرّ حرّ النار».
وقال ﷺ : «من دخل على مريض لم يحضر أجله، فقال: أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفيك-سبع مرات، شفي».
وعن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل على مريض قال: «أذهب البأس ربّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت».
وعن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعوّذ الحسن والحسين يقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامّة».
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: قدمت على رسول الله ﷺ ، وبي وجع قد كاد يبطلني، فقال رسول الله ﷺ : «اجعل يدك اليمنى عليه، وقل:
بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شرّ ما أجد» سبع مرات، ففعلت ذلك، فشفاني الله.
стр. 9354
وروي أنه ﷺ كان إذا سافر، فنزل منزلا يقول: «يا أرض، ربّي وربّك الله، أعوذ بالله من شرّك وشرّ ما فيك، وشرّ ما يخرج منك، وشرّ ما يدبّ عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، وحية وعقرب، ومن شرّ ساكني البلد ووالد وما ولد».
وقالت عائشة في الحديث المتقدم: كان رسول الله ﷺ ، إذا اشتكى شيئا من جسده قرأ ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، في كفه اليمنى، ومسح بها المكان الذي يشتكي (١).
والأصح جواز النّفث عند الرّقى، بدليل
ما روى الأئمة عن عائشة: أن النّبي ﷺ كان ينفث في الرّقية. وأجاز الإمام الباقر تعليق التعويذ على الصبيان.
وأما النهي عن الرّقى فهو وارد على الرّقى المجهولة التي لا يفهم معناها.
стр. 9355
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الناس
مدنيّة، وهي ست آيات.
تسميتها:
سميت سورة الناس؛ لافتتاحها بقول الله ﵎: ﴿قُلْ:﴾
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ.﴾. وتكررت كلمة ﴿النّاسِ﴾ فيها خمس مرات. وقد نزلت مع ما قبلها، وهي مكية عند الأكثر، وقيل: مدنية كما تقدم. وعرفنا وجه مناسبتها لما سبقها.
وهي آخر سورة في القرآن، وقد بدئ بالفاتحة التي هي استعانة بالله وحمد له، وختم بالمعوذتين للاستعانة بالله أيضا.
ما اشتملت عليه السورة:
اشتملت هذه السورة، وهي ثاني المعوذتين على الاستعاذة بالله تعالى والالتجاء إلى ربّ الناس الملك الإله الحق من شرّ إبليس وجنوده الذين يغوون الناس بوسوستهم.
وقد عرفنا أن هذه السورة وسورة الفلق والإخلاص تعوذ بهن رسول الله ﷺ من سحر اليهود. وقيل: إن المعوذتين كان يقال لهما المقشقشتان، أي تبرئان من النفاق.
روى الترمذي كما تقدم عن عقبة بن عامر عن النّبي ﷺ قال: «لقد أنزل الله
стр. 9356
علي آيات لم ير مثلهن: ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ إلى آخر السورة، و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر السورة. وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه مسلم أيضا.
الاستعاذة من شرّ الشياطين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ (١) مَلِكِ النّاسِ (٢) إِلهِ النّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ (٦)﴾
الإعراب:
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ إما بدل من ﴿شَرِّ الْوَسْواسِ﴾ وتقديره: أعوذ بربّ الناس من شرّ الجنّة والناس، وإما متعلق بمحذوف تقديره: الكائن من الجنة والناس، الذي يوسوس في صدور الناس. وفي ﴿يُوَسْوِسُ﴾ ضمير الجنّة، وذكّره؛ لأنه بمعنى الجنّ، وكنى عنه مع التأخير؛ لأنه في تقدير التقديم، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه ٦٧/ ٢٠] فتقدم الضمير؛ لأن موسى في تقدير التقديم، والضمير في تقدير التأخير.
البلاغة:
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ وما بعدها: الإضافة للتشريف والتكريم والاستعانة، فقد أضيف الرّب إلى الناس؛ لأن الاستعاذة من شرّ الموسوس في صدورهم، استعاذوا بربّهم مالكهم وإلههم، كما يستعيذ العبد بمولاه إذا دهمه أمر. قال أبو حيان: والظاهر أن ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾، ﴿إِلهِ النّاسِ﴾ صفتان. وقال الزمخشري: عطف بيان للرّب، فإن الرّب قد لا يكون ملكا، والملك قد لا يكون إليها.
﴿بِرَبِّ النّاسِ، مَلِكِ النّاسِ، إِلهِ النّاسِ﴾ إطناب بتكرار الاسم، زيادة في التكريم والعون، ومزيد البيان، والإشعار بشرف الإنسان.
стр. 9357
﴿الْجِنَّةِ.. وَالنّاسِ﴾ بينهما طباق.
﴿يُوَسْوِسُ﴾ و ﴿الْوَسْواسِ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
ويلاحظ أن الفواصل منتهية بالسين الذي فيه جرس خافت ومهيب وله وقع في النفوس.
المفردات اللغوية:
﴿أَعُوذُ﴾ ألتجئ وأحتمي. ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ مربّيهم ومعتني بشؤونهم، قال البيضاوي: لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضارّ البدنية، وهي تعمّ الإنسان وغيره، والاستعاذة في هذه السورة من المضارّ التي تعرض للنفوس البشرية، وتخصها، عمم الإضافة ثمة، وخصصها بالناس هاهنا، فكأنه قيل: أعوذ من شرّ الموسوس إلى الناس بربّهم الذي يملك أمورهم، ويستحق عبادتهم.
﴿مَلِكِ النّاسِ، إِلهِ النّاسِ﴾ صفتان تدلان على أنه تعالى حقيق بالإعاذة، قادر عليها، غير ممنوع عنها. ﴿الْوَسْواسِ﴾ الموسوس الذي يلقي في النفوس خواطر الشرّ والسوء. ويصح أن يراد به المصدر أي الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. ﴿الْخَنّاسِ﴾ صيغة مبالغة، أي من عادته أن يخنس، أي يتأخر بذكر الله، والخنوس: الرجوع والتأخر. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾ بيان للوسواس، جمع جني كإنسي وإنس، والجن: خلق مستتر لا يعلم به أحد إلا الله تعالى.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ، مَلِكِ النّاسِ، إِلهِ النّاسِ﴾ أي قل أيها الرسول: ألجأ وأستعين بالله مربي الناس ومتعهدهم بعنايته ورعايته، وخالقهم ومدبر أمرهم ومصلح أحوالهم، وله الملك التام والسلطان القاهر، وهو الإله المعبود الذي يعبده الناس، واسم الإله خاص بالله لا يشاركه فيه أحد، أما الملك فقد يكون إلها وقد لا يكون.
وهذه صفات ثلاث لله : الربوبية، والملك، والألوهية، فهو ربّ كل شيء، ومليكه، وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة، عبيد له. وإنما قدم الربوبية لمناسبتها للاستعاذة، فهي تتضمن نعمة الصون والحماية والرعاية، ثم ذكر الملكية؛ لأن المستعيذ لا يجد عونا له ولا غوثا إلا مالكه، ثم ذكر الألوهية؛ لبيان أنه المستحق للشكر والعبادة دون سواه.
стр. 9358
والسبب في تكرار لفظ ﴿النّاسِ﴾ هو مزيد البيان والإظهار، والتنويه بشرف الناس مخلوقات الله تعالى، وقال: «ربّ الناس» مع أنه ربّ جميع المخلوقات، فخصّ الناس بالذّكر للتشريف، ولأن الاستعاذة لأجلهم.
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ﴾ أي ألجأ إلى الله وأحتمي من شرّ الشيطان ذي الوسوسة، الكثير الخنوس أي الاختفاء والتأخر، بذكر الله، فإذا ذكر الإنسان الله تعالى خنس الشيطان وانقبض، وإذا لم يذكر الله انبسط على القلب. قال ابن عباس في هذه الآية: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.
وقد سلط الله الشيطان على الناس إلا من عصمه الله، للمجاهدة والفتنة والاختبار،
ثبت في الصحيح أنه «ما منكم من أحد إلا وكّل به قرينه، قالوا:
وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير».
وثبت في الصحيحين عن أنس في قصة زيارة صفية للنّبي ﷺ ، وهو معتكف، وخروجه معها ليلا، ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النّبي ﷺ أسرعا، فقال رسول الله ﷺ : «على رسلكما، إنها صفية بنت حييّ، فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا -أو قال: شرّا».
وروى الحافظ أبو يعلي الموصلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخنّاس».
وروي الإمام أحمد عن أبي تميمة يحدث عن رديف رسول الله ﷺ قال: «عثر بالنّبي ﷺ حماره، فقلت: تعس الشيطان، فقال النّبي ﷺ : لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا
стр. 9359
قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب». وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.
