﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع عن خيري الدنيا والآخرة، والذي لا يبقى ذكره بعد موته. وهذا رد على ما قال بعض المشركين وهو العاص بن وائل عن النبي ﷺ لما مات ابنه عبد الله من خديجة: إنه أبتر، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير.
والأبتر من الرجال: الذي لا ولد له. وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل.
وهذا يعم جميع من اتصف بعداوة النبي ﷺ ممن ذكر في سبب النزول وغيرهم.
قال الحسن البصري ﵀: عنى المشركون بكونه أبتر: أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله بيّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
١ - أعطى الله نبيه محمدا ﷺ مناقب كثيرة، وخيرا كثيرا عظيما بالغا حد النهاية، ومنه نهر في الجنة، كما روى البخاري ومسلم وأحمد والترمذي عن أنس.
وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك. وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج» وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وقيل: إنه حوض النبي ﷺ في الموقف، كما جاء في حديث مسلم المتقدم عن أنس.
وهذان القولان هما أصح الأقوال، فيكون الكوثر شاملا نهرا في الجنة، وحوضا ترد عليه أمة النبي ﷺ يوم القيامة.
стр. 9312
٢ - أمر الله تعالى نبيه ﷺ وأمته بأداء الصلوات المفروضة والنوافل خالصة لوجه الله تعالى، دون مشاركة أحد سواه، وأمرهم أيضا بذبح المناسك مما يهدى إلى الحرم والأضاحي وجميع الذبائح لله تعالى، وعلى اسم الله وحده لا شريك له.
٣ - إن مبغضي النبي ﷺ وما جاء به من شرع ربه هم المنقطعون عن خيري الدنيا والآخرة، والذين لا يبقى لهم ذكر مسموع بعد موتهم؛ لأنهم لم يؤمنوا برسالة الحق، ولم يعملوا من أجل الحق والخير المحض لله .
هذا.. وقد ذكر الرازي ﵀ أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها من السور، وأورد ما شرف الله به نبيه محمدا ﷺ وأمته من الفضائل والمزايا والمناقب في سورة الأضحى والانشراح والتين والعلق والقدر والبينة والزلزال والعاديات والقارعة والتكاثر والعصر والهمزة والفيل وقريش، ثم الكوثر، فليرجع إليه، فإنه كلام رائع (١).
وروي عن علي ﵁ فيما خرّجه الدارقطني في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وقد اختلف المالكية في هذه الهيئة، والصحيح كما قال القرطبي أن المصلي يفعل ذلك في الفريضة والنافلة؛ لأنه
ثبت أن رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى، من حديث وائل بن حجر وغيره. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والشافعي وأصحاب الرأي. واستحب جماعة إرسال اليد (٢).
والموضع الذي توضع عليه اليد مختلف فيه،
فروي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على الصدر. وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق السّرّة، وقال: لا بأس إن كانت تحت السرة.
стр. 9313
وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود فمختلف فيه أيضا. والصواب ما
في الصحيحين من حديث ابن عمر، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، وكان يفعل ذلك حين يكبّر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود». قال ابن المنذر: وهذا قول الليث بن سعد، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول، وبه أقول؛ لأنه الثابت عن رسول الله ﷺ . وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك. هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي (١).
стр. 9314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الكافرون
مكيّة، وهي ست آيات.
تسميتها:
سميت سورة الكافرون لأن الله تعالى أمر نبيه محمدا ﷺ بأن يخاطب الكافرين بأنه لا يعبد ما يعبدون من الأصنام والأوثان: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾. وتسمى أيضا سورة المنابذة، وسورة الإخلاص، والمقشقشة.
مناسبتها لما قبلها:
أمر الله نبيه في السورة السابقة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وفي هذه السورة سورة التوحيد والبراءة من الشرك تصريح باستقلال عبادته عن عبادة الكفار، فهو لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون من الأوثان والأصنام، وبالغ في ذلك فكرّره وأكّده، وانتهى إلى أن له دينه، ولهم دينهم.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية-سورة البراءة من عمل المشركين والإخلاص في العمل لله تعالى، وضعت الحد الفاصل النهائي بين الإيمان والكفر، وبين أهل الإيمان وعبدة الأوثان، فحينما طلب المشركون المهادنة من رسول الله ﷺ ، وأن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، نزلت السورة تقطع أطماع الكفار الرخيصة، وتفصل النزاع بين فريقي المؤمنين والكافرين إلى الأبد.
стр. 9315
فضلها:
ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف.
وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وروي هذا أيضا عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقدم تقدم في سورة الزلزال في حديث ابن عباس عند الترمذي أنها تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن.
وروى أبو القاسم الطبراني عن جبلة بن حارثة-وهو أخو زيد بن حارثة-: أن النبي ﷺ قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك». وروى الإمام أحمد مثل ذلك عن الحارث بن جبلة. والخلاصة:
ثبت أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة، وب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف، وفي ركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب، ويوتر بسبح، و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
سبب نزولها:
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس: «أن قريشا دعت رسول الله ﷺ إلى أن يعطوه مالا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فأنزل الله:
﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، وأنزل: ﴿قُلْ: أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ [الزمر ٦٤/ ٣٩]».
стр. 9316
وأخرج عبد الرزاق عن وهب قال: قالت كفار قريش للنبي ﷺ : إن سرّك أن تتبعنا عاما، ونرجع إلى دينك عاما، فأنزل الله: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ميناء قال: لقي الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلتعبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فأنزل الله: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾.
ويؤيد هذا
ما ذكره النيسابوري: أنها نزلت في رهط من قريش، قالوا:
يا محمد، هلمّ، اتبع ديننا ونتّبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا مما في أيدينا قد شرّكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك، قد شركت في أمرنا، وأخذت بحظك، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك (١).
وذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أن سبب نزولها «أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف؛ لقوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله؛ فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله : ﴿قُلْ:﴾
﴿يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ (٢)».
стр. 9317
سورة البراءة من الشرك والكفر وأعمال المشركين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾
الإعراب:
﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما﴾ بمعنى الذي في موضع نصب ب ﴿أَعْبُدُ﴾ و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة (الذي) والعائد محذوف، تقديره: ما تعبدونه. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، فلا تفتقر إلى عائد.
﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ قال: ﴿ما أَعْبُدُ﴾ ولم يقل (من) لمطابقة ما قبله وما بعده.
وقيل: ﴿ما﴾ بمعنى (من).
﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ ﴿ما﴾ في الوضعين في موضع نصب؛ لأنها مفعول ما قبلها، وهما إما موصولة أو مصدرية مثل ﴿ما﴾ الأولى.
البلاغة:
﴿يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ خطاب بالوصف للتوبيخ والتشنيع.
﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ طباق السلب، فالأول نفي والثاني إثبات.
﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ و ﴿لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ مقابلة بين الجملتين في الاستقبال.
﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ مقابلة بين الجملتين في الحال أو الماضي.
وفي هذه المقابلة نفي لعبادة الأصنام في الحال والاستقبال.
﴿يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ توافق الفواصل في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
﴿يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ يعني كفرة مخصوصين قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون، وهم زعماء الشرك في مكة. ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أي في المستقبل، فإن ﴿لا﴾ لا تدخل إلا على مضارع
стр. 9318
بمعنى الاستقبال، كما أن ﴿ما﴾ لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون من الأصنام في الحال.
﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي ولا تعبدون في المستقبل ما أعبد في الحال، وهو الله تعالى وحده. ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ أي ولست أنا عابد في الحال أو في الماضي ما عبدتم فيما سلف.
﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده، ويجوز أن تكون الجملتان تأكيدين على طريقة أبلغ. والأدق أن يقال: إن الآيتين (٣، ٢) تدلان على الاختلاف في المعبود الذي يعبد، فالنبي ﷺ يعبد الله، وهم يعبدون الأصنام والأوثان. والآيتان (٥، ٤) تدلان على الاختلاف في العبادة نفسها، فعبادة النبي ﵊ عبادة خالصة لله لا يشوبها شرك ولا غفلة عن المعبود، وعبادتهم كلها شرك وإشراك، فلا يلتقيان.
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ وهو الشرك الذي أنتم عليه. ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ وهو التوحيد أو الإسلام الذي أنا عليه، لا أرفضه، قال البيضاوي: فليس فيه إذن في الكفر، ولا منع عن الجهاد، ليكون منسوخا بآية القتال. وقال الزمخشري: والمعنى أني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني، ولم تتبعوني فدعوني كفافا، ولا تدعوني إلى الشرك.
التفسير والبيان:
هذه سورة البراءة من عمل المشركين، وهي آمرة بالإخلاص في العبادة، فقال تعالى:
﴿قُلْ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أي قل أيها النبي لكفار قريش: يا أيها الكافرون، لا أعبد على الإطلاق ما تعبدون من الأصنام والأوثان، فلست أعبد آلهتكم بأية حال. والآية تشمل كل كافر على وجه الأرض. وفائدة كلمة ﴿قُلْ﴾: أنه ﷺ كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور، ومخاطبة الناس بالوجه الأحسن، فلما كان الخطاب هنا غليظا أراد الله رفع الحرج عنه وبيان أنه مأمور بهذا الكلام، لا أنه ذكره من عند نفسه.
﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي ولستم أنتم ما دمتم على شرككم وكفركم عابدين الله الذي أعبد، فهو الله وحده لا شريك له.
стр. 9319
وهاتان الآيتان (٣، ٢) تدلان على الاختلاف في المعبود، فالنبي ﷺ يعبد الله وحده، وهم يعبدون الأصنام والأوثان أو الأنداد والشفعاء، أو أن المعنى دفعا للتكرار كما ذكر الزمخشري: لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في الحال، وعلامته ﴿لا﴾ التي هي للاستقبال، بدليل أن (لن) للاستقبال على سبيل التوكيد أو التأبيد، وأصله في رأي الخليل: لا أن. وما: للحال (١)، وخلاصة المعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي. ﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ أي ولا أعبد عبادتكم، أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وأنتم لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم، فعبادة الرسول ﷺ وأتباعه خالصة لله لا شرك فيها ولا غفلة عن المعبود، وهم يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كانت كلمة الإسلام: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» أي لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه في العبادة إلا بما جاء به الرسول ﷺ .
والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن الله بها، فكلها شرك وإشراك، ووسائلها من صنع الهوى والشيطان.
فالآيتان (٥، ٤) تدلان على الاختلاف في العبادة نفسها. ويرى بعضهم كالزمخشري: وما كنت قط في الحال أو في الماضي عابدا ما عبدتم، يعني لم تعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام؟! وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.
وقيل: في الآيات تكرار، والغرض التأكيد، لقطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله ﷺ إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم.
стр. 9320
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي لكم شرككم أو كفركم، ولي ديني وهو التوحيد والإخلاص أو الإسلام، فدينكم الذي هو الإشراك، لكم لا يتجاوزكم إليّ، وديني الذي هو التوحيد مقصور علي لا يتجاوزني، فيحصل لكم. وقيل: الدين:
الجزاء، والمضاف محذوف، أي لكم جزاء دينكم، ولي جزاء ديني. وقيل:
الدين: العبادة.
وليست السورة منسوخة بآية القتال، والمحققون على أنه لا نسخ، بل المراد التهديد، كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت ٤٠/ ٤١].
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: لِي عَمَلِي، وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس ٤١/ ١٠] وقوله:
﴿لَنا أَعْمالُنا، وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ [القصص ٥٥/ ٢٨]. والمراد بذلك كله التهديد، لا الرضا بدين الآخرين.
وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة، فورّث اليهود من النصارى وبالعكس إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان.
وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس،
لحديث أحمد وأبي داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين شتى».
قال الرازي: جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل ليتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه (١).
стр. 9321
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على اختلاف المعبود واختلاف العبادة بين المسلمين وغيرهم، وعلى أن الكفر ملة واحدة في مواجهة الإسلام، وهذه العوامل الثلاثة تدل على أنه لالقاء بين الكفر والإيمان، ولا بين أصحاب العداوة الدينية الحاقدة المتأصلة في النفس مع الإسلام وأهله.
أما اختلاف المعبود بين النبي ﷺ وأتباعه المؤمنين وبين الكفار: فهو أن الفريق الأول يعبد الله وحده لا شريك له، والفريق الثاني يعبد غير الله من الأصنام والأوثان والأنداد والشفعاء من البشر أو الملائكة أو الكوكب أو غير ذلك من أباطيل الملل والنحل.
وأما اختلاف العبادة فالمؤمنون يعبدون الله بإخلاص لا شرك فيه ولا غفلة عن المعبود، وبما شرع الله لعباده من كيفية العبادة المرضية له، وأما الكفار والمشركون فيعبدون معبوداتهم بكيفيات فيها الشرك والإشراك وبنحو اخترعوه لأنفسهم، لا يرضى عنه ربهم.
