← Тафсир

Тафсир · id 22916

الجدول في إعراب القرآن

محمود صافي

Полный текст (5 892 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بسم الله الذي أقسم بالقلم رمز العلم - فقال جل شأنه ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾. باسم الله الذي اختار لكتابه الكريم أن تكون لغته عربية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فجعل لغته لا أفصح منها ولا أبلغ ولا أسلم، بل جعل لغته لغة أعجزت العرب أمة الفصاحة والبلاغة أن تأتي بمثله أو بسورة واحدة مثله. والحمد لله الذي منَّ على هذه الأمة بحفظ لغتها وصانها من كل تحريف أو تغيير، وذلك عندما تجلت إرادته بحفظ هذا الكتاب العزيز ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وكان حفظ هذا الكتاب الكريم حفظًا لهذه اللغة العربية من أي تحريف أو تغيير. والصلاة والسلام على رسول الهدى- أفصح من نطق الضاد- الذي بلّغ هذا الكتاب السماوي الكريم، وجهد نفسه بحفظه مما قد يطرأ عليه من آثار النسيان والسهو، فكان يسارع إلى تكراره رغبة في ترسيخ في نفسه، فأتعب بذلك نفسه، فأنزل الله عليه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾. وبعد: رحم الله مؤلف هذا الكتاب الأستاذ محمود صافي الذي بذل السنوات الطوال جادًا مكافحًا، ساهرًا مغالبًا النوم، حتى استطاع أن يقدم لقراء اللغة العربية ما يخدم لغتهم، ولطلبة العلم الشريف ما يوطئ لهم سبل الطلب

стр. 2

ويسهلها عليهم، فقدم لهم هذا السفر الضخم من إعراب القرآن الكريم إعرابًا كاملًا، واختار له الأسلوب المدرسي الميس ر، فخدم بذلك العلم والعلماء، وسهل الدرس على طلبة العلم، وأضاف جديداً على ما قدمه سلفنا الصالح من خدمات جلّى للقرآن الكريم. ويكفي مؤلف هذا الكتاب فخرًا أن كتابه هذا هو أول كتاب كامل صدر في اعراب القرآن، بالإضافة الى ما تحلى به من دقة في البحث وتنسيق في السرد، ودرس في أبحاث الصرف. ولئن كان بداية العمل على إصدار هذا المؤلف الضخم متوافقة مع ساعة انتقال المؤلف إلى العالم الآخر، ليتلقى هناك- في عالم الخلود- جزاء ما قدمت يداه من خير وفير … فإننا نعلم حقيقة العلم أن المؤلف ﵀ لو أمهله القدر حتى يخرج كتابه هذا في طبعتين متلاحقتين، ويسمع إلى ملاحظات القراء الذين رغبوا في أن يضاف إلى هذا السفر العظيم دراسة بلاغية وملاحظات تفيد القارئ في مجالها المناسب، لما تباطأ عن تلبية هذه الرغبة، ولسارع إلى امتشاق القلم، ومكابدة الليالي الطوال، تحقيقاً لهذه الرغبة وإتماماً للفائدة المطلوبة لذلك. وتمشيًا مع ما نتوقعه من رغبته -طيب الله ثراه- في تلبية طلب القراء، وتتميمًا للفائدة المتوخاة، عمدت دار الرشيد إلى تكليف بعض الأساتذة المتخصصين بتصنيف هذه الزيادات المطلوبة، رأينا أن دمجها مع الكتاب يحقق الفائدة للقارئ ويوافق ما نتوقعه من رغبة كل مؤلف في تكميل ما قدمه. لذلك وتحقيقاً للأمانة العلمية لا بد من التأكيد في مطلع هذا الكتاب على أن كل ما ذكر فيه تحت عنوان (البلاغة) أو (الفوائد) إنما قد أضيف على ما كان خطه المؤلف ﵀. آملين أن نكون بذلك العمل قد أتممنا الفائدة المرجوة من هذا الكتاب، وحققنا عملًا نرجو أن يكون في ميزان مؤلفه عند الله والله ولي التوفيق. دمشق ٣/ ٦/ ١٩٩٠ الدكتور محمد حسن الحمصي

стр. 3

تقديم الطبعة السابقة والتي كانت بعنوان الجدول في إِعراب القران وصرفه بقلم الأستاذ نور الدين شمسي باشا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للُه الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على صفوته من خلقه محمد سيد الكائنات، وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين .. أما بعد .. فما عرفت الإنسانية في تاريخها العريق كتابًا كان له من التكريم والتعظيم ما كان لقرآن الله العظيم، فقد تنافس الناس في فهمه ودرسه وحفظه والعناية به، منذ أن نزل على قلب الهادي الأمين، وكانت لهم في خدمته صولات وجولات: شرحوا آياته، وفسروا كلماته، وكتبوا في إعجازه وبلاغته، وألّفوا في صرفه ونحوه، واستنبطوا أحكامه، وبوَّبُوا موضوعاته وأبانوا ناسخه ومنسوخه، وميَّزوا بين مكيّه ومدنيّه، وتحدثوا عما كان من أسباب نزوله، وأحصوا قراءاته، ووضعوا الأدلة والفهارس والمعاجم لألفاظه وآياته، وقعَّدوا القواعد لضبط قراءته وتجويد تلاوته .. وما تزال أقلام العلماء منهم تدفع إلى المطابع كل صباح بما ينمّي هذا الرصيد المبارك، وبما يكون له شرف الإسهام في جلاء المزيد من علوّ قدره ورفعة شأنه .. حتى لقد ازداد الذين آمنوا إيماناً بأن منزّل الذكر، سبحانه، هو الموكّل بحفظه وصونه .. وما كتاب "إعراب القرآن الكريم" بأجزائه الثلاثين لمؤلفه الأستاذ المرحوم محمود عبد الرحيم صافي، طيب الله ثراه، إلا حلقة في هذه السلسلة الخالدة، وخيط نور باهر الألق في حزمة الضياء المنبعثة أبداً من كتاب الله، والممتدة سرمداً بين السماء والأرض، تهدي السالكين إلى

стр. 4

جادة الحق، ضالة الراشدين وبغية المهديين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. لقد بذل الأستاذ محمود صافي ﵀ في إعداد هذا الكتاب الكريم من الجهد ما يتناسب مع جلال المهمة التي استعد لها وندب نفسه للقيام بها. فكان لا يُرى إلا قارئاً أو كاتباً .. نظر في أوثق التفاسير، واطلع على مختلف معاجم اللغة، وتناول أمهات كتب النحو بالدرس والمقارنة والتحليل وصبر نفسه الليالي ذوات العدد، حتى اختلطت عليه دلجة الليل بغسق الفجر، وهو مكبٌّ على آيات الله، موجِّهٌ عنايته إلى ناحية بعينها من كلماتها وجملها، وهي ناحية الإعراب والنحو، حتى كان له ما أراد فأنجز إعراب الكتاب الكريم في نحو سنواتٍ ست، وأسعد الله قلبه بأمل طالما تمنى تحقيقه، وبعمل طالما تاقت نفسه إلى النهوض به. لم تكن الخطة التي انتهجها الأستاذ محمود صافي عملًا في الإعراب لقصد الإعراب وحده وإن كان الإعراب واحداً من أبرز مقاصده، بل لقد كان المقصد الأساس في عمله كله - وإنما كانت، وقبل كل شيء، سعياً وراء الملاءمة بين التفسير والقاعدة النحوية، فالإعراب لا يمكن أن يأتي دقيقاً صائباً في منأى عن الفهم الصحيح للعبارة القرآنية الكريمة .. ومن هنا كانت الصعوبة، فمع كتابٍ ككتاب الله العظيم تشعبت فيه مذاهب المفسرين وتباينت مواقفهم من الكلمة ومدلولها وإيحائها، في كثير من الأحيان، كانت عملية الملاءمة هذه تبدو أمراً في غاية الصعوبة .. إضافةً إلى أن الفهم البلاغي وتوجيه التعبير نحو هذا المقصد أو ذاك كان هو الآخر مصدر صعوبة لا يُستهان بها .. ومع ذلك فقد كان الأستاذ محمود، ﵀ وأجزل له الأجر، يتخير من الأوجه المتعددة ما يرى أنه أدناها إلى أصالة اللغة، مع حرص ظاهر في كثير من الأحيان

стр. 5

على إيراد الأوجه، الأخرى، محاولةً منه أن يترك لأولي البصر والتخصص مجالًا لقول أو مندوحة لرأي .. لقد أضاف الأستاذ محمود رحمه الله تعالى إلى المكتبة الإسلامية سفراً سيكون لقارئيه نوراً يهديهم إلى مزيد من الفهم لكتاب الله العظيم، كما سيكون للأستاذ محمود نفسه نورًا على الصراط، وظلًا ظليلًا يوم لا ظل إلا ظل رحمته وعفوه .. وبعد .. فإنها ولا شك مشيئةٌ من الله تعالى أن يتوافق في هذا العمل مفارقتان اثنتان: ففي أصيل يوم بارد من أيام شباط عام ١٩٨٥ اختار الله إلى جواره مؤلف الكتاب الأستاذ محمود صافي بعد ساعةٍ واحدة من تسليم مسودته إلى دار الرشيد للطباعة والنشر لتتولى مشكورة طباعته وتوزيعه في العالم الِإسلامي .. لقد مات الرجل الكبير في ذات الساعة التي تمَّت فيها الولادة لعمل من أكثر الأعمال إرضاء لله تعالى! رحم الله الأستاذ محمود صافي وأثابه على عمله المبرور رضواناً منه وكرامة، وأجزل الله الأجر للأستاذ محمد حسن الحمصي الذي ما فتئ منذ أسس دار الرشيد للطباعة والنشر يتخيّر نفائس الكتب للنشر والتوزيع، مؤثراً دائماً ما يتعلق بكتاب اللُه الكريم وشرعه القويم شرحاً وتفسيراً وفهرسة وطباعة، ومعطياً عمله من العناية والإِتقان ما جعله موضع تقدير الجميع وإعجابهم وثنائهم .. أسأل الله أن يتقبل جهد العاملين المخلصين، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به أمة الأشلام إن ربنا سميع مجيب .. والحمد لله رب العالمين ٢١/ ١٢/ ١٤٠٥ هـ ٦/ ٩/ ١٩٨٥ م نور الدين شمسي باشا الموجه الفني للتربية الإسلامية، في دولة الكويت.

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المصنف الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن عمل بسنته. وبعد: فهذا (الجدول في إعراب القرآن وصرفه) قد جعلته جدولًا في إعراب القرآن بعد أن أخرج محمد بن يوسف بن علي (أبو حيّان) الأندلسي كتابه الأشهر (البحر المحيط) في تفسير القرآن الكريم واعرابه، فهذا الكتاب جدول صغير في إعراب القرآن وصرفه، اقتصرت فيه على قراءة واحدة من القراءات السبع، وهي قراءة حفص بن سليمان الذي أخذ عن عاصم بن أبي النجود الأسدي .. فعلت ذلك حتى لا يضيع المبتدئ في متاهات الإعراب المتعلقة بالقراءات الأخرى، ولأن القارئ العادي لآيات القرآن الكريم لا يقرأ إلا هذه القراءة التي اُثرت عن حفص. ولكن قد يكون للكلمة المعربة بحسب هذه القراءة أكثر من وجه للإعراب فأختار، والحالة هذه، الإعراب المتعلق بالمعنى الأوضح والأظهر، ثم أحيل القارئ إلى أوجه الإعراب الأخرى في الحاشية إن كان ثمّة ضرورة لذلك.

стр. 7

وقد توخيت أن يكون الإعراب مدرسياً من حيث الشكل، معتمداً على الاصطلاحات الإعرابية الحديثة المألوفة في مدارسنا وجامعاتنا، لم أترك أيّة كلمة، اسماً كانت أم فعلًا أم حرفاً من غير إعراب. ثم أعقب بعد إعراب الكلمة بإعراب الجمل، حتى ما كان منها خبراً لمبتدأ أو لأحد النواسخ، وذلك كي أبتعد عن التكرار غير المفيد .. فإذا جاء خبر الكلمة جملة فليطلبه القارئ في إعراب الجمل آخر الآية. كما أنني اقتصرت في الإِعراب على القواعد العامة حين يتقدم الجار والمجرور أو الظرف في الجملة، وقد اعتمدا على النفي أو الاستفهام … فهذا الجار والمجرور أو الظرف هو خبر مقدّم والاسم الذي يتلوه مبتدأ مؤخّر. ولم أعتمد الوجه الثاني الصحيح في الإعراب وهو أن يكون الاسم بعدهما معمولاً لهما أو لفعل الاستقرار المحذوف، بأن يكون هذا الاسم فاعلًا أو نائب فاعل للظرف أو الجار والمجرور. وحين يتعارض الإعراب القرآنى مع القواعد النحوية أوثر تخاريج الإعراب على المعنى القرآني وإن خالف الصناعة النحوية لأننا كما يقول الدكتور صبحي الصالح (١): "نجعل القرآن حكما على قواعد اللغة والنحو، ولا نجعل تلك القواعد حكماً على القرآن، فما استمد النحاة قواعدهم إلا من القرآن بالدرجة الأولى … ". وقد رأيت إتماما للفائدة أن أذيّل كل آية بدراسة صرفية اشتقاقية للكلمات الواردة فيها حتى تكون هذه الدراسة عوناً لكل طالب علم أو متعلم يبغي تعرف علم الصرف، وإدراك أساليبه في الإعلال والِإبدال والحذف والوزن، والإلمام بقواعده. ثم أحيل القارئ إلى الآية ورقمها حين يتكرر ورود الكلمات المدروسة مثنى وثلاث ورباع.

стр. 8

وفي الختام أسال الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كلّ من قرأه واطّلع عليه، وأسأله تعالى أن يعفو عنِّي بكل خطأ غير متعمّد وقعت فيه، وبكل سهو غير مقصود فاتني استدراكه .. والله الموفق إلى كل خير، نعم المولى ونعم النصير. حمص في ٨ شوال سنة ١٣٩٩ و ٣٠ آب سنة ١٩٧٩ المصنف محمود صافي

стр. 9

كلمة المراجع بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. لقد كلفتني دار الرشيد بإلقاء نظرة تصحيحية أخيرة على كتاب (الجدول في اعراب القرآن وصرفه)، فتقبلت العمل بكل سرور، لما رأيت فيه من خدمة لكتاب الله . غير أنني ما كدت أسير شوطاً في المراجعة، حتى تبدى لي وجود بعض ملاحظات تقتضي العودة الى المراجع، ذلك أن الأصل المخطوط لم يسلم من بعض هفوات وقع فيها المؤلف. لذلك وبعد العودة الى الدار الناشرة (دار الرشيد) قمت بمراجعة كل ما قد يلاحظ على المخطوط، فوجدت أن معظم هذه الملاحظات أقرب الى أن تكون هفوات قلم، سها عنها المؤلف ﵀، لأنه- والحق يقال- كان مشغول الفكر دائماً بالأمور التي قتلها بحثاً وتمحيصاً، فاختار الأفصح والأكثر تساوقاً مع المعنى. ولئن كنت وقعت على بعض ملاحظات سها عنها القلم، مما لا يحتاج الى كد للذهن وغوص في المراجع، فإنني فيما عدا ذلك كنت - في كل مرة أميل فيها إلى رأي مخالف للرأي الذي تبناه المؤلف- أجد بعد البحث والتمحيص أن الرأي رأيه والموقف موقفه.

стр. 10

لذلك فقد اكتفيت من متابعة هذا المخطوط بتتبع الأخطاء التي يلحظها القارئ ويسهو عنها قلم المؤلف المشغول الفكر، ذلك أنه ﵀ أغنانا عن البحث والتنقيب .. ولم أشا أن أنوه بما قمت بتصحيحه، كلٍّ في مكانه، لاعتقادي الجازم بأن ما صوبته هو نفسه ما رمى اليه المؤلف حقيقة. ختاماً لا يسعنى الا أن أقف وقفة إجلال وإكبار، أمام روح المؤلف، التي تبدت لنا من خلال هذا المؤلف الضخم، فأسفرت لنا عن عالم جليل خدم العلم، وقدم للمشتغلين في علوم القرآن واللغة العربية سفراً يسهّل عليهم العمل ويغنيهم عن العودة إلى المراجع المطولة. فإلى روح المؤلف الفقيد أبعث بأطيب دعاء .. مع رجاء أن ينزل الله عليه من عنده من شآبيب الرحمة ما يتناسب مع جلال العمل في هذا السفر الضخم. وفق الله الجميع … وسدد الخطا الى ما فيه الخير والصلاح. دمشق / ٢٢/ جمادى الثانية/ ١٤٠٦ هـ الموافق ٣/ ٣/ ١٩٨٦ م لينة الحمصي أستاذة محاضرة في كلية الدعوة الإِسلامية بدمشق

стр. 11

تنبيه لقد احتوى هذ الإعراب بين طياته شرحاً مفصلاً لأبحاث الصرف لكلمات القرآن، وإذا ما بينا في موضع من المواضع ميزان الكلمة وما طرأ عليها من إعلال أو إبدالٍ فإننا لن نعود إلى البحث فيها إذ اما وردت مرة أخرى في موطن آخر. لذلك إذ أردتَ البحث الصرفي لكلمة من كلمات القرآن فارجع إلى الفهرس الصرفي الخاص الموجود في الجزء الحادي والثلاثين لتعرف موطن ذاك البحث المطلوب. * * *

стр. 12

سورة الفاتحة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ الإعراب: (بسم) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر. والمبتدأ محذوف تقديره: ابتدائي (١) (الله) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الكسرة. (الرحمن) نعت للفظ الجلالة تبعه في الجر. (الرحيم) نعت ثان للفظ الجلالة تبعه في الجر. الصرف: (اسم) فيه إبدال، أصله سمو، حذف حرف العلة وهو لام الكلمة وأبدل عنه همزة الوصل. ودليل الواو جمعه على أسماء وأسامي، وتصغيره سمىّ. والأصل أسماو وأسامو وسموي، فجرى فيها الإعلال بالقلب. (الله) .. أصله الإلاه، نقلت حركة الهمزة إلى لام التعريف ثم سكنت وحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين وأدغمت اللام في اللام الثانية .. وحذفت الألف بعد اللام الثانية لكثرة الاستعمال. فالإله مصدر من أله يأله إذا عبد، والمصدر في موضع المفعول أي المعبود.

стр. 13

(الرحمن) صفة مشتقة من صيغ المبالغة، وزنه فعلان من فعل رحم يرحم باب فرح. (الرحيم) صفة مشتقة من صيغ المبالغة، أو صفة مشبهة باسم الفاعل وزنه فعيل من فعل رحم يرحم. البلاغة ١ - التكرير: لقد كرّر الله ذكر الرحمن الرحيم لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج وقد ذكر المنعم دون المنعم عليهم فأعادها مع ذكرهم وقال: «ربّ العالمين الرحمن» بهم أجمعين. ٢ - قدم سبحانه الرحمن على الرحيم مع أن الرحمن أبلغ من الرحيم، ومن عادة العرب في صفات المدح الترقي في الأدنى الى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير. وذلك لأنه اسم خاص بالله تعالى كلفظ «الله» ولأنه لما قال «الرحمن» تناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، وأردفه «الرحيم» كتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف. وما هو من جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحق بالتقديم مما يدل على دقائقها وفروعها. وافراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة. فباسم الله تعالى تتم معاني الأشياء ومن مشكاة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ تشرق على صفحات الأكوان أنوار البهاء. الفوائد البسملة: عني العلماء ببحث البسملة من سائر وجوهها، نخص منها بالذكر: ١ - اختلفوا حول كونها آية من كتاب الله أم لا، فابن مسعود ومالك والأحناف وقراء المدينة والبصرة والشام لا يرونها آية.

стр. 14

وابن عباس وابن عمر والشافعي وقراء مكة والكوفة يرون أنها آية من كل سورة. ٢ - نزلت البسملة مجزّأة: الجزء الأول في قوله تعالى: «بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها» الثاني: في قوله: «ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» الثالث في قوله: «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)﴾ الإعراب: (الحمد) مبتدأ مرفوع. (لله) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره ثابت أو واجب. (ربّ) نعت (١) للفظ الجلالة تبعه في الجر وعلامة الجر الكسرة. (العالمين) مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. وجملة: «الحمد لله .. » لا محل لها ابتدائية. الصرف: (الحمد) مصدر سماعي لفعل حمد يحمد باب نصر وزنه فعل بفتح فسكون. (ربّ) مصدر يرب باب نصر، ثم استعمل صفة كعدل وخصم، وزنه فعل بفتح فسكون. (العالمين) جمع العالم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو مشتق إما من العلم بكسر العين أو من العلامة، وزنه فاعل بفتح العين، وكذلك جمعه.

стр. 15

البلاغة ١ - إن جملة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ خبر، لكنها استعملت لإنشاء الحمد وفائدة الجملة الاسمية ديمومة الحمد واستمراره وثباته. وفي قوله «لله» فن الاختصاص للدلالة على أن جميع المحامد مختصة به . ٢ - لما افتتح كتابه بالبسملة وهي نوع من الحمد ناسب أن يردفها بالحمد الكلي الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال. ٣ - أما حمد الله تعالى نفسه فإنه إخبار باستحقاق الحمد وأمر به أو أنه مقول على ألسنة العباد، أو مجاز عن إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية القصوى من الحمد. وقد قدم الحمد على الاسم الجليل لاقتضاء المقام فريد اهتمام به، وإن كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه والأهمية تقتضي التقديم. الفوائد الفاتحة: لا تكاد تحصى فوائدها نختار منها: ١ - نزل بها الوحي مرتين. الأولى في مكة عند ما فرضت الصلاة. الثانية في المدينة عند ما تحولت القبلة. ٢ - للفاتحة أسماء عدة: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، وأم الكتاب، وسورة الكنز، وسورة الحمد والشكر والدعاء، وسورة الصلاة وسورة الشفاء، والسبع المثاني. ٣ - وقع أسلوب الالتفات خلال هذه السورة فقد بدأت بالحديث عن الغائب ثم تحولت الى أسلوب الخطاب، وهذا ضرب من أضرب البلاغة الشائعة في كلام العرب.

стр. 16

٤ - تشتمل الفاتحة على الكليات الأساسية في التصور الإسلامي، ولذلك فرض الله تكرارها في كل صلاة بل في كل ركعة، وقد ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله « ﷺ » قوله: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾،قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾،قال الله: أثنى عليّ عبدي. فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ﴾.قال الله مجدني عبدي. وإذا قال: ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾.قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ الإعراب: (الرحمن) نعت للفظ الجلالة (١). (الرحيم) نعت ثان للفظ الجلالة. ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ الإعراب: (مالك) نعت للفظ الجلالة (٢) مجرور مثله. (يوم) مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الكسرة. (الدين) مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الكسرة. الصرف: (مالك) اسم فاعل من ملك يملك على معنى الصفة المشبهة لدوام الملكية، باب ضرب وزنه فاعل جمعه ملاّك ومالكون. (يوم) اسم بمعنى الوقت المحدد من طلوع الشمس إلى غروبها أو

стр. 17

غير المحدد. وهنا جاء بمعنى يوم القيامة. وجمعه أيّام، وجمع الجمع أياويم. (الدين) مصدر دان يدين باب ضرب بمعنى جزى وأطاع أو خضع، وزنه فعل بكسر الفاء وسكون العين، وثمّة مصدر آخر للفعل هو ديانة بكسر الدال. والدين معناه الجزاء أو الطاعة، وقد يكون بمعنى الملّة أو العادة. ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ الإعراب: (إيّاك) ضمير بارز منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدّم، أو (إيّا) ضمير مبني في محل نصب مفعول به، و (الكاف) حرف خطاب. (نعبد) فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره نحن و (الواو) عاطفة. (إياك نستعين) تعرب كالسابق. وجملة: «إياك نعبد .. » لا محل لها استئنافية. وجملة: «إياك نستعين .. » لا محل لها معطوفة على جملة إياك نعبد. الصرف: (نستعين)،فيه إعلال أصله نستعون من العون، بكسر الواو، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى العين وسكنت الواو-وهو إعلال بالتسكين-ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها-وهو إعلال بالقلب-. البلاغة ١ - كرّر الله «إيّاك» لأنه لو حذفه في الثاني لفاتت فائدة التقديم وهي قطع الاشتراك بين العاملين إذ لو قال: «إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونستعين» لم يظهر أن التقدير إيّاك نعبد وإيّاك نستعين أو إيّاك نعبد ونستعينك، وإنه لم يقل

стр. 18

نستعينك مع أنه مفيد لقطع الاشتراك بين العاملين وذلك لكي يفيد الحصر بين العاملين. وقدم العبادة على الاستعانة مع أن الاستعانة مقدمة، لأن العبد يستعين الله على العبادة ليعينه عليها، وذلك لأن الواو لا تقتضي الترتيب، والاستعانة هي ثمرة العبادة، ولأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الاجابة إليها. ٢ - الالتفات في هذه الآية الكريمة التفات من الغيبة الى الخطاب وتلوين للنظم من باب الى باب جار على نهج البلاغة في افتنان الكلام ومسلك البراعة حسبما يقتضي المقام. لما أن التنقل من أسلوب الى أسلوب أدخل في استجلاب النفوس واستمالة القلوب يقع من كل واحد من التكلم والخطاب والغيبة الى كل واحد من الآخرين. كما في قوله تعالى «اللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً». ٣ - وإيثار صيغة المتكلم مع الغير في الفعلين للإيذان بقصور نفسه وعدم لياقته بالوقوف في مواقف الكبرياء منفردا وعرض العبادة واستدعاء المعونة والهداية مستقلا وأن ذلك إنما يتصور من عصابة هو من جملتهم وجماعة هو من زمرتهم كما هو ديدن الملوك، أو للإشعار باشتراك سائر الموحدين له في الحال العارضة له بناء على تعاضد الأدلة الملجئة الى ذلك. ﴿اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ الإعراب: (اهد) فعل أمر دعائي مبني على حذف حرف العلة، و (نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت. (الصراط) مفعول به ثان منصوب وعلامة النصب الفتحة (١).

стр. 19

(المستقيم) نعت للصراط منصوب مثله وعلامة النصب الفتحة. والجملة: لا محل لها استئنافية. الصرف: (اهدنا) فيه إعلال بالحذف لمناسبة البناء، أصله في المضارع المرفوع تهدينا، وزن اهدنا افعنا (الصراط)، هو بالسين والصاد، وفي قراءة الصاد إبدال حيث قلبت السين صادا لتجانس الطاء في الإطباق. (المستقيم)، اسم فاعل من استقام، فهو على وزن مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل آخره .. وفيه إعلال، أصله مستقوم-بكسر الواو-لأن مجرد فعله قام يقوم، ثم جرى فيه ما جرى في نستعين. البلاغة ١ - «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» والمستقيم المستوي والمراد به طريق الحق وهي الملة الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط. فقد شبه الدين الحق بالصراط المستقيم، ووجه الشبه بينهما أن الله سبحانه وإن كان متعاليا عن الأمكنة لكن العبد الطالب الوصول لا بد له من قطع المسافات، ليكرم الوصول والموافاة وهذا من قبيل الاستعارة التصريحية. ٢ - لقد كرّر ذكر «الصراط» لأنه المكان المهيّأ للسلوك، فذكر في الأول المكان دون السّالك فأعاده مع ذكره بقوله «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» المصرح فيه ما يخرج اليهود وهم المغضوب عليهم والنصارى وهم الضالون. ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ (٧)﴾ الإعراب: (صراط) بدل من صراط الأول تبعه في النصب، وعلامة

стр. 20

نصبه الفتحة. (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر مضاف اليه. (أنعمت) فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، و (التاء) ضمير متصل في محل رفع فاعل. (عليهم)، (على) حرف جر و (الهاء) ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر ب (على) متعلق ب (أنعمت)،و (الميم) حرف لجمع الذكور (غير) بدل من اسم الموصول (الذين) تبعه في الجر (١). (المغضوب) مضاف إليه مجرور (عليهم) كالأول في محل رفع نائب فاعل للمغضوب، (الواو) عاطفة (لا) زائدة لتأكيد النفي (الضالّين) معطوف على (غير) مجرور مثله وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم. وجملة: أنعمت عليهم … لا محل لها صلة الموصول. الصرف: (المغضوب)،اسم مفعول من غضب باب فرح، وزنه مفعول. (الضالّين)،جمع الضال وهو اسم فاعل من ضلّ يضلّ باب ضرب وزنه فاعل، وأدغمت عين الكلمة في لامه لأنهما الحرف ذاته. (غير) اسم مفرد مذكّر دائما، قد يكون نعتا وقد يكون أداة استثناء .. فاذا أريد به مؤنث جاز تأنيث فعله المسند إليه. تقول: قامت غير هند

стр. 21

وتعني بذلك امرأة .. وهو ملازم للإضافة لفظا وتقديرا. فإدخال الألف واللام عليه خطأ. البلاغة ١ - التفسير بعد الإبهام: في هذه الآية الكريمة حيث وضح بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل لأنك ثنيت ذكره مجملا أولا ومفصلا ثانيا. وأوقعت فلانا تفسيرا وإيضاحا للأكرم الأفضل فجعلته علما في الكرم والفضل. ٢ - التسجيع: في الرحيم والمستقيم، وفي نستعين والضالين. والتسجيع هو اتفاق الكلمتين في الوزن والرّوي. ٣ - ولو نلاحظ ما فائدة دخول «لا» في قوله تعالى «وَلا الضّالِّينَ» مع أن الكلام بدونها كاف في المقصود، وذلك لتأكيد النفي المفاد من «غير». ٤ - الاستهلال: لقد استهل الله القرآن بالفاتحة، والاستهلال فن من أرق فنون البلاغة وأرشقها، وحدّه: أن يبتدئ المتكلم كلامه بما يشير الى الغرض المقصود من غير تصريح بل بإشارة لطيفه. ٥ - العدول عن اسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام. جرى على منهاج الآداب التنزيلية في نسبة النعم والخيرات إليه دون أضدادها كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾

стр. 22

سورة البقرة من الآية ١ - إلى الآية ١٤١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ الإعراب: حروف مقطّعة لا محل لها من الإعراب. وهذا اعتمادا على أصح الأقوال وأسهلها وأبعدها عن التأويل (١). البلاغة - إن هذه الأحرف في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وهي سرّ القرآن، وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها. وإن تسميتها حروفا مجاز، وإنما هي أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة.

стр. 23

الفوائد - هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة. وليس المقصود نزولها بتمامها، وإنما المقصود نزول أولها، إذ المعول في الترتيب الزمني لنزول السور بنزول أوائلها. -تفتتح السورة بتقرير مقومات الايمان الواردة في قوله تعالى: (من الآية ١ الى ٥) «الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». -ثمة آراء متعددة حول المقصود بهذه الأحرف الواردة في أوائل السور. ونذكر على سبيل المثال الرأي القائل بأن ورود هذه الأحرف ضرب من الإعجاز يحمل في طياته نوعا من الجرس الموسيقي الذي يتناسق مع موسيقا آيات السورة بكاملها. ونضيف الى ذلك احتمال أن الله يذكرنا بهذه الأحرف الهجائية والتي تتكون منها الكلمات وهذه بدورها تحمل إلينا رسالة القرآن ورسالة الحرف والكلمة التي امتاز بها الإنسان عن سائر مخلوقات الله من الحيوان. قال الزمخشري الحروف في أوائل السور أربعة عشر حرفا نصف أحرف الهجاء وهي مشتملة على أصناف أجناس الحروف كالمهموسة والمجهورة إلخ فسبحان من دقّق حكمته. ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ الإعراب: (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ و (اللام) للبعد و (الكاف) للخطاب. (الكتاب) بدل من (ذا)،أو عطف بيان تبعه في الرفع (١) (لا) نافية للجنس (ريب) اسم لا مبني على الفتح في محل نصب (في) حرف جر و (الهاء) ضمير متصل مبني في محل

стр. 24

جر ب (في) متعلق بمحذوف خبر لا. (هدى) خبر ثان للمبتدأ (ذا) مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدّرة على الألف منع من ظهورها التعذّر (١) (للمتقين) جار ومجرور متعلّق ب (هدى)،أو بمحذوف نعت له، وعلامة الجر الياء لأنّه جمع مذكّر سالم. وجملة: «ذلك الكتاب .. » لا محل لها ابتدائية. وجملة: «لا ريب فيه .. » في محل رفع خبر المبتدأ (ذا). الصرف: (ذا) اسم للإشارة، والألف من أصل الاسم، وفيه حذف بعض حروفه لأن تصغيره ذيّا، فوزنه فع بفتح فسكون، وألفه منقلبة عن ياء-كما يقول ابن يعيش-قالوا: أصله ذيّ زنة حيّ، ثم حذفت لام الكلمة فبقي ذي، ساكن الياء، ثم قلبت الياء ألفا حتى لا يشابه الأدوات كي، أي. (الكتاب)،اسم جامد يدل على القرآن الكريم، والأصل في اللفظ أخذه من المصدر الكتابة. (ريب)،مصدر راب يريب باب ضرب، وزنه فعل بفتح فسكون. (هدى)،مصدر سماعي لفعل (هدى) باب ضرب. وفي الكلمة إعلال بالقلب، أصله هدي بياء في آخره، لأنك تقول هديت، جاءت الياء متحرّكة بعد فتح قلبت ألفا فأعلّت في المصدر كما أعلّت في الفعل. (المتقين)،اسم فاعل مفرده المتّقى، من فعل اتّقى الخماسيّ، على وزن مضارعه بابدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل الآخر.

стр. 25

وفي (المتقين) إعلال بالحذف، حذفت الياء الأولى بعد الجمع بسبب التقاء الساكنين، وزنه مفتعين. وفي (المتقين) إبدال-كما في فعله- فالفعل (اتّقى) الذي مجرّده (وقى) قلبت فيه فاء الكلمة-وهي الواو-إلى تاء لمجيئها قبل تاء الافتعال، وهذا مطّرد في كل من الواو والياء إذا جاءتا قبل تاء الافتعال حيث تقلبان تاء في الأفعال ومشتقاتها. وما جرى من إبدال في الفعل جرى في اسم الفاعل (المتقين). البلاغة ١ - التقديم: فقد قدم (الريب) على الجار والمجرور لأنه أولى بالذكر ولم يقل (لا فيه ريب) على حد «لا فِيها غَوْلٌ» لأن تقديم الجار والمجرور يشعر بما يبعد عن المراد وهو أن كتابا غيره فيه الريب كما قصد في الآية تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها فليس فيها ما في غيرها من العيب. ٢ - وضع المصدر «هدى» موضع الوصف المشتق الذي هو هاد وذلك أوغل في التعبير عن ديمومته واستمراره. ٣ - فإن قلت: كيف قال «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» وفيه تحصيل حاصل، لأن المتقين مهتدون؟ قلت: إنما صاروا متقين باستفادتهم الهدى من الكتاب، أو المراد بالهدى الثبات والدوام عليه. أو أراد الفريقين واقتصر على المتقين، لأنهم الفائزون بمنافع الكتاب، وللإيجاز كما في قوله تعالى ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي والبرد فحذف الثاني للإيجاز. الفوائد - فائدة إملائية: كثير من الكلمات في القرآن الكريم احتفظت برسمها كما رسمت من أيام عثمان مثل: «الكتب، الصلوة، رزقهم، الحيوة» على حين أنها تغيرت في الكتابة المدرسية ونحن نعلم أن أبا الأسود الدؤلي بدأ في وضع

стр. 26

علامات الإعراب، والحجاج بن يوسف الثقفي قام بتنقيط الأحرف الهجائية ولم نعلم من التاريخ متى حصل تطوير الكتابة العربية حيث أصبحت مغايرة لكتابة ورسم الكلمات في المصحف. -الاسم الثلاثي المعتل الآخر والفعل الثلاثي المعتل الآخر مثل «هدى وغزا» إذا كان أصل الألف ياء رسمت بالياء وإن كانت واوا كتبت ألفا وهذا يقودنا الى وجوب معرفة أصل حرف العلة واوا أو ياء. ولمعرفة ذلك ثلاث وسائل: الأولى: أن نحول الفعل الى مضارعه، الثانية: أن نسند ماضيه الى تاء الفاعل. الثالثة: أن نعيده الى مصدره. مثل رمى يرمي رميت رميا وغزا يغزو غزوت غزوا. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ الإعراب: (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محل جر نعت ل (المتقين) (١). (يؤمنون) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون فهو من الأفعال الخمسة و (الواو) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. (بالغيب) جار ومجرور متعلق ب (يؤمنون) (٢). (الواو) عاطفة (يقيمون) مثل يؤمنون. (الصلاة) مفعول به منصوب. (الواو) عاطفة (من) حرف جر (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب (من) متعلّق ب (ينفقون) (٣). (رزقنا) فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع

стр. 27

(نا) وهو ضمير متصل في محل رفع فاعل، و (الهاء) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به و (الميم) حرف دال على جمع الذكور. (ينفقون) مثل يؤمنون. جملة: «يؤمنون بالغيب .. » لا محل لها صلة الموصول. وجملة: «يقيمون الصلاة .. » لا محل لها معطوفة على جملة الصلة. وجملة: «رزقناهم .. » لا محل لها صلة الموصول (ما). وجملة: «ينفقون .. » لا محل لها معطوفة على جملة يؤمنون بالغيب. الصرف: (يؤمنون)،فيه حذف همزة تخفيفا، وأصله يؤأمنون، وماضيه آمن، فالمدّة مكونة من همزتين: الأولى مفتوحة والثانية ساكنة أي أأمن على وزن أفعل، وفي المضارع تحذف إحدى الهمزتين لاجتماع ثلاث همزات في المتكلّم، وهذا يثقل في اللفظ ثم بقي الحذف في الغائب والمخاطب فقيل: يؤمنون زنة يفعلون بضم الياء. وهذا الحذف مطّرد في مثل هذه الأفعال وفي مشتقاتها: أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين. (الغيب)،مصدر غاب يغيب باب ضرب، وهو بمعنى الغائب أي يؤمنون بالغائب عنهم، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول أي المغيّب، وزنه فعل بفتح فسكون. (يقيمون)،جرى فيه حذف الهمزة تخفيفا مجرى يؤمنون لأن ماضيه أقام وزنه أفعل .. وفيه إعلال بقلب عين الكلمة الواو إلى ياء وأصله

стр. 28

يقومون بكسر الواو، فاستثقلت الكسرة على الواو فسكّنت-وهو إعلال بالتسكين-ونقلت حركتها إلى القاف، فلمّا سكّنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء فقيل يقيمون وزنه يفعلون بضم الياء. (الصلاة)،اسم مصدر لفعل صلّى الرباعيّ، أو هو مصدر له، والألف في الصلاة منقلبة عن واو لأن جمعه صلوات، وأصله صلوة، جاءت الواو متحرّكة مفتوح ما قبلها قلبت ألفا. وقد استعمل المصدر هنا استعمال الأسماء غير المصادر لأنه يدلّ على أقوال وأفعال مخصوصة. (ينفقون)،ماضيه أنفق على وزن أفعل، فهناك حذف للهمزة جرى مجرى يؤمنون. البلاغة ١ - التكرار: في قوله تعالى ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ و ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وفي تكرار اسم الموصول (الذين) وإن كان الموصوف واحدا، وقد يكون الموصوف مختلفا فهو تكرار للفظ دون المعنى. وفائدته الترسيخ في الذهن، والتأثير في العاطفة. - «وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» إسناد الرزق الى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف الى الله، ويسمى رزقا منه. وأدخل «من» التبعيضيه صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه. وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به. الفوائد ١ - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ «البقرة آية ٣» كان الإيمان بالغيب ولم يزل هو

стр. 29

الفارق الأول بين الإنسان والحيوان، خلافا للماديين في كل زمان الذين لا يؤمنون إلا بما يخضع للحواس. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ الإعراب: (الواو) عاطفة (الذين) موصول في محلّ جرّ معطوف على الاسم الموصول في الآية السابقة. (يؤمنون) كالأول في الآية السابقة. (الباء) حرف جرّ (ما) اسم موصول في محلّ جرّ بالباء متعلّق بها (يؤمنون). (أنزل) فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو (إليك)، (إلى) حرف جرّ و (الكاف) ضمير متّصل مبني في محلّ جرّ ب (إلى) متعلّق ب (أنزل). (الواو) عاطفة (ما أنزل) يعرب كالأول معطوف عليه (من قبل) جارّ ومجرور متعلّق ب (أنزل) و (الكاف) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه. (الواو) عاطفة (بالآخرة) جارّ ومجرور متعلّق ب (يوقنون)، (هم) ضمير بارز في محلّ رفع مبتدأ. (يوقنون) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون و (الواو)،ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل. جملة: «يؤمنون .. » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) وجملة: «أنزل إليك .. » لا محلّ لها صلة الموصول (ما) الأول وجملة: «أنزل من قبلك» لا محلّ لها صلة الموصول (ما) الثاني وجملة: «هم يوقنون .. » لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة يؤمنون. وجملة: «يوقنون» في محلّ رفع خبر المبتدأ (هم).

стр. 30

الصرف: (قبل) اسم، ظرف للزمان، معرب، يجوز بناؤه على الضمّ إذا قطع عن الاضافة لفظا، وزنه فعل بفتح فسكون. (الآخرة)،مؤنّث الآخر على وزن اسم الفاعل ولكن استعمل هنا استعمال الاسم الجامد لأنه يدّل على دار البقاء. والمد فيه منقلب عن همزة وألف ساكنة، والأصل (أأخرة). (يوقنون)،جرى فيه حذف الهمزة كما جرى في (يؤمنون) .. وفي الفعل اعلال بالقلب فماضيه أيقن، وأصل مضارعه ييقن، جاءت الياء الثانية ساكنة بعد ضم قلبت واوا فصار يوقن، ووزن يوقنون يفعلون بضم الياء. ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ الإعراب: (أولاء)،اسم إشارة مبنيّ على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، و (الكاف) حرف خطاب. (على هدى) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجرّ الكسرة المقدّرة على الألف للتّعذّر. (من ربّ) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت ل (هدى)،و (الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه و (الميم) حرف لجمع الذكور. (الواو) عاطفة (أولئك) يعرب كالأول (هم) ضمير فصل (١) لا محلّ له. (المفلحون) خبر المبتدأ (أولئك) مرفوع وعلامة الرفع الواو لأنه جمع مذكّر سالم.

стр. 31

جملة: «أولئك على هدى … » لا محلّ لها استئنافية. وجملة: «أولئك هم المفلحون .. » لا محلّ لها معطوفة على الجملة الاستئنافية. الصرف: (أولى)،اسم إشارة يأتي مقصورا وممدودا (أولاء)،والواو في كليهما زائدة. (المفلحون)،جمع المفلح، اسم فاعل من أفلح الرباعيّ، فهو على وزن مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل آخره، ولهذا حذفت منه الهمزة تخفيفا كما حذفت من مضارعه إذ أصله يؤفلحون. البلاغة ١ - «عَلى هُدىً» إن ما في هذا القول من الإبهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمه كأنه قيل على أي هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره. وإيراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يعتلي الشيء ويستولي عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية متفرعة على تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه وكمال رسوخهم فيه. ٢ - والذي هو أرسخ عرفا في البلاغة أن يقال إن قوله «الم» جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها و «ذلِكَ الْكِتابُ» جملة ثانية و «لا ريب فيه» ثالثة. و «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا، الى الثالثة والرابعة.

стр. 32

بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدي به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرا لجهة التحدي، وشدّا من أعضائه. ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز الى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر الذي هو «هدى» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكرا. والإيجاز في ذكر المتقين. زادنا الله اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقا للعمل بما فيه. الفوائد ١ - قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾. في هذه الآية نقطة بلاغية كريمة فقد أشار سبحانه الى تمكنهم من الهداية بأن جعلهم يعتلونها كما يعتلى الراكب المطية وهي استعارة تبعية لأنها جرت بالحرف بدلا من الاسم وبالجزء بدلا من الكل. وفي هذا التعبير سمة من سمات الاعجاز القرآني فبدلا من الوصف المباشر بأن يقول: «أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» فقد أخبر بأنهم على هداية اشارة الى قوة الاهتداء وتمكن المؤمن من الهداية. ٢ - لا بد من تقرير هذه القاعدة التي هي من البديهيات والتي يحسن بطالب المعرفة أيّا كانت درجته أن يضعها نصب عينيه وهي: «إنّ كل ضمير يتصل باسم فهو في محل جر بالاضافة» بخلاف الضمير المتصل بالفعل فقد يكون فاعلا مثل «يخادعون» فالواو فاعل وقد يكون مفعولا به كقوله تعالى: «فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً» فالضمير «هم» في محل نصب مفعول به.

стр. 33

ولاستيفاء الفائدة، لا بد من الاشارة الى أنه لدى اعراب الضمير لا بد من ذكر نوعه وبنائه ومحله من الاعراب. ٣ - اختلف سيبويه والكسائي حول مادة «الناس» فذهب سيبويه إلى أنه من مادة «أنس» من الأنس واتجه الكسائي الى أنه من مادة «نوس» من الحركة. وبما أن الإنسان تغلب عليه صفة الأنس ويكاد ينفرد بها عن سائر الحيوان في حين أنه يشترك في صفة الحركة مع جميع الأحياء ويعجزنا وجود بعض أصناف الحيوان أكثر حركة من الإنسان، ولهذا يبدو أن الحق في جانب «سيبويه» ولا نكون مجانبين الصواب إذا أخذنا برأيه دون رأي الكسائي فرجحنا أن اسم الإنسان هو من الأنس وليس من الحركة وهي «النوسان». ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ الإعراب: (إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر (الذين) اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسم إنّ. (كفروا) فعل ماض مبني على الضمّ، و (الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل. (سواء) خبر مقدّم مرفوع (١). (على) حرف جرّ و (الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ بحرف الجرّ و (الميم) حرف لجمع الذكور، والجارّ والمجرور متعلقان ب (سواء). (الهمزة) مصدريّة للتسوية (أنذر) فعل ماض مبني على السكون لاتّصاله بضمير الرفع و (التاء) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل و (الهاء) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به و (الميم) حرف لجمع الذكور (أم) حرف عطف معادل لهمزة التسوية (لم) حرف نفي وجزم وقلب (تنذر) مضارع مجزوم و (هم) ضمير متّصل مفعول به. والمصدر المؤول من الهمزة والفعل في محل رفع مبتدأ مؤخّر أي سواء عليهم إنذارك لهم أم عدم إنذارك (لا) نافية (يؤمنون) مضارع

стр. 34

مرفوع و (الواو) ضمير متصل في محلّ رفع فاعل. وجملة: «إن الذين … » لا محلّ لها استئنافية. وجملة: «كفروا … » لا محلّ لها صلة الموصول. وجملة: «سواء عليهم … » لا محلّ لها اعتراضية (١). وجملة: «أنذرتهم … » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفي. وجملة: «لم تنذرهم … » لا محلّ لها معطوفة على جملة صلة الموصول الحرفي. وجملة: «لا يؤمنون … » في محل رفع خبر (إنّ). (٢) الصرف: (الذين) اسم موصول، جمع الذي-على رأي ابن يعيش-و (ال) فيه زائدة لازمة (سواء)،مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي مستو … وفيه إبدال حرف العلّة بعد الألف همزة، وأصله سواي لأنه من باب طويت وشويت .. فلمّا جاءت الياء متطرفة بعد ألف ساكنة قلبت همزة، وزنه فعال بفتح الفاء. ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ الإعراب: (ختم) فعل ماض (الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع. (على قلوب) جارّ ومجرور متعلّق ب (ختم) و (الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه و (الميم) حرف لجمع الذكور. (الواو) عاطفة (على سمع)

стр. 35

جارّ ومجرور متعلّق ب (ختم) على حذف مضاف أي مواضع سمعهم، و (هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه. (الواو) عاطفة (على أبصار) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم و (هم) في محلّ جرّ مضاف إليه (غشاوة) مبتدأ مؤخّر مرفوع. (الواو) عاطفة (اللام) حرف جرّ و (الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ باللام متعلّق بمحذوف خبر مقدّم و (الميم) لجمع الذكور (عذاب) مبتدأ مؤخّر مرفوع. (عظيم) نعت ل (عذاب) مرفوع مثله. جملة: «ختم الله … » لا محل لها استئنافية. وجملة: «على أبصارهم غشاوة … » لا محل لها معطوفة على الاستئنافية. وجملة: «لهم عذاب … » لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافية. الصرف: (قلوبهم) جمع قلب، اسم جامد للعضو المعروف. (سمعهم) مصدر سمع يسمع باب فرح وزنه فعل بفتح فسكون (أبصارهم) جمع بصر مصدر بصر يبصر باب كرم وزنه فعل بفتحتين. (غشاوة) اسم جامد لما يغطي العين وزنه فعالة بكسر الفاء، ويجوز فتحها. (عذاب) اسم مصدر لفعل عذّب الرباعيّ، وزنه فعال بفتح الفاء. (عظيم) صفة مشبّهة من عظم يعظم باب كرم، وزنه فعيل. البلاغة ١ - في الآية استعارة تصريحية أصلية أو تبعية إذا أوّلت الغشاوة بمشتق، أو جعلت اسم آلة على ما قيل، ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن يقال شبهت حال قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم مع الهيئة الحادثة فيها المانعة من