ثم أبان موضع وسوسته، فقال:
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ أي الذي يلقي خواطر السوء والشرّ في القلوب، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي على القلوب، والخواطر محلها القلب، كما هو المعهود في كلام العرب.
ثم بيّن الله تعالى أن الذي يوسوس نوعان: جني وإنسي، فقال:
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾ أي أن ذلك الموسوس إما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس، كما تقدم، وإما شيطان الإنس، ووسوسته في صدور الناس:
أنه يري نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني. وهذا يدل على أن الوسواس قد يكون من الجن وقد يكون من الناس، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام ١١٢/ ٦] أي ليست العداوة قهرية جبرية، وإنما بما أودع الله فيهم من قدرة الاختيار، فمنهم من يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين، ومنهم من يحذر عداوتهم ووسوستهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
علّمنا الله تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث: الربوبية، والملك، والألوهية، يحمي
стр. 9360
المستعيذ من شرور الشيطان وأضراره في الدين والدنيا والآخرة. ومعنى الربوبية يدل على مزيد العناية وحرص المربي.
وإنما ذكر أنه ﴿بِرَبِّ النّاسِ﴾ وإن كان ربّا لجميع الخلق، لأمرين:
أحدهما-لأن الناس معظّمون، فأعلم بذكرهم أنه ربّ لهم، وإن عظموا.
الثاني-لأنه أمر بالاستعاذة من شرّ الناس؛ فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم (١). ثم ذكر صفتي الملك والألوهية ليبين للناس أنه ملكهم الحقيقي، وإن كان لهم ملوك، وأنه إلههم ومعبودهم، لا معبود لهم سواه، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه، دون الملوك والعظماء.
أوضحت السورة أن الموسوس إما شيطان الجن، وإما شيطان الإنس. قال الحسن: هما شيطانان؛ أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجنّ شياطين، وإن من الإنس شياطين، فتعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن.
ويلاحظ أن المستعاذ به في سورة (الفلق) مذكور بصفة واحدة وهي أنه «ربّ الفلق»، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات، وهي «الغاسق» و ﴿النَّفّاثاتِ﴾ و «الحاسد». وأما في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث: وهي الرّب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة، وهي الوسوسة، وسبب التفرقة: أن المطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن، والمطلوب في هذه السورة سلامة الدين، ومضرة الدين، وإن قلّب، أعظم من مضارّ الدنيا وإن عظمت (٢).
стр. 9361
وبعد، فقد سجدت شكرا لله ﵎ على ما أولاني وأسبغ علي من كمال وفيض النعمة وتمام المنة، بانتهاء هذا التفسير الشامل للمأثور والمعقول، والجامع لأنواع البيان وأحكام القرآن، وهو تفسير العصر، وذلك في تمام الساعة الثامنة من صبيحة يوم الاثنين المبارك الواقع ١٣ من ذي القعدة ١٤٠٨ هـ، الموافق ١٩٨٨/ ٦/٢٧ م، وكان العمر حينذاك ٥٦ عاما. وقد تفرغت لهذه المهمة خلال سنوات طوال، هاجرت فيها إلى دولة الإمارات-العين، تاركا الأهل والولد، مستغرقا في عظمة كلام ربّي ، فازددت إيمانا على إيمان.
وكان أول مؤلف لي في بلدتي «دير عطية» من نواحي دمشق الفيحاء، التي ولدت فيها سنة ١٩٣٢ م، وهو آثار الحرب في عام ١٩٦٢ م، ثم تابعت التأليف والبحث وكتبت أغلب مؤلفاتي وبحوثي التي أربت على الثلاثين في رياض دمشق والعين، فاللهم لك الحمد والشكر، اجعل كل حرف من كتابك وتفسيره وجميع ما صنفت خالصا لوجهك الكريم، وحقق به النفع والخير، وأعتق به من نارك في الآخرة كل جزء من جسمي وروحي، وشعري وبشري، وعظمي ولحمي، وسمعي وبصري، ومخي ودمي، وأدخلني الجنة بستر وسلام.
سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يا لطيفا فوق كل لطيف الطف بي في أموري كلها كما أحب، ورضني في دنياي وآخرتي، واغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات.
