﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء ٥٤/ ٤]، وهكذا يعطي النّبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦]، وقال: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٢١/ ١٧].
وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء، وللعزّة والذلّة مظاهر وآثار، ولا يتوقف ذلك على الملك أو المال، فكم من ملك ذليل، وكم من غني مهين، وكم من فقير عزيز. ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلّتها، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقو العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النّبي ﷺ والفئة القليلة المؤمنة، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣].
بقدرتك وحدك الخير كلّه، تتصرّف فيه بحسب مشيئتك، فكل ما كان أو يكون فيه الخير والنعمة إما لصاحبه أو للجماعة، إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء، خير أو شرّ، فأنت المفوض إليك كل شيء، ونحن المتوكّلون عليك.
وذكر الخير، مع أنّ كلاّ من الخير والشّر بقدرته، لمناسبته للمقام، بتحويل النّبوة والملك من قوم إلى قوم ومن شخص إلى شخص.
والخير: شامل للنصر والغنيمة والعزّة والجاه والمال ونحو ذلك مما يرغب به الإنسان ويحرص عليه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾.
ومن مظاهر القدرة الإلهية وإبراز تمام الملك والعظمة إدخال الليل في النهار، زيادة ونقصا، فتأخذ من طول هذا، فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا، فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وقد يطول التفاوت جدا في بعض البلاد والأوقات، وهكذا يتفاوت طول الليل والنهار وقصره بحسب فصول
стр. 947
السنة ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، وبحسب مواقع البلدان الجغرافية، فقد يكون الليل ستة أشهر والنهار كذلك، وقد يطول النهار إلى ثماني عشرة أو عشرين ساعة، وقد تطلع الشمس في بعض البلاد والأزمان بعد غروبها بساعة أو أكثر. بيده تعالى أمر الزمان، كما قال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩]. وهو الذي خلق الأرض مكورة يلف عليها الليل والنهار: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥/ ٣٩]، والتّكوير: اللف على الجسم المستدير، وجعل الشمس دليلا على النّهار.
وتخرج الحيّ من الميّت إما إخراجا ماديا كالنخلة من النواة، والزرع من الحب، والإنسان من النّطفة، والطائر من البيضة، أو إخراجا معنويا كالعالم من الجاهل والمؤمن من الكافر.
وتخرج الميّت من الحيّ ماديا ومعنويا أيضا كالنّواة من النّخلة، والبيضة من الطائر، والجاهل من العالم، والكافر من المؤمن.
وفسّر بعض الأطباء إخراج الحيّ من الميّت: بأن الحيّ ينمو بأكل أشياء ميتة، فالصغير يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره، والغذاء شيء ميّت. وأما إخراج الميت من الحيّ فهو الإفرازات مثل اللبن، فهو سائل ليس فيه حياة، ومثله اللحوم ومنتجات الزروع والنباتات، بخلاف النّطفة فإن فيها حيوانات حيّة، وهكذا ينمو الحيّ من الميّت، ويخرج الميّت من الحيّ.
وترزق من تشاء بغير حساب، أي تعطي من شئت من المال والرّزق بغير عدّ ولا حصر ولا إحصاء، ولا إعياء ولا تعب (١)، فلك خزائن السّموات والأرض،
стр. 948
وتقتّر على آخرين على وفق حكمتك وإرادتك ومشيئتك. فقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي بغير تضييق ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، كأنه لا يحسب ما يعطي.
وأنت القادر على انتزاع الملك من العجم إلى العرب، والنّبوة من بني إسرائيل إلى العرب.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على أن الله تعالى صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والإرادة والمشيئة العليا، بيده الخير والشّر خلقا وتقديرا، لا كسبا، فالخير منه مطلقا، والشّر لا ينسب إليه أدبا، وإنما ينسب لفاعله.
وإنّ النّبوة والملك والرّزق بيده تعالى، يمنحها بحسب الإرادة ومقتضى الحكمة البالغة، والحجة التامة.
وإنّ إدخال الليل بالنهار وإدخال النهار بالليل دليل على كروية الأرض ودورانها؛ لأن تعاقب الليل والنهار، وتفاوت مقدارهما بحسب الفصول والأزمنة والأمكنة يشير إلى الكروية والدوران.
ويخرج الله الحيّ من الميّت، والميّت من الحيّ بكلّ من المعنى المادي والمعنوي المتقدم. وإنعامه عام يتولى من يشاء، والرزق على الله مضمون، يعطي منه ما يشاء ويمنع بمقتضى الحكمة والإرادة والمشيئة.
روى الطبراني عن ابن عباس عن النّبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾».
стр. 949
موالاة الكافرين والتحذير من الآخرة
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾
الإعراب:
﴿لا يَتَّخِذِ﴾ لا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية، فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي.
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ليس من دين الله أو ثواب الله في شيء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿مِنَ اللهِ﴾ في موضع نصب على الحال؛ لأن التقدير: فليس في شيء كائن من دين الله. فلما قدم صفة النكرة عليها انتصب على الحال. و ﴿فِي شَيْءٍ﴾: في موضع نصب، خبر ليس. و ﴿تُقاةً﴾ منصوبة على المصدر. وأصلها وقية فأبدل الواو تاء ومن الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تقاة.
﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ يوم: منصوب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر يوم تجد كل نفس.
﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ ما: إما بمعنى الذي، وهي معطوفة بالنصب على ﴿ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وجملة: تودّ منصوبة على الحال، أو هي مرفوعة مبتدأ وخبره: ﴿تَوَدُّ﴾. وإما أن تكون ﴿ما﴾ شرطية مبتدأ، وعملت: فعل الشرط، و ﴿تَوَدُّ﴾: جواب الشرط خبر المبتدأ.
البلاغة:
يوجد طباق في ﴿تُخْفُوا﴾ و ﴿تُبْدُوهُ﴾، وفي ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ و ﴿مِنْ سُوءٍ﴾، وفي ﴿مُحْضَراً﴾ و ﴿بَعِيداً﴾.
стр. 950
المفردات اللغوية:
﴿أَوْلِياءَ﴾ مفرده ولي وهو النصير والمعين. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي يواليهم. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ﴾ أي ليس من دين الله في شيء. ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ مصدر تقية، أي تخافوا مخافة، فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. وهذا في حال ضعف المسلم بأن يكون في بلد ليس قويا فيها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ يخوّفكم الله أن يغضب عليكم إن واليتموهم. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فيجازيكم. ﴿مُحْضَراً﴾ حاضرا لديها. ﴿أَمَداً بَعِيداً﴾ الأمد: المدة التي لها حدّ محدود، والمراد: غاية في نهاية البعد، فلا يصل إليها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ كرر للتأكيد.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٨):
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد-وهؤلاء كانوا من اليهود-قد بطنوا (لازموا) بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيتمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم (ملازمتهم)، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا، فأنزل الله فيهم: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ.﴾. الآية.
أي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المؤمنين كانوا يوالون رجالا من اليهود، فحذرهم جماعة من المؤمنين من تلك الموالاة أو المخالطة والمصاحبة، فأبوا النصيحة، وظلّوا على ملازمة اليهود ومباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروي أيضا عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري البدري النقيب، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النّبي ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ الآية.
стр. 951
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن الأمر بيد الله، وأنه مالك الملك، المعزّ والمذلّ، المعطي والمانع، وأنه على كلّ شيء قدير، نبّه المؤمنين إلى أنه يجب الالتجاء إليه وحده والاستعانة بأوليائه دون أعدائه، وأنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، أو يستعينوا بهم لقرابة أو صداقة قديمة.
وقد جاء في هذا المعنى آيات كثيرة، منها: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ [آل عمران ١١٨/ ٣]، ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة ٢٢/ ٥٨]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١/ ٥]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء ١٤٤/ ٤]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..﴾.
إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال ٧٣/ ٨].
وفي مقابل ذلك قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١/ ٩].
التفسير والبيان:
نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، ثم توعّد على ذلك بقوله:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ فلا يحلّ للمؤمنين اتّخاذ الكافرين أولياء لقرابة أو صداقة أو جوار ونحو ذلك، يطلعونهم على أسرارهم، ويودونهم، ويقدمون مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، وإن كان في ذلك مصلحة خاصة،
стр. 952
فالمصلحة العامة أولى وأحقّ بالمراعاة. فإن كانت الموالاة والمحالفة لمصلحة المسلمين، فلا مانع منها، فقد حالف النّبي ﷺ خزاعة، وهم على شركهم.
وإنما الواجب موالاة المؤمنين بعضهم بعضها، والاعتماد عليهم في الشؤون العامة. قال ابن عباس: نهى الله أن يلاطفوا الكفار، فيتّخذوهم أولياء.
ومعنى الموالاة الممنوعة: الاستنصار بهم والتعاون معهم والاستعانة بهم لقرابة أو محبة، مع اعتقاد بطلان دينهم؛ لأن الموالاة قد تجرّ إلى استحسان طريقتهم، والموالاة بمعنى الرّضا بكفرهم كفر، لأن الرّضا بالكفر كفر.
أما الموالاة بمعنى المعاشرة الجميلة في الدّنيا بحسب الظاهر، مع عدم الرّضا عن حالهم، فليس ممنوعا منه.
ومن يوالي الكافرين من غير المؤمنين أي يتجاوز المؤمنين إلى الكفار، كأن يكون جاسوسا للكفار، فليس من دين الله ولا من حزبه أو من ولاية الله في شيء، أي يكون بينه وبين الله غاية البعد، ويطرد من رحمته، ويكون منهم، ولا يكون مطيعا لدينه، كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾: إشارة إلى اتّخاذهم أولياء، وهذا يدلّ على المبالغة في ترك الموالاة؛ إذ نفى عن متوليهم أن يكون في شيء من الله.
ثم استثنى سبحانه حالة تجوز فيها موالاة الكفار، وهي حالة الخوف من شيء، يجب اتّقاؤه منهم، كالقتل مثلا أي حال اتّقاء الضّرر؛ فتجوز موالاتهم حينئذ؛ لأن «درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح». وإذا جازت موالاتهم لدفع الضّرر، فتجوز لنفع الإسلام والمسلمين. ويكون ذلك للضّرورة، مثل النّطق بالكفر حال الإكراه:
﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل ١٠٦/ ١٦].
ويحذركم الله عقابه، وفي ذكر ﴿نَفْسَهُ﴾ إشارة إلى أن الوعيد صادر منه
стр. 953
تعالى، وأنه القادر على إنفاذه، ولا يعجزه شيء عنه. وهذا تهديد شديد على المخالفة.
وإلى الله مرجع الخلق وجزاؤهم، فيحاسب كل امرئ بما عمل، ويجازيه بما فعل.
ثم بيّن تعالى سعة علمه بالمخلوقات، فإن تخفوا ما صدوركم وتكتموه، أو تبدوه وتظهروه، فالله يعلمه ويجازي عليه، وهو يعلم كل شيء في السّموات والأرض، ومنه الميل إلى الكفار أو البعد عنهم.
والله قدير على عقوبتكم، فلا تعصوا نواهيه، إذ ما من معصية ظاهرة أو خفية إلا يعلمها.
واحذروا يوم الآخرة الذي تجد فيه كل نفس ما عملت في الدّنيا من خير حاضرا لديها، فتسرّ وتنعم بما عملت، وتجد ما عملت من شرّ صغر أو كبر حاضرا أيضا، فتساء وتندم، وادّة أن يكون بينها وبين عملها بعد طويل ومسافة كبعد المشرقين.
ثم أكّد تعالى تحذيره، فيحذركم الله عقابه وسخطه من ارتكاب المخالفات، وعليكم ترجيح جانب الخير على الشّر. والله بهذا التحذير والتهديد رؤف بعباده، إذ أنذرهم عاقبة أمرهم، وعرّفهم جزاءهم ومصيرهم. قال الحسن البصري:
ومن رأفته أن حذّرهم نفسه، وعرّفهم كمال علمه وقدرته؛ لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة، دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - دلّت الآية على تحريم الاطمئنان إلى الكفار أو الثقة بهم والرّكون إليهم في أمر عام، والتّجسس لهم، واطّلاعهم على أسرار المسلمين الخاصة بمصلحة
стр. 954
الدّين، واتّخاذهم أولياء وأنصارا في شيء تقدّم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة؛ لأن فيه إعانة للكفر على الإيمان.
وقصة حاطب المسندة في الصحيحين وغيرهما ملخصها: «أن حاطبا كتب كتابا لقريش يخبرهم فيه باستعداد النّبي ﷺ للزّحف على مكة، إذ كان يتجهّز لفتحها، وكان يكتم ذلك، ليبغت قريشا على غير استعداد منها، فتضطر إلى قبول الصلح-وما كان يريد حربا-وأرسل حاطب كتابه مع جارية وضعته في عقاص شعرها، فأعلم الله نبيّه بذلك، فأرسل في أثرها عليّا والزّبير والمقداد، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها، فلما أتي به، قال:
يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ! إنّي كنت حليفا لقريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاني ذلك من النّسب فيهم أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال ﵊: «أما إنه قد صدقكم»، واستأذن عمر النّبي ﷺ في قتله فلم يأذن له، قالوا: وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠].
أي أن آية: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ.﴾. لم تنزل في قصة حاطب، وإنما هذه الآية وما نزل في قصة حاطب يشتركان في النهي عن موالاة الكافرين.
ولا تمنع هاتان الآيتان وأمثالهما التّحالف أو الاتّفاق بين المسلمين وغيرهم، وإن كان التّحالف أو الاتّفاق لمصلحة غير المسلمين؛ لأن النّبي ﷺ كان محالفا خزاعة، وهم على شركهم.
стр. 955
كما لا تمنع الآيات في هذا الموضوع موادّة ومجاملة غير الحربيين من غير المسلمين في الظاهر مع عدم الرّضا بكفرهم في الحقيقة والباطن، ولا تمنع معاملة غير المسلم أو معاشرته أو الثقة به في أمر خاص من الأمور، لا يمسّ مصلحة المسلمين العامة، بدليل آيات: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة ٧/ ٦٠ - ٩].
فالكفار الحربيون الذين آذوا المسلمين أو ظاهروا على إخراجهم من بلادهم أو اغتصبوا بعض بلادنا كفلسطين، لا تحلّ موالاتهم بل تجب معاداتهم، للآية المتقدّمة.
٢ - وفي الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب، وإليه ذهب بعض المالكية،
ولقوله ﷺ -فيما رواه مسلم عن عائشة-لرجل تبعه يوم بدر: «ارجع فلن أستعين بمشرك»، ولأنه لا يؤمن غدرهم، إذ العداوة الدينية تحملهم على الغدر إلا عند الاضطرار.
وأجاز الأكثرون من أتباع المذاهب الأربعة الاستعانة بالكافر على الكفار، إذا كان الكافر حسن الرأي بالمسلمين، وقيّد الشافعية ذلك أيضا بالحاجة؛ لأن النّبي ﷺ -فيما رواه مسلم-استعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب هوازن، وتعاونت خزاعة مع النّبي ﷺ عام فتح مكة، وخرج قزمان-وهو من المنافقين-مع الصحابة يوم أحد، وهو مشرك. وأما حديث «ارجع فلن أستعين بمشرك» فهو منسوخ بدليل استعانته ﷺ بيهود قينقاع وقسمه لهم من الغنيمة.
