← Тафсир

Тафсир · id 22918

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (4 343 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا أَشَرْنَا إِلَى أَنَّهُ عَامٌّ، فَقَالَ: الْمِيزَانُ هَنَا مُرَادٌ بِهِ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، وَأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُتَضَمِّنٌ آلَةَ الْوَزْنِ وَزِيَادَةً. وَأَوْرَدَ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ هُنَا فِي مَبْحَثٍ مُفَصَّلٍ، فَذَكَرَ آيَةَ «الرَّحْمَنِ» ، وَآيَةَ «الْحَدِيدِ» ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْجَمِيعِ بِالتَّفْصِيلِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الرَّحْمَنِ» : وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [٥٥ \ ٧] ، مُقَابَلَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ رَفْعِ السَّمَاءِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ وَعَدْلٌ وَقُدْرَةٌ، وَالْمِيزَانُ وَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ، لِتَقُومُوا بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَبِهَذَا الْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ. وَفِي سُورَةِ «الْحَدِيدِ» اقْتِرَانُ الْمِيزَانِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [٥٧ \ ٢٥] . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ الْكِتَابِ هُوَ مِيزَانُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍ، وَعَدَمُ بَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ. فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَعَمَّ وَأَشْمَلَ آيَاتِ الْوَفَاءِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [٤ \ ٥٨] . وَقَدْ جَمَعَ لَفْظَ الْأَمَانَةِ ; لِيَعُمَّ بِهِ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْتَمَنَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ هُنَا الْمِيزَانُ مَعَ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَبِهِ يَسْتَوْفِي كُلُّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ فِي أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعَامُلِ، فَكُلُّ مَنْ غَشَّ فِي سِلْعَةٍ أَوْ دَلَّسَ أَوْ زَادَ فِي عَدَدٍ، أَوْ نَقَصَ أَوْ زَادَ فِي ذَرْعٍ، أَوْ نَقَصَ فَهُوَ مُطَفِّفٌ لِلْكَيْلِ، دَاخِلٌ تَحْتَ الْوَعِيدِ بِالْوَيْلِ. فَمَنْ بَاعَ ذَهَبًا مَثَلًا عَلَى أَنَّهُ صَافٍ مِنَ الْغِشِّ وَزْنَ دِرْهَمٍ، وَفِيهِ مِنَ النُّحَاسِ عُشْرُ الدِّرْهَمِ، فَقَدْ نَقَصَ وَطَفَّفَ لِنَفْسِهِ، فَأَخَذَ حَقَّ دِرْهَمٍ كَامِلٍ ذَهَبًا، وَنَقَصَ حَيْثُ أَعْطَى دِرْهَمًا إِلَّا عَشْرًا. وَمَنْ بَاعَ رِطْلًا سَمْنًا وَفِيهِ عُشْرُ الرِّطْلِ شَحْمًا، فَقَدْ طَفَّفَ بِمِقْدَارِ هَذَا الْعُشْرِ لِنَفْسِهِ، وَنَقَصَ وَبَخَسَ الْمُشْتَرِي بِمِقْدَارِ ذَلِكَ.

стр. 3992

وَهَكَذَا مَنْ بَاعَ ثَوْبًا عَشْرَ أَمْتَارٍ وَهُوَ يَنْقُصُ رُبُعَ الْمِتْرِ، فَقَدْ طَفَّفَ وَبَخَسَ بِمِقْدَارِ هَذَا الرُّبُعِ. وَهَكَذَا فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْأَوْلَادِ، وَبَيْنَ الْأَهْلِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ عَطَاءٌ وَأُخِذَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمِنْ بَابِ مَا يَذْكُرُهُ الْعُلَمَاءُ فِي مُنَاسَبَاتِ السُّوَرِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. فَقَدْ قَالَ أَبُو حَيَّانَ لَمَّا ذَكَرَ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَهَا مَصِيرَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَكَرَ هُنَا مِنْ مُوجِبَاتِ ذَلِكَ وَأَهَمِّهَا: تَطْفِيفُ الْكَيْلِ، وَبِخْسِ الْوَزْنِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ مُتَوَجِّهٌ، وَلَكِنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي السُّورَةِ السَّابِقَةِ: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [٨٢ \ ٤ - ٥] ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي كُلِّ مَا قَدَّمَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ، وَمَا أَخَّرَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ أَيْضًا خُصُوصَ مَا قَدَّمَ مِنْ وَفَاءٍ فِي الْكَيْلِ وَرُجْحَانٍ فِي الْوَزْنِ، وَمَا أَخَّرَ فِي تَطْفِيفٍ فِي الْكَيْلِ وَبَخْسٍ طَمَعًا فِي الْمَالِ وَجَمْعًا لِلتُّرَاثِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [٨٩ \ ١٩ - ٢٤] . وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ لِلْعَاقِلِ أَنَّ مَا طَفَّفَ مِنْ كَيْلٍ أَوْ بَخَسَ مِنْ وَزْنٍ مَهْمَا جَمَعَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُ وَرَاءَهُ وَمَسْئُولٌ عَنْهُ، وَنَادِمٌ عَلَيْهِ، وَقَائِلٌ: «يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي» ، وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ لِهَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ هُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ بِالْبَعْثِ، أَوِ الْيَقِينُ مَوْجُودٌ لَكِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ عَلَى غَيْرِ الْمُوقِنِينَ - أَيْ غَيْرِ مُبَالِينَ - كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي الْبَلَاغَةِ بِلَازِمِ الْفَائِدَةِ: جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحُ فَالْمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أَنَّ شَقِيقًا عَالِمٌ بِوُجُودِ الرِّمَاحِ فِي بَنِي عَمِّهِ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ

стр. 3993

مَعَهُ، وَلَكِنَّهُ رَأَى مِنْهُ عَدَمَ الْمُبَالَاةِ وَعَدَمَ الِاسْتِعْدَادِ، بِأَنْ وَضَعَ رُمْحَهُ أَمَامَهُ مُعْتَرِضًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يُؤَمِنُ بِوُجُودِ الرِّمَاحِ فِي بَنِي عَمِّهِ، وَهُوَ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ مَعَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَمْرٍ يَجْهَلُهُ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَهُ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنَ التَّأَهُّبِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَهَكَذَا هُنَا، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُسَوِّفٍ وَمُتَسَاهِلٍ كَمَا جَاءَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» إِلَخْ. أَيْ: وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [٨٣ \ ٦] يُفْهَمُ أَنَّ مُطَفِّفَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ هَذَا حَقِيقَةً غَالِبًا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى فِعْلِهِ، فَهُوَ الَّذِي سَيُحَاسِبُهُ وَيُنَاقِشُهُ، لِأَنَّهُ خَانَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ سُبْحَانَهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَقُلْ: يَوْمَ يُقْتَصُّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ غَرِيمِهِ، وَيَسْتَوْفِي كُلُّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ. تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ مَا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُطَفِّفِينَ، فَمَا ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وَأَنْتَ تَأْخُذُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ؟ ! . اهـ. إِنَّهَا مَقَالَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُقَالَ لِكُلِّ آكِلٍ أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيًّا كَانَ هُوَ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ. مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ مُتَبَايِعَيْنِ يَطْلُبُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْأَحَظُّ لِنَفْسِهِ، فَالْمُطَفِّفُ لَا بُدَّ أَنْ يُخْفِيَ طَرِيقَهُ عَلَى غَرِيمِهِ. وَذَكَرَ عُلَمَاءُ الْحِسْبَةِ طُرُقًا عَدِيدَةً مِمَّا يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَاصَّةً، وَلِلْمُتَعَامِلِ مَعَ غَيْرِهِ عَامَّةً أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهَا. مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: أَوَّلًا مِنْ نَاحِيَةِ الْمِكْيَالِ قَدْ يَكُونُ جِرْمُ الْمِكْيَالِ لَيِّنًا فَيَضْغَطُهُ بَيْنَ

стр. 3994

يَدَيْهِ، فَتَتَقَارَبُ جَوَانِبُهُ فَيَنْقُصُ مَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ، وَلِذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِنَاءُ الْكَيْلِ صَلْبًا، وَالْغَالِبُ جَعْلُهُ مِنَ الْخَشَبِ أَوْ مَا يُعَادِلُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَشَبًا مَنْقُورًا مِنْ جَوْفِهِ، وَلَكِنْ لَا يَبْلُغُ بِالتَّجْوِيفِ إِلَى نِهَايَةِ الْمِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ، فَيُرَى مِنْ خَارِجِهِ كَبِيرًا، وَلَكِنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ صَغِيرٌ لِقُرْبِ قَعْرِهِ. وَمِنْهَا: قَدْ يَكُونُ مَنْقُورًا إِلَى نِهَايَةِ الْحَدِّ الْمَطْلُوبِ، وَلَكِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهِ شَيْئًا يَشْغَلُ فَرَاغَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَيُثَبِّتُهُ فِي قَعْرِهِ. فَيَنْقُصُ مَا يُكَالُ بِقَدْرِ مَا يَشْغَلُ الْفَرَاغَ الْمَذْكُورَ، فَقَدْ يَضَعُ وَرَقًا أَوْ خِرَقًا أَوْ جِبْسًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. ثَانِيًا: مِنْ نَاحِيَةِ الْمِيزَانِ قَدْ يَبْرُدُ السَّنْجَ، أَيْ مَعَايِيرَ الْوَزْنِ حَتَّى يَنْقُصَ وَزْنُهَا، وَقَدْ يُجَوِّفُ مِنْهَا شَيْئًا وَيَمْلَأُ التَّجْوِيفَ بِمَادَّةٍ أَخَفَّ مِنْهَا. وَلِذَا يَجِبُ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَجْزَاءَ الْمَعَايِيرِ، وَقَدْ يَتَّخِذُ مُعَايَرًا مِنَ الْحَجَرِ فَتَتَنَاقَصُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ بِسَبَبِ مَا يَتَحَتَّتُ مِنْهَا عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَضَعَ تَحْتَ الْكِفَّةِ الَّتِي يَزِنُ فِيهَا السِّلْعَةَ شَيْئًا مُثْقِلًا لَاصِقًا فِيهَا، لِيَنْتَقِصَ مِنَ الْمَوْزُونِ بِقَدْرِ هَذَا الشَّيْءِ. وَلِكَيْلَا يَظْهَرَ هَذَا، فَتَرَاهُ دَائِمًا يَضَعُ الْمِعْيَارَ فِي الْكِفَّةِ الثَّانِيَةِ لِتَكُونَ رَاجِحَةً بِهَا. وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، كَأَنْ يَطْرَحَ السِّلْعَةَ فِي الْكِفَّةِ بِقُوَّةٍ، فَتُرَجَّحُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الدَّفْعِ، فَيَأْخُذَ السِّلْعَةَ حَالًا قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَعْلَى، مُوهِمًا النَّاظِرَ أَنَّهَا رَاجِحَةٌ بِالْمِيزَانِ. أَمَّا آلَةُ الذَّرْعِ، فَقَدْ يَكُونُ الْمِقْيَاسُ كَامِلًا وَافِيًا، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَقِيسَ الْمِتْرَ الْأَوَّلَ يَدْفَعُ بِالْآلَةِ إِلَى الْخَلْفِ، وَيَسْحَبُ بِالْمَذْرُوعِ إِلَى الْأَمَامِ بِمِقْدَارِ الْكَفِّ مَثَلًا، فَيَكُونُ النَّقْصُ مِنَ الْمَذْرُوعِ بِقَدْرِ مَا سَحَبَ مِنَ الْقُمَاشِ. وَكُلُّهَا أُمُورٌ قَدْ تَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ وَقَعَ لِي مَعَ بَائِعٍ أَنْ لَاحَظْتُ عَلَيْهِ فِي مِيزَانٍ مِمَّا يَرْفَعُهُ بِيَدِهِ حَتَّى أَعَادَ الْوَزْنَ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَأْتِي بِطَرِيقَةٍ تُغَايِرُ الْأُخْرَى، حَتَّى قَضَى مَا عِنْدَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ لِي: لَا أَبِيعُ بِهَذَا السِّعْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تُرِيدُ وَزِنْ كَمَا أُرِيدُ، فَطَلَبَ ضِعْفَ الثَّمَنِ، فَأَعْطَيْتُهُ فَأَعْطَانِي الْمِيزَانَ لِأَزِنَ بِنَفْسِي. وَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى حَالَاتِ الْبَاعَةِ، حِينَمَا يَكُونُ السِّعْرُ مُرْتَفِعًا وَتَجِدُ بَائِعًا يَبِيعُ