стр. 36

الاستنفاع بها بحال أشياء معدة للانتفاع بها في مصالح مهمة مع المنع من ذلك الختم والتغطية ثم يستعار للمشبه اللفظ الدال على المشبه به فيكون كل واحد من طرفي المشبه مركبا والجامع عدم الانتفاع بما أعد له. ٢ - فإن قلت: فلم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح والله يتعالى عن فعل القبيح (١)؟ قلت: القصد الى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها. وأما اسناد الختم الى الله ، فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي. ٣ - وحد السمع لوحدة المسموع دون القلوب والأبصار لتنوع المدركات والمرئيات. ٤ - وصف العذاب بقوله «عظيم» لتأكيد ما يفيده التنكير من التفخيم والتهويل والمبالغة في ذلك أي لهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يبلغ كنهه ولا تدرك غايته. ٥ - التنكير: في قوله «غشاوة» وذلك للتفخيم والتهويل. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ الإعراب: (الواو) عاطفة أو استئنافية (من) حرف جرّ (الناس) مجرور به وعلامة الجرّ الكسرة، والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم (٢). (من) اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخّر (٣) (يقول) مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (آمنّا) فعل ماض مبني على السكون و (نا) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل.

стр. 37

(بالله) جارّ ومجرور متعلّق (بآمنّا). (الواو) عاطفة (باليوم) جارّ ومجرور معطوف على الأول متعلّق ب (آمنّا). (الآخر) نعت ل (اليوم) مجرور مثله. (الواو) حاليّة (ما) نافية تعمل عمل ليس (هم) ضمير منفصل في محلّ رفع اسم ما. (الباء) حرف جرّ زائد (مؤمنين) مجرور لفظا منصوب محلاّ خبر ما، وعلامة الجرّ الياء لأنه جمع مذكّر سالم. جملة: من الناس من يقول … لا محل لها معطوفة على استئنافية أو استئنافية. وجملة: «يقول … » لا محلّ لها صلة الموصول. وجملة: «آمنّا بالله … » في محلّ نصب مقول القول. وجملة: «ما هم بمؤمنين … » في محلّ نصب حال. الصرف: (الناس) أصله أناس حذفت فاؤه، وجعلت الألف واللام كالعوض منها فلا يكاد يستعمل أناس بالألف واللام (١) .. وعلى هذا فالألف زائدة في الناس لأنه مشتقّ من الإنس. وقال بعضهم: ليس في الكلمة حذف وزيادة. والألف منقلبة عن واو وهي عين الكلمة من ناس ينوس إذا تحرّك. (يقول) فيه إعلال بالتسكين أصله يقول بتسكين القاف وضمّ الواو، ثمّ نقلت حركة الواو إلى القاف قبلها لثقل الحركة على حرف العلّة فأصبح يقول. (آمنّا)،المدّة فيه أصلها همزتان: الأولى متحرّكة والثانية ساكنة أي

стр. 38

(أأمنّا) لأن مضارعه يؤمن (١). (الآخر)،ذكر في الآية (٤). (مؤمنين)،جمع مؤمن اسم فاعل من آمن الرباعيّ، فهو على وزن مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل الآخر، وجرى فيه حذف الهمزة-كما في المضارع-مجرى (المفلحون)،انظر الآية (٥). الفوائد ١ - للنحاة في «ما» رأيان: الأول: حجازية: استنادا الى طريقة الحجازيين الذين يعملونها عمل «ليس» فترفع المبتدأ وتنصب الخبر. والثاني: طريقة بني تميم وهم يهملونها فالمبتدأ والخبر بعدها مرفوعان. ٢ - «بمؤمنين» ذهب النحاة لتسمية هذه الباء التي يمكن حذفها مع بقاء المعنى صحيحا «حرف جر زائد» ولكننا نذهب هنا لتسميتها «حرف توكيد» أدبا مع القرآن الكريم ولكون فائدتها البلاغية هي توكيد الخبر. فالقول «وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أبعد في التوكيد من قولنا: «وما هم مؤمنون». ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩)﴾ الإعراب: (يخادعون) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، و (الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل. (الله) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (الواو) عاطفة (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب معطوف على لفظ الجلالة. (آمنوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ و (الواو) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل. (الواو) حاليّة (ما) نافية

стр. 39

(يخدعون) مضارع مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون و (الواو) فاعل. (إلا) أداة حصر (أنفس) مفعول به منصوب و (الهاء) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه و (الميم) حرف لجمع الذكور (الواو) حاليّة أو عاطفة (ما) نافية (يشعرون) مثل يخدعون. جملة: يخادعون … في محلّ نصب حال من فاعل يقول أو من الضمير المستكنّ في (مؤمنين) (١) وجملة: «آمنوا … » لا محلّ لها صلة الموصول. وجملة: «ما يخدعون … » في محلّ نصب حال من فاعل يخادعون (٢). وجملة: «ما يشعرون … » في محلّ نصب حال من فاعل يخدعون (٣) الصرف: (أنفسهم) جمع نفس، وهو اسم جامد بمعنى الذات أو الروح أو الجسد، وزنه فعل بفتح فسكون. ووزن أنفس أفعل بضم العين وهو من جموع القلّة. البلاغة ١ - المخادعة مفاعلة، والمعروف فيها أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعله به فيقتضي هنا أن يصدر من كل واحد من الله ومن المؤمنين ومن المنافقين فعل يتعلق بالآخر وهذا ما يدعى بالمشاكلة لأن الله سبحانه لا يخدع ولا يخدع فهو غني عن كل نيل واصابة واستجرار منفعة لنفسه وأجلّ من أن تخفى عليه خافية.

стр. 40

٢ - إن قلت كيف قال «يُخادِعُونَ اللهَ» مع أن المخادعة إنما تتصور في حق من تخفى عليه الأمور، ليتم الخداع من حيث لا يعلم، ولا يخفى على الله شيء؟ قلت: المراد يخادعون رسول الله إذ معاملة الله معاملة رسوله كعكسه لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ أو سمّى نفاقهم خداعا لشبهه بفعل المخادع. وهذا من قبيل المجاز العقلي. الفوائد «يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا» البقرة آية ٩. في هذه الآية نقطة كريمة، وحقيقة يؤكدها القرآن الكريم تلك الحقيقة هي الصلة بين الله والمؤمنين فهو يجعل صفهم صفه، وأمرهم أمره، وشأنهم شأنه يجعلهم سبحانه في كنفه، إذ يجعل عدوهم عدوه ونصيرهم نصيره. وهذا التفضل يرفع مقام المؤمنين الى مستوى سامق لأن حقيقة الإيمان هي أكبر الحقائق. فتأمل هذا المعنى اللطيف الذي يكثر وروده في القرآن الكريم. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ الإعراب: (في قلوب) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم و (هم) ضمير متّصل في محل جرّ مضاف إليه (مرض) مبتدأ مؤخّر مرفوع. (الفاء) عاطفة (زاد) فعل ماض و (هم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به أوّل (الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (مرضا) مفعول به ثان منصوب. (الواو) عاطفة (اللام) حرف جرّ (هم) ضمير متّصل في محلّ جر باللام متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم (عذاب) مبتدأ مؤخّر مرفوع (أليم) نعت ل (عذاب) مرفوع مثله. (الباء) حرف جرّ سببيّ (ما) حرف
следующие страницы →