٣ - وفي الآية أيضا دليل على مشروعية التّقية: وهي المحافظة على النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء.
стр. 956
والواقع أن التّقية نوعان بحسب نوع العدوّ: عدو في الدّين، وعدوّ في الأغراض الدّنيوية كالمال والمتاع والإمارة.
أما النوع الأول: فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه، وهذا يجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه فيه. أما إن كان من المستضعفين وهم الصبيان والنساء والعجزة فيجوز له البقاء في ديار الكفر وموافقة الكافرين في الظاهر بقدر الضرورة، مع السّعي في حيلة للخروج والفرار بدينه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا:﴾
﴿فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها، فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ، وَساءَتْ مَصِيراً* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ [النساء ٩٧/ ٤ - ٩٩].
والموافقة حينئذ للكفار رخصة، وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو شهيد، بدليل
ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه؛ ثم دعا الثاني وقال: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، قالها ثلاثا، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما هذا المقتول، فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة فهنيئا له، وأما الآخر، فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه» (١).
وأما النوع الثاني-وهو من كانت عداوته بسبب المال ونحوه، فقد اختلف
стр. 957
العلماء في وجوب هجرة صاحبه من ديار الأعداء، فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥/ ٢] وللنهي عن إضاعة المال،
ولقوله ﷺ فيما رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه، وابن حبان عن سعيد بن زيد: «من قتل دون ماله فهو شهيد». وقال آخرون: لا تجب؛ لأنها مصلحة دنيويّة ولا تضرّ بالدّين. ولكن الراجح أن الهجرة قد تجب هنا أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك عرضه.
٤ - مداراة الناس بإظهار المحبة والولاء والموافقة: إن كانت فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير، كما أنها لا تخالف أصول الدّين، فهي جائزة. وإن كانت تؤدي إلى ضرر الغير كالقتل والسرقة وشهادة الزّور، فلا تجوز. قال الحسن البصري: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل.
٥ - ينبغي دوام الحذر من عقاب الله وغضبه، حتى يكون الإنسان على طهر من المعاصي، ويحرص على زيادة القربات إلى ربّه، فهي التي تنفعه يوم القيامة، فيجازي كل إنسان بعمله: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.
٦ - علم الله واسع شامل، يعلم كل شيء كبيرا أو صغيرا، ويعلم ما في السموات والأرض، ويعلم خفيات النفوس وجلياتها، فسواء أظهر الإنسان شيئا أو أخفاه في صدره، فإن الله تعالى عالم به علما دقيقا تامّا، لا يختلف عليه شيء.
محبّة الله باتّباع الرّسول وطاعته
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)﴾
стр. 958
البلاغة:
﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ أقام الظاهر وهو اسم الجلالة مقام المضمر، لتربية المهابة والرّوعة وتعظيم الله في النفوس.
ويوجد جناس مماثل في ﴿تُحِبُّونَ﴾ و ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾، وجناس مغاير في ﴿تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ وفي ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ و ﴿غَفُورٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿تُحِبُّونَ اللهَ﴾ المحبّة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، قال ابن عرفة: المحبّة عند العرب: إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبّة العبد لله ورسوله: طاعته لهما واتّباعه أمرهما، ومحبّة الله للعباد: إنعامه عليهم بالغفران، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ أي لا يغفر لهم.
﴿يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي يثيبكم. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي يتجاوز عن سيئاتكم وأباطيلكم.
﴿أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ فيما يأمركم به من التوحيد. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الطاعة، ولم يجيبوا دعوتك ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ أي يعاقبهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٣١):
أخرج ابن المنذر عن الحسن البصري قال: قال أقوام على عهد نبيّنا: والله يا محمد، إنا لنحبّ ربّنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية.
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادّعوه في عيسى حبّ لله .
وقال ابن عباس: إن اليهود لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ أنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها.
стр. 959
وعلى كلّ فالخطاب في الآية عام يشمل كل من ادّعى حبّ الله، أي طاعته واتّباع أمره، ولم يتّبع رسول الله ﷺ ، قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادّعى محبّة الله، وليس هو على الطريقة المحمديّة، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتّبع الشّرع المحمدي والدّين النّبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت
في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».
المناسبة:
بعد أن نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، أوضح هنا أن طريق محبّة الله تعالى متابعة رسوله ﷺ وامتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه.
التفسير والبيان:
قل يا محمد لهم: إن كنتم تطيعون الله وترغبون في ثوابه، فامتثلوا ما أنزل الله علي من الوحي، يرض الله عنكم، ويغفر لكم ذنوبكم، أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبّتكم إياه، وهو محبّته إياكم، وهو أعظم من الأوّل.
والله غفور لمن أطاعه، واتّبع دينه، رحيم به في الدّنيا والآخرة، والطاعة تكون باتّباع الرّسول ﷺ .
روي أنه لما نزل قوله: ﴿قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ.﴾. قال عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين: إنّ محمدا يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا أن نحبّه، كما أحبّ النصارى عيسى، فنزل قوله: ﴿قُلْ: أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾.
أي قل لهم: أطيعوا الله باتّباع أوامره، واجتناب نواهيه، وأطيعوا الرّسول باتّباع سنّته والاهتداء بهديه واقتفاء أثره. وهذا يدلّ على أنّ الله إنما أوجب عليكم متابعة نبيّه؛ لأنه رسوله، لا كما يقول النّصارى في عيسى ﵇.
стр. 960
فإن تولوا وأعرضوا، وخالفوا أمره، ولم يجيبوا دعوته غرورا منهم، بادّعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه، أي محبون لله، فإنّ الله يجازي الكافرين ولا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم ويغضب عليهم؛ لأنهم اتّبعوا أهواءهم، ولم يهتدوا إلى الدّين الحنيف. وهذا دليل على أنّ مخالفة النّبي ﷺ في الطريقة والمنهج كفر، والله لا يحبّ من اتّصف بذلك، وإن ادّعى وزعم في نفسه أنه محبّ لله ويتقرّب إليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن محبّة الله والرّسول تتجلّى في اتّباع الإسلام وإطاعة رسول الله ﷺ والعمل بشريعته، واتّباع أوامره واجتناب نواهيه.
ومحبة الرّسول ﷺ لا لذاته وإنما لكونه رسولا مرسلا من عند الله إلى جميع الثقلين: الجنّ والإنس.
فاتّباع شرع النّبي محمد ﷺ هو دليل الحبّ الصادق، كما قال الورّاق:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
وقال سهل بن عبد الله: علامة حبّ الله: حبّ القرآن، وعلامة حبّ القرآن: حبّ النّبي ﷺ ، وعلامة حبّ النّبي ﷺ : حبّ السّنّة، وعلامة حبّ الله وحبّ القرآن وحبّ النّبي وحبّ السّنّة: حبّ الآخرة، وعلامة حبّ الآخرة: أن يحبّ نفسه، وعلامة حبّ نفسه: أن يبغض الدّنيا، وعلامة بغض الدّنيا: ألا يأخذ منها إلا الزّاد والبلغة.
وروى مسلم في صحيحة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله إذا أحبّ عبدا دعا جبريل فقال: إني أحبّ فلانا فأحبّه، قال: فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبّ فلانا فأحبّوه، قال: فيحبّه أهل السماء، وإذا
стр. 961
أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض».
اصطفاء الأنبياء وقصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لعبادة الله
﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)﴾
الإعراب:
﴿ذُرِّيَّةً﴾ منصوب على الحال من الأسماء المتقدمة. ﴿إِذْ﴾ ظرف منصوب متعلق بفعل مقدر تقديره: اذكر يا محمد إذ قالت، أو متعلق بقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿مُحَرَّراً﴾ حال من ﴿ما﴾. وعبر ب ﴿ما﴾ عمن يعقل للإبهام، مثل: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾.
стр. 962
﴿وَضَعَتْها﴾ الهاء عائدة على «ما» حملا على المعنى، ومعناها التأنيث.
﴿أُنْثى﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿وَضَعَتْها﴾.
﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ بالتشديد، وزكريا مفعول به، ومن قرأها بالتخفيف رفع زكرياء؛ لأنه فاعل. والهمزة في زكرياء للتأنيث.
البلاغة:
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ جملتان معترضتان لتعظيم الأمر.
﴿أُعِيذُها﴾ التعبير بالمضارع للدلالة على الاستمرار والتجديد.
﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ شبه تربيتها الصالحة ونموها بالزرع الذي ينمو شيئا فشيئا عن طريق الاستعارة التبعية، بحذف المشبه والإتيان بشيء من لوازمه.
المفردات اللغوية:
﴿اِصْطَفى﴾ اختار. ﴿ذُرِّيَّةً﴾ الذرية في الأصل: صغار الأولاد، ثم استعملت في الصغار والكبار، وللواحد والكثير، والمراد: ذرية يشبه بعضها بعضا. ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ اسمها حنة بنت فاقود. ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقا خالصا من شواغل الدنيا، مخصصا للعبادة وخدمة البيت المقدس (المسجد الأقصى). ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ خذه على وجه الرضا والقبول.
﴿أُعِيذُها بِكَ﴾ أي أمنعها وأحفظها بحفظك، وأصل التعوذ والاستعاذة بالله: الالتجاء إليه، والاستجارة به، واللجوء إليه بالدعاء والرجاء. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ المطرود.
﴿مَرْيَمَ﴾ بالعبرية: خادم الرب أي العابدة. ﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ رباها بما يصلح أحوالها.
﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ جعل زكريا كافلا لها. وزكريا: من ولد سليمان بن داود ﵉.
﴿الْمِحْرابَ﴾: الغرفة وهي أشرف المجالس، وتسمى عند أهل الكتاب بالمذبح: وهي مقصورة في مقدم المعبد، ذات باب يصعد إليه بسلم ذي درجات قليلة يكون من فيه محجوبا عمن في المعبد. ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ من أين لك هذا، والزمان زمان قحط وجدب. ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يأتيني به من الجنة. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي بغير عدّ ولا إحصاء لكثرته، فهو رزق واسع بلا تبعة.
стр. 963
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن محبته تستلزم محبة رسوله واتباعه وطاعته، وأن طاعة الله مقترنة بطاعة الرسول، ناسب أن يذكر من أحبهم واصطفاهم من الرسل وذرياتهم الذين يبينون للناس طريق المحبة: وهي الإيمان بالله مع طاعته وطاعة رسله الكرام.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، وجعلهم صفوة العالمين بجعل النبوة فيهم، فاختار آدم أبا البشر، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد الملائكة له، وعلمه أسماء الأشياء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، وتاب عليه واجتباه، كما قال: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ، فَتابَ عَلَيْهِ، وَهَدى﴾ [طه ١٢٢/ ٢٠] وكان من ذريته الأنبياء والمرسلون.
واصطفى من بعده نوحا أبا البشر الثاني، الذي جعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض فهو شيخ المرسلين، لما عبدوا الأوثان، وانتقم له بإغراقهم بالطوفان، ونجاه هو ومن تبعه من المؤمنين في الفلك العظيم، وكان من ذريته كثير من الأنبياء والمرسلين، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇ بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات.
واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر خاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ ، ومنهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. واصطفى من ذرية إبراهيم آل عمران: وهم عيسى وأمه مريم بنت عمران التي ينتهي نسبها إلى يعقوب ﵇.
والمراد بعمران هذا: هو والد مريم أم عيسى ﵇، وهو عمران بن
стр. 964
ياشم، ابن ميشا بن حزقيا بن إبراهيم، وينتهي نسبه إلى سليمان بن داود ﵉. فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم.
اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة الخلق وجعل النبوة والرسالة فيهم. فهم ذرية واحدة وسلالة واحدة، ويشبه بعضها بعضا في الفضل والمزية والتناصر في الدين، فآل إبراهيم وهم إسماعيل وإسحاق وأولادهما من نسل إبراهيم، وإبراهيم من نسل نوح، ونوح من آدم. وآل عمران: وهم موسى وهرون وعيسى وأمه من ذرية إبراهيم ونوح وآدم. واصطفاؤهم على جميع الخلق كلهم، فهم صفوة الخلق، فأما محمد ﷺ فقد جازت مرتبته الاصطفاء؛ لأنه حبيب ورحمة، قال الله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد ﷺ خلق بنفسه رحمة، فلذلك صار أمانا للخلق،
وقال ﵊ فيما رواه الحاكم وابن عساكر عن أبي هريرة: «إنما أنا رحمة مهداة» يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله، وقوله «مهداة» أي هدية من الله للخلق.
هذه الذرية هم المذكورون بمناسبة الكلام عن إبراهيم: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا.﴾. [الأنعام ٨٤/ ٦ - ٨٧].
وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء؛ لأن جميع الأنبياء والرسل من نسلهم.
والله سميع لأقوال العباد، عليم بنياتهم وضمائرهم.
واذكر وقت أن قالت امرأة عمران (وهي أم مريم واسمها حنّة بنت فاقود) وكانت عاقرا لم تلد، واشتاقت للولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فلما تحققت الحمل قالت: رب إني نذرت لك ما في بطني خالصا لوجهك الكريم، متفرغا للعبادة وخدمة بيت المقدس وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على الولد الطاعة. ودعت الله أن يتقبل منها هذا النذر، وهو
стр. 965
السميع لكل قول ودعاء، العليم بنية صاحبه وإخلاصه، وهذا يستدعي تقبل الدعاء، فضلا منه وإحسانا، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكر أم أنثى. والنذر:
هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه. فهو لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه.
ويلاحظ أن المراد بعمران أولا في قوله: ﴿آلَ عِمْرانَ﴾ هو أبو موسى ﵇، وثانيا في قوله ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ هو أبو مريم، وبينهما نحو ألف وثمانمائة عام (١٨٠٠) تقريبا.
فلما وضعت بنتا، قالت متحسرة حزينة: إني وضعتها أنثى، وذلك أنه ما كان يؤخذ لخدمة البيت إلا الذكور؛ لأن الأنثى تحيض وتلد، فلا تصلح لهذا، والله أعلم بما وضعت وبمكانتها، وفي هذا تعظيم لشأن الأنثى، وليس الذكر الذي طلبت وتمنت كالأنثى أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى، بل هذه الأنثى خير مما كانت ترجو من الذكر. أما قوله: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ فهو من كلام الله . وقرئ بضم تاء «وضعت» فيكون من كلام امرأة عمران عن طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وأما: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ فهو من كلام الله بالمعنى المذكور. ويجوز كونه من كلام امرأة عمران، قالته معتذرة إلى ربها من ولادة أنثى على خلاف ما قصدته من خدمة المسجد؛ لأنه أنثى لا تصلح للخدمة بسبب كونها عورة.
وقالت امرأة عمران: إني سميتها مريم، أي خادمة الرب، وإني أجيرها وأعيذها بحفظك ورعايتك من شر الشيطان المطرود من الخير، وأدعوك أن تقيها وذريتها وهو عيسى ﵇ من الشيطان وسلطانه عليهما، فاستجاب الله دعاءها.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل بني آدم
стр. 966
يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» (١) أي أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يؤثر فيه إلا مريم وابنها.
فتقبل الله مريم من أمها بأبلغ قبول حسن، ورضي أن تكون محررة خالصة للعبادة وخدمة البيت على صغرها وأنوثتها، ورباها ونماها بما يصلح أحوالها تربية عالية تشمل الجسد والروح، كما يربى النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزارع إياه بالسقي والتسميد والعزق وقلع الأعشاب الضارة من حوله.
وجعل زكريا-وكان زوج وخالتها وكان معروفا بالخلق والتقوى-كافلا لها وراعيا مصالحها حتى شبت وترعرعت. وإنما قدر الله كون زكريا كفيلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا.
وكان كلما دخل زكريا عليها المحراب، وجد عندها خيرا كثيرا ورزقا وافرا، وألوانا من الطعام لا توجد في مثل ذلك الوقت، قال جماعة من مفسري التابعين: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
فيقول لها: يا مريم، من أين لك هذا؟ والأيام أيام جدب وقحط، قالت: هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعا، بتسخير بعضهم لبعض، إن الله يرزق من يشاء من عباده بغير حساب. قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا، فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد.
فقه الحياة أو الأحكام:
كان المشركون وأهل الكتاب ينكرون نبوة النبي ﷺ ؛ لأنه بشر مثلهم، ولأنه ليس من بني إسرائيل، فرد الله عليهم: إن الله اصطفى آدم أبا البشر.
стр. 967
ونوحا الأب الثاني، واصطفى من ذريتهما آل إبراهيم، واختار آل عمران من آل إبراهيم. وآل عمران هم من سلالة بني إسرائيل حفيد إبراهيم. فإذا كان الاصطفاء لله فهو يصطفي أيضا نبيا من العرب وهو سليل إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
فكانت هذه القصة لتقرير نبوة النبي العربي ﷺ ، ودحض شبهة أهل الكتاب الذين حصروا النبوة في بني إسرائيل، وإبطال شبهة المشركين الذين تصوروا كون النبي غير بشر، وهو لا يكون إلا بشرا من جنس المبعوث إليهم.
وفي القصة إرهاص بنبوة عيسى، إذ ولدت أمه من أم عاقر كبيرة السن، على خلاف المعهود، وقبلت الأنثى في خدمة بيت المقدس، لتكون سيرتها الطاهرة عنوانا على كون ولدها من روح الله وكلمته.
ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ على جواز التسمية يوم الولادة، وهو شرع من قبلنا، وأكده
ما ثبت في السنة عند البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ حيث قال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي: إبراهيم».
وكان من أثر دعاء امرأة عمران الذي قبله الله بصون مولودها وذرريتها من مس الشيطان أن صان عيسى ﵇ من إغواءات الشيطان، كما يصون الله تعالى سائر أنبيائه الكرام من وساوس الشياطين وسلطانهم، فكم تعرّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥ والإسراء ٦٥/ ١٧].
ووجود الرزق الكثير عند مريم مما ليس كالعادة دليل على كرامات الأولياء، كما ذكر ابن كثير (١).
стр. 968
قصة زكريا ويحيى
(دعاء زكريا وطلبه الولد الصالح وإنجاب يحيى)
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)﴾
الإعراب:
﴿هُنالِكَ﴾ الأصل أن يكون ظرف مكان، ولكنه استعمل هنا ظرف زمان، وقيل: بهما في هذه الآية أي في ذلك المكان والوقت، وهو متعلق بدعاء أي دعا زكريا في ذلك الوقت، وهذا الاستعمال جائز على سبيل التوسع، ويعرف المراد بدلالة الحال، وقد تجيء ﴿هُنالِكَ﴾ محتملة الزمان والمكان، كما في قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾. والظرف منه «هنا» واللام للتأكيد، والكاف للخطاب، لا موضع لها من الإعراب.
﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي جماعة الملائكة. ومن قرأ «فناداه» أراد جمع الملائكة؛ إذ يجوز في فعل الجماعة التذكير والتأنيث، سواء كانت الجماعة للمذكر أو المؤنث، نحو: قال الرجال وقالت الرجال، وقال النساء وقالت النساء، فالتذكير بالحمل على معنى الجمع، والتأنيث بالحمل على معنى الجماعة. ﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من هاء ﴿فَنادَتْهُ﴾. ﴿أَنَّ اللهَ﴾ مفعول ثان لنادته، ومن قرأها بالكسر فعلى الابتداء، على تقدير: قال: إن الله يبشرك.
﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من يحيى، وكذلك: ﴿سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا﴾. ﴿وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ إنما جاء بغير تاء؛ لأنه أراد النّسب، أي: ذات عقر أي عقم، مثل طالق وحائض.
стр. 969
البلاغة:
﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ المنادي جبريل، وعبر عنه باسم الجماعة تعظيما له؛ لأنه رئيسهم.
﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ فيه طباق وهو أحد المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
﴿هُنالِكَ﴾ أي لما رأى زكريا ذلك، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء من غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ولدا صالحا مباركا.
الذرية: الولد، وتقع على الواحد والكثير وهو هنا واحد، والطيب: ما تستطاب أفعاله ﴿سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أي مجيبه وقابله، كما يقال: سمع الله لمن حمده، إذ من لم يجب، فكأنه لم يسمع ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أي يصدق بعيسى أنه روح الله، فهو قد وجد بكلمة كائنة من الله، وكلمة الله:
عيسى ﵇، وسمي كلمة؛ لأنه خلق بكلمة: كن، قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم. ﴿وَسَيِّداً﴾ السيد: الرئيس المتبوع الذي يسود قومه. ﴿وَحَصُوراً﴾ قال السيوطي وغيره: ممنوعا من النساء، من الحصر: وهو المنع، فهو لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن تعففا وزهدا. وقال آخرون: منوعا نفسه من ارتكاب ما يعاب عليه، أو أنه معصوم من الذنوب أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، كما قال القاضي عياض. ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي من أصلابهم، روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها ﴿أَنّى﴾ كيف ﴿غُلامٌ﴾ ولد ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي بلغت نهاية السن، مائة وعشرين سنة ﴿وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ عقيم لا تلد بلغت ثمانيا وتسعين سنة.
﴿كَذلِكَ﴾ أي الأمر كذلك، أي من خلق الله غلاما منكما ﴿اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾: لا يعجزه عنه شيء.
﴿آيَةً﴾ علامة على حمل امرأتي أي علامة أعرف بها ميقات الحمل إذا حدث لأتلقى النعمة بالشكر ﴿أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أي تمتنع من كلامهم ما عدا ذكر الله تعالى ﴿رَمْزاً﴾ إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وسمي الرمز كلاما؛ لأنه يفيد ما يفيده الكلام ويدل على ما دل عليه ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ الوقت من الزوال إلى الليل. ﴿وَالْإِبْكارِ﴾ من طلوع الفجر إلى الضحى، فشمل قوله: بالعشي والإبكار: أواخر النهار وأوائله.
التفسير والبيان:
حينما رأى زكريا حال مريم وتفرغها للعبادة وتفضل الله عليها بالأرزاق الوفيرة، دعا ربه أن يرزقه ولدا صالحا مثلها من ولد يعقوب ﵇،
стр. 970
قائلا: إنك يا رب سميع لكل قول، مجيب لكل دعاء صالح؛ لأن رؤية الأولاد النجباء تشوق النفس لو يكون له مثلهم.
فخاطبته الملائكة شفاها، والمخاطب في رأي الجمهور: هو جبريل ﵇ (١)، والأظهر في رأي القرطبي: ناداه جميع الملائكة، أي جاء النداء من قبلهم.
وهو قائم يدعو الله ويصلي في محراب عبادته، وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى: ﴿إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم ٧/ ١٩] وهو معرّب يوحنا، ويطلق عليه في إنجيل متى: «يوحنا المعمداني» لأنه كان يعمّد الناس في زمانه. وهو أول من يصدق بعيسى بن مريم ﵇ المسمى (كلمة الله)؛ لأنه ولد ونشأ بكلمة الله: ﴿كُنْ﴾، لا بالطريقة المعتادة من الولادة من أب وأم.
ويحيى أيضا سيد قومه، ومعصوم من الذنوب، ومانع نفسه من شهواتها، ونبي يوحى إليه-وهذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى-وهو صالح ناشئ من أصلاب الصالحين: أنبياء الله الكرام صلوات الله عليهم.
ولكن زكريا تعجب قائلا: كيف يكون لي غلام، وقد أصبحت كبير السن، وامرأتي عقيم لا تلد، فأجابه الله تعالى من طريق الملائكة: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي مثل ذلك الخلق غير المعتاد الحاصل مع امرأة عمران، يفعل
стр. 971
الله ما يشاء في الكون، فمتى شاء أمرا أوجده، سواء بسبب معروف أو بغير سبب، ومنه إيجاد الولد والمرأة عاقر.
فطلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة تدله على الحمل ووجود الولد منه، استعجالا للسرور، أو ليشكر تلك النعمة، فجعل الله علامة ذلك ألا يقدر على كلام الناس مدة ثلاثة أيام متوالية إلا بالإشارة والرمز بيد أو رأس أو نحوهما. وأمره بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال طوال الوقت، وعلى التخصيص في الصباح والمساء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآية على مشروعية طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصدّيقين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد ٣٨/ ١٣] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤/ ٢٥] وقال مخبرا عن إبراهيم الخليل:
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء ٨٤/ ٢٦]، و
روي من حديث أنس قال: قال النبي ﷺ : «أيّ رجل مات، وترك ذرّية طيبة، أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا».
وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «النكاح من سنّتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».
وأخرج أبو داود من قوله ﷺ : «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم». والأخبار في هذا المعنى كثيرة، تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته،
روى مسلم وغيره أنه ﷺ قال: «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر: أو ولد صالح يدعو له» ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.
стр. 972
ودلت الآية أيضا على أن الواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه وطلب التوفيق لهما، والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونوا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه.
ألا ترى قول زكريا: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم ٦/ ١٩] وقال: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقال: ﴿رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان ٧٤/ ٢٥]، و
دعا رسول الله ﷺ لأنس، فقال فيما رواه البخاري ومسلم: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه».
ومن مهام الملائكة البشارة، كما بشرت بيحيى ﵇، والأنبياء معصومون من الذنوب والمعاصي الكبيرة والصغيرة قبل النبوة وبعدها، وقد يعصمون ويمنعون عن الشهوات المباحة، كما حصل ليحيي ﵇ أنه كان حصورا، ولعل هذا كان شرعه، فأما شرعنا فالنكاح. وكان يحيى أول من آمن بعيسى ﵉ وصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، ويقال بستة أشهر.
واستبعاد زكريا ﵇ وتعجبه كان على وفق المعتاد أن حاله وحال امرأته لا يولد لمثلهما، لا أن ذلك ليس من مقدور الله. وقد طلب إتمام النعمة بأن يجعل له آية تكون دليلا على زيادة النعمة والكرامة.
وفي هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات:
ما حكم به النبي ﷺ من أمر السوداء حين قال لها: «أين الله؟» فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة» فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك.
وهذا قول عامة الفقهاء، قال مالك: إن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه
стр. 973
يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه، فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان.
وقد منع زكريا الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة. أما عن ذكر الله فلا، فقد أمره الله بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه. قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر، لرخص لزكريا بقول الله : ﴿أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً﴾ ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله : ﴿إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال ٤٥/ ٨].
وكذلك الصلاة لا تترك؛ لأن معنى قوله: ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي صلّ، سميت الصلاة سبحة، لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء.
قصة زكريا ﵇:
ذكر زكريا في القرآن الكريم ثماني مرات في آل عمران وفي الأنعام وفي مريم وفي الأنبياء. ويظهر أن لزكريا أبي يحيى شركة في خدمة الهيكل، فهو «لاوي» وهو زوج خالة «مريم».
لما رأى زكريا آيات الله الباهرات وإكرامه تعالى لمريم ورزقها من حيث لا تحتسب، فدعا ربه ليرزقه ذرية طيبة مباركة تلي أمور بني إسرائيل؛ لأنه كان يخشى ابتلاءهم بمواليه الذين لم يكونوا متمسكين بالشريعة، فحملت زوجه بيحيى وبشره الله بنبوته، وأعلمه أن آية ذلك أن يعجز عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام لا يكلمهم إلا رمزا. وقتل زكريا وابنه يحيى في حادث واحد.
стр. 974
قصة يحيى ﵇:
ذكر يحيى في مواضع أربعة من القرآن الكريم: في آل عمران، وفي الأنعام، وفي مريم، وفي الأنبياء.
وحملت زوجة زكريا، واسمها «اليصابات» في الزمن الذي حملت فيه مريم بعيسى، وولد يحيى ثم شب ونشأ بارعا في الشريعة الموسوية ومرجعا مهما لكل من يستفتي في أحكامها.
وكان «هيرودس» أحد حكام فلسطين، وله بنت أخ تسمى «هيروديا» بارعة الجمال، أراد أن يتزوج منها، وأرادت البنت وأمها ذلك، فلم يرض يحيى عن هذا الزواج؛ لأنه حرام. فانتهزت الأم ليلة الزفاف بين العم وابنة أخيه، فرقصت العروس في زينتها أمامه، فسر منها، وطلب منها أن تقول ما تتمناه، ليعمله لها، فطلبت منه-عملا بمشورة أمها-رأس يحيى بن زكريا في هذا الطبق، فوفى لها عمها الحاكم بذلك وقتل يحيى.
وامتاز يحيى منذ صباه بأكمل أوصاف الصلاح والتقوى، وأوتي النبوة وهو صبي قبل بلوغ الثلاثين، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم ١٢/ ١٩] وكان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب، وكان يعمّدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد عمّد المسيح، ويسميه المسيحيون «يوحنا المعمدان».
ولما قتل يحيى، جهر المسيح بدعوته، وبدأ في وعظ الناس.
قصة مريم
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾
стр. 975
الإعراب:
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة منصوبة بفعل مقدر، تقديره: ينظرون أيهم يكفل مريم.
البلاغة:
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ المراد جبريل، على سبيل المجاز المرسل من إطلاق الكل، وإرادة البعض.
﴿اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ﴾ تكرار لفظ ﴿اِصْطَفاكِ﴾ ولفظ ﴿مَرْيَمَ﴾ من باب الإطناب.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ أي جبريل ﴿يا مَرْيَمُ﴾ مريم في لغتهم: العابدة، وسميت بذلك تفاؤلا لها بالخير. ﴿اِصْطَفاكِ﴾ اختارك. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من الحيض والنفاس، ومن مسيس الرجال، ومن سفساك الأخلاق. ﴿وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ أي أهل زمانك. والاصطفاء الأول: قبولها محررة لخدمة بيت المقدس، وكان ذلك خاصا بالرجال. والاصطفاء الثاني:
الاختصاص بولادة نبي من غير أن يمسها رجل، وذلك بمعنى أنها مهيأة ومعدة له، وفيه شهادة ببراءتها مما قذفها به اليهود.
﴿اُقْنُتِي﴾ أطيعي، والقنوت: الطاعة مع الخضوع. ﴿وَاسْجُدِي﴾ تذللي. ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ صلي مع المصلين، والمراد من السجود والركوع لازمه وهو التواضع والخشوع في العبادة.
﴿نُوحِيهِ﴾ الوحي: تعريف الموحى إليه بأمر خفي، وقد جاء الوحي في القرآن لمعان:
لكلام جبريل للأنبياء كما هنا، ومثل: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، وللإلهام مثل: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص ٧/ ٢٨] ولإلقاء المعنى المراد مثل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ [الزلزلة ٥/ ٩٩] وللإشارة مثل: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١/ ١٩].
﴿أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ أخبار ما غاب عنك. ﴿أَقْلامَهُمْ﴾ قداحهم المبرية التي يقترعون بها،
стр. 976
وتسمى السهام. أما الأزلام: فهي التي يضربون بها القرعة ويقامرون بها.
﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يتنازعون في كفالتها.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة ولادة يحيى من أب كبير وأم عاقر، وذلك شيء خارق للعادة، أعقبه بذكر قصة ولادة عيسى من غير أب، وهو شيء أغرب من الأول. وغاية القصة: الرد على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى، فذكر ولادته من مريم ليدل على بشريته.
التفسير والبيان:
أخبرت الملائكة مريم ﵍ أن الله اختارها لكثرة عبادتها وزهدها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس ومن سفساف الأخلاق وذميم الصفات (وهو التطهير المعنوي) ثم اصطفاها ثانيا بالتطهير الحسي كعدم الحيض والنفاس والولادة من غير جماع، وفضلها على نساء عالمي زمانها، فهي طاهرة من الأدناس والأرجاس من الحيض والنفاس وغيرهما، ومن العيوب والنقائص البشرية الحسية والمعنوية. ومثلها السيدة فاطمة الزهراء التي ما كانت تحيض، ولذلك لقبت بالزهراء.
يا مريم الزمي الطاعة مع الخضوع لله، واسجدي له مع الخشوع، وصلي جماعة مع المصلين، لا وحدك. فالقنوت: الطاعة في خشوع، كما قال تعالى:
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦/ ٣٠]. والسجود:
التذلل، والركوع: الانحناء، والمراد: ما يلزمه وهو التواضع والخشوع في العبادة.
تلك القصص التي أخبرناك عنها من أخبار زكريا ويحيى ومريم، هي من أخبار الغيب التي لم تطلع عليها أنت ولا أحد من قومك، وإنما هي بالوحي
стр. 977
الذي نوحيه إليك على يد جبريل الروح الأمين، لتكون دليلا على صحة نبوتك، وإلزام المعاندين لك. فهذا تقرير وتثبيت أن ما علمه من ذلك إنما هو بوحي من الله تعالى، والمعلم به قصتان: قصة مريم، وقصة زكريا.
وما كنت حاضرا معهم حينما جاءت امرأة عمران، وألقت مريم في بيت المقدس، وتنافس الأحبار في رعايتها وخدمتها، فهي بنت سيدهم وكبيرهم، وأخذوا يستهمون (يقترعون) في ذلك، فجاءت القرعة لزكريا، فكان كافلها.
وما كنت شاهدا عليهم إذ يتنازعون ويتخاصمون في كفالتها، ولم يتفقوا عليها إلا بعد القرعة. وإذ لم تعلم بهذه القصة ولا قومك لأنك أمي مثلهم، فلم يبق لك طريق للعلم إلا الوحي من الله تعالى. أما المشاهدة للخصومة فقد نفاها الله تعالى على سبيل التهكم. وهي كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ [هود ٤٩/ ١١].
وأما تعليم البشر-كما زعموا-فرده الله تعالى بقوله: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل ١٠٣/ ١٦] وهو النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب.
وهذه الآية مثل المذكور عقب قصة نوح ﵇: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ [هود ٤٩/ ١١] والمذكور بعد قصة موسى وشعيب: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص ٤٤/ ٢٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى تفضيل السيدة مريم ﵍ على نساء العالمين أجمع في قول الزجاج وغيره، وعلى عالمي زمانها في قول أكثر المفسرين. وكرر الاصطفاء؛ لأن معنى الأول: الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى.
стр. 978
روى مسلم والجماعة إلا أبا داود عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ :
«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
والكمال: هو التناهي والتمام، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين.
وروي من طرق صحيحة أنه ﵊-فيما رواه الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة وأنس بن مالك: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد»
وفي رواية أخرى: «سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم: فاطمة وخديجة».
فهذه الأحاديث تدل على فضيلة مريم وأن روح القدس كلمها، وظهر لها، ونفخ في درعها، ودنا منها للنفخة، وصدقت بكلمات ربها، ولذلك سماها الله في تنزيله صدّيقة فقال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢/ ٦٦].
ودلت الآية على أن مريم كانت كثيرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل، مما هيأها لمحنة لها ورفعة في الدارين.
ودل قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ على نبوة محمد ﷺ ، حيث أخبره الله عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر الناس عن ذلك، وصدّقه أهل الكتاب بذلك. والإيحاء هنا: الإرسال إلى النبيّ ﷺ .
واستدل بعض علماء المالكية بهذه الآية ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ..﴾.
على إثبات القرعة، وهي في أصل شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي
стр. 979
سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم، وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظّنّة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة. وردّ العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها.
وأجيبوا بالآثار والسنة، قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء:
يونس وزكريا ونبينا محمد ﷺ .
وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (١) وكان النبي ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه.
ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدّة،
وقد قضى النبي ﷺ في ابنة حمزة-واسمها أمة الله-لجعفر، وكانت عنده خالتها، وقال فيما رواه الترمذي والشيخان عن البراء: «الخالة بمنزلة الأم» وكان زكريا قد قال لأحبار بيت المقدس: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فأبوا واقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكريا، فكفلها.
وكيف تمت القرعة؟ لما نذرت امرأة عمران والدة مريم ما في بطنها لخدمة الهيكل، جاءت بها إلى خدام الهيكل، فكل واحد منهم أراد أن يكفلها وألقوا قرعة على ذلك، فكانت مريم نصيب زكريا، فقام بأمرها كما قال تعالى:
﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾.
قال بعض العلماء: الحكمة في أنّ الله لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إلا (مريم):
هي الإشارة من طرف خفي إلى رد ما قاله النصارى من أنها زوجته، فإن العظيم يأنف من ذكر اسم زوجته بين الناس، ولينسب إليها عيسى باعتبار عدم وجود أب له، ولهذا قال في الآية التالية: ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
﴿اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ إما بدل من ﴿عِيسَى﴾ أو خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون وصفا لعيسى؛ لأن اسمه عيسى فقط، وليس اسمه: عيسى بن مريم. وإذا كان كذلك وجب إثبات الألف في الخط من قوله: ابن مريم؛ لأن الألف من ﴿اِبْنُ﴾ إنما تسقط إذا وقعت وصفا بين علمين، ولا يجوز أن يكون هاهنا وصفا، فوجب أن تثبت.
﴿وَجِيهاً﴾ ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ ﴿وَكَهْلاً﴾ ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ﴾ ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: كل ذلك أحوال من عيسى.
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: الجر بدلا من ﴿بِآيَةٍ﴾ والرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره:
هو أني أخلق، والنصب بدلا من «أن» في قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ وهي في موضع نصب، وتقديره: جئتكم بأني قد جئتكم، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به. ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر محذوف وتقديره: خلقا مثل هيئة الطير. وهاء ﴿فِيهِ﴾ إما أن تعود على الهيئة وهي الصورة بمعنى المهيأ، أو تعود على المخلوق لدلالة: أخلق عليه، أو تعود على الكاف في: كهيئة الطير؛ لأنها بمعنى «مثل».
﴿وَمُصَدِّقاً﴾ منصوب على الحال من تاء ﴿جِئْتُكُمْ﴾ أي جئتكم مصدقا.
البلاغة:
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ كناية عن الجماع، مثل الكناية عنه بالحرث واللباس والمباشرة.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يوجد طباق بين لفظي ﴿لِأُحِلَّ﴾ و ﴿حُرِّمَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ المراد بها عيسى، وسمي بالكلمة لأنه وجد بكلمة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿الْمَسِيحُ﴾ لفظ معرب من العبرانية، وأصله: مشيحا؛ لأنه مسح بالبركة أو بالدهن الذي يمسح به الأنبياء، وهو دهن طيب الرائحة. وعيسى: معرب يسوع بالعبرانية.
﴿وَجِيهاً﴾ ذا جاه وكرامة في الدارين ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بالنبوة ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالشفاعة والدرجات العلا ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عند الله ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ مقر الصبي حين الرضاع ﴿وَكَهْلاً﴾ الكهل: الرجل التام السوي، وهو من بلغ الأربعين فأكثر ﴿قَضى﴾ أراد شيئا ﴿الْكِتابَ﴾ الكتابة والخط ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلم النافع وهو الذي يبصّر الإنسان بفقه الأحكام وسر التشريع.
﴿وَالتَّوْراةَ﴾ كتاب موسى ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ كتاب عيسى الذي أوحي إليه به.
стр. 982
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ أصور، والخلق: التصوير والتكوين على مقدار معين، لا الإنشاء والاختراع ﴿كَهَيْئَةِ﴾ مثل صورة الطير ﴿الْأَكْمَهَ﴾: من ولد أعمى ﴿الْأَبْرَصَ﴾: الذي به برص أي بياض في الجلد يتطير به ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بإرادته.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا ويحيى أقارب عيسى، وذكر قصة أمه، ناسب أن يذكر قصة عيسى وكيفية ولادته.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد لقومك وقت أن قال جبريل من الملائكة: إن الله يبشرك يا مريم بعيسى الموصوف بالكلمة على معنى: نبشرك بمكون منه أو بموجود من الله، إيذانا بأنه خلق خلقا غير عادي، استحق أن يوصف بهذه الصفة، وإن كان في الواقع أن جميع الكائنات وجدت بكلمة الله كما ذكر عقب خلق عيسى بقوله: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ وذكر في مكان آخر:
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢/ ٣٦] لكن في العرف تنسب الأشياء الأخرى إلى الأسباب العادية، وأطلق اسم الكلمة على عيسى مجازا كما قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء ١٧١/ ٤].
والمراد من الملائكة هنا جبريل، لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا، فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧/ ١٩] وذكر بلفظ الجمع؛ لأنه رئيسهم.
اسمه المسيح الذي جاء لرفع الظلم وهداية الناس وإشاعة الأخوة الصادقة فيما بينهم، وكانت مملكته روحانية لا جسدية. والمسيح: لقب الملك عندهم، فهو من ألقاب المدح. وقال القرطبي: معناه الصدّيق.
وإنما قيل: ابن مريم، مع أن الخطاب لها، إشارة إلى أنه ينسب لها، لولادته من غير أب، وليظل هذا الوصف ثابتا مقررا في الأذهان في كل زمان،
стр. 983
وردا على من ألّهه، وبيانا لمكانتها وتكريما لها.
وهو ذو وجاهة في الدنيا لما له من مكانة عند أتباعه والمؤمنين، وفي الآخرة بين الناس، ومن المقربين إلى الله يوم القيامة.
ويمتاز أيضا بأنه يكلم الناس وهو رضيع في المهد، وفي حال الكهولة وتمام الرجولة، كلاما متزنا معقولا. وهذا يشير إلى أنه سيكون رجلا سويا. قال ابن عباس: كان كلامه في المهد لحظة بما قصة الله علينا، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام. وكانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش.
وهو كذلك من الصالحين الذين أنعم الله عليهم بالنبوة والاستقامة وصلاح الحال. ولما بشرت مريم بعيسى المتصف بما ذكر، قالت متعجبة: كيف يكون لي ولد، وليس لي زوج؟ فأجابها الله: مثل هذا الخلق المتعجب منه وهو خلق الولد بغير أب، يخلق الله ما شاء، فخلق السماء والأرض، وخلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق جميع الموجودات في الأصل من غير سبب ظاهر.
وسبب التعبير في قصة زكريا وابنه يحيى بقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وفي قصة خلق عيسى بقوله: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾: هو أن إيجاد يحيى من شيخين عجوزين كإيجاد سائر الناس في العادة، فعبر عنه بالفعل، وأما إيجاد عيسى فهو من أم بلا أب، خلافا للمعتاد في التوالد، بل بمحض القدرة الإلهية، وهو أبلغ من إيجاد يحيى، فناسب التعبير عنه بالخلق والإيجاد والإبداع، لكونه من غير سبب عادي.
ثم أعقبه بما يناسبه ويؤكده فقال: إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، والمراد بالأمر هنا الأمر التكويني، لا الأمر التكليفي في مثل قوله تعالى:
﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وهذا تبيان لعظمة الله، ونفاذ أمره ومشيئته، وسرعة إنجاز مطلوبه، تقريبا للأذهان، وإلا فالإيجاد أسرع مما هو قائم بين حرفي
стр. 984
﴿كُنْ﴾. وهو يشبه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت ١١/ ٤١].
وهناك خلق آخر أعظم من خلق عيسى وهو خلق آدم من غير أب ولا أم:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩/ ٣].
فهذه الأحوال في الخلق على نحو غير عادي دليل على قدرة الله المطلقة، وإرادة تكميل الكون بعجائب المخلوقات.
ومن أوصاف عيسى: أن الله يعلمه الكتابة والخط، والعلم النافع الذي يبعث النفس إلى تنفيذ الفعل ويرشد إلى أسرار الأحكام، ويعرفه التوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أوحي إليه.
وأنه رسول مرسل إلى بني إسرائيل، مؤيد بآيات تدل على صدق رسالته وهي:
١ - أنه يصور من الطين صورة على قدر معين كصورة الطير، لا ينشئ ويخترع من الطين هيئة جديدة، فينفخ فيه، فيكون طيرا بقدرة الله ومشيئته، لا بقدرته وأمره، فإنه مخلوق لا يقدر على هذا.
روي أنهم طالبوه بخلق خفّاش، فأخذ طينا وصوره ونفخ فيه، فإذا هو يطير، وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتا، ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى، وليعلم أن الكمال لله. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم، سقط ميتا، ليتميز من خلق الله.
٣، ٢ - ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله: وتخصيصهما بالذكر؛ لأن مداواتهما أعيت الأطباء، علما بأن الطب كان متقدما في زمن عيسى، فأراهم
стр. 985
الله المعجزة من جنس الطب. قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه، فكان الغالب في مصر على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل سحّار، فلما استيقنوا أنها من عند الله العظيم الجبار، انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇ فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره. وقد أحيا صديقا له اسمه عازر، وابن العجوز، وابن العاشر، فعاشوا وولد لهم، وأحيا سام بن نوح ومات في الحال.
وكذلك محمد ﷺ بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتحليق الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا أن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق أبدا.
٤ - وأخبركم بما تأكلونه، وما تخبئونه وتحفظونه للمستقبل في بيوتكم.
والفرق بين إخبار النبي بالمغيباب وإخبار المنجمين والكهنة: أن النبي يخبر بإعلام الله من غير اعتماد على شيء آخر، أما الكاهن والمنجم فيعتمد على طرق الاحتيال واستخدام بعض الأسباب المؤدية إلى معرفته كالنجوم والجن وبعض الإنس.
إن في ذلك لدليلا قاطعا على صدق رسالتي، إن كنتم مصدقين بآيات الله الباهرة، مقرين بتوحيده وبقدرته الكاملة على كل شيء.
٥ - وجئتكم مصدقا لما تقدم من التوراة، لا ناسخا لها، ولا مخالفا أحكامها إلا ما خفف الله في الإنجيل مما كان مشددا عليهم فيها، كما قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