стр. 3995

بِرُخْصٍ، فَقَدْ يَكُونُ لِعِلَّةٍ فِي الْوَزْنِ أَوْ فِي السِّلْعَةِ، أَوْ مَضَرَّةِ الْآخَرِ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ وَحَقَائِقِهَا وَشَدَّةِ خَطَرِهَا كَانَ عُمَرُ ﵁ يَتَجَوَّلُ فِي السُّوقِ بِنَفْسِهِ، وَيَتَفَقَّدُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ. يُخْرِجُ مِنَ السُّوقِ مَنْ يَجِدُ فِي مِكْيَالِهِ أَوْ مِيزَانِهِ نُقْصَانًا، وَيَقُولُ: لَا تَمْنَعْ عَنَّا الْمَطَرَ. وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ تَفَقُّدُ ذَلِكَ بِاسْتِمْرَارٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيهَا الْوَازِعُ الدِّينِيُّ، وَتَشْتَدُّ فِيهَا الْأَسْعَارُ، بِمَا يُلْجِئُ الْبَاعَةَ إِلَى التَّحَايُلِ أَوِ الْعِنَادِ. وَقَدْ مَنَعَ عُمَرُ بَائِعَ زَبِيبٍ أَرْخَصَ السِّعْرَ، لِعِلْمِهِ أَنَّ تَاجِرًا قَدِمَ وَمَعَهُ زَبِيبٌ بِكَثْرَةٍ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: لِمَاذَا مَنَعْتَ الْبَيْعَ بِرُخْصٍ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يُفْسِدُ السُّوقَ، فَيَخْسَرُ الْقَادِمُ فَيَمْتَنِعُ مِنَ الْجَلْبِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذَا قَدْ رَبِحَ مِنْ قَبْلُ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ نَوْعَ الْمِكْيَالِ وَمِقْدَارَهُ وَنَوْعَ الْمِيزَانِ وَمِقْدَارَهُ مَرْجِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ، كَمَا قَالَ عُلَمَاءُ الْحِسْبَةِ: إِنَّ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُطِيعَ السُّلْطَانَ فِي أَرْبَعٍ: فِي نَوْعِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَنَوْعِ الْعُمْلَةِ الَّتِي يَطْرَحُهَا لِلتَّعَامُلِ بِهَا، وَإِعْلَانِ الْحَرْبِ أَوْ قَبُولِ الصُّلْحِ. فَإِذَا اتَّخَذَ الصَّاعَ أَوِ الْمُدَّ أَوِ الْكَيْلَةَ أَوِ الْوَيْبَةَ أَوِ الْقَدَحَ، أَوْ أَيَّ نَوْعٍ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، فَيَجِبُ التَّقَيُّدُ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ. وَكَذَلِكَ الْوَزْنُ؛ اتَّخَذَ الدِّرْهَمَ وَالْأُوقِيَّةَ وَالرِّطْلَ أَوِ الْأُقَّةَ، أَوِ اتَّخَذَ الْجِرَامَ وَالْكِيلُو، فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي قِسْمَةٍ مَثَلًا: كَقِسْمَةِ صَبْرَةٍ مِنْ حَبٍّ، فَتَرَاضَوْا عَلَى أَنْ يَقْتَسِمُوهَا بِإِنَاءٍ كَبِيرٍ لِلسُّرْعَةِ وَكَانَ مَضْبُوطًا، لَا تَخْتَلِفُ بِهِ الْمَرَّاتُ بِأَنْ يَكُونَ صَلْبًا وَيُمْكِنُ الْكَيْلُ بِهِ. أَوْ كَذَلِكَ الْوَزْنُ، اتَّفَقُوا عَلَى قِطْعَةِ حَدِيدٍ مُعَيَّنَةٍ، لِكُلٍّ وَاحِدٍ وَزْنُهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ قِسْمَةُ الْمَجْمُوعِ لَا مُثَامَنَةٌ عَلَى الْأَجْزَاءِ.

стр. 3996

أَمَّا الْمَكَايِيلُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْأَسَاسِيَّةُ وَالْمُوَازِينُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي زَكَاةِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ، وَزَكَاةِ النَّقْدَيْنِ، وَقَدَّمْنَا بَيَانَ مُقَابِلِهَا بِالْوَزْنِ الْحَدِيثِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [٧٠ \ ٢٤ - ٢٥] . وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. غَرِيبَةٌ. فِي لَيْلَةِ الْفَرَاغِ مِنْ كِتَابَةِ هَذَا الْمَبْحَثِ رَأَيْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَ عَنِّي، رَأَيْتُ مَنْ يَقُولُ لِي: إِنَّ لِتَطْفِيفِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ دَخْلًا فِي الرِّبَا، فَأَلْحَقْتُهُ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ، بَعْدَ أَنْ تَأَمَّلْتُهُ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا بِسَبَبِ الْمُفَاضَلَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ «رَانَ» : بِمَعْنَى غَطَّى كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُغَطِّيَهُ» الْحَدِيثَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَكَمْ رَانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فَاجِرِ ... فَتَابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَانَ فَانْجَلَى وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَأَصْلُ الرَّيْنِ: الْغَلَبَةُ، يُقَالُ: رَانَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَقْلِ شَارِبِهَا وَاشْتَدَّتْ: ثُمَّ لَمَّا رَآهُ رَانَتْ بِهِ الْخَـ ... ـمْرُ وَأَلَّا يُرِيَهُ بِانْتِفَاءِ بَيَانُ الْقِرَاءَاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ أَبُو حَيَّانَ: قُرِئَ «بَلْ رَانَ» بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ، وَبِالْإِظْهَارِ وَقَفَ حَفْصٌ عَلَى «بَلْ» وَقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِيَتَبَيَّنَ الْإِظْهَارُ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْبَاذِشِ: وَأَجْمَعُوا - يَعْنِي الْقُرَّاءَ - عَلَى إِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سَكْتِ حَفْصٍ عَلَى «بَلْ» ، ثُمَّ يَقُولُ: «رَانَ» . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ مِنَ الْإِجْمَاعِ. فَفِي كِتَابِ «اللَّوَامِعِ» عَنْ قَالُونَ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ: إِظْهَارُ اللَّامِ عِنْدَ الرَّاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

стр. 3997

«بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» [٤ \ ١٥٨] «بَلْ رَبُّكُمْ» [٢١ \ ٥٦] . وَفِي كِتَابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ: «بَلْ رَانَ» مِنْ غَيْرِ مُدْغَمٍ. وَفِيهِ أَيْضًا: وَقَرَأَ نَافِعٌ أَيْضًا بِالْإِدْغَامِ وَالْإِمَالَةِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْبَيَانُ وَالْإِدْغَامُ حَسَنَانِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ، وَبِالْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ أَجْوَدُ، وَأُمِيلَتِ الْأَلِفُ وَفُخِّمَتْ. اهـ. أَمَّا الْمَعْنَى فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ وَافِيًا فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ الْآيَةَ [١٨ \ ٥٧] . قَوْلُهُ تَعَالَى: خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ تَوْجِيهٌ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْمُنَافَسَةُ، وَهِيَ بِمَعْنَى الرَّغْبَةِ فِي الشَّيْءِ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: نَافَسَ فِي الشَّيْءِ: رَغِبَ فِيهِ، وَنَفَّسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أَنْفُسُ نَفَاسَةً، إِذَا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ تُحِبَّ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ، فَكُلٌّ يُسَابِقُ إِلَيْهِ لِيَحُوزَهُ لِنَفْسِهِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَفْتٌ لِأَوَّلِ السُّورَةِ، إِذَا كَانَ أُولَئِكَ يَسْعَوْنَ لِجَمْعِ الْمَالِ بِالتَّطْفِيفِ، فَلَهُمُ الْوَيْلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِذَا كَانَ الْأَبْرَارُ لَفِي نَعِيمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا شَرَابُهُمْ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْمُنَافِسَةِ، لَا فِي التَّطْفِيفِ مِنَ الْحَبِّ أَوْ أَيِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَصْفُهُمْ بِالْإِجْرَامِ هُنَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَغَامُزِهِمْ بِهِمْ،

стр. 3998

وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» بَيَانُ مُوجَبٍ آخَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [٢ \ ٢١٢] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» أَنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَ هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - هُنَاكَ، وَأَحَالَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْبَيَانِ لِنَوْعِ السُّخْرِيَةِ، وَزَادَ الْبَيَانَ فِي سُورَةِ «الْأَحْقَافِ» عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [٤٦ \ ١١] . وَمِنَ الدَّافِعِ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَنَتِيجَةُ قَوْلِهِمْ، وَسَاقَ آيَةَ «الْمُطَفِّفِينَ» عِنْدَهَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ سُورَةِ «الْوَاقِعَةِ» عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [٥٦ \ ٣] . وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا فِي غَيْرِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ. فَفِي قَوْمِ نُوحٍ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [١١ \ ٣٨] . وَكَانَ نَفْسُ الْجَوَابِ عَلَيْهِمْ: قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [١١ \ ٣٨ - ٣٩] . وَجَاءَ بِمَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى بِالرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [٦ \ ١٠] . وَمِثْلُهَا فِي سُورَةِ «الْأَنْبِيَاءِ» بِنَصِّ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ. تَنْبِيهٌ. إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ بَعْضِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا مَعَ بَعْضِ ضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ حَالُ بَعْضِ الْأُمَمِ مَعَ رُسُلِهَا، فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَأَثَّرَ بِسُخْرِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ عَلَى سُنَنِ غَيْرِهِ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَنْتَصِرُ لَهُ إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، كَمَا فِي نِهَايَةِ كُلِّ سِيَاقٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ.

стр. 3999

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَهَذَا رَدٌّ عَلَى سُخْرِيَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [٢ \ ٢١٢] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانَهُ فِي سُورَةِ «الْمُؤْمِنُونَ» عَلَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [٢٣ \ ١١١] . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 4000

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْشِقَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الِانْفِطَارِ» ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [٨٢ \ ١] ، وَالْإِحَالَةُ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي سُورَتَيِ «الشُّورَى» وَ «ق» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَادَّةِ «أَذِنَ» فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَذَانِ، «وَأَذِنَتْ» هُنَا بِمَعْنَى اسْتَمَعَتْ وَأَطَاعَتْ، «وَحُقَّتْ» أَيْ: حُقَّ لَهَا أَوْ هِيَ مَحْقُوقَةٌ بِذَلِكَ، أَيْ: لَا يُوجَدُ مُمَانِعٌ لِهَذَا الْأَمْرِ. وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي «أَذِنَتْ» ، أَيْ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُمَانَعَةً مِنْ تَشَقُّقِهَا، كَانَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الِامْتِثَالِ وَالِاسْتِمَاعِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لِلْجَمَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَالَةً لَا كَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَبْحَثِ أَوَّلِ «الْحَشْرِ» فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ مِنَ الْجَمَادَاتِ. وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي حَقِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا [٣ ٣ \ ٧٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [٤١ \ ١١] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أَيْ: سُوِّيَتْ وَأُزِيلَتْ جِبَالُهَا، وَسُوِّيَتْ وِهَادُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 4001

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [٢٠ \ ١٠٥ - ١٠٧] . وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَلِيٍّ. وَسَاقَ هَذَا الثَّانِي ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللَّهُ الْأَرْضَ مَدَّ الْأَدِيمِ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى» . الْحَدِيثَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُمَدُّ كَمَا يُمَدُّ الْأَدِيمُ الْعُكَاظِيُّ. وَعِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «يُزَادُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا» . وَقَالَ الرَّازِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى تَبَدُّلِ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ اسْتِبْدَالَ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الذَّهَابِ بِهَذِهِ الْمَوْجُودَةِ وَالْإِتْيَانِ بِأَرْضٍ جَدِيدَةٍ، لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْأَذَانِ: «مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا شَجَرٍ، يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ إِلَّا سَيَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالَّذِي يُؤْتَى لَهُ مِنْ جَدِيدٍ لَا يَتَأَتَّى لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَشْهَدْهُ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِنَّ تَسْيِيرَ الْجِبَالِ وَتَسْوِيَةَ الْأَرْضِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يُوجَدُ زِيَادَةً فِي وَجْهِ الْأَرْضِ وَمِسَاحَتِهَا، فَسَوَاءٌ مُدَّتْ بِكَذَا وَكَذَا - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - أَوْ مُدَّتْ بِتَوْسِعَةِ أَدِيمِهَا وَزِيدَ فِي بَسْطِهَا، بَعْدَ أَنْ تُلْقِي مَا فِي جَوْفِهَا كَالشَّيْءِ السَّمِيكِ إِذَا مَا ضُغِطَ، فَخَفَّتْ سِمَاكَتُهُ وَزَادَتْ مِسَاحَتُهُ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [٨٩ \ ٢١] . وَقَوْلُهُ: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [٦٩ \ ١٣ - ١٦] . فَيَكُونُ مَدُّ الْأَرْضِ بِسَبَبِ دَكِّهَا، فَيُزَادُ فِي بَسْطِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ هُوَ مَا يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ لِجَمْعِ الْأَمْرَيْنِ هُنَا، «وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ» ، فَهُوَ وِفْقُ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَبَعْدَهَا: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ

стр. 4002

قِيلَ: " أَلْقَتْ كُنُوزَهَا وَتَخَلَّتْ عَنْهَا، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: " أَلْقَتِ " الْمَوْتَى " وَتَخَلَّتْ " عَنْهُمْ بَعْدَ قِيَامِهِمْ وَبَعْثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ; فَلَمْ يَبْقَ فِي جَوْفِ الْأَرْضِ أَحَدٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: " وَتَخَلَّتْ ": أَيْ: بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَهُمْ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَبَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَهُمْ مِهَادًا، لَفَظَتْهُمْ وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ، وَهَذَا مَا يَزِيدُ فِي رَهْبَةِ الْمَوْقِفِ وَشِدَّتِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَلَّا مَلْجَأَ لَهُمْ وَلَا مَنْجَى إِلَّا إِلَى اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [٧٥ \ ١١ - ١٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ أَيْ: كَمَا أَذِنَتِ السَّمَاءُ، فَالْكَوْنُ كُلُّهُ أُذُنٌ مُطِيعٌ مُنْقَادٌ لِأَوَامِرِ اللَّهِ، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ قِيلَ: الْإِنْسَانُ لِلْجِنْسِ وَقِيلَ لِفَرْدٍ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَلَكِنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ لِلتَّقْسِيمِ الْآتِي، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِفَرْدٍ، وَإِنَّمَا لِلْجِنْسِ وَعَلَى أَنَّهُ لِلْجِنْسِ فَالْكَدْحُ الْعَمَلُ جُهْدَ النَّفْسِ. وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ... أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْشَ أَكْدَحُ وَقَالَ غَيْرُهُ مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الْكَدْحَ فِيهِ مَعْنَى النَّصَبِ: وَمَضَتْ بِشَاشَةُ كُلِّ عَيْشٍ صَالِحٍ ... وَبَقِيتُ أَكْدَحُ لِلْحَيَاةِ وَأَنْصَبُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [٩٠ \ ٤] كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَحَلِّهِ. تَنْبِيهٌ. مِنْ هَذَا الْعَرْضِ الْقُرْآنِيِّ الْكَرِيمِ مِنْ مُقَدِّمَةِ تَغْيِيرِ أَوْضَاعِ الْكَوْنِ سَمَاءً وَأَرْضًا، وَوَضْعِ الْإِنْسَانِ فِيهِ يَكْدَحُ إِلَى رَبِّهِ «كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ» ، أَيْ: بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ

стр. 4003

خِلَالِ كَدْحِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ الْمُتَبَصِّرَ لَا يَجْعَلُ كَدْحَهُ إِلَّا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ وَيَرْضَى هُوَ بِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ مَا دَامَ أَنَّهُ كَادِحٌ، لَا مَحَالَةَ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَامٌّ فِي الشُّمُولِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَهْمَا كَانَ حَالُهُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، وَمِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ، وَالْكُلُّ يَكْدَحُ وَيَعْمَلُ جَاهِدًا لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «اعْمَلُوا كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» أَيْ: وَمُجِدٌّ فِيهِ وَرَاضٍ بِهِ، وَهَذَا مُنْتَهَى حِكْمَةِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ. وَمِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، هُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مَعَ عِظَمِ جِرْمِهَا، وَالْأَرْضُ مَعَ مِسَاحَةِ أَصْلِهَا «وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ» ، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَتَحَمَّلْ أَمَانَةً، وَلَنْ تُسْأَلَ عَنْ وَاجِبٍ، فَكَيْفَ بِالْإِنْسَانِ عَلَى ضَعْفِهِ؟ ! أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [٧ ٩ \ ٢٧] ، وَقَدْ تَحْمِلُ أَمَانَةَ التَّكْلِيفِ فَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، فَكَانَ أَحَقُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي كَدْحِهِ، إِلَى أَنْ يَلْقَى رَبَّهُ لِمَا يُرْضِيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ بَيَانٌ لِمَصِيرِ الْإِنْسَانِ نَتِيجَةَ كَدْحِهِ، وَمَا سُجِّلَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ أَعْمَالِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ فِي «الِانْفِطَارِ» قَوْلَهُ: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [٨٢ \ ١٨] . وَجَاءَ فِي «الْمُطَفِّفِينَ» : كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [٨٣ \ ٧] ، ثُمَّ بَعْدَهُ: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [٨٣ \ ١٨] . جَاءَ هُنَا بَيَانُ إِتْيَانِهِمْ هَذِهِ الْكُتُبَ مِمَّا يُشِيرُ إِلَى ارْتِبَاطِ هَذِهِ السُّوَرِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فِي بَيَانِ مَآلِ الْعَالَمِ كُلِّهِ وَمَصِيرِ الْإِنْسَانِ نَتِيجَةَ عَمَلِهِ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ مَبَاحِثُ إِتْيَانِ الْكُتُبِ بِالْيَمِينِ وَبِالشِّمَالِ وَمِنْ وَرَاءِ الظَّهْرِ، عِنْدَ كُلٍّ مِنْ

стр. 4004

قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فِي سُورَةِ «الْإِسْرَاءِ» إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [١٧ \ ٧١] ، وَبَيْنَ أَحْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلُ الْيَمِينِ وَأَهْلُ الشِّمَالِ، وَأَحَالَ عَلَى أَوَّلِ السُّورَةِ. وَقَوْلُهُ: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [١٨ \ ٤٩] ، فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ» وَهُنَا ذَكَرَ حَالَةً مِنْ حَالَاتِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ. فَالْأُولَى: «يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا» وَهُوَ الْعَرْضُ فَقَطْ دُونَ مُنَاقَشَةٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» . وَالثَّانِيَةُ: يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ بِالثُّبُورِ وَهُوَ الْهَلَاكُ، وَمِنْهُ: الْمُوَاطَأَةُ عَلَى الشَّيْءِ، سُمِّيَتْ مُثَابَرَةً، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ فِي طَلَبِهِ. وَهُنَا مُقَابَلَةٌ عَجِيبَةٌ بَالِغَةُ الْأَهَمِّيَّةِ، وَذَلِكَ بَيْنَ سُرُورَيْنِ أَحَدُهُمَا آجِلٌ، وَالْآخِرُ عَاجِلٌ. فَالْأَوَّلُ فِي حَقِّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا يُنَادِي فَرَحًا: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [٦٩ \ ١٩] ، وَأَهْلُهُ آنَذَاكَ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ وَالْوِلْدَانِ، وَمِنْ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ [١٣ \ ٢٣] . وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [٥٢ \ ٢١] ، فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُلْحَقِينَ بِهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِمْ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ أَنْ يُعْلِمَ بِهَا مَنْ يَعْرِفُهُ مِنْ أَهْلِهُ، وَهَذَا مِمَّا يَزِيدُ سُرُورَ الْعَبْدِ، وَهُوَ السُّرُورُ الدَّائِمُ. وَالْآخَرُ سُرُورٌ عَاجِلٌ، وَهُوَ لِمَنْ أُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِشِمَالِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَلِهِمْ مَسْرُورِينَ فِي الدُّنْيَا، وَشَتَّانَ بَيْنَ سُرُورٍ وَسُرُورٍ. وَقَدْ بَيَّنَ هُنَا نَتِيجَةَ سُرُورِ أُولَئِكَ فِي الدُّنْيَا، بِأَنَّهُمْ يَصِلُونَ سَعِيرًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ سُرُورِ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ بَيَّنَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ خَوْفُهُمْ مِنَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [٥٢ \ ٢٦ - ٢٨] . وَهُنَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْمَعْ عَلَى عَبْدِهِ خَوْفَانِ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَمْنَانِ مَعًا،

стр. 4005

فَمَنْ خَافَهُ فِي الدُّنْيَا أَمَّنَهُ فِي الْآخِرَةِ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [٥٥ \ ٤٦] . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [٧٩ \ ٤٠ - ٤١] . وَمِنْ أَمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، وَقَضَى كُلَّ شَهَوَاتِهِ، وَكَانَ لَا يُبَالِي فَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ وَيَصْلَى سَعِيرًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [٥٦ \ ٤١ - ٤٧] ، تَكْذِيبًا لِلْبَعْثِ. وَقَوْلُهُ هَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ، هَذَا الظَّنُّ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمُطَفِّفِينَ: أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [٨٣ \ ٤ - ٥] ، مِمَّا يُشْعِرُ أَنَّ عَدَمَ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ أَوِ الشَّكَّ فِيهِ هُوَ الدَّافِعُ لِكُلِّ سُوءٍ وَالْمُضَيِّعُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ الْمُنْطَلَقُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَالْمَانِعُ لِكُلِّ شَرٍّ، وَالْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ هُوَ مُنْطَلَقُ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا فِي مُسْتَهَلِّ الْمُصْحَفِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [٢ \ ٢] . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ الشَّفَقُ لُغَةً: رِقَّةُ الشَّيْءِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُقَالُ شَيْءٌ شَفِيقٌ، أَيْ: لَا تَمَاسُكَ لَهُ لِرِقَّتِهِ، وَأَشْفَقَ عَلَيْهِ أَيْ: رَقَّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، وَالشَّفَقَةُ الِاسْمُ مِنَ الْإِشْفَاقِ وَهُوَ رِقَّةُ الْقَلْبِ، وَكَذَلِكَ الشَّفَقُ. قَالَ الشَّاعِرُ: تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقَا ... وَالْمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الْحَرَمِ فَالشَّفَقُ بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَحُمْرَتُهَا، فَكَأَنَّ تِلْكَ الرِّقَّةَ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وَنُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ: الشَّفَقُ: الْحُمْرَةُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِذَا ذَهَبَ، قِيلَ: غَابَ الشَّفَقُ. اهـ.

стр. 4006

وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فِي تَوْقِيتِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى غِيَابِ الشَّفَقِ، وَهُوَ الْحُمْرَةُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي بَعْدَهُ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي بَيَانِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [٣٠ \ ١٧ - ١٨] ، وَرَجَّحَ أَنَّ الشَّفَقَ: الْحُمْرَةُ. وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ قَوْلًا، قَالَ: وَزَعَمَ الْحُكَمَاءُ أَنَّ الْبَيَاضَ لَا يَغِيبُ أَصْلًا. وَقَالَ الْخَلِيلُ: صَعِدْتُ مَنَارَةَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَرَمَقْتُ الْبَيَاضَ، فَرَأَيْتُهُ يَتَرَدَّدُ مِنْ أُفُقٍ إِلَى أُفُقٍ، وَلَمْ أَرَهُ يَغِيبُ. وَقَالَ ابْنُ أُوَيْسٍ: رَأَيْتُهُ يَتَمَادَى إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَلَمَّا لَمْ يَتَجَدَّدْ وَقْتُهُ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ. اه. فَهُوَ بِهَذَا يُرَجِّحُ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ فِي مَعْنَى الشَّفَقِ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فِيهَا مَقَالٌ. فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ» . وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ الشَّوْكَانِيُّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ يَقُولُ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمُ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُبَادَةُ. وَمِنَ الْأَئِمَّةِ: الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْخَلِيلُ وَالْفَرَّاءُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَافَقَا الْجُمْهُورَ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَفِيهِ نَظَرٌ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ عَدَمِ غِيَابِ الْبَيَاضِ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفَلَكِ أَنَّ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ مِقْدَارُ دَرَجَتَيْنِ، وَالدَّرَجَةُ تُعَادِلُ أَرْبَعَ دَقَائِقَ، وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَسِيطٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، هُوَ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ لِلشَّيْءِ الْكَثِيرِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ

стр. 4007

الْوَسَقُ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَكِيلِ الْحَبِّ، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا. وَقِيلَ: فِيهِ مَعَانٍ أُخْرَى، وَلَكِنَّ هَذَا أَرْجَحُهَا. وَالْمَعْنَى هُنَا: وَاللَّيْلُ وَمَا جَمَعَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ. قِيلَ: كَأَنَّهُ أَقْسَمَ بِكُلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [٦٩ \ ٣٨ - ٣٩] . وَقَوْلُهُ: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ، أَيْ: اتَّسَعَ أَيْ تَكَامَلَ نُورُهُ، وَهُوَ افْتَعَلَ مِنْ وَسَقَ، وَالْقَاعِدَةُ الصَّرْفِيَّةُ أَنَّ فَاءَ الْفِعْلِ الْمِثَالِيِّ - أَيِ الَّذِي فَاؤُهُ وَاوٌ - إِذَا بُنِيَ عَلَى افْتَعَلَ تُقْلَبُ الْوَاوُ تَاءً وَتُدْغَمُ التَّاءُ فِي التَّاءِ، كَمَا فِي: وَصَلْتُهُ فَاتَّصَلَ وَوَزَنْتُهُ فَاتَّزَنَ، اوْتَصَلَ اوْتَزَنَ، وَهَكَذَا هُنَا اوْتَسَقَ. وَقَوْلُهُ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ: «لَتَرْكَبَنَّ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ، وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي يَا مُحَمَّدُ، وَيَعْنِي حَالَاتِ التَّرَقِّي وَالْعُلُوِّ وَالشَّدَائِدِ مَعَ الْقَوْمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى عَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: «طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ» : يَعْنِي سَمَاءً بَعْدَ سَمَاءٍ، أَيْ طِبَاقِ السَّمَاءِ، وَهُوَ عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَسْرُوقٍ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا السَّمَاءُ تَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهَا، تَتَشَقَّقُ بِالْغَمَامِ، ثُمَّ تَحْمَرُّ كَالْمُهْلِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ رَجَّحَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى وَالْمَعْنَى الْأَوَّلَ. وَقَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: «لَتَرْكَبُنَّ» بِالتَّاءِ وَبِضَمِّ الْبَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِلنَّاسِ كَافَّةً. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ لِمَعْنَاهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ مَعَانٍ عَدِيدَةً: طُفُولَةً، وَشَبَابًا، وَشُيُوخَةً، فَقْرًا وَغِنًى، وَقُوَّةً وَضَعْفًا، حَيَاةً وَمَوْتًا وَبَعْثًا، رَخَاءً وَشِدَّةً، إِلَى كُلِّ مَا تَحْتَمِلُهُ الْكَلِمَةُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْكُلُّ مُحْتَمَلٌ، وَكُلُّهُ مُرَادٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِعَامَّةِ النَّاسِ وَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذِ السِّيَاقُ فِي أُصُولِ الْبَعْثِ: «إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» ، «وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ» ، «فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ» وَذَكَرَ الْحِسَابَ الْمُنْقَلِبَ، ثُمَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُسْتَقْبَلِ «لَتَرْكَبُنَّ» ، وَلَوْ كَانَ لِأَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ لَكَانَ

стр. 4008

أَوْلَى بِهِ الْحَاضِرُ أَوِ الْمَاضِي، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ مَا سَيَأْتِي مِنَ الزَّمَنِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِجَدِيدٍ، إِذْ تَقَلُّبُ الْأَحْوَالِ فِي شَأْنِ الْحَيَاةِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الْأَذْهَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ. أَمَّا أُمُورُ الْآخِرَةِ مِنْ بَعْثٍ، وَحَشْرٍ، وَعَرْضٍ، وَمِيزَانٍ، وَصِرَاطٍ، وَتَطَايُرِ كُتُبٍ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِفِ، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ الْحَرِيَّةُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا، وَالْعَمَلِ لِأَجْلِهَا فِي كَدْحِهِ إِلَى رَبِّهِ، فَلِذَا جَاءَ بِذَلِكَ وَهُوَ مُشْعِرٌ بِاسْتِمْرَارِ حَالَةِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْكَدْحِ إِلَى حَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ. وَلَوِ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْمُقْسَمِ بِهِ مِنْ حَيْثُ تَطَوُّرِ الْحَالِ مِنْ شَفَقٍ، أَوْ آخَرِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لَيْلٍ، وَمَا جَمَعَ وَغَطَّى بِظَلَامِهِ، ثُمَّ قَمَرٌ يَبْدَأُ هِلَالًا إِلَى اتِّسَاقِ نُورِهِ - لَكَانَ انْتِقَالًا مِنْ تَغَيُّرِ حَرَكَاتِ الزَّمَنِ إِلَى تَغَيُّرِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ قَطْعًا، وَأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قِيلَ: الْمَنُّ: الْقَطْعُ وَالنَّقْصُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَاثَرَ شِلْوَهُ ... غَبْسٌ كَوَاسِبٌ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا وَالْقَهْدُ: ضَرْبٌ مِنَ الضَّأْنِ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ صَغِيرَةٌ آذَانُهُ، وَالْكَوَاسِبُ: الْوُحُوشُ، أَيْ: ذِئَابٌ أَوْ سِبَاعٌ لَا يَنْقَطِعُ طَعَامُهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنَنْتُ الْحَبْلَ إِذَا قَطَعْتَهُ. وَسَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهَا، فَقَالَ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ ذَلِكَ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ عَرَفَهُ أَخُو يَشْكُرَ، حَيْثُ يَقُولُ: فَتَرَى خَلْفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْـ ... ـعِ مَنِينًا كَأَنَّهُ أَهْبَاءُ قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْمَنِينُ: الْغُبَارُ ; لِأَنَّهَا تَقْطَعُهُ وَرَاءَهَا. وَقِيلَ: «غَيْرُ مَمْنُونٍ» أَيْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، لِتَكْمُلَ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «غَيْرُ مَمْنُونٍ» : أَيْ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ وَلَا مَنْقُوصٍ. وَذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ.

стр. 4009

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [١١ \ ١٠٨] ، وَرَدَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَمْتَنَ عَلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ مَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ إِلَّا بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وَمَنِّهِ عَلَيْهِمْ. انْتَهَى. وَمِمَّا يَشْهَدُ لِقَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ «غَيْرُ مَحْسُوبٍ» عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [٣ \ ٣٧] ، وَخُصُوصُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [٤٠ \ ٤٠] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا [٧٨ \ ٣٦] ، فَهُوَ بِمَعْنَى كَافِيًا مِنْ قَوْلِكَ: حَسْبِي: بِمَعْنَى كَافِينِي. وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مَقْصُودٌ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ قَوْلِ الْآخَرِينَ ; لِأَنَّ الْمَنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ مَا فِيهِ أَذًى وَتَنْقِيصٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى [٢ \ ٢٦٢] ، أَمَّا الْمَنُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ، فَهُوَ عَيْنُ الْإِكْرَامِ وَالزُّلْفَى إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 4010

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْبُرُوجِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ الْبُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ هُنَا: هَلْ هِيَ الْمَنَازِلُ أَوِ الْكَوَاكِبُ، أَوْ قُصُورٌ فِي السَّمَاءِ عَلَيْهَا حُرَّاسُهَا؟ وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ «الْحِجْرِ» ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [١٥ \ ١٦] ، وَفِي سُورَةِ «الْفُرْقَانِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [٢ ٥ \ ٦١] . وَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنَ الظُّهُورِ، وَمِنْهُ تَبَرُّجُ الْمَرْأَةِ، وَسَاقَ بَيَانَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ بُرُوجِ السَّمَاءِ وَعَدَدِ الْمَنَازِلِ الْمَذْكُورَةِ. وَبِمُنَاسَبَةِ ارْتِبَاطِ السُّوَرِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُ: لَمَّا ذَكَرَ مَآلَ الْفَرِيقَيْنِ وَتَطَايُرَ الصُّحُفِ فِي السُّورَةِ الْأُولَى، ذَكَرَ هُنَا عَمَلًا مِنْ أَشَدِّ أَعْمَالِ الْكُفَّارِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِصَّةِ الْأُخْدُودِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَقْوَى مِنْ هَذَا، هُوَ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ سَابِقًا انْفِطَارَ السَّمَاءِ، وَتَنَاثُرَ النُّجُومِ، وَانْشِقَاقَ السَّمَاءِ، وَإِذْنَهَا لِرَبِّهَا وَحُقَّ لَهَا ذَلِكَ - جَاءَ هُنَا بَيَانُ كُنْهِ هَذِهِ السَّمَاءِ أَنَّهَا عَظِيمَةُ الْبِنْيَةِ بِأَبْرَاجِهَا الضَّخْمَةِ أَوْ بُرُوجِهَا الْكَبِيرَةِ، فَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَأْذَنُ لِرَبِّهَا وَتُطِيعُ، وَتَنْشَقُّ لِهَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَنْفَطِرُ، فَأَوْلَى بِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ كَانُوا يُوعَدُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ بِهِ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقٍّ الْمُؤْمِنِينَ: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [٢١ \ ١٠٣] ، وَفِي حَقِّ الْكُفَّارِ:

стр. 4011

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [٤ ٣ \ ٨٣] ، وَسَيَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْثِ، حِينَمَا يَقُولُونَ: قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [٣٦ \ ٥٢] . فَالْيَوْمُ الْمَوْعُودُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الْمَوْعُودُ بِهِ لِمُجَازَاتِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَمَلِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ لَمْ يُصَرِّحْ هُنَا مَنِ الشَّاهِدُ وَمَا الْمَشْهُودُ، وَقَدْ ذُكِرَ الشَّاهِدُ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْحَاضِرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [٢ \ ١٨٥] ، وَقَوْلِهِ: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [٦ \ ٧٣] . وَذُكِرَ الْمَشْهُودُ بِمَعْنَى الْمُشَاهَدِ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [١١ \ ١٠٣] . فَالشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ قَدْ يَكُونَانِ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، وَذُكِرَ الشَّاهِدُ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَالْمَشْهُودُ مِنَ الْمَشْهُودِ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [٤ \ ٤١] . فَشَهِيدُ الْأُولَى: أَيُ شَهِيدٌ عَلَى الْأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَتْ فِيهَا، وَشَهِيدُ الثَّانِيَةِ: أَيْ شَاهِدٌ عَلَى الرُّسُلِ فِي أُمَمِهِمْ. وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ عِشْرِينَ قَوْلًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ مَا مُلَخَّصُهُ: الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ أَوِ النَّحْرِ، وَعَزَاهُ لِعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّاهِدُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَعَزَاهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَالشَّاهِدُ: الْإِنْسَانُ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَعَزَاهُ لِمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ. وَالشَّاهِدُ: هُوَ اللَّهُ، وَالْمَشْهُودُ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَعَزَاهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ. ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ صَالِحٌ لِكُلِّ مَا يُقَالُ لَهُ مُشَاهَدٌ، وَيُقَالُ لَهُ مَشْهُودٌ، فَلَمْ يَفْصِلْ مَا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْحُضُورِ، أَوِ الشَّهَادَةِ، وَمِثْلُهُ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ.

стр. 4012

وَقَدْ فَصَّلَ أَبُو حَيَّانَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، فَقَالَ: إِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْحُضُورِ، فَالشَّاهِدُ الْإِنْسَانُ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْيَوْمَ الْمَوْعُودَ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ كُلَّ مَنْ يَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ قَوْلًا. وَقَالَ: كُلٌّ لَهُ مُتَمَسِّكٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: أَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَهُوَ يَكْفِي عَنِ الْيَوْمِ الْمَشْهُودِ، بَلْ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَشْهَدُ فِيهِ، وَتُقَامُ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا سَيُعْرَضُ فِيهِ ; لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَلْقِ لَا لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ تَعْدَادُ الشُّهُودِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، مِمَّا يَتَنَاسَبُ مَعَ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ. وَمُجْمَلُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَكُونُ خَاصَّةً وَعَامَّةً وَأَعَمَّ مِنَ الْعَامَّةِ، فَمِنَ الْخَاصَّةِ: شَهَادَةُ الْجَوَارِحِ عَلَى الْإِنْسَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [٤١ \ ٢٠] ، وَقَوْلِهِ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [٣٦ \ ٦٥] ، وَهَذِهِ شَهَادَةُ فِعْلٍ وَمَقَالٍ لَا شَهَادَةُ حَالٍ، كَمَا بَيَّنَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ [٤١ \ ٢١ - ٢٢] ، وَرَدَّ اللَّهُ زَعْمَهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [٤١ \ ٢٣] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيَانُ شَهَادَةِ الْأَعْضَاءِ فِي سُورَةِ «يس» وَفِي سُورَةِ «النِّسَاءِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [٤ \ ٤٢] ، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ وَهُمُ الْحَفَظَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [٥٠ \ ٢٣] ، وَقَوْلِهِ: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [٥٠ \ ٢١] ، ثُمَّ شَهَادَةُ الرُّسُلِ كُلُّ رَسُولٍ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ -: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ [٥ \ ١١٧] ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْحَيَاةِ فَسَيُؤَدِّيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكَقَوْلِهِ فِي عُمُومِ الْأُمَمِ: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [١٦ \ ٨٩] .

стр. 4013

وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ الرُّسُلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [٤ \ ٤١] . وَمِنْهَا: شَهَادَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [٢ \ ١٤٣] . وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [٢ \ ١٤٣] . وَمِنْهَا: شَهَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْجَمِيعِ. وَهَذَا مَا يَتَنَاسَبُ مَعَ ذِكْرِ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَمُجَازَاةِ الْخَلَائِقِ عَلَيْهَا: وَسَيَأْتِي فِي نَفْسِ السِّيَاقِ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٨٥ \ ٩] ، وَهُوَ كَمَا تَرَى لَا يَتَقَيَّدُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا لَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَاخْتِلَافُ الشُّهُودِ وَتَعَدُّدِهِمْ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَتَعَدُّدِهِ، مِنْ فَرْدٍ إِلَى أُمَّةٍ إِلَى رُسُلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَعْنَى وَوَاقِعَةٌ بِالْفِعْلِ. وَقَدْ ذُكِرَتْ أَقْوَالٌ أُخْرَى، وَلَكِنْ لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّاهِدَ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ وَحْدَانِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهَا: الشَّاهِدُ الْمَخْلُوقَاتُ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِيرَادًا فِي ذَلِكَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ ; حَيْثُ سَاقَهَا كُلَّهَا بِأَدِلَّتِهَا إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السُّنَّةِ فَلَمْ يُورِدْهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ تَعْيِينُ الشَّهَادَاتِ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ. مِنْهَا الشَّهَادَةُ لِلْمُؤَذِّنِ: «مَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

стр. 4014

وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الْأَرْضِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِمَا عَمِلَ عَلَيْهَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [٩٩ \ ٤] . وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَ أَنْفَقَهُ. وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ وَشَفَاعَتُهُمَا لِصَاحِبِهِمَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ فِي هَذَا الْعَرْضِ إِشْعَارٌ يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ وَكَمَالِ الْعَدَالَةِ، وَهُوَ إِذَا كَانَ رَبُّ الْعِزَّةِ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَمُوَكِّلٌ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ وَلَا بِمَا سَجَّلَتْهُ مَلَائِكَتُهُ، وَيَسْتَنْطِقُ أَعْضَاءَهُمْ، وَيَسْتَشْهِدُ الرُّسُلَ عَلَى الْأُمَمِ وَالرَّسُولَ ﷺ عَلَى الرُّسُلِ، أَيْ بِأَنَّهُمْ بَلَّغُوا أُمَمَهُمْ رِسَالَاتِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَلِأَنْ لَا يَقْضِيَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ قَوْلُهُ: «إِنَّكُمْ تَحْتَكِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَقْضِي لَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنِ اقْتَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ» . الْحَدِيثَ. أَيْ: كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَلَا سِيَّمَا فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِعَيْنِهَا، إِذْ قَالُوا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ مَعَالِمُهَا وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ﷺ فِيهَا فَمَنْ بِالْوَحْيِ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ فِي الْقَضَاءِ؟ وَلِذَا قَالَ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَيِّنَةَ فَعِيلَةٌ مِنَ الْبَيَانِ، فَتَشْمَلُ كُلَّ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ مِنْ شَهَادَةٍ وَقَرِينَةٍ، كَمَا فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مِنَ الْقَرَائِنِ مَعَ إِخْوَتِهِ وَمَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ. إِلَخْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَجَوَابُ الْقَسَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، قِيلَ: مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: لَتُبْعَثُنَّ وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ: مَذْكُورٌ، فَقِيلَ: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» [٨٥ \ ١٠] وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ: «قُتِلَ» ، وَهَذَا نَخْتَارُهُ، وَحُذِفَتِ اللَّامُ - أَيْ لَقُتِلَ -

стр. 4015

وَحَسُنَ حَذْفُهَا كَمَا حَسُنَ فِي قَوْلِهِ: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [٩١ \ ١] ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [٩١ \ ٩] ، أَيْ: لَقَدْ أَفْلَحَ، وَيَكُونُ الْجَوَابُ دَلِيلًا عَلَى لَعْنَةِ اللَّهِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَتَنْبِيهًا لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ ; لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ. وَإِذَا كَانَ «قُتِلَ» هِيَ الْجَوَابَ فَهِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ غَيْرَهَا فَهِيَ جُمْلَةٌ إِنْشَائِيَّةٌ، دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ. وَقُرِئَ: «قُتِّلَ» بِالتَّشْدِيدِ، قَرَأَهَا الْحَسَنُ وَابْنُ مِقْسَمٍ، وَقَرَأَهَا الْجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ. اهـ. وَالْأُخْدُودُ: جَمْعُ خَدٍّ، وَهُوَ الشَّقُّ فِي الْأَرْضِ طَوِيلًا. وَقَوْلُهُ: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، الْوَقُودُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ، وَالْقِرَاءَةُ بِالْفَتْحِ كَالسَّحُورِ، وَالْوَضُوءِ. فَبِالْفَتْحِ: مَا تُوقِدُ بِهِ كَصَبُورٍ وَالْمَاءُ الْمُتَوَضَّأُ بِهِ، وَالطَّعَامُ الْمُتَسَحَّرُ بِهِ. وَبِالضَّمِّ: الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ، وَالْوُقُودُ بِالضَّمِّ: مَا تُوقِدُ بِهِ. ذَكَرَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَ «النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ» : بَدَلٌ مِنَ الْأُخْدُودِ. وَقِيلَ فِي مَعْنَاهَا عِدَّةُ أَقْوَالٍ، حَتَّى قَالَ أَبُو حَيَّانَ: كَسَلْتُ عَنْ نَقْلِهَا. وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ ثَلَاثَةً مِنْهَا. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مَلِكٌ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ السَّاحِرُ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرَ سِنِّي، وَحَضَرَ أَجَلِي، فَادْفَعْ إِلَيَّ غُلَامًا لِأُعَلِّمَهُ السِّحْرَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلَامًا كَانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ، وَكَانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ، فَأَتَى الْغُلَامُ الرَّاهِبَ، فَسَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ فَأَعْجَبَهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، وَقَالَ مَا حَبَسَكَ؟ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا: مَا حَبَسَكَ؟ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ السَّاحِرُ ضَرْبَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا أَرَادَ أَهْلُكَ أَنْ يَضْرِبُوكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِيَ السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ فَظِيعَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرَ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرَ السَّاحِرِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ النَّاسُ، وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ فَأَخْبَرَ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا

стр. 4016

تَدُلَّ عَلَيَّ، فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَسَائِرَ الْأَدْوَاءِ وَيَشْفِيهِمْ، وَكَانَ لِلْمَلِكِ جَلِيسٌ أَعْمَى فَسَمِعَ بِهِ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: اشْفِنِي. فَقَالَ: مَا أَنَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ فَإِنْ آمَنْتَ بِهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ، فَدَعَا اللَّهَ فَشَفَاهُ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا فُلَانُ، مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ فَقَالَ: رَبِّي، فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: لَا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلَامِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَهَذِهِ الْأَدْوَاءَ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ قَالَ: أَنَا. قَالَ: لَا، قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ أَيْضًا بِالْعَذَابِ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَأُوتِيَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِهِ أَيْضًا، وَقَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَدَهْدِهُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمَّا عَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَبَعَثَ بِهِ نَفَرًا إِلَى الْبَحْرِ فِي قُرْقُورٍ، فَقَالَ: إِذَا لَجَجْتُمْ بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَأَغْرِقُوهُ، فَقَالَ الْغُلَامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَغَرِقُوا هُمْ، وَجَاءَ الْغُلَامُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، وَتَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَفَعَلَ، وَوَضَعَ السَّهْمَ فِي قَوْسِهِ وَرَمَاهُ بِهِ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِ الْغُلَامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، فَقَدْ وَاللَّهِ وَقَعَ بِكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ فِيهَا الْأَخَادِيدُ، وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ وَإِلَّا فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، قَالَ: فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ وَيَتَدَافَعُونَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ، فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِي النَّارِ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهُ ; فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْغُلَامَ دُفِنَ فَوُجِدَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيَدُهُ عَلَى صُدْغِهِ، كُلَّمَا رُفِعَتْ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ جُرْحِهِ، وَإِذَا تُرِكَتْ أُعِيدَتْ عَلَى الْجُرْحِ» . وَقَدْ سُقْنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَهِيَ مِنْ أَمْثَلِ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِمَا فِيهَا مِنَ

стр. 4017

الْعِبَرِ، وَالَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ، حَيْثُ إِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، عَزَاهَا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمُسْلِمٍ، أَيْ لِصِحَّةِ سَنَدِهَا مَرْفُوعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ الْآتِي: الْأَوَّلُ: أَنَّ السِّحْرَ بِالتَّعَلُّمِ كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ، هَارُوتَ وَمَارُوتَ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ. الثَّانِي: إِمْكَانُ اجْتِمَاعِ الْخَيْرِ مَعَ الشَّرِّ، إِذَا كَانَ الشَّخْصُ جَاهِلًا بِحَالِ الشَّرِّ، كَاجْتِمَاعِ الْإِيمَانِ مَعَ الرَّاهِبِ مَعَ تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِنَ السَّاحِرِ. ثَالِثًا: إِجْرَاءُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى أَيْدِي دُعَاةِ الْخَيْرِ، لِبَيَانِ الْحَقِّ، وَالتَّثْبِيتِ فِي الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ الْغُلَامُ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرَ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرَ السَّاحِرِ؟ الرَّابِعُ: أَنَّهُ كَانَ أَمْيَلَ بِقَلْبِهِ إِلَى أَمْرِ الرَّاهِبِ، إِذْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِ الرَّاهِبِ وَلَمْ يَسَلْ عَنْ أَمْرِ السَّاحِرِ؟ الْخَامِسُ: اعْتِرَافُ الْعَالِمِ بِالْفَضْلِ لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، كَاعْتِرَافِ الرَّاهِبِ لِلْغُلَامِ. السَّادِسُ: ابْتِلَاءُ الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ وَوُجُوبُ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَتَفَاوُتُ دَرَجَاتِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. السَّابِعُ: إِسْنَادُ الْفِعْلِ كُلِّهِ لِلَّهِ، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ. الثَّامِنُ: رَفْضُ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ الْأَجْرَ عَلَى عَمَلِهِ وَهِدَايَتِهِ: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ [٦ \ ٩٠] . التَّاسِعُ: بَيَانُ رُكْنٍ أَصِيلٍ فِي قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ، وَهُوَ أَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ الدُّعَاءِ وَسُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى. الْعَاشِرُ: غَبَاوَةُ الْمَلِكِ الْمُشْرِكِ الْمُغْلَقِ قَلْبُهُ بِظَلَامِ الشِّرْكِ، حَيْثُ ظَنَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ الَّذِي شَفَى جَلِيسَهُ. وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ لَهُ شَيْئًا، وَكَيْفَ يَكُونُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ؟ الْحَادِيَ عَشَرَ: اللُّجُوءُ إِلَى الْعُنْفِ وَالْبَطْشِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْإِقْنَاعِ وَالْإِفْهَامِ أُسْلُوبُ الْجَهَلَةِ وَالْجَبَابِرَةِ. الثَّانِيَ عَشَرَ: مُنْتَهَى الْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ فِي نَشْرِ الْإِنْسَانِ، بِدُونِ هَوَادَةٍ.

стр. 4018

الثَّالِثَ عَشَرَ: مُنْتَهَى الصَّبْرِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ، وَهَكَذَا كَانَ فِي الْأُمَمِ الْأُولَى، وَبَيَانُ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِذْ جَازَ لَهَا التَّلَفُّظُ بِمَا يُخَالِفُ عَقِيدَتَهَا وَقَلْبُهَا مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ قَوْلُهُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْكُفْرِ بِالْإِهْلَاكِ الْعَظِيمِ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا خُوِّفَ مِنْهُ، وَأَنَّ إِظْهَارَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ كَالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ، وَقَالَ لِلْآخَرِ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَا، بَلْ أَنْتَ كَذَّابٌ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا الَّذِي تَرَكَ فَأَخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الَّذِي قُتِلَ فَأَخَذَ بِالْأَفْضَلِ فَهَنِيئًا لَهُ» . وَتَقَدَّمَ بَحْثُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -. الرَّابِعَ عَشَرَ: إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْغُلَامِ وَنُصْرَةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. الْخَامِسَ عَشَرَ: التَّضْحِيَةُ بِالنَّفْسِ فِي سَبِيلِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ دَلَّ الْغُلَامُ الْمَلِكَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الْغُلَامُ بِهَا مِنْ إِقْنَاعِ النَّاسِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَلَوْ كَانَ الْوُصُولُ لِذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهِ هُوَ. السَّادِسَ عَشَرَ: إِبْقَاءُ جِسْمِهِ حَتَّى زَمَنِ عُمَرَ ﵁ إِكْرَامًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَالدُّعَاةِ مِنْ أَنْ تَأْكُلَ الْأَرْضُ أَجْسَامَهُمْ. السَّابِعَ عَشَرَ: إِثْبَاتُ دَلَالَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَعْثِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَوْدَةِ الْيَدِ مَكَانَهَا بِحَرَكَةٍ مَقْصُودَةٍ. التَّاسِعَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْقِصَّةِ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ حُدِّثُوا بِهَا تَخْوِيفًا مِنْ عَوَاقِبِ أَفْعَالِهِمْ بِضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي تَمَامِ الْقِصَّةِ. الْعِشْرُونَ: نُطْقُ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ بِالْحَقِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: هُمْ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: قُعُودٌ، ذُكِرَ فِيهِمَا خِلَافٌ.

стр. 4019

فَقِيلَ: رَاجِعَانِ إِلَى مَنْ أُحْرِقُوا وَأُقْعِدُوا عَلَيْهَا. وَقِيلَ: رَاجِعَانِ إِلَى الْكُفَّارِ. وَعَلَيْهِ فَفِي قَوْلِهِ: «عَلَيْهَا قُعُودٌ» إِشْكَالٌ، وَهُوَ: كَيْفَ يَتَمَكَّنُ لَهُمُ الْقُعُودُ عَلَى النَّارِ. فَقِيلَ: إِنَّهَا رَجَعَتْ عَلَيْهِمْ فَأَحْرَقَتْهُمْ، فَقُعُودُهُمْ عَلَيْهَا حَقِيقَةٌ. وَقِيلَ: قُعُودٌ عَلَى حَافَّتِهَا، كَمَا تَقُولُ: قُعُودٌ عَلَى النَّهْرِ، أَوْ عَلَى الْبِئْرِ، أَوْ عَلَى حَافَّتِهِ وَحَوْلِهِ، كَمَا يُقَالُ: نَزَلَ فُلَانٌ عَلَى مَاءِ كَذَا، أَيْ: عِنْدَهُ. وَأَنْشَدَ أَبُو حَيَّانَ بَيْتَ الْأَعْشَى: تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا ... وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى وَالْمُحَلِّقُ وَقَدِ اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الْآتِي: فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [٨ ٥ \ ١٠] فَقَالَ: الْحَرِيقُ فِي الدُّنْيَا، وَجَهَنَّمُ فِي الْآخِرَةِ. وَلَكِنْ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الضَّمَائِرَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْمُؤْمِنِينَ وَأَحْرَقُوهُمْ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [٨٥ \ ١٠] حَيْثُ رَتَّبَ الْعَذَابَ الْمَذْكُورَ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ، وَجَاءَ بِثُمَّ الَّتِي هِيَ لِلتَّرَاخِي، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ تَحْرِقْهُمْ نَارُهُمُ انْتِقَامًا مِنْهُمْ حَالًا، بَلْ أُمْهِلُوا لِيَتُوبُوا مِنْ فِعْلَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وَإِلَّا فَلَهُمُ الْعَذَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْآخِرَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ بِمَعْنَى حُضُورٌ، يَتَّفِقُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [٨٥ \ ٦] ، أَيْ: حُضُورٌ يُشَاهِدُونَ إِحْرَاقَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي التَّبْكِيتِ بِهِمْ، إِذْ يَرَوْنَ هَذَا الْمَظْهَرَ بِأَعْيُنِهِمْ وَلَمْ يُشْفِقُوا بِهِمْ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِثَبَاتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ هَذَا مَا يُسَمَّى أُسْلُوبُ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، وَنَظِيرُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

стр. 4020

وَذَكَرَ أَبُو حَيَّانَ قَوْلَ الشَّاعِرِ - وَهُوَ قَيْسُ الرُّقَيَّاتِ -: مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا ... أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا وَقَوْلَ الْآخَرِ: وَلَا عَيْبَ فِيهَا غَيْرَ شُكْلَةِ عَيْنِهَا ... كَذَاكَ عِنَاقُ الطَّيْرِ شُكْلًا عُيُونُهَا يُقَالُ عَيْنٌ شَكْلَاءُ: إِذَا كَانَ فِي بَيَاضِهَا حُمْرَةٌ قَلِيلَةٌ يَسِيرَةٌ. وَقَدَّمْنَا أَنَّ نِقْمَتَهُمْ عَلَيْهِمْ لِلْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، لَا عَلَى الْمَاضِي إِلَّا أَنْ آمَنُوا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ تَرْجِعُوا عَنْ دِينِكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تُلْقَوْا فِي النَّارِ، وَلَمْ يَحْرِقُوهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمُ السَّابِقِ، بَلْ عَلَى إِصْرَارِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ. وَالْإِتْيَانُ هُنَا بِصِفَتَيِ اللَّهِ تَعَالَى: «الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى نُصْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالِانْتِقَامِ مِنَ الْكَافِرِينَ، إِذِ الْعَزِيزُ هُوَ الْغَالِبُ، كَمَا يَقُولُونَ: مَنْ عَزَّ بَزَّ، وَلَكِنْ جَاءَ وَصْفُهُ بِالْحَمِيدِ ; لِيُشْعِرَ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ آمَنُوا رَغْبَةً وَرَهْبَةً، رَغْبَةً فِي الْحَمِيدِ عَلَى مَا يَأْتِي: «الْغَفُورُ الْوَدُودُ» [٨٥ \ ١٤] ، وَرَهْبَةً مِنَ الْعَزِيزِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، [٨٥ \ ١٢] وَهَذَا كَمَالُ الْإِيمَانِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَأَحْسَنُ حَالَاتِ الْمُؤْمِنِ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي: حَتَّى لَا يَيْأَسَ أُولَئِكَ الْكُفَّارُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، كَمَا قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [٨٥ \ ١٠] ; إِذْ أَعْطَاهُمُ الْمُهْلَةَ مِنْ آثَارِ صِفَتِهِ الْحَمِيدِ سُبْحَانَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، إِذْ لَا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَانِهِ أَحَدٌ، فَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْمُدَبِّرُ أَمْرَ مُلْكِهِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ رَبْطٌ بِأَوَّلِ السُّورَةِ: «وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ» [٨٥ \ ٣] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وَمِنْ ذَلِكَ فِعْلُ أُولَئِكَ، وَفِيهِ شِدَّةُ تَخْوِيفِ أُولَئِكَ وَتَحْذِيرُهُمْ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ، بِأَنَّ اللَّهَ

стр. 4021

تَعَالَى شَهِيدٌ عَلَى أَفْعَالِهِمْ فَلَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. وَقَدْ جَاءَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي شَهِيدٍ ; لِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ هَذَا الْمَقَامِ، كَمَا فِيهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْفِعْلِ، كَمَا كَانُوا قُعُودًا عَلَى النَّارِ وَشُهُودًا عَلَى إِحْرَاقِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ سَيُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ، إِذْ يَحْرِقُهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، وَ «فَتَنُوا» بِمَعْنَى أَحْرَقُوا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي كُلِّ مَنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَرُدُّوهُمْ عَنْهُ بِأَيِّ أَنْوَاعِ الْفِتْنَةِ وَالتَّعْذِيبِ. وَقَدْ رَجَّحَ الْأَخِيرَ أَبُو حَيَّانَ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى ; لِيَشْمَلَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بِالْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، وَتَوْجِيهِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ مِمَّا أَوْقَعُوهُ بِضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: كَعَمَّارٍ، وَبِلَالٍ، وَصُهَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَيُرَجِّحُ هَذَا الْعُمُومَ الْعُمُومُ الْآخَرُ الَّذِي يُقَابِلُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [٨٥ \ ١١] فَهَذَا عَامٌّ بِلَا خِلَافٍ فِي كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فِي مَقَامِ الْمَنْطُوقِ بِالْمَفْهُومِ مِنَ «الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» ، كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قِيلَ: يُبْدِئُ الْخَلْقَ وَيُعِيدُهُ، كَالزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ وَالْإِنْسَانِ، بِالْمَوْلِدِ وَالْمَوْتِ، ثُمَّ بِالْبَعْثِ. وَقِيلَ: يَبْدَأُ الْكُفَّارَ بِالْعَذَابِ وَيُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَدَلَّ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [٤ \ ٥٦] . وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهَا أَوْفَرَ مَا تَكُونُ سِمَنًا، فَتَطَؤُهُ بِخِفَافِهَا، فَتَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا أُعِيدَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا، حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ الْخَلَائِقِ فَيَرَى مَصِيرَهُ إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى نَارٍ»

стр. 4022

إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فِي صَاحِبِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالذَّهَبِ. وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - هُوَ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [١٠ \ ٤] . وَقَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [١٠ \ ٣٤] . وَجَعَلَهُ آيَةً عَلَى قُدْرَتِهِ، وَدَلِيلًا عَلَى عَجْزِ وَنَقْصِ الشُّرَكَاءِ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَقَوْلِهِ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [٢١ \ ١٠٤] . قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَعْدَ عَرْضِ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ ; تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَثْبِيتًا لَهُمْ، وَزَجْرًا لِلْمُشْرِكِينَ وَرَدْعًا لَهُمْ، جَاءَ بِأَخْبَارٍ لِبَعْضِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْأُمَمِ وَفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ، بَدَلٌ مِنَ الْجُنُودِ، وَهُمْ جَمْعُ جُنْدٍ، وَهُمُ الْكَثْرَةُ وَأَصْحَابُ الْقُوَّةِ، وَحَدِيثُهُ مَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ خَبَرِهِ مَعَ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَفِي اخْتِيَارِ فِرْعَوْنَ هُنَا بَعْدَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ ; لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُشَابَهَةِ، إِذْ فِرْعَوْنُ طَغَى وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، كَمَلِكِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ الَّذِي قَالَ لِجَلِيسِهِ: أَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ وَلِتَعْذِيبِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَقْتِيلِ الْأَوْلَادِ وَاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ، وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، وَلِتَقْدِيمِ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ الدَّاعِيَةِ، إِذْ مُوسَى ﵇ قَدَّمَ لِفِرْعَوْنَ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى، وَالْغُلَامُ قَدَّمَ لِهَذَا الْمَلِكِ الْآيَاتِ الْكُبْرَى: إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَجَزَ فِرْعَوْنُ عَنْ مُوسَى وَإِدْرَاكِهِ، وَعَجَزَ الْمَلِكُ عَنْ قَتْلِ الْغُلَامِ ; إِذْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ الْإِغْرَاقِ وَالدَّهْدَهَةِ مِنْ قِمَّةِ الْجَبَلِ، فَكَانَ لِهَذَا أَنْ يَرْعَوِيَ عَنْ ذَلِكَ وَيَتَفَطَّنَ لِلْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّ سُلْطَانَهُ أَعْمَاهُ كَمَا أَعْمَى فِرْعَوْنَ. وَكَذَلِكَ آمَنَ السَّحَرَةُ ; لَمَّا رَأَوْا آيَةَ مُوسَى، وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا. وَهَكَذَا هُنَا آمَنَ النَّاسُ بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَوَقَعَ الْمَلِكُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، إِذْ جَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ ; لِيَشْهَدَ النَّاسُ عَجْزَ مُوسَى وَقُدْرَتَهُ، فَانْقَلَبَ الْمَوْقِفُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلُ

стр. 4023

النَّاسِ إِيمَانًا هُمْ أَعْوَانُ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى، وَهَكَذَا هُنَا كَانَ أَسْرَعُ النَّاسِ إِيمَانًا الَّذِي جَمَعَهُمُ الْمَلِكُ لِيَشْهَدُوا قَتْلَهُ لِلْغُلَامِ. فَظَهَرَ تَنَاسُبُ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَمِ الطَّاغِيَةِ السَّابِقَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكُلِّ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا مُنْتَهَى الْإِعْجَازِ فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ وَأُسْلُوبِهِ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ ثَمُودُ، لِمَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ مَظَاهِرِ الْقُوَّةِ وَالطُّغْيَانِ، وَقَدْ جَمَعَهَا اللَّهُ أَيْضًا مَعًا فِي سُورَةِ «الْفَجْرِ» فِي قَوْلِهِ: وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ [٨٩ \ ٩ - ١٠] ، وَهَكَذَا جَمَعَهَا هُنَا «فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ أَيْ: مُسْتَمِرٍّ فِي كُلِّ الْأُمَمِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ «الِانْشِقَاقِ» قَبْلَهَا: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [٨٤ \ ٢٢] . فَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ نَصْرٍ تَاجُ الْقُرَّاءِ، فِي كِتَابِهِ «أَسْرَارُ التَّكْرَارِ فِي الْقُرْآنِ» : إِنَّ الْمُغَايِرَةَ لِمُرَاعَاةِ رُءُوسِ الْآيِ وَالْفَوَاصِلِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ السِّيَاقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُرَاعَاةُ السِّيَاقِ لَا فَوَاصِلُ الْآيِ ; لِأَنَّ فِي سُورَةِ «الِانْشِقَاقِ» الْحَدِيثَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [٨٤ \ ١٩ - ٢٢] . وَفِي سُورَةِ «الْبُرُوجِ» هُنَا ذَكَرَ الْأُمَمَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَثَمُودَ، وَأَصْحَابِ الْأُخْدُودِ، وَالْمُشْرِكِينَ فِي مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [٨٥ \ ١٩] فَنَاسِبَ هَذَا هُنَا، وَنَاسَبَ ذَاكَ هُنَاكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4024

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الطَّارِقِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ أَصْلُ الطَّرْقِ فِي اللُّغَةِ: الدَّقُّ، وَمِنْهُ الْمِطْرَقَةُ ; وَلِذَا قَالُوا لِلْآتِي لَيْلًا: طَارِقٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى طَرْقِ الْبَابِ. وَعَلَيْهِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٌ ... فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ أَيْ جِئْتُهَا لَيْلًا، وَقَوْلُ الْآخَرِ: أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا ... وَجَدْتُ بِهَا طِيبًا وَإِنْ لَمْ تَطَيَّبِ وَقَوْلُ جَرِيرٍ: طَرَقَتْكَ صَائِدَةُ الْقُلُوبِ وَلَيْسَ ذَا ... وَقْتِ الزِّيَارَةِ فَارْجِعِي بِسَلَامِ وَفِي الْحَدِيثِ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحِمَنُ» ، فَهُوَ لَفْظٌ عَمَّ فِي كُلِّ مَا يَأْتِي شَيْئُهُ الْمُفَاجِئِ، وَلَكَأَنَّهُ يَأْتِي فِي حَالَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ، وَلَكِنَّهُ هُنَا خُصَّ بِمَا فُسِّرَ بِهِ بَعْدَهُ فِي: قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ فَقِيلَ: مَا يَثْقُبُ الشَّيَاطِينَ عِنْدَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [٧ ٢ \ ٩] فَيَكُونُ عَامًّا فِي كُلِّ نَجْمٍ. وَقِيلَ: خَاصٌّ، فَقِيلَ: زُحَلُ، وَقِيلَ: الْمَرِّيخُ، وَقِيلَ: الثُّرَيَّا ; لِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ النَّجْمُ عِنْدَ الْعَرَبِ كَانَ مُرَادًا بِهِ الثُّرَيَّا. وَتَقَدَّمَ هَذَا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - فِي أَوَّلِ سُورَةِ «النَّجْمِ» .

стр. 4025

وَقِيلَ: «الثَّاقِبُ» : الْمُضِيءُ، يَثْقُبُ الظَّلَامَ بِضَوْئِهِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ لِلْجِنْسِ عَامَّةً ; لِأَنَّ النُّجُومَ كُلَّهَا مُضِيئَةٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ سُفْيَانُ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ، «وَمَا أَدْرَاكَ» فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَالَ فِيهِ: «وَمَا يُدْرِيكَ» ، لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ الْغَالِبُ، فَقَدْ جَاءَتْ: «وَمَا أَدْرَاكَ» ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً، كُلُّهَا أَخْبَرَهُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ فِي الْحَاقَّةِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [٦٩ \ ٣] ، وَمَا عَدَاهَا، فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهَا، وَهِيَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ [٧٤ \ ٢٧ - ٢٨] . وَفِي «الْمُرْسَلَاتِ» : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ [٧٧ \ ١٤] . وَفِي «الِانْفِطَارِ» : وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [٨٢ \ ١٧ - ١٩] . وَفِي «الْمُطَفِّفِينَ» : وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ [٨٣ \ ٨ - ٩] . وَفِي «الْبَلَدِ» : وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ [٩٠ \ ١٢ - ١٣] . وَفِي «الْقَدْرِ» : وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [٩٧ \ ٢ - ٣] . وَفِي «الْقَارِعَةِ» : وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [١٠١ \ ٣] . وَأَيْضًا: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ [١٠١ \ ٩ - ١١] ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ، فَكُلُّهَا أَخْبَرَهُ عَنْهَا إِلَّا فِي «الْحَاقَّةِ» . تَنْبِيهٌ. يُلَاحَظُ أَنَّهَا كُلُّهَا فِي قِصَارِ السُّوَرِ مِنَ «الْحَاقَّةِ» وَمَا بَعْدَهَا، أَمَّا «مَا يُدْرِيكَ» ، فَقَدْ جَاءَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَطْ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [٣٣ \ ٦٣] ، فِي «الْأَحْزَابِ» : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [٤٢ \ ١٧] ، فِي «الشُّورَى» ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [٨٠ \ ٣] فِي «عَبَسَ وَتَوَلَّى» ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ فِيهَا صَرَاحَةً، إِلَّا أَنَّهُ فِي

стр. 4026

الثَّالِثَةِ قَدْ يَكُونُ أَخْبَرَهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ: هَلْ هُوَ تَزَكَّى أَمْ لَا؟ إِلَّا أَنَّ لَعَلَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالسَّمَاءِ، وَبِالنَّجْمِ الطَّارِقِ ; لِعَظَمِ أَمَرِهِمَا، وَكِبَرِ خَلْقِهِمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [٥ ٦ \ ٧٥ - ٧٦] ; وَلِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. وَفِيمَا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - تَرْجِيحُ كَوْنِ مَوَاقِعِ النُّجُومِ: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [٥٣ \ ١] : إِنَّمَا هُوَ نُجُومُ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِيلُهُ مُنَجَّمًا وَهُوَ بِهِ نُزُولُ الْمَلِكِ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ قِيلَ: «حَافِظٌ» لِأَعْمَالِهِ يُحْصِيهَا عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [٥٠ \ ١٨] . وَقِيلَ: «حَافِظٌ» أَيْ: حَارِسٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [١٣ \ ١١] ، وَالسِّيَاقُ يَشْهَدُ لِلْمَعْنَيَيْنِ مَعًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى بَعْدَهُ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [٨٦ \ ٥ - ٧] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْمَرَاحِلِ فِي حِفْظٍ، فَهُوَ أَوَّلًا: «فِي قَرَارٍ مَكِينٍ» [٢٣ \ ١٣] . وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا» . الْحَدِيثَ. وَبَعْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ، فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، فَلَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ لَهُ مُتَعَلِّقٌ يَخْتَصُّ بِزَمَنٍ خِلَافِ الْآخَرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ «الْإِنْسَانُ» هُنَا خَاصٌّ بِبَنِي آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ عَامَّةً، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ آدَمُ وَلَا حَوَّاءُ وَلَا عِيسَى ﵇ لِأَنَّهُ بَيَّنَ مَا خُلِقَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ.

стр. 4027

وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ [١٦ \ ٤] ، فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، وَفِي سُورَةِ «الْوَاقِعَةِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [٥٦ \ ٥ ٨ - ٥٩] ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ [٧٦ \ ٢] ، فِي سُورَةِ «الدَّهْرِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، «إِنَّهُ» هُنَا أَيْ: إِنَّ اللَّهَ «عَلَى رَجْعِهِ» ، الضَّمِيرُ فِيهِ قِيلَ: رَاجِعٌ لِلْمَاءِ الدَّافِقِ، أَيْ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى رَجْعِ هَذَا الْمَاءِ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ، كَرَدِّ اللَّبَنِ إِلَى الضَّرْعِ مَثَلًا، وَرَدِّ الطِّفْلِ إِلَى الرَّحِمِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: عَلَى رَجْعِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، إِلَّا أَنَّ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الثَّانِي ; لِعِدَّةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ رَدَ الْمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ وَلَا أَمْرٌ آخَرُ سِوَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ، بِخِلَافِ رَجْعِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ قَضِيَّةُ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ. وَيَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ أَحْكَامِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. الثَّانِي: مَجِيءُ الْقُرْآنِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «يس» : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ أَيْ: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [٣٦ \ ٧٨ - ٧٩] ، أَيْ: «مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ» . الثَّالِثُ: أَنِ الْأَوَّلَ يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ لِـ «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ» ، نَحْوُ اذْكُرْ مَثَلًا، بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ: هُوَ «لَقَادِرٌ» ، أَيْ: لَقَادِرٌ عَلَى رَجْعِهِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. وَنَقَلَ أَبُو حَيَّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا فَرَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ: «لَقَادِرٌ» هُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى رَجْعِهِ مُقَيَّدَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ بِتَأَمُّلِ أُسْلُوبِ الْعَرَبِ يُعْلَمُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى وَخَصَّصَ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْوَقْتَ الْأَهَمَّ

стр. 4028

عَلَى الْكُفَّارِ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْجَزَاءِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْعَذَابِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهُ. اهـ. فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي «رَجْعِهِ» عَائِدٌ لِلْإِنْسَانِ، أَيْ: بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْبَعْثِ، وَأَنَّ الْعَامِلَ هُوَ: «لَقَادِرٌ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ [١٠ \ ٣٠] ، وَسَاقَ عِنْدَهَا هَذِهِ الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي سُورَةِ «الْعَادِيَاتِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [١٠٠ \ ٩ - ١٠] . وَقَدْ أَجْمَلَ ابْتِلَاءَ السَّرَائِرِ. وَكَذَلِكَ أَجْمَلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بِإِيرَادِ الْآيَاتِ. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَمَانَةُ التَّكْلِيفِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ: بِالْحِفَاظِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَحِفْظِ الصَّوْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ الْعَقَائِدُ وَصِدْقُ الْإِيمَانِ أَوِ النِّفَاقُ، عِيَاذًا بِاللَّهِ. وَالسَّرَائِرُ: هِيَ كُلُّ مَا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ حَتَّى فِي الْمُعَامَلَاتِ مَعَ النَّاسِ، كَمَا فِي الْأَثَرِ: «الْكَيِّسُ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَبِيئَةُ سِرٍّ» ، وَقَوْلِهِ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [٦٧ \ ١٣] ، فَالسِّرُّ ضِدُّ الْجَهْرِ، وَقَالَ الْأَحْوَصُ: سَيَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ وَالْحَشَا ... سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: سَمِعَهُ الْحَسَنُ، فَقَالَ: مَا أَغْفَلَهُ عَمَّا فِي السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ قَالُوا: لَيْسَ مِنْ قُوَّةٍ فِي نَفْسِهِ لِضَعْفِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [١٨ \ ٤٨] . وَقَوْلُهُ: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [٦٨ \ ٤٣] ، أَيْ: مِنَ الضَّعْفِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ، وَلَا نَاصِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا [١٨ \ ٤٣] .

стр. 4029

وَقَوْلُهُ: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [٨٢ \ ١٩] . . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ قِيلَ: رَجْعُ السَّمَاءِ: إِعَادَةُ ضَوْءِ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. وَقِيلَ: " الرَّجْعُ ": الْمَلَائِكَةُ تَرْجِعُ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ. وَقِيلَ: " الرَّجْعُ ": الْمَطَرُ وَأَرْزَاقُ الْعِبَادِ. " وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ " قِيلَ: تَنْشَقُّ عَنِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْبَعْثِ. وَقِيلَ: تَنْشَقُّ بِالنَّبَاتِ. وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ: أَنَّ الرَّجْعَ وَالصَّدْعَ مُتَقَابِلَانِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا " [٨٠ \ ٢٤ - ٢٨] . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقٌّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ آخَرُونَ: حُكْمٌ عَدْلٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ أَيِ الْقُرْآنُ، يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقِيلَ: هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَعِيدِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [٨٦ \ ٨ - ٩] . وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ بِمَا قَالَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ أَوَّلًا، ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الثَّانِي، أَيْ: أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ رَجْعِ الْإِنْسَانِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، قَوْلٌ فَصْلٌ، وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَعَزَاهُ النَّيْسَابُورِيُّ إِلَى الْقَفَّالِ. وَسِيَاقُ السُّورَةِ يَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي ; لِأَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا فِي مَعْرِضِ إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَعْثِ، وَإِعَادَةِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ثَلَاثَةَ أَدِلَّةٍ مِنْ أَدِلَّةِ الْبَعْثِ: الْأَوَّلُ: السَّمَاءُ ذَاتُ الطَّارِقِ ; لِعِظَمِ خِلْقَتِهَا، وَعِظَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْقُدْرَةِ.

стр. 4030

الثَّانِي: خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [٣٦ \ ٧٩] . الثَّالِثُ: مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ، أَيْ: إِنْزَالُ الْمَطَرِ، وَإِنْبَاتُ النَّبَاتِ وَهُوَ إِحْيَاءُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا. فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْسَامُ عَلَى تَحَقُّقِ الْبَعْثِ. وَأَكَّدَ هَذَا مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنَ الْوَعِيدِ بِالْإِمْهَالِ رُوَيْدًا، وَقَدْ سُمِّيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِيَوْمِ الْفَصْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [٧٧ \ ١٢ - ١٥] . وَذِكْرُ الْوَيْلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْمُكَذِّبِينَ، يُعَادِلُ الْإِمْهَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِلْكَافِرِينَ، وَإِذَا رَبَطْنَا بَيْنَ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، لَكَانَ أَظْهَرَ وَأَوْضَحَ ; لِأَنَّ رَجْعَ الْمَاءِ بَعْدَ فَنَائِهِ بِتَلْقِيحِ السَّحَابِ مِنْ جَدِيدٍ، يُعَادِلُ رَجْعَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ فَنَائِهِ فِي الْأَرْضِ، وَتَشَقُّقُ الْأَرْضِ عَنِ النَّبَاتِ يُنَاسِبُ تَشَقُّقَهَا يَوْمَ الْبَعْثِ عَنِ الْخَلَائِقِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا نِسْبَةُ هَذَا الْفِعْلِ لَهُ تَعَالَى، قَالُوا إِنَّهُ: مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ كَقَوْلِهِ: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [٣ \ ٥٤] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [٢ \ ١٤ - ١٥] ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَيِّ الطَّعَامِ يُرِيدُ، وَهُوَ عَارٍ يُرِيدُ كُسْوَةً: قَالُوا اخْتَرْ طَعَامًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَةً ... قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا وَقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ، أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ فِي مُقَابِلِ فِعْلِ الْعِبَادِ ; لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمُقَابَلَةِ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَفِي مَعْرِضِ الْمُقَابَلَةِ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْكَيْدُ أَصْلُهُ الْمُعَاجَلَةُ لِلشَّيْءِ بِقُوَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ: وَالْعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ الْكَيْدَ عَلَى الْمَكْرِ، وَالْعَرَبُ قَدْ يُسَمُّونَ الْمَكْرَ كَيْدًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا [٥٢ \ ٤٢] ، وَعَلَيْهِ فَالْكَيْدُ هُنَا لَمْ يُبَيَّنْ، فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَكْرِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ -
следующие страницы →