стр. 9362
الخاتمة
من أحكام الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أي بالبداهة أن إنزال القرآن المجيد على نبي هذه الأمة الإسلامية قصد به العمل بكل ما جاء فيه من الأحكام والشرائع والعقائد والآداب والأخلاق والمواعظ، وأنه لا يكفي المسلّم أو المسلمة مجرد قراءته أو تلاوته للتعبد والبركة، وإنما للاستفادة بما جاء فيه، فهو دستور الأمة، ونظام حياة الفرد والجماعة، والرعية والدولة.
والسائد في الوسط العلمي أنه لا يستغنى بتفسير قديم عن تفسير آخر، لاختلاف مناهج المفسرين، وامتياز كل تفسير بميزة لا تتوافر في الآخر، فهذا في العقيدة، وهذا في الأحكام، وذاك في الآثار والروايات الكثيرة، وآخر في التأويل بالمعقول أو في العلوم الكونية، والكل يكمل بعضه بعضا، أما في العصر الحديث فيصعب على كل مسلّم أو بيت اقتناء جميع التفاسير المطولة والمتوسطة والمختصرة، فضلا عن عسر فهمها أحيانا، وإطالتها، واستطرادها في كثير من الأحوال لأمور بعيدة أو قريبة عن التفسير، وينقصها جميعها التفسير الشامل الموضوعي للآيات، لفهمها جملة واحدة، بسبب عنايتها بالجزئيات والفرعيات، دون وجود تصور متكامل أو عام فيها للآية أو لطائفة من الآيات، وصعوبة إدراك مشتملات السورة وارتباط أجزائها ببعضها، أو التعرف على موضوعها المقصود.
وكذلك يكثر السؤال في وقتنا عادة عن أحسن تفسير يعتمد عليه لمتوسط الثقافة، فلا يكاد المرء يجد جوابا شافيا؛ لأن القديم وعر المسالك، والجديد فيه
стр. 9363
هنات وسقطات، أو جنوح لتأييد بعض الآراء المذهبية، أو تطرف وبعد في التأويل وإغراب في بعض الأحيان لإرضاء أذواق العصر.
لذا وجب وضع تفسير شامل معتدل غير متطرف، يجمع بين مزايا التفاسير المختلفة وييسر على القارئ والتالي فهم الآيات الكريمة بدقة ووعي، ويحيط بكل ما هو ضروري يحقق مقاصد القرآن العظيم في العقيدة والعبادة والتشريع والآداب والأخلاق والسلوك القديم في الحياة، ويفسر القرآن بالقرآن وبالسّنة الصحيحة والسيرة الثابتة، وهذا ما أوردته في هذا الكتاب، كما أردت بيان ما يستنبط من الآيات من أحكام شرعية مختلفة.
وذلك بعد أن ألحّ علي بعض إخواني لتحقيق هذه الغاية، فتوقفت أولا، ثم شرح الله صدري للعمل الذي يحتاج لجهود مكثفة ووقت طويل الأمد، فوضعت هذا التفسير الشامل لطريقتي أهل المأثور والمعقول، والجامع لأحكام القرآن الذي أنار الطريق أمام كل تال للقرآن، بعبارة سهلة واضحة، وأسلوب سلس بيّن، ومنهج منظم متدرج من المفردات إلى الكليات، وكان بحمد الله تعالى جامعا بين طريقة الوجيز والوسيط والمبسوط، فبيان المفردات اللغوية والإعراب والبلاغة يحقق الإيجاز لمن يكتفي به؛ والتعرف على أسباب النزول والمناسبة بين الآيات والسور وقصص القرآن والبيان لكل طائفة من الآيات، يلبي مطلب التوسط في المعرفة والعلم؛ والانتقال إلى بيان فقه الحياة بمعنى «الفقه الأكبر» الشامل للعقيدة والأخلاق والأعمال والأحكام العملية المستنبطة من الآيات، يتجاوب مع رغبة من أراد التوسط والإطالة والاستيعاب.
ومن أجل السير في هذه المراتب الثلاثة المتدرجة، قد يوجد تكرار بينها بقصد تلبية الحاجة، وتيسير المطلب دون حاجة للرجوع إلى ما سبق.