وأما الكفر فكله ملة واحدة في مواجهة الإسلام؛ لأن الدين الحق المقبول عند الله هو الإسلام وهو الإخلاص لله والتوحيد. وأما أنواع الكفر المعارضة لمبدأ التوحيد فتشترك في صلب الاعتقاد المنحرف عن أصل التوحيد.
стр. 9322
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النصر
مدنيّة، وهي ثلاث آيات.
تسميتها:
سميت سورة النصر؛ لافتتاحها بقول الله ﵎: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ أي الفتح الأكبر والنصر المؤزر الذي سمي فتح الفتوح وهو فتح مكة المكرمة. وتسمى أيضا سورة التوديع.
مناسبتها لما قبلها:
لما أخبر الله تعالى في آخر السورة المتقدمة باختلاف دين الإسلام الذي يدعو إليه الرسول عن دين الكفار، أنبأه هنا بأن دينهم سيضمحل ويزول، ودينه سيعلو وينتصر وقت مجيء الفتح والنصر، حيث يصبح دين الأكثرين. وفي ذلك بيان فضل الله تعالى على نبيه ﷺ بالنصر والفتح، وانتشار الإسلام، وإقبال الناس أفواجا إلى دينه: دين الله، كما أن فيه إشارة إلى دنو أجله ﷺ .
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المدنية بالإجماع تشير إلى فتح مكة، وانتصار النبي ﷺ على المشركين، وانتشار الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، وانحسار ظلمة الشرك والوثنية، والإخبار بدنو أجل النبي ﷺ ، وأمره بتسبيح ربه وحمده واستغفاره.
стр. 9323
فضلها:
تقدم في تفسير سورة الزلزال أنها في حديث الترمذي عن أنس بن مالك تعدل ربع القرآن، و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن.
وأخرج النسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: صدقت.
وروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام، فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة، أي خطبة حجة الوداع.
سبب نزولها:
أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: «كان عمر بن الخطاب ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم. قال ابن عباس: فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال:
ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له، قال: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول».
стр. 9324
وقت نزول هذه السورة:
هناك قولان في ذلك:
أحدهما-أن فتح مكة كان سنة ثمان في رمضان، ونزلت هذه السورة سنة عشر، وروي أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوما، وتوفي في ربيع الأول سنة عشر، ولذلك سميت سورة التوديع.
والقول الثاني-أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله ﷺ أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه، ونظيره قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ [القصص ٨٥/ ٢٨]. وقوله:
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ يقتضي الاستقبال، إذ لا يقال فيما وقع: إذا جاء وإذا وقع.
وعلى هذا القول يكون الإخبار بفتح مكة قبل وقوعه إخبارا بالغيب معجزا، فهو من أعلام النبوة (١).
والظاهر القول الأول، بدليل ما قال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجّة الوداع، ثم نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣/ ٥] فعاش بعدهما النبي ﷺ ثمانين يوما. ثم نزلت آية الكلالة (آخر سورة النساء)، فعاش بعدها خمسين يوما. ثم نزل ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما. ثم نزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة ٢٨١/ ٢] فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما.
وقال مقاتل: سبعة أيام (٢).
لكن قال الرازي: الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة (٣).
стр. 9325
فتح مكة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاِسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً (٣)﴾
الإعراب:
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ تقديره: إذا جاءك نصر الله، فحذف الكاف التي هي المفعول.
وجواب ﴿إِذا﴾ إما قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.﴾. والفاء غير مانعة من هذا على ما عليه الجمهور، أو محذوف تقديره: إذا جاءك نصر الله والفتح، جاء أجلك، وهو العامل في ﴿إِذا﴾.
﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ يدخلون: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿النّاسَ﴾ وأفواجا: منصوب على الحال من واو ﴿يَدْخُلُونَ﴾.
البلاغة:
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ خاص بعد عام، فإن نصر الله يشمل جميع الفتوحات، قال الرازي: وهو الغلبة على قريش أو على جميع العرب، فعطف عليه فتح مكة تعظيما لشأنه.
﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ﴾ عام أريد به الخاص، فلفظ الناس عام، والمراد به العرب.
﴿دِينِ اللهِ﴾ هو الإسلام، وأضافه تعالى إليه تشريفا وتعظيما، مثل: بيت الله، وناقة الله. ﴿إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ تواب: صيغة مبالغة على وزن (فعّال).
المفردات اللغوية:
﴿نَصْرُ اللهِ﴾ النصر: العون أو الإعانة على تحصيل المطلوب. ﴿وَالْفَتْحُ﴾ تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا أو موقوفا، أو الفصل بين الفريقين المتحاربين بانتصار أحدهما على الآخر، والمراد به هنا فتح مكة، فالفرق بين النصر والفتح: أن النصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح عليه.
стр. 9326
﴿دِينِ اللهِ﴾ أي الإسلام. ﴿أَفْواجاً﴾ جماعات كثيفة، كأهل مكة والطائف واليمن والهوازن وسائر قبائل العرب، جمع فوج: وهو الجماعة والطائفة. وقد دخلت الجماعات في الإسلام بعد ما كان الدخول فيه فرديا واحدا بعد الآخر، وذلك بعد فتح مكة، جاءه العرب من مختلف الأنحاء طائعين. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي نزّه الله وصل له حامدا على نعمه، روي: أنه ﵇ لما دخل مكة بدأ بالمسجد، فدخل الكعبة، وصلّى ثماني ركعات. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ اسأله المغفرة لك ولمن اتبعك، وطلب الاستغفار من النبي كان لترك الأفضل، وليقتدي به غيره، ولم يكن بسبب ارتكاب معصية أو ذنب.
وكان ﷺ بعد نزول هذه السورة يكثر من قول: «سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه». وعلم بذلك أنه قد اقترب أجله، فتوفي بعد فتح مكة بعامين سنة عشر.
التفسير والبيان:
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ أي إذا تحقق لك يا محمد نصر الله وعونه وتأييده على من عاداك وهم قريش، وفتح عليك مكة، وتحققت لك الغلبة، وإعزاز أمرك، فسبّح الله تعالى أي نزهه حامدا له جل وعلا زيادة في عبادته والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك. وفائدة قوله: ﴿نَصْرُ اللهِ﴾ مع أن النصر لا يكون إلا من الله: هو أنه نصر لا يليق إلا بالله، ولا يليق أن يفعله إلا الله، أو لا يليق إلا بحكمته. والمراد تعظيم هذا النصر. وقوله: ﴿جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ مجاز، أي وقع نصر الله.
