Полный текст (4 343 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
يَوْمِ الدِّينِ [١ \ ٤] وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ لَهُ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ كَثِيرَةٌ جَدًّا مَعْلُومَةٌ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [١١٢ \ ٣ - ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا الْآيَةَ [٧٢ \ ٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ الْآيَةَ [٦ \ ١٠١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [١٩ \ ٨٨ - ٩٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [١٨ \ ٤ - ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [١٧ \ ٤٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِلَى قَوْلِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [٢٣ \ ٩١] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ الْآيَةَ [١٣ \ ١١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «سَبَأٍ» : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [٣٤ \ ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [٤٠ \ ١٦] ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْمُلْكِ، وَالْقَهْرِ، وَاسْتِحْقَاقِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى
стр. 2592
كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [٦ \ ١٠١ - ١٠٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [٤٠ \ ٦٢ - ٦٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا، فَقَدْ جَاءَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [٨٧ \ ٢ - ٣] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [١٣ \ ٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [٥٤ \ ٤٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُ الْأَشْيَاءِ هُوَ حَدُّهَا بِالْأَمْكِنَةِ، وَالْأَزْمَانِ، وَالْمَقَادِيرِ، وَالْمَصْلَحَةِ، وَالْإِتْقَانِ، انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ أَبِي حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ» .
تَنْبِيهٌ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْخَلْقُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، مَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ. وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [٢٣ \ ١٤] قَالَ: أَيْ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرِينَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، أَيْ: قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَهَذَا تَكْرَارٌ كَمَا تَرَى، وَقَدْ أَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَذَكَرَ أَبُو حَيَّانَ جَوَابَهُ فِي «الْبَحْرِ» ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
وَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ هُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْتَ فِي الْخَلْقِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [٢٥ \ ٢] كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ.
قُلْتُ: الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحْدَثَ كُلَّ شَيْءٍ إِحْدَاثًا مُرَاعِيًا فِيهِ التَّقْدِيرَ وَالتَّسْوِيَةَ فَقَدَّرَهُ وَهَيَّأَهُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ.
مِثَالُهُ: أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ الْمُقَدَّرِ الْمُسَوَّى، الَّذِي تَرَاهُ فَقَدَّرَهُ لِلتَّكَالِيفِ وَالْمَصَالِحِ الْمَنُوطَةِ بِهِ فِي بَابَيِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ كَلُّ حَيَوَانٍ وَجَمَادٍ جَاءَ بِهِ عَلَى الْحِيلَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِأَمْثِلَةِ الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، فَقَدَّرَهُ لِأَمْرٍ مَا وَمَصْلَحَةٍ مُطَابِقًا لِمَا قَدَّرَ لَهُ غَيْرَ
стр. 2593
مُتَجَافٍ عَنْهُ، أَوْ سَمَّى إِحْدَاثَ اللَّهِ خَلْقًا ; لِأَنَّهُ لَا يُحْدِثُ شَيْئًا لِحِكْمَتِهِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ، فَإِذَا قِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ كَذَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: أَحْدَثَ وَأَوْجَدَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِ الِاشْتِقَاقِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَأَوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ فِي إِيجَادِهِ لَمْ يُوجِدْهُ مُتَفَاوِتًا. وَقِيلَ: فَجَعَلَ لَهُ غَايَةً وَمُنْتَهًى، وَمَعْنَاهُ: فَقَدَّرَهُ لِلْبَقَاءِ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ، انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَبَعْضُهُ لَهُ اتِّجَاهٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي يَعْبُدُهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ، مُتَّصِفَةٌ بِسِتَّةِ أَشْيَاءَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ، أَنَّ عِبَادَتَهَا مَعَ اللَّهِ، لَا وَجْهَ لَهَا بِحَالٍ، بَلْ هِيَ ظُلْمٌ مُتَنَاهٍ، وَجَهْلٌ عَظِيمٌ، وَشِرْكٌ يَخْلُدُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ جَلَّ وَعَلَا بِالْأُمُورِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا الَّتِي هِيَ بَرَاهِينُ قَاطِعَةٌ، عَلَى أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهَا هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، وَالْأُمُورُ السِّتَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْمَعْبُودَاتِ مِنْ دُونِ اللَّهِ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: أَنَّهَا لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، أَيْ: لَا تَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ.
وَالثَّانِي مِنْهَا: أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُلَّهَا، أَيْ: خَلَقَهَا خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ لِأَنْفُسِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا، أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ السِّتَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، جَاءَتْ مُبَيَّنَةً فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا: وَهُوَ كَوْنُ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الْآيَةَ [٢٢ \ ٧ ٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [١٦ \ ٢٠ - ٢١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «فَاطِرٍ» : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [٣٥ \ ٤٠]
стр. 2594
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «لُقْمَانَ» : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [٣١ \ ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «الْأَحْقَافِ» : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٤٦ \ ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [١٨ \ ٥١] وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَخْلُقُ، وَمَنْ لَا يَخْلُقُ ; لِأَنَّ مَنْ يَخْلُقُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَمَنْ لَا يَخْلُقُ لَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ٢١] أَيْ: وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخْلُقْكُمْ، فَلَيْسَ بِرَبٍّ، وَلَا بِمَعْبُودٍ لَكُمْ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [١٦ \ ١٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [١٣ \ ١٦] أَيْ: وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [٧ \ ١٩١] .
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي مِنْهَا: وَهُوَ كَوْنُ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِهِ مَخْلُوقَةً، فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَآيَةِ «النَّحْلِ» ، وَ «الْأَعْرَافِ» ، الْمَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا.
أَمَّا آيَةُ «النَّحْلِ» ، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [١٦ \ ٢٠] فَقَوْلُهُ: وَهُمْ يُخْلَقُونَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا آيَةُ «الْأَعْرَافِ» ، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [٧ \ ١٩١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ مِنْهَا: وَهُوَ كَوْنُهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا [١٣ \ ١٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [٧ \ ١٩١ - ١٩٢] وَمَنْ لَا يَنْصُرُ نَفْسَهُ فَهُوَ لَا يَمْلِكُ لَهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [٧ \ ١٩٧]
стр. 2595
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا الْآيَةَ [٧ \ ١٩٥ - ١٩٧] .
وَفِيهَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ الْآيَةَ [٢٢ \ ٧٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ: أَعْنِي كَوْنَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا. فَقَدْ جَاءَتْ أَيْضًا مُبَيَّنَةً فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [٣٠ \ ٤٠] .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ شُرَكَاءَهُمْ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، وَمِنْهُ الْحَيَاةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِـ: خَلَقَكُمْ، وَالْمَوْتُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، وَالنُّشُورُ الْمُعَبَّرُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ نُشُورًا بِقَوْلِهِ: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [٢١ \ ٢١] . وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الْآيَةَ [١٠ \ ٣٤] . وَبَيَّنَ أَنَّهُ وَحْدَهُ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [٣ \ ١٤٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا الْآيَةَ [٦٣ \ ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ الْآيَةَ [٣١ \ ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ الْآيَةَ [٢ \ ٢٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ الْآيَةَ [٤٠ \ ١١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ دَفَعَ ضَرَرٍ وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ ; كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ
стр. 2596
وَغَيْرُهُ. وَغَايَةُ مَا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ حَذْفُ مُضَافٍ دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْخُلَاصَةِ» بِقَوْلِهِ:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ فِي الْإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وَقِيلَ الْمَعْنَى: لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَضُرُّوا أَنْفُسَهُمْ، أَوْ يَنْفَعُوهَا بِشَيْءٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، أَيْ: وَإِذَا عَجَزُوا عَنْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَجَلْبِ نَفْعٍ لَهَا فَهُمْ عَنِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ وَالنُّشُورِ أَعْجَزُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَا نُشُورًا، اعْلَمْ أَنَّ النُّشُورَ يُطْلَقُ فِي الْعَرَبِيَّةِ إِطْلَاقَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ نَشَرَ الثُّلَاثِيِّ الْمُتَعَدِّي، تَقُولُ: نَشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ يَنْشُرُهُ نَشْرًا وَنُشُورًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرَ نَشَرَ الْمَيِّتُ يَنْشُرُ نُشُورًا لَازِمًا، وَالْمَيِّتُ فَاعِلُ نَشَرَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَادَّةِ ثَلَاثَ لُغَاتٍ، الْأُولَى: أَنْشَرَهُ رُبَاعِيًّا بِالْهَمْزَةِ يَنْشُرُهُ بِضَمِّ الْيَاءِ إِنْشَارًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ [٨٠ \ ٢٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا [٢ \ ٢٥٩] بِضَمِّ النُّونِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمِلَةِ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ مُضَارِعُ أَنْشَرَهُ. وَالثَّانِيَةُ: نَشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ يَنْشُرُهُ بِصِيغَةِ الثُّلَاثِيِّ الْمُتَعَدِّي، وَالْمَصْدَرُ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ النَّشْرُ وَالنُّشُورُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، أَيْ لَا يَمْلِكُونَ أَنْ يَنْشُرُوا أَحَدًا، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ. وَالثَّالِثَةُ: نَشَرَ الْمَيِّتُ بِصِيغَةِ الثُّلَاثِيِّ اللَّازِمِ، وَمَعْنَى أَنْشَرَهُ وَنَشَرَهُ مُتَعَدِّيًا: أَحْيَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَمَعْنَى نَشَرَ الْمَيِّتُ لَازِمًا: حَيِيَ الْمَيِّتُ وَعَاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِطْلَاقُ النَّشْرِ وَالنُّشُورِ عَلَى الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِطْلَاقُ النُّشُورِ عَلَى الْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْ إِطْلَاقِهِمْ نَشَرَ الْمَيِّتُ لَازِمًا فَهُوَ نَاشِرٌ، أَيْ: عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، قَوْلُ الْأَعْشَى:
لَوْ أَسْنَدْتَ مَيِّتًا إِلَى نَحْرِهَا ... عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَى قَابِرِ
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا ... يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ
وَمِنْ إِطْلَاقِ النُّشُورِ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ، مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ الْمُتَعَدِّي، قَوْلُهُ هُنَا:
стр. 2597
وَلَا نُشُورًا، أَيْ: بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَمِنْ إِطْلَاقِهِمُ النُّشُورَ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ اللَّازِمِ، قَوْلُ الْآخَرِ:
إِذَا قَبَّلْتَهَا كَرَعَتْ بِفِيهَا ... كُرُوعَ الْعَسْجَدِيَّةِ فِي الْغَدِيرِ
فَيَأْخُذْنِي الْعَنَاقُ مُبَرِّدٌ فِيهَا ... بِمَوْتٍ فِي عِظَامِي أَوْ فُتُورِ
فَنَحْيَا تَارَةً وَنَمُوتُ أُخْرَى ... وَنَخْلِطُ مَا نَمُوتُ بِالنُّشُورِ
فَقَدْ جَعَلَ الْغَيْبُوبَةَ مِنْ شِدَّةِ اللَّذَّةِ مَوْتًا، وَالْإِفَاقَةَ مِنْهَا نُشُورًا، أَيْ: حَيَاةً بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، حُذِفَ فِيهِ أَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ، أَيِ: اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَصْنَامًا آلِهَةً ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً الْآيَةَ [٦ \ ٧ ٤] وَالْآلِهَةُ جَمْعُ إِلَهٍ، فَهُوَ فِعَالٌ مَجْمُوعٌ عَلَى أَفْعِلَةٍ، لِأَنَّ الْأَلِفَ الَّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ فِي «الْخُلَاصَةِ» :
وَمَدًّا أَبْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ ... كِلْمَةٍ إِنْ يَسْكُنْ كَآثَرَ وَأْتَمِنْ
وَالْإِلَهُ الْمَعْبُودُ فَهُوَ فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَإِتْيَانُ الْفِعَالِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ جَاءَتْ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْإِلَاهِ بِمَعْنَى الْمَأْلُوهِ، أَيِ: الْمَعْبُودِ، وَالْكِتَابِ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، وَاللِّبَاسِ بِمَعْنَى الْمَلْبُوسِ، وَالْإِمَامِ بِمَعْنَى الْمُؤْتَمِّ بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَعْبُودَ بِحَقٍّ وَاحِدٌ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ أَسْمَاءٌ سَمَّاهَا الْكَفَّارُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ: وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [١٠ \ ٦٦] إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ الْآيَةَ ٥٣ \ ٢٣] .
قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ، أَيْ: مَا هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ عَلَى الْإِفْكِ الَّذِي افْتَرَاهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، قِيلَ: الْيَهُودُ، وَقِيلَ: عَدَّاسٌ مَوْلَى حُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَيَسَارُ مَوْلَى الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَبُو فُكَيْهَةَ الرُّومِيُّ، قَالَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الْحُرِّ الْعَبْدَرِيُّ.
стр. 2598
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ كَذَّبُوهُ وَادَّعَوْا عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ، وَأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [٣٨ \ ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [١٦ \ ١٠١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ الْآيَةَ [٦ \ ٦٦] وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى افْتِرَاءِ الْقُرْآنِ قَوْمٌ آخَرُونَ جَاءَ أَيْضًا مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [١٦ \ ١٠٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [٧٤ \ ٢٤] أَيْ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [٧٤ \ ٢٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [٦ \ ١٠٥] كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي «الْأَنْعَامِ» ، وَقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِيمَا افْتَرَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْبُهْتَانِ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظُلْمُهُمْ أَنْ جَعَلُوا الْعَرَبِيَّ يَتَلَقَّنُ مِنَ الْأَعْجَمِيِّ الرُّومِيِّ كَلَامًا عَرَبِيًّا أَعْجَزَ بِفَصَاحَتِهِ جَمِيعَ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَالزُّورُ هُوَ أَنْ بَهَتُوهُ بِنِسْبَةِ مَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ إِلَيْهِ، انْتَهَى. وَتَكْذِيبُهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [١٦ \ ١٠٣] كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، وَقَوْلِهِ: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [٦ \ ٦٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ الْآيَةَ [٧٤ \ ٢٤ - ٢٧] لِأَنَّ قَوْلَهُ: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ بَعْدَ ذِكْرِ افْتِرَائِهِ عَلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ افْتِرَائِهِ وَأَنَّهُ سَيَصْلَى بِسَبَبِهِ عَذَابَ سَقَرَ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، وَمِنْ كُلِّ مَا قَرُبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ جَاءَ وَأَتَى بِمَعْنَى: فَعَلَ، فَقَوْلُهُ: فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا، أَيْ: فَعَلُوهُ، وَقِيلَ: بِتَقْدِيرِ الْبَاءِ، أَيْ: جَاءُوا بِظُلْمٍ، وَمِنْ إِتْيَانَ أَتَى بِمَعْنَى فَعَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا، أَيْ: بِمَا فَعَلُوهُ. وَقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:
стр. 2599
فَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْإِفْكَ هُوَ أَسْوَأُ الْكَذِبِ، لِأَنَّهُ قَلْبٌ لِلْكَلَامِ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَفَكَهُ بِمَعْنَى قَلَبَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ: وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَقَوْلُهُ: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [٥ ٣ \ ٥٣] وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا مُؤْتَفِكَاتٌ ; لِأَنَّ الْمَلِكَ أَفَكَهَا، أَيْ: قَلَبَهَا ; كَمَا أَوْضَحَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [١١ \ ٨٢] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي الْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَنَّ الْكُفَّارَ، قَالُوا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ: مِمَّا كَتَبَهُ وَسَطَرَهُ الْأَوَّلُونَ كَأَحَادِيثِ رُسْتُمَ وَأَسْفَنْدِيَارَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَهُ، وَأَخَذَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَسَاطِيرِ، وَأَنَّهُ اكْتَتَبَ تِلْكَ الْأَسَاطِيرَ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ كَتَبَهَا لِنَفْسِهِ وَأَخَذَهَا، كَمَا تَقُولُ: اسْتَكَبَ الْمَاءَ وَاصْطَبَّهُ إِذَا سَكَبَهُ وَصَبَّهُ لِنَفْسِهِ وَأَخَذَهُ، وَقَوْلُهُ: فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ، أَيْ: تُلْقَى إِلَيْهِ، وَتُقْرَأُ عَلَيْهِ عِنْدَ إِرَادَتِهِ كِتَابَتَهَا لِيَكْتُبَهَا، وَالْإِمْلَاءُ إِلْقَاءُ الْكَلَامِ عَلَى الْكَاتِبِ لِيَكْتُبَهُ، وَالْهَمْزَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ اللَّامِ تَخْفِيفًا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِمْلَاءِ الْإِمْلَالُ بِاللَّامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْآيَةَ [٢ \ ٢٨] .
وَقَوْلُهُ: بُكْرَةً وَأَصِيلًا، الْبُكَرَةُ: أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالْأَصِيلُ: آخِرُهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ، قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَكَتَبَهُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [١٨ \ ٣١] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَوْضَحْنَا تَعَنُّتَهُمْ وَكَذِبَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، وَدَلَالَةُ الْآيَاتِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
стр. 2600
وَمِنَ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِ: اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [٢٩ \ ٨٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ [٧ \ ١٥٧ - ١٥٨] وَالْأُمِّيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، وَمَا ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ، جَاءَ أَيْضًا مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ الْآيَةَ [١٦ \ ١٠٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ الْآيَةَ [٢ \ ٩٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [٢٦ \ ١٩٢ - ١٩٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [٢٠ \ ١١٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [٧٥ \ ١٦ - ١٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [٦٩ \ ٣٨ - ٤٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا [٢٠ \ ٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ هُنَا: الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَيْ: وَمَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [٢٠ \ ٧] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [٦٧ \ ١٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [٩ \ ٧٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [٤٣ \ ٨٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [٣٢ \ ٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ الْآيَةَ [٢ \ ٢٣٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
стр. 2601
[٢ ٧ \ ٧٥] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، قَالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: هُوَ دُعَاءٌ لَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَإِخْبَارٌ لَهُمْ بِأَنَّ رَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّ حِلْمَهُ عَظِيمٌ، وَأَنَّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَهَؤُلَاءِ مَعَ كَذِبِهِمْ، وَافْتِرَائِهِمْ، وَفُجُورِهِمْ، وَبُهْتَانِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، وَعِنَادِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ وَالْقُرْآنِ مَا قَالُوا يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْهُدَى ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [٥ \ ٧٣ - ٧٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [٨٥ \ ١٠] .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ، قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ.
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى مِثْلِهِ كَثِيرَةٌ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [٨ \ ٣٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا الْآيَةَ [٢٠ \ ٨٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا فِي نَبِيِّنَا ﷺ : مَا لِهَذَا الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولٌ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ فِي مُوسَى: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [٢٦ \ ٢٧] أَيْ: مَا لَهُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ كَمَا نَأْكُلُهُ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْأَكْلِ كَاحْتِيَاجِنَا إِلَيْهِ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ أَيْ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لِيُحَصِّلَ بِذَلِكَ قُوتَهُ، يَعْنُونَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَكَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ، وَلَا إِلَى الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَادِّعَاءُ الْكَفَّارِ أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُ النَّاسُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ، لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْهَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رسولًا، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ إِلَّا مَلَكًا لَا يَحْتَاجُ لِلطَّعَامِ وَلَا لِلْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَجَاءَ فِي آيَاتٍ أَيْضًا تَكْذِيبُ الْكُفَّارِ فِي دَعْوَاهُمْ هَذِهِ الْبَاطِلَةِ.