أما المصادر: فقد نبهّت عليها في المقدمة، وأكرر القول بأنني اعتمدت على
стр. 9364
أغلب ما كتب في التفسير قديما وحديثا، مبتدئا بتفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري في الآثار والمعقول معا وأسباب النزول وبعض التصويبات والترجيحات، ثم اعتمدت على تفسير الكشاف للزمخشري، والبحر المحيط لأبي حيّان التوحيدي، وغرائب القرآن للنظام الأعرج وغيرها كالبيضاوي والنسفي وأبي السعود والجلالين في اللغويات والمعاني الدقيقة، والمناسبات، وعلى تفسير الفخر الرازي «التفسير الكبير» في العقائد والإلهيات والكونيات والأخلاق وبعض الأحكام ومناسبات الآيات والسور، وأسباب النزول، مع الرجوع في بيان الأسباب أيضا إلى «أسباب النزول» للواحدي النيسابوري، و «أسباب النزول» للسيوطي.
كما اعتمدت على تفسير الإمام القرطبي، وأحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للجصاص الرازي في معرفة الأحكام الفقهية، ورجعت في ذلك وغيره أيضا إلى تفسير الحافظ ابن كثير وفتح القدير للشوكاني والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزيّ، لبيان معاني الآيات وتأييدها بالأحاديث والأخبار الصحاح، كما استقيت بعض المعلومات من تفسيري الخازن والبغوي.
واستأنست أحيانا بعبارات بعض المفسرين الجدد الجميلة والمفيدة، كتفسير المنار للشيخ رشيد رضا، ومحاسن التأويل للقاسمي، وتفسير المراغي، وفي ظلال القرآن، رحم الله الجميع وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
وقد تجنّبت الأخذ في أسباب النزول وغيرها بالأحاديث والروايات الضعيفة والإسرائيليات الدخيلة التي لا تتفق مع عصمة الأنبياء، وضمان سلامة الوحي.
وأما الإعراب فمرجعي الأصلي كتاب (البيان في إعراب القرآن) لأبي البركات بن الأنباري، وأما البلاغة فمرجعي في الغالب كتاب (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، وأما قصص الأنبياء فكنت أرجع مع الحذر
стр. 9365
لكتاب (قصص الأنبياء) للأستاذ عبد الوهاب النجار، وأما أحداث ووقائع الغزوات والسيرة فعمدتي فيها كتب السيرة الشهيرة كسيرة ابن هشام، وابن إسحاق، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرها مما كتب قديما وحديثا.
وأستطيع أن أقول عن خبرة وتجربة وبعد أن عانيت التأليف في رحاب الجامعات مدة ربع قرن فأكثر في الفقه الإسلامي وأصوله وفي الحديث النبوي، وتفسير كتاب الله وغير ذلك: إنه لا تصح العقيدة، ولا تشرق في النفس معانيها إلا بالقرآن، ولا يستقيم سلوك مسلّم إلا بفهم كتاب الله، ولا تلين النفس بعد القرآن إلا بالحديث النبوي وروحانيته الفياضة، ولا يصح عمل المسلّم إلا بالأحكام الشرعية المقررة في الفقه، ولا يعصم العقل والفهم عن الخطأ، ولا تنضبط أحكام الشريعة إلا بأصول الفقه.
ولا أجد الآن خيرا من إهداء شيء للمسلمين في كل مكان، حكاما ومحكومين، غير هذا
الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الترمذي والدّارمي عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁ مرفوعا: «كتاب الله ﵎ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم».
وكلمتي الأخيرة: إنني في نفسي بالذات كلما فسّرت آية أو سورة من كتاب الله، ازددت إيمانا بصحة تنزيل هذا الكتاب المجيد على محمد رسول الله ﷺ ،
стр. 9366
وبأنه الكتاب الوحيد المنقذ للبشرية من تخبطها في دياجير الظلمة والضلال، كما ازددت انبهارا وثقة ويقينا بإعجاز القرآن وعظمته، فمهما حاولت إحصاء المعاني والأحكام، يظل كلام الله البحر الزاخر والفيض العارم الذي لا يمكن الإحاطة بمراده ومشتملاته، ولكن عملي جهد المقلّ والعبد الضعيف الخاضع لله وحده، والعاجز عن إدراك جميع معاني القرآن، والذي يكفيني إعلانه هو القول بأن القرآن العظيم هو الكتاب الفذّ الأول الذي أثّر في فكري وسلوكي وتكوين شخصيتي، فاللهم وفقنا جميعا للعمل به، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الأستاذ الدكتور/وهبة مصطفى الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق