Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
تَعَالَى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [٦٥ \ ٧] ، وَهَذَا الْوَعْدُ مِنْهُ - جَلَّ وَعَلَا - وَعَدَ بِهِ مَنِ اتَّقَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ الْآيَةَ [٦٥ \ ٢ - ٣] ، وَوَعَدَ بِالرِّزْقِ أَيْضًا مَنْ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَيَصْطَبِرُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [٢٠ \ ١٣٢] ، وَقَدْ وَعَدَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالرِّزْقِ الْكَثِيرِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ نُوحٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [٧١ \ ١٠ - ١٢] ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ هُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ الْآيَةَ [١١ \ ٥٢] ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَسُلَّمَ -: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [١١ \ ٣] .
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبٌ لِلرِّزْقِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٧ \ ٩٦] ، وَمِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ الْمَطَرُ، وَمِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ النَّبَاتُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ الْآيَةَ [٥ \ ٦٦] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [١٦ \ ٩٧] ، أَيْ: فِي الدُّنْيَا ; كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فِي جَزَائِهِ فِي الْآخِرَةِ: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١٦ \ ٩٧] ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - وَعَدَ بِالْغِنَى عِنْدَ التَّزْوِيجِ وَعِنْدَ الطَّلَاقِ.
أَمَّا التَّزْوِيجُ، فَفِي قَوْلِهِ هُنَا: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ الْآيَةَ [٤ \ ١٣٠] ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَزَوِّجَ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ بِالْغِنَى، هُوَ الَّذِي يُرِيدُ بِتَزْوِيجِهِ الْإِعَانَةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِغَضِّ الْبَصَرِ، وَحِفْظِ الْفَرْجِ ; كَمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» الْحَدِيثَ، وَإِذَا كَانَ قَصْدُهُ بِالتَّزْوِيجِ طَاعَةَ اللَّهِ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ، فَالْوَعْدُ بِالْغِنَى إِنَّمَا هُوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِذَلِكَ.
стр. 2557
وَقَدْ رَأَيْتَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَعْدِ اللَّهِ بِالرِّزْقِ مَنْ أَطَاعَهُ سُبْحَانَهُ - جَلَّ وَعَلَا - مَا أَكْرَمَهُ، فَإِنَّهُ يَجْزِي بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا قَالَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ مَالَهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ يَدُلُّ عَلَى وَصْفِ الْعَبِيدِ بِالْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَا يُطْلَقُ الْغِنَى إِلَّا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الْمَالَ الَّذِي بِهِ صَارَ غَنِيًّا، وَوَجْهُهُ قَوِيٌّ وَلَا يُنَافِي أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْمَالَ الَّذِي مَلَكَ لَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
هَذَا الِاسْتِعْفَافُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [٢٤ \ ٣٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [١٧ \ ٣٢] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ قِيلَ: غَفُورٌ لَهُنَّ، وَقِيلَ: غَفُورٌ لَهُمْ، وَقِيلَ: غَفُورٌ لَهُنَّ وَلَهُمْ.
وَأَظْهَرُهَا أَنَّ الْمَعْنَى غَفُورٌ لَهُنَّ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا أُكْرِهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهُ لِعُذْرِهِ بِالْإِكْرَاهِ ; كَمَا يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ الْآيَةَ [١٦ \ ١٠٦] ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ذَكَرَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ جَمِيعًا -.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّا لَا نُبَيِّنُ الْقُرْآنَ بِقِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ، وَرُبَّمَا ذَكَرْنَا الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ اسْتِشْهَادًا بِهَا لِقِرَاءَةٍ سَبْعِيَّةٍ كَمَا هُنَا، فَزِيَادَةُ لَفْظَةِ لَهُنَّ فِي قِرَاءَةِ مَنْ ذَكَرْنَا اسْتِشْهَادٌ بِقِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ لِبَيَانٍ بِقِرَاءَةٍ غَيْرِ شَاذَّةٍ أَنَّ الْمَوْعُودَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، هُوَ الْمَعْذُورُ بِالْإِكْرَاهِ دُونَ الْمُكْرَهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي فِعْلِهِ الْقَبِيحِ، وَذَلِكَ بَيَانُ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [١٦ \ ١٠٦] .
стр. 2558
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَإِنْ قُلْتَ لَا حَاجَةَ إِلَى تَعْلِيقِ الْمَغْفِرَةِ بِهِنَّ ; لِأَنَّ الْمُكْرَهَةَ عَلَى الزِّنَى، بِخِلَافِ الْمُكْرِهِ عَلَيْهِ فِي أَنَّهَا غَيْرُ آثِمَةٍ.
قُلْتُ: لَعَلَّ الْإِكْرَاهَ كَانَ دُونَ مَا اعْتَبَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ إِكْرَاهٍ بِقَتْلٍ، أَوْ بِمَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، أَوْ ذَهَابُ الْعُضْوِ مِنْ ضَرْبٍ عَنِيفٍ أَوْ غَيْرِهِ، حَتَّى يَسْلَمَ مِنَ الْإِثْمِ، وَرُبَّمَا قَصُرَتْ عَنِ الْحَدِّ الَّذِي تَعَذَّرَ فِيهِ فَتَكُونُ آثِمَةً، انْتَهَى مِنْهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْإِكْرَاهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غُفْرَانٌ وَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعَبْدِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَا وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ أَنْزَلَ إِلَيْنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ، وَيَدْخُلُ فِيهَا دُخُولًا أَوَّلِيًّا الْآيَاتُ الَّتِي بُيِّنَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْضَحَتْ فِي مَعَانِي الْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ، وَدَلِيلُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [٢٤ \ ١] وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَاتِ الْمُصَرَّحَ بِنُزُولِهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ الْآيَةَ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى هُنَا وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ مَعْنَاهُ: أَنْزَلْنَاهَا إِلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، أَيْ: تَتَّعِظُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْمَوَاعِظِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ مِنْ حِكَمِ إِنْزَالِهَا، أَنْ يَتَذَكَّرَ النَّاسُ، وَيَتَّعِظُوا بِمَا فِيهَا، وَيَدُلَّ لِذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [٣٨ \ ٢٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [٧ \ ١ - ٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى آيَاتٍ، أَيْ: أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.
стр. 2559
قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ: وَمَثَلًا مَعْطُوفٌ عَلَى آيَاتٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَمَثَلًا مِنْ أَمْثَالِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَيْ: قِصَّةً غَرِيبَةً مِنْ قِصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ، وَمَرْيَمَ فِي بَرَاءَتِهِمَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَثَلًا مِنْ أَمْثَالِ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً مِنْ قِصَصِهِمْ كَقِصَّةِ يُوسُفَ، وَمَرْيَمَ يَعْنِي قِصَّةَ عَائِشَةَ ﵂ وَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ وَالزَّمَخْشَرِيِّ ذِكْرَهُ غَيْرُهُمَا.
وَإِيضَاحُهُ: أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ مَثَلًا، أَيْ: قِصَّةً عَجِيبَةً غَرِيبَةً فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، وَتِلْكَ الْقِصَّةُ الْعَجِيبَةُ مِنْ أَمْثَالِ «الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ» ، أَيْ: مِنْ جِنْسِ قِصَصِهِمُ الْعَجِيبَةِ، وَعَلَى هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فَالْمُرَادُ بِالْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي أَنْزَلَ إِلَيْنَا، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: وَمَثَلًا هِيَ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ ﵂ مِمَّا رَمَاهَا بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [٢٤ \ ١١] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ الْآيَةَ [٢٤ \ ٢٦] ، فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْآيَاتِ الْعَشْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا أَنَّ أَهْلَ الْإِفْكِ رَمَوْا عَائِشَةَ، وَأَنَّ اللَّهَ بَرَّأَهَا فِي كِتَابِهِ مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ، وَعَلَى هَذَا:
فَمِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ لِبَعْضِ أَمْثَالِ مَنْ قَبْلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي رَمْيِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ يُوسُفَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَا سُوءًا تَعْنِي الْفَاحِشَةَ قَالَتْ: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [١٢ \ ٢٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [١٢ \ ٣٥] ; لِأَنَّهُمْ سَجَنُوهُ بِضْعَ سِنِينَ، بِدَعْوَى أَنَّهُ كَانَ أَرَادَ الْفَاحِشَةَ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْفِرْيَةِ الَّتِي افْتُرِيَتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِ النِّسْوَةِ وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ نَفْسِهَا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [١٢ \ ٥٠ - ٥١] ، وَقَالَ تَعَالَى عَنِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي كَلَامِهَا مَعَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ الْآيَةَ [١٢ \ ٣٢] .
فَقِصَّةُ يُوسُفَ هَذِهِ مَثَلٌ مِنْ أَمْثَالِ مَنْ قَبْلَنَا ; لِأَنَّهُ رَمَى بِإِرَادَةِ الْفَاحِشَةِ وَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ
стр. 2560
ذَلِكَ، وَالْمَثَلُ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، شَبِيهٌ بِقِصَّةِ يُوسُفَ ; لِأَنَّهُ هُوَ وَعَائِشَةُ كِلَاهُمَا رُمِيَ بِمَا لَا يَلِيقُ، وَكِلَاهُمَا بَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَرَاءَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَزَلَ بِهَا هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَإِنْ كَانَتْ بَرَاءَةُ يُوسُفَ وَقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بِإِقْرَارِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَالنِّسْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ مِنْ أَهْلِهَا، إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ الْآيَةَ [١٢ \ ٢٦ - ٢٨] .
وَمِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ لِبَعْضِ أَمْثَالِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا مَا ذَكرَه تَعَالَى عَنْ قَوْمِ مَرْيَمَ مِنْ أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالْفَاحِشَةِ، لَمَّا وَلَدَتْ عِيسَى مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [٤ \ ١٥٦] يَعْنِي فَاحِشَةَ الزِّنَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [١٩ \ ٢٧] يَعْنُونَ الْفَاحِشَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهَا مِمَّا رَمَوْهَا بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا إِلَى قَوْلِهِ: وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [١٩ \ ٢٩ - ٣٣] فَكَلَامُ عِيسَى، وَهُوَ رَضِيعٌ بِبَرَاءَتِهَا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَرِيئَةٌ، وَقَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا مَعَ بَيَانِ سَبَبِ حَمْلِهَا بِعِيسَى، مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا [١٩ \ ١٦ - ٢٢] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهِ فِيهَا بَرَاءَتَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [٢١ \ ٩١] وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي التَّحْرِيمِ: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [٦٦ \ ١٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ.
فَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا الَّتِي دَلَّتْ عَلَى قَذْفِ يُوسُفَ وَبَرَاءَتِهِ وَقَذْفِ مَرْيَمَ وَبَرَاءَتِهَا
стр. 2561
مِنْ أَمْثَالِ مَنْ قَبْلَنَا فَهِيَ مَا يُبَيِّنُ بَعْضُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.
وَالْآيَاتُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى قَذْفِ عَائِشَةَ وَبَرَاءَتِهَا بَيَّنَتِ الْمَثَلَ الَّذِي أُنْزِلُ إِلَيْنَا، وَكَوْنُهُ مِنْ نَوْعِ أَمْثَالِ مَنْ قَبْلَنَا وَاضِحٌ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ عَائِشَةَ، وَمَرْيَمَ، وَيُوسُفَ رُمِيَ بِمَا لَا يَلِيقُ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ بَرَّأَهُ اللَّهُ، وَقِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمْ عَجِيبَةٌ، وَلِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَثَلِ فِي قَوْلِهِ: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَ «مَوْعِظَةً» مَا وُعِظَ بِهِ فِي الْآيَاتِ وَالْمَثَلِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [٢٤ \ ٢] ، لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [٢٤ \ ١٢] ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [٢٤ \ ١٦] ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا [٢٤ \ ١٧] ، اهـ كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ خُصُوصِ الْمَوْعِظَةِ بِالْمُتَّقِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا.
وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [٣٥ \ ١٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [٧٩ \ ٤٥] فَخَصَّ الْإِنْذَارَ بِمَنْ ذَكَرَ فِي الْآيَاتِ ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ ﷺ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْذِرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [٢٥ \ ١] وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [٥٠ \ ٤٥] وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ قَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَشُعْبَةُ بْنُ عَاصِمٍ: مُبَيَّنَاتٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: مُبَيِّنَاتٍ بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ: فَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْيَاءِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ بَيَّنَهَا، وَأَوْضَحَهَا، وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ مُبَيِّنَاتٍ بِكَسْرِ الْيَاءِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَفِي مَعْنَى الْآيَةِ وَجْهَانِ مَعْرُوفًا.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: مُبَيِّنَاتٍ: اسْمُ فَاعِلِ بَيَّنَ الْمُتَعَدِّيَةِ وَعَلَيْهِ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مُبَيِّنَاتٍ الْأَحْكَامَ وَالْحُدُودَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: مُبَيِّنَاتٍ: وَصْفٌ مِنْ «بَيَّنَ» اللَّازِمَةِ، وَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَعَلَيْهِ
стр. 2562
فَالْمَعْنَى آيَاتٌ مُبَيِّنَاتٌ أَيْ بَيِّنَاتٌ وَاضِحَاتٌ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا [٢٤ \ ١] ، وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَأَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُمَا وَمَثَّلُوا لِبَيَّنَ اللَّازِمَةِ بِالْمَثَلِ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَرَبِ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ بَيَّنَ مُضَعَّفًا، وَأَبَانَ كِلْتَاهُمَا تَأْتِي مُتَعَدِّيَةً لِلْمَفْعُولِ وَلَازِمَةً، فَتَعَدِّي بَيَّنَ لِلْمَفْعُولِ مَشْهُورٌ وَاضِحٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ [٣ \ ١١٨] وَتَعَدِّي أَبَانَ لِلْمَفْعُولِ مَشْهُودٌ وَاضِحٌ أَيْضًا كَقَوْلِهِمْ: أَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ، أَيْ: بَيَّنَهَا لَهُ، وَأَوْضَحَهَا، وَأَمَّا وُرُودُ بَيَّنَ لَازِمَةً بِمَعْنَى تَبَيَّنَ وَوَضُحَ فَمِنْهُ الْمَثَلُ الْمَذْكُورُ: قَدْ بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، أَيْ: تَبَيَّنَ وَظَهَرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
وُجُوهُ مُجَاشِعٍ طُلِيَتْ بِلُؤْمٍ ... يُبَيِّنُ فِي الْمُقَلَّدِ وَالْعِذَارِ
فَقَوْلُهُ: يُبَيِّنُ بِكَسْرِ الْيَاءِ بِمَعْنَى: يَظْهَرُ، وَيَتَّضِحُ وَقَوْلُ جَرِيرٍ أَيْضًا:
رَأَى النَّاسُ الْبَصِيرَةَ فَاسْتَقَامُوا ... وَبَيَّنَتِ الْمِرَاضَ مِنَ الصِّحَاحِ.
وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ:
وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ تُبَيِّنُ بِالْفَتَى ... شُحُوبٌ وَتَعْرَى مِنْ يَدَيْهِ الْأَشَاجِعُ
عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ بِرَفْعِ «شُحُوبٌ» .
وَالْمَعْنَى: لِلْحُبِّ عَلَامَاتٌ تُبَيِّنُ بِالْكَسْرِ، أَيْ: تَظْهَرُ وَتَتَّضِحُ بِالْفَتَى، وَهِيَ شُحُوبٌ إِلَخْ، وَأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ هَذَا الْبَيْتَ، فَقَالَ: شُحُوبًا بِالنَّصْبِ، وَعَلَيْهِ فَلَا شَاهِدَ فِي الْبَيْتِ ; لِأَنَّ شُحُوبًا عَلَى هَذَا مَفْعُولُ تُبَيِّنُ فَهُوَ عَلَى هَذَا مِنْ بَيَّنَ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَأَمَّا وُرُودُ أَبَانَ لَازِمَةً بِمَعْنَى بَانَ وَظَهَرَ، فَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا ... أَبَانَ الْمُقْرَفَاتُ مِنَ الْعِرَابِ
أَيْ: ظَهَرَتِ الْمُقْرَفَاتُ وَتَبَيَّنَتْ، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ:
لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا ... لَأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُودُ
أَيْ: لَظَهَرَ وَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُودٌ، أَيْ: وَرَمٌ، وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
стр. 2563
قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ
فَقَوْلُهُ: مُبِينٌ وَصْفٌ مِنْ أَبَانَتِ اللَّازِمَةِ: أَيْ عِتْقٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، أَيْ كَرَمٌ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ جَمِيعُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَامِرٍ، وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَفَاعِلُهُ رِجَالٌ وَالْمَعْنَى وَاضِحٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَشُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ: يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَالْفَاعِلُ الْمَحْذُوفُ قَدْ دَلَّتِ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى عَلَى أَنَّ تَقْدِيرَهُ: رِجَالٌ فَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا، قِيلَ: وَمَنْ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا؟ قَالَ رِجَالٌ، أَيْ: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا رِجَالٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ مَا لَفْظُهُ، وَقَدِ الْتَزَمْنَا أَنَّا لَا نُبَيِّنُ الْقُرْآنَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ سَبْعِيَّةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِرَاءَةً أُخْرَى فِي الْآيَةِ الْمُبَيِّنَةِ نَفْسِهَا، أَوْ آيَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا إِلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْآيَةَ يُبَيِّنُ بَعْضُ الْقِرَاءَاتِ فِيهَا مَعْنَى بَعْضٍ ; لِأَنَّ الْمُقَرَّرَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ كَالْآيَتَيْنِ.
وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ: يُسَبِّحُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَاعِلُهُ رِجَالٌ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ الْفَاعِلَ الْمَحْذُوفَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ: يُسَبَّحُ بِفَتْحِ الْبَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِحَذْفِ الْفَاعِلِ هُوَ رِجَالٌ كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْآيَةُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ حُذِفَ فِيهَا الْفَاعِلُ لِـ «يُسَبِّحُ» ، وَحُذِفَ أَيْضًا الْفِعْلُ الرَّافِعُ لِلْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ رِجَالٌ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا
كَمِثْلِ زَيْدٍ فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ ضِرَارِ بْنِ نَهْشَلٍ يَرْثِي أَخَاهُ يَزِيدَ أَوْ غَيْرَهُ:
لِيُبْكَ يَزِيدَ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ
وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
فَقَوْلُهُ: لِيُبْكَ يَزِيدُ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ، وَفَتْحِ الْكَافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَنْ
стр. 2564
يَبْكِيهِ؟ فَقَالَ: يَبْكِيهِ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ إِلَخْ، وَقِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ، وَشُعْبَةَ هُنَا كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ: كَذَلِكَ يُوحَى إِلَيْكَ بِفَتْحِ الْحَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ: اللَّهُ فَاعِلُ يُوحَى الْمَحْذُوفَةِ، وَوَصْفُهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، بِكَوْنِهِمْ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى سَبِيلِ مَدْحِهِمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا يَنْبَغِي التَّسَاهُلُ فِيهَا بِحَالٍ; لِأَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ عَلَى الْمُتَّصِفِ بِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِهَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الثَّنَاءِ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْإِخْلَالِ بِهَا نَهْيًا جَازِمًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [٦٣ \ ٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ الْآيَةَ [٦٢ \ ٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ، وَشُعْبَةَ: يُسَبَّحُ سُنَّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: بِالْآصَالِ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يُسَبِّحُ بِالْكَسْرِ، فَلَا يَنْبَغِي الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: بِالْآصَالِ ; لِأَنَّ فَاعِلَ يُسَبِّحُ رِجَالٌ، وَالْوَقْفُ دُونَ الْفَاعِلِ لَا يَنْبَغِي كَمَا لَا يَخْفَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُؤَنَّثَ فِي قَوْلِهِ: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا رَاجِعٌ إِلَى الْمَسَاجِدِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْبُيُوتِ فِي قَوْلِهِ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْبُيُوتَ الْمَذْكُورَةَ، هِيَ الْمَسَاجِدُ.
وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ تَخْصِيصَهُ مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالرِّجَالِ فِي قَوْلِهِ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ يُسَبِّحْنَ لَهُ فِي بُيُوتِهِنَّ لَا فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: رِجَالٌ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَالتَّحْقِيقُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: لَا شَكَّ أَنَّ مَفْهُومَ لَفْظِ الرِّجَالِ، مَفْهُومُ لَقَبٍ بِالنَّظَرِ إِلَى مُجَرَّدِ لَفْظِهِ، وَأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَكِنَّ مَفْهُومَ الرِّجَالِ هُنَا مُعْتَبَرٌ، وَلَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ
стр. 2565
لَفْظِ الرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إِلَى مُجَرَّدِهِ اسْمَ جِنْسٍ جَامِدٍ وَهُوَ لَقَبٌ بِلَا نِزَاعٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مِنْ صِفَاتِ الذُّكُورَةِ مَا هُوَ مُنَاسِبٌ لِإِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّسَاءِ ; لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا تُخْشَى مِنْهُمُ الْفِتْنَةُ، وَلَيْسُوا بِعَوْرَةٍ بِخِلَافِ النِّسَاءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَصْفَ الذُّكُورَةِ وَصْفٌ صَالِحٌ لِإِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ الَّذِي هُوَ التَّسْبِيحُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَالْخُرُوجُ إِلَيْهَا دُونَ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ لَفْظَ الرِّجَالِ فِي الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الِاصْطِلَاحِ لَقَبًا فَإِنَّمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْصَافِ الذُّكُورَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، يَقْتَضِي اعْتِبَارَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي لَفْظِ رِجَالٍ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَفْهُومُ صِفَةٍ لَا مَفْهُومَ لَقَبٍ ; لِأَنَّ لَفْظَ الرِّجَالِ مُسْتَلْزِمٌ لِأَوْصَافٍ صَالِحَةٍ لِإِنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ، وَالْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَمَا لَا يَخْفَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: رِجَالٌ، مَفْهُومُ صِفَةٍ بِاعْتِبَارِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ صِفَاتِ الذُّكُورَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، فِي حُكْمِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ لَا مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَأَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
فَاعْلَمْ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ هُنَا: رِجَالٌ فِيهِ إِجْمَالٌ ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ النِّسَاءَ لَسْنَ كَالرِّجَالِ فِي الْخُرُوجِ لِلْمَسَاجِدِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ الْبَيَانَ الْقُرْآنِيَّ إِذَا كَانَ غَيْرَ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ مِنْ تَمَامِ الْبَيَانِ، فَإِنَّا نُتَمِّمُ الْبَيَانَ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَفْسِيرٌ لِلْمُبَيِّنِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، وَتَقَدَّمَتْ أَمْثِلَةٌ لِذَلِكَ.
وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ بَيَّنَتْ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: رِجَالٌ، فَبَيَّنَتْ أَنَّ الْمَفْهُومَ الْمَذْكُورَ مُعْتَبَرٌ، وَأَنَّ النِّسَاءَ لَسْنَ كَالرِّجَالِ فِي حُكْمِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَأَوْضَحَتْ أَنَّ صَلَاتَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا فِي الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ، وَبَيَّنَتْ أَيْضًا أَنَّهُنَّ يَجُوزُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِشُرُوطٍ سَيَأْتِي إِيضَاحُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُنَّ إِذَا اسْتَأْذَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَهُمْ مَأْمُورُونَ شَرْعًا بِالْإِذْنِ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ مَعَ الْتِزَامِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ.
أَمَّا أَمْرُ أَزْوَاجِهِنَّ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا طَلَبْنَ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " إِذَا اسْتَأْذَنَتِ
стр. 2566
امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا " وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: بَابُ اسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ": إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا " وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ": إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ " تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ سَالِمًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ": إِذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا " وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا " وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ": لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أَيْضًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ": إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ " وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ": لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ": ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ " وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ": لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ " وَفِي رِوَايَةٍ " إِذَا اسْتَأْذَنُوكُمْ "، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهُوَ صَحِيحٌ وَعُومِلْنَ مُعَامَلَةَ الذُّكُورِ لِطَلَبِهِنَّ الْخُرُوجَ إِلَى مَجْلِسِ الذُّكُورِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الشَّيْخَيْنِ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَخْرَجَهُ أَيْضًا غَيْرُهُمَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَزْوَاجَ النِّسَاءِ مَأْمُورُونَ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، إِذَا طَلَبْنَ ذَلِكَ، وَمَنْهِيُّونَ عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْهَا.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَمْرَ الْأَزْوَاجِ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ لِلْإِيجَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلنَّدْبِ، وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ مَنْعِهِنَّ، قَالُوا: هُوَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِذْنَ الْمَذْكُورَ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ ;
стр. 2567
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَانْتَفَى مَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ ; لَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْذِنُ مُخَيَّرًا فِي الْإِجَابَةِ أَوِ الرَّدِّ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ: فَإِنْ مَنَعَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ " لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ " بِأَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ; لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ وَاجِبٌ، فَلَا تَتْرُكُهُ لِفَضِيلَةٍ اهـ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا اسْتَأْذَنَتْهُ امْرَأَتُهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، وَلَا مُتَلَبِّسَةٍ بِشَيْءٍ يَسْتَوْجِبُ الْفِتْنَةَ مِمَّا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِذْنُ لَهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهَا لِلنَّهْيِ الصَّرِيحِ مِنْهُ ﷺ عَنْ مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلِلْأَمْرِ الصَّرِيحِ بِالْإِذْنِ لَهَا وَصِيغَةُ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الْقَرَائِنِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، وَصِيغَةُ النَّهْيِ كَذَلِكَ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [٢٤ \ ٦٣] وَقَالَ ﷺ ": إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ الْإِذْنَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْذَنُ مُخَيَّرًا فِي الْإِجَابَةِ، وَالرَّدُّ غَيْرَ مُسَلِّمٍ، إِذْ لَا مَانِعَ عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا وَلَا عَادَةً مِنْ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْإِذْنَ لِامْرَأَتِهِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، فَإِيجَابُ الْإِذْنِ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْمَنْعِ. وَقَدْ دَلَّ النَّصُّ الصَّحِيحُ عَلَى إِيجَابِهِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَمَا تَرَى. وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ وَاجِبٌ، فَلَا تَتْرُكُهُ لِلْفَضِيلَةِ لَا يَصْلُحُ ; لِأَنْ يَرِدَ بِهِ النَّصُّ الصَّرِيحُ مِنْهُ ﷺ فَأَمْرُهُ ﷺ الزَّوْجَ بِالْإِذْنِ لَهَا يُلْزِمُهُ ذَلِكَ، وَيُوجِبُهُ عَلَيْهِ، فَلَا يُعَارَضُ بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ كَمَا تَرَى. وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ: مِنْ أَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ قَالَ بِهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ غَيْرَ مُسْلّمٍ أَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي أَمْرِ الْأَزْوَاجِ بِالْإِذْنِ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَقَالَ ابْنُهُ: لَا نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ، غَضِبَ وَشَتَمَهُ وَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُخَالَفَتَهُ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى اعْتِقَادِهِ وُجُوبَ امْتِثَالِ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ.