стр. 2602
فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قَوْلِهِمْ مِثْلَ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [٢٣ \ ٣٣ - ٣٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [١٧ \ ٩٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا الْآيَةَ [٢٣ \ ٤٧] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ الْآيَةَ [٥٤ \ ٢٤] وَقَوْلُهُ: فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ الْآيَةَ [٦٤ \ ٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [١٤ \ ١٠] . وَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهَا فِي دَعْوَاهُمْ هَذِهِ الْبَاطِلَةِ، وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ الرُّسُلَ يَأْكُلُونَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُولَدُ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْبَشَرِ، إِلَّا أَنَّهُ فَضَّلَهُمْ بِوَحْيِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ لِلْبَشَرِ مَلَكًا لَجَعَلَهُ رَجُلًا، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ، لَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا رَسُولًا، لِأَنَّ الْمُرْسَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ [٢٥ \ ٢٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [١٣ \ ٣٨] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [١٢ \ ١٠٩] أَيْ وَلَمْ نَجْعَلْهُمْ مَلَائِكَةً، لِأَنَّ كَوْنَهُمْ رِجَالًا وَكَوْنَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَلَائِكَةً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [٦ \ ٩] وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلْكُفَّارِ: إِنَّهُ بَشَرٌ، وَإِنَّهُ رَسُولٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ لَا تُنَافِي الرِّسَالَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [١٧ \ ٩٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [١٨ \ ١١٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ الْآيَةَ [٤١ \ ٦] . وَبَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّ الرُّسُلَ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْآيَةَ [١٤ \ ١١] وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [١٧ \ ٩٥] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ
стр. 2603
[٢٥ \ ٧] جَمْعُ سُوقٍ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَقَدْ تُذَكَّرُ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا.
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ لَوْلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَرْفُ تَحْضِيضٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَالتَّحْضِيضُ. هُوَ الطَّلَبُ بِحَثٍّ وَشِدَّةٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَبِهِمَا التَّحْضِيضُ مِزْ وَهَلَّا ... أَلَّا أَلَا وَأَوْلِيَنْهَا الْفِعْلَا
وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُضَارِعَ فِي قَوْلِهِ: فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُسْتَتِرَةٍ وُجُوبًا، لِأَنَّ الْفَاءَ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ الْمَحْضِ الَّذِي هُوَ التَّحْضِيضُ، كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَبَعْدَ فَا جَوَابُ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
وَنَظِيرُ هَذَا مِنَ النَّصْبِ بِأَنِ الْمُسْتَتِرَةِ بَعْدَ الْفَاءِ الَّتِي هِيَ جَوَابُ التَّحْضِيضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [٦٣ \ ١٠] لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي طَلَبٌ مِنْهُ لِلتَّأْخِيرِ بَحَثٍّ وَشِدَّةٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّحْضِيضِ الَّذِي هُوَ لَوْلَا، وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَوْلَا تَعُوجِينَ يَا سَلْمَى عَلَى دَنَفٍ ... فَتُخْمِدِي نَارَ وَجْدٍ كَادَ يُفْنِيهِ
فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَأَصَّدَّقَ بِالنَّصْبِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: فَتُخْمِدِي مَنْصُوبٌ أَيْضًا، بِحَذْفِ النُّونِ، لِأَنَّ الْفَاءَ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ الْمَحْضِ الَّذِي هُوَ التَّحْضِيضُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَزْمَ الْفِعْلِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَنْصُوبِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ إِنَّمَا سَاغَ فِيهِ الْجَزْمُ، لِأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لَوْ حُذِفَتْ مَعَ قَصْدِ جَوَابِ التَّحْضِيضِ لَجُزِمَ الْفِعْلُ، وَجَوَازُ الْجَزْمِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الْحَذْفِ الْمَذْكُورِ، هُوَ الَّذِي سَوَّغَ عَطْفَ الْمَجْزُومِ عَلَى الْمَنْصُوبِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتُمِدْ ... إِنْ تُسْقِطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ
وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَشَارَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّ لَوْلَا فِي الْآيَةِ لِلِاسْتِفْهَامِ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
стр. 2604
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اقْتَرَحُوا بِحَثٍّ وَشِدَّةٍ عَلَيْهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَيْ يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ، وَيُعِينُهُ عَلَى التَّبْلِيغِ.
الثَّانِي: أَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَيْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ الْمَالِ يُنْفِقُ مِنْهُ وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاقِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَالْجَنَّةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الْبُسْتَانُ وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
كَأَنَّ عَيْنِيَ فِي غَرْبِي مُقَتَّلَةٌ ... مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحْقًا
فَقَوْلُهُ: تَسْقِي جَنَّةً أَيْ بُسْتَانًا، وَقَوْلُهُ: سُحْقًا يَعْنِي أَنَّ نَخْلَهُ طِوَالٌ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي اقْتَرَحَهَا الْكُفَّارُ وَطَلَبُوهَا بِشِدَّةٍ وَحَثٍّ، تَعَنُّتًا مِنْهُمْ وَعِنَادًا، جَاءَتْ مُبَيَّنَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَبَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ هُودٍ اقْتِرَاحَهُمْ لِنُزُولِ الْكَنْزِ، وَمَجِيءِ الْمَلَكِ مَعَهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْعِنَادَ وَالتَّعَنُّتَ قَدْ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ ﷺ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ [١١ \ ١٢] وَبَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اقْتِرَاحَهُمُ الْجَنَّةَ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهَا بُسْتَانًا مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا [١٧ \ ٩٠ - ٩١] وَاقْتِرَاحُهُمْ هَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ فِي مُوسَى: فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [٤٣ \ ٥٣] تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ فَتَشَابَهَتْ أَقْوَالُهُمْ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَذِهِ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى كَثْرَةِ اقْتِرَاحِ الْكُفَّارِ وَشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ لَهُمْ كُلَّ مَا اقْتَرَحُوا لَمَا آمَنُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [٦ \ ٧] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [١٥ \ ١٤ - ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ
стр. 2605
الْآيَةَ [٦ \ ١١١] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ الْآيَةَ [١٠ \ ٩٦ - ٩٧] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْفُرْقَانِ هَذِهِ: يَأْكُلُ الطَّعَامَ كَمَا نَأْكُلُ، وَيَتَرَدَّدُ فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا نَتَرَدَّدُ. يَعْنُونَ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الْأَكْلِ وَالتَّعَيُّشِ، ثُمَّ نَزَلُوا عَنِ اقْتِرَاحِهِمْ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا إِلَى اقْتِرَاحِ أَنْ يَكُونَ إنسانًا مَعَهُ مَلَكٌ، حَتَّى يَتَسَاعَدَا فِي الْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ، ثُمَّ نَزَلُوا أَيْضًا فَقَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْفُودًا بِذَلِكَ، فَلْيُكَنْ مَرْفُودًا بِكَنْزٍ يُلْقَى إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ يَسْتَظْهِرُ بِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَعَاشِ، ثُمَّ نَزَلُوا فَاقْتَنَعُوا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتَانٌ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَيَرْتَزِقُ كَالدَّهَاقِينِ أَوْ يَأْكُلُونَ هُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ، فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي دُنْيَاهُمْ وَمَعَاشِهِمْ. انْتَهَى مِنْهُ، وَكُلُّ تِلْكَ الِاقْتِرَاحَاتِ لِشِدَّةِ تَعَنُّتِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ (يَأْكُلُ مِنْهَا) بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (جَنَّةٌ نَأْكُلُ مِنْهَا) بِالنُّونِ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ مُرَادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ: أَوْ يَأْكُلُونَ هُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الظَّالِمِينَ وَهُمُ الْكُفَّارُ قَالُوا لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ ﷺ : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا يَعْنُونَ أَنَّهُ أَثَّرَ فِيهِ السِّحْرُ فَاخْتَلَطَ عَقْلُهُ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَسْحُورًا: أَيْ مَخْدُوعًا كَقَوْلِهِ: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ: أَيْ مِنْ أَيْنَ تُخْدَعُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَسْحُورًا: أَيْ لَهُ سِحْرٌ، أَيْ رِئَةٌ فَهُوَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلَيْسَ بِمَلَكٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: مَسْحُورًا بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ فِي سُورَةِ طَهَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [٢٠ \ ٦٩] وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْكُفَّارُ فِي نَبِيِّهِ ﷺ ، مِنَ الْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ خَاطَبَ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلًا، وَمَا قَالَهُ الْكُفَّارُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا وَمَا قَالَهُ الْكُفَّارُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ الْآيَةَ. جَاءَ كُلُّهُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2606
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [١٧ \ ٤٧ - ٤٨] .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ: قَالُوا فِيكَ تِلْكَ الْأَقْوَالَ، وَاقْتَرَحُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالَ النَّادِرَةَ مِنْ نُبُوَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَمَلَكٍ، وَإِلْقَاءِ كَنْزٍ عَلَيْكَ مِنَ السَّمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَبَقَوْا مُتَحَيِّرِينَ ضُلَّالًا لَا يَجِدُونَ قولًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ، أَوْ فَضَلُّوا عَنِ الْحَقِّ، فَلَا يَجِدُونَ طَرِيقًا إِلَيْهِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْآيَةِ مَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَى: ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ: أَنَّهَا تَارَةً يَقُولُونَ إِنَّكَ سَاحِرٌ، وَتَارَةً مَسْحُورٌ، وَتَارَةً مَجْنُونٌ، وَتَارَةً شَاعِرٌ، وَتَارَةً كَاهِنٌ، وَتَارَةً كَذَّابٌ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِ هُنَا: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ الْآيَةَ [٢٥ \ ٥] وَقَوْلِهِ: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَقَوْلِهِ: وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَضَلُّوا أَيْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ الَّتِي قَالُوهَا، وَالْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبُوهَا كُلَّهَا كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ وَكُفْرٌ مُخَلِّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَالَّذِينَ قَالُوهَا هُمْ أَضَلُّ الضَّالِّينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَقَارِبَةٌ.
وَأَظْهَرُهَا أَنَّ مَعْنَى: فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا: أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَنَفْيُ الِاسْتِطَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [١١ \ ٢٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [١٨ \ ١٠١] وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ فِي سُورَةِ هُودٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [١١ \ ٢٠] وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا مَعْنَى الظُّلْمِ وَالضَّلَالِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْإِطْلَاقَاتِ فِي اللُّغَةِ مَعَ الشَّوَاهِدِ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ أَيْ أَنْكَرُوا الْقِيَامَةَ مِنْ أَصْلِهَا لِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَزَاءِ، وَأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا اعْتَدَّ أَيْ هَيَّأَ وَأَعَدَّ لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ: أَيْ أَنْكَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَعِيرًا: أَيْ نَارًا شَدِيدَةَ الْحَرِّ يُعَذِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
стр. 2607
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْذِيبَ بِالسَّاعَةِ كُفْرٌ مُسْتَوْجِبٌ لِنَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا سَتَرَى الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهُمَا تَكْذِيبُهُمْ بِالسَّاعَةِ، وَوَعِيدُ اللَّهِ لِمَنْ كَذَّبَ بِهَا بِالسَّعِيرِ جَاءَا مُوَضَّحَيْنِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ [٤٤ \ ٣٤ - ٣٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [٣٦ \ ٧٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا كُفْرُ مَنْ كَذَّبَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَوَعِيدِهِ بِالنَّارِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [٤٥ \ ٣٢] إِلَى قَوْلِهِ: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [٤٥ \ ٣٤] فَقَوْلُهُ: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ بَعْدَ قَوْلِهِ: قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ الْآيَةَ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ هُوَ سَبَبُ كَوْنِ النَّارِ مَأْوَاهُمْ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [٤٥ \ ٣٥] لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنِ اتِّخَاذِهِمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا تَكْذِيبَهُمْ بِالسَّاعَةِ، وَإِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [١٣ \ ١٥] فَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ الرَّعْدِ أَنَّ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ الَّذِي عَبَّرُوا عَنْهُ بِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ جَامِعٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ عَجَبٌ مِنَ الْعَجَبِ لِكَثْرَةِ الْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ الْوَاضِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ.
وَالثَّانِي مِنْهُمَا: وَهُوَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنَ الْآيَةِ، أَنَّ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ الْمَذْكُورَ كُفْرٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلنَّارِ وَأَغْلَالِهَا وَالْخُلُودِ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مُشِيرًا إِلَى الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [١٣ \ ٥] وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِنْكَارَ الْبَعْثِ إِنْكَارٌ لِلسَّاعَةِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2608
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [٢٠ \ ١٦] أَيْ لَا يَصُدَّنَكَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالسَّاعَةِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، فَتَرْدَى: أَيْ تَهْلِكُ لِعَدَمِ إِيمَانِكَ بِهَا، وَالرَّدَى الْهَلَاكُ، وَهُوَ هُنَا عَذَابُ النَّارِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِالسَّاعَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [٩٢ \ ١١] وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ «طَهَ» هَذِهِ: (فَتَرْدَى) ، يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَدَّهُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالسَّاعَةِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهَا، أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِرَدَاهُ أَيْ هَلَاكِهِ بِعَذَابِ النَّارِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ فَآيَةُ الرُّومِ هَذِهِ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ مَعْدُودُونَ مَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ. وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ. وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ [٢٥ \ ١١] أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا يَلِيهِ، وَأَنَّ بَلْ فِيهِ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى السَّعِيرِ مَعَ بَعْضِ الشَّوَاهِدِ الْعَرَبِيَّةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا رَأَتِ الْكُفَّارَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ: أَيْ فِي عَرَصَاتِ الْمَحْشَرِ اشْتَدَّ غَيْظُهَا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهَا وَعَلَا زَفِيرُهَا فَسَمِعَ الْكُفَّارُ صَوْتَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا، وَسَمِعُوا زَفِيرَهَا.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَيَّنَ بَعْضَهُ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ، فَأَوْضَحَ فِيهَا شِدَّةَ غَيْظِهَا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهَا، وَأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ لَهَا أَيْضًا شَهِيقًا مَعَ الزَّفِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي آيَةِ الْفُرْقَانِ هَذِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [٦٧ \ ٧ - ٨] أَيْ يَكَادُ بَعْضُهَا يَنْفَصِلُ عَنْ بَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا، عَلَى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَلِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ فِي مَعْنَى الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، وَأَقْرَبُهَا أَنَّهُمَا يُمَثِّلُهُمَا مَعًا صَوْتُ الْحِمَارِ فِي نَهِيقِهِ، فَأَوَّلُهُ زَفِيرٌ، وَآخِرُهُ الَّذِي يُرَدِّدُهُ فِي صَدْرِهِ شَهِيقٌ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا أَيْ سَمِعُوا غَلَيَانَهَا مِنْ شِدَّةِ غَيْظِهَا، وَلَمَّا كَانَ سَبَبُ الْغَلَيَانِ التَّغَيُّظَ أَطْلَقَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. وَقَالَ
стр. 2609
بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا: أَيْ أَدْرَكُوهُ، وَالْإِدْرَاكُ يَشْمَلُ الرُّؤْيَةَ وَالسَّمْعَ، وَعَلَى هَذَا فَالسَّمْعُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى الْإِدْرَاكِ، وَمَا ذَكَرْنَا أَظْهَرُ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قِيلَ الْمَعْنَى إِذَا رَأَتْهُمْ جَهَنَّمُ سَمِعُوا لَهَا صَوْتَ التَّغَيُّظِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَصَحُّ.
مَسْأَلَةٌ.
اعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ النَّارَ تُبْصِرُ الْكَفَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَرُؤْيَتُهَا إِيَّاهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، تَدُلُّ عَلَى حِدَّةِ بَصَرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، كَمَا أَنَّ النَّارَ تَتَكَلَّمُ كَمَا صَرَّحَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [٥٠ \ ٣٠] وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، كَحَدِيثِ مُحَاجَّةِ النَّارِ مَعَ الْجَنَّةِ، وَكَحَدِيثِ اشْتِكَائِهَا إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي نَفْسَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّهَا تَرَاهُمْ وَأَنَّ لَهَا تَغَيُّظًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَأَنَّهَا تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ، مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ مِنْ أَنَّ النَّارَ لَا تُبْصِرُ، وَلَا تَتَكَلَّمُ، وَلَا تَغْتَاظُ. وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ خَزَنَتُهَا، كُلُّهُ بَاطِلٌ وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ نُصُوصَ الْوَحْيِ الصَّحِيحَةَ بِلَا مُسْتَنَدٍ، وَالْحَقُّ هُوَ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّارَ تَرَاهُمْ هُوَ الْأَصَحُّ، ثُمَّ قَالَ لِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَهَا عَيْنَانِ؟ قَالَ: أَوَمَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ فَيَقُولُ: وُكِّلْتُ بِكُلِّ مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فَهُوَ أَبْصَرُ بِهِمْ مِنَ الطَّيْرِ بِحَبِّ السِّمْسِمِ فَيَلْتَقِطُهُ " وَفِي رِوَايَةٍ " يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَلْتَقِطُ الْكُفَّارَ لَقْطَ الطَّائِرِ حَبَّ السِّمْسِمِ " ذَكَرَهُ رَزِينٌ فِي كِتَابِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَبَسِهِ، وَقَالَ: أَيْ تَفْصِلُهُمْ عَنِ
стр. 2610
الْخَلْقِ فِي الْمَعْرِفَةِ، كَمَا يَفْصِلُ الطَّائِرُ حَبَّ السِّمْسِمِ عَنِ التُّرْبَةِ، وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ " وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدًا مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِجَهَنَّمَ مِنْ عَيْنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. فَهَلْ تَرَاهُمْ إِلَّا بِعَيْنَيْنِ " وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، أَوِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ وَالِدَيْهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: " إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَفِيهِ شِدَّةُ هَوْلِ النَّارِ، وَأَنَّهَا تَزْفِرُ زَفْرَةً يَخَافُ مِنْهَا جَمِيعُ الْخَلَائِقِ.
نَرْجُو اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُعِيذَنَا وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، وَمِنْ كُلِّ مَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإَذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا أُلْقُوا: أَيْ طُرِحُوا فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ مِنَ النَّارِ، فِي حَالِ كَوْنِهِمْ مُقَرَّنِينَ، دَعَوْا هُنَالِكَ: أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الضَّيِّقِ ثُبُورًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، فَقَوْلُهُ: (مَكَانًا) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ.
وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُمْ يُلْقَوْنَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ مِنَ النَّارِ، جَاءَ مَذْكُورًا أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [١٠٤ \ ٨ - ٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [٩٠ \ ١٩ -
стр. 2611
٢٠] وَمَعْنَى مُؤْصَدَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِهَمْزٍ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ: مُطْبَقَةٌ أَبْوَابُهَا، مُغَلَّقَةٌ عَلَيْهِمْ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [١٨ \ ١٨] وَمَنْ كَانَ فِي مَكَانٍ مُطْبَقٍ مُغَلَّقٍ عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يُجْعَلُ فِي مَحَلِّهِ مِنَ النَّارِ بِشِدَّةٍ كَمَا يُدَقُّ الْوَتَدُ فِي الْحَائِطِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ جَهَنَّمَ تَضِيقُ عَلَى الْكَافِرِ كَتَضْيِيقِ الزُّجِّ عَلَى الرُّمْحِ. وَالزُّجُّ بِالضَّمِّ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الرُّمْحِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مُقَرَّنِينَ: أَيْ فِي الْأَصْفَادِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [١٤ \ ٤٩] وَالْأَصْفَادُ: الْقُيُودُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى مُقَرَّنِينَ: أَنَّ الْكُفَّارَ يُقْرَنُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي الْأَصْفَادِ وَالسَّلَاسِلِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كُلُّ كَافِرٍ يُقْرَنُ هُوَ وَشَيْطَانُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [٤٣ \ ٣٨] .
وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مُقَرَّنِينَ مُكَتَّفِينَ، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مُقَرَّنِينَ: أَيْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ، وَالثُّبُورُ: الْهَلَاكُ وَالْوَيْلُ وَالْخُسْرَانُ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الثُّبُورَ يَجْمَعُ الْخَسَارَ وَالْهَلَاكَ وَالْوَيْلَ وَالدَّمَارَ. كَمَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [١٧ \ ١٠٢] أَيْ هَالِكًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ:
إِذَا جَارَى الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَسَـ ... ـى وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
اهـ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ: وَالثُّبُورُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ أَيْضًا، قَالَ الْكُمَيْتُ:
وَرَأَتْ قُضَاعَةُ فِي الْأَيَا ... مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وَثَابِرِ
أَيْ مَخْسُورٍ وَخَاسِرٍ يَعْنِي فِي انْتِسَابِهَا لِلْيَمَنِ. اهـ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا مَعْنَى دُعَائِهِمُ الثُّبُورَ هُوَ قَوْلُهُمْ: وَاثُبُورَاهُ، يَعْنُونَ: يَا وَيْلَ، وَيَا هَلَاكَ، تَعَالَ، فَهَذَا حِينُكَ وَزَمَانُكَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَى وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا أَنَّكُمْ وَقَعْتُمْ فِيمَا لَيْسَ ثُبُورُكُمْ فِيهِ وَاحِدًا، إِنَّمَا هُوَ ثُبُورٌ كَثِيرٌ، إِمَّا لِأَنَّ الْعَذَابَ أَنْوَاعٌ وَأَلْوَانٌ، كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا ثُبُورٌ، لِشِدَّتِهِ
стр. 2612
وَفَظَاعَتِهِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بُدِّلُوا غَيْرَهَا، فَلَا غَايَةَ لِهَلَاكِهِمْ. اهـ.
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ: مَكَانًا ضَيِّقًا، وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [٦ \ ١٢٥] وَقَالَ فِي هُودٍ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [١١ \ ١٢] فَمَا وَجْهُ التَّعْبِيرِ فِي سُورَةِ هُودٍ، بِقَوْلِهِ: ضَائِقٌ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ، وَفِي الْفُرْقَانِ وَالْأَنْعَامِ بِقَوْلِهِ: ضَيِّقًا عَلَى وَزْنٍ فَيْعِلٍ، مَعَ أَنَّهُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ هُوَ الْوَصْفُ مِنْ ضَاقَ يَضِيقُ، فَهُوَ ضَيِّقٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا هُوَ أَنَّهُ تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الصَّرْفِ أَنَّ جَمِيعَ أَوْزَانِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ إِنْ قُصِدَ بِهَا الْحُدُوثُ وَالتَّجَدُّدُ جَاءَتْ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ مُطْلَقًا، كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي لَامِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ:
وَفَاعِلٌ صَالِحٌ لِلْكُلِّ إِنْ قَصَدَ الْـ ... حُدُوثَ نَحْوَ غَدًا ذَا فَارِحٌ جَذِلَا
وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْحُدُوثُ وَالتَّجَدُّدُ بَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ.
وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [١١ \ ١٢] أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَحْدُثُ لَهُ ضِيقُ الصَّدْرِ، وَيَتَجَدَّدُ لَهُ بِسَبَبِ عِنَادِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ، قِيلَ فِيهِ: ضَائِقٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَمَّا قَوْلُهُ: ضَيِّقًا فِي الْفُرْقَانِ وَالْأَنْعَامِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ حُدُوثٌ، وَلِذَلِكَ بَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ إِتْيَانِ الْفَيْعِلِ عَلَى فَاعِلٍ إِنْ قُصِدَ بِهِ الْحُدُوثُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ وَقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْخُطَيْمِ الْأَنْصَارِيِّ:
أَبْلِغْ خِدَاشًا أَنَّنِي مَيِّتٌ ... كُلُّ امْرِئٍ ذِي حَسَبٍ مَائِتُ
فَلَمَّا أَرَادَ حُدُوثَ الْمَوْتِ قَالَ: مَائِتُ بِوَزْنِ فَاعِلُ، وَأَصْلُهُ مَيِّتٌ عَلَى وَزْنِ فَيْعِلٌ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي فَعِلٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ قَوْلُ أَبِي عَمْرٍو أَشْجَعَ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ يَرْثِي قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ:
стр. 2613
فَمَا أَنَا مِنْ رُزْءٍ وَإِنْ جَلَّ جَازِعُ ... وَلَا بِسُرُورٍ بَعْدَ مَوْتِكَ فَارِحُ
فَلَمَّا نَفَى أَنْ يَحْدُثَ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرَحٌ وَلَا جَزَعٌ قَالَ جَازِعٌ وَفَارِحٌ، وَالْأَصْلُ: جَزِعٌ وَفَرِحٌ.
وَمِثَالُهُ فِي فَعِيلٍ قَوْلُ لَبِيدٍ:
حَسِبْتُ التُّقَى وَالْجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلًا
فَلَمَّا أَرَادَ حُدُوثَ الثِّقَلِ قَالَ: ثَاقِلًا وَالْأَصْلُ ثَقِيلٌ، وَقَوْلُ السَّمْهَرِيِّ الْعُكْلِيِّ:
بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللَّئِيمُ فَسَامِنٌ ... بِهَا وَكِرَامُ النَّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا
فَلَمَّا أَرَادَ حُدُوثَ السِّمَنِ قَالَ: فَسَامِنٌ وَالْأَصْلُ سَمِينٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ «ضَيْقًا» بِسُكُونِ الْيَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِعَةٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ لِأَنَّ إِسْكَانَ الْيَاءِ تَخْفِيفٌ كَهَيْنٍ وَلَيْنٍ، فِي هَيِّنٍ وَلَيِّنٍ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا. التَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ: أَذَلِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّارِ، وَمَا يَلْقَاهُ الْكَفَّارُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ كَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا بِقَوْلِهِ: وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [٢٥ \ ١١] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [٢٥ \ ١٤] وَغَيْرُ هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِشَارَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَنْزِ وَالْجَنَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ الْآيَةَ [٢٥ \ ٨] وَكَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْجَنَّاتِ وَالْقُصُورِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْمَشِيئَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا [٢٥ \ ١٠] وَالتَّحْقِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ شِدَّةَ عَذَابِ النَّارِ وَفَظَاعَتَهُ قَالَ: «أَذَلِكَ الْعَذَابُ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الْآيَةَ» .
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، جَاءَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
стр. 2614
كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الصَّافَّاتِ» إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ إِلَى قَوْلِهِ: يُهْرَعُونَ [٣٧ \ ٦٠ - ٧٠] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْآيَةَ [٤١ \ ٤٠] .
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالِهَا فِي الْقُرْآنِ إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَفْظَةُ خَيْرٍ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ كَمَا قَالَ فِي الْكَافِيَةِ:
وَغَالِبًا أَغْنَاهُمْ خَيْرٌ وَشَرُّ ... عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرُّ
كَمَا قَدَّمْنَاهُ مُوَضَّحًا فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ الْآيَةَ [١٦ \ ٣٠] .
وَالْمَعْرُوفُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بَيْنَ الْمُفَضَّلِ وَالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِيمَا فِيهِ التَّفْضِيلُ، إِلَّا أَنَّ الْمُفَضَّلَ أَكْثَرُ فِيهِ وَأَفْضَلُ مِنَ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ الَّذِي هُوَ عَذَابُ النَّارِ لَا خَيْرَ فِيهِ الْبَتَّةَ، وَإِذَنْ فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ فِيهَا إِشْكَالٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ قَدْ تُطْلَقُ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي اللُّغَةِ مُرَادًا بِهَا مُطْلَقُ الِاتِّصَافِ، لَا تَفْضِيلُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ. وَقَدَّمْنَاهُ مِرَارًا وَأَكْثَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ فِي سُورَةِ «النُّورِ» وَغَيْرِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا تَخْصِيصَ شَيْءٍ بِالْفَضِيلَةِ، دُونَ غَيْرِهِ جَاءُوا بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ، يُرِيدُونَ بِهَا خُصُوصَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالْفَضْلِ، كَقَوْلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
وَكَقَوْلِ الْعَرَبِ: الشَّقَاءُ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَمِ السَّعَادَةُ؟ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ الْآيَةَ [١٢ \ ٣٢] .
стр. 2615
قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَذَلِكَ خَيْرٌ الْآيَةَ، وَخَيْرٌ هُنَا لَيْسَتْ تَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ، بَلْ هِيَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي بَيَانِ فَضْلِ الشَّيْءِ، وَخُصُوصِيَّتِهِ بِالْفَضْلِ دُونَ مُقَابِلِهِ كَقَوْلِهِ:
فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
وَكَقَوْلِ الْعَرَبِ: الشَّقَاءُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ السَّعَادَةُ، وَكَقَوْلِهِ: السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [١٢ \ ٣٢] وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْقِيفِ وَالتَّوْبِيخِ. اهـ. الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَيَّانَ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَعَذَابُ النَّارِ شَرٌّ مَحْضٌ لَا يُخَالِطُهُ خَيْرٌ الْبَتَّةَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْجَوَابِ مُتَقَارِبَانِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ: أَيْ وُعِدَهَا الْمُتَّقُونَ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَعْدَ الصَّادِقَ بِالْجَنَّةِ، يَحْصُلُ بِسَبَبِ التَّقْوَى.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ بِإِيضَاحٍ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [١٦ \ ٣١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ الْعَائِدُ أَيْضًا مَحْذُوفٌ كَالَّذِي قَبْلَهُ: أَيْ مَا يَشَاءُونَهُ، وَحَذْفُ الْعَائِدِ الْمَنْصُوبِ بِالْفِعْلِ أَوِ الْوَصْفِ كَثِيرٌ، كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي ... فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ ... كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَجِدُونَ كُلَّ مَا يَشَاءُونَهُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ [١٦ \ ٣١] وَالْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُصُولَ كُلِّ مَا يَشَاءُهُ الْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ: كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا الْمَصِيرُ مَكَانُ الصَّيْرُورَةِ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ جَزَاءَهُمْ وَمَحَلَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [١٨ \ ٣١] لِأَنَّ حُسْنَ الْمَكَانِ وَجَوْدَتَهُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ.
