← Тафсир

Тафсир · id 22915

التفسير المنير - الزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (9 366 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المفردات اللغوية: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ تنفع. ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي من عذاب الله. ﴿وَقُودُ النّارِ﴾: ما توقد به النار من حطب أو فحم ونحوهما. ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة، أي دأبهم كدأب. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكهم بها، والجملة مفسرة لما قبلها. ﴿الْمِهادُ﴾ الفراش. ﴿آيَةٌ﴾ علامة على صدق ما يقول الرسول. ﴿اِلْتَقَتا﴾ يوم بدر للقتال. ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ ضعفي المسلمين، بل أكثر منهم، إذ كانوا نحو ألف، والمسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي رؤية ظاهرة معاينة. ﴿يُؤَيِّدُ﴾ يقوي. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ المذكور. ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنوا. سبب النزول: نزول الآية (١٢ - ١٣): روى أبو داود في سننه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ، لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك، والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١) المناسبة: ذكر الله تعالى في مطلع السورة مبدأ التوحيد والكتب الناطقة به وبخاصة القرآن وإيمان العلماء الراسخين به كله، ثم ذكر حال الكفرة وسبب كفرهم وهو اغترارهم في الدنيا بالمال والولد، وبيّن أنها لن تغني عنهم شيئا في الآخرة والدنيا.

стр. 912

وضرب على ذلك المثل بغزوة بدر حيث التقى جند الإيمان والرحمن بجند الكفر والشيطان، فانتصرت الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكثيرة، فلم تنفعهم كثرة الأموال والأولاد والسلاح. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار يوم القيامة، وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ، وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ٨٥/ ٩]. وقد كانوا يقولون: نحن أكثر أموالا وأولادا، وما نحن بمعذبين، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ [سبأ ٣٧/ ٣٤]. ومعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي كذبوا بآياته ورسله وخالفوا كتابه ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه، وذلك يشمل وفد نجران والنصارى واليهود والمشركين، وكل كافر. فهؤلاء كلهم لن تنجيهم أموالهم ولا أولادهم، وأولئك المبعدون هم وقود النار وأهلها، وحطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨/ ٢١]. وصنيعهم وحالهم في تكذيب محمد ﷺ وشريعته كحال آل فرعون ومن قبلهم من المؤتفكات كقبائل عاد وثمود، كذبوا بآيات الله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والله شديد العقاب قوي العذاب. ثم هددهم الله وتوعدهم بالعقاب في الدنيا، فقال: قل يا محمد للكافرين ومنهم اليهود ستغلبون في الدنيا، وتحشرون يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد الذي

стр. 913

مهدتم لأنفسكم، أي يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. والآية أي الدلالة والعلامة على أنكم مغلوبون، وأن الله معزّ دينه، وناصر رسوله: التقاء جماعتين، إحداهما معتزة بكثرة مالها، مغترة بعددها، كافرة بالله، تقاتل في سبيل الشيطان، وهم مشركو قريش يوم بدر؛ والأخرى فئة قليلة العدد، مؤمنة بالله، تقاتل في سبيل الله، وهم المسلمون في معركة بدر. فقد كان المؤمنون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا، معهم فرسان، وست أدرع، وثمانية سيوف، وأكثرهم رجالة مشاة. وكان الكافرون نحو ألف، أي ثلاثة أمثال المسلمين في الواقع. روى محمد بن إسحاق عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ ، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش، قال: كثير، قال: «كم تنحرون كل يوم؟» قال: يوما تسعا ويوما عشرا، قال النبي ﷺ : «القوم: ما بين تسعمائة إلى ألف». لكن في رأي العين-وهي الرؤية المكشوفة الظاهرة لهم كسائر المعاينات- دلت الآية على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين فقط، أي ضعفيهم في العدد، وإن كانوا ثلاثة أمثالهم في العدد، لأن الله قللهم في أعينهم، حتى يقاتل الرجل المسلم رجلين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ، بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الانفعال ٦٦/ ٨] أي أن الله تعالى أراهم الكفار على غير عدتهم، لتقوى قلوبهم بذلك، وليطلبوا الإعانة من ربهم ؛ ورأى المشركون المؤمنين مثلي عددهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع. هذا في بدر، أيد الله المؤمنين بنصره، وكذلك صدق الله وعده، فقتل

стр. 914

المسلمون يهود بني قريظة الذين خانوا العهد، ونقضوا الميثاق، ودخلوا مع المشركين في غزوة الأحزاب (أو الخندق)؛ وأجلى المسلمون بني النضير المعتدين على حرمات الإسلام والمسلمين، وفتحوا خيبر، وفرضوا الجزية على من عداهم حينما قاتلوا المسلمين وبدؤوهم بالعدوان. والله دائما يؤيد ويدعم بمعونته من يشاء، كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدو، وتقليل الأعداء في عين المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ١، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال ٤٤/ ٨] وقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.﴾. [آل عمران ١٢٣/ ٣]. إن في هذا النصر الحاصل في بدر مع قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم عظة لمن عقل وتدبر، وأعمل البصيرة والفكر، ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بشرط نصرة دين الله، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد ٧/ ٤٧] وقوله: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧/ ٣٠] والمؤمن: هو من يشهد له القرآن بإيمانه، لا من يدعي الإيمان بلسانه، وأخلاقه وأعماله تكذب دعواه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشد الآيات إلى مبادئ ثلاثة كبري في ميزان الله وهي: ١ - تأكد وقوع العذاب للكفار في نار جهنم، دون أن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا.

стр. 915

٢ - الشأن والعادة المقررة: توجيه المؤاخذة وإيقاع العقاب الشديد بسبب الذنوب والتكذيب بآيات الله المتلوة، فلا يختلف الحكم بين كفار قريش وبين آل فرعون ومن قبله من قوم لوط وعاد وثمود غيرهم، كما قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا.﴾. وقال: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ. النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ [غافر ٤٥/ ٤٠ - ٤٦] وقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.﴾. [الانفعال ٥٤/ ٨]. ٣ - النصر منوط بإرادة الله على وفق الحكمة الإلهية، ولمكافأة المؤمنين الممتثلين أوامر ربهم، وليست موازين النصر بالكثرة العددية أو بالتفوق في السلاح، وإنما بمقدار الإيمان والثقة بالله، فقد ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤٩/ ٢] ودلت الآية على صحة نبوة النبي ﷺ من وجهين: الأول-غلبة الفئة القليلة العدد الفئة الكثيرة العدد، وذلك على خلاف مجرى العادة، لما أمدهم الله به من الملائكة. والثاني-أن الله تعالى كان قد وعدهم إحدى الطائفتين، وأخبر النبي ﷺ المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة، وقال: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وكان كما وعد الله وأخبر به النبي ﷺ . محبة الشهوات في الدنيا ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾

стр. 916

الإعراب: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: الله مبتدأ مرفوع، وحسن: مبتدأ ثاني، وعنده: خبر المبتدأ الثاني. والمبتدأ الثاني وخبره: خبر عن المبتدأ الأول. والمآب: مضاف إليه، أصله مأوب على وزن مفعل: من آب يئوب، إلا أنه نقلت حركة الواو إلى الهمزة، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها وقلبت ألفا نحو: مقام ومقال. البلاغة: ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أي المشتهيات، وعبّر بالشهوات عن الأعيان المشتهاة، مبالغة في كونها مشتهاة، محروصا على الاستمتاع بها. والقصد تخسيسها، وأن المزيّن لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير. ويوجد جناس ناقص بين ﴿الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿زُيِّنَ﴾ حبّب لهم، والمزين: هو الله للابتلاء، أو الشيطان بوسوسته وتحسينه الميل إليها ﴿الشَّهَواتِ﴾ جمع شهوة: وهي ما تشتهيه النفس وتميل إليه وتستلذه، والمراد بها المشتهيات، كما يقال: شهوة فلان: الطعام، أي ما يشتهيه. ﴿وَالْقَناطِيرِ﴾ جمع قنطار: وهو المال الكثير، وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام وفي مكة: مائة رجل قد قنطروا ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ المجمعة ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الحسان المعلمة، من السومة: وهي العلامة، أو المرعية في المروج والمراعي: من أسام الدابة وسوّمها: رعاها ﴿وَالْأَنْعامِ﴾: الإبل والبقر والمعز والغنم ﴿وَالْحَرْثِ﴾ الزرع والنبات ﴿ذلِكَ﴾ أي المذكور أو المتقدم ذكره ﴿مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ يتمتع به فيها ثم يفنى ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره. المناسبة: ذكر في الآيات السابقة عاقبة الغرور بالمال والولد، ثم ذكر هنا وجه الغرور وسببه، تحذيرا للناس من استعباد الشهوات لأنفسهم، والانشغال بها عن أعمال الآخرة.

стр. 917

التفسير والبيان: حببت الشهوات للناس وحسّنت في أعينهم وقلوبهم، حتى صار حبها غريزة أو فطرة عندهم، فمن أحب شيئا ولم يزين له، يوشك أن يعدل عنه يوما ما، ومن زين له حبه، فلا يكاد يعدل عنه. ولقد عبر القرآن عن الأشياء المشتهاة بالشهوة ذاتها مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها، وإشارة إلى أن الشهوة مذمومة حتى يعتدل الإنسان في حبه لها، ويعدّل غريزته نحوها، ولا يحمله حبّه الدنيا حبا أعمى، وتعلقه بالزعامة الموقوتة، والمال الزائل على طمس معالم الحق وعدم الإيمان بدين الحق، الذي عرفوه كما عرفوا أبناءهم، مثل وفد نصارى نجران وغيرهم من زعماء الكفر. ومن المزين للشهوات؟ قيل: المزين هو الله للابتلاء والاختبار، بمعنى أن الله فطر الناس على حب هذه الشهوات، كما قال: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف ٧/ ١٨] وقال: ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام ١٠٨/ ٦]. وقيل: المزين هو الشيطان بالوسوسة وتحسين الميل للشهوات للإضلال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨/ ٨]. وعلى أي حال، الإسلام دين ودنيا، فلا يقصد من هذه الآية المنع من مجرد حب معتدل للشهوات، وإنما الممنوع المبالغة في الحب والإسراف في الشهوات، والاشتغال بها، حتى تطغى على العقيدة والدين، ويهمل أمر الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف ٣٢/ ٧]. ثم ذكر الله تعالى أصنافا ستة من المشتهيات والملاذ وهي:

стр. 918

١ - النساء: فإن الرجل متعلق بالمرأة، ميال إليها، فهي مطمح النظر، وموضع العناية، وإليها تسكن نفسه: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١/ ٣٠] وعليها ينفق ماله بسخاء. وبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (١). وقدم النساء على الأولاد مع أن حبهنّ قد يزول، وحب الأولاد لا يزول؛ لأن حب الولد لا غلو ولا إسراف فيه، كحب المرأة. أما إذا كان القصد بتعلق الرجل بالمرأة هو الإعفاف وكثرة الأولاد، فهو مطلوب، مرغب فيه، مندوب إليه شرعا، قوله ﷺ : «الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا: المرأة الصالحة» (٢). وفي رواية: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة: إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله». ولم يمنع النبي ﷺ من حب المرأة حبا معقولا فقال: «حبّب إلي من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٣). ٢ - البنون: أي الأولاد مطلقا، فهم فلذة الأكباد، وقرة الأعين. لكنهم مع الأموال فتنة تتطلب الحذر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن ١٥/ ٦٤] والفتنة بالأولاد: الابتلاء بجمع المال لأجلهم.

стр. 919

وسبب حب الأولاد والزوجات واحد: هو بقاء النوع الإنساني، وحب بقاء الأثر والسمعة والذّكر. وعبر بالبنين ويشمل البنات من باب التغليب؛ إذ أن حب الابن عادة أقوى من حب البنت؛ لأن بقاء الذّكر والسمعة بين الناس يكون عن طريق البنين، ولأن الأنثى تنفصل من عشيرتها وتلتحق بعشيرة أخرى، ولأن الأمل بدعم الولد لوالده وكفالته له حين الحاجة يتعلق بالابن، ولأن مخاطر الأنثى أكثر من مخاطر الذكر. ٣ - القناطير المقنطرة من الذهب والفضة: المراد المال الكثير؛ لأن العرب تريد بالقناطر المال الكثير، والمقنطرة تأكيد. وحب المال غريزة في البشر؛ لأنه وسيلة لتحقيق الحوائج وتلبية الرغبات. جاء في السنة: «لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (١). وذم المال ليس لذاته، فهو نعمة من الله، وإنما لما يؤديه من طغيان وتكبر وفسوق كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق ٦/ ٩٦ - ٧]، أما إذا أدى المسلم فيه حقوق الله والناس، وشكر النعمة، ووصل به الرحم، وأنفق منه في سبيل الله، كان خيرا وسببا للسعادة والتقرب من الله، جاء في الحديث الثابت المتقدم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح».

стр. 920

٤ - الخيل المسوّمة: المعلمة أو التي ترعى في المراعي أو المطهّمة الحسان الأصيلة التي يقتنيها السادة والأغنياء: من المتع التي يفاخر بها الناس بعضهم، ويتنافسون فيها، وهي مذمومة إن كانت سببا للشر والبعد عن الله وإهمال واجبات الله. وتكون محمودة إن استخدمت للجهاد في سبيل الله، عملا بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠/ ٨]. قال العلماء أخذا بحديث: حب الخيل على ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر، وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر. ٥ - الأنعام: وهي ثروة الناس الأصلية إلى عهد قريب، وبها معايشهم، وتفاخرهم وتكاثرهم، وهي زينة، فإن اقتناها صاحبها بقصد المعيشة كانت خيرا، وإن اقتناها مفاخرة ورياء، كانت شرا. ٦ - الحرث: الزرع والنبات: هو مصدر دائم للحياة في البادية والحضر، والحاجة إليه أشد من الحاجة لما سواه من الأنواع السابقة، فإن قصد به نفع العباد، كان صاحبه مأجورا، وإن قصد به التكثر والبطر كان عليه شرا. ثم وصف الله تلك الأصناف الستة وصفا عاما وهو أنها متاع يتمتع به في الدنيا، والله عنده حسن المآب أي المرجع في الحياة الآخرة. فعلى المؤمن ألا يغتر بهذه الشهوات، وإنما يعتني بها بجعلها مجرد وسيلة للمعيشة في الدنيا، ولا تشغله عن واجباته الدينية نحو الآخرة، فالمؤمن يعمل لسعادة الدارين، كما قال تعالى:

стр. 921

﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة ٢٠١/ ٢]. فقه الحياة أو الأحكام: الآية توبيخ لمعاصري محمد ﷺ من اليهود وغيرهم، ممن صرفتهم الأهواء والشهوات عن اتباع دعوة الإسلام، فإذا أراد الإنسان النجاة من حساب الله يوم القيامة، ابتعد عن مزالق الشهوات الممنوعة، فإن اتباع الشهوات مرد في النار ومهلكة، جاء في صحيح مسلم عن أنس: «حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات» والمعنى أن الجنة لا تنال إلا بتجاوز المكاره وبالصبر عليها، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. والشهوات المذكورة في الآية هي التي يحدث فيها الإفراط أو المغالاة أو التي تكون سببا للتفريط في الواجبات الدينية، فإن قصدت ضمن الحدود المعتدلة المعقولة لم تكن وبالأعلى صاحبها، وقد تكون سببا للثواب وزيادة الأجرة إن قصد بها الخير والصون والعفاف وتسخيرها في سبيل الله ومرضاته. قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس: أما الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأما الخيل المسوّمة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الريف والقرى. ودل قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى، على تزهيد الناس في الدنيا وتحقيرها، والترغيب في الآخرة، روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الدنيا متاع، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة». وثبت في الحديث الصحيح: «ازهد في الدنيا يحبّك الله» أي ازهد في متاعها من الجاه والمال الزائد

стр. 922

على الضروري، وأخرج الترمذي عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: «ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف (١) الخبز والماء». وأما قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فيدل على تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة. الجنات التي هي خير من الدنيا ومفاتنها ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ (١٦) الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)﴾ الإعراب: ﴿جَنّاتٌ﴾: مبتدأ، وخبره المقدم: للذين اتقوا، كقولك: لله الحمد. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾: جملة فعلية في موضع رفع صفة: جنات. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ منصوب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾ المجرور باللام. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ الذين: بدل مجرور من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ﴿الصّابِرِينَ﴾ إما منصوب على المدح، وتقديره: أمدح الصابرين، وإما مجرور بدل من الذين، أو وصف للذين أو وصف للعباد.

стр. 923

البلاغة: ﴿أَأُنَبِّئُكُمْ﴾ استفهام تقرير. ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ إبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق لمعرفته. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ عبّر بكلمة الرب، وأضافها لضمير المتقين لإظهار مزيد اللطف بهم. المفردات اللغوية: ﴿أَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبركم ﴿مِنْ ذلِكُمْ﴾ المذكور من الشهوات ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ طاهرات من الفواحش والحيض والنفاس ﴿وَرِضْوانٌ﴾ رضا كثير ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ عالم بهم، فيجازي كلا منهم بعمله. ﴿الصّابِرِينَ﴾ على الطاعة وعن المعصية، والصبر: حبس النفس عند كل مكروه يشق عليها احتماله ﴿وَالصّادِقِينَ﴾ في الإيمان. والصدق يكون في القول والعمل، والصفة كالحب ﴿وَالْقانِتِينَ﴾ المداومين على الطاعة والعبادة. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ أي المصلين وقت السحر، القائلين: اللهم اغفر لنا. ﴿بِالْأَسْحارِ﴾ أواخر الليل، جمع سحر: وهو الوقت الذي يختلط فيه ظلام آخر الليل بضياء النهار. المناسبة: هذه الآية تفضيل وتفصيل، فهي تبين الأفضل من زخارف الدنيا وزينتها التي تشتمل على فضيلة إن استعملت في خير وحق ولم تؤد إلى إهمال الواجب نحو الله. وهي تفصل المراد من قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ الذي أبهم فيه الخير تفخيما لشأنه وتشويقا إليه، ثم وضح بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾. التفسير والبيان: قل لهم يا محمد: أأخبركم بما هو خير من جميع الأصناف المذكورة للشهوات؟

стр. 924

وعبر بالاستفهام التقريري لاجتذاب الأنظار وتشويق النفوس إلى الجواب. ثم أجاب عن الاستفهام: للمتقين: جنات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها أبدا، وزوجات طاهرات من النقائص والفواحش والشوائب كالحيض والنفاس. وهذا نعيم جسدي مادي: وهو الجنة، ولهم أيضا نعيم روحاني وهو رضوان الله الذي لا يشوبه شيء، وهو أعظم وأكبر من كل نعمة ولذة مادية. وقد بدأ بذكر المقر وهو الجنات، ثم ذكر ما يحصل به الأنس التام من الأزواج المطهرة، ثم ذكر ما هو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني حيث علم برضا الله عنه. وقوله: للذين اتقوا عند ربهم جنات: جواب عن الاستفهام، وكلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من أصناف الشهوات، سواء استعملت في محالها ومواضعها التي خلقت من أجله: وهي تحقيق حوائج الناس، أو أسيء استعمالها، وقرن بها الشر والفساد، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم، أو تاجر صدوق في السوق؟ هو فلان. هذه الآية التي اشتملت على بيان نوعين من الجزاء: المادي وهو الجنة والأزواج، والروحي وهو رضوان الله، تشبه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة ٧٢/ ٩] وقوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد ٢٠/ ٥٧]. ثم ختمت الآية بقوله: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي خبير بأحوالهم، وبأسرارهم، وحقيقة تقواهم، فيجازي كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وفي هذا إيماء ليحاسب كل إنسان نفسه على التقوى، فليست التقوى بالمظاهر، وإنما

стр. 925

المتقي: من يعلم منه ربه التقوى. وهذه الجملة وعد ووعيد. ولما ذكر المتقين ذكر شيئا من صفاتهم. فذكر الله تعالى أوصاف المتقين، وهم الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بما أنزلته على رسلك إيمانا ثابتا راسخا في القلب، مهيمنا على كل أعمالنا، فاستر ذنوبنا بعفوك، وادفع عنا عذاب النار، إنك أنت الغفور الرحيم. وهم أيضا الصابرون على أداء الطاعات وترك المعاصي، الراضون بقضاء الله وقدره، ولا شك أن الصبر يقوي الإرادة، ويعصم النفس عن الانزلاق في الأهواء والشهوات والمنكرات. وهم الصادقون في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، يترجمون عنه بكل شيء حميد وخلق عال، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ، وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر ٣٣/ ٣٩ - ٣٤]. وهم القانتون المداومون على الخشوع والطاعة والضراعة إلى الله، وذلك لب العبادة وروحها. والمنفقون أموالهم في سبيل الله نفقة واجبة أو مستحبة. والمستغفرون بالأسحار بالتهجد في آخر الليل، والدعاء بالمغفرة والرضا. والاستغفار المطلوب: ما يقرن بالتوبة النصوح والعمل على وفق حدود الدين، ولا يكفي الاستغفار باللسان مع الإقامة على المعصية، فإن المستغفر من الذنب، وهو مقيم على معصيته، كالمستهزئ بربه. وأفضل صيغة للاستغفار: ما رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: سيد الاستغفار أن تقول: «اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».