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
стр. 2568
عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ": لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا " فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعْهُنَّ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهَ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعْهُنَّ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَزَبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَا نَدَعُهُنَّ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِذْنِ لِلنِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْحَقُّ تَعَدُّدُ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَهُ كُلٌّ مِنْ بِلَالٍ، وَوَاقِدٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، فَكَوْنُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِهِ بِلَالٍ وَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا وَقَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ، أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: لَنَمْنَعْهُنَّ فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرَى لُزُومَ الْإِذْنِ لَهُنَّ، وَأَنَّ مَنْعَهُنَّ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ يَرَاهُ جَائِزًا مَا شَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى ابْنَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، وَفِي رِوَايَةٍ فَزَبَرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، فِيهِ تَعْزِيرُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى السُّنَّةِ وَالْمَعَارِضِ لَهَا بِرَأْيِهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ هَذَا الَّذِي رَأَيْتَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، أَنَّ جَمِيعَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّعْزِيرِ، مُعْتَرِضُونَ عَلَى السُّنَّةِ، مُعَارِضُونَ لَهَا بِرَأْيِهِمْ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ يُقِرُّ بِأَنَّ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْزِيرِ لِاعْتِرَاضِهِ عَلَى السُّنَّةِ، وَمُعَارَضَتِهِ لَهَا بِرَأْيِهِ، مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ الَّذِي يَنْصُرُهُ وَيَنْقُلُ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ هُوَ بِعَيْنِهِ قَوْلُ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي صَرَّحَ هُوَ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ، وَأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى السُّنَّةِ وَمُعَارَضَةٌ لَهَا بِالرَّأْيِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: فَزَبَرَهُ، أَيْ: نَهَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: فَفِي رِوَايَةِ بِلَالٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا شَدِيدًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَفَسَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ السَّبَّ الْمَذْكُورَ بِاللَّعْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي رِوَايَةٍ زَائِدَةٍ عَنِ الْأَعْمَشِ: فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ: أُفٍّ لَكَ، وَلَهُ عَنِ ابْنِ
стр. 2569
الْأَعْمَشِ: فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَفَعَلَ، وَمِثْلُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: فَزَبَرَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ: فَسَبَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأُخِذَ مِنْ إِنْكَارِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى وَلَدِهِ تَأْدِيبُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ، وَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ مَنْ خَالَفَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مُعْتَرِضٌ عَلَى السُّنَنِ بِرَأْيِهِ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ مِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ اعْتِرَاضٌ عَلَى السُّنَنِ بِالرَّأْيِ كَمَا تَرَى.
وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى وُجُوبِ الْإِذْنِ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تَشْنِيعَهُ عَلَى وَلَدَيْهِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ آنِفًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ يَقْتَضِي جَوَازَ خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُنَّ كُنْ يَخْرُجْنَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ اهـ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا دَالَّةٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ النِّسَاءِ كُنَّ يَشْهَدْنَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ ﷺ
تَنْبِيهٌ.
قَدْ عَلِمْنَا مِمَّا ذَكَرْنَا فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا تَقْيِيدَ أَمْرِ الرِّجَالِ بِالْإِذْنِ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ بِاللَّيْلِ، وَفِي بَعْضِهَا الْإِطْلَاقُ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ.
وَقَدْ يَتَبَادَرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِالْإِذْنِ لِلنِّسَاءِ إِلَّا فِي خُصُوصِ اللَّيْلِ ; لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَيَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ هَذَا بِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَتُحْمَلُ رِوَايَاتُ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، فَيَخْتَصُّ الْإِذْنُ الْمَذْكُورُ بِاللَّيْلِ.
стр. 2570
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الْأَظْهَرُ عِنْدِي تَقْدِيمُ رِوَايَاتِ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُضُورِ النِّسَاءِ الصَّلَاةَ مَعَهُ ﷺ فِي غَيْرِ اللَّيْلِ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ آنِفًا الدَّالِّ عَلَى حُضُورِهِنَّ مَعَهُ ﷺ الصُّبْحَ، وَهِيَ صَلَاةُ نَهَارٍ لَا لَيْلٍ، وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ صَلَاةِ اللَّيْلِ، بِسَبَبِ كَوْنِهِنَّ يَرْجِعْنَ لِبُيُوتِهِنَّ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنَ النَّهَارِ قَطْعًا، لَا مِنَ اللَّيْلِ، وَكَوْنُهُ مِنَ النَّهَارِ مَانِعٌ مِنَ التَّقْيِيدِ بِاللَّيْلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَهُوَ:
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ شُرُوطٌ يَرْجِعُ جَمِيعُهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَرْأَةِ وَقْتَ خُرُوجِهَا لِلْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مُتَلَبِّسَةً بِمَا يَدْعُو إِلَى الْفِتْنَةِ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْفَسَادِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ «: لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» مَا نَصُّهُ: هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ الْمَسْجِدَ، وَلَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ أَلَّا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً، وَلَا مُتَزَيِّنَةً، وَلَا ذَاتَ خَلَاخِلَ يُسْمَعُ صَوْتُهَا، وَلَا ثِيَابٍ فَاخِرَةٍ، وَلَا مُخْتَلِطَةً بِالرِّجَالِ، وَلَا شَابَّةً وَنَحْوَهَا، مِمَّنْ يُفْتَنُ بِهَا، وَأَلَّا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا يُخَافُ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ وَنَحْوُهَا، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْهَا مَا هُوَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهَا مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ مُلْحَقٌ بِالنُّصُوصِ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي عِلَّتِهِ، وَإِلْحَاقُ بَعْضِهَا لَا يَخْلُو مِنْ مُنَاقَشَةٍ ; كَمَا سَتَرَى إِيضَاحَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى، أَمَّا مَا هُوَ ثَابِتٌ عِنْهُ ﷺ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ، فَهُوَ عَدَمُ التَّطَيُّبِ، فَشَرْطُ جَوَازِ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ أَلَّا تَكُونَ مُتَطَيِّبَةً.
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةَ كَانَتْ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «: إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ، فَلَا تَطَيَّبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ
стр. 2571
حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدَنَّ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» اهـ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ، وَهَمَا: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْجَمِيعِ - صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُتَطَيِّبَةَ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «: لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» اهـ، وَقَوْلُهُ: وَهُنَّ تَفِلَاتٌ، أَيْ: غَيْرُ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَتَفِلَاتٌ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ: تَارِكَاتٌ الطِّيبِ اهـ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ابْتَزَّهَا مِنْ ثِيَابِهَا
تَمِيلُ عَلَيْهِ هَوْنَةَ غَيْرِ مِتْفَالِي
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُتَطَيِّبَةَ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ إِلَى الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهَا تُحَرِّكُ شَهْوَةَ الرِّجَالِ بِرِيحِ طِيبِهَا.
فَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَلْحَقُوا بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَصَوْتِ الْخَلْخَالِ وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَالِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ الْجَمِيعَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ بِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الرِّجَالِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى. وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ الشَّابَّةَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الشَّابَّ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ، وَخَصَّصُوا الْخُرُوجَ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالْعَجَائِزِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّابَّةَ إِذَا خَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ، وَلَا مُتَلَبِّسَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ أَنَّ لَهَا الْخُرُوجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 2572
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» خَاصٌّ بِالرِّجَالِ، أَمَّا النِّسَاءُ فَصَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِهِ هَذَا، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ اهـ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ «: لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّةِ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، فَقَالَ «: قَدْ عَلِمْتُ، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ» وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ حَسَنٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَوَجْهُ كَوْنِ صَلَاتِهَا فِي الْإِخْفَاءِ أَفْضَلُ تَحَقُّقُ الْأَمْنِ فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ.
وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَارَ لَهُ هُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «: صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» ، اهـ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ ﷺ «: خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ» .
стр. 2573
وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنَ النُّصُوصِ تَعْلَمُ أَنَّ صَلَاةَ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَهُنَّ مِنْ صَلَاتِهِنَّ فِي الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ صَلَاتَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ مَا أَحْدَثْنَهُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي ثِيَابٍ قَصِيرَةٍ هِيَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ، وَمُزَاحَمَتُهُنَّ لِلرِّجَالِ فِي أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مِنَ النِّسَاءِ مَا رَأَيْنَا، لَمَنَعَهُنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ كَمَا مَنَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَهَا.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ الْآيَةَ، مُعْتَبَرٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْمَفْهُومَ الْمَذْكُورَ بِالسُّنَّةِ كَمَا رَأَيْتَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ لَهُ فِي الْمَسَاجِدِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنْ صِفَاتِهِمْ: أَنَّهُمْ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِشِدَّةِ هَوْلِهِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ عِظَمِ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَتَأْثِيرُهُ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ [٧٩ \ ٨ - ٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [١٤ \ ٤٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ الْآيَةَ [٤٠ \ ١٨] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِظَمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ الْآيَةَ [٧٣ \ ١٧ - ١٨] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [٧٦ \ ٩ - ١٠] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَفِي مَعْنَى تُقَلِّبِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِأَهْلِ التَّفْسِيرِ، ذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَأَظْهَرُهَا عِنْدِي: أَنَّ تُقَلُّبَ الْقُلُوبِ هُوَ حَرَكَتُهَا مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ وَأَنَّ تُقَلَّبَ الْأَبْصَارِ هُوَ زَيْغُوغَتُهَا وَدَوَرَانُهَا بِالنَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى
стр. 2574
فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ الْآيَةَ [٣٣ \ ١٩] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [٣٣ \ ١٠] فَالدَّوَرَانُ وَالزَّيْغُوغَةُ الْمَذْكُورَانِ يُعْلَمُ بِهِمَا مَعْنَى تُقَلِّبِ الْأَبْصَارِ، وَإِنْ كَانَا مَذْكُورَيْنِ فِي الْخَوْفِ مِنَ الْمَكْرُوهِ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
الظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: «لِيَجْزِيَهُمُ» مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: «يُسِبِّحُ» ، أَيْ: يُسَبِّحُونَ لَهُ، وَيَخَافُونَ يَوْمًا لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى، هِيَ مُضَاعَفَةُ الْحَسَنَاتِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [٦ \ ١٦٠] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [٤ \ ٤٠] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [٢ \ ٢٦١] .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الزِّيَادَةُ هُنَا كَالزِّيَادَةِ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [١٠ \ ٢٦] وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَذَلِكَ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [٥٠ \ ٣٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَحْوَهَا مِنَ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: «أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا» صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ أَعْمَالِهِمْ حَسَنًا لَمْ يُجْزَوْهُ وَهُوَ الْمُبَاحُ، قَالَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ:
مَا رَبُّنَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ
وَغَيْرُهُ الْقَبِيحُ وَالْمُسْتَهْجَنُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا. ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ بَاطِلَةٌ، وَأَنَّهَا لَا شَيْءَ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي السَّرَابِ الَّذِي مَثَّلَهَا بِهِ: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ
стр. 2575
الْكَرِيمَةُ مِنْ بُطْلَانِ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ الْآيَةَ [١٤ \ ١٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [٢٥ \ ٢٣] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عَمَلَ الْكَافِرِ إِذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُجْزَى بِهِ فِي الدُّنْيَا ; كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ الْآيَةَ [١٦ \ ٩٧] .
وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى انْتِفَاعِ الْكَافِرِ بِعَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا، دُونَ الْآخِرَةِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [٤٢ \ ٢٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [١١ \ ١٥ - ١٦] ، وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ انْتِفَاعِ الْكَافِرِ بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا، دُونَ الْآخِرَةِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ ; كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ «النَّحْلِ» الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [٢٤ \ ٣٩] ، أَيْ:: وَفَّاهُ حِسَابَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» أَنَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ مِنَ انْتِفَاعِ الْكَافِرِ بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ فِي الدُّنْيَا، أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [١٧ \ ١٨] .
تَنْبِيهٌ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْهُ فِي كِتَابِنَا «دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِنَا فِيهِ: لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: جَاءَهُ يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مَوْجُودٍ وَاقِعٍ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ ; لِأَنَّ وُقُوعَ الْمَجِيءِ عَلَى الْعَدَمِ لَا يُعْقَلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّفَةَ الْإِضَافِيَّةَ لَا تَتَقَوَّمُ إِلَّا بَيْنَ مُتَضايِفَيْنِ، فَلَا تُدْرَكُ إِلَّا بِإِدْرَاكِهِمَا، فَلَا يُعْقَلُ وُقُوعُ الْمَجِيءِ بِالْفِعْلِ، إِلَّا بِإِدْرَاكِ فَاعِلٍ وَاقِعٍ مِنْهُ الْمَجِيءُ، وَمَفْعُولٍ بِهِ
стр. 2576
وَاقِعٍ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: جَاءَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ قِيلَ: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّرَابُ شَيْئًا فَعَلَامَ دَخَلَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ؟ قِيلَ: إِنَّهُ شَيْءٌ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ كَالضَّبَابِ الَّذِي يُرَى كَثِيفًا مِنْ بَعِيدٍ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ رَقَّ وَصَارَ كَالْهَوَاءِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ حَتَّى إِذَا جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ السَّرَابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ، انْتَهَى مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي، وَعِنْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ، إِلَخْ، انْتَهَى كَلَامُنَا فِي «دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» ، وَقَدْ رَأَيْتَ فِيهِ جَوَابَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: بِقِيعَةٍ قِيلَ: جَمْعُ قَاعٍ، كَجَارٍ وَجِيرَةٍ، وَقِيلَ: الْقِيعَةُ وَالْقَاعُ بِمَعْنًى، وَهُوَ الْمُنْبَسِطُ الْمُسْتَوِي الْمُتَّسِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَعَلَى هَذَا فَالْقَاعُ وَاحِدُ الْقِيعَانِ، كَجَارٍ وَجِيرَانٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَحْذُوفَ الَّذِي هُوَ فَاعِلُ عَلِمَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى كُلٌّ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ وَالْمُصَلِّينَ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الضَّمِيرَ الْمَذْكُورَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: كُلٌّ أَيْ: كُلٌّ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَالْمُسَبِّحِينَ، قَدْ عَلِمَ صَلَاةَ نَفْسِهِ وَتَسْبِيحَ نَفْسِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ الْآيَةَ [١٦ \ ٩٧] ، كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ فِي أَنَّ اللَّفْظَ إِنِ احْتَمَلَ التَّوْكِيدَ وَالتَّأْسِيسَ حُمِلَ عَلَى التَّأْسِيسِ، وَبَيَّنَّا أَمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَظْهَرَ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَا عَنِ الْأُصُولِيِّينَ، أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ فِي قَوْلِهِ: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ رَاجِعًا إِلَى قَوْلِهِ:
стр. 2577
كُلٌّ أَيْ: كُلٌّ مِنَ الْمُصَلِّينَ قَدْ عَلِمَ صَلَاةَ نَفْسِهِ، وَكُلٌّ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قَدْ عَلِمَ تَسْبِيحَ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ تَأْسِيسٌ لَا تَأْكِيدٌ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ، أَيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلَاتَهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ كَالتَّكْرَارِ مَعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى التَّأْسِيسِ أَرْجَحُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى التَّوْكِيدِ ; كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الطَّيْرَ تُسَبِّحُ وَتُصَلِّي صَلَاةً وَتَسْبِيحًا يَعْلَمُهُمَا اللَّهُ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُمَا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [١٧ \ ٤٤] .
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَهَا إِدْرَاكٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْحِجَارَةِ: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٢ \ ٧٤] ، فَأَثْبَتَ خَشْيَتَهُ لِلْحِجَارَةِ، وَالْخَشْيَةُ تَكُونُ بِإِدْرَاكٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٥٩ \ ٢١] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا الْآيَةَ [٣٣ \ ٧٢] ، وَالْإِبَاءُ وَالْإِشْفَاقُ إِنَّمَا يَكُونَانِ بِإِدْرَاكٍ، وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ وَارِدَةٌ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ لِلطَّيْرِ صَلَاةً وَتَسْبِيحًا، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ سُفْيَانَ: أَنَّ لِلطَّيْرِ صَلَاةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، اهـ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ غَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا
يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَبِطِي
نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مَضْطَجَعَا
فَقَوْلُهُ: مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ، أَيْ: دَعَوْتِ، يَعْنِي قَوْلَهَا: يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا.
وَقَوْلُهُ: صَافَّاتٍ أَيْ: صَافَّاتٍ أَجْنِحَتُهَا فِي الْهَوَاءِ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ إِمْسَاكَهُ الطَّيْرَ صَافَّاتٍ أَجْنِحَتُهَا فِي الْهَوَاءِ وَقَابِضَاتٍ لَهَا مِنْ آيَاتِ قُدْرَتِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ الْآيَةَ [٦٧ \ ١٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2578
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [١٦ \ ٧٩] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ وَعَدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْ: لَيَجْعَلَنَّهُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ، الَّذِينَ لَهُمُ السَّيْطَرَةُ فِيهَا، وَنُفُوذُ الْكَلِمَةِ، وَالْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالْعِلْمِ الصَّالِحِ سَبَبٌ لِلْقُوَّةِ وَالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ وَنُفُوذِ الْكَلِمَةِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ الْآيَةَ [٨ \ ٢٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [٢٢ \ ٤٠ - ٤١] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [٤٧ \ ٧] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ: كَبَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [٢٨ \ ٥ - ٦] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [٧ \ ١٢٩] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا الْآيَةَ [٧ \ ١٣٧] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: وَعَدَهُمُ اللَّهُ، وَأَقْسَمَ فِي وَعْدِهِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ هَذَا الدِّينُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لَهُمْ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [٥ \ ٣] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
стр. 2579
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [٣ \ ١٩] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٣ \ ٨٥] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَمْكِينُهُ هُوَ تَثْبِيتُهُ وَتَوْطِيدُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَطَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ حَرْفُ تَعْلِيلٍ أَوْ تَرَجٍّ ; لِأَنَّهَا إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا حَرْفُ تَعْلِيلٍ فَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ سَبَبٌ لِرَحْمَةِ اللَّهِ ; لِأَنَّ الْعِلَلَ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي، أَيْ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ عَلَى رَجَائِكُمْ أَنَّ اللَّهَ يَرْحَمُكُمْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ مَا أَطْمَعَهُمْ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ عِنْدَ عِلْمِهِمْ بِمُوجِبِهَا إِلَّا لِيَرْحَمَهُمْ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَكَوْنُ لَعَلَّ هُنَا لِلتَّرَجِّي، إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ ; كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَأَطَاعُوا الرَّسُولَ ﵏ بِذَلِكَ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الْآيَةَ [٩ \ ٧١] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ; لِأَنَّ إِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ دَاخِلَانِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ عَطْفَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَعَكْسَهُ كِلَاهُمَا مِنَ الْإِطْنَابِ الْمَقْبُولِ إِذَا كَانَ فِي الْخَاصِّ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَحْسَبَ، أَيْ: يُظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، وَمَفْعُولُ مُعَجِزِينَ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا يَظُنُّهُمْ مُعْجِزِينَ رَبَّهُمْ، بَلْ قَادِرٌ عَلَى عَذَابِهِمْ لَا يَعْجِزُ عَنْ فِعْلِ مَا أَرَادَ بِهِمْ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [٩ \ ٢] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [٩ \ ٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2580
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [٢٩ \ ٤] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [١٠ \ ٥٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ الْآيَةَ [٢٩ \ ٢١ - ٢٢] ، وَقَوْلِهِ فِي «الشُّورَى» : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [٤٢ \ ٣١] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [٢٤ \ ٥٧] ، قَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ: لَا يَحْسَبَنَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَقَرَأَهُ بَاقِي السَّبْعَةِ: لَا تَحْسَبَنَّ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِفَتْحِ السِّينِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ عَامِرٍ وَحَمْزَةَ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ، وَقِرَاءَةَ عَاصِمٍ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ، وَقِرَاءَةَ الْبَاقِينَ مِنَ السَّبْعَةِ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْآيَةِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا ; لِأَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: لَا تَحْسَبَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ: مُعَجِزِينَ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِـ: تَحْسَبَنَّ وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ: وَلَا يَحْسَبَنَّ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ، فَفِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ الْجَوَابَ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مَحَلِّ رَفْعِ فَاعِلِ يَحْسَبَنَّ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أَنْفُسُهُمْ، وَمُعَجِزِينَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، أَيْ: لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْفُسَهُمْ مُعْجِزِينَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ، وَعَزَا هَذَا الْقَوْلَ لِلزَّجَّاجِ، وَالْمَفْعُولُ الْمَحْذُوفُ قَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَمَفْعُولَا الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ يَجُوزُ حَذْفُهُمَا أَوْ حَذْفُ أَحَدِهِمَا إِنْ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ; كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي «الْخُلَاصَةِ» ، بِقَوْلِهِ:
وَلَا تُجِزْ هُنَا بِلَا دَلِيلِ
سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
وَمِثَالُ حَذْفِ الْمَفْعُولَيْنِ مَعًا مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِمَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [٢٨ \ ٦٢] أَيْ: تَزْعُمُونَهُمْ شُرَكَائِي، وَقَوْلُ الْكُمَيْتِ:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ
تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ
стр. 2581
أَيْ: وَتَحْسَبُ حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ، وَمِثَالُ حَذْفِ أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ
مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحِبِّ الْمُكْرِمِ
أَيْ: لَا تَظُنِّي غَيْرَهُ وَاقِعًا.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ فَاعِلَ يَحْسَبَنَّ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أَيْ: لَا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، وَعَلَى هَذَا فَـ: الَّذِينَ كَفَرُوا مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَمُعَجِزِينَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَعَزَا هَذَا الْقَوْلَ لِلْفَرَّاءِ، وَأَبِي عَلِيٍّ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَحْسَبَنَّ الْكَافِرُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَعَزَا هَذَا الْقَوْلَ لِعَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، إِلَّا أَنَّ الْفَاعِلَ فِي الْأَوَّلِ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي الثَّانِي الْكَافِرُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ لَا يَحْسَبَنَّ بِالْيَاءِ، وَفِيهِ أَوْجُهٌ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ هُمَا الْمَفْعُولَانِ.
وَالْمَعْنَى: لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَحَدًا يُعْجِزُ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى يَطْمَعُوا هُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ: لَا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ثُمَّ حُذِفَ الضَّمِيرُ الَّذِي هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَكَأَنَّ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أَنَّ الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَيْنِ لَمَّا كَانَتْ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، اقْتُنِعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذِكْرِ الثَّالِثِ، اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: لَا يَحْسَبَنَّ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ خَطَأٌ أَوْ لَحْنٌ، كَلَامٌ سَاقِطٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ; لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ ثَابِتَةٌ ثُبُوتًا لَا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهِ، وَقَرَأَ بِهَا مِنَ السَّبْعَةِ: ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ ; كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَظْهَرُ الْأَجْوِبَةِ عِنْدِي: أَنَّ مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ هُمَا الْمَفْعُولَانِ، فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مُعَجِزِينَ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ أَيْ: لَا تَحْسَبَنَّ مُعْجِزِينَ اللَّهَ مَوْجُودِينَ أَوْ كَائِنِينَ فِي الْأَرْضِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقْوَالٌ، رَاجِعَةٌ إِلَى قَوْلَيْنِ:
стр. 2582
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي هُوَ: دُعَاءَ مُضَافٌ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ وَعَلَى هَذَا فَالرَّسُولُ مَدْعُوٌّ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَصْدَرَ الْمَذْكُورَ مُضَافٌ إِلَى فَاعِلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ ﷺ وَعَلَى هَذَا: فَالرَّسُولُ دَاعٍ.
وَإِيضَاحُ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَصْدَرَ مُضَافٌ إِلَى مَفْعُولِهِ، أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَكُمْ إِلَى الرَّسُولِ إِذَا دَعَوْتُمُوهُ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، فَلَا تَقُولُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ مُصَرِّحِينَ بِاسْمِهِ، وَلَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَهُ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ، بَلْ قُولُوا لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ احْتِرَامًا لَهُ ﷺ .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى; كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى الْآيَةَ [٤٩ \ ٢ - ٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [٤٩ \ ٤ - ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا الْآيَةَ [٢ \ ١٠٤] ، وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ ; كَمَا ذَكَرَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمُقَاتِلٍ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الظَّاهِرُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْمَصْدَرَ مُضَافٌ إِلَى فَاعِلِهِ، فَفِي الْمَعْنَى وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْكَشَّافِ» قَالَ: إِذَا احْتَاجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اجْتِمَاعِكُمْ عِنْدَهُ لِأَمْرٍ فَدَعَاكُمْ فَلَا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَقِيسُوا دُعَاءَهُ إِيَّاكُمْ عَلَى دُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، وَرُجُوعِكُمْ عَنِ الْمَجْمَعِ بِغَيْرِ إِذْنِ الدَّاعِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا أَيْ: لَا تَعْتَقِدُوا أَنَّ دُعَاءَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَدُعَاءِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ مُسْتَجَابٌ، فَاحْذَرُوا أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ، فَتَهْلِكُوا.
стр. 2583
حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -:
هَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ يَأْبَاهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَوْ أَرَادَ دُعَاءَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لَقَالَ: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَدُعَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَدُعَاءُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مُتَغَايِرَانِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَجْعَلُوا مِنْ جَعَلَ الَّتِي بِمَعْنَى اعْتَقَدَ، كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ آنِفًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: عَنْ أَمْرِهِ رَاجِعٌ إِلَى الرَّسُولِ، أَوْ إِلَى اللَّهِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: خَالَفَ أَمْرَهُ وَخَالَفَ عَنْ أَمْرِهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُخَالِفُونَ: مُضَمَّنٌ مَعْنَى يَصُدُّونَ، أَيْ: يَصُدُّونَ عَنْ أَمْرِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ; لِأَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - تَوَعَّدَ الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ بِالْفِتْنَةِ أَوِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهُ صَارِفٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ لَا يَسْتَوْجِبُ تَرْكُهُ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ وَالتَّحْذِيرَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنَ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْوُجُوبِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ [٧٧ \ ٤٨] فَإِنَّ قَوْلَهُ: ارْكَعُوا أَمْرٌ مُطْلَقٌ، وَذَمُّهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ لَمْ يَمْتَثِلُوهُ بِقَوْلِهِ: لَا يَرْكَعُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ امْتِثَالَهُ وَاجِبٌ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [٧ \ ١٢] ، فَإِنْكَارُهُ تَعَالَى عَلَى إِبْلِيسَ مُوَبِّخًا لَهُ بِقَوْلِهِ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَارِكٌ وَاجِبًا. وَأَنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ وَاجِبٌ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ مُطْلَقٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: اسْجُدُوا لِآدَمَ [٢ \ ٣٤] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [٢٠ \ ٩٣] ، فَسَمَّى مُخَالَفَةَ الْأَمْرِ مَعْصِيَةً، وَأَمْرُهُ الْمَذْكُورُ مُطْلَقٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [٧ \ ١٤٢] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2584
لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [٦٦ \ ٦] ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالِفَهُ عَاصٍ، وَلَا يَكُونُ عَاصِيًا إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوِ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ ; وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٣٣ \ ٣٦] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ، وَأَمْرَ رَسُولِهِ مَانِعٌ مِنَ الِاخْتِيَارِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثَالِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اقْتِضَائِهِ الْوُجُوبَ، كَمَا تَرَى، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [٣٣ \ ٣٦] .
وَاعْلَمْ أَنَّ اللُّغَةَ تَدُلُّ عَلَى اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْوُجُوبِ، بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اسْقِنِي مَاءً مَثَلًا، وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْعَبْدُ أَمْرَ سَيِّدِهِ فَعَاقَبَهُ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ عِقَابُكَ لِي ظُلْمٌ ; لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِكَ: اسْقِنِي مَاءً لَمْ تُوجِبْ عَلَيَّ الِامْتِثَالَ، فَقَدْ عَاقَبْتَنِي عَلَى تَرْكِ مَا لَا يَلْزَمُنِي، بَلْ يُفْهَمُ مِنْ نَفْسِ الصِّيغَةِ أَنَّ الِامْتِثَالَ يَلْزَمُهُ، وَأَنَّ الْعِقَابَ عَلَى عَدَمِ الِامْتِثَالِ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ، وَالْفِتْنَةُ فِي قَوْلِهِ: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ قِيلَ: هِيَ الْقَتْلُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: الزَّلَازِلُ وَالْأَهْوَالُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ، وَقِيلَ: السُّلْطَانُ الْجَائِرُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الطَّبْعُ عَلَى الْقُلُوبِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِتْنَةٌ مِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: قَدْ دَلَّ اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنَّ الْفِتْنَةَ فِيهِ أُطْلِقَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [٥١ \ ١٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْآيَةَ [٨٥ \ ١٠] ، أَيْ: أَحْرَقُوهُمْ بِنَارِ الْأُخْدُودِ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ.
الثَّانِي وَهُوَ أَشْهَرُهَا: إِطْلَاقُ الْفِتْنَةِ عَلَى الِاخْتِبَارِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً الْآيَةَ [٢١ \ ٣٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [٧٢ \ ١٦ - ١٧] .
وَالثَّالِثُ: إِطْلَاقُ الْفِتْنَةِ عَلَى نَتِيجَةِ الِاخْتِيَارِ إِنْ كَانَتْ سَيِّئَةً ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [٢ \ ١٩٣] ، وَفِي «الْأَنْفَالِ» :
стр. 2585
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [٨ \ ٣٩] ، فَقَوْلُهُ: حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ أَيْ: حَتَّى لَا يَبْقَى شِرْكٌ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ; لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ حَتَّى لَا يَبْقَى شِرْكٌ، كَمَا تَرَى. وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، كَمَا لَا يَخْفَى.
وَالرَّابِعُ: إِطْلَاقُ الْفِتْنَةِ عَلَى الْحُجَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [٦ \ ٢٣] ، أَيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهُمْ، كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّ الْفِتْنَةَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ.
وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَفْتِنَهُمُ اللَّهُ، أَيْ: يَزِيدَهُمْ ضَلَالًا بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ رَسُولِهِ ﷺ .
وَهَذَا الْمَعْنَى تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ; كَقَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا -: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [٨٣ \ ١٤] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [٦١ \ ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا الْآيَةَ [٢ \ ١٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ الْآيَةَ [٩ \ ١٢٥] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بَيَّنَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ خَلْقُهُ، أَيْ: مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ، جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [١٠ \ ٦١] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [١١ \ ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [١٣ \ ٣٣] أَيْ: هُوَ شَهِيدٌ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا هُمْ فَاعِلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَقَوْلِهِ
стр. 2586
تَعَالَى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٢٦ \ ٢١٧ - ٢٢٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [١٣ \ ١٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [٦٧ \ ١٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [٦ \ ٥٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [١١ \ ٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [٦٧ \ ١٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا أَحْسَنُ وَعْدٍ لِلْمُطِيعِينَ، وَأَشَدُّ وَعِيدٍ لِلْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ، وَلَفْظَةُ قَدْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لِلتَّحْقِيقِ، وَإِتْيَانُ قَدْ لِلتَّحْقِيقِ مَعَ الْمُضَارِعِ كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا [٢٤ \ ٦٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ الْآيَةَ [٣٣ \ ١٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الْآيَةَ [٦ \ ٣٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الْآيَةَ [٢ \ ١٤٤] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ، بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هُوَ مَا مِنْ قَوْلِهِ: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَيْ: وَيَعْلَمُ يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنَبِّئُ الْخَلَائِقَ بِكُلِّ مَا عَمِلُوا، أَيْ: يُخْبِرُهُمْ بِهِ ثُمَّ يُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ.
وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِهِ - جَلَّ وَعَلَا - يُخْبِرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا عَمِلُوا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [٧٥ \ ١٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [١٨ \ ٤٩] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 2587
سُورَةُ الْفُرْقَانِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى عَبْدِهِ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ; لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا أَيْ: مُنْذِرًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ الْإِنْذَارَ هُوَ الْإِعْلَامُ الْمُقْتَرَنُ بِتَهْدِيدٍ وَتَخْوِيفٍ، وَأَنَّ كُلَّ إِنْذَارِ إِعْلَامٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إِعْلَامٍ إِنْذَارًا، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» .
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ ﷺ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لِدُخُولِ الْجَمِيعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [٧ \ ١ ٥٨] أَيْ: أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ كَافَّةً، أَيْ: جَمِيعًا. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [٦ \ ١٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [٥٥ \ ٣٣ - ٤٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [٤٦ \ ٢٩ - ٣٢] . وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَارَكَ أَقْوَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَبَارَكَ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ
стр. 2588
الْفَرَّاءُ: هُوَ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى: تَقَدَّسَ وَهُمَا لِلْعَظَمَةِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: تَبَارَكَ: تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ. قَالَ: وَمَعْنَى الْبَرَكَةِ: الْكَثْرَةُ مِنْ كُلِّ ذِي خَيْرٍ، وَقِيلَ: تَبَارَكَ: تَعَالَى، وَقِيلَ: تَعَالَى عَطَاؤُهُ، أَيْ: زَادَ وَكَثُرَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى دَامَ وَثَبَتَ إِنْعَامُهُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَوْلَاهَا فِي اللُّغَةِ وَالِاشْتِقَاقِ مِنْ بَرَكَ الشَّيْءُ إِذَا ثَبَتَ، وَمِنْهُ بَرَكَ الْجَمَلُ وَالطَّيْرُ عَلَى الْمَاءِ، أَيْ: دَامَ وَثَبَتَ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ الْمُحِيطِ» : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبَارَكَ: لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزُولُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: تَمَجَّدَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ. وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ: تَبَارَكْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رَابِيَةً، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ، أَيْ: تَعَالَيْتُ وَارْتَفَعْتُ. فَفِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ تَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ: هُوَ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَهُوَ التَّزَايُدُ فِي الْخَيْرِ مِنْ قِبَلِهِ. فَالْمَعْنَى زَادَ خَيْرُهُ وَعَطَاؤُهُ وَكَثُرَ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَيَّانَ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: الْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى تَبَارَكَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَنَّهُ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى تَبَارَكَ: تَكَاثَرَتِ الْبَرَكَاتُ وَالْخَيْرَاتُ مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَظَمَتَهُ وَتَقَدُّسَهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ ; لِأَنَّ مَنْ تَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ الْبَرَكَاتُ وَالْخَيْرَاتُ وَيَدِرُّ الْأَرْزَاقَ عَلَى النَّاسِ هُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْعَظَمَةِ، وَاسْتِحْقَاقِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَالَّذِي لَا تَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ بَرَكَةٌ وَلَا خَيْرٌ، وَلَا رِزْقٌ كَالْأَصْنَامِ، وَسَائِرِ الْمَعْبُودَاتِ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَصِحُّ أَنَّ يُعْبَدَ، وَعِبَادَتُهُ كُفْرٌ مُخَلِّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [٢٩ \ ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [١٦ \ ٧٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [٦ \ ١٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [٥١ \ ٥٧ - ٥٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [٤٠ \ ١٣ - ١٤] .
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: تَبَارَكَ فِعْلٌ جَامِدٌ لَا يَتَصَرَّفُ، فَلَا يَأْتِي مِنْهُ مُضَارِعٌ، وَلَا مَصْدَرٌ،
стр. 2589
وَلَا اسْمُ فَاعِلٍ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ تَبَارَكَ خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَإِسْنَادُهُ تَبَارَكَ إِلَى قَوْلِهِ: الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِنْزَالَهُ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ وَالنِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى خَلْقِهِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الْكَهْفِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [١٨ \ ١] وَذَكَرْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِطْلَاقُ الْعَرَبِ تَبَارَكَ مُسْنَدًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:
تَبَارَكْتَ لَا مُعْطٍ لِشَيْءٍ مَنَعْتَهُ ... وَلَيْسَ لِمَا أَعْطَيْتَ يَا رَبِّ مَانِعُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
فَلَيْسَتْ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعَ ... لَنَا أَبَدًا مَا أَوْرَقَ السُّلَّمُ النَّضِرُ.
وَلَا عَائِدٌ ذَاكَ الزَّمَانُ الَّذِي مَضَى ... تَبَارَكْتَ مَا تُقَدِّرْ يَقَعْ وَلَكَ الشُّكْرُ
وَقَدْ قَدَّمْنَا الشَّاهِدَ الْأَخِيرَ فِي سُورَةِ «الْأَنْبِيَاءِ» ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [٢١ \ ٨٧] . وَقَوْلُهُ: الْفُرْقَانَ، يَعْنِي هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَهُوَ مَصْدَرٌ زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ كَالْكُفْرَانِ وَالطُّغْيَانِ وَالرُّجْحَانِ، وَهَذَا الْمَصْدَرُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ ; لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ فُرْقَانًا أَنَّهُ فَارِقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الرُّشْدِ وَالْغَيِّ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ الْفُرْقَانَ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ ; لِأَنَّهُ نُزِّلَ مُفَرَّقًا، وَلَمْ يُنَزَّلْ جُمْلَةً.
وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [١٧ \ ١٠٦] وَقَوْلِهِ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [٢٥ \ ٣٢] وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: نَزَّلَ بِالتَّضْعِيفِ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ نُزُولِهِ أَنْجُمًا مُنَجَّمًا. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «آلِ عِمْرَانَ» : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [٣ \ ٣] قَالُوا: عَبَّرَ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ بِـ: نَزَّلَ بِالتَّضْعِيفِ لِكَثْرَةِ نُزُولِهِ. وَأَمَّا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَقَدْ عَبَّرَ فِي نُزُولِهِمَا بِـ: أَنْزَلَ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَى تَكْثِيرٍ ; لِأَنَّهُمَا نَزَلَا جُمْلَةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَبَعْضُ الْآيَاتِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا كَثْرَةُ نُزُولِ الْقُرْآنِ ;
стр. 2590
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ الْآيَةَ [١٨ \ ١] وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: عَلَى عَبْدِهِ قَالَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ذِكْرُهُ صِفَةَ الْعُبُودِيَّةِ مَعَ تَنْزِيلِ الْفُرْقَانِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ هِيَ أَشْرَفُ الصِّفَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» .
قَوْلُهُ تَعَالَى الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا قَوْلُهُ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَدَلٌ مِنَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ. وَقَدْ أَثْنَى جَلَّ وَعَلَا عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ، هِيَ أَدِلَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ وَحْدَهُ لِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا، وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي آيَاتٍ أُخَرَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا: وَهُوَ أَنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [٥ \ ٤٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «النُّورِ» : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [٢ ٤ \ ٤٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ الْآيَةَ [٣٥ \ ١٣] وَجَمِيعُ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا جَلَّ وَعَلَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ، فَالْمُلْكُ فِيهَا شَامِلٌ لِمُلْكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ الْآيَةَ [٣ \ ٢٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ الْآيَةَ [٦٧ \ ١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [٤٠ \ ١٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ الْآيَةَ [٦ \ ٧٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَالِكِ
стр. 2591
يَوْمِ الدِّينِ [١ \ ٤] وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ لَهُ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ كَثِيرَةٌ جَدًّا مَعْلُومَةٌ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [١١٢ \ ٣ - ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا الْآيَةَ [٧٢ \ ٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ الْآيَةَ [٦ \ ١٠١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [١٩ \ ٨٨ - ٩٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [١٨ \ ٤ - ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [١٧ \ ٤٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِلَى قَوْلِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [٢٣ \ ٩١] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ الْآيَةَ [١٣ \ ١١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «سَبَأٍ» : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [٣٤ \ ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [٤٠ \ ١٦] ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْمُلْكِ، وَالْقَهْرِ، وَاسْتِحْقَاقِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى
стр. 2592
كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [٦ \ ١٠١ - ١٠٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [٤٠ \ ٦٢ - ٦٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا، فَقَدْ جَاءَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [٨٧ \ ٢ - ٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [١٣ \ ٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [٥٤ \ ٤٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الْأَشْيَاءِ هُوَ حَدُّهَا بِالْأَمْكِنَةِ، وَالْأَزْمَانِ، وَالْمَقَادِيرِ، وَالْمَصْلَحَةِ، وَالْإِتْقَانِ، انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ أَبِي حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ» .
تَنْبِيهٌ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْخَلْقُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، مَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ. وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [٢٣ \ ١٤] قَالَ: أَيْ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرِينَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، أَيْ: قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَهَذَا تَكْرَارٌ كَمَا تَرَى، وَقَدْ أَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَذَكَرَ أَبُو حَيَّانَ جَوَابَهُ فِي «الْبَحْرِ» ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
وَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ هُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْتَ فِي الْخَلْقِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [٢٥ \ ٢] كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ.
قُلْتُ: الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إِحْدَاثًا مُرَاعِيًا فِيهِ التَّقْدِيرَ وَالتَّسْوِيَةَ فَقَدَّرَهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ.
مِثَالُهُ: أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ الْمُقَدَّرِ الْمُسَوَّى، الَّذِي تَرَاهُ فَقَدَّرَهُ لِلتَّكَالِيفِ وَالْمَصَالِحِ الْمَنُوطَةِ بِهِ فِي بَابَيِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ كَلُّ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ جَاءَ بِهِ عَلَى الْحِيلَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِأَمْثِلَةِ الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَقَدَّرَهُ لِأَمْرٍ مَا وَمَصْلَحَةٍ مُطَابِقًا لِمَا قَدَّرَ لَهُ غَيْرَ
стр. 2593
مُتَجَافٍ عَنْهُ، أَوْ سَمَّى إِحْدَاثَ اللَّهِ خَلْقًا ; لِأَنَّهُ لَا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ، فَإِذَا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: أَحْدَثَ وَأَوْجَدَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِ الِاشْتِقَاقِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَأَوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ فِي إِيجَادِهِ لَمْ يُوجِدْهُ مُتَفَاوِتًا. وَقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غَايَةً وَمُنْتَهًى، وَمَعْنَاهُ: فَقَدَّرَهُ لِلْبَقَاءِ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ، انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَبَعْضُهُ لَهُ اتِّجَاهٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ، مُتَّصِفَةٌ بِسِتَّةِ أَشْيَاءَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ، أَنَّ عِبَادَتَهَا مَعَ اللَّهِ، لَا وَجْهَ لَهَا بِحَالٍ، بَلْ هِيَ ظُلْمٌ مُتَنَاهٍ، وَجَهْلٌ عَظِيمٌ، وَشِرْكٌ يَخْلُدُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ جَلَّ وَعَلَا بِالْأُمُورِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا الَّتِي هِيَ بَرَاهِينُ قَاطِعَةٌ، عَلَى أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهَا هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، وَالْأُمُورُ السِّتَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْمَعْبُودَاتِ مِنْ دُونِ اللَّهِ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنَّهَا لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، أَيْ: لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ.
وَالثَّانِي مِنْهَا: أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُلَّهَا، أَيْ: خَلَقَهَا خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ لِأَنْفُسِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا، أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ السِّتَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، جَاءَتْ مُبَيَّنَةً فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا: وَهُوَ كَوْنُ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الْآيَةَ [٢٢ \ ٧ ٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [١٦ \ ٢٠ - ٢١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «فَاطِرٍ» : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [٣٥ \ ٤٠]
стр. 2594
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «لُقْمَانَ» : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [٣١ \ ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «الْأَحْقَافِ» : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٤٦ \ ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [١٨ \ ٥١] وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَخْلُقُ، وَمَنْ لَا يَخْلُقُ ; لِأَنَّ مَنْ يَخْلُقُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَمَنْ لَا يَخْلُقُ لَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ٢١] أَيْ: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخْلُقْكُمْ، فَلَيْسَ بِرَبٍّ، وَلَا بِمَعْبُودٍ لَكُمْ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [١٦ \ ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [١٣ \ ١٦] أَيْ: وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [٧ \ ١٩١] .
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي مِنْهَا: وَهُوَ كَوْنُ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِهِ مَخْلُوقَةً، فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَآيَةِ «النَّحْلِ» ، وَ «الْأَعْرَافِ» ، الْمَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا.
أَمَّا آيَةُ «النَّحْلِ» ، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [١٦ \ ٢٠] فَقَوْلُهُ: وَهُمْ يُخْلَقُونَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا آيَةُ «الْأَعْرَافِ» ، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [٧ \ ١٩١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ مِنْهَا: وَهُوَ كَوْنُهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا [١٣ \ ١٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [٧ \ ١٩١ - ١٩٢] وَمَنْ لَا يَنْصُرُ نَفْسَهُ فَهُوَ لَا يَمْلِكُ لَهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [٧ \ ١٩٧]
стр. 2595
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا الْآيَةَ [٧ \ ١٩٥ - ١٩٧] .
وَفِيهَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ الْآيَةَ [٢٢ \ ٧٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ: أَعْنِي كَوْنَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا. فَقَدْ جَاءَتْ أَيْضًا مُبَيَّنَةً فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [٣٠ \ ٤٠] .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ شُرَكَاءَهُمْ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، وَمِنْهُ الْحَيَاةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِـ: خَلَقَكُمْ، وَالْمَوْتُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، وَالنُّشُورُ الْمُعَبَّرُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ نُشُورًا بِقَوْلِهِ: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [٢١ \ ٢١] . وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الْآيَةَ [١٠ \ ٣٤] . وَبَيَّنَ أَنَّهُ وَحْدَهُ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [٣ \ ١٤٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا الْآيَةَ [٦٣ \ ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ الْآيَةَ [٣١ \ ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ٢٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ الْآيَةَ [٤٠ \ ١١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ دَفَعَ ضَرَرٍ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ ; كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ
следующие страницы →