стр. 2616
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا فِيهِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مَسْئُولًا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ أَيْضًا تَسْأَلُهُ لَهُمْ، أَمَّا سُؤَالُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [٣ \ ١٩٤] وَسُؤَالُ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ إِيَّاهُ ذَكَرَهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ الْآيَةَ [٤٠ \ ٤٧] وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَسْئُولًا: أَيْ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، لِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا يُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ مَا شَاءَ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِلَفْظَةِ «عَلَى» فِي قَوْلِهِ: كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [٣٠ \ ٤٧] وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ: قَدْ فَعَلْنَا فِي دَارِ الدُّنْيَا كُلَّ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ فَأَنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا، وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا. قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ وَحَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ: (نَحْشُرُهُمْ) ، بِالنُّونِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعَظَمَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ: (يَحْشُرُهُمْ) بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَامِرٍ: (فَيَقُولُ) بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (فَنَقُولُ) بِنُونِ الْعَظَمَةِ.
فَتَحْصُلُ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وَحَفْصًا يَقْرَآنِ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِمَا، وَأَنَّ ابْنَ عَامِرٍ يَقْرَأُ بِالنُّونِ فِيهِمَا، وَأَنَّ بَاقِيَ السَّبْعَةِ يَقْرَءُونَ: (نَحْشُرُهُمْ) بِالنُّونِ، (فَيَقُولُ) بِالْيَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ يَحْشُرُ الْكُفَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ: أَنْ يَجْمَعَهُمْ جَمِيعًا فَيَقُولُ لِلْمَعْبُودِينَ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ فَزَيَّنْتُمْ لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوكُمْ مِنْ دُونِي، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ: أَيْ كَفَرُوا وَأَشْرَكُوا بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاكُمْ مِنْ دُونِي مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَأْمُرُوهُمْ بِذَلِكَ وَلَا أَنْ تُزَيِّنُوهُ لَهُمْ، وَأَنَّ الْمَعْبُودِينَ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ أَيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَنِ
стр. 2617
الشُّرَكَاءِ وَكُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِكَ وَعَظَمَتِكَ، مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ: أَيْ لَيْسَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، أَنْ يَعْبُدُوا أَحَدًا سِوَاكَ لَا نَحْنُ وَلَا هُمْ، فَنَحْنُ مَا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَمْرِنَا، وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهُمْ، وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ [٢٥ \ ١٨] أَيْ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أَيْ نَسُوا مَا أَنْزَلْتَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى عِبَادَتِكَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَكَانُوا قومًا بُورًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ هَلْكَى، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَيْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ اهـ. الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ: أَيْ مَا كَانَ يَصِحُّ لَنَا وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ مَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُؤَالِهِ لِلْمَعْبُودِينَ وَجَوَابِهِمْ لَهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْبُودِينَ. فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَعِيسَى وَعُزَيْرٌ قَالُوا: هَذَا الْقَوْلُ يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ، لِأَنَّ فِيهِ سُؤَالَ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةِ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَهُمْ، كَمَا قَالَ فِي الْمَلَائِكَةِ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [٣٤ \ ٤٠ - ٤١] وَقَالَ فِي عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [٥ \ ١١٦] وَجَوَابُ الْمَلَائِكَةِ وَجَوَابُ عِيسَى كِلَاهُمَا شَبِيهٌ بِجَوَابِ الْمَعْبُودِينَ فِي آيَةِ الْفُرْقَانِ هَذِهِ، وَلِذَلِكَ اخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَعْبُودِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ هَذِهِ هُمْ خُصُوصُ الْعُقَلَاءِ، دُونَ الْأَصْنَامِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي شُمُولُ الْمَعْبُودِينَ الْمَذْكُورِينَ لِلْأَصْنَامِ، مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَتَانِ قُرْآنِيَّتَانِ: الْأُولَى: أَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْمَعْبُودِينَ الْمَذْكُورِينَ بِـ: «مَا» الَّتِي هِيَ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ فِي قَوْلِهِ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ. فَلَفْظَةُ (مَا) تَدُلُّ عَلَى شُمُولِ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَأَنَّهُ غَلَّبَ غَيْرَ الْعَاقِلِ لِكَثْرَتِهِ.
стр. 2618
الْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ دَلَالَةُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، عَلَى أَنَّ الْمَعْبُودِينَ غَافِلُونَ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَهُمْ: أَيْ لَا يَعْلَمُونَ بِهَا لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ عُقَلَاءَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ [١٠ \ ٢٨ - ٢٩] وَإِنَّمَا كَانُوا غَافِلِينَ عَنْهَا لِأَنَّهُمْ جَمَادٌ لَا يَعْقِلُونَ. وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ الْمُخْتَصِّ بِالْعُقَلَاءِ عَلَيْهِمْ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَّلُوهُمْ مَنْزِلَةَ الْعُقَلَاءِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَحْقَافِ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [٤٦ \ ٥ - ٦] فَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْعَنْكَبُوتِ: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا الْآيَةَ [٢٩ \ ٢٥] . فَصَرَّحَ بِأَنَّهُمْ أَوْثَانٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ هُمْ وَعَبَدَتُهُمْ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [١٩ \ ٨٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى (نَسُوا) تَرَكُوا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ بُورًا مَعْنَاهُ هَلْكَى، وَأَصْلُهُ اسْمُ مَصْدَرٍ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ، فَمِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ هُنَا: وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا [٤٨ \ ١٢] وَمِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمُفْرَدِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيِّ ﵁:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتَقْتَ إِذْ أَنَا بُورُ
وَيُطْلَقُ الْبُورُ عَلَى الْهَلَاكِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ عُمَانَ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَلَا تَكْفُرُوا مَا قَدْ صَنَعْنَا إِلَيْكُمُ ... وَكَافُوا بِهِ فَالْكُفْرُ بُورٌ لِصَانِعِهْ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَطْنَبَ فِيهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أحدًا
стр. 2619
مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَبُطْلَانُهُ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِهِ، وَمَا ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّ مَعْنَى بُورًا لَا خَيْرَ فِيهِمْ لَهُ وَجْهٌ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ، وَأَنَّ مَعْنَى بُورًا هَلْكَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمَعْبُودِينَ كَذَّبُوا الْعَابِدِينَ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ: قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ [٢٥ \ ١٨] .
وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمَعْبُودِينَ لِلْعَابِدِينَ، جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [٤٦ \ ٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ [١٦ \ ٨٦] وَقَوْلِهِ: فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [١٠ \ ٢٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [١٩ \ ٨٢] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أَيْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ، وَذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَهَذَا التَّفْسِيرُ تَشْهَدُ لَهُ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٢ \ ٢٥٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [١٠ \ ١٠٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٣١ \ ١٣] وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَ الظُّلْمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [٦ \ ٨٢] فَقَالَ: أَيْ بِشْرِكٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مُوَضَّحًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ النَّاسِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا الْآيَةَ [٦ \ ٥٣] .
стр. 2620
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً وَمَعْنَى هَذَا: أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مُخْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ، فَالْغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالْفَقِيرِ عَلَيْهِ أَنْ يُوَاسِيَهُ وَلَا يَسْخَرَ مِنْهُ، وَالْفَقِيرُ مُمْتَحَنٌ بِالْغَنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْسُدَهُ وَلَا يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ، وَأَنْ يَصْبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ فِي مَعْنَى: أَتَصْبِرُونَ [٢٥ \ ٢٠] : أَيْ عَلَى الْحَقِّ، وَأَصْحَابُ الْبَلَايَا يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ نُعَافَ؟ وَالْأَعْمَى يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كَالْبَصِيرِ؟ وَهَكَذَا صَاحِبُ كُلِّ آفَةٍ، وَالرَّسُولُ الْمَخْصُوصُ بِكَرَامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأَشْرَافِ النَّاسِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي عَصْرِهِ وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ، وَحُكَّامُ الْعَدْلِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [٤٣ \ ٣١] فَالْفِتْنَةُ أَنْ يَحْسُدَ الْمُبْتَلَى الْمُعَافَى، وَيُحَقِّرَ الْمُعَافَى الْمُبْتَلَى، وَالصَّبْرُ أَنْ يَحْبِسَ كِلَاهُمَا نَفْسَهُ، هَذَا عَنِ الْبَطَرِ، وَذَلِكَ عَنِ الضَّجَرِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
وَإِذَا عَلِمْتَ مَعْنَى كَوْنِ بَعْضِهِمْ فِتْنَةً لِبَعْضٍ. فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الْآيَةَ [٦ \ ٥٣] . فِيهِ فِتْنَةُ أَغْنِيَاءِ الْكُفَّارِ بِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ احْتَقَرُوهُمْ وَازْدَرُوهُمْ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ دُونَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي زَعْمِهِمْ لِفَقْرِهِمْ، وَرَثَاثَةِ حَالِهِمْ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ وَيُعْطِيَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الْوَاسِعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهِمْ: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [٤٦ \ ١١] وَقَالَ: أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا [٣٨ \ ٨] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَسَيُوَبِّخُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى احْتِقَارِهِمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [٧ \ ٤٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. . . . إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [٨٣ \ ٢٩ - ٣٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [٢ \ ٢١ ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَتَصْبِرُونَ) ، أَيْ عَلَى الْحَقِّ أَمْ لَا تَصْبِرُونَ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا.
стр. 2621
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ قَالُوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا، وَلَوْلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّحْضِيضِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا بِحَثٍّ وَشِدَّةٍ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، وَهَذَا التَّعَنُّتُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ هُنَا مِنْ طَلَبِهِمْ إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ رُؤْيَتَهُمْ رَبَّهُمْ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا [١٧ \ ٩٢] وَقَوْلِهِمْ: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ قِيلَ: فَتُوحَى إِلَيْنَا كَمَا أُوحَتْ إِلَيْكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ الْآيَةَ [٦ \ ١٢٤] وَقِيلَ: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ فَنَرَاهُمْ عِيَانًا، وَهَذَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا [١٧ \ ٩٢] أَيْ مُعَايَنَةً عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْأَقْوَالَ فِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (لَا يَرْجُونَ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَرْجُونَ أَيْ لَا يَخَافُونَ لِقَاءَنَا لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ بِالْبَعْثِ. وَالرَّجَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الْخَوْفِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الطَّمَعِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا قَالَ أَيْ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا ... وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نَوْبِ عَوَاسِلَ
فَقَوْلُهُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا: أَيْ لَمْ يَخَفْ لَسْعَهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِطْلَاقُ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ لُغَةُ تِهَامَةَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَا يَأْمُلُونَ، وَعَزَاهُ الْقُرْطُبِيُّ لِابْنِ شَجَرَةَ وَقَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ... شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ
أَيْ أَتَأْمُلُ أُمَّةٌ إِلَخْ. وَالَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ لَا يَخَافُ لِقَاءَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ بِالْعَذَابِ، وَلَا يَأْمُلُ الْخَيْرَ مِنْ تِلْقَائِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالثَّوَابِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَيْ أَضْمَرُوا التَّكَبُّرَ عَنِ الْحَقِّ فِي قُلُوبِهِمْ، وَاعْتَقَدُوهُ عِنَادًا وَكُفْرًا، وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ [٤٠ \ ٥٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا أَيْ تَجَاوَزُوا الْحَدَّ
стр. 2622
فِي الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ يُقَالُ: عَتَا عَلَيْنَا فُلَانٌ: أَيْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي ظُلْمِنَا، وَوَصْفُهُ تَعَالَى عُتُوَّهُمُ الْمَذْكُورَ بِالْكِبْرِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَالَغَ فِي إِفْرَاطِهِ، وَأَنَّهُمْ بَلَغُوا غَايَةَ الِاسْتِكْبَارِ، وَأَقْصَى الْعُتُوِّ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْذِيبَ الرُّسُلِ بَعْدَ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَاتِ، وَوُضُوحِ الْحَقِّ وَعِنَادِهِمْ وَالتَّعَنُّتِ عَلَيْهِمْ بِطَلَبِ إِنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ رُؤْيَةِ اسْتِكْبَارٍ عَنِ الْحَقِّ عَظِيمٌ وَعُتُوٌّ كَبِيرٌ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ النَّكَالَ، وَالتَّقْرِيعَ، وَلِذَا شَدَّدَ اللَّهُ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ تَعَنَّتَ ذَلِكَ التَّعَنُّتَ وَاسْتَكْبَرَ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [٢ \ ١٠٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ الْآيَةَ [٤ \ ١٥٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [٢ \ ٥٥] وَاسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَمْثَالِهَا عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ مُسْتَحِيلَةٌ اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ وَمَذْهَبُهُمْ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ أَكْبَرِ الضَّلَالِ، وَأَعْظَمِ الْبَاطِلِ، وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي كَلَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَكَلَامٌ فَاسِدٌ.
وَالْحُقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ بِأَبْصَارِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا. كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ لَهُمْ كُلَّ مَا اقْتَرَحُوا لَمَا آمَنُوا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ طَلَبُوا إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، أَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى لَهُمْ، أَيْ لَا تَسُرُّهُمْ رُؤْيَتُهُمْ وَلَا تَكُونُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِشَارَةً بِخَيْرٍ، وَرُؤْيَتُهُمْ لِلْمَلَائِكَةِ تَكُونُ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ، وَتَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا بُشْرَى لَهُمْ فِي رُؤْيَتِهِمْ فِي كِلَا الْوَقْتَيْنِ.
أَمَّا رُؤْيَتُهُمُ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ فَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَا بِشَارَةَ لَهُمْ فِيهَا لِمَا يُلَاقُونَ مِنَ الْعَذَابِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2623
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ الْآيَةَ [٨ \ ٥٠] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [٦ \ ٩٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [٤٧ \ ٢٧ - ٢٨] وَأَمَّا رُؤْيَتُهُمُ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا بُشْرَى لَهُمْ فِيهَا أَيْضًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [٦ \ ٨] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [٢٥ \ ٢٢] يَدُلُّ بِدَلِيلِ خِطَابِهِ: أَيْ مَفْهُومِ مُخَالَفَتِهِ، أَنَّ غَيْرَ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ لَهُمُ الْبُشْرَى، وَهَذَا الْمَفْهُومُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [٤١ \ ٣٠ - ٣٢] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ، يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ. لَا مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِيضَاحُهُ: أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ إِذَا رَأَوُا الْمَلَائِكَةَ تَوَقَّعُوا الْعَذَابَ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَيَقُولُونَ حِينَئِذٍ لِلْمَلَائِكَةِ: حِجْرًا مَحْجُورًا: أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ أَنْ تَمَسُّونَا بِسُوءٍ أَيْ لِأَنَّنَا لَمْ نَرْتَكِبْ ذَنْبًا نَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعَذَابَ، كَمَا أَوْضَحَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١٦ \ ٢٨] فَقَوْلُهُمْ: مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ: أَيْ لَمْ نَسْتَوْجِبْ عَذَابًا، فَتَعْذِيبُنَا حَرَامٌ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِي دَعْوَاهُمْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَعَادَةُ الْعَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، أَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا الْكَلَامَ، أَيْ حِجْرًا مَحْجُورًا عِنْدَ لِقَاءِ عَدُوٍّ مَوْتُورٍ أَوْ هُجُومِ نَازِلَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَعْنِي: حِجْرًا مَحْجُورًا فِي بَابِ الْمَصَادِرِ غَيْرِ الْمُتَصَرِّفَةِ الْمَنْصُوبَةِ بِأَفْعَالٍ مَتْرُوكٍ إِظْهَارُهَا نَحْوَ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَعَمْرَكَ اللَّهَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
стр. 2624
وَقَوْلُهُ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أَصْلُهُ مِنْ حَجَرَهُ بِمَعْنَى مَنَعَهُ، وَالْحِجْرُ: الْحَرَامُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ أَيْ حَرَامٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ [٦ \ ١٣٨] وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ:
حَنَّتْ إِلَى النَّخْلَةِ الْقُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا ... حَجْرٌ حَرَامٌ أَلَا تِلْكَ الدَّهَارِيسُ
فَقَوْلُهُ حَرَامٌ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ حَجْرٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حَرَامٌ وَقَوْلُ الْآخَرِ:
أَلَا أَصْبَحَتْ أَسْمَاءُ حِجْرًا مُحَرَّمَا ... وَأَصْبَحَتْ مِنْ أَدْنَى حَمْوَتِهَا حَمَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
قَالَتْ وَفِيهَا حَيْرَةٌ وَذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُمْ وَحِجْرُ
وَقَوْلُهُ: مَحْجُورًا تَوْكِيدٌ لِمَعْنَى الْحِجْرِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِ الْعَرَبِ: ذَيْلٌ ذَائِلٌ. وَالذَّيْلُ الْهَوَانُ، وَمَوْتٌ مَائِتٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ حِجْرًا مَحْجُورًا مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ، فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْكُفَّارِ حِجْرًا مَحْجُورًا. أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا أَنْ تَكُونَ لِلْكُفَّارِ الْيَوْمَ بُشْرَى، أَوْ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ، أَوْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «يَوْمَ» مَنْصُوبٌ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ، إِمَّا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِلَا بُشْرَى أَيْ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ يُمْنَعُونَ الْبُشْرَى، أَوْ يُعْدَمُونَهَا، وَيَوْمَئِذٍ لِلتَّكْرِيرِ، وَإِمَّا بِإِضْمَارِ اذْكُرْ: أَيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، ثُمَّ قَالَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ الْآيَةَ [١٧ \ ١٩] . وَفِي سُورَةِ «النَّحْلِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ الْآيَةَ [١٦ \ ٩٧] . وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
стр. 2625
اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ حِسَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَسِيرٌ، وَأَنَّهُ يَنْتَهِي فِي نِصْفِ نَهَارٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَقِيلًا: أَيْ مَكَانَ قَيْلُولَةٍ وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، قَالُوا: وَهَذَا الَّذِي فُهِمَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، جَاءَ بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [٨٤ \ ٧ - ٩] .
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا الْآيَةَ، أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ لَيْسُوا كَذَلِكَ وَأَنَّ حِسَابَهُمْ غَيْرُ يَسِيرٍ.
وَهَذَا الْمَفْهُومُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [٢٥ \ ٢٦] فَقَوْلُهُ: (عَلَى الْكَافِرِينَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ عَسِيرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ الْآيَةَ [٢١ \ ١٠٣] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [٥٤ \ ٨] وَإِذَا عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا مَا جَاءَ مِنَ الْآيَاتِ فِيهِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا، فَهَذِهِ أَقْوَالُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْآيَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قَالَ فِي الْغُرَفِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ حِسَابُهُمْ أَنْ عُرِضُوا عَلَى رَبِّهِمْ عَرْضَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [٨٤ \ ٧ - ٩] وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ثُمَّ قَرَأَ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وَقَرَأَ: ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ ضَحْوَةٌ. فَيَقِيلُ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَلَى الْأَسِرَّةِ مَعَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيَقِيلُ أَعْدَاءُ اللَّهِ مَعَ الشَّيَاطِينِ مُقَرَّنِينَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي
стр. 2626
الْحِلْيَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يُفْرَغُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نِصْفَ النَّهَارِ. فَيَقِيلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الصَّوَّافِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقْصُرُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، حَتَّى يَكُونَ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّهُمْ لَيَقِيلُونِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، حِينَ يَفْرَغُ النَّاسُ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنِّي لَأَعْرِفُ السَّاعَةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، السَّاعَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا ارْتِفَاعُ الضُّحَى الْأَكْبَرُ، إِذَا انْقَلَبَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِيهِمْ لِلْقَيْلُولَةِ، فَيَنْصَرِفُ أَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَيُنْطَلَقُ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ، فَكَانَتْ قَيْلُولَتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَأُطْعِمُوا كَبِدَ الْحُوتِ فَأَشْبَعَهُمْ كُلَّهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْقُرْطُبِيُّ مَرْفُوعًا وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا: «وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [٧٠ \ ٤] فَقُلْتُ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمُ. فَقَالَ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ» وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّهُ قَرَأَ ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ شَاذٌّ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهِ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ الْحَقَّ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [٣٧ \ ٦٨] .
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ قَتَادَةَ هُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا أَيْ مَنْزِلًا وَمَأْوًى، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْقَيْلُولَةِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ كَمَا تَرَى.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا (دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) وَجْهَ الْجَمْعِ بَيَنْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنَا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا مِنِ انْقِضَاءِ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ، وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَذَكَرْنَا الْآيَاتِ الْمُشِيرَةَ إِلَى الْجَمْعِ، وَبَعْضَ الشَّوَاهِدِ الْعَرَبِيَّةِ.
стр. 2627
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْمَقِيلَ الْقَيْلُولَةُ أَوْ مَكَانُهَا، وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ زَمَنَ الْحَرِّ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرَ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
أَيْ نَزَلَا فِيهَا وَقْتَ الْقَائِلَةِ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ اللِّسَانِ، وَمَا فَسَّرَ بِهِ قَتَادَةُ الْآيَةَ، مِنْ أَنَّ الْمَقِيلَ الْمَنْزِلُ وَالْمَأْوَى، مَعْرُوفٌ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ رَوَاحَةَ:
الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
فَقَوْلُهُ: يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ، يَعْنِي: يُزِيلُ الرُّءُوسَ عَنْ مَوَاضِعِهَا مِنَ الْأَعْنَاقِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقِيلَ فِيهِ الْمَحَلُّ الَّذِي تَسْكُنُ فِيهِ الرُّءُوسُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ الْأَنْصَارِيِّ:
وَمَا تَدْرِي وَإِنْ أَجْمَعْتَ أَمْرًا ... بِأَيِّ الْأَرْضِ يُدْرِكُكَ الْمَقِيلُ
وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى: بِأَيِّ الْأَرْضِ يُدْرِكُكَ الثَّوَابُ وَالْإِقَامَةُ بِسَبَبِ الْمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ فِي قَوْلِهِ هُنَا: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا تَكَلَّمْنَا عَلَى مِثْلِهَا قَرِيبًا فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الْآيَةَ [٢٥ \ ١٥] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ السَّمَاءَ تَتَشَقَّقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْغَمَامِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُنَزَّلُ تَنْزِيلًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَتَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ أَيْ عَنِ الْغَمَامِ. قَالَ: وَالْبَاءُ وَعَنْ يَتَعَاقَبَانِ كَقَوْلِكَ: رُمِيتُ بِالْقَوْسِ، وَعَنِ الْقَوْسِ انْتَهَى. وَيُسْتَأْنَسُ لِمَعْنَى عَنْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا الْآيَةَ [٥٠ \ ٤٤] .
وَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ تَشَقُّقِ السَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوُجُودِ الْغَمَامِ، وَتَنْزِيلِ الْمَلَائِكَةِ كُلُّهَا جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
أَمَّا تَشَقُّقُ السَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ بَيَّنَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [٥٥ \ ٣٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [٦٩ \ ١٥ - ١٦] وَقَوْلِهِ:
стр. 2628
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ الْآيَةَ [٨٤ \ ١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ الْآيَةَ [٧٧ \ ٨ - ٩] فَقَوْلُهُ: فُرِجَتْ: أَيْ شُقَّتْ، فَكَانَ فِيهَا فُرُوجٌ أَيْ شُقُوقٌ كَقَوْلِهِ، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [٨٢ \ ١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [٧٨ \ ١٩] وَأَمَّا الْغَمَامُ وَنُزُولُ الْمَلَائِكَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُمَا مَعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ الْآيَةَ [٢ \ ٢١٠] . وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [٨٩ \ ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ الْآيَةَ [٦ \ ١٥٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [١١٥ \ ٨] .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْمَعْنَى: أَنَّ السَّمَاءَ تَنْفَتِحُ بِغَمَامٍ يَخْرُجُ مِنْهَا، وَفِي الْغَمَامِ الْمَلَائِكَةُ يَنْزِلُونَ، وَفِي أَيْدِيهِمْ صُحُفُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ. انْتَهَى مِنْهُ.
وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ: (تَشَّقَّقَ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، وَالْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِهَا بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَنُنْزِلُ الْمَلَائِكَةَ) بِنُونَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ، وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ مَعَ تَخْفِيفِ الزَّايِ، وَضَمِّ اللَّامِ، مُضَارِعُ أَنْزَلَ، وَالْمَلَائِكَةَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْبَاقُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ وَكَسْرِ الزَّايِ الْمُشَدَّدَةِ مَاضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَالْمَلَائِكَةُ مَرْفُوعًا نَائِبُ فَاعِلِ نُزِّلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ يَوْمَ مَنْصُوبٌ بِـ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا. ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْمُلْكَ الْحَقَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ جَلَّ وَعَلَا دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَانَ عَسِيرًا عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَاءَا مُوَضَّحَيْنِ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا كَوْنُ الْمُلْكِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [١ \ ٤] وَقَوْلِهِ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [٤٠ \ ١٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ الْآيَةَ [٦ \ ٧٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
стр. 2629
وَأَمَّا كَوْنُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَسِيرًا عَلَى الْكَافِرِينَ، فَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ قَرِيبًا فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا الْآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا. مِنَ الْمَشْهُورِ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ أَنَّ الظَّالِمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، هُوَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَنَّ فُلَانًا الَّذِي أَضَلَّهُ عَنِ الذِّكْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ أُبَيًّا خَلِيلًا، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّفْسِيرِ، لَا الْقِرَاءَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ، لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، فَكُلُّ ظَالِمٍ أَطَاعَ خَلِيلَهُ فِي الْكُفْرِ، حَتَّى مَاتَ عَلَى ذَلِكَ يَجْرِي لَهُ مِثْلُ مَا جَرَى لِابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِهَا. فَقَوْلُهُ: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ النَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ، لِأَنَّ النَّادِمَ نَدَمًا شَدِيدًا، يَعَضُّ عَلَى يَدَيْهِ، وَنَدَمُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَسْرَتُهُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ الْآيَةَ [١٠ \ ٥٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْآيَةَ [٣٤ \ ٣٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا الْآيَةَ [٦ \ ٣١] . وَالْحَسْرَةُ أَشَدُّ النَّدَامَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [٢ \ ١٦٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الْكَافِرَ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ آمَنَ بِالرَّسُولِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَاتَّخَذَ مَعَهُ سَبِيلًا: أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ فِي قَوْلِهِ هُنَا: يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ [٣٣ \ ٦٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [٨٩ \ ٢٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [١٥ \ ٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
стр. 2630
وَالسَّبِيلُ الَّتِي يَتَمَنَّى الْكَافِرُ أَنْ يَتَّخِذَهَا مَعَ الرَّسُولِ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، ذُكِرَتْ أَيْضًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [٢٥ \ ٥٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [٧٦ \ ٢٩ و٣٣ \ ١٩] فِي الْمُزَّمِّلِ وَالْإِنْسَانِ، وَيَقْرُبُ مِنْ مَعْنَاهُ الْمَآبُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا [٧٨ \ ٣٩] وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الْكَافِرَ يُنَادِي بِالْوَيْلِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ مَنْ أَضَلَّهُ خَلِيلًا، ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، أَمَّا دُعَاءُ الْكُفَّارِ بِالْوَيْلِ: فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [٢٥ \ ١٣ - ١٤] وَأَمَّا تَمَنِّيهِمْ لِعَدَمِ طَاعَةِ مَنْ أَضَلَّهُمْ، فَقَدْ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [٢ \ ١٧٦] فَلَفْظَةُ لَوْ فِي قَوْلِهِ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً لِلتَّمَنِّي، وَلِذَلِكَ نُصِبَ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ الْآيَةَ. وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى نَدَمِهِمْ عَلَى مُوَالَاتِهِمْ، وَطَاعَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا هُنَا مِنْ أَنَّ أَخِلَّاءَ الضَّلَالِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، يُضِلُّونَ أَخِلَّاءَهُمْ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَهُمْ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [٧ \ ٢٠٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ الْآيَةَ [٤١ \ ٢٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ الْآيَةَ [٦ \ ١٢٨] ; وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ [٣٣ \ ٦٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [٧ \ ٣٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ الْآيَةَ [٣٤ \ ٣١] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْكَافِرِ النَّادِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْخَذُولُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: خَذَلَهُ إِذَا تَرَكَ نَصْرَهُ مَعَ كَوْنِهِ يَتَرَقَّبُ النَّصْرَ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [٣ \ ١٦٠] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
следующие страницы →