стр. 926

فقه الحياة أو الأحكام: إن نظرة الإنسان في الغالب آنية وقتية، لا ينظر إلى المستقبل البعيد، ولا يقارن بين الباقي الدائم والمنقطع الموقت، لذا كان القرآن أكبر مساعد للعقل على التزام جادة التفكير السوي والاستقامة. فإن الخالد المستمر أفضل من الذي يزول بسرعة، وهكذا كانت هذه الآية مع الآية السابقة مقارنة مبينة ما هو الأصلح للإنسان، تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها. وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله ﵊: «تنكح المرأة لأربع: لما لها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك» (١). والذي هو خير من الدنيا وشهواتها وكل ما فيها هو جنان الخلد وما فيها من متع خالصة كالحور العين والولدان المخلدين، وعبر عن الحور بالأزواج المطهرة المبرأة من عيوب نساء الدنيا خلقا وخلقا، وهو أيضا الفوز برضوان الله، وهو أعظم المتع كلها في الآخرة عند أهل التقوى، فإذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى لهم: «تريدون شيئا أزيدكم؟» فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: «رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (٢). والجمع بين الجنات والرضوان الإلهي يشير إلى أن أهل الجنة درجات، كما أن أهل النار في دركات، فمن أهل الجنة: من يرغب في لذات الدنيا الحسية، ومنهم من ارتقى إدراكه واشتد اهتمامه بقربه من ربه، فيتمنى رضاه ويفضله على أي شيء سواه.

стр. 927

والقصد من قوله: ﴿آمَنّا﴾ في دعاء المتقين: الإيمان الصحيح الذي تصدر عنه آثاره من ترك المعاصي وفعل الصالحات، إذا الإيمان: اعتقاد وقول وعمل. وصرحت الآية بصفات المتقين: وهي الإيمان، والصبر، والصدق، والقنوت (الخشوع والطاعة) والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار: وهو الصلاة في آخر الليل (أي التهجد) وسؤال المغفرة، فإن المستغفرين بالأسحار يصلون ويستغفرون. وخص السحر بالذكر؛ لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء. سأل النبي ﷺ جبريل: «أي الليل أسمع؟» فقال: «لا أدري غير أن العرش يهتزّ عند السحر». والسحر: من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وقيل: هو سدس الليل الأخير. والأصح من هذا: ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني، فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» (١). ووضحت وقت السحر رواية النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد: «إن الله يمهل، حتى يمضي شطر الليل الأول..» وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح (٢). والاستغفار: طلب المغفرة باللسان مع حضور القلب؛ لأن الله لا يستجيب دعاء غافل، لاه، معرض قلبه عن الله.

стр. 928

الشهادة بوحدانية الله وقيامه بالعدل ونوع الدين المقبول عند الله ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)﴾ الإعراب: ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ حال مؤكدة من ﴿هُوَ﴾. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ الدين اسم إن والإسلام خبره. ومن قرأ ﴿إِنَّ﴾ بفتحها، فهي بدل منصوب من قوله: ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ بدل الشيء من الشيء، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال، على تقدير اشتمال الثاني على الأول؛ لأن الإسلام يشتمل على شرائع كثيرة، منها التوحيد، ويجوز كونها بدلا مجرورا من ﴿بِالْقِسْطِ﴾ في قوله: ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ بدل الشيء من الشيء. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ في نصبه وجهان: إما لأنه مفعول لأجله أو لأنه حال من الذين. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ من: شرطية مبتدأ، وخبره: جملة، فإن الله سريع الحساب، والعائد من الجملة إلى المبتدأ مقدر، وتقديره: فإن الله سريع الحساب لهم. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ إما مرفوع بالعطف على تاء ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أو مبتدأ وخبره محذوف، وتقديره: ومن اتبعن أسلم وجهه لله متبعا.

стр. 929

﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ لفظة استفهام، والمراد به الأمر، أي أسلموا، مثل ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي انتهوا. البلاغة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ الجملة معرفة الطرفين، فتفيد الحصر، أي لا دين إلا الإسلام. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ التعبير بذلك عن أهل الكتاب لزيادة التشنيع والتقبيح عليهم. ﴿بِآياتِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة وإلقاء الروعة في النفوس. ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ أطلق الوجه، وأراد الكل، فهو مجاز مرسل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. المفردات اللغوية: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ الشهادة: الإخبار المقرون بالعلم والإظهار والبيان إما بالمشاهدة الحسية، وإما بالمشاهدة المعنوية وهي الحجة والبرهان. والمراد: بيّن وأعلم الله تعالى لخلقه بالدلائل والآيات والبراهين (١) ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي لا معبود في الوجود بحق إلا هو ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ هم أهل البرهان القادرون على الإقناع، وهم الأنبياء والمؤمنون، بالاعتقاد واللفظ ﴿قائِماً﴾ بتدبير مصنوعاته، أي تفرد ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل في الدين والشريعة وفي الكون والطبيعة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ كرره تأكيدا ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ أي الملة والشرع، والمراد: الدين المرضي هو «الإسلام» أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ اليهود والنصارى، في الدين، بأن وحّد بعض وكفر بعض ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بالتوحيد ﴿بَغْياً﴾ حسدا أو ظلما من الكافرين ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ المجازاة له. ﴿حَاجُّوكَ﴾ خاصمك الكفار يا محمد في الدين ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ انقدت له، وخص الوجه بالذكر، لشرفه، فغيره أولى ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ مشركي

стр. 930

العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أي أسلموا ﴿الْبَلاغُ﴾ التبليغ للرسالة ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ خبير بأعمالهم، فيجازيهم عليها، وهذا من قبيل الأمر بالقتال. سبب النزول: لما ظهر رسول الله ﷺ بالمدينة، قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله ﷺ : سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله؟ فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله ﷺ (١). التفسير والبيان: بيّن الله تعالى لجميع الخلائق وحدانيته أو أنه المتفرد بالألوهية بالدلائل التكوينية والتصرفية في الآفاق والأنفس. وأخبر الملائكة الرسل بهذا، وشهدوا شهادة مؤيدة بعلم بدهي، وكذلك أخبر أولو العلم بذلك، وبينوه وشهدوا به شهادة مقرونة بالدليل والحجة، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة. وأنه القائم بالعدل في جميع الأحوال من العقائد والعبادات والآداب والأعمال وفي الكون والخليقة، ومن صفة العدل أنه يأمر حقا بالعدل في الأحكام، كما تقرر في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ [النحل ٩٠/ ١٦] وقوله:

стр. 931

﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ٥٨/ ٤]، فالله عادل في الشريعة وفي الكون، حيث إنه أتقن نظام الكون وعدل بين القوى الروحية والمادية، وأقام التوازن الدقيق في الأحكام بين الإنسان والخالق، وبين الفرد والجماعة، وبين الإنسان وأخيه، وبين فئات الناس في مجتمع ما، بين الغني والفقير ونحو ذلك. ثم أكد سبحانه انفراده بالألوهية بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والعزيز: هو القوي الذي لا يغلب، الكامل القدرة، السامي العظمة والكبرياء. والحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح، سواء في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ثم ذكر نوع الدين الذي ارتضاه لعباده من بدء الخليقة إلى يوم القيامة: وهو دين الإسلام لا غيره، فهذا إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد، سوى الإسلام: وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ ، أي اتباع الملل والشرائع التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، فهم إن اختلفوا في الفروع، لم يختلفوا في الأصول وجوهر الدين: وهو التوحيد والسلام، والعدل في كل شيء. فمن لقي الله بعد بعثه محمد ﷺ بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [آل عمران ٨٥/ ٣]. ومعنى الإسلام: السلام والصلح، والخضوع والانقياد لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النساء ١٢٥/ ٤]. وتشريع الدين له هدفان: تصحيح الاعتقاد وحصر معنى الألوهية والربوبية بالله تعالى، وإصلاح النفوس بالنية الخالصة لله وللناس وبالعمل الصالح.

стр. 932

ثم أخبر الله تعالى بأن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، وبأن محمدا هو خاتم الأنبياء وهو المبشر به عندهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦/ ٢]. فصاروا شيعا ومذاهب يقتتلون في الدين، وتفرقت كلمتهم في شأن محمد ﷺ بعد ما جاءهم العلم اليقيني بنبوته، وبأن الدين واحد لا مجال للاختلاف فيه، إلا بسبب البغي والحسد، فكان ذلك سببا للفرقة، وكان اختلافهم في شأن محمد حسدا من عند أنفسهم، وبغيا بينهم، وحرصا على الدنيا وما فيها. والخلاصة: أن اختلافهم في أصل الدين الحق وفي نبوة محمد ﷺ كان بسبب بغي بعضهم على بعض، وتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فخالف بعضهم البعض الآخر في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا. ثم هدد تعالى بأن من أنكر آيات الله التكوينية في الأنفس والآفاق وجحد ما أنزل الله في كتابه مما يوجب الاعتصام بالدين ووحدته، فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم حسم الله تعالى مجادلة أهل الكتاب وغيرهم في التوحيد، فقال: فإن جادلك أهل الكتاب أو غيرهم في التوحيد، فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له، ولا ندّ له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، وهذا مبدئي ومبدأ من اتبعني على ديني من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي، أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف ١٠٨/ ١٢] فلا فائدة في الجدل مع أمثال هؤلاء، بعد أن قامت الأدلة على وجود الله ووحدانيته، وبطلت شبهات الضالين. ثم قال تعالى آمرا عبده ورسوله محمدا ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، أهل الكتاب ومشركي العرب، فيقول لهم:

стр. 933

أسلموا، فإن أسلموا فقد اهتدوا إلى الصراط المستقيم، وتركوا الضلال، وإن أعرضوا عن الاعتراف بما سألتهم عنه، فلن يضيرك شيء، إذ ما عليك إلا البلاغ فقط، والله خبير بعابده عليم بحالهم وبمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، فيحاسبهم ويجازيهم. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآية (١٨): إثبات وحدانية الله بالأدلة التكوينية التي أبانها الله في الآفاق والأنفس وإنزال آيات التشريع، وأخبر الملائكة والعلماء بذلك وبينوه، قال القرطبي: دلت الآية على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء. ويؤكده أنه تعالى أمر نبيه ﷺ أن يستزيد من العلم، بقوله: ﴿وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾. و قال ﷺ فيما جاء في السنن: «العلماء ورثة الأنبياء» وقال: «العلماء: أمناء الله على خلقه» (١). وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلّ لهم في الدّين خطير (٢). روى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، عند منامه، خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة». وأعلنت الآية (١٩) أن الدين المرضي عند الله هو الإسلام فقط، والإسلام هو الإيمان بالله وإطاعة أوامره، وهو شيء واحد متفق عليه بين جميع الأنبياء. وأما الخلاف في الدين أي الملة فحاصل من قبل الأتباع والأنصار، حسدا وظلما. ويكون القصد من الآية نبذ الفرقة والخلاف في الدين، والابتعاد عن التفرق فيه إلى شيع ومذاهب؛ لأن اختلاف أهل الكتاب في نبوة محمد ﷺ كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا، فقد أبانت كتبهم صفته ونبوته،

стр. 934

وأوضحت أن الله إله واحد، وأن جميع الخلائق عبيده، لذا وجب على أهل الإيمان الصادق نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق بين أتباع الدين، بالاعتقاد بوحدانية الله، والتصديق برسالة محمد ﷺ . وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع البشر، كما دل عليه القرآن والسنة في غير ما آية وحديث، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف ١٥٨/ ٧] ومنها أيضا: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان ١/ ٢٥]. وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة: أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم ومشركهم، امتثالا لأمر الله بذلك. وروى مسلم وعبد الرزاق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار». وقال ﷺ في الحديث الثابت: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال فيما رواه الشيخان والنسائي عن جابر: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». وروى البخاري عن أنس: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ ، فدخل عليه، وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ : «يا فلان، قل: لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار».

стр. 935

جزاء قتل الأنبياء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)﴾ الإعراب: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ خبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾. ودخلت الفاء في الخبر، لشبه اسمها الموصول بالشرط، أي ضمّن معنى الشرط، أو للإبهام الذي في ﴿الَّذِينَ﴾ مع كون صلته جملة فعلية. ولا يجوز أن تدخل الفاء في خبر الذي إذا وقع مبتدأ حتى يكون صلته جملة فعلية، ولم يغيّر العامل معناها. فلو كانت صلته جملة اسمية نحو: الذي أبوه منطلق فقائم، أو غيّر العامل معناها نحو: ليت الذي انطلق أبوه فقائم، لم يجز دخول الفاء في خبره. البلاغة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ استعمل البشارة في الشّر، والأصل أن تكون في الخير، للتهكم ويسمى «الأسلوب التهكمي» مثل قوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ حيث نزل الإنذار منزلة البشارة. المفردات اللغوية: ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ المراد بهم اليهود خاصة. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي بغير شبهة لديهم. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل. ﴿مِنَ النّاسِ﴾ وهم اليهود، روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيّا، فنهاهم مائة وسبعون من عبّادهم، فقتلوهم من يومهم كما ذكر السيوطي. ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أعلمهم، والبشارة: الخبر السّارّ، واستعمالها في الشّر من باب التّهكم بهم والسّخرية. ﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم. ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت. ﴿أَعْمالُهُمْ﴾ ما عملوا من خير، كصدقة وصلة رحم. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ مانعين من العذاب.

стр. 936

سبب النزول: قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل، جاءهم النّبيون يدعونهم إلى الله ، فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين، فأمروهم بالإسلام، فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النّبي ﷺ قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية. ذكره المهدي وغيره. فهذه الآية جاءت وعيدا لمن كان في زمانه ﷺ . التفسير والبيان: كانت الآيات السابقة في تبيان اختلاف أهل الكتاب الذي نشأ من البغي بعد أن جاءهم العلم اليقيني، وفي محاجّة أهل الكتاب والمشركين للنّبي ﷺ ، ثم ذكر هنا موقف اليهود من الأنبياء، ومنهم النّبي محمد ﷺ الذي همّوا أيضا بقتله زمن نزول الآية، ويتمثّل موقفهم فيما يأتي: إن الذين يجحدون من اليهود بآيات الله بعد معرفتها في كتبهم، ويقتلون الأنبياء، كما فعلوا بزكريا ويحيى ﵉ بغير شبهة لديهم، ولا حق ولا ذنب إلا أنهم قالوا: ربّنا الله، وجهروا بالحق، وبلغوا الرّسالة، ويقتلون الحكماء الذين يأمرون الناس بالعدل والقسط، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومرتبة هؤلاء في الإرشاد تلي مرتبة الأنبياء، أنبئ هؤلاء بالعذاب الأليم في الدّنيا والآخرة. هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم الشنيعة، البعيدون في الضلال، بطلت أعمالهم في الدّنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من ناصرين ينصرونهم من

стр. 937

بأس الله وعذابه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء ٨٨/ ٢٦]. والإخبار عن اليهود السابقين، ونسبة الكفر إلى اليهود المعاصرين للنّبي ﷺ ؛ لأنهم راضون عنه، بل إنهم همّوا بمثل فعل آبائهم بقتل النّبي ﷺ إمعانا في الفساد والضلال. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى وقائع خطيرة وأحكام مهمة متعلقة باليهود وغيرهم: ١ - اليهود كانوا قتلة الأنبياء والحكماء أو العلماء، وكفروا بآيات الله وشرائعه التي بلّغتها إياهم الرّسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق، واستنكافا عن اتّباعه، فذمّهم الله على مآثمهم. ٢ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النّبوة. قال الحسن: قال النّبي ﷺ : «من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه». وجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فارقا بين المؤمنين والمنافقين، فقال: ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة ٦٧/ ٩]. ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة ٧١/ ٩]. فدلّ على أن أخصّ أوصاف المؤمن: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ورأسها الدعوة إلى الإسلام والقتال عليه. وهناك أحكام أخرى متعلقة بمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها: أ-ليس من شرط النّاهي أن يكون عدلا، عند أهل السّنة؛ لأن الأمر

стр. 938

بالمعروف والنّهي عن المنكر عام في جميع الناس. ب-أجمع المسلمون-فيما ذكر ابن عبد البر-أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدّى إلى الأذى، فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه، فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. والأحاديث في هذا المبدأ ومراحل تطبيقه كثيرة جدا، ولكنها مقيدة بالاستطاعة. روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوامّ الناس. ويبدأ بإزالة المنكر بالأخف فالأخف، باللسان أولا، ثم بالعقوبة، أو بالقتل. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره، فله ذلك ولا شيء عليه. ج -متى يترك؟ أخرج ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم»، قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم»، قال زيد: تفسير معنى قول النّبي ﷺ : «والعلم في رذالتكم» إذا كان العلم في الفسّاق. ٣ - قد جعل الله وعيد الكفار ومنهم اليهود ثلاثة أنواع: أ-إيقاع العذاب الأليم في الدّنيا والآخرة، الألم والقلق والاضطراب في الدّنيا، ونار جهنم في الآخرة. ب-إحباط الأعمال في الدّنيا والآخرة، ففي الدّنيا الذّم والخزي واللعن،

стр. 939

وفي الآخرة العذاب كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ، فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان ٢٣/ ٢٥]. ج -دوام هذا العذاب لقوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾. والخلاصة: ذكرت هذه الآية ثلاثة أوصاف لليهود: أولها-الكفر بآيات الله، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة. وثانيها-قتل من أظهر آيات الله واستدلّ بها. وثالثها-قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (١). إعراض أهل الكتاب عن حكم الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ الإعراب: ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ كيف: استفهام عن الحال، وهو هاهنا بمعنى التهديد والوعيد، وهي منصوبة بفعل مقدّر، وتقديره: في أي حال يكونون إذا جمعناهم. وإذا: منصوب

стр. 940

على الظرف. و ﴿لِيَوْمٍ﴾ اللام تتعلق بجمعناهم. و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في موضع جرّ صفة ليوم. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام للتعجب من حالهم. ﴿نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ حظّا من التّوراة، والمراد: أحبار اليهود أو اليهود أنفسهم، ومن: إما للتبعيض، وإما للبيان. ﴿يُدْعَوْنَ﴾ يطلبون، وهو حال والداعي هو النّبي ﷺ ﴿كِتابِ اللهِ﴾ التوراة أو القرآن. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ليفصل بين اليهود. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ يعرض بالبدن أو بالقلب. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن قبول حكمه. ﴿ذلِكَ﴾ التولي والإعراض. ﴿يَفْتَرُونَ﴾ يختلقون ويكذبون. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكّ فيه، وهو يوم القيامة. ﴿ما كَسَبَتْ﴾ عملت من خير أو شرّ. ﴿وَهُمْ﴾ أي الناس. ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص حسنة أو زيادة سيئة. سبب النزول: نزول الآية (٢٣ - ٢٤): أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ بيت المدراس (١) على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: «على ملّة إبراهيم ودينه»، قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال لهما رسول الله ﷺ : «فهلمّا إلى التّوراة، فهي بيننا وبينكم» فأبيا عليه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْتَرُونَ﴾. المناسبة: الآيات استمرار في تعداد قبائح اليهود، ولكنها خطاب إلى الرسول ﷺ يستدعي التّعجب من شأنهم، وهو أنهم يرفضون التّحاكم إلى كتابهم، بدافع الغرور والكبرياء، واغترارهم باتّصال نسبهم بالأنبياء، وزعمهم النّجاة من عذاب الله يوم القيامة، فردّ الله عليهم بأن الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب.

стр. 941

التفسير والبيان: انظر يا محمد وتعجّب من صنع هؤلاء اليهود الذين يحفظون بعض كتابهم الذي أوحاه الله لنبيّهم موسى ﵇، وفقدوا سائره أو حرّفوه وغيّروه؛ لأن التّوراة كتبت بعد موسى بخمسمائة سنة، وبقي الجزء الذي فيه بشارة محمد ﷺ ، وموضع العجب: أنهم يرفضون قبول حكم كتابهم، حينما زنى بعض أشرافهم، وحكّموا النّبي ﷺ ، فحكم بمثل حكم التّوراة، فتولّوا وأعرضوا عن قبول حكمه. وعمم ابن كثير الآية وجعلها إنكارا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التّوراة والإنجيل (١). فإذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم أي بعد تردّد في قبول الحكم، ثم أدبروا وهم معرضون. وفي قوله: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى أن منهم طائفة متمسكة بالحق كعبد الله بن سلام وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٥٩/ ٧]. وفي قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إشارة إلى دوام إعراضهم. ثم ذكر الله تعالى سبب هذا التّولي والإعراض أو العناد والجحود: وهو اعتقادهم النّجاة، فاليهودي يعتقد أنه مهما فعل لن يدخل النار إلا أياما معدودة، ثم يدخل الجنة، فلم يبالوا بارتكاب المعاصي والذنوب، اعتمادا على اتّصال نسبهم بالأنبياء. وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً، قُلْ: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً، فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟﴾ [البقرة ٨٠/ ٢]. ولم يثبت في عدد الأيام التي يدخلون فيها النار شيء، وقيل: هي أربعون يوما، وهي مدّة عبادتهم للعجل.

стр. 942

وغرهم افتراؤهم في الدين أي خدعهم ما كانوا يختلقونه في الدّين، كقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وسيشفع لنا الأنبياء، ونحن أولاد الأنبياء، وشعب الله المختار، وإن الله وعد يعقوب ألا يعذّب أبناءه إلا تحلّة القسم أي مدّة قصيرة. فكيف يصنعون إذا جمعناهم للجزاء في يوم لا شك فيه، يوم تتقطع فيه الأنساب، ولا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم توفّى كل نفس ما عملت من خير أو شرّ، دون نقص، وهم لا يظلمون فلا يزاد في العذاب شيء، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء ٤٧/ ٢١]. فقه الحياة أو الأحكام: توجب الآيات الالتزام في الأحكام الشرعية وأحكام القضاء بما أمر الله به في كتابه، وتندّد بفعل اليهود وغيرهم الذين إذا دعوا إلى التّحاكم بكتاب الله، وما فيه من اتّباع محمد ﷺ ، تولوا وهم معرضون عن حكم الله. وهذا في غاية ما يكون من ذمّهم ووصفهم بالمخالفة والعناد. وتندّد الآيات أيضا بمزاعم اليهود أنهم ناجون يوم القيامة من النّار، وأنهم يعتمدون على الأنساب، وكونهم من سلالة الأنبياء، وأنهم شعب الله المختار. والحقيقة أن الجزاء يكون على قدر العمل من خير أو شرّ. وفي الآية دليل على أن من دعي إلى مجلس الحاكم ليحكم بينه وبين خصمه بكتاب الله، وجب عليه أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه، فإن لم يجب زجر وعزر. واستنبط المالكية من الآية أنها تدلّ على أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا ما علمنا نسخه، وأنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا إذا ثبتت من طريق المسلمين بنقل صحيح. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها؛ لأن من هي في يده

стр. 943

غير أمين عليها، وقد غيّرها وبدّلها، بل ولم يثبت نقلها إلى موسى ﵇، وإنما كتبت بعده بخمسة قرون. ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغيّر ولم يتبدّل، جاز لنا قراءته. والبرهان القاطع الساطع المصادم أن هؤلاء الكتابيين المعتمدين على مجرد الأوهام والمزاعم والأباطيل، كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادّعوها في الدّنيا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم. وهذا تهديد ووعيد. دلائل قدرة الله وعظمته وتصرفه في خلقه والتفويض إليه ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)﴾ الإعراب: الجمل كلها في الآية الأولى جمل فعلية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿مالِكَ﴾، ويجوز كونها في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: أنت تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. وكذلك الجمل في الآية الثانية مثل الآية الأولى في النصب والرفع. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿تُؤْتِي﴾ و ﴿تَنْزِعُ﴾، و ﴿تُعِزُّ﴾ و ﴿تُذِلُّ﴾، و ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿النَّهارِ﴾، و ﴿الْحَيَّ﴾ و ﴿الْمَيِّتِ﴾. ويوجد جناس ناقص بين ﴿مالِكَ﴾ و ﴿الْمُلْكِ﴾.

стр. 944

وهناك ما يسمى بردّ العجز على الصدر في ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ و ﴿وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾. والتّكرار في جمل ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ للتفخيم والتعظيم. والإيجاز بالحذف في قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ أي من تشاء أن تؤتيه. وكذا في قوله: ﴿تَنْزِعُ﴾ و ﴿تُعِزُّ﴾ و ﴿تُذِلُّ﴾. وفي قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ استعارة لإدخال هذا على هذا، وهذا على هذا، فما ينقصه الليل يزيده في النهار والعكس. ولفظ الإيلاج أبلغ في التعبير عن الإدخال. ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ..﴾. الحيّ والميّت مجاز عن المؤمن والكافر، شبه المؤمن بالحيّ والكافر بالميّت. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي والشر خلقا وتقديرا: ﴿قُلْ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، ولكنه ذكر الخير دون الشّر تأدّبا مع الله، فلا ينسب له الشّر أدبا. المفردات اللغوية: ﴿اللهُمَّ﴾ أي يا الله. ﴿الْمُلْكِ﴾ السلطة والتصرف في الأمور. ﴿تُؤْتِي﴾ تعطي. ﴿تَنْزِعُ﴾ تقلع وتخلع. ﴿مَنْ تَشاءُ﴾ أي من خلقك. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ﴾ بإيتائه. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ بنزعه منه. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ بقدرتك الخير، أي والشرّ خلقا وتقديرا، لا كسبا وعملا. ﴿تُولِجُ﴾ تدخل، ويراد به زيادة زمان النهار في الليل وبالعكس بحسب الفصول والبلاد، فيزيد كلّ منهما بما نقص في الآخر. قال السيوطي: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كإخراج الإنسان من النطفة، والطائر من البيضة. ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ كالنطفة والبيضة. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي رزقا واسعا. سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سأل ربّه أن يجعل ملك الرّوم وفارس في أمته، فأنزل الله: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية.

стр. 945

وقال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتح رسول الله ﷺ مكّة، ووعد أمته ملك فارس والرّوم، قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والرّوم؟ هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة، حتى طمع في ملك فارس والرّوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: هذه الآية بقصد تسلية النّبي ﷺ أمام موقف المشركين وأهل الكتاب بإنكار دعوته فيما ذكرته الآيات السابقة، والتذكير له بقدرته تعالى على نصرة دينه وإعلاء كلمته، فكان المشركون ينكرون النّبوة لرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأهل الكتاب ينكرون النّبوة في غير بني إسرائيل. التفسير والبيان: إذا أعرض المشركون وأهل الكتاب كوفد نجران عن قبول دعوتك يا محمد، فالجأ إلى الله مالك الملك وصاحب الأمر، وتوجه إليه وقل: يا الله، يا مالك الملك، لك السلطان المطلق، وأنت المتصرف في خلقك، الفعّال لما تريد، ومدبّر الأمور على وفق حكمتك، فأنت المعطي وأنت المانع، تؤتي الملك والنّبوة من تشاء من عبادك، وتنزع الملك ممن تشاء من خلقك، كما نزعت النّبوة من بني إسرائيل ببعثة رسولك العربي القرشي الأمي المكي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن. والظاهر المتبادر أن المراد بالملك: السلطة والتصرف في الأمور، وأنه تعالى صاحب السلطان المطلق في تدبير الأمور وتحقيق التوازن في الكائنات. والله يعطي من يشاء إما النّبوة فقط كهود ولوط، وإما الملك فقط كالملوك الغابرين والمعاصرين، وإما الملك والنّبوة كآل إبراهيم ومنهم داود وسليمان:

стр. 946

﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء ٥٤/ ٤]، وهكذا يعطي النّبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤/ ٦]، وقال: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٢١/ ١٧]. وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء، وللعزّة والذلّة مظاهر وآثار، ولا يتوقف ذلك على الملك أو المال، فكم من ملك ذليل، وكم من غني مهين، وكم من فقير عزيز. ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلّتها، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقو العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النّبي ﷺ والفئة القليلة المؤمنة، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨/ ٦٣]. بقدرتك وحدك الخير كلّه، تتصرّف فيه بحسب مشيئتك، فكل ما كان أو يكون فيه الخير والنعمة إما لصاحبه أو للجماعة، إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء، خير أو شرّ، فأنت المفوض إليك كل شيء، ونحن المتوكّلون عليك. وذكر الخير، مع أنّ كلاّ من الخير والشّر بقدرته، لمناسبته للمقام، بتحويل النّبوة والملك من قوم إلى قوم ومن شخص إلى شخص. والخير: شامل للنصر والغنيمة والعزّة والجاه والمال ونحو ذلك مما يرغب به الإنسان ويحرص عليه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. ومن مظاهر القدرة الإلهية وإبراز تمام الملك والعظمة إدخال الليل في النهار، زيادة ونقصا، فتأخذ من طول هذا، فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا، فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وقد يطول التفاوت جدا في بعض البلاد والأوقات، وهكذا يتفاوت طول الليل والنهار وقصره بحسب فصول

стр. 947

السنة ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، وبحسب مواقع البلدان الجغرافية، فقد يكون الليل ستة أشهر والنهار كذلك، وقد يطول النهار إلى ثماني عشرة أو عشرين ساعة، وقد تطلع الشمس في بعض البلاد والأزمان بعد غروبها بساعة أو أكثر. بيده تعالى أمر الزمان، كما قال: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر ٦٧/ ٣٩]. وهو الذي خلق الأرض مكورة يلف عليها الليل والنهار: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥/ ٣٩]، والتّكوير: اللف على الجسم المستدير، وجعل الشمس دليلا على النّهار. وتخرج الحيّ من الميّت إما إخراجا ماديا كالنخلة من النواة، والزرع من الحب، والإنسان من النّطفة، والطائر من البيضة، أو إخراجا معنويا كالعالم من الجاهل والمؤمن من الكافر. وتخرج الميّت من الحيّ ماديا ومعنويا أيضا كالنّواة من النّخلة، والبيضة من الطائر، والجاهل من العالم، والكافر من المؤمن. وفسّر بعض الأطباء إخراج الحيّ من الميّت: بأن الحيّ ينمو بأكل أشياء ميتة، فالصغير يكبر جسمه بتغذية اللبن أو غيره، والغذاء شيء ميّت. وأما إخراج الميت من الحيّ فهو الإفرازات مثل اللبن، فهو سائل ليس فيه حياة، ومثله اللحوم ومنتجات الزروع والنباتات، بخلاف النّطفة فإن فيها حيوانات حيّة، وهكذا ينمو الحيّ من الميّت، ويخرج الميّت من الحيّ. وترزق من تشاء بغير حساب، أي تعطي من شئت من المال والرّزق بغير عدّ ولا حصر ولا إحصاء، ولا إعياء ولا تعب (١)، فلك خزائن السّموات والأرض،

стр. 948

وتقتّر على آخرين على وفق حكمتك وإرادتك ومشيئتك. فقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي بغير تضييق ولا تقتير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، كأنه لا يحسب ما يعطي. وأنت القادر على انتزاع الملك من العجم إلى العرب، والنّبوة من بني إسرائيل إلى العرب. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآيات على أن الله تعالى صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة، والإرادة والمشيئة العليا، بيده الخير والشّر خلقا وتقديرا، لا كسبا، فالخير منه مطلقا، والشّر لا ينسب إليه أدبا، وإنما ينسب لفاعله. وإنّ النّبوة والملك والرّزق بيده تعالى، يمنحها بحسب الإرادة ومقتضى الحكمة البالغة، والحجة التامة. وإنّ إدخال الليل بالنهار وإدخال النهار بالليل دليل على كروية الأرض ودورانها؛ لأن تعاقب الليل والنهار، وتفاوت مقدارهما بحسب الفصول والأزمنة والأمكنة يشير إلى الكروية والدوران. ويخرج الله الحيّ من الميّت، والميّت من الحيّ بكلّ من المعنى المادي والمعنوي المتقدم. وإنعامه عام يتولى من يشاء، والرزق على الله مضمون، يعطي منه ما يشاء ويمنع بمقتضى الحكمة والإرادة والمشيئة. روى الطبراني عن ابن عباس عن النّبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب: في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾».

стр. 949

موالاة الكافرين والتحذير من الآخرة ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾ الإعراب: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ لا ناهية، فالفعل مجزوم، أو نافية، فالفعل مرفوع، وتكون الجملة خبرية في معنى النهي. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ليس من دين الله أو ثواب الله في شيء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿مِنَ اللهِ﴾ في موضع نصب على الحال؛ لأن التقدير: فليس في شيء كائن من دين الله. فلما قدم صفة النكرة عليها انتصب على الحال. و ﴿فِي شَيْءٍ﴾: في موضع نصب، خبر ليس. و ﴿تُقاةً﴾ منصوبة على المصدر. وأصلها وقية فأبدل الواو تاء ومن الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تقاة. ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ يوم: منصوب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر يوم تجد كل نفس. ﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ ما: إما بمعنى الذي، وهي معطوفة بالنصب على ﴿ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وجملة: تودّ منصوبة على الحال، أو هي مرفوعة مبتدأ وخبره: ﴿تَوَدُّ﴾. وإما أن تكون ﴿ما﴾ شرطية مبتدأ، وعملت: فعل الشرط، و ﴿تَوَدُّ﴾: جواب الشرط خبر المبتدأ. البلاغة: يوجد طباق في ﴿تُخْفُوا﴾ و ﴿تُبْدُوهُ﴾، وفي ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ و ﴿مِنْ سُوءٍ﴾، وفي ﴿مُحْضَراً﴾ و ﴿بَعِيداً﴾.

стр. 950

المفردات اللغوية: ﴿أَوْلِياءَ﴾ مفرده ولي وهو النصير والمعين. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي يواليهم. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ﴾ أي ليس من دين الله في شيء. ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ مصدر تقية، أي تخافوا مخافة، فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. وهذا في حال ضعف المسلم بأن يكون في بلد ليس قويا فيها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ يخوّفكم الله أن يغضب عليكم إن واليتموهم. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، فيجازيكم. ﴿مُحْضَراً﴾ حاضرا لديها. ﴿أَمَداً بَعِيداً﴾ الأمد: المدة التي لها حدّ محدود، والمراد: غاية في نهاية البعد، فلا يصل إليها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ كرر للتأكيد. سبب النزول: نزول الآية (٢٨): أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد-وهؤلاء كانوا من اليهود-قد بطنوا (لازموا) بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيتمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم (ملازمتهم)، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا، فأنزل الله فيهم: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ.﴾. الآية. أي أن هذه الآية نزلت في جماعة من المؤمنين كانوا يوالون رجالا من اليهود، فحذرهم جماعة من المؤمنين من تلك الموالاة أو المخالطة والمصاحبة، فأبوا النصيحة، وظلّوا على ملازمة اليهود ومباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي أيضا عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري البدري النقيب، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النّبي ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ الآية.
следующие страницы →