روى الإمام أحمد والبيهقي والنسائي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله ﷺ : «نعيت إلي نفسي» فإنه مقبوض في تلك السنة.
خير، وأنا وأصحابي خير»، و
قال فيما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عباس:
«لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية».
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
стр. 9327
﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ أي أبصرت الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به، جماعات فوجا بعد فوج، بعد أن كانوا في بادئ الأمر يدخلون واحدا واحدا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ أي إذا فتحت مكة وانتشر الإسلام، فاشكر الله على نعمه، بالصلاة له، وبتنزيهه عن كل ما لا يليق به، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به بالنصر، واقرن الحمد بالتسبيح، أي اجمع بينهما، فإن ذلك النصر والفتح يقتضي الحمد لله على عظيم منّته وفضله، وما منحك من الخير.
واطلب أيضا من الله المغفرة لك تواضعا لله، واستقصارا لعملك، وتعليما لأمتك، وكذا اسأله المغفرة لمن تبعك من المؤمنين ما كان منهم من القلق والخوف لتأخر النصر، فإن الله سبحانه من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم، وهو كثير القبول لتوبة عباده، حتى لا ييأسوا ويرجعوا بعد الخطأ.
روى الأئمة-واللفظ للبخاري-عن عائشة ﵂ قالت: «ما صلّى رسول الله ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه سورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك الله ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
١ - كل نعمة من الله تعالى تستوجب الشكر والحمد والثناء على الله بما هو
стр. 9328
أهل له، ومن أجلّ النّعم على نبي الله وأمته تحقيق النصر والغلبة على الأعداء، وفتح مكة عاصمة العرب والإسلام، ومقر البيت الحرام أو الكعبة المشرفة قبلة المسلمين.
وتوج الله سبحانه هذه النعمة العظمى بنعمة كبري أخرى هي دخول العرب وغيرهم في دين الإسلام جماعات، فوجا بعد فوج. وذلك لما فتحت مكة، قالت العرب: أمّا إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، أي طاقة. فكانوا يسلمون أفواجا: أمّة أمّة.
٢ - لهذا ختم الله هذه السورة بأمر الله نبيه بالإكثار من الصلاة، والتسبيح لله، أي تنزيه الله عن كل ما لا يليق به ولا يجوز عليه، والحمد لله على ما آتاه من الظفر والفتح، وسؤال الله الغفران مع مداومة الذكر، والله كثير القبول للتوبة على المسبّحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم.
والأمة أولى بذلك، فإذا كان ﷺ ، وهو معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟
روى مسلم عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه؟ فقال: خبّرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ -فتح مكة- ﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾.
٣ - دين الله هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ١٩/ ٣] وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [آل عمران ٨٥/ ٣].
стр. 9329
٤ - قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلّد صحيح؛ لأنه تعالى حكم بصحة وإيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على محمد ﷺ ، ولو لم يكن إيمانهم صحيحا، لما ذكره في هذا المجال.
٥ - أمر الله تعالى بالتسبيح أولا ثم بالحمد ثم بالاستغفار؛ لأنه قدم الاشتغال بما يلزم للخالق وهو التسبيح والتحميد على الاشتغال بالنفس. وقدم الأمر بالتسبيح حتى لا يتبادر إلى الذهن أن تأخير النصر سنين لإهمال مثلا، فالله ينزّه ويقدّس عن إهمال الحق. وأتى بالاستغفار حتى لا يفكر النبي ﷺ بالاشتغال بالانتقام ممن آذاه.
٦ - الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد، حيث جعل كافيا في أداء ما وجب على النبي ﷺ وأمته من شكر نعمة النصر والفتح.
٧ - اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول الله ﷺ .
روي أنه لما نزلت هذه السورة خطب ﷺ وقال: «إن عبدا خيره الله بين الدنيا، وبين لقائه والآخرة، فاختار لقاء الله» (١). وقد عرفوا ذلك؛ لأن الأمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا دليل على أن أمر تبليغ الدعوة قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت؛ لأنه لو بقي بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهو غير جائز. ثم إن الأمر بالاستغفار تنبيه على قرب الأجل.
стр. 9330
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المسد، أو: اللهب
مكيّة، وهي خمس آيات.
تسميتها:
سميت سورة المسد؛ لقوله تعالى في آخرها: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي في عنق أم جميل زوجة أبي لهب حبل مفتول من ليف. وسميت أيضا سورة ﴿تَبَّتْ﴾ لقوله تعالى في مطلعها: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي هلكت وخسرت يدا أبي لهب، كما سميت سورة أبي لهب، أو سورة اللهب.
مناسبتها لما قبلها:
هناك تقابل بين هذه السورة والسورة التي قبلها، ففي السورة السابقة النصر ذكر الله تعالى أن جزاء المطيع حصول النصر والفتح في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وفي هذه السورة ذكر أن عاقبة العاصي الخسار في الدنيا والعقاب في الآخرة أو العقبى.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية بالإجماع الكلام عن مصير أبي لهب عبد العزّى بن عبد المطلب، عمّ النبي ﷺ ، ومصير زوجته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وهو هلاك أبي لهب عدو الله تعالى ورسوله ﷺ في الدنيا، ودخوله نار جهنم؛ لشدة إيذائه النبي ﷺ ومعاداته له، وصدّه الناس عن الإيمان به.
стр. 9331
وكذلك زوجته شريكة معه في هذا العقاب؛ لأنها كانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم.
سبب نزول السورة:
ثبت في الصحيحين وغيرهما-واللفظ لمسلم-عن ابن عباس قال: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤/ ٢٦] ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصّفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب! فاجتمعوا إليه، فقال:
«أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدّقي؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّا لك! أما جمعتنا إلا لهذا (١)! ثم قام، فنزلت هذه السورة: «تبّت يدا أبي لهب، وقد تبّ» كذا قرأ الأعمش وعبد الله وأبي إلى آخر السورة.
وقراءة حفص: وتب أي الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه.
وعن طارق المحاربي قال: «بينا أنا بسوق ذي المجاز، إذ أنا بشاب حديث السن يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه-مؤخر القدم-ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب (٢)».
стр. 9332
جزاء أبي لهب وامرأته
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَاِمْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾
الإعراب:
﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ ﴿ما﴾: إما استفهامية في موضع نصب ب ﴿أَغْنى﴾ أو نافية، ومفعول ﴿أَغْنى﴾ محذوف، وتقديره: ما أغنى عنه ماله شيئا.
﴿وَما كَسَبَ﴾ ﴿ما﴾: إما مصدرية، أي وكسبه، أو اسم موصول، أي الذي كسبه، فحذف العائد تخفيفا.
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ﴿اِمْرَأَتُهُ﴾: إما معطوف على ضمير ﴿سَيَصْلى﴾ أي سيصلى هو وامرأته، وجاز العطف على الضمير المرفوع؛ لوجود الفصل؛ لأنه يقوم مقام التأكيد في جواز العطف. وإما أنه مبتدأ مرفوع، و ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ خبره، على قراءة الرفع. ومن قرأ بالنصب ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ فهو منصوب على الذم، وتقديره: أذمّ حمالة الحطب.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ﴿فِي جِيدِها﴾: حال من ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أو خبر مبتدأ مقدر.
البلاغة:
﴿يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ مجاز مرسل، أطلق الجزء وأراد الكل، أي هلك.
﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ ﴿ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ بينهما جناس، فالأول كنية له، والثاني وصف للنار.
والجناس: أن يتشابه اللفظان في النطق، ويختلفا في المعنى، وهو نوعان: تام، وغير تام.
﴿أَبِي لَهَبٍ﴾ كنية للتصغير والتحقير، كأبي جهل.
﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ استعارة، أستعير هذا التعبير للنميمة بين الناس.
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ منصوب على الذم، أي أخص بالذم حمالة الحطب.
﴿وَتَبَّ﴾، ﴿كَسَبَ﴾، ﴿لَهَبٍ﴾، ﴿الْحَطَبِ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
стр. 9333
المفردات اللغوية:
﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي هلك وخسر، قال تعالى: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ [غافر ٣٧/ ٤٠] وهذه الجملة دعاء عليه، وأبو لهب: أحد أعمام النبي ﷺ واسمه: عبد العزّى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتيبة، وإنما كني أبا لهب لحمرة وجهه. ﴿وَتَبَّ﴾ أي قد خسر، وهذا خبر بعد الدعاء عليه، كقولهم: أهلكه الله وقد هلك، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه.
﴿وَما كَسَبَ﴾ أي وكسبه أو مكسوبه بماله من النتائج والأرباح، وقوله: ﴿ما أَغْنى﴾ أي يغني.
﴿سَيَصْلى ناراً﴾ سيجد حرها ويذوق وبالها. ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ لهب النار: ما يسطع منها عند اشتعالها، وذات لهب: أي تلهب وتوقد، وهي مناسبة لكنيته بأبي لهب: أي تلهب وجهه إشراقا وحمرة. ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ هي من سادات قريش، وكنيتها: أم جميل، واسمها: أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان. ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي تحمله حقيقة، فتحمل حزمة الشوك والحسك، وتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ . أو تحمل حطب جهنم؛ لأنها تحمل الأوزار بمعاداة الرسول ﷺ ، وتحمل زوجها على إيذائه. أو أن التعبير كناية عن النميمة التي توقد الخصومة بين الناس.
﴿فِي جِيدِها﴾ في عنقها. ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ حبل مفتول من ليف، أي مما مسّد أي فتل وربط الحبل على هذه الصورة: تصوير لها بصورة الحطّابة التي تحمل الحزمة، وتربطها في عنقها، تحقيرا لشأنها، أو بيانا لحالها في نار جهنم حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع، وفي جيدها سلسلة من النار.
التفسير والبيان:
﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ، وَتَبَّ ١﴾ أي هلكت يداه وخسرت وخابت، وهو مجاز عن جملته، أي هلك وخسر، وهذا دعاء عليه بالهلاك والخسران. ثم قال:
﴿وَتَبَّ﴾ أي وقد وقع فعلا هلاكه، وهذا خبر من الله عنه، فقد خسر الدنيا والآخرة. وأبو لهب: عم النبي ﷺ ، واسمه عبد العزّى بن عبد المطلب، وقد كان كثير الأذى والبغض والازدراء لرسول الله ﷺ ولدينه.
стр. 9334
ثم أخبر الله تعالى عن حال أبي لهب في الماضي، فقال:
﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ أي لم يدفع عنه يوم القيامة ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد، ولم يفده ذلك في دفع ما يحل به من الهلاك، وما ينزل به من عذاب الله، بسبب شدة معاداته لرسول الله ﷺ ، وصدّه الناس عن الإيمان به، فإنه كان يسير وراء النبي ﷺ ، فإذا قال شيئا كذّبه.
روى الإمام أحمد عن ربيعة بن عبّاد من بني الدّيل، وكان جاهليا فأسلم، قال: «رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز، وهو يقول: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب». والفرق بين المال والكسب:
أن الأول رأس المال، والثاني هو الربح.
ثم ذكر الله تعالى عقابه في المستقبل، فقال:
﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ أي سيذوق حرّ نار جهنم ذات اللهب المشتعل المتوقد، أو سوف يعذب في النار الملتهبة التي تحرق جلده، وهي نار جهنم. قال أبو حيان: والسين للاستقبال، وإن تراخى الزمان، وهو وعيد كائن إنجازه لا محالة، وإن تراخى وقته (١).
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي وتصلى امرأته أيضا نارا ذات لهب، وهي أم جميل، أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان، كانت تحمل الشوك والغضى، وتطرحه بالليل على طريق النبي ﷺ . وقيل: المراد أنها كانت تمشي بالنميمة،
стр. 9335
فيقال للمشاء بالنمائم، المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي يوقد بينهم النائرة، ويورّث الشر، وهذا رأي الكثيرين.
قال أبو حيان: والظاهر أنها كانت تحمل الحطب، أي ما فيه شوك، لتؤذي بإلقائه في طريق الرسول ﷺ وأصحابه، لتعقرهم، فذمت بذلك، وسميت حمالة الحطب.
﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي في عنقها حبل مفتول من الليف، من مسد النار، أي مما مسّد من حبالها أي فتل من سلاسل النار. وقد صورها الله في حالة العذاب بنار جهنم بصورة حالتها في الدنيا عند النميمة، وحينما كانت تحمل حزمة الشوك وتربطها في جيدها، ثم تلقيها في طريق النبي ﷺ ؛ لأن كل مجرم يعذب بما يجانس حاله في جرمه. وقيل: صورها الله في الدنيا بصورة حطّابة ممتهنة احتقارا لها، وإيذاء لها ولزوجها.
ولما سمعت أم جميل هذه السورة أتت أبا بكر، وهو مع رسول الله ﷺ في المسجد، وبيدها فهر (حجر) فقالت: بلغني أن صاحبك هجاني، ولأفعلنّ وأفعلنّ، وأعمى الله تعالى بصرها عن رسول الله ﷺ ، فروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال لها: هل تري معي أحدا؟ فقالت: أتهزأ بي؟ لا أرى غيرك (١).
والظاهر هو المعنى الأول؛ قال سعيد بن المسيّب: كانت لأم جميل قلادة فاخرة، فقالت: واللات والعزّى لأنفقنّها في عداوة محمد، فأعقبها الله حبلا في جيدها من مسد النار.
стр. 9336
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - أوضحت السورة نوع عذاب أبي لهب وزوجته أم جميل، ومآلهما في الدارين؛ لشدة عداوتهما لرسول الله ﷺ .
أما الآيات الأولى في أبي لهب فقد تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه:
أحدها-الإخبار عنه بالتباب والخسار، وبوقوع ذلك فعلا.
وثانيها-الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وبوقوع ذلك فعلا.
وثالثها-الإخبار عنه بأنه من أهل النار، وقد كان كذلك؛ لأنه مات على الكفر.
وتكليف أبي لهب بالإيمان في حد ذاته لا مانع منه، وإن كان الله قد علم أنه لا يؤمن، وأخبر أيضا أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، قال الآمدي: أجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا، وعلى وقوعه شرعا، كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل (١). وأيد ذلك الرازي في تفسيره (٢).
والخلاصة: أنه كلف بتصديق الرسول ﷺ فقط، لا تصديقه وعدم تصديقه، حتى يجتمع النقيضان (٣).
وأما الآيتان الأخيرتان: فتصفان عذاب أم جميل بأنها مع زوجها تصلى نار جهنم وتذوق حرها وتتلظى بلهبها، وأنها هالكة في الدنيا، ومعذبة في الآخرة بحبل من نار، وسلاسل من نار جهنم تطوقها، لإيذائها النبي ﷺ ، فإنها كانت في غاية العداوة له، ولإفسادها بين الناس بالنميمة وتأجيج نار العداوة بينهم.
стр. 9337
قال الضحاك وغيره: كانت تعيّر النبي ﷺ بالفقر، وهي تحتطب في حبل، تجعله في جيدها من ليف، فخنقها الله جل وعزّ به في الدنيا، فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار.
٢ - قال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما، لا ظاهرا ولا باطنا، ولا سرا ولا علنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة (١).
стр. 9338
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الإخلاص
مكيّة، وهي أربع آيات.
تسميتها:
سميت بأسماء كثيرة أشهرها سورة الإخلاص؛ لأنها تتحدث عن التوحيد الخالص لله ، المنزه عن كل نقص، المبرأ من كل شرك، ولأنها تخلّص العبد من الشرك، أو من النار. وسميت أيضا سورة التفريد أو التجريد أو التوحيد أو النجاة أو الولاية؛ لأن من قرأها صار من أولياء الله، أو المعرفة، وتسمى كذلك سورة الأساس؛ لاشتمالها على أصول الدين.
مناسبتها لما قبلها:
المناسبة بينها وبين ما قبلها واضحة، فسورة الكافرين للتبرؤ من جميع أنواع الكفر والشرك، وهذه السورة لإثبات التوحيد لله تعالى، المتميز بصفات الكمال، المقصود على الدوام، المنزه عن الشريك والشبيه، ولذا قرن بينهما في القراءة في صلوات كثيرة، كركعتي الفجر والطواف، والضحى، وسنة المغرب، وصلاة المسافر.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة أهم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، وهي توحيد الله وتنزيهه، واتصافه بصفات الكمال، ونفي الشركاء، وفي هذا الرد على النصارى القائلين بالتثليث، وعلى المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى.
стр. 9339
فضلها:
وردت أحاديث كثيرة في فضل هذه السورة، وأنها تعدل في ثواب قراءتها ثلث القرآن؛ لأن كل ما جاء في القرآن بيان لما أجمل فيها؛ ولأن الأصول العامة للشريعة ثلاثة: التوحيد، وتقرير الحدود والأحكام، وبيان الأعمال، وقد تكفلت ببيان التوحيد والتقديس.
أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري: «أن رجلا سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح، جاء إلى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن».
وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشقّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن».
وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله ﷺ ، فقرأ: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأرى هذا خبرا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ ، فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن».
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ:
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ﴾ في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن».
стр. 9340
سبب نزول السورة:
أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن أبي بن كعب: أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
زاد ابن جرير والترمذي قال: «﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ولم يكن له شبيه ولا عدل (١)، وليس كمثله شيء».
وقال قتادة والضحاك ومقاتل: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: صف لنا ربك، فإن الله أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ ومن أي جنس هو؟ أذهب هو أم نحاس أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب؟ وممن ورث الدنيا ومن يورثها؟ فأنزل الله ﵎ هذه السورة، وهي نسبة الله خاصة (٢).
سورة التوحيد والتنزيه لله
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾
стр. 9341
الإعراب:
﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن والحديث، مبتدأ، و ﴿اللهُ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿أَحَدٌ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول، ولا حاجة لعائد يعود على المبتدأ الأول؛ لأن ضمير الشأن إذا وقع مبتدأ، لم يعد من الجملة التي وقعت خبرا عنه ضمير؛ لأن الجملة بعده وقعت مفسرة له، بدليل أنه لا يجوز تقديمها عليه.
﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: أصله (يولد) فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، كيعد، ويزن، والأصل: يوعد ويوزن، ولهذا لم تحذف في ﴿يُولَدْ﴾ لوقوعها بين ياء وفتحة. و ﴿أَحَدٌ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾، و ﴿كُفُواً﴾: خبرها. و ﴿لَهُ﴾:
متعلق ب ﴿كُفُواً﴾ وقدم عليه للاهتمام به؛ إذ فيه ضمير الباري تعالى، والتقدير: ولم يكن أحد كفوا له، أي مكافئه، فهو في معنى المفعول، متعلق ب ﴿كُفُواً﴾. وأخّر ﴿أَحَدٌ﴾ رعاية للفاصلة.
البلاغة:
﴿قُلْ: هُوَ﴾ ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن للتعظيم والإجلال.
﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ تعريف كل منهما لإفادة التخصيص.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ جناس ناقص، لتغير الشّكل وبعض الحروف.
﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يقتضي نفي الكفء والولد، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ هو تخصيص بعد تعميم، زيادة في الإيضاح والبيان، وتقرير ما يسمى التجريد أو التفريد.
﴿أَحَدٌ﴾، ﴿الصَّمَدُ﴾، ﴿لَمْ يُولَدْ﴾، ﴿أَحَدٌ﴾ سجع مرصع.
المفردات اللغوية:
﴿أَحَدٌ﴾ أي واحد في ذاته، لم يتركب من جواهر مادية ولا من أصول غير مادية، وهو أيضا وصف بالوحدانية ونفي الشركاء. ﴿الصَّمَدُ﴾ المقصود في جميع الحوائج على الدوام. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه لم يفتقر إلى ما يعينه، ولأنه لا مجانسة بينه وبين غيره فهذا نفي للشبه والمجانسة. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه قديم أولي غير محدث، انتفى الحدوث عنه، فهو وصف بالقدم والأولية. ﴿كُفُواً﴾ أي مكافئا ومماثلا. والكف والمكافئ: النظير والمثيل، والمراد أنه لم يكن أحد يكافئه، في يماثله من صاحبه وغيرها.
стр. 9342
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي قل أيها الرسول لمن سألك عن صفة ربك ونسبته: هو الله أحد، أي واحد في ذاته وصفاته، لا شريك له، ولا نظير ولا عديل. وهذا وصف بالوحدانية ونفي الشركاء. والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالألوهية، لا يشارك فيها. وهذا نفي لتعدد الذات.
﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ أي الذي يصمد إليه في الحاجات، أي يقصد، فهو المقصود في جميع الحاجات؛ لأنه القادر على تحقيقها، والمعنى: هو الله الذي يقصد إليه كل مخلوق، لا يستغني عنه أحد، وهو الغني عنهم. وهذا إبطال لاعتقاد مشركي العرب وأمثالهم بوجود الوسائط والشفعاء.
قال ابن عباس في تفسير الصمد: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيء؛ لأنه لا يجانسه شيء، ولأنه قديم غير محدث، لا أول لوجوده، وليس بجسم وهذا نفي للشبه والمجانسة، ووصف بالقدم والأولية، ونفي الحدوث.
وفي الجملة الأولى نفي لوجود الولد لله، ورد على المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وعلى اليهود القائلين: عزير ابن الله، وعلى النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وفي الجملة الثانية نفي لوجود الوالد، وسبق العدم.
стр. 9343
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ أي ليس لله أحد يساويه، ولا يماثله، ولا يشاركه في شيء. وهذا نفي لوجود الصاحبة، وإبطال لما يعتقد به المشركون العرب من أن لله ندّا في أفعاله، حيث جعلوا الملائكة شركاء لله، والأصنام والأوثان أندادا لله تعالى.
وللسورة نظائر في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠١/ ٦] أي هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف له من خلقه نظير؟، وقوله: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم ٩٢/ ١٩ - ٩٥] وقوله: ﴿وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦/ ٢١ - ٢٧].
جاء في صحيح البخاري: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم».
وروى البخاري أيضا وعبد الرزاق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله : كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد».
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - تضمنت هذه السورة الموجزة إثباتا ونفيا في آن واحد.
فقد أبانت أن الله تعالى واحد في ذاته وحقيقته، منزه عن جميع أنحاء التركيب، ونفت عنه كل أنواع الكثرة بقوله: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾.
стр. 9344
وأوضحت أن الله غني بذاته كريم رحيم، تحتاج إليه جميع الخلائق في قضاء الحوائج، متصف بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، ونفت عنه كل أنواع الاحتياج إلى الآخرين بقوله: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾.
وقررت أن الله أحد فرد، ليس له شيء من جنسه، ولم يلد أحدا، وليس له لاحق يماثله، ونفت عن نفسه المجانسة والمشابهة بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾.
وكذلك هو قديم أولي أزلي غير مسبوق بالعدم، فلا والد له، ولا سابق له، ونفت عنه الحدوث والأولية بقوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾.
وهو سبحانه أيضا لا مقارن له في الوجود، ولا شبيه له ولا نظير ولا صاحبة ولا نديد، ونفى عن ذاته العلية الأنداد والأشباه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
وكل إثبات تقرير لعقيدة الإسلام القائمة على التوحيد والتنزيه والتقديس، وكل نفي رد على أصحاب العقائد الباطلة كالثنوية القائلين بوجود إلهين اثنين للعالم وهما النور والظلمة، والنصارى القائلين بالتثليث، والصابئة القائلين بعبادة الأفلاك والنجوم، واليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، والمشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله.
فقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ يبطل مذهب الثنوية، وقوله: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله؛ لأنه لو وجد خالق آخر، لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ يبطل مذهب اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، والمشركين في أن الملائكة بنات الله.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ يبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء لله وشركاء.
стр. 9345
٢ - قال العلماء: هذه السورة في حق الله تعالى، مثل سورة الكوثر في حق الرسول ﷺ ، لكن الطعن في حق الرسول ﷺ كان بسبب أنهم قالوا: إنه أبتر لا ولد له، وهنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولدا؛ لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب، ووجود الولد عيب في حق الله تعالى، ولهذا السبب قال هنا:
﴿قُلْ﴾ ليدفع عن الله، وفي سورة إنا أعطيناك لم يقل (قل) وإنما قال الله ذلك مباشرة، حتى يدفع بنفسه عن الرسول ﷺ (١).
стр. 9346
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الفلق
مكيّة، وهي خمس آيات.
مكيتها أو مدنيتها:
هذه السورة وسورة الناس مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر وهو رأي الأكثرين، ومدنية في رواية عن ابن عباس وقتادة وجماعة، قيل: وهو الصحيح.
تسميتها:
سميت هذه السورة سورة الفلق، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿الْفَلَقِ﴾ الشق وفصل الشيء عن بعضه، وهو يشمل كل ما انفلق من حب ونوى ونبات عن الأرض، وعيون ماء عن الجبال، ومطر عن السحاب، وولد عن الأرحام، ومنه: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، و ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ [الأنعام ٩٥/ ٦].
مناسبتها لما قبلها:
لما أبان الله تعالى أمر الألوهية في سورة الإخلاص لتنزيه الله عما لا يليق به في ذاته وصفاته، أبان في هذه السورة وما بعدها وهما المعوذتان ما يستعاذ منه بالله من الشر الذي في العالم، ومراتب مخلوقاته الذين يصدون عن توحيد الله، كالمشركين وسائر شياطين الإنس والجن، وقد ابتدأ في هذه السورة بالاستعاذة من
стр. 9347
شر المخلوقات، وظلمة الليل، والسحرة، والحسّاد، ثم ذكر في سورة الناس الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن؛ لذا سميت السور الثلاثة (الإخلاص وما بعدها) في الحديث بالمعوّذات. وقدمت الفلق على الناس لمناسبة الوزان في اللفظ لفواصل الإخلاص مع مقطع ﴿تَبَّتْ﴾.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت السورة الاستعاذة من شر المخلوقات، وبخاصة ظلمة الليل، والسواحر والنمامين، والحسدة، وهي درس بليغ وتعليم نافع عظيم لحماية الناس بعضهم من بعض بسبب أمراض النفوس، وحمايتهم من شر ذوات السموم، وشر الليل إذا أظلم، لما فيه من مخاوف ومفاجات، وبخاصة في البراري والكهوف.
فضل المعوذتين:
روى مسلم في صحيحة وأحمد والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال:
قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ:﴾
﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾».
وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذات في دبر كل صلاة».
وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال: «بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب! قال:
فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنية ثم ركب، ثم قال: يا عقب (١)، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قلت:
بلى، يا رسول الله، فأقرأني ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾
стр. 9348
ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ ، فقرأ بهما ثم مرّ بي، فقال:
كيف رأيت يا عقب، اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت».
وروى النسائي عن أبي عبد الله بن عابس الجهني: أن النبي ﷺ قال له:
«يا ابن عابس ألا أدلك-أو ألا أخبرك-بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ قال:
بلى يا رسول الله، قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتان السورتان».
وأورد ابن كثير أحاديث كثيرة في معناها ثم قال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.
وفي حديث صديّ بن عجلان: «ألا أعلمك ثلاث سور، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلهن: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾».
وروى البخاري وأهل السنن في الاستشفاء بهذه السور الثلاث (المعوذات) عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه، ثم نفث فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ: هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
سبب نزول المعوذتين:
السبب: قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي رسول الله ﷺ كما
جاء في الصحيحين عن عائشة، فإنه سحره في جفّ (قشر الطلع) فيه مشاطة رأسه ﷺ ، وأسنان مشطه، ووتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغروز بالإبر، فأنزلت عليه المعوذتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد ﷺ في نفسه
стр. 9349
خفّة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام، فكأنما نشط من عقال (١). وجعل جبريل يرقى رسول الله ﷺ ، فيقول: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك».
الاستعاذة من شرّ المخلوقات
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)﴾
الإعراب:
﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ﴿أَعُوذُ﴾: فعل معتل، ويسمى «أجوف» وأصله: أعوذ على وزن أفعل، إلا أنه استثقلت الضمة على الواو لأنه حرف علة، فنقلت من العين التي هي الواو إلى ما قبلها.
﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿شَرِّ﴾ بعير تنوين على الإضافة في القراءة المشهورة، و ﴿ما﴾:
مصدرية، وتقديره: من شرّ خلقه. وقرئ «من شرّ ما خلق» بتنوين ﴿شَرِّ﴾ وهي قراءة مروية عن أبي حنيفة، و ﴿ما﴾: فيها أيضا مصدرية، في موضع جر على البدل من ﴿شَرِّ﴾ أي من خلقه.
البلاغة:
﴿الْفَلَقِ﴾ و ﴿خَلَقَ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿شَرِّ ما خَلَقَ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ﴾ تكرار كلمة ﴿شَرِّ﴾ مرات إطناب، للتنبيه على قبح وشناعة هذه الأوصاف.
﴿شَرِّ غاسِقٍ﴾ ﴿شَرِّ النَّفّاثاتِ﴾ ﴿شَرِّ حاسِدٍ﴾ خاص بعد عام وهو ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾.
﴿حاسِدٍ﴾ و ﴿حَسَدَ﴾ جناس اشتقاق.
стр. 9350
﴿الْفَلَقِ﴾ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿الْعُقَدِ﴾ ﴿حَسَدَ﴾ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿أَعُوذُ﴾ ألجأ. ﴿الْفَلَقِ﴾ شق الشيء وفصل بعضه عن بعض، ومنه ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، و ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ [الأنعام ٩٥/ ٦]، و ﴿الْفَلَقِ﴾ يشمل كل ما يفلقه الله عن غيره، كفلق ظلمة الليل بالصبح، وفلق العيون والأمطار والنبات والأولاد، ويخص الفلق عرفا بالصبح، ولذلك فسّر به، وتخصيصه لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ إليه ما يخافه. ولفظ الرب هنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعاذة من المضارّ تربية وعناية.
﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ من شرّ المخلوقات كلها، وخصّ عالم الخلق بالاستعاذة منه لانحصار الشرّ فيه، وهو يشمل الحيوان والإنسان والجماد كالسم وغيره. ﴿غاسِقٍ﴾ ليل اشتد ظلامه. ﴿وَقَبَ﴾ دخل ظلامه وتخصيصه لأن المضار تكثر فيه ويعسر الدفع. ﴿النَّفّاثاتِ﴾ السواحر من النفوس أو النساء تنفث. ﴿فِي الْعُقَدِ﴾ التي تعقدها في الخيط، والنفث: النفخ مع ريق يخرج من الفم، و ﴿الْعُقَدِ﴾ جمع عقدة: وهي ما يعقد من حبل أو خيط ونحوهما. ﴿حاسِدٍ﴾ هو الذي يتمنى زوال نعمة المحسود. وخصّ الحاسد بالذكر؛ لأنه العمدة في الظاهر والسبب في إضرار الإنسان والحيوان وغيرهما. وذكر هذه الأصناف الثلاثة بعد التعميم الشامل لها ﴿ما خَلَقَ﴾ لشدة شرّها.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ أي قل أيها النبي: ألجأ إلى الله، وأستعيذ بربّ الصبح؛ لأن الليل ينفلق عنه، أو بربّ كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله، من الحيوان، والصبح، والحبّ، والنوى، وكل شيء من نبات وغيره، أعوذ بالله خالق الكائنات من شرّ كل ما خلقه الله سبحانه من جميع مخلوقاته. وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة الظلمة عن وجه الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد.
أخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، قال: «كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من عين الجان، ومن عين الإنس، فلما نزلت سورتا المعوذتين